بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا مجلسنا الثاني بعد الخمس من مجالسنا في شرح كتاب الإمام المبارك، شيخ البلاغيين، وتاج النقاد المتقدمين، إمام البيان، ومؤسس علم البلاغة، الإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه. توقفنا في المرة الماضية، أيها الإخوة، في الصفحة السابعة بعد المئة وثلاثمئة، في الفقرة إلى نهاية الفقرة السابعة بعد المئة وثلاثمئة.
طبعاً تلاحظون يا إخوة اختلافاً في الصوت، فاعتذر منكم، إنما هي الحمى والزكام، فتجاوزوا عن ذلك رضي الله عنكم. والاعتذار لمن يسمع الدرس عن هذه الشنشنات إذا صح التعبير بعاميتنا.
انتهينا من الحديث عن «إن» إلى قوله: «وليس الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية بالشيء الذي يدرك بالهوينا». واذكركم بأن الحديث في «إن» هذا الذي جاء بعد ذلك، أو جرَّ إلى الحديث في «إنما»، وتقرر في علم البلاغة التقريرية تحت الحديث عن القصر. خلاص، هذا «إنما» أصله حديث في النظم وقع في كلام عبد القاهر، وكان كأنه خروج واستطراد وتذييل لقصة الفيلسوف الكندي مع أبي العباس ثعلب، ولما قال له: «أجد في كلام العرب حشواً وزيادة لا يحتاج إليها»، يقولون: «إن زيداً كذا وكذا»، أو يخبرون مباشرة إلى آخر ما ورد في هذا الأمر.
وكذلك الحديث في قصة الأصمعي التي ذكرها الأصمعي لما كان يشدو من خلف الأحمر وأستاذه أبي عمرو بن العلاء، وحكى ذهابهما إلى بشار بن برد، والحوار الذي حصل بين بشار وخلف لما قال له: «لو قلت فالنجاح في التبكير، ففرق بين قولنا: النجاح في التبكير، وإن ذاك النجاح في التبكير». فجاء الحديث بعد ذلك في باب اللفظ والنظم، أو في حديث اللفظ والنظم عن «إن» ومواقعها، الذي ابتدأه عبد القاهر في الفقرة الأولى بعد المئة وثلاثمئة، الصفحة الخامسة عشرة بعد المئة وثلاثمئة، لما قال: «واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده أن ها هنا فروقاً خفية تجهلها العامة وكثير من الخاصة، ليس إنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في آخر، بل يدرون أنها هي ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل».
ثم روى القصة عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس، راجعوا القصة الآن أو أنتم تذكرونها. ثم قال في الفقرة التالية: «واعلم أنها هنا دقائق لو أن الكندي استقر وتصفح وتتبع مواقع «إن»»، إذاً هو انطلق من الحديث في «إن» مثالاً من قصة الفيلسوف الكندي، وفي أثناء ذلك رجع إلى قصة خلف الأحمر مع بشار: «إن ذاك النجاح في التبكير»، في أثناء ذلك كما تذكرون في المجالس القريبة الماضية.
ثم أراد أن يمثل لك، نرجع الآن مرة أخرى إلى موضعنا، الصفحة السابعة بعد المئة وثلاثمئة، الفقرة السابعة بعد المئة وثلاثمئة، نراه يقول بعد أن قال: «وليس الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية بالشيء الذي يدرك بالهوينا»، قال: «ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتصلت بها». وشرع في الفصل التالي في الحديث في «إنما»، وجاءت البلاغة التقريرية ثبتت «إنما» وصنعت باب القصر.
وهنا تعلم أن الذي يعتمد فقط على كتب البلاغة التقريرية... أنا أقول هذا لماذا يا إخوة؟ حتى لا يظن أننا لما نمدح كتب عبد القاهر ونقول ينبغي ألا تقتصر على البلاغة التقريرية، حتى لا يُحمَل كلامنا على حال هؤلاء المتنورين الثائرين على عبد القاهر، وحتى على البلاغة نفسها وعلى عبد القاهر أيضاً. نحن لا نرفض هذه المصنفات المتأخرة، لا نرفض تلخيص القزويني ولا الإيضاح للقزويني، وإنما نقول ينبغي ألا يقتصر طالب البيان على ما يُدرس للطالب في القاعدة التأسيسية وهو يتأسس في كل العلوم، وينبغي أن ينظر.
كما نرى البعض الآن للأسف من الجامدين حقاً، وهم جامدون حقاً بل من الجاهلين، وهم يقولون إن كتب عبد القاهر بلاغتها بلاغة أدبية غير منظمة يصعب فهمها، أما وينظر إلى المتون البلاغية أو الكتب المتأخرة أنها أغنت عن ذلك. خسر خسراناً مبيناً، خسر بذلك خسراناً مبيناً.
أيها الإخوة، وأنا أنقل لكم هنا حتى لا يقال هذا تتفردون به من بين التراثيين المحافظين على التراث، لا، أنا أقول ينبغي أن تكون ذروتنا عبد القاهر، سواء بدأناها من عبد القاهر أو بدأناها من البلاغة التقريرية بحسب المناهج المختلفة، لا بحسب الدارس والحاجة، لكن ينبغي أن تكون البلاغة هي بلاغة عبد القاهر.
أقرأ لكم كلام الدكتور محمد أبو موسى هنا، طبعاً نحن في بداية هذا الفصل جاء الفصل في مسائل «إنما». أخونا الحميري يقول: «لاحظت أنها في البلاغة التقريرية لا تبنى الملكات، يعني ملكة البلاغة، ملكة التذوق والنقد وكذا، على عكس مثلاً كتب عبد القاهر، يعني هي تصلح أن تكون مقدمة».
صحيح، أخوكم الحميري يقول: «لاحظت أن البلاغة التقريرية لا تبني الملكة»، هذا طبعاً لأن البلاغة التقريرية وظيفتها بيان رؤوس المسائل مما قعد، وليس الحصر وليس تكوين الملكة، بدليل أنها تُدرس في المدارس المتأخرة، وأصحابها يعادون الشعر ولا يعرفونه، ويدرسون البلاغة ولا يعرفون البلاغ. خذ عندك هذه، يدرسون البلاغة ويدرسونها ولا يعرفون البلاغ، وتراهم إذا تناولوا شيئاً من الشعر أو الأدب تناولوه تناول العامة الذين لا يميزون. هم عرفوا ما الفرق بين التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والكناية، وعرفوا الفرق بين الإطلاق والإلحاق، ودرسوا تفريعات من المنطق على هذه العلوم، وعرفوا الفرق بين المجاز في علم البيان والإسناد المجازي أو العقلي في علم المعاني، عرفوا هذا، لكن ما عرفوا الأدب. فكيف إذا علموا؟ أخونا أحمد يقول: استزاد في البلاغة ويقبل الحداثة، فكيف إذا علموا أو عرفوا بكلمة محمود شاكر التي نقلها عنه تلميذه أو واحد ممن جالسه.
إن محمود شاكر كان يقول: «بلاغة عبد القاهر بلاغة البشر، أما بلاغة العرب فشيء آخر»، حتى بلاغة عبد القاهر لا تحوي بلاغة العرب.
جاء هذا الفصل في مسائل «إنما»، حيث إن القصر يكون بـ«إنما»، وهي مكونة من «إن» التي تحدثنا عنها في قصة الفيلسوف الكندي في سياق التمثيل لعسر هذه القضية، قضية النظم؛ رأيتم كيف تخرج الأفكار من رحم الأفكار؟ ها هي مكونة من «إن» وقد دخل عليها «ما»، فيكون حديث القصر مسوقًا في حديث الغموض الذي وجدناه في قصة الفيلسوف الكندي مع أبي العباس، الذي كما يقول عبد القاهر: ركب وسافر إليه إلى الكوفة حتى يسأله.
سبحان الله، وهذا ما يميز عبد القاهر، أنك تجد فيه جذور الأبواب. حتى الدكتور محمد أبو موسى في كتابه «مدخل إلى كتابي عبد القاهر» تناول هذا الأمر؛ نبه إلى هذا في الصفحات التي رُقمت بالحروف الأبجدية من مقدمة الطبعة الثانية حتى قال: «من ضمن ذلك من عبارته التي اقتبستها من هذا قوله: ونحن ندرس باب القصر بمعزل عن هذا الجذر الذي لا شك أن وصله بهذا الأصل يمنحه روحًا أخرى ونكهة أخرى». وهذا في الصفحة التي رُقمت بطاء.
وأنا أرى هنا أنه يحسن أن نطلع على كلامه هذا في كتاب «مدخل إلى كتابي عبد القاهر» للدكتور محمد أبو موسى حتى نقف على هذا، وهو يقول: «هذا الجذر في كتاب عبد القاهر نفقده في البلاغة التقريرية». وتذكرون قرأنا من قبل كلامه عن عبد القاهر، وعن أن من عادته أنه يذكر الشواهد؛ لما قال عبد القاهر ذكر المواقع وذكر كرر الفائدة وسكت عن وجه دلالة «إن» في هذه المواقع على هذه الفوائد، كما عودنا.
ثم قال بعدها مباشرة في نفس الصفحة، ثم ندخل في الصفحة التالية (طاء): «ثم إنه بعدما أفاض في بيان الذي أشرت إليه وغيره، رأى أن يغلق باب الحديث في «إن» -مع أنه لم يستوفِ فوائدها- وأن يبدأ الحديث فيها إذا دخلت عليها «ما»، وبهذا انتقل إلى باب القصر، وبهذا أيضًا يكون باب القصر قسمًا من أقسام الحديث عن «إن»، وتكون قصة الكندي وأبي العباس وخفاء دلالة الكلمات في هذا الباب كل ذلك هو الذي هدى إلى بحث باب القصر، ووجه إليه لأن أصله هو «إن» إذا دخلت عليها «ما»، ثم الفرق بينها وبين النفي والاستثناء، ثم مواقع المقصور عليه في كل...» إلى آخره. ونحن ندرس باب القصر، هذه الكلمة الدكتور أبو موسى يقول: «ونحن ندرس باب القصر بمعزل عن هذا الجذر الذي لا شك أن وصله بهذا الأصل يمنحه روحًا أخرى ونكهة أخرى».
ثم يقول: «وكل هذا قاطع في أن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتابي عبد القاهر تختلف عن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتب من جاؤوا بعده». وكل هذا قاطع في أن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتابي عبد القاهر تختلف عن أبواب البلاغة وصلات بعضها ببعض في كتب من جاؤوا بعده، وليس لهذا سبب إلا ما قلناه من الفرق بين من يكون مجهوده في البحث والدرس موجهًا إلى كشف حقائق البلاغة، أو حقائق بلاغة الكلام من طول النظر في وفرة أساليب العرب وتتبعها، ومن يكون مجهوده في الدرس والبحث موجهًا إلى مراجعة كلام أهل العلم في الباب الذي يكتب فيه.
طبعًا أنا قلت من قبل: هذا يدلك على أن طريقة عبد القاهر طريقة أدبية قصدها لذاتها لأجل تحقيق غرض منها، حتى وإن كان سيرتب الكتاب بعد ذلك. نعم، حتى وإن كنت أنا من قبل خالفت الأستاذ محمود شاكر في أنه كان سيعيد ترتيبها ويهدر الترتيب الأول كما أشار لذلك الأستاذ محمود شاكر، لكن أنا ظللت أتردد في هذه الفكرة: هل كان سيعيد أو لا؟ هل كان سيرتب أو لا؟ ما أظن أنه كان سيعيد الترتيب، والله أعلم. ما أظن أنه كان سيرتب.
كما قلنا من قبل، تذكرون لما تكلم عن المجاز الحكمي وقال هناك نوع من المجاز، ورجع إليه في موضع هكذا بأن أنه استدراك، وتذكرون لما ذكر كناية عن النسبة وقال هناك نوع من الكناية، هذا كان سيرتبها، ثم في آخر الكتاب هناك أمور كان سيرتبها. أما خروج الحديث في «إن» من رحم حديث النظم، والحديث في «إنما» من رحم حديث «إن»، هذا ما كان سيعيد ترتيبه، هذا مقصود لذاته، والله تعالى أعلم. والله تعالى أعلم، هذا مقصود لذاته. والله أخوكم الحميري قال: «هذا مقصود لذاته»، وأنا قلتها دون أن أنظر في كلمته، سبحان الله! أنا قلت مقصود لذاته من فكري، فإذا به كتبها قبلي، سبحان الله.
طيب، فصل في مسائل «إنما». قال الشيخ أبو علي في «الشيرازيات»، وطبعًا الشيخ أبو علي هو أبو علي الفارسي. الشيخ أبو علي الفارسي توفي في العام السابع بعد الثلاثمئة، وهو الذي كان يعاصر المتنبي، وهو أستاذ لابن جني؛ مكث ابن جني عنده عمرًا طويلًا، تعرفون قصته مع المتنبي وقصة ابن جني في ذبه عن المتنبي الذي هو أستاذه ومرجعه في الشعر ويلقبه بـ«شاعرنا»، وذكروا أن أبا علي الفارسي كان لا يحبه.
وذكروا أن المتنبي كان يذهب إلى بلاد فارس وما زال يلبس لباس الأعراب ويشد السيف على وسطه أو على كتفه يعلق السيف ويمشي مشية فيها كما يقولون عنجهية وأنفة في بلاد فارس، وحتى لما قال القصيدة التي ذكر فيها بلاد فارس وجمالها وكذا، فاجأنا فيها بقوله: «ولكن الفتى العربي فيها.. غريب الوجه واليد واللسان»، فرجع إلى عروبته، رحمه الله. الشيخ أبو علي الفارسي المتوفى في القرن الرابع، في العام السابع بعد الثلاثمئة، وكتابه هو «المسائل الشيرازيات»، وكان أبو علي الفارسي من علماء ماء فارس.
وممن كان عند بني بويه وهو أعلم الأئمة بالنحو بعد سيبويه، كان يقول: «أخطئ في مائة مسألة لغوية ولا أخطئ في واحدة نحوية قياسية».
وكان يهبط بالشعراء على الشعر، تذكرون قصته لما اجتمع مع عدد من الشعراء فقال: «إني لأخبطكم على قول الشعر، فإن طبعي لا يطاوعني إليه على ما جمعت من العلوم التي هي من...». عذراً لهذا الزكام يا إخوان، يقول: «إن طبعي لا يطاوعني إلى الشعر على ما جمعت من العلوم التي هي من...». فقال له بعضهم: «وما قلت شيئاً منه؟» قال: «قلت ثلاثة أبيات ليس لي غيرها».
والأبيات التي تذكرون أو تعرفون: خضبت الشيب لما كان عيبا ... وخضب الشيب أولى أن يعاب ولم أخضب مخافة هجر خل ... ولا عيبا خشيت ولا عتابا ولكن المشيبة بدا ذميما ... فصيرت الخضاب له عقابا
لا أذكر الأبيات، يعني أبيات ليس فيها شيء من شعر، وإنما هي نظم عامي لا معنى وراءه ولا شرف معنى ولا شيء. فرحم الله تعالى أبا علي، كان إماماً في النحو، وكان أعلم من جاء بعد سيبويه في النحو، ويقول: «أخطئ في مائة مسألة لغوية»، يعني سمعية، «ولا أخطئ في واحدة نحوية قياسية».
إنه كان متمكناً جداً في النحو، وكان تلميذه ابن جني معروفاً بالتمكن الشديد في الصرف، لا أجعله قسيماً له، إنه أمكن منه في الصرف أيضاً، والصرف قياسي والنحو يدخل فيه القياس، وكله قياسي. لكن كما قالوا تلميذه ابن جني كان بارعاً في القياس الصرفي، وكلهم كان عالماً في العربية، رحمهم الله جميعاً ورضي عنهم، آمين.
قال الشيخ أبو علي في الشيرازيات، وطبعاً عندكم خطأ في التحقيق في الحاشية، الشيخ محمود شاكر يقول: هو الشيخ أبو علي الفارسي، الصواب أبو علي. هذه الأبيات كتبها أخونا أسامة حمادي: خضبت الشيب لما كان عيبا ... وخضب الشيب أولى أن يعاب ولم أخضب مخافة هجر خل ... ولا عيبا خشيت ولا عتابا ولكن المشيبة بدا ذميما ... فصيرت الخضاب له عقابا
تخيلوا هذا ما حاول أبو علي الفارسي لما حاول الشعر ولم يطاوعه طبعه إليه، وإذا كان الشيخ أبو علي الفارسي يعذر هذا العذر بمثل ذلك فلان يعذر غيره من باب أولى؛ لأن الشعر لا يطاوع، ليته لم يقلها، أصبت، لكن الشعر في الأخير يا إخوة لا يطاوع؛ لأنه إذا لم تكن القريحة الشاعرة هبة من الله فلن ينفعه ولو كان أعلم أهل الأرض.
قال الشيخ أبو علي في الشيرازيات، يقول ناس من النحويين في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: 33]، إن المعنى: ما حرم ربي إلا الفواحش. قال: «وأصبت ما يدل على صحة قولهم في هذا»، وهو قول الفرزدق. أنا أقف هنا، انظر كيف كان يفسر القرآن في القرن الرابع، يقول: «وأصبت»، شوف "أصبته" يعني ظفرته، وصلت إلى شيء ثمين.
قال أبو علي: «وأصبت ما يدل على صحة قولهم في هذا، وهو قول الفرزدق: أنا الزائد الحامي الذمار ... وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي»
قال الشيخ أبو علي الفارسي: فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجباً أو منفياً. فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقم، ألا ترى أنك لا تقول: "يدافع أنا" ولا "يقاتل أنا"، وإنما تقول: "أدافع وأقاتل".
الشيخ أبو علي هنا يقول: ركزوا معي يا إخوة حتى تفهموا الكلام، لن نقول إثباتاً ولا نفياً، نحن نريد أن نفحص هذا الأسلوب: أهو أسلوب إثبات أم أسلوب نفي؟ فيقول: ما الأسلوب في "إنما يدافع عن أحسابهم أنا"؟
قال: فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقم، لماذا؟ لأنك لا تقول "يدافع أنا" ولا "يقاتل أنا"، وإنما تقول "أدافع وأقاتل"، والضمير هنا لا يظهر. لكن لما كان المعنى "ما يدافع إلا أنا"، فصلت الضمير كما تفصله مع النفي، فألحقت معه "أنا" حملاً على المعنى.
حينما قال الفرزدق "يدافع أنا" كان ذلك على خلاف الأصل، ولماذا جاز؟ لأنه بمعنى "ما يدافع إلا أنا"، فحملوا صورة الإثبات على صورة النفي؛ لأن المراد هو معنى النفي. فالشيخ أبو علي الفارسي هنا يسوقك إلى معنى "إنما" التي هي موضوع الفصل، وأنها بمعنى "ما... إلا"، ففهمتم؟ وضحت يا إخوة هذا الموضع.
رأي عبد القاهر وضحت هذه الجملة. الحمد لله مرة أخرى، قال: «فليس يخلو هذا الكلام من أن يكون موجبا أو منفيا». فلو كان المراد به الإيجاب لم يستقم؛ لماذا؟ قال: «ألا ترى أنك لا تقول يدافع أنا، ما يدافع إلا أنا؟». لا تقل يدافع أنا، لا يقاتل أنا، لا تظهر ذلك الضمير ولا تفصله هكذا، وإنما تقول أدافع وأقاتل خلاص، فتأتي به متصلاً غير ظاهر، إلا أن المعنى لما كان «ما يدافع» هو أصل المعنى، هكذا المعنى أصلاً «ما يدافع إلا أنا»، فصلت الضمير كما تفصله مع النفي، إذا ألحقت معه «إلا أنا» حملاً على المعنى، وقد شرحته.
وقال أبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [البقرة: 173]، يعني مر معنا: ﴿إِنَّمَا يَحْرُمُ رَبِّي الْفَوَاحِشَ﴾ يعني ما حرم ربي إلا الفواحش. وأبو إسحاق الزجاج في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ قال: النصب في الميتة هو القراءة، ويجوز «إنما حرم عليكم...». وقال أبو إسحاق: والذي اختاره أن تكون «ما» هي التي تمنع «إن» من العمل، ويكون المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة.
لحظة، هنا لابد أن نقف، ما الذي يريده أبو علي الفارسي من نقل كلام أبي إسحاق الزجاج في الذي كفّ عمل «إن» في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾؟ إلى أي شيء يريد أن يصل؟ يقول قال أبو إسحاق: «والذي اختاره أن تكون ما هي التي تمنع إن من العمل». هذا لم ينقله أبو علي هكذا وينقل، ولم ينقله عبد القاهر نافلة واسترضاء، بل هذا في صلب المسألة لمن يفهم.
لماذا؟ ما أيها الإخوة، الحرف «ما» وقلت لكم من قبل كثيراً: الشعراء يحتاجون إلى استحضار معاني الحروف، لابد أن يحفظوها حفظاً، ومعاني النحو، معاني الحروف ومعاني النحو، وكذلك مواقع الجمل وأحوال الجمل في الإعراب، هذه وقضايا الحذف والإثبات، هذه قضايا، قلت لكم كثيراً: قضايا مغني اللبيب وقضايا حروف المعاني، وكذلك قضايا الإثبات وقضايا معاني النحو، هذه كلها ينبغي أن يشتغل الشاعر بها توازياً مع اشتغاله بقول الشعر، حتى لو كان متمحضاً في قول الشعر لابد وأن يشتغل بها؛ لأنه سيحتاج إلى تثميرها ربما. لا يخطئ ربما، لكن إذا جهلها ربما خسر متسعاً من الاستعمال، وربما إذا أراد أن ينظر في شعر غيره لم يفهم، وربما أخطأ وكان ذلك عن جهل أو عدم علم.
ما أيها الإخوة، «ما» تقع نافيه، ومصدرية، وزائدة. ومن الزائدة الكافة التي تدخل على «إن» وأخواتها. ومن هذه المصدرية، ومن الزائدة تلك الكافة؛ ما الذي يقال فيها: الكافة التي تدخل على «إن» وأخواتها، وعلى «كأن» والتشبيه، وتأتي بعد «قل». إذا أريد به النفي كذلك. وإذا كانت كافة كما في «إنما»، إذا كانت كافة معنىً هنا كما في «إنما»، كانت مفيدة لمعنى أوسع من معنى «إن» خلاص، وهذا هو الذي يريده عبد القاهر هنا: النفي والاستثناء.
يعني إذا جاءت «ما» كافة لعمل «إن»، فمعنى ذلك أنها وسعت من عمل «إن»، وصنعت هذه الأداة المنحوتة المجموعة وهي «إنما». ولهذا ذهب الدكتور فاضل السامرائي -حفظه الله وأطال عمره بالخير، آمين- في كتابه «معاني النحو» إلى أن معنى «ما» الكافة هو توسيع؛ هكذا قال: «توسيع دائرة الاستعمال بحسب السياقات».
ولو لم تكن «ما» هنا كافة، كانت مثلاً موصوله بمعنى الذي، فالأصل في الميتة أن تُرفع لأنها خبر «إن»، فلا بد من شيء يكف عمل «إن»، صح؟ فما هو؟ هذا هو كل هذا، أفسر لكم لماذا قال، أو لماذا نقل الفارسي عن الزجاج، لماذا نقل الفارسي عن الزجاج أن الذي كفّ عمل «إن» هو «ما»؟ لأنك لو لم تجعل «ما» هي التي كفت عمل «إن»، فستبحث عن سبب لكف عمل «إن»، وهذا في الأخير لن يقودك إلى شيء، أنت تراه بالحس والاستعمال، وهو أن «إنما» هنا جاءت بمعنى «ما» إلا، يعني النفي والإثبات.
في تفسير «ما» كلام للنحاة؛ منها ما ذكرناه: القول بأنها موصولية، ومنها القول بأنها مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر، وهذا لن يؤول إلى الحصر كما ترون، بل يوجد القول بأن «إن» عاملة، وأن «ما» هنا لم تكف، وأن اسمها شأن محذوف. فإذا جرى كلام الفارسي هنا في النقل عن أبي إسحاق الزجاج على اختيار الوجه الذي يحصل به المعنى، وهو «ما إلا»، لأنه محسوس حاصل، سواء بالنظر إلى المعنى اللغوي أو بالنظر إلى المعنى الشرعي.
﴿إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، يعني وكأن العرب، «إنما» كانت هناك شيء يتعلق بالميتة والدم وكذا، لا، «إنما حرم عليكم الميتة والدم». وسياتي الحديث الآن عن موضوع «إنما» على أنها تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته، أو لما ينزل هذه المنزلة.
إذاً نرجع الآن إلى كلام أبي إسحاق الزجاج، قال: «والذي اختاره أن تكون ما هي التي تمنع عمل إن من العمل». الأقوال الأخرى في كف عمل «إن»، بل القول حتى بأن «إن» لم تكف وأن الاسم هنا هو ضمير شأن محذوف، كل ذلك لن يحقق هذا المعنى الذي يرمي إليه أبو علي وهو يراه صحيحاً من هذه الوجوه. قال أبو إسحاق: «والذي اختاره أن تكون ما هي التي تمنع إن من العمل، ويكون المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة».
وسياتي تفصيل في الفروق في الأصل بين «إن»، و«إنما»، و«ما إلا» أيضاً، سيكون في كلام عبد القاهر وليس في كلام الفارسي. ويكون المعنى: ما حرم عليكم إلا الميتة؛ لأن «إنما» تأتي إثباتاً لما يذكر بعدها ونفياً لما سواه، لأن «إنما» تأتي إثباتاً. هذه تثبتونها يا إخوة، نعم، اتساع في المعنى البلاغي، وراجعي في ذلك كتاب «معاني النحو» للدكتور فاضل السامرائي، هو في الأخير خلص إلى أن هذه «ما» في «إنما» يراد بها توسيع الاستعمال بحسب السياق، كما في القصر هنا، والحصر في «ما» و«إلا» بمعنى «ما إلا». قال: «ويكون المعنى ما حرم عليكم إلا الميتة».
يكون المعنى: ما حُرّم عليكم إلا الميتة؛ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، والدم. فمعناه: ما حُرّم عليكم إلا الميتة؛ لأن «إنما» تأتي إثباتًا لما يُذكر بعدها ونفيًا لما سواه. قال وقول الشاعر: وإنما يدافع عن أحسابهم ... أنا أو مثلي المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي. انتهى كلام أبي علي.
نأتي الآن إلى كلام عبد القاهر، حيث قال انتهى كلام أبي علي وسيرجع إلى كلام نفسه، قال: «اعلم أنهم وإن كانوا قد قالوا هذا الذي كتبته لك، فإنهم لم يعنوا بذلك أن المعنى في هذا هو المعنى في ذلك بعينه، وإن سبيلهما سبيل اللفظين يوضعان لمعنى واحد». قال: ليس تمامًا؛ لأن «إنما» هي المعنى في «ما إلا» تمامًا.
ولماذا إذا لم تجئ في القرآن «ما إلا» في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؟ لماذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ولم تأتِ: ما حُرّم عليكم إلا الميتة؟ وهنا عبد القاهر سيأخذنا في رحلة من التفريق بينهما، ومتى يأتي أحدهما مكان الآخر. هذا هو النظم والبلاغة يا إخوة.
قال عبد القاهر عبارة أيقونية كما يقال، يُعلم عليها، وهذه العبارة الآتية علموا عليها واكتبوا على هامش كتابكم أرقام الصفحات التي سأملي عليكم إياها الآن. قال عبد القاهر: «وفرّق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء على الإطلاق». احفظوا هذه العبارة الأيقونية؛ التفريق، هذه هي قضية التفريق يا إخوة بين المعنى النحوي الذي تشرحه بالنحو، وبين المعنى المقصود المأخوذ من عين النص.
قال: «وفرّق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء على الإطلاق». اكتبوا هذه الصفحات عندكم: صفحة 177، صفحة 203، صفحة 304. هذا مما مر معنا كله في هذه المواضع، يمكنكم أن تستشهدوا بها؛ سأذكر لكم مواضع تستشهدون بها على تفريق عبد القاهر الصريح بين المعنى النحوي الذي يمكنك أن تشرحه، وبين المعنى البياني.
مثلاً، حين تقول: ﴿وَلَاصَلْبُنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [الأحقاف: 4]، فالمعنى: «على جذوع النخل». فهنا يقول لك عبد القاهر: «في جذوع النخل» لا تساوي «على جذوع النخل» من كل الوجوه. وإن قالوا لك «في» بمعنى «على»، أي لأجل تصحيح المعنى فقط، لكن في الأخير هناك علة أتى لأجلها النص بالحرف في مكان الحرف، على صح أم لا؟ في الأخير هناك علة أتى لأجلها الحرف في مكان الحرف. انظر في أول صفحة 177.
تعالوا نرجع إليها الآن، صفحة 177. طبعًا هذه من المسائل التي ذكرت لكم أن هناك مسائل أرجع إليها أو أجمع فيها فهرسًا أو أرقام صفحات تكون مهمة. يقول في الفقرة 90 بعد «ألم يقل»: «ولا ينبغي أن يغرك، إذا تكلمنا في مسائل المبتدأ والخبر، قدرنا الفعل في هذا النحو تقدير الاسم، كما نقول في (زيد يقوم) أنه في موضع (زيد قائم)، فإن ذلك لا يقتضي أن يستوي المعنى فيهما استواء لا يكون من بعده افتراق؛ فإنهما لو استويا هذا الاستواء لم يكن أحدهما فعلًا والآخر اسمًا، بل كان ينبغي أن يكون جميعًا فعلين أو يكون جميعًا اسمين».
كما قلت، مثل أن تقول «في» بمعنى «على» في قوله تعالى: ﴿وَلَاصَلْبُنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾؛ ليس معناه التساوي، إنما هو شرح لأصل المعنى حاصل المعنى المجرد، ويبقى بعدها المعنى البياني. لماذا استعمل القرآن «في جذوع النخل» ولم يقل «على جذوع النخل»؟ لأن الاستعمال النحوي يا إخوة هو تقريبي لشرح جملة المعنى، هو لأصل المعاني وليس لرصد الفروق التي تراعى في الكشف عن مراتب البيان.
هذا هو الفرق بين التفسير والشرح الأصلي الذي يصحح المعنى أو يصحح به الكلام ويوضح، وبين الشرح البياني. ولهذا الذي يأتي ويشرح الشعر ويقول: «نحن نشرح الشعر»، فهو يشرح فقط مجيء الكلام مكان الكلام، والفعل مكان الفعل، والاسم مكان الاسم، والحرف مكان الحرف، ليصحح أصول المعاني ولا يبين علل هذا الإحلال والاستبدال. هو لا يشرح الشعر، بل يقول الشاعر كذا وينثر المعنى، ثم ماذا؟ لماذا جاء الشاعر بالكلمة مكان الكلمة؟ لماذا حذف؟ لماذا أثبت؟ لماذا أظهر؟ لماذا أضمر؟ لماذا قدم وأخر؟ لماذا أتى بمرادف آخر؟ لماذا عمم؟ لماذا خصص؟ هذا هو الموضع الثاني.
صفحة 203، لا يبدو هنا أمثلة فيها التصريح، لكن انظر مثلاً يقول في صفحة 204: «وقد يجيء ترك الواو فيما ليس الخبر فيه كذلك، ولكنه لا يكثر، فمن ذلك قولهم: كلمته فوه إلى فييه، ورجع عوده على بدئه». ومنه بيت الإصلاح: نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يدري قال: ومن ذلك ما أنشده الشيخ أبو علي في الإغفال: ولولا جنان الليل ما أبا ... عامر إلى جعفر سرباله لم يمزقي ومما ظاهره أنه منه قوله: «إذا أتيت أبا مروان تسأله وجدته حاضرة الجود والكرم». فقوله «حاضرة» جملة من المبتدأ والخبر كما ترى وليس فيها واو، والموضع موضع حال؛ ألا تراك تقول: «أتيتُه فوجدته جالسًا»، فيكون «جالسًا» حالًا؛ لأن «وجد» في مثل هذا من الكلام لا تكون المتعدية إلى مفعولين، ولكن المتعدية إلى مفعول واحد، كقولك: «وجدت الضالة».
إلا أنه ينبغي أن تعلم أن لتقديمه الخبر الذي هو «حاضرة» تأثيرًا في معنى الغنى عن الواو، وأنه لو قال: «وجدته الجود والكرم حاضرة» لم يحسن، وكان السبب في حسنه مع التقديم أنه يقرب في المعنى من قولك: «وجدته حاضرًا عنده الجود والكرم»، وإن كانت الجملة من فعل وفاعل والفعل مضارع مثبت غير منفي، لم يكد يجيء بالواو في هذا الموضع، وإن كان ذلك يستشف منه. اذهب إلى صفحة 303 و304.
لحظة واحدة، لا، أنتقل مباشرة إلى 304، 303، فيها شرح.
يقول في صفحة 304، إذا سجل عندك صفحة 177 و304، يقول في منتصف الفقرة الستون بعد الثلاثمائة: «فأما تفسير من يفسره -اسمع- فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى من كان له عقل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37]، يقول: فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى من كان له عقل، فإنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة».
هناك فرق بين أن تدل على الجملة، وبين أن تدل على الغرض؛ الغرض الأدبي أو الغرض البلاغي والبياني. فإما تفسير من يفسره على أنه بمعنى من كان له عقل، فإنه إنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة، التصحيح في أصل المعنى واللغة والنحو ليستقيم الكلام في أصله فقط، فإما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كان القلب اسمًا للعقل كما يتوهمه الحشو، ومن لا يعرف مخارج الكلام فمحال باطل؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية، أي البيان، وإلى تحريف الكلام عن صورته وإزالة المعنى عن جهته. هذا في صفحة 304.
إذن عبارته أيضًا: «فإنه إنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة». ونرجع إلى صفحتنا 309، وفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء الشيء على الإطلاق. أخونا الحميري يقول: هذا هو عين ما يقوله من ينفي المجاز. مولانا، أليس كذلك؟ من ينفي المجاز من كلامه هذا يقول لك: هنا بمعنى كذا وخلاص، يشرح لك بالمعنى. ولماذا جاءت مكانها؟ هو لا يعترف بالنقله، لا يعترف بمجيء معنى اللفظة، لا يفرق بين أن يكون المعنى عين المعنى، وبين أن يكون المعنى حل محل المعنى، لا يفرق.
بنص عبد القاهر: «بين أن يكون في الشيء معنى الشيء في الشيء معناه»، لأن المعنى البلاغي النصي يتضمن أصل المعنى. ألم يقل عبد القاهر في عباراته السابقة في المجلس الماضي وقبله: إنها صور وهيئات تحصل في المعاني؟ إذاً المعنى الفني يحوي أصل المعنى وزيادة. أنا أشرحها للناس، من يسألني عن الفرق بين معنيين هكذا أقول له: المعنى الفني يضمن في المعنى المجرد، يضمن في المعنى الفني، لكنه فيه زيادات عن طريق كيفيات نظمية في الكلام. ومن ضمن الزيادات النظمية بنص عبد القاهر أيضًا: الاستعارات والمجازات والتمثيل والكنايات، كلها نظم في الأخير. شيء يأتي مكان شيء، سواء على الإطلاق أو الإلحاق.
لا يفرق بين أن يكون في الشيء معنى الشيء، وبين أن يكون الشيء الشيء على الإطلاق. ومر معنا كلام عبد القاهر في منكر المجاز؛ أصلًا هؤلاء ليسوا -وإن بدت أسماء بعضهم كبيرة- ليسوا إذ يتكلمون في بلاغة العرب من أصحاب العقول، إذ يتكلمون في بلاغة العرب.
عندنا مواضع الآن، صفحة 177، صفحة 304، صفحة 329، هذه التي يتحدث عبد القاهر فيها بالتفريق بين المعنى النحوي أو اللغوي في الأصل، وأنه يبين على الجملة فقط، وبين المعنى الغرض الذي جاء لأجله لفظ مكان لفظ. فإنه لا تساوي ما كذا إلا على الإطلاق. قال يبين لك أنهما لا يكونان سواء؛ أي ليس كل كلام يصلح فيهما، وإلا يصلح فيه، إنما سيقول لك الدليل. كأنك قلت: ويبين لك أن "إنما" ليست هي على كل وجه، أن هناك مواضع يصلح فيها "إنما" ولا يصلح فيها. بالضبط!
ألا ترى أنها لا تصلح في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 18]، ولا في نحو قولنا: "ما أحد إلا هو"، ويقول ذاك -وطبعًا "ذاك" وقعت عندكم "ذال" وكاف مباشرة دون الألف، هذا من تصحيفات الطبع، "ذاك" بالألف- ويقول: "إذ لو قلت: إنما من إله الله، وإنما أحد..." وهو يقول ذاك، قلت: ما لا يكون له معنى، هذا واضح.
فإن قلت إن سبب ذلك عدم صلاح "إنما" في موضع ما، إلا في كل الأحوال، أو في المثالين، فعبد القاهر هنا يقول: لا بأس، ها قد عللتم فقط وأثبتم أنه لا يصلح "إنما" مكان ما، وإلا في كل الأحوال كان ما كان السبب بعد ذلك، وهذا المطلوب. أنا عجلت لكم بالشرح.
فإن قلت إن سبب ذلك أن "إنما" لا تقع إلا في النفي، وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام، وإن من المزيدة في ﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ كذلك لا تكون إلا في النفي، إذا قلت ذلك، قيل: ففي هذا كفاية، فإنه اعتراف بأن ليس سواء.
خلاص، إن قلت إن سبب ذلك عدم الصلاح في المثالين؛ في "ما أحد إلا هو" وهو يقول ذاك، إن "إنما" لا يصلح أن تقول: "إنما من إله الله، إنما أحد" وهو يقول ذاك، إن السبب في عدم الصلاح هنا أن "إنما" لا تقع إلا في النفي وما يجري مجرى النفي من النهي والاستفهام، يعني لا يصلح فيه أن تستعمل فيه "إنما"، وإن من المزيدة في ﴿وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ كذلك لا تكون إلا في النفي، فلا يصلح فيها "إنما" لأنها إثبات، و"إنما" ظاهرها الإثبات. إذا قلت ذلك يقول عبد القاهر: كما تشاء، إذا قلت ذلك قيل: ففي هذا كفاية، فإنه اعتراف بأن ليس سواء؛ لأنهما لو كانا سواء لكان ينبغي أن يكون في "إنما" من النفي مثل ما يكون في "ما وإلا"، وكما وجدت أن "إنما" لا تصلح فيما ذكرناه، كذلك تجد "ما وإلا" لا تصلح في ضرب من الكلام قد صلحت فيه "إنما"، وذلك في مثل قولك: "هو يضيف". يقول عبد القاهر: «وكما وجدت إنما لا تصلح فيما ذكرنا، كذلك تجد ما وإلا تصلح في مواطن لا تصلح فيها».
قد صلحت فيه، إنما وذلك في مثل قولك: «إنما هو درهم لا دينار»، لو قلت: «ما هو إلا درهم لا دينار»، لم يكن شيئاً لك أن تقول: «إنما هو درهم لا دينار»، ولو قلت: «ما هو إلا درهم لا دينار». طبعاً سيبك من العامة، العامة تقول كما تشابه العامة تقول: «ما هو إلا درهم لا دينار»، عادي، العامة مقطعة أصلاً ينفصل في نصف الجملة عادي، لو قلت: «ما هو إلا درهم لا دينار» لم يكن شيئاً.
يقول: «وإذ قد بان بهذه الجملة»، يعني بهذا البيان، بهذه الدفعة من الشرح والبيان، «وإذ قد بان بهذه الجملة أنهم حين جعلوا "إنما" في معنى "ما وإلا" لم يعنوا المعنى فيهما واحد على الإطلاق وأن يسقط الفرق، فإني أبين لك أمرهما وما هو أصل في كل واحد منهما بعون الله وتوفيقه».
ثم بدأ في البيان قال: «اعلم أن موضوع "إنما" على هذا هو الأصل، أن موضوع "إنما" على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته، أو لما ينزل هذه المنزلة».
نفهم من هذا أن الأصل في «إنما» أن تكون للخبر الذي يراد فقط قصره وحصره، والأصل أن نفس الخبر معروف. خلاص، لأنك ربما تستعمل «إنما» في خبر هنا سياتي بعد ذلك ما ينزل منزلة ذلك، لأنك ربما تستعمل «إنما» في خبر لا يعلمه السامع بأصله، فإذاً ماذا يكون؟ يكون في ذلك بلاغة؛ لأنك توهم بأن الخبر مما يؤكد فقط بالقصر والحصر، ولكنك تخبر به أصلاً.
الأصل أن تستعمل «إنما» في الخبر لا يجهله المخاطب، ولكنك تريد فقط قصره وحصره. لماذا قال: «أو لما ينزل هذه المنزلة»؟ ما البلاغة؟ هذا ما لم يرس عليها عبد القاهر هنا، انتبه. هذا مما كما قال الدكتور أبو موسى: عودنا عبد القاهر ينبهك ولا يباشر العلة. تعال نباشر العلة؛ أنت لما تخبر في الخبر ليس معروفاً بأصله، فتخبر بأسلوب، هذا الأسلوب يخبر به عن الخبر المعروف بأصله، وكأنك تريد فقط قصره وحصره وهو ليس معروفاً بأصله، في هذا بلاغة؛ لأنك توهم بأن الخبر معروف ولكنك فقط تؤكد في القصر والحصر.
فيه روح جواب الحكيم، يمارسه الباعة لما ندخل عليهم: «أيوه يا فندم، حضرتك بقى هتشتري دي ولا دي؟»، وأنا ما قلتش إن هشتري أصلاً، أصل دي هتنفعك أكتر من دي. هو يعلم، هو أنزلك منزلة الذي يحار بين سلعتين وليس الذي لن يشتري أصلاً أو لم يقرر الشراء أصلاً.
اعلم أن موضوع «إنما» على أن تجيء لخبر لا يجهله المخاطب ولا يدفع صحته، أو لما ينزل هذه المنزلة. تفسير ذلك أنك تقول للرجل: «إنما هو أخوك»، «إنما هو صاحبك القديم»، لا تقوله لمن يجهل ذلك ويدفع صحته، ولكن لمن يعلمه ويقر به، إلا أنك تريد أن تنبهه للذي يجب عليه من حق الأخ وحرمة الصاحب.
ومثله قوله: «إنما أنت والد»، والأب القاطع أحنى من واصل الأولاد. لم يرد أن يعلم كافوراً أن هذا متنبي، طبعاً لم يرد أن يعلم كافوراً أنه والد، ولا ذاك مما يحتاج كافور فيه إلى الإعلام، ولكنه أراد أن يذكره بما هو معلوم ليبني عليه استدعاء ما يوجبه كونه بمنزلة الوالد.
ومثل ذلك قولهم: «إنما يعجل من يخشى الفوت»، وذلك أن من المعلوم الثابت في النفوس أن من لم يخش الفوت لم يعجل. ومثاله من التنزيل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: 36]، وقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [طه: 114]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾ [طه: 109]. كل ذلك تذكير بأمر ثابت معلوم، وذلك أن كل عاقل يعلم أنه لا تكون استجابة إلا ممن يسمع ويعقل ما يقال له ويدعى إليه، وأن من لم يسمع ولم يعقل لم يستجب. وكذلك معلوم أن الإنذار إنما يكون إنذاراً ويكون له تأثير إذا كان مع من يؤمن بالله ويخشاه ويصدق بالبعث والساعة، فأما الكافر الجاهل فالإنذار وترك الإنذار معه واحد. فهذا مثال ما الخبر فيه خبر بأمر يعلمه المخاطب ولا ينكره بحال.
وأما مثال ما ينزل هذه المنزلة، فكقوله: «إنما مصعب شهاب من الله تجلت عن وجهه الظلماء». ادعى في كون الممدوح بهذه الصفة أنه أمر ظاهر معلوم للجميع. على عادة الشعراء إذا مدحوا أن يدعوا في الأوصاف التي يذكرون بها الممدوحين أنها ثابتة لهم، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي لا يدفعه أحد، كما قال الحطيئة: «وتعذلني أفناء سعدٍ عليهم.. وما قلتُ إلا بالذي علمت سعدُ»، وكما قال البحتري: «لا أدعي لأبي العلاء فضيلة.. حتى يسلمها إليه عداه». هم يدعون أن الممدوح بهذه الصفة وأنه أمر ظاهر معلوم، وأنهم لم يصفوا إلا بالمعلوم الظاهر الذي لا يدفعه أحد.
المهم ومثله قولهم: «إنما هو أسد»، هو لا يقصد فقط أن يحصر لك ويؤكد لك، لا، هو يثبت أصلاً المعنى في الحقيقة، لكن نزله منزلة ما تعلمه أنت من باب البلاغة: «إنما هو أسد»، «إنما هو نار»، «إنما هو سيف صارم».
إذا أدخلوا، إنما جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم، في حكم ليس هو من الظاهر، في حكم بلاغة يعني استعمال الشيء مكان الشيء. إنما جعلوا ذلك في حكم الظاهر المعلوم الذي لا ينكر ولا يدفع ولا يخفى، هذا نوع من المجاز الاستعمالي.
نأتي إلى بداية الكلام على «إنما» وما والا؛ قال: واما الخبر بالنفي والإثبات، واما الخبر بالنفي والإثبات نحو: ﴿ما هَذَا إِلَّا كَذَا﴾، ﴿وَإِنْ هُوَ إِلَّا كَذَا﴾، فيكون للأمر الذي ينكره المخاطب ويشك فيه، هذا هو الأصل يا إخوة. إذا قلت: ﴿ما هو إلا كذا﴾، ﴿إن هو إلا كذا﴾، إن «إلا» هنا النافية، فيكون للأمر الذي ينكره المخاطب ويشك فيه، هذا الأصل.
هل يأتي خلاف الأصل؟ نعم وسيأتي، وفي القرآن. فماذا ينزل منزلة «إنما»؟ ينزل منزلة المتشكك، يؤتى بالأمر ليس فيه شك وينزل منزلة المتشكك، كما في السابق، إنما هو يكون معلوماً للمخاطب، وينزل منزلة المعلوم للمخاطب وهو ليس معلوماً للمخاطب، وهنا يكون معلوماً للمخاطب وينزل منزلة ما فيه شك، وهذا في القرآن وارد في عدة مواضع كما سيأتي.
قال: واما الخبر بالنفي والإثبات: ﴿ما هَذَا إِلَّا كَذَا﴾، ﴿وَإِنْ هُوَ إِلَّا كَذَا﴾، فيكون للأمر الذي ينكره المخاطب ويشك فيه. فإذا قلت: «ما هو إلا مصيب» أو «ما هو إلا مخطئ»، قلته لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلت. وإذا رأيت شخصاً من بعيد فقلت: «ما هو إلا زيد»، لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنه ليس بزيد وأنه إنسان آخر، ويجد في الإنكار أن يكون زيداً.
وإذا كان الأمر ظاهراً كالذي مضى، يعني كان لا ينكر من أصله كالذي مضى في استعمال «إنما»، انتبه؛ في قوله: «وإذا كان الأمر ظاهراً كالذي مضى»، يعني إذا كان الأمر لا ينكر من أصله كالذي مضى في استعمالك «إنما» على الأصل. وإذا كان الأمر ظاهراً كالذي مضى، لم تقله كذلك؛ لم تقل «ما هو إلا مخطئ»، «ما هو إلا مصيب»، لا تقول هذا. فلا تقول للرجل ترققه على أخيه وتنبهه للذي يجب عليه من صلة الرحم ومن حسن التحاب: «ما هو إلا أخوك»، بل تقول: «إنما هو أخوك»، «إنما ما هو إلا أخوك»، هو أنا نفيت يا بني؟
وكذلك لا يصلح في «إنما»: «أنت والد»، «ما أنت إلا والد». فأما نحو: «إنما مصعب شهاب»، فيصلح فيه أن تقول: «ما مصعب إلا شهاب». لحظة، هو مر معنا: «ما مصعب إلا شهاب» في ماذا؟ فيما ينزل هذه المنزلة، تذكرون في الماضي، لذلك قيدت لك في الماضي؛ قلت لك لما قلت لك في الماضي الذي هو «إنما»، فيما جاء على الأصل؛ «إنما» ما نزل منزلة المعلوم هو ليس معلوماً، فلك أن تقول فيه على الأصل: «ما مصعب إلا شهاب»، تثبت. انتبهت؟ فهمتم يا إخوة؟
قال: فاما نحو «إنما مصعب شهاب»، لأن هذا هو المثال الذي في الصفحة الماضية، هذا هو المثال الذي أتى به لما ينزل هذه المنزلة، وإلا فالأصل فيه أن يكون من الثاني الذي تحتاج إلى إثباته للمتشكك أو المنكر. فالثاني هو الأصل فيه؛ ما يستعمل فيه «إنما»، والثاني هذا الأصل فيه «ما هو إلا».
قال: فاما نحو «إنما مصعب شهاب» فيصلح فيه أن تقول: «ما مصعب إلا شهاب»؛ لأنه ليس من المعلوم على الصحة، وإنما ادعى الشاعر فيه أنه كذلك، يعني هو مما نزل منزلة الظاهر، والأصل فيه أن يكون في «ما هو إلا». وإذا كان هذا هكذا، جاز أن تقول بالنفي والإثبات، النفي والإثبات اللي هو «ما هو إلا» على الأصل أصلاً، يعني يمكنك أن تكتب على الأصل حتى تفهم أنه على الأصل.
إلا أنك تخرج المدح حينئذ عن أن يكون على حد المبالغة؛ لأنني أنزلته منزلة المعلوم واحتاج فقط إلى توكيده. «إنما» هنا جاءت عن الأصل، إلا أنك تخرج المدح حينئذ عن أن يكون على حد المبالغة من حيث لا تكون قد ادعيت فيه أنه معلوم، وأنه بحيث لا ينكره منكر ولا يخالف فيه مخالف. واضحة يا إخوة؟ تمام؟ هل هناك ما يحتاج إلى شرح في هذا المقدار؟
قال بعد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. هذه الصيغة تستعمل في ماذا؟ «إن أنتم إلا»، هذه تستخدم للمنكر. وهل كون الأنبياء بشراً مما يتشكك فيه؟ لا، لا يتشكك فيه.
ولهذا أتى عبد القاهر، قلت لكم هناك ما يخالف الأصل؛ كما أن في صيغة «إنما» ما يخالف الأصل، كذلك هنا ما يخالف الأصل. ولهذا سيبدأ عبد القاهر الآن في إيراد أمثلة تخالف الأصل، يعني نختم بها إن شاء الله في صفحتين وسيكون معنا بسرعة إن شاء الله، المهم أن تفهموا كلية الكلام.
قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾، إنما جاء -والله أعلم- في كتاب الله فيحتاطون. وتخيل سبحان الله من الذي يحتاط ويقول والله أعلم؟ وإنما قالوا وكذا؛ نقدت البيان، وتجد من دونهم أجرى الناس على القطع بالتفسير، من لم يخوضوا خوضهم في البيان تجدونهم أجرى الناس على التفسير.
وهذا عندي من فضيلة أهل البيان؛ إذا خاضوا في القرآن قالوا والله أعلم، وكذا غيرهم تجدونهم يقطعون بثقة. عبد القاهر لا يأتي في تفسير آية إلا ويقول والله أعلم، وقد يكون وكذا مثله ابن هشام النحوي.
قال: «إنما جاء»، والله أعلم، بأن، وإلا التي في مقام «ما»، وإلا، وإن، وما نفي. يعني «إنما جاء»، والله أعلم، وإلا دون «إنما». فلم يقل: «إنما أنتم بشر مثلنا»، لأنهم جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشراً مثلهم.
أنت تدعي النبوة، تدعي إذاً أنك لست بشراً، إنما أنت بشر، يا متشكك في كونك بشراً، فهمتم؟ لأنهم جعلوا الرسل كأنهم بادعائهم النبوة قد أخرجوا أنفسهم عن أن يكونوا بشراً مثلهم، وادعوا أمراً لا يجوز أن يكون لمن هو بشر. ولما كان الأمر كذلك أخرج اللفظ مخرجه؛ حيث يراد إثبات أمر يدفعه المخاطب ويدعي خلافه، يعني كأنه تشكك، وهم يعلمون أنهم بشر، لكن نُزّل منزلة المنكرين، أعذرتهم، نُزّل منزلة المنكرين لبشريتهم، أو المتشككين في بشريتهم.
ولما كان الأمر كذلك أخرج اللفظ مخرجه حيث يراد إثبات أمر يدفعه المخاطب ويدعي خلافه، ثم جاء الجواب من الرسل الذي هو قوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: 11]. كذلك بـ«إلا» ودون «إنما». لماذا؟ قاعدة أيقونية، علّموا عليها، وهي أعم من هذا الباب، قاعدة أعم من هذا الباب؛ لأن من حكم من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه، أن يعيد كلام الخصم على وجهه، ويجيء به على هيئته، ويحكيه كما هو. قاعدة أيقونية، خذوها أيضاً، «وإلا» وهي أعم من الباب، جاءت في السياق نعم، لكن عُلّلت بها في السياق، لكن هي أعم من السياق.
الحمد لله. والله يا إخوة لو كنت ألغيت المجلس لكنت أمرض أكثر، والله أمرض أكثر، الحمد لله. لأن من حكم من ادعى عليه خصمه الخلاف في أمر هو لا يخالف فيه، أن يعيد كلام الخصم على وجهه ويجيء به على هيئته ويحكيه كما هو. فإذا قلت للرجل: «أنت من شأنك كيت وكيت»، قال: «نعم، أنا من شأني كيت وكيت، ولكن لا ضير علي ولا يلزمنا من أجل ذلك ما ظننت أنه يلزم».
فالرسل صلوات الله عليهم كأنهم قالوا: «إنما قلتم إننا بشر مثلكم، كما قلتم لسنا ننكر ذلك ولا نجهله، ولكن ذلك لا يمنعنا من أن يكون الله تعالى قد من علينا وأكرمنا بالرسالة». وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]، فجاء بـ«إنما» لأنه ابتداء كلام. لماذا «إنما»؟ يعني إذاً الموضعان مختلفان، تلاحظ عبد القاهر هنا لم يقل «والله أعلم»، لأنه التأويل اللغوي المباشر على الأصل. لم يقل هنا «والله أعلم» لأن الموضعين مختلفان؛ بأن كان إنكار المعاندين أشد في سورة إبراهيم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ [إبراهيم: 10]، تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا، حتى كان المعاندون كأنهم يزعمون ادعاء الرسل لغير البشرية، فكان جواب الرسل موافقاً لذلك.
وأما في الكهف وفصلت، فجاء الكلام ابتداءً: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾، فجاء الكلام ابتداءً من الرسل، الرسل تكلموا فلم يُفترض فيهم إنكار البشرية، فجاء على الأصل «إنما»، فجاء تذكيراً فقط. وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾، فجاء بـ«إنما» لأنه ابتداء كلام، قد أمر النبي ﷺ بأن يبلغه إياهم ويقوله معهم، وليس هو جواباً لكلام سابق قد قيل فيه: «إن أنتم إلا بشر مثلنا»، فيجب أن يؤتى به على وفق ذلك الكلام ويراعى فيه حذوه كما كان ذلك في الآية الأولى من سورة إبراهيم.
ثم قال وجملة الأمر: إنك متى رأيت شيئاً هو من المعلوم، هذه مفيدة أن تعلموا عليها يا إخوة، إلى كلمة المشكوك فيه. قال: وجملة الأمر أنك متى رأيت شيئاً هو من المعلوم الذي لا يشك فيه قد جاء بالنفي، يعني «ما إلا»، «إن أنتم إلا»، فذلك لتقدير معنى صار في حكم المشكوك فيه. إذا رأيت أمراً من المعلوم الذي «إن أنتم إلا بشر مثلنا»، إذا رأيت شيئاً معلوماً لا يشك فيه قد جاء بالنفي، فذلك لتقدير معنى صار به في حكم المشكوك فيه، يجب أن تقدر المعنى.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 22-23]. «إن أنتم إلا نذير»، «إنما جاء»، والله أعلم، شوف، رجع إلى «والله أعلم»، ولم يقل «والله أعلم» في «إنما» على الأصل؛ لأن هناك المعنى المباشر، لو أظهر أنه يقول «والله أعلم» إذاً هو لا يعرف معاني الكلام، لو قال «والله أعلم» إذاً هو لا يعرف معاني الكلام؛ لأنه كلام واضح وظاهر مباشر في «إنما»، يعني في هذه الجزئية استُعملت على الأصل، هذا المعنى الصريح، هذا المعنى الذي ليس فيه خروج عن الأصل.
لكن لما رجع إلى الدلالة الأبعد ماذا قال؟ «إنما جاء»، والله أعلم. شوف، لما ابتعد عن الدلالة الطبقة الأولى المباشرة الأصلية قال: «والله أعلم». انتبه، مش معنى الأخرى أصلية مباشرة ليس فيها بلاغة، بلاغتها من جهة أخرى، أنا لازم أنبهك: بلاغتها من جهة أخرى. «إنما» هي على الأصل من هذه الجهة، إنما بلاغتها من جهة أخرى غير الباب الذي نحن فيه، نحن في باب معين، انتبه الله يبارك لك، حتى لا يشتغل عقلك، تقول: هل القرآن فيه مباشر وفيه أبعد؟ بالنسبة لباب وباب، لكن في الأخير كله مع اختلاف الأبواب فيه أبعد طبعاً، كل حرف فيه هو أبعد طبعاً من المعنى المباشر الذي لا يكون مباشراً نثرياً لا بلاغة فيه والعياذ بالله.
فمن ذلك، وأوضحت يا إخوة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾. «إنما جاء»، والله أعلم، بالنفي والإثبات؛ لأنه لما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾، وكان المعنى في ذلك أن يقال للنبي ﷺ إنك لن تستطيع أن تحول قلوبهم عما هي عليه.
من الآباء ولا تملك أن توقع الإيمان في نفوسهم مع إصرارهم على كفرهم واستمرارهم على جهلهم، وصدّهم بأسماعهم عما تقوله لهم وتتلوه عليهم. كان اللائق أن تقول، وكلاهما يصح.
السياق لما قال الله تعالى كذا، كان اللائق بهذا أن يجعل حال النبي ﷺ حال من قد ظن أنه يملك ذلك، ومن لا يعلم يقيناً مجرد حال فقط، ومن لا يعلم يقيناً أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ويحذر. ومن لا يعلم يقيناً، كان النبي ﷺ يتشكك في أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ويحذر، ومن لا يعلم يقيناً أنه ليس في وسعه شيء أكثر من أن ينذر ويحذر.
فأخرج اللفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشك. طبعاً بعض العقول الجامدة لو سمع عبد القاهر يتكلم هكذا سيقول لها: أعوذ بالله منك، أهذا طعن في النبوة؟ التيأس موهبة أيضاً، قضاء وقدر، صح؟ تيأس قضاء وقدر، لا يفهمون شرح الكلام بلاغياً، يظنونه إثباتات حقيقية وليس بياناً بلاغياً. الإعجاز الغبائي، بالضبط.
الإعجاز الغبائي صحيح، أنا استعملت هذه الألفاظ، قلت الإعجاز الغبائي، فعلاً أنت لا تستطيع أن تفسر مدى غبائه. فأخرج اللفظ مخرجه إذا كان الخطاب مع من يشك، فقيل: ﴿فَإِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ [الغاشية: 21]، كأنه يشك في هذا ويبين ذلك. أنك تقول للرجل يطيل مناظرته الجاهل ومقاولته: إنك لا تستطيع أن تسمع الميت، وأن تفهم الجماد، وأن تحول الأعمى بصيراً، وليس بيدك إلا تبين، وليس بيدك إلا تبين وتحتج، ولست تملك أكثر من ذلك.
لا تقول هنا، طبعاً أنا أظن هنا يا إخوة وقعت -والله أعلم- "إلا أن تبين" بدلاً من "أن تبين". نعم وقعت هنا "أن"، وقعت من الطبعة، وقلت لكم من الأول طبعة الأستاذ محمود شاكر فيها تصحيف كثير. طبعة الأستاذ محمود شاكر هذه الأخيرة التي ندرس منها فيها تصحيف كثير، نستخرجه في الدراسة، ربما نجمعه بعد ذلك. لا أريد أن أضعه لكم مباشرة، هو مجموع عندي، لكن ممكن نجمعه في الأخير حتى تستفيد منه الناس إن شاء الله، ولكن أريدكم أن تقفوا معي عليه واحداً واحداً لأخذ تصديقكم عليه، أقول لكم انتبهتم كذا، ونراجع أو ننظر في النسخة التي معكم، وهكذا ليكون ماخوذاً ليس فقط من تتبعي ودراستي الشخصية، ولكن أيضاً من الشرح ومتابعة الطلاب؛ لذلك لم أنشرها أو لم أعطِها لكم، وإن كانت عندي مجموعة، لأني أريد أن تراجعوها معي كذلك، لكي لا يكون خطأً وأكون وهمتكم.
قال: وليس بيدك إلا أن تبين وتحتج، ولست تملك أكثر من ذلك، لا تقول هنا، فإنما الذي بيدك تبين وتحتج، ذلك لأنك لم تقل له إنك لا تستطيع أن تسمع الميت، حتى جعلت بمثابة من يظن أنه يملك وراء الاحتجاج والبيان شيئاً، وهذا واضح فاعرفه.
ومثل هذا في أن الذي تقدم من الكلام اقتضى أن يكون اللفظ كالذي تراه من كونه بان، وإلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ قُلْ هَلْ أَسْتَوِي عِنْدَ اللَّهِ الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرَ ۚ أَتَتَذَكَّرُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنْتُمْ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: 16-27]. صار ذلك كله واضحاً والحمد لله، ونكتفي بهذا، وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد