دخولتسجيل الدخول

الدرس 53 - من صفحة 335 إلى صفحة 340

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو لقاؤنا الثالث من لقاءاتنا في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه. وما زلنا في الحديث عن «إنما»، وانتهينا إلى الصفحة الرابعة بعد الثلاثمائة، وهي نهاية الفقرة الرابعة بعد الثلاثمائة.

ثم في الصفحة الخامسة بعد الثلاثمائة: «فصل: هذا بيان آخر في إنما». ويمكنكم أن تقولوا إن هذا من أدق ما في كتاب أبي بكر، ومن أشد حاجته إلى اليقظة. الحديث كما لاحظتم ربما في «إنما» الذي جرى من الحديث في «إن»، وإن جرى من الحديث في حادثة الكندي وثعلب، لاحظتم ربما أن الحديث في «إنما» فيه حاجة إلى التدقيق والتيقظ، وهو كذلك فعلاً. وصار بعد ذلك حديث الاختصاص أو الحصر والقصر في علوم البلاغة التقريرية، لكن أنتم عرفتم جذوره في كتاب عبد القاهر، وهذه مزية كتاب عبد القاهر التي لا توجد في غيره. وهذا الفصل اليوم يحتاج منكم إلى يقظة وانتباه وشحذ ذهن، وأيسرها -إن شاء الله تعالى بتيسير الله- ستمر سهلة، فلا شيء يكون صعباً بالمراجعة، وما يكون سهلاً فهو يذهب دون المراجعة.

قال: «فصل: هذا بيان آخر في إنما. اعلم أنها تفيد في الكلام بعدها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره». إنما تفيد في الكلام بعدها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره. فإذا قلت: «إنما جاءني زيد»، فقد أردت أن تنفي المجيء عن غيره. يعني لما تقول: «إنما جاءني زيد»، استعملت «إنما»، أنت من نفس العبارة تعقل نفي هذا المسند عن غيره؛ تعقل منه أنك إذا أردت أن تنفي المجيء عن غيره، فمعنى الكلام معها شبيه بالمعنى في قولك: «جاءني زيد لا عمر»، يعني كأنك قلت: «جاءني زيد لا عمر»، لكن اسمع، إلا أن لها مزية.

وهي أن لها مزيتين؛ هذه الأولى: أن لها مزية وهي أنك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة في حال. يريد عبد القاهر هنا أنه يكفي أن تقول: «إنما جاء زيد» لتعقل من ذلك إثبات المجيء لزيد، وفي نفس الوقت نفيه عن كل مخلوق آخر، كل هذا بتلك العبارة، لا تحتاج إلى: «جاءني زيد ثم لا عمر». قال: «إلا أن لها مزية وهي أنك تعقل معها إيجاب الفعل لشيء ونفيه عن غيره دفعة واحدة في حال». وليس كذلك الأمر في «جاءني زيد لا عمر»، فإنك تعقلهما في حالين؛ تعقل الإيجاب ثم تعقل النفي في حالين.

عقلت أولاً الإيجاب في «جاء زيد»، ثم عقلت النفي في «لا عمر»؛ لأن «جاء زيد» لا تنفي المجيء عن عمر. أسألكم لو قلت: «جاء زيد»، هل معناه لم يجيء عمر؟ لا طبعاً، فلما قلت: «لا عمر»، علمت أن زيداً جاء وأن عمراً لم يجيء، ولكن بعبارتين. أما إذا قلت: «إنما جاء زيد»، فمزية هذه العبارة أنك أوجبت المجيء لمن أسند إليه، ونفيته عن كل أحد آخر بعبارة واحدة. هذه المزية الأولى التي في «إنما جاء زيد» وليست في «جاء زيد لا عمر».

قال: «ومزية ثانية»، أي أن لها كذلك مزية ثانية، قال: «ومزية ثانية وهي أنك تجعل الأمر ظاهراً في أن الجائي زيد». ولا يكون هذا الظهور إذا جعلت الكلام بلا «إنما»، فقلت: «جاءني زيد لا عمر». المراد بالظهور هنا أيها الإخوة معنى القوة؛ يعني لو قلت: «جاءني زيد لا عمر»، لم يكن في معنى قوة قولك: «إنما جاءني زيد». لماذا؟ ما السبب؟ السبب في هذا هو وقوع تلك الأداة في صدر الكلام أولاً، ولأن النفي الذي وقع بها عام، «إنما جاء زيد» حدث دفعة واحدة، واستثنى الذي أسند إليه المجيء فقط. إذا وقعت الأداة في صدر الكلام، ووقع بها النفي العام دفعة واحدة، واستثنى واحداً، استثنى المتكلم بها واحداً، كل هذا بـ«إنما»؛ لأنها للنفي والاستثناء، ولهذا قلنا إنها في معنى «ما إلا»، مثل: «ما جاء إلا زيد»، و«إنما جاء زيد» هي «ما جاء إلا زيد». فجاء النفي عاماً بها، وجاء الاستثناء لمن أسند إليه الفعل المنفي فأثبت له، وما كان النفي فيه عاماً كان الإثبات للمستثنى أقوى.

قال: «ثم اعلم»، إذ فيها مزيتان يا إخوة؛ يعني «إنما جاء زيد» فيها مزية على «جاء زيد لا عمر». أولاً: أنك توقِع الإيجاب والنفي بقول واحد، بعبارة واحدة، في حال واحدة. وثانياً: ظهور النفي والإثبات وقوة الإثبات؛ لأن النفي يكون عاماً قوياً مع الاستثناء؛ لأنها في معنى النفي والاستثناء، قالوا هي في معنى «ما إلا».

ثم اعلم أن قولنا في «لا» العاطفة، وهي «لا عمر»، إنها تنفي عن الثاني ما وجب للأول؛ ليس المراد أنها تنفي عن الثاني أن يكون قد شارك الأول في الفعل، بل إنها تنفي أن يكون الفعل الذي قلت إنه كان من الأول قد كان من الثاني دون الأول. يريد عبد القاهر أن يقول إنها تستعمل فيما عرف في البلاغة «تقرير بقصر القلب» وليس «قصر الأفراد». هناك قصر القلب، يعني لما أقول لك: «جاء زيد لا عمر»، لا يريد بذلك أنك حسبت أن الاثنين قد جاءا، فأنت تقول له: «جاء زيد لا عمر».

لما يقول لك أحد جاء زيد وعمرو، تقول له جاء زيد لا عمرو. في دقة الدلالة، ليس المراد أنك تنفي عن الثاني أن يكون شارك الأول في الفعل، بل تنفي الفعل الذي قلت إنه كان من الأول، يعني حصل من الأول قد كان من الثاني دون الأول.

أنت تجيب بها من يظن أن الثاني هو الذي جاء دون زيد، فتقول له: جاء زيد لا عمرو. بل إنها تنفي أن يكون الفعل الذي قلت إنه قد كان، قد كان من الثاني دون الأول. وقد أضاف "قد" في كلام عبد القالق قبل مثل هذه المواضع. المهم الذي قلت إنه كان من الأول قد كان من الثاني دون الأول.

ألا ترى ليس المعنى في قولك: "جاءني زيد لا عمر"، أنه لم يكن من عمر مجيء إليك مثل ما كان من زيد؟ حتى كأنه عكس قوله: "جاءني زيد وعمرو". ألا ترى ليس المعنى في قولك: "جاءني زيد لا عمر"، أنه لم يكن من عمر مجيء إليك مثل ما كان من زيد، ومعروف حروف النفي؟ حتى كأنه عكس قولك: "جاءني زيد وعمرو"، بل المعنى أن الجائي هو زيد لا عمر. فهو كلام تقوله مع من يغلط في الفعل، فيتوهم أنه كان من ذاك، فتقول له إنه كان من هذا.

إذاً الاستعمال الصحيح في قولك: "جاءني زيد لا عمر"، "نجح زيد لا عمر"، ليس في موضع أنك تحسب أن عمراً يشاركه، فأنا أنفي لك، أقول: فعل فلان لا فلان. المقصود أنك تحسب أن الثاني هو الفاعل وأن الأول لم يفعل، فتقول له: الفاعل هو الأول. "جاء زيد لا عمرو"؛ يعني هناك واحد جاء، وهذه العبارة يدفع بها الظن بأن واحداً قد جاء وهذا الواحد خطأ، فتقول له: جاء زيد لا عمرو. يعني الواحد الذي جاء في ذهنك هو زيد لا عمرو، أنت عندك في ذهنك واحد جاء لكن تعيينه غلط، هو زيد لا عمرو. ولا ترد بها، أو لا تصحح بها، لمن يحسب أن المجيء قد كان من كليهما.

قال: "والنكتة"، يقول النكتة ليضع يدك على الموضع الذي تستعمل فيه هذه الصيغة، النكتة، الفكرة، أين؟ ولماذا استعملته في هذا دون ذاك؟ لماذا استعملته في صورة القلب التصحيح وليس في صورة الحصر أو القصر؟ لماذا قصد القلب للأفراد على الاصطلاح البلاغي المتأخر؟ لماذا هو قصر قلب، يعني تقلب الصورة من فلان إلى فلان، وليس قصر أفراد، يعني تفرده بها دون فلان؟

لماذا قال: "والنكتة"؟ كأنك تقول الآن: لماذا لا استعملها في هذا يا عبد القاهر؟ تقول لك: "والنكتة" أنه لا شبهة في أن ليس هاهنا جائيان. أيضاً يردك إلى استعمال العبارة، سبحان الله، كما في الفعل في الصفحة السابقة. الآن قال: فهو كلام تقوله كذا، قال: "ألا ترى ليس المعنى في قولك كذا"، فيردك إلى استعمالك كذلك. يقول هنا: "والنكتة أنه لا شبهة في أن ليس هاهنا جائيان"، يعني لا يقول لك العربي لا يستعمل هذا في وجود جائيين وأنه ليس إلا جاء واحد، بل يقول: إنه لا شبهة في أن ليس هاهنا جائيان وأنه ليس إلا جاء واحد، وإنما الشبهة في أن ذلك الجائي زيد أم عمر.

شوف، هو يردك الاستعمال. طيب، إذا كان الشخص لا يستعمل ماذا سيفعل؟ حتى حجة عبد القاهر لن تقوم عليه. رايتم؟ وإنما الشبهة قال: "وإنما الشبهة في ذلك أن الجائي زيد أم عمر". فأنت تحقق على المخاطب بقولك: "جاءني زيد لا عمرو"، أنه زيد وليس بعمرو، يعني أن الجائي الذي وقع منه هو زيد لا عمرو.

قال: "ونكتة أخرى"، وهي أنك لا تقول: "جاءني زيد لا عمر" حتى يكون قد بلغ المخاطب أنه كان مجيء إليك من جاء، إلا أنه ظن أنه كان من عمرو، فأعلمته أنه لم يكن من عمرو ولكن من زيد.

طيب، شوف يتدرج بنا عبد القاهر. تيقظوا في هذه الحصة، يعني فيه شيء من الصعوبة إلى أن ننتهي من الكلام في القصر والاختصاص وما وإلا وإنما.

أخونا، هل من الذي قال لم يفهم؟ أنا قرأت أحداً قال لم أفهم منذ لحظة. أنا مولانا، ماذا استشكلت يا سيدي؟ - نعم مولانا، أنا استشكلت فقط في آخر الفقرتين مع الفقرة التي قبلها. كان يقول من قبل إن قولنا "جاء زيد لا عمر" لا تنفي قولنا "جاء زيد وعمرو"، أو ليست مقابلة لقولنا "جاء زيد وعمرو"، لكن في الفقرة الثانية كان يقول إن الذي جاء واحد، ونحن ننفي أنه عمرو ونثبت أنه زيد، فكأنه أشكل عليه مولانا.

لا، لحظة، كيف أشكل عليك؟ أين التعارض في الكلام؟ طيب أسامة الحمادي، تريد أن تصحح شيئاً؟ - نعم مولانا، أنا تقريباً أفهم إشكال أخي محمد. هو يقصد أنه في الأول كان عبد القاهر قال إنه لا ينفي مجيء عمرو وزيد، ثم قال إنه ينفي. هنا الذي فهمته أن عبد القاهر ركز أن هذه العبارة عندما تقول: "جاء زيد لا عمر"، هي جواب لمن يعتقد المجيء من شخص ولكنه يظنه أنه وقع لعمر لا لزيد. هذا ما قلته بعينه أصلاً في الشرح.

نعم، هو الذي أشكل على محمد، أنه ظنها أنها ليست للنفي من الأول التي هي للعاطفة. لا، هي نفي. الخلاصة هو يقول لك: قولك "جاءني زيد لا عمر" لا تجب به من ظن مجيء من اثنين، فأنت تفرد له واحداً تقول له: الذي جاء هو زيد وليس زيداً وعمراً كما تحسب. عبد القاهر يقول لك لا يستعمل هذا الأسلوب، لا يستعمل هذا التركيب هنا لما يكون شخص يظن.

اسمع الآن، لما شخص يظن مجيء اثنين، لا يقال له: جاء زيد لا عمر. يا عبد القاهر، من الذي يقال له جاء زيد لا عمر؟ الشخص الذي علم بوجود مجيء، ولكن الجائي وقع في نفسه خطأ، فأنت تقول له: جاء زيد لا عمر، يعني جاء زيد هو الذي جاء، ولم يجيء عمرو الذي حسبت أنه هو الذي جاء دون زيد؛ الذي جاء هو زيد وليس عمرا.

أنت تقول هذا، تقول: جاء زيد لا عمر لمن يثبت مجيئا، وهذا قدر صواب، لكن إلى عين غير صحيحة، وهذا قدر خطأ وقع فيه الغلط، فأنت تقول له: جاء زيد لا عمر. لهذا قلت لك هناك قصر قلب في الاصطلاح البلاغي المتأخر، قصر قلب وقصر أفراد. لما تقول له: جاء زيد لا عمر، يعني جاء زيد وليس الذي جاء عمرو كما كنت تحسب، يعني يا فلان أنت كنت تحسب أن الذي أتى هو عمرو، أنا أقول لك الذي أتى هو زيد، الذي جاء هو زيد، فهذا يسمى قلبا؛ لأنه قلبه عن قلب الظن من واحد إلى الآخر، بخلاف الأفراد الذي أفرد واحدا دون الآخر. وضحت الآن يا محمد؟

نعم والله جزاك الله خيرا. المخاطب يعلم أن المجيء كان من واحد لا من اثنين، والنكتة أنه لا شبهة. والنكتة الأخرى يثبت بها هذا؛ النكتة الأولى أنه ليست الشبهة هنا التي يقع فيها الكلام أنه يوجد جائيان، العبارة لا نستعملها في وجود جائين. والنكتة الأخرى أنك لا تقول: جاءني زيد لا عمر، إلا إذا علمت بحصول مجيء من واحد ولكن وقع الخطأ في تعيينه.

يقول: وإذا عرفت هذه المعاني في الكلام بلا العاطفة، فاعلم أنها بجملتها قائمة لك في الكلام. فإذا قلت: إنما جاءني زيد، لم يكن غرضك أن تنفي مع زيد غيره، ولكن أن تنفي المجيء الذي قلت إنه كان من عمرو. نفس الكلام، لو قلت: إنما جاء زيد، كأنك قلت: انتبه، جاء زيد وليس عمرا كما حسبت، وإنما الذي جاء هو زيد. فإذا قلت: إنما جاءني زيد، لم يكن غرضك أن تنفي أن يكون قد جاء مع زيد غيره، ولكن أن تنفي المجيء الذي قلت إنه كان من عمرو، نفس الكلام ونفس الفكرة يا محمد ويا أسامة والإخوة الكرام.

وكذلك تكون الشبهة مرتفعة في أن ليس هاهنا جائيان، ليس هناك شبهة في أنها هاهنا جائيان، وإنما تكون الشبهة في أن ذلك: أ جاء زيد أم عمر؟ فإذا قلت: إنما جاءني زيد، حققت الأمر في أنه زيد. وكذلك لا تقول: إنما جاءني زيد حتى يكون قد بلغ المخاطب أن قد جاءك، ولكنه ظن أنه عمرو مثلا فآلمته أنه زيد. النكتة الأخرى هي أنك لا تقول: جاءني، حتى يكون قد بلغ المخاطب أنه كان مجيئا إليك، إلا أنه ظن كذا وكذا. كذلك أجرى نفس الأمر على «إنما»، نفس النكتة في الفقرتين: لا شبهة في أنها هاهنا جائين، وكذلك لا تقولوا: إنما جاء زيد، إلا بعد علم المخاطب بوجود مجيء، لكن عينه خطأ.

فإن قلت: يا عبد القاهر، فإنه قد يصح أن تقول: إنما جاءني من بين القوم زيد وحده، وإنما أتاني من جملتهم عمر فقط، فإن يقول عبد القاهر: فإن ذلك شيء كالتكلف. ما علة التكلف هنا يا إخوة؟ نحن كما قلت في الشرح نأخذ خطوة بعد عبد القاهر؛ علة التكلف أن ظاهرة ووظيفة التركيب في أن الظن أن القوم جميعا وقع منهم مجيء، وأنت تنفيه عن القوم وتثبته لواحد، فأنت خرجت عن طبيعة الكلمة في «إنما جاء زيد»، وأخذت تقول: إنما جاءني من بين القوم، فأنت زدتها «من بين القوم»، وإنما أتاني من جملتهم، فأنت وضعت قيودا جعلت الكلام متكلفا.

هذه علة التكلف هنا؛ أن التركيب أهدر استعمال حرف من كلماته، لأن وظيفة التركيب هنا في أن الظن أن القوم جميعا وقع منهم مجيء، فهل «إنما» هنا تتناسب مع كون القوم جميعا وقع منهم مجيء؟ هذا متكلف، ظاهر التركيب ووظيفة هذه الصيغة أن القوم جميعا وقع منهم مجيء، وكان عبد القاهر يقول لك: وهذا ليس مرادا أصلا. لا يتصور أن القوم جميعا جاء منهم مجيء، ففهمت لماذا قال تكلف؟

والكلام هو الأول، عجبتني هذه العبارة جدا، يعني الكلام الصحيح البعيد عن التكلف، فالكلام الأول كلام لا يحتاج إليه. فهمتم لماذا هو متكلف؟ لأنه لا يحتاج إليه، لأنه لا أحد سيظن أن الجميع قد جاؤوك، فأنت تدفع شبهتنا بهذا. فهمتم لماذا قال تكلف؟ لابد يا إخوة في شرح الكتب أن تأخذوا خطوة بعد عبد القاهر، بعد صاحب الكتاب حتى تفهموا الأصل الذي هذا معناه. دراسة الكتاب: ما الفرق بين قراءة الكتاب ودراسة الكتاب؟ قراءة الكتاب أن تقرأ ما أراد المؤلف أن يقول وانتهينا، أما دراسة الكتاب أن تدرسه بمعنى تدرس أصوله وما وراءه، هذا معنى.

ما معنى الدراسة؟ ما معنى التفكر؟ لما أقول تقرأ قراءة أو دراسة توقيف، يعني تقف على العبارات وتتأمل. تتأمل في ماذا؟ ممكن لمتقن العربية أن يقرأ ويأخذ الظاهر وينتهي ويصدق، ويغلق عليها كما هي، إنما نحن ينبغي أن نسأل في كل شيء: لماذا؟ ما الأصل الذي به قال هذا؟

فإن قلت: إنه قد يصح أن تقول «إنما جاءني من بين القوم زيد وحده»، و«إنما أتاني من جملتهم عمر فقط»، فإن ذلك شيء كالتكلف، والكلام هو الأول، يعني الصحيح البعيد عن التكلف. وقلت لكم لماذا؟ ثم الاعتبار به إذا أطلق فلم يقيد بوحده وما في معناه؛ لأنك إذا قلت «إنما جاءني من بين القوم زيد وحده» و«إنما أتاني من جملتهم عمر فقط»، لماذا هذه الزيادة؟ لأن قولك «وحده» و«فقط» كأنه يؤكد أنه كان يظن المجيء من القوم كلهم، وهذا أصل ليس موجوداً.

فأنت إذا أرجعتها إلى أصلها، كان هذا الأصل هو المعتبر في نظر وظيفة «إنما» وموطن استعمالها، وهذه القيود زائدة ولا يطلبها أصل الكلام؛ لأنه لا يظن المجيء من القوم جميعاً. ومعلوم أنك إذا قلت «إنما جاءني زيد» ولم تزد على ذلك، فإنه لا يسبق إلى القلب من المعنى إلا ما قدمنا شرحه؛ من أنك أردت النص على زيد أنه الجائي، وأن تبطل ظن المخاطب أن المجيء لم يكن منه.

المخاطب قد يظن أن المجيء لم يكن من زيد، فتعمل «إنما» قلبًا؛ لأنك أردت النص على زيد وأن تبطل ظن المخاطب، ولكن كان من عمر حسب ما يكون. إذا قلت «جاءني زيد لا عمر»، فإني أسقط لك «إنما» في مواطن الاستعمال بهذه الصورة.

ركزوا الآن في الآتي يا إخوة، سنأخذ مرحلة جديدة في الكلام في «ما» و«إنما». تفضل يا حمياري، هل أوضحت لي الفرق بالضبط بين «إنما» و«لا» العاطفة هنا في هذا الموضع؟ لا فرق، هو يقول لك الآن لم يوضح فرقاً ولم يدرس فرقاً. ركز معي، إلى الآن ليس فرقاً، هو يقول لك في مواطن الاستعمال «إنما» تستعمل كما تستعمل العبارتان في الإثبات وفي الإيجاب والنفي.

«جاء زيد لا عمر» يقول لك إنها تستعمل للإفراد والقلب، لا للإفراد فقط؛ فلا تستعمل في من ظن أن المجيء كان من كليهما، بل تستعمل في من ظن أن المجيء كان من أحدهما وأخطأ الظن في التعيين. فيقول لك «إنما» هي نفس الكلام، خلاص الآن لم يتكلم في فروق إطلاقاً. ركز، هذا الباب أعرف أنه فيه تشعب وفيه شرح كثير، ولعله بعده إن شاء الله. وبالمناسبة سألين الكتاب، وسيكون تكراراً كثيراً لكل ما فات تقريباً، ولكن سيكون زيادة نظر وجدالات وإقامة حجج، وفي ذلك سنقف على نصوص مهمة جداً وثمينة في الحقيقة.

سألين وسيظل في الفكرة الرئيسة للكتاب، لكن «إنما» وكذا هذه الأبواب هي عنق الزجاجة في الكتاب؛ فلذلك نركز فيه إن شاء الله حتى نقصر المحاضرة دون أن نطيلها. يقول: «وإذ قد عرفت هذه الجملة»، خلاص انتهينا من عبارة «جاء زيد لا عمر»، نرجع الآن لـ«إنما» ولأصلها الذي هو «ما» إلا.

فإنا نذكر جملة من القول في «ما» إلا وما يكون من حكمها، فانتتبه الآن لأنه سيتكلم عن جملة «ما إلا»، عن أسلوب «ما إلا» وأسلوب «إنما». سيتكلم عن جملة «ما إلا» التي ستفترق وتلتقي مع «إنما»، فتيقظ معي. هو سيتكلم الآن عن «ما إلا» في النفي والإثبات الصريح، في النفي والاستثناء، لكنه هنا صريح بخلاف «إنما».

اعلم أنك إذا قلت: «ما جاءني إلا زيد»، احتمل الأمر شيئان: أحدهما أن تريد اختصاص زيد بالمجيء، وأن تنفي عن غيره المجيء. يكون كلامك هذا لأن المخاطب بحاجة إلى أن يعلم أن زيداً قد جاءك، ولكن لديه حاجة إلى أن يعلم أنه لم يأتِ إليك غيره؛ لأنه لو كان ذلك لقلت له: «جاءني زيد» وانتهينا. لكن لما قلت «ما جاءني إلا زيد»، علمنا أنك تريد سد حاجته وهي نفي المجيء عمن سوى زيد، أي أن تفرد زيداً بالمجيء.

وهذا يشبه فروق الكندي ووثاق أبي العباس؛ أعتقد أن الفيلسوف ربما يقول: العرب تقول «ما جاءني إلا زيد» و«جاءني زيد» و«إنما جاءني زيد» وكذا، وهذا كله في معنى واحد، و«جاء زيد لا عمر» وكذا، وهذا كله في معنى واحد. فالفلاسفة من حيث كونهم فلاسفة لا يقفون على الفرق.

والثاني أن تريد الذي ذكرناه في «إنما»، ويكون كلاماً تقوله ليعلم أن الجائي زيد لا غيره، وهذا هو القلب.

تقوله ليعلم أن الجائي زيد لا غيره؛ فمن ذلك قولك للرجل يدعي أنك قلت قولًا، وهو في الحقيقة هناك قول آخر، فيدعي أنك قلت قولًا ثم قلت خلافه، فتقول: «ما قلت اليوم إلا ما قلته أمس بعينه».

ويقول: «لم ترَ زيدًا؟ وإنما رأيت فلانًا»، فتقول: «بل لم أرَ إلا زيدًا»، أي ما رأيت إلا زيدًا، فهذا هو القلب. إذًا «ما» و«إلا» تستعمل في الإفراد وتستعمل في الحصر، فيبقى تنتبه إلى ماذا؟ إلى أن «إنما» تستعمل في القلب؛ «إنما جاء زيد»، وإن «ما» و«إلا» تستعمل في الاثنين. ركز معي، كلام جميل حتى تعرف كيف تتكلم.

لتعرفوا مصائب قضية الشعر، أحد الإخوة في مجلس أمس أرسل إليّ -لحظة هذا هو- أرسل إليّ نصًا لأحد شعراء السعودية، وتعجبت جدًا في الحقيقة؛ لأن مستواه أحسن من هذا، وهو أحد الإخوة من السعودية وهو سالم التميمي. أنا تعجبت وطلب مني أن أقرأها، طبعًا هو أخ فاضل قال: «أنا ما أقصد إلا التعليق النقدي عليها وكذا»، أرسلها أخ من السعودية أيضًا، وأنا أسعدني أمس أنني قرأتها وعلقت عليها، فأسعدني أن الجميع من كل الطوائف، من سنة ومن شيعة، كأنهم لم يروها شيئًا، قالوا: «هذا غريب، مستواها غريب»، حتى إن البعض من السعودية أخذ يرسل إليّ نصوصًا أخرى لأخينا سالم التميمي، قلت لهم: «أنا أعرف أنه ليس على هذا المستوى ولهذا أنا عجبت منه جدًا»، لم يسلم بيت في هذه القصيدة، تخيلوا! وتعجبت من سذاجتها وطفولتها جدًا.

يقول: علامة تعاوي اللاطمات نياحة ... وقد قتل ابن الأشتر بن زياد كفى ثار أهل البيت في يوم خازر ... وإن أبطن المختار خبا فساد وكان من السفاح يوم عصبصب ... على آل مروان كصرصر عادي شفى هاشمًا إلى آخره.

ثم يقول: فمما بكاء القوم بعد وقائع ... بها اكتحلت أجفان كل مرادي

انظروا إلى الخطأ في المعنى، أنا سأصل إلى شاهد الآن، لكن الحديث بالحديث يُذكر. قال: أفي سبط خير المرسلين وانه ... يراوح في جناته ويغادي؟

يتكلم عن لطمهم وعن ثأرهم وأنهم يرغبون في الثأر، فيقول: «أفي سبط خير المرسلين وانه يراوح في جناته ويغادي؟». أنا لم أفهم؛ من قال إن القتيل إذا كان يراوح في الجنات ويغادي فليس له ثأر؟ يعني سيكون في النار عشان يكون له ثأر؟ أنا عجبت من الكلام، ما الذي في هذا الكلام؟ بأي شيء تقيم حجة؟ «أفي سبط خير المرسلين وانه يراوح في جناته ويغادي»، ثم ماذا؟ «وكسوته في برسخ الخلد ضاحكًا ... حرير نعيم لا مسوح حداد».

ثم ماذا؟ لم أفهم المقصود. أظنكم أن الحسين بشقوه كفرتم... بني النوكا بمنزل صادي، مش قادر أفهم. من ظن أن الحسين في شقاء؟ سألت الشيعة في المجلس: «أتقولون إن الحسين في شقاء؟»، قالوا: «بل هو كذا وكذا»، قلت لهم: «من أين جاء بهذا الكلام أصلًا؟».

ثم يقول بعد ذلك: فإن يكفي طوبى فهلا أخذتم ... بهدي أبيه دون مغث عنادي

أنا لا أفهم، ما العلاقة أن يكون في طوبى؟ فلم أفهم ما العلاقة بين الثأر وبين أن المقتول في النعيم أو في الجنة أو من الصالحين، يعني هو سيعذب في النار فإذا أخذ بثأره سيخرج؟ لم أفهم الكلام. ثم أخذ يشتم، فقال: «ولا أقول يشتم لا يهجل»، لأن الكلام ليس فيه معنى، لكن هناك عبارة أقول لكم: انظروا لدقة عبد القاهر في العبارات وضرورة أن تعرفوا موضع استعمال العبارات، وانظروا إلى استعمال الكلام كيف كان.

انظروا فقط إلى العبارة: ولو أنني كلمت عيرًا أجابني ... برشد وما منكم رجاء رشادي

ولو أنني كلمت عيرًا أجابني برشد! كيف ظن أنه لو كلم الحمار أجابه برشد؟ «وما منكم رجاء رشادي»، يقول: «ولو أنني كلمت عيرًا أجابني برشد»، هو يريد أن يقول: «ولو أجابني العير برشد ما أجبتموني»، على طريقة «لو أسلم حمار عمر»؛ كنا نقول: «لو أسلم حمار عمر ما أسلم عمر». هو يريد أن يقول: «ولو أن الحمار تكلم برشد ما تكلمتم برشد»، فقال ماذا؟ «ولو أنني كلمت عيرًا أجابني برشد»، رأيتم أي مستوى نتكلم فيه في الدلالة، وأي مستوى تستعمله الشعراء الآن الذين يقال فيهم فحول؟ طبعًا ليس فحولًا، أنا أقول هو موهوب، لكن رأيتم المستوى في هذا الكلام!

على رأي أخونا محمد يقول: «هذا مع من؟ وعلى من؟»، لا تعرف، حقيقي لا تعرف، لا تفهم هو ماذا يقول. ليس فيها بيت واحد صحيح، ليس طفوليًا غريبًا، أنا تعجبت حتى طلبت من الإخوة أن يوثقوا لي أنها لسالم التميمي، في المجلس قلت لهم: «قصيدته في القهوة أفضل من هذه ألف مرة»، فيبدو أنه لا يعرف هذا الباب إطلاقًا، لكن لدرجة انعدام الموهبة هكذا، هذه سقطة ليست سقطة عادية، لو كان متوسطًا في الشعر كانت هذه سقطة، لكن «ولو أنني كلمت عيرًا أجابني برشد»، تقول: «ولو أن العير أجابني برشد ما أجبتموني برشد»، هذا ما يريد أن يقول، لكنه قال: «ولو أنني كلمت عيرًا أجابني برشد».

بالضبط، هي نفس الأغاظة، لم ينتبه حتى فيها للدلالات، كلام العرب، لم يكن عربيًا أصلًا في هذا الكلام للأسف، أنا حزنت جدًا لأنها كانت سقطة شديدة جدًا جدًا في الأسلوب، هي نزلت تحت مستوى الطفولة أصلًا. فتذكرتها الآن لأجل ماذا؟ لأجل هذه الدلالة في كلام عبد القاهر.

عبد القاهر يقول لك: أسلوب «ما» و«إلا» يستعمل في الموضعين؛ في الإفراد وفي القصر. أسلوب «إنما» يستعمل في القلب فقط. أسلوب «ما» و«إلا» يستعمل في الإفراد والقصر، أما «إنما» يستعمل في القلب فقط؛ يعني لا تقول «إنما» إلا لمن عرف شيئًا، لكن أسنده إلى واحد دون الصحيح ونفاه عن الصحيح، فأنت أثبتته للصحيح ونفيته عن غير الصحيح، هذا اسمه قلب. أما «ما» و«إلا» فesteذا الأسلوب يستعمل أحيانًا في هذا وأحيانًا في هذا، يعني يمكنك أن تقول: «ما جاء إلا زيد»، أهو اختصاص زيد بالمجيء؟ وأن تنفيه عمن عداه، وأن يكون كلامًا.

تقوله لأن لا، لأن المخاطب بحاجة إلى أن يعلم أن زيدًا قد جاءك، ولكن لأن به حاجة إلى أن يعلم أنه لم يأتِ إليك غيره.

الآن وضح الاستعمال والابتساع والتقاطع والافتقار بين «ما» و«إلا» في أمور الإفراد والقصر. «ما» و«إلا» تستعمل في الإفراد والقصر بحسب السياق، و«إلا» تستعمل في القصر فقط. يبقى عندك «ما» و«إلا» تستعمل فيه، ومعناه يحتمل أمرين: أحدهما الأول وهو الإفراد، والثاني هو القصر.

يقول: فمن ذلك قولك للرجل يدعي أنك قلت قولًا ثم قلت خلافه: «ما قلت اليوم إلا ما قلته أمس بعينه»، ويقول لم أزد عليه، لم آتِ بشيء آخر. ويقول لم ترَ زيدًا وإنما رأيت فلانًا، فتقول: «بل لم أرَ إلا زيدًا»، وأنا أقصد أنني لم أقل هذا وإنما قلت هذا.

فمن ذلك قولك للرجل يدعي أنك قلت قولًا ثم قلت خلافه: «ما قلت اليوم إلا ما قلته أمس بعينه»، ويقول لم ترَ زيدًا وإنما رأيت فلانًا، فتقول: «بل لم أرَ إلا زيدًا». وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117]؛ لأنه ليس المعنى أني لم أزد على ما أمرتني به شيئًا، ولكن المعنى أني لم أدعُ ما أمرتني به أن أقوله لهم وقلت خلافه.

السؤال هنا: ما الذي يحدد أحد الوجهين؟ الذي يحدد أحد الوجهين في «ما» و«إلا» هو سياق الكلام ودلالة الحال على الوجه. يعني مثلا في الآية الكريمة ارجع إلى السياق، سياق الآيات، وكذلك البيت الذي بعدها: «هنا قد علمت سلمى وجاراتها ... سترى في ذلك دلالة على ماذا؟» على حال المعنى؛ لأنه يدل على حادثة بعينها يطلب نفي الفاعل فيها عمن سوى الشاعر. هنا في هذه الحادثة: «قد علمت سلمى وجاراتها ما قطر الفارس إلا أنا»، يعني هناك من قطر الفارس. «ما قلت لهم إلا ما أمرتني به» إذا قلت لهم، لكن لم أقل إلا الذي أمرتني به.

قال ومثال ما جاء في الشعر من ذلك قوله: «قد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلا أنا» المعنى أنا الذي قطر الفارس، وليس المعنى على أنه يريد أن يزعم أنه انفرد بأن قطره وأنه لم يشركه فيه غيره؛ يعني إذا الكلام على حادث بعينه.

قال وها هنا كلام ينبغي أن تعلمه، إلا أني أكتب لك من قبله مسألة لأن فيها عونًا عليه. يا سلام يا أخي، تشعر الإخلاص، يعني يثج منه رحمه الله ورضي عنه. شوف التفريق بين العلم والإخلاص للعلم؛ الذي يخلص لشيء يا أخوه يبلغ، والذي يفرق همه سيكون عنده تحصيل وفروع وثقافة، لكن لن يكون مرجعًا.

هذا هو؛ هناك من عنده علوم، بالمناسبة هناك من يقال فيهم متفنون، هذا موجود في بعض العلماء، لكن هذا المتفنن لن تراه مرجعًا في كل الفنون التي شارك فيها. وهناك من قام على علم وألقى عليه كلكله، وضرب في أرضه جيرانه، فأثمر فيه وصار مرجعًا، صار ركنًا لا يزول في هذا العلم. وهكذا من ألقى بعاعه في علم وفي أرض ارتبط بتلك الأرض وشد إليها وصار من ماهيتها، ولذلك عبد القاهر إلى يوم الدين مشدود إلى هذا العلم، فاختر لنفسك، اختر لنفسك.

بالمناسبة الموضوع ممتع، كان أحد الإخوة الفضلاء له تفنن وكذا قبل فترة قريبة، فنصحته قلت له: بالمناسبة الشيء الذي يغرك هنا هو أنك سترى لنفسك قدرة. أنا لا أنفي أنك سترى نفسك لأنك ذكي وموهوب ودارس، لا شك أنك في بدايات كل علم سترى لنفسك مشاركة، أنا أعرف هذا، أنا بالنسبة لي مثلا لا يوجد علم لا أشارك فيه، يعني لا ينغلق علي من أوله لا أفهم منه شيئًا، ولكن ليس معنى هذا أنني سأكون منتجًا ومرجعًا يرجع إليه في كل علم من هذه العلوم. هذا الشبر الأول يغرك، فهمتم؟ يغرك. فانما تختار العلم الذي تجد طبعك يوافقه.

انتبهوا إلى هذه النصيحة أيها الإخوة. درست الفقه وأجزت فيه، ودرست أصول الفقه وأغرقت فيها وكانت أحب إلي من الفقه، ودرست علم الكلام ودرست المنطق، لم يفتح له قلبي، فتح له عقلي. ودرست كل علوم فروع الشريعة، العلم الذي لم آخذ فيه وبغضته من الأول هو السحر، لا أعرف فيه شيئًا إطلاقًا، ألف باء السحر لا أعرفه، لكن لما ذكر فيه من الكفر وأسباب الكفر ومن كذا والاستعانة بغير الله ومحاربة الله وما فيه من اللحوق بالكافر مباشرة وما يذكر من عدم التوبة، كل هذا منذ صغري صدني عنه ولو بالثقافة. لا أعرف عنه شيئًا إطلاقًا، ألف باء السحر لا أعرفه، ولا أعرف إذا كانت هذه المعرفة أو هذا الجهل به يضرني أو لا يضرني، لا أدري، لكن لا أعرف عنه شيئًا إطلاقًا، حقًا ولا من رجالاته ولا من علمائه.

أما سائر العلوم اللسانية والعقلية والشرعية، فهذه خط في كل علم فيها، لكن بعد ذلك باختبار نفسي على سنين عرفت أن الذي تتعلق به نفسي وترنو إليه إلى آخرها دون ملل هو النظر في ثنايا الكلام العالي؛ هذا هو استنباط الدلالات من ثنايا العبارات المختصرة والإشارات الدقيقة. هذه الكلمة التي تُلقى فتتداعى المعاني من أول المعنى اللغوي فيها في موقعها التركيبي، تتداعى المعاني وتتلاحم وتنشد إلى بعضها في التركيب وترمي إلى معاني بعيدة، ثم أعود كيف صنع الشاعر هذا؟ هذا إنسان غير طبيعي.

هذا الالتذاذ بتكوين النص أو بتفكيك النص وتفسيره واكتشافه، وجدتني منذ صغري على أنني كنت أقرأها هاويًا، وجدتني منذ صغري أميل ميلاً شديدًا إلى النصوص العالية والروايات ذات اللغة العالية، ولهذا كنت أنفر من المترجمات ترجمة رديئة، وكانت الرواية المكتوبة بالعربية ابتداءً أحب إلي من الرواية المترجمة ترجمة رديئة، لكن إذا كانت رواية غربية ومترجمة ترجمة عالية دقيقة أو على الأقل أعيدت صياغتها كما كان يفعل المنفلوطي رحمه الله، هذه كانت مقدمة عندي؛ لأن الغرب تفوق في الرواية في الحقيقة إذا تجاوزنا نجيب محفوظ طبعًا، هذا عملاق عالمي في فن الرواية. المهم، وجدتني هكذا، وأحب جدًا حصة في الابتدائية والإعدادية؛ حصة النصوص، حصة الأدب في الابتدائية، وتفسير الشعر وكذا، وفك العبارة.

كان هذا، وإن كان على الهامش، وهو هايه ظل يلازمني وظل يكبر معي إلى أن انفجر في العشرينيات أو في منتصف العشرينيات تقريبًا مع الدراسات البلاغية القرآنية، فإذ بي أقبع مدة في عبد القاهر وفي الزمخشري معًا، فعرفت أنني بدأت حياة جديدة، وعرفت أنني لن أخرج من هذا الوادي الدمث الخصيب الدائم، يعني لن أتربع غيره.

فسبحان الله، المهم أن تعرف من تكون. عبد القاهر؛ انظر، والله هذه وحدها عبارة تشهد بأن هذا الباب بابه، وأن العلم بهذا التحليل والتفصيل والتحصيل هو بابه، سبحان الله. يقول: «و ها هنا كلام ينبغي أن تعلمه، إلا أني أكتب لك من قبله مسألة لأن فيها عونًا عليه».

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. في تقديم اسم الله عز وجل معنى خلاف ما يكون لو أُخّر، وإنما يبين لك ذلك إذا اعتبرت الحكم فيما، وحصلت الفرق بين أن تقول: «ما ضرب زيدًا إلا عمرو»، وبين قولك: «ما ضرب عمر إلا زيدًا».

هو يرد «إنما يخشى الله من عباده العلماء» إلى نفس فكرة أسلوب «ما... إلا»، وسيشرَح لك الآن ما في «ما... إلا»، ثم يرجع بك إلى الآية. اسمع ما الفرق بين «ما ضرب زيدًا إلا عمرو» وبين قولك «ما ضرب عمر إلا زيدًا». خذ قبل أن نقرأ الفقرة التي فيها التفصيل هذه القاعدة: الاختصاص الذي في هذا الأسلوب يقع في الذي بعد «إلا»، في الإثبات بعد النفي العام. الاختصاص يقع في الذي بعد «إلا» بعد النفي العام، بما فهمت؟

تعالوا الآن نعرف الفرق. قال: «والفرق بينهما أنك إذا قلت: ما ضرب زيدًا إلا عمر، فقدمت المنصوب، يعني الذي هو المفعول، كان الغرض بيان الضارب من هو، يعني هناك ضرب وقع وأنت تريد أن تعرف من الضارب، والإخبار كان الغرض بيان الضارب من هو، والإخبار بأنه عمر خاصة دون غيره».

«وإذا قلت: ما ضرب عمر إلا زيدًا، فقدمت المرفوع، كان الغرض بيان المضروب من هو، والإخبار بأنه زيد خاصة دون غيره». رأيت؟ لأن الاختصاص يكون بالذي بعد «إلا». «ما ضرب زيدًا إلا عمرو» فأصبح الخبر يحصل بماذا؟ بمن؟ الذي ضرب إلا عمرو، يبقى عمرو الضارب، يعني زيد خلاص نعلم أنه مضروب. «ما ضرب عمر إلا زيدًا»، المشكلة الآن في المضروب، نعرف أن عمرًا ضرب، لكن من ضرب زيدًا؟ «ما ضرب عمر إلا زيدًا»، والأولى «ما ضرب زيدًا إلا عمرو». واضحة يا إخوة؟ أنا أشرح لك بالأداء وبالنبر وبالصوت عشان تأخذ بالك.

واضحة تمام؟ ركزوا معايا. قل يا حميري. بالخطأ مولانا؟ بالخطأ، طيب الحمد لله إذا كانت بالخطأ فالأمر صواب. خلاص عرفت هذا؟ تعال نرجع إلى «إنما» التي في الآية. «وإذ قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية». أتعتبر الآية بكلام البشر؟ نعوذ بالله، لا، هنعتبره بإعراب الجن، بدلالات الجن.

«وإذ قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية»، يعني قس الآية على: «ما ضرب زيدًا إلا عمرو»، و«ما ضرب عمرًا إلا زيد»، و«ما ضرب عمر إلا زيدًا». وإذا اعتبرتها به علمت أن تقديم اسم الله تعالى في «إنما» كان لأجل أن الغرض أن يبين الخاشعون من هم، ويخبر بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم.

تعال بقى نقصها على الكلام، حتى خارج الآية: «ما يخشى الله إلا العلماء»، «ما يخشى العلماء إلا الله». بالضبط. شوف عبد القاهر، يعني لما أجرى «إنما» على «ما... إلا» كان إجرائه موفقًا جدًا في الشرح والاستفاضة في هذا. «ما يخشى الله إلا العلماء» صار الذين يخشون الله أصلاً هم العلماء. أما «ما يخشى العلماء إلا الله»، فهو سؤال عن الذين يخشونه؛ العلماء.

«إنما يخشى الله من عباده العلماء» على طريقة «ما يخشى الله إلا العلماء»، كما أخر العلماء هنا. «وإذ قد عرفت ذلك فاعتبر به الآية»، وإذا اعتبرتها به علمت أن تقديم اسم الله تعالى إنما كان لأجل أن الغرض أن يبين الخاشعون من هم، لأن الجواب هم العلماء بعد «إلا» في الأخير في «إنما»، ويخبر بأنهم العلماء خاصة دون غيرهم.

ولو أُخّر ذكر اسم الله وقُدم العلماء، فقيل: «إنما يخشى العلماء الله»، لصار المعنى على ضد ما هو عليه الآن، ولصار الغرض بيان المخشي من هو، ولصار الإخبار بأن الله تعالى دون غيره هو المخشي، ولم يجب حينئذ أن تكون الخشية من الله مقصورة على العلماء، وأن يكونوا مخصوصين بها كما هو الغرض في الآية، بل كان يكون المعنى أن غير العلماء يخشون الله تعالى أيضًا، إلا أنهم مع خشيتهم الله تعالى يخشون معه غيره، والعلماء لا يخشون غير الله تعالى. هذا سيكون المعنى لو قلت: «إنما يخشى العلماء الله»، يعني فقط، لأن غيرهم قد يخشى الله وغيرهم، لكن «إنما يخشى الله من عباده العلماء» معناها حصر الخشية عليهم.

قال: وهذا المعنى، يعني المعنى العام، في أن العلماء لا يخشون غير الله، وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية.

كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، فليس هو الغرض في الآية. شوف كيف فرق بين المعنى والغرض، تذكرون كنت نقلت لكم هذا من قبل في دروس سابقة، هذا ما في هذه الصفحة، فرق بين المعنى والغرض فأثبت حصول المعنى ونفى أن يكون هو الغرض.

أتى بالمثال يا محمد الذي قلته أنت، ولا أنت مذاكر ولا إيه؟ هذا هو عين التفريق بين المعنى المجرد والمعنى الفني الخاص.

قال: وهذا المعنى وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، فليس هو الغرض في الآية، ولا اللفظ بمحتمل له البت، ومن أجاز حملها عليه كان قد أبطل فائدة التقديم وسوى بين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وبين أن يقال: إنما يخشى العلماءُ اللهَ. وإذا سوى بينهما لزمه أن يسوي بين قولنا: ما ضرب زيدا إلا عمر، وبين: ما ضرب عمر إلا زيدا، وذلك ما لا شبهه امتناعه.

صار ذلك واضحا، يعني قولك: إنما ضرب عمر زيدا، تساوي إنما ضرب عمر زيد، أو قولك: ما ضرب عمر إلا زيدا، تقول في إنما: إنما ضرب عمر زيدا. وإذا قلت: ما ضرب زيدا إلا عمر، إنما ضرب زيدا عمر. شوف: ما ضرب عمر إلا زيدا، إنما ضرب عمر زيدا. وقولك: ما ضرب زيدا إلا عمر، إنما ضرب زيدا عمر.

إنما يخشى الله من عباده العلماء، شوف التأخير وقوته، تأخير فيه قوة.

قال: فهذه هي المسألة، وإذ قد عرفتها فالأمر فيها بين أن الكلام بما قد يكون في معنى الكلام بـ «إنما» بالضبط. أخوكم يقول يعني هذا في باب التقديم والتأخير، هو ما ذكره من أن المقدم هو مدار الكلام، صحيح، وأحيانا يكون المؤخر خر تأخيره إذا كان في الأصل مقدما، تأخيره هو الذي يحصل به ما نسميه الدهشة والتخييل، أو شرف المعنى، النقطة الانفجارية في الكلام.

فهذه هي المسألة، وإذ قد عرفتها فالأمر فيها بين أن الكلام بما قد يكون في معنى الكلام بـ «إنما». ألا ترى إلى وضوح الصورة في قولك: ما ضرب زيدا إلا عمر، وما ضرب عمر إلا زيدا؟ أنه في الأول لبيان من الضارب، وفي الثاني لبيان من المضروب. وإن كان تكلفا أن تحمله على نفي الشرك كما جاء في الفقرة السابعة بعد 390، فإن قلت يصح: إنما جاءني من بين القوم زيد وحده، وإنما أتاني من جملتهم عمر فقط، يقول: وإن كان تكلفا أن تحمله على نفي الشرك الذي عكسها ماذا؟ الأفراد. صح، وإن كان تكلفا أن تحمله على نفي الشرك، فتريد بما: ما ضرب زيدا إلا عمر، أنه لم يضربه اثنان، وبما: ما ضرب عمر إلا زيدا، أنه لم يضرب اثنين، ضرب زيدا فقط، وما ضرب زيدا إلا عمر لم يضربه اثنان، عمر فقط، تكلف طبعا.

قال: ثم اعلم أن السبب في أن لم يكن تقديم المفعول في هذا كـ تأخيره، ولم يكن: ما ضرب زيدا إلا عمر، وما ضرب عمر إلا زيدا سواء في المعنى، أن الاختصاص يقع في واحد. هذا ما عجلت لكم به لتفهموه، هو اذهب به في الأخير، أنا عجلت لكم به لتفهموه.

إنما ذكرت من أن الاختصاص يكون فيما بعد «إلا»، أن الاختصاص يقع في واحد من الفاعل والمفعول ولا يقع فيهما جميعا، ثم إنه يقع في الذي يكون بعد «إلا» منهما دون الذي قبلها؛ لاستحالة أن يحدث معنى الحرف في الكلمة من قبل أن يجيء الحرف. هذه القاعدة، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يفترق الحال، بين أن تقدم المفعول على «إلا» فتقول: ما ضرب زيدا إلا عمر، وبين أن تقدم الفاعل فتقول: ما ضرب عمر إلا زيدا. لأن إن زعمنا أن الحال لا يفترق جعلنا المتقدم كالمتأخر في جواز حدوثه فيه، وذلك يقتضي المحال؛ لأن إن زعمنا أن الحال لا يفترق، بينما لو قدمت المفعول وقدمت الفاعل جعلنا المتقدم كالمتأخر في جواز حدوثه فيه، وذلك يقتضي المحال الذي هو أثر الحرف، وذلك يقتضي المحال الذي هو أن يحدث معنى «إلا» في الاسم من قبل أن تجيء بها، فاعرفه.

ثم قال: وإذ قد عرفت أن الاختصاص سيبدأ لك بإجراء نفس الشيء مع أسلوب «إنما»، وسيدور كلامنا على قول آل الفرزدق: «وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي». لكن إذا خذنا في هذا لن أخرج منه إلا بعد أن ينتهي، ولا بد طبخ فيه، ولا نكمل، أنا لا أريد المحاضرة أن تطول لأنها كمراتهم كثيفة. هل آخذ يا إخوة صفحة ونصف مثلا؟ هل آخذ فيه أم نكتفي، ثم نقيس ونربط في المحاضرة القادمة؟ ماذا ترون؟ فخلاص، إذا قلتم نكتفي نكتفي.

خلاص، جميل، شكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.