دخولتسجيل الدخول

الدرس 51 - من صفحة 321 إلى صفحة 327، الأستاذ أبو قيس محمد رشيد

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا الأول من مجالسنا في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للإمام، شيخ البلاغة والبلاغيين، واضع الأساس الأول، أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه.

بمناسبة ارتجالاً سريعاً هكذا، يشتهر في بعض الألو أو عند بعض الطلاب أن الإمام عبد القاهر تلميذ للقاضي الجرجاني، وأن عبد القاهر الجرجاني تلميذ مباشر للقاضي الجرجاني، وخدعوا في ذلك بنوع قرب في الزمان، وكذلك بنسبة الرجلين إلى جرجان، وباشتغال الرجلين جميعاً بعلم البيان والشعر والنقد، وكذلك لأن عبد القاهر كان ينقل بعض كلام القاضي الجرجاني في الشعراء ونحو ذلك؛ فذلك ربما بمجموعه خدع البعض حتى من العلماء.

وأظن من هؤلاء المشتغلين -وليسوا من العامة- الشيخ عبد الرحمن الميمني الذي حقق رسالة «لطائف المعارف»، أظن أو الرسالة التي فيها مقتطفات للإمام عبد القاهر رحمه الله، وجزم فيها بأنه شيخه وهو ليس بشيخه. والمسافة بينهما الزمانية صحيح أنها ليست متباعدة تماماً، ولكنها أيضاً ليست قريبة؛ لأن القاضي الجرجاني توفي في العام السادس بعد الثلاثمائة، وأما عبد القاهر فتوفي في السبعينيات من القرن الخامس، فيبعد أن يكون قد لقيه إلا أن يكون لقيه صغيراً جداً وأن يكون عبد القاهر قد أسن جداً.

عبد القاهر توفي العام الأول بعد السبعمائة وأربعمائة، أو الرابع بعد السبعين وأربعمائة على الأقل، فتقدير أن يكون قد توفي بعد وفاة القاضي الجرجاني بـ 75 عاماً، فيكون عبد القاهر قد أسن جداً، ويكون قد أدرك القاضي الجرجاني في آخر عمره، ويكون القاضي الجرجاني حينها قد أدرك عبد القاهر وهو طفل. وعليكم السلام يا أسامة ورحمة الله وبركاته؛ وهذا طبعاً كله بعيد ولم تثبت التلمذة المباشرة له.

نحن ما زلنا في الحديث عن التي انتقل إلى الحديث عنها، الشيخ عبد القاهر رحمه الله، وبدأ يتحدث عن تأثيرها، فتحدث عن دخولها في ضمير الشأن، وتحدث عن كونها كذلك تهيئ الكلام للنكرة. ووقفنا المرة الماضية مع بعض الإخوة، أظن الحميري، على القضية في ضمير الشأن، وقال إنه سينظر فيه.

يا حميري، ماذا وجدت فيه؟ حدثنا عما وجدت. كان يقول في الكتاب إن الأصل في ضمير الشأن أن يأتي للتفخيم؛ يعني كأنه يأتي بالضمير أولاً مبهماً ليشوق ويشد الأسماع إليه، ثم يأتي بتفسيره، والذي يكون خبره في الإعراب هو الجملة التي تليه، سواء كانت اسمية أو فعلية.

وذكر أيضاً أن هناك بعض الأقوال تقول إنه يأتي للتوكيد، لكنه لم يوافقهم في هذا، ورأى أن الغرض الرئيسي منه هو التفخيم. ليس أنه لا يرى التوكيد، بل عندي سؤال من أغراضه؛ لما ذكروا التوكيد، هل ذكروا أنه يأتي للتوكيد حصراً، أم ذكروا لأن هناك أحياناً إشكالاً في النقل، فيذكر التوكيد على أنه من الإفادات التي تحصل ضمن المعنى؟

مثلاً، هناك حديث في الحروف، لما يتحدثون مثلاً عن حرف الواو أنه أفاد كذا وأفاد كذا، وقال العطف لا يفارقه، فالذين يقولون من المحققين إن العطف لا يفارقه، يريدون من ذلك ماذا حينما يتحدثون عن إفادته من المعاني الكثيرة الواردة في المصنفات؟ أنها تفيد مع العطف لأن العطف لا يفارق جسمه. وكذلك حديثهم في «من»، قالوا مهما استعملت، حتى لو كانت للسببية فهي أصلاً لابتداء الغاية، مهما استعملت في معانٍ أخرى قالوا هي أصلاً تستعمل في هذا المعنى الذي لا يفارقها، حتى التبعيضية؛ ألا ترى أنك تبدأ التبعيض من هنا؟ قالوا حتى في التبعضيّة معنى التبعضيّة لا يخالف لابتداء الغاية.

فكذلك مثلاً لو قلنا للتوكيد، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: 14]، لا شك أن التفخيم واقع، لكن هل وجد التوكيد خلا منه الكلام؟ لا مولانا، لم يخلُ منه، لكنه ليس غرضه. وأنا لماذا أقول هذا؟ وجدت هذا كثيراً في كلام أهل العلم، البعض ربما ينقل فيظن أن الكلام قسيم، يعني إما هذا وإما هذا؛ ينقلون ضمير الشأن يكون للتعظيم فيُسمع أنه يكون للتوكيد فينكر ذلك، والحقيقة أنه ربما يلازم التوكيد التعظيم أو يفارقه.

حتى من قال إنه يحصل التوكيد يصدق في كلامه بحصول ذلك ضمناً في التعظيم، ولاحظ أنهما يتقاطعان أصلاً؛ التوكيد والتعظيم يتقاطعان. أنت حينما تؤكد شيئاً، أصل مادة التوكيد زيادة، زيادة لفظية أو زيادة معنوية، وضمير الشأن زيادة على أصل المعنى. فضمير الشأن زيادة، كقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾، فهذه زيادة.

والتوكيد الذي يحصل في لب الكلام هو زيادة أيضاً. وسياتي معنا عمل كثير في الكلام على «إنما» الذي هو في عقل الكلام على «إن»، فلا بد أن نتيقظ لمثل هذا. فأنا لا أرى تعارضاً بين التعظيم والتوكيد؛ لا شك أن التعظيم حاصل، لكنه لا ينفي التوكيد، أو بمعنى لا يتعارض معه، لو جاء في بعض المواطن دالاً على التوكيد.

والتردد بحسب السياقات حاصل، كما سياتي حديثنا في «ما» الكافة التي تدخل على «إن» وتصيرها «إنما» وتكف عمل «إن». الدكتور فاضل السمرائي نفسه سيقول إن «ما» الكافة غرضها أو فائدتها توسيع دائرة الاستعمال، هو قال بالنص هكذا.

قال: توسيع دائرة الاستعمال، وقال: أما ما غير الكافة، فالغرض منها التوكيد فقط، التوكيد. لكن ما الكافة؟ توسيع دائرة الاستعمال، الذي منه أن تكون بمعنى «ما»، «ما» و«إلا» كذا إلا كذا، الذي يأتي معنا إن شاء الله الحديث فيها تفصيلًا بإذن الله، ربما في هذا اللقاء وربما في اللقاء القادم نبتدئ به بإذن الله.

تحدث عن تهيئتها للنكرة، وأنها تصلح النكرة لأن يكون لها حكم الابتداء، وذكر أمثلة على هذا. ثم تحدث في آخر ما تكلمنا فيه في الفقرة التاسعة بعد الـ ٣٠٠، تحدث عن تأثير «أن» في الجملة، أنها تغني إذا كانت فيها عن الخبر في بعض الكلام. هذا على العكس يا إخوة، ما معنى على العكس؟ تحدث قبل ذلك عن أثرها في المبتدأ، المبتدأ ضعيف نكرة قوته، والخبر يحذف إذ أغنت عنه. كل هذا يدور حول أثر «أن». وكان الأصل في ذلك أن يتحدث عنها وأن يعلم.

قال بعد ذلك في الصفحة الثانية بعد الـ ٣٠٠، نحن انتهينا إلى آخر الصفحة الأولى من تمام الفقرة التاسعة، وندخل في الفقرة الثمانين بعد الـ ٣٠٠، قال: «فقد أراكَ أي سيبويه، فقد أراك في هذا كله في كل ما مضى في الفقرة الماضية أن الخبر محذوف، وقد ترى حسن الكلام وصحته مع حذفه وترك النطق به». انتبه هنا للتحقيق، لا للتوقع ولا للاحتمال، فالتوقع قد يكون وقد يحصل، وقد نلقى كذا في أحايين، لكن هنا للتحقيق.

وقد ترى فيما سبق في الذي بينه، قال: «فقد أراك أي سيبويه في هذا كله»، انتبه إلى هذا لأنك ستشرح الكتاب بعد ذلك، «فقد أراك في هذا كله أن الخبر محذوف، وقد ترى»؛ أي رأيت. «ولكنما أسعى لمجد مؤثر، وقد يدرك المجد المؤثر أمثال»، أي يدرك، «قد يعلم الله»، انتبهوا لأن هذه ليست دارجة في كلامنا الآن، مع أنها موجودة في كتب أهل العلم المتقدمين كعبد القاهر.

انتبه إلى هذه «قد»، «وقد ترى حسن الكلام وصحته مع حذفه وترك النطق به»، ثم «إنك إن عمدت إلى «أن» في مثل هذا فأسقطتها، وجدت الذي كان حسنًا من حذف الخبر لا يحسن أو لا يسوغ أصلاً»، ليس فقط لا يحسن، ربما لا يسوغ، لا يمكن أصلاً. فلو قلت في الأمثلة السابقة: «مالٌ وعدَدٌ ومحلٌّ ومرتحلٌ» وغيرها، «أبلاً وشاءً» لم يكن شيئًا؛ لأنه قال في الأمثلة السابقة: «إن زيدًا وإن عمروًا»، وقول الأعشى: «إن محلًا وإن مرتحلًا»، ما الذي حصل هنا؟ أغنت عن الخبر.

صح أن غيرها «أبلاً وشاءً»، وشرح كيف أن «أبلاً وشاءً» كذا على النصب ليست الخبر، الخبر محذوف، خلاص. قال كأنه قال: «إن لنا أو عندنا غيرها»، وقال: «وانتصب الإبل والشاء كانتصاب الفارس»، إذا قلت: «ما في الناس مثله فارسًا»، يعني «أن» غيرها لنا، أو عندنا غيرها، هذا الخبر والخبر محذوف. وهكذا: «إن ولدًا، إن عددًا، إن لهم مالًا»، إن مالًا، إن ولدًا، إن عددًا، كل هذا في الفقرة السابقة أذكركم بها.

ويقول الرجل للرجل: «هل لكم أحد؟ إن الناس ألبوا عليكم»، يعني اجتمعت عليكم، هل لكم أحد؟ إن الناس ألبوا عليكم، فتقول: «إن زيدًا وإن عمروًا لنا»، جواب في هذا الكلام. فهنا يقول: فلو قلت «مالٌ» في كل الأمثلة التي مضت، عرفناها الآن راجعناها، لو قلت «مالٌ، عددٌ، محلٌّ، مرتحلٌ، غيرها أبلاً وشاءً»؛ يعني غيرها لنا، «أبلاً وشاءً» على التفسير، إن غيرها قلت غيرها وحذفت الخبر لم يكن شيئًا في كل ذلك.

إذًا ما الذي جوز أن يُحذف الخبر وأن تُستغنى عنه، وأن يصح الكلام ويجود؟ هو وجود «أن»، هذا هو. قال: «وذلك أن «أن» كانت السبب في حسن حذف الذي حذف من الخبر، وأنها حاضنته والمترجم عنه والمتكفل بشأنه». هذا كلام جميل أيها الإخوة، هذا كلام جميل. وهنا ينبغي أن نعلو طبقة من العلم فوق ذلك؛ عبد القاهر وقف هنا، وهذا نبه إليه الدكتور محمد أبو موسى، وقال كما عودنا: «إن عبد القاهر لو أن كتابه قريب قرأناه».

هذا كتاب مدخل إلى كتاب عبد القاهر الجرجاني، كتاب الدكتور محمد أبو موسى، في مقدمة الطبعة الثانية، وهي مرقمة بالحروف: أبجد هوز. يقول فيها، يتكلم عما تحدث عنه عبد القاهر في كل هذه الأبواب، لما قال: «ومن مواقعها أنها تهيئ النكرة لأن تقع على مبتدأ»، هذا كلام الدكتور محمد أبو موسى، «ولو سقطت لفسد الكلام، ومنها أنها تهيئ الكلام لحذف الخبر». قال الدكتور محمد أبو موسى حفظه الله، واستشهد عبد القاهر لذلك كله ولغيره مما ذكره في بيان فائدة «أن» في الكلام.

وهذا الذي ذكره عبد القاهر، ركزوا معي يا إخوة، الكلام خطير، وهذا الذي ذكره عبد القاهر محتاج كله إلى شرح يبين لماذا يحسن ضمير الشأن معها، ولماذا لا يصلح في بعض المواضع إلا معها، وكيف تهيئ النكرة للابتداء، وما الذي في ذلك، وكيف تهيئ لحذف الخبر، إلى آخر ما قال؛ لأن عبد القاهر ذكر المواقع وذكر الفائدة وسكت عن وجه دلالة «أن» في هذه المواقع على هذه الفوائد.

كما عودنا، انتبه الدكتور أبو موسى أن عبد القاهر يتحدث في الأثر ويدلل عليه، لكن كانت هناك خطوة أخرى يمكن أن تُسلك في هذا المضمار، وهو أن يبين ما الفكرة، هذا ما نفعله نحن الآن يا إخوة، وإلا ما فائدة القراءة؟ هناك للأسف وجدت ربما بعض العجم، كيف طريقتهم التي يؤمنون بها، يقرأ لك الكلام، فهمت، خلاص انتقل. هو فقط حل لك الكتاب الذي لم تكن تفهم نصه فقط، لكن علمه وما وراءه لا يعرفون عن ذلك شيئًا، لا يعرفون؛ لأن الخوض في العلم غير الخوض في نص العلم، وإن تحل لي إشكال الكلام، نحن لو وقفنا عند كلام عبد القاهر.

واضح، لكن ما الذي وراء كلام عبد القاهر الذي نبه إليه الدكتور أبو موسى؟ هذا ما نحتاج إليه، وهذا ما تكون فيه فائدة، مثل هذه اللقاءات وهذا الشرح التوقيفي الذي نقف فيه.

أخونا الحميري يقول: وجدت ذلك كثيرًا في شروح مسجلة. للأسف الشديد، هم يكتفون، وأنت لا يمكنك أن تجزم أن كل من يشرح شيئًا يكون قد فهمه وأحاط به. ما أفهمه فيمن يشرح شيئًا أن يكون قد أحاط بحقيقة هذا العلم، حتى يربط هذا الكتاب بروح هذا العلم وجذوره.

إذن، نحن الآن كما قلت ينبغي أن نعلو طبقة من العلم فوق ذلك، وأن نسأل: هذا هو السؤال الآن، هذا الذي نخطو به خطوة بعد كلام عبد القاهر، من أي وجه كان الأمر في أن على هذا الأثر؟ في نقاش سابق مع حبيبنا الحميري، وأبي الحسن المشعشعي تحدث عن ذلك، وأسامة الحمادي عبر تعبيرًا قلت له: أنت أغرقت في العلمية. قال: لأن أن قد أغنت عن كذا لما كانت كذا. والمشعشعي أغرق في الأدبية في التعبير، وقال: كأنك تفرش حصيرًا في صحراء ووضعت الحجارة على أطرافه، فإذا نزعت الحجارة... كلاهما يفهم، لكن نحن نريد ما بين ذلك، نريد تعبيرًا بيانيًا.

والذي يقال هنا: تعالوا الآن لننظر في هذا الموضع، وهو إغناء "أن" عن الخبر مثلاً الذي مر معنا. لو تأملت في قولهم: ﴿أَنَّ مَا لَا﴾، لما أكدت وأدخلت هذا التوكيد على "ما لا" إلا وصارت هناك طاقة، وصار هناك غرض لهذا التوكيد استطعت استنباطه من اسم "أن"؛ ماذا؟ لا يراد به "لنا" أو "أن ولد" وهكذا، فما الذي جعلك تقدر الخبر؟ وهذا هو الجديد، تستنبطه من طبيعة الاسم. الحميري يقول: كأنها قرينة تدل على الحذف. تعبيراتكم لو فهمتم روح القضية تم الأمر.

هذه الخطوة التي نحرص عليها فيما بعد كلام عبد القاهر؛ عبد القاهر قال: لو نزعت لم يصلح وكذا وكذا، وقال لك أبو موسى: عوضنا عبد القاهر عند الوقوف هنا. نحن نريد أن نعرف ما الذي حصل؟ ساعدنا عبد القاهر في ذلك بأنه عدد لنا الأمثلة الكثيرة، فساعدنا على الاستنباط. قال: لو قال "عددٌ محل مرتحل" غيرها لم نفهم شيئًا، طيب لو أدخلت التوكيد، والتوكيد مادة خام كما نقول، مادة صافية.

يا عقيل، هل التوكيد يفيد تخصيصًا لمعنى معين؟ هل هو مادة مشتركة؟ في الظاهر، البلاغيون يربطونه بالشك والإنكار، حسب الشك والإنكار، هل التوكيد شك وإنكار؟ مفهوم، هو توكيد ليدفع الشك والإنكار، لكن هل توظف في معنى محدد بعينه؟ لا طبعًا.

ركز معي، أنا أخوض بك خطوات أبعد؛ إذا لما أدخل التوكيد مع الاسم والخبر وأحذف الخبر، هل التوكيد هو الذي سأستنبط منه الخبر، أم من سياقه؟ السياق! أنا لذلك قلت لك: "أن" والاسم والتوكيد، ما الذي بقي معي من السياق بعد أن حذفت الخبر؟ الاسم والتوكيد، إذن أنا سأستنبط الخبر من الاسم بدخول التوكيد عليه.

هذه خطوة أبعد في التفصيل مما ذكره عبد القاهر. نحن أدخلنا "أنَّ ما لا" أو "أنَّ عددًا" في سياق نحتاج فيه إلى العدد، فلما قال "أنَّ عددًا"، أنا الذي دفعني إلى استنباط الخبر من اسم "أن" هو توكيده الذي حصل. التوكيد أداة، مادة تشيع، فإذا توظفت تشكلت بحسب ما وظفت فيه. استنبط الخبر من طبيعة الاسم المؤكد؛ إذن التوكيد أوحى بأن هناك أمرًا جللًا نريد أن نثبته ونبثه، فلما رميت ذكره -وهو الذي أثبته- يثبت لك أن الحذف لا يكون للاختصار دائمًا وللعلم به، وإنما الحذف يكون لحذف الذي لا يحتاج إليه، كما في ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾. أحيانًا يكون محذوفًا لأنه أخطر، كما هنا القضية دقيقة ومعقدة.

فلمَ أردت بالتوكيد أن تثبت أمرًا جللًا؟ تريد أن تبثه وتثبته، فلما رميت ذكره، لم تذكر جرمه، بعثك التوكيد على تلمسه، فأثبت وقدرت أقرب المعاني في هذا بدلالة اجتماع المبتدأ والتوكيد. أما في الفقرة الجديدة، لو بدأت المبتدأ بدون توكيد، فأنت جعلت الكلام دون الباعث الذي جعلك تبحث عن الخبر؛ حذفت الخبر وأغلقت زر الوقود الذي بعثك على استنباط الخبر من الاسم، جعلت الكلام بدون باعث وتركت السامع ينتظر ما تسنده إلى المبتدأ. لو قلت "أنَّ عددًا" لم تنتظر، طيب لو قلت في نفس السياق "عددٌ"؟ ما به؟ أنا لست فاهمًا، أنت لم تؤكد، فقطعت عني الباعث، ومن هنا قال: "لم يكن شيئًا".

هذه الخطوة التي نحتاج في كل دراسة لعبد القاهر أن نتجاوز إليها، أن نعبر الجسر إليها، وهي: لماذا عبد القاهر أوقفنا على الأثر؟ كان يلاحق شيئًا، كان يدون شيئًا وقع في نفسه. هذا العلم ينبغي أن ينضج، وللأسف ما الذي حصل؟ أنا لا أقول إن الذي حصل سيء، السيء هو الاقتصار عليه. الذي حصل أنهم تراجعوا خطوة عن عبد القاهر ودونوا الكلام في "أن" وإنما في صورة الأحكام المباشرة في البلاغة التقريرية، فأثبتوها في صورة قواعد بسرعة، وهذا حسن للمبتدئين وللتصور وللتحصيل السريع، لكن ليس حسنًا في الاقتصار عليه.

والكارثة التي وقعت أننا بدلاً من أن نخطو الخطوة التي بعد عبد القاهر، ونخوض في فلسفة اللغة ودلالاتها، تقهقرنا إلى تجميد ما عند عبد القاهر، مع أن ما عند عبد القاهر يقبل الزيادة، ونحتاج فيه -وبنص كلام الدكتور أبي موسى- إلى الزيادة عليه، ومع ذلك تقهقرنا وجففنا ما عند عبد القاهر مع حاجته لمزيد من البلل والرواء. رأيتم؟

قال: واعلم أن الذي قلنا فيه إن "من" إنها تدخل على الجملة من شأنها -إذاً انتبه- ليس الخبر من شأنها؛ هو خبر "أن"؛ واعلم أن الذي قلنا في "إن من" إنها تدخل على الجملة، من شأن هذه الجملة -انتبه من شأنها ليس الخبر- من شأنها إذاً هي أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى الفاء، لا يضطرد. كأنه قال: واعلم أن الذي قلنا في "إن" لا يضطرد من أنها تدخل على الجملة، انتبه الخبر هنا ليس من شأنها وإنما "لا يضطرد". واعلم أنهم يطيلون العبارة كثيراً، واعلم أن الذي قلنا في "إن من" إنها تدخل على الجملة من شأنها -هذه الجملة يعني من شأنها حالها- إذاً هي أسقطت منها أن يحتاج فيها إلى الفاء، لا يضطرد في كل شيء وكل موضع، بل يكون في موضع دون موضع، وفي حال دون حال.

انظر، على الرغم من خطورة تحصيل القواعد والأصول، وأنها أول شيء ولا بد منها، يظل العلم الشعري الأخطر قابعاً كامناً في نصوص الشعر، لكن بالاستنباط مع البصيرة، لا على طريقة هؤلاء المائعين الذين يلتقطون العصافير المزقزقة وبتلات الحروف وبراعم الكلمات، ويرون في نحنحة المرأة من السحر البياني ما لا يراه في غيرها إذا هاجت عليه هرموناته، وكانت الموسومة شاعرة حلوة أو جميلة، تراه تهيج هرموناته ويفيض بعبارات النقد السخية.

هذا أخطر شيء أيها الإخوة. وهذه مرتبة العلم التي حدثتكم عنها؛ العلم الثالثة. قلت لكم هناك مراتب للعلم، تحدثت معكم من قبل، هناك ثلاث مراتب تقفون عليها أو أنا أعينكم بها كاملة، وهي ما دون من العلم وإن يحقق وكذا وكذا، وهناك مرتبة من العلم أعينكم فيها، وهناك مرتبة أنت تستنبطها وتكونها ولا يعرفها غيرك، سواء تستنبطها أو تنشئها أنت، فهذا يدخل في مرتبة العلم الثانية والثالثة.

مثلاً في قول النابغة الذبياني: «فهم يتساقون المنية بينهم .. يبيض الرقاق المضارب»

أنت ترى عبارته لو أوقفت البيت هكذا وحده: «فهم يتساقون»، سترى أنه لو حذف الكلام لو لخصه لقال: "يتساقون المنية بينهم"، لكن لما ترى كلمة «فهم يتساقون المنية بينهم»، سترى أنه من طرائق العرب البلغاء في الدلالة على الأداء المستمر.

أنا الآن أضع مفهوماً وعلماً، هذه ليست منصوصاً عليها، هذه من الاستنباطات التي جمعت عليها شواهد على طول سنين أدونها في دفاتر، سواء كان من قراءة الدواوين أو من قراءة "منتهى الطلب" لابن ميمون وهكذا؛ لاحظت أنه من طرائق العرب في الدلالة على الاستمرار في العمل في حال معينة أن يقولوا «فهم يفعلون»، مع أن العبارة في ذاتها ساذجة، ولكنهم يذكرون هذه بعد ذكر ما يمهد لهذه الصفة أو هذا الفعل.

وترجع هنا إلى أبيات النابغة الذبياني: «إذا استُنزِلوا عنهن للطعن .. أرْقَلوا إلى الموت إرْقال الجمال المصاعب» «فهم يتساقون المنية بينهم»

لولا هذا السياق لكان قوله «فهم يتساقون» أقرب إلى المباشرة. لاحظ هذا يا إخوة، «فهم يتساقون» جاء بعد قوله: «إذا استُنزِلوا عنهن للطعن أرْقَلوا إلى الموت إرْقال الجمال المصاعب»، هذا رمى في نفسك ما شأنهم وما حال هؤلاء بأعينهم، ثم «فهم يتساقون المنية بينهم». هذا الملحظ، هذا التدوين الدقيق اللطيف، ليس في المصنفات بعينها، لا تأخذه من المصنفات.

كذلك مثلاً، قلت لكم هذا العلم الأعلى، ولذلك نريد أن ننتهي من هذه الكتب لتكون لنا مجالس في هذا العلم الأعلى، وحرية تكونون مؤسسين القواعد. المحصلة أنكم شربتم عبد القاهر والجرجاني والقاضي وابن الأثير وكذا، الآن تخوضون في علم الشعر، أنتم الآن حقاً تشكلون بداية نهضة جديدة ومرحلة جديدة في علم الشعر، نحن لسنا نلعب.

من هذه الأمور أنك ترى من خفي التشبيه عند العرب نوعاً يأتون به حين ينزلون ما يرونه من الصفات غير المقصودة منزلة المقصود؛ مبالغة بتشبيه غير المقصود بالذي قصد إليه.

مثلاً: «ليالي يا سلمى إذ تريكِ منصباً .. يقلن لأهل الحلم ضلاً بتضلالِ» «قامت تراءى بين سجفيكِ كأنه .. ...»

فهذا من خفي التشبيه، أنا لا أرى من وقف عليه بهذا الجمع أو هذا النظر، إنما هذا تدويني أنا في دفاتري. تخيل لو فسرتها على ظاهرها، "تريكِ" يعني "أنظركِ"، "قامت تراءى بين سجفيكِ"؛ تخيل أنها وقفت بين السجفين تري نفسها، أو فعلاً يقولن باللسان لأهل الحلم ضلاً بتضلال، تخيل أن سلمى تريك منصباً، أصله هو طبيب أسنان! الأسنان منصوبة، مرصوفة، جميلة، وجيدة كجيد الرئم. فهذا أسلوب في التشبيه يجرون كما قلت ينزلون ما يرونه من الصفات منزلة المقصود.

غير المقصودة منزلة المقصود، يعني المشبه أو الموصوف لا يقصد إلا بيانها، يجعلها مقصودة تريني كذا تريني كذا تتراءى، تقول لأهل الحلم، هذا أسلوب تشبيه دقيق جدا ويحقق شرف المعنى لو وقع في مكانه بهذا الوصف. أنا لا أعرفه في كتاب بهذا الوصف، ولكن دونت من ذلك الكثير، كثير.

هذا علم ما زال كامناً في الشعر، هذا يا إخوة هو العلم الذي يحثون الشعراء على تحصيله بقراءة الشعر. لم يقل أحد للشعراء فقط اقرأوا كتب النقد وكتب علم الشعر وأصول الشعر، أنت تحتاج إلى تطبيق، تحتاج إلى تدريب. هناك علم موجود لا يعرفه حتى النقاد أو المصنفون في النقد، هم يعرفونه من مزاولة النقد في الشعر، لكن أنت تحتاج إلى تحصيله كما حصلوه من مزاولة النقد في الشعر أو النظر في الشعر. لذلك من لا محفوظ له من الشعر لا شعر له، إنما هو نظم رديء كما قال ابن خلدون.

فانظر هنا يقول لأجل هذا جاء عبد القاهر واستدرك، قال: «ما قلته لك هناك لا يضطر في كل موضع، لا بأس، لا يضطر في كل موضع، بل يكون في موضع دون موضع وفي حال دون حال». فإنك قد تراها قد دخلت على الجملة ليست هي مما يقتضي الفاء، وذلك فيما لا يحصى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: 51-52]، وذلك أن قبله: ﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تُمْتَرُونَ﴾. ومعلوم أنك لو قلت: "إن هذا ما كنتم به تمترون، فالمتقون في جنات وعيون"، لم يكن كلامه.

هو سيذكر ما الذي يصلح معه وما الذي لا يصلح، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: 101]؛ لأنك لو قلت: "لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون، فالذين سبقت لهم منا الحسنى..."، لم تجد لإدخالك الفاء فيها وجهاً.

وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج: 17]. قال: "إن الذين آمنوا" اسمه "إن"، وما بعده معطوف عليه، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ جملة في موضع الخبر، ودخول الفاء فيها محال؛ لأن الخبر لا يعطف على المبتدأ، فدخول الفاء فيها محال.

وقال: «ومثله سواء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]، يمكن أن تدخل هنا "فـ" أو "فلا نضيعه"؛ لأن "لا نضيع" خبر، و"إن" واسمها والصلة، والخبر دخول الفاء عليه محال».

لماذا دخول الفاء محال؟ الفاء تفيد التعقيب، والخبر أنت تخبر به وتُسند، وليس أنك تعقب به، فالتعقيب يتعارض مع الإسناد الخبري.

إذاً ما الضابط؟ الضابط أنما يكون الذي ذكرناه في الجملة من حيث اقتضاء الفاء، إذا كان مصدرها مصدر الكلام يصحح به ما قبله، ويحتج له، ويبين وجه الفائدة فيه. أي إذا صدرت الجملة التي تتصدرها "إن" ويراد بها التعليل والاحتجاج لما قبلها. ألا ترى أن الغرض من قوله: "إن ذاك النجاح في التبكير" هو أن يبين المعنى في قوله: "لصاحبيه بكراً"، وأن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير ويبين وجه الفائدة فيه؟

وكذلك الحكم في الآية التي تلوناها، فقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1] بيان للمعنى، يصحح به ما قبله. وكذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ولما أمروا بأن يتقوا. وكذلك قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، بيان للمعنى في أمر النبي ﷺ بالصلاة، أي بالدعاء لهم. وهذا سبيل كل ما ترى فيه الجملة تحتاج فيها إلى الفاء، فاعرف ذلك؛ كل ما تصلح فيه الفاء مكان "إن"، إنما ذلك لأنه يبين وجه الفائدة ويحتج لما سبق.

فأما الذي ذكر عن أبي العباس ثعلب، من جعلها لجواب السائل إذا كانت وحدها، وجواب المنكر إذا كانت مع اللام؛ فالذي يدل على أن لها أصلاً في الجواب أن عبد القاهر يؤيد كلام ثعلب ويقرره في أنها أصل في الجواب مطلقاً، في جواب السائل، ويستدل على ذلك بشيء آخر هو لزومها في جواب القسم بالجملة الاسمية؛ فالجملة من المبتدأ والخبر إذا كانت جواباً للقسم لابد فيها من "إن".

بالجملة الاسمية، فالتأكيد بأن «إنَّ» حاصل في جواب السائل كما هو حاصل في جواب القسم. عبد القاهر هنا يستدل على التوكيد الذي في جواب السائل بوجه آخر يدلك على ربطها بالجواب عموماً، وهو ماذا؟ أن لها أصلاً في الجواب.

شفت عبد القاهر أن لها أصلاً في الجواب، وهو أن جواب القسم من المبتدأ والخبر يلازم «إنَّ» أو تلازمه «إنَّ». قال: فالذي يدل على أن لها أصلاً في الجواب يؤيد به كلام ثعلب أبي العباس: «إنا رأيناهم قد ألزموها»، ألزموها التي هي «إنَّ»، ألزموا «إنَّ» الجملة من المبتدأ والخبر إذا كانت جواباً للقسم، نحو: «والله إنَّ زيداً لمنطلق». وامتنعوا من أن يقولوا: «والله زيدٌ منطلق».

يقول مولانا: هل تلاحظ أن باب «إنَّ» من أكثر ما يستخدم في القرآن الكريم؟ أراه شائعاً جداً في القرآن، لكن لا أستطيع أن أتجاوز هذا التصور الآن، على الأقل لم أحصِ أو لم أبحث قاصداً. نعم، قال: وامتنعوا، لكن طبعاً «إنَّ» شائعة، لا تكاد تخلو منها صفحة تقريباً في القرآن.

تفضل يا مشعشعي قل. مولانا: هو طبيعة القرآن، طبيعة إلقاء الحجة والاستدلال على الكفار، بطبيعة الحال يقتضي أن تُستعمل «إنَّ» كثيراً بشكل شائع بهذا المعنى. ربما هذا من دواعي عبد القاهر لاستعمالها والله أعلم، أو لورودها والاستفاضة فيها والله أعلم.

قال: وامتنعوا من أن يقولوا: «والله زيدٌ منطلق». طبعاً هذا في كلامنا نحن عادي، وكثير جداً، لكن في العربية: «والله إنَّ زيداً منطلق». قال ثم: «إنا إذا استقرأنا الكلام وجدنا الأمر بيناً في الكثير من مواقعها، أنه يقصد بها إلى الجواب».

كقوله تعالى: ﴿۞ وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: 83]. وكقوله عز وجل في أول السورة: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءَامَنُوا۟ بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف: 13]. وكقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [القصص: 21]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 52]. وقوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [يس: 48]، وأشباه ذلك مما يُعلم به أنه كلام أمر النبي ﷺ بأن يجيب.

شوف، هي لها أصل في الجواب كما قال في رأس الصفحة، هذه خطيرة ولا بد أن تعلموها يا إخوة، وأن تُنحفر في أذهانكم إلى آخر العمر، وأن تُورثوها في العلم، أن «إنَّ» لها أصلاً في الجواب. قال: إنه كلام أمر النبي ﷺ بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا وناظروا فيه.

وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 43]. وذاك أنه يُعلم أن المعنى: فاتياه، فإذا قال لكما: ما شأنكما؟ وما جاء بكما؟ وما تقولان؟ فقولا: «إنا رسول رب العالمين». يعني في هذا الموضع -وأقول وهو أصح عندي في النظر- أن يقال الحال حال سؤال، حال تساؤل، وليس أنه إذا قال لكما ما شأنكما وما جاء بكما كأنه تقدير لما سيقع، لا، هو الحال حال سؤال؛ لأن الفكرة في المعنى، تفهمون ما أقصد، فإن فاتياه كان الموقف موقف تساؤل، وهناك شواهد في الآيات السابقة على هذا. «قل إني نهيت» ربما يكون ذلك من غير السؤال، لكن الموضع موضع تساؤل، فهذا أصح في التعبير عندي من أن يُقدَّر أنه يُسأل في هذا.

قال: وكذا قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 16]. هذا سبيله، فعبد القاهر ممكن يقصد مجرد رد الشرح، يعني ومن البيان في ذلك بالضبط أنه للشرح ليس للتقدير تماماً، ومن البيان طبعاً ليس التقدير اللغوي لكن تقدير وقوع السؤال، لكن أيضاً ليس هذا الأمر قريباً، لا بأس.

ومن البيان في ذلك قوله تعالى في قصة السحرة: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 51]. وذلك لأنه عيان، يعني ثابت بنظر العين، عاين عياناً، وليس بفتح العين عياناً والله أعلم. أظن والله أعلم مما يشيع وليس صحيحاً، من عرف اتساع لسان العرب كاد ألا يخطئ أحداً أن يقال: شاهدٌ عَيانٌ بفتح العين، والصواب إن شاء الله عِيان، أو الذي أعرفه عَيَّن عَياناً. قال: وذلك لأنه عيان، يعني ثابت بنظر العين، أنه جواب فرعون عن قوله.

شفت عبد القاهر، ذلك لأنه عيان، إنه جواب فرعون عن قوله: «آمنتم به قبل أن آذن لكم»، فهذا يعني التنظير الذي كان في هذه الصفحة على أن «إنَّ» لها أصلاً في الجواب. فهذا هو وجه القول في نصرة هذه الحكاية، يعني الكلام المحكي عن أبي العباس ثعلب في استعمال «إنَّ» في جواب السائل.

خلاص، انتبهوا سياتي تقييد مهم من عبد القاهر في قضية السؤال، سيقيد كلام ثعلب، لكن هو هنا يستدل له على أن «إنَّ» أو بأن لها أصلاً في الجواب. قال: ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء هو الذي دوِّن في الكتب من أنها للتوكيد. انتبه، عبد القاهر هنا يضع لك معنىً يلازم «إنَّ»، فمهما تقلبت أحوالها في الكلام، فأنت تعالج «إنَّ» في الكلام من حيث يلازمها هذا المعنى، من حيث يلازمها معنى التوكيد.

ولهذا سياتي الاستدراك على كلام ثعلب بشيء من التقييد في مسألة جواب السائل، سينبّه إلى أنه ليس سائلاً مستفسراً مطلقاً، ولكن لا بد من وجود نوع من الإنكار حتى يصح التوكيد؛ لأن الأصل في السائل -إذا كان للسؤال- أن يكون خالياً عن الإنكار، فإذا كان خالياً عن الإنكار فالجواب يأتي على أصله بدون توكيد، بدون «إنَّ».

يقول: ثم إن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه البناء هو الذي دوِّن في الكتب من أنها للتوكيد. وإذا كان قد ثبت ذلك، فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه البته -انتبهوا، عندكم "في خلافه" جاءت "خلافه" بالتاء، صححوها من أخطاء النسخة- فإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه البته، ولا يكون قد عقد في نفسه أن الذي تزعم أنه كائن غير كائن، وأن الذي تزعم أنه لم يكن كائن، فأنت لا تحتاج هناك إلى «إنَّ»، وإنما تحتاج إليها إذا كان له ظن في الخلاف وعقد قلبه على نفي.

ما تثبت أو إثبات ما تنفي، إذا كان له ظن في الخلاف وعقد قلب على نفي ما تثبت أو إثبات ما تنفي، ولذلك تراها تزداد. طبعاً تزداد وليس تزداد، هذا أيضاً من أخطاء النسخة، مفتوحة: تزداد، ولا وجه لهذا النصب ترون، لذلك وجهاً لا أرى وجهه، خطأ يعني تصحيف صرف من الطبع. ولذلك تراها تزداد.

حسناً، إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله في الظن، ولشيء قد جرت عادة الناس بخلافه، كقول أبي نواس: عليك باليأس من الناس .. إن غنى نفسك في اليأس

تفضل يا أسامة. - نعم مولانا، عندي سؤال: هل أيضاً يحتاج لها إذا كان المخاطب فيه شك مما تقوله، يعني أم فقط للإنكار؟ هل تستخدم أيضاً للشك؟ - نعم، الكلام هنا يشمل الجميع حتى إذا كان السابق في نفسه شيء. - أقصد أنه لا ينكر كلامك، ولكنه ليس متأكداً منه. - نعم، طبعاً تستعمل هذه، هذه درجات، لأنه حسب كلام عبد القاهر كأنه يؤكد أنه للمنكر فقط، يعني هذا الذي فهمته أنا. - لا، ما هو المنكر؟ ما معنى المنكر؟ الذي تنكر نفسه الشيء؟ - لا، هو يقول إن الذي تزعم أنه كائن غير كائن، يعني أنه يعتقد خلاف ما تقول. - لا، ما هو الذي تزعم؟ - شوف، هو يقول لحظة: «فإذا كان الخبر وأن الذي تزعم أنه لم يكن، الذي تزعم أنه كائن غير كائن»، هو ليس معناه أنك قلت وهو أنكر، أنت ممكن أن تبتدئ الكلام وهو في نفسه إنكار، وهذا الإنكار يشمل من أول درجات الشك، ليس أنه ينكر يعني يقول لا، وإنما يعني أنه بدأ من أول درجات خلو الذهن من أي رفض. والإنكار هنا درجات، ولذلك أن لها صورة، والقسم له صورة، أو أن لها درجة والقسم له درجة، وهكذا.

نعم، ليس هذا ما يشغلك هنا الآن، يشغلك فلسفة الفكرة، لأن بعد ذلك هذه قسمت شديداً في البلاغة التقريرية في تلخيص القزويني مثلاً، وكذلك تراه في الإيضاح مفصلاً.

قال أبو نواس: عليك باليأس من الناس .. إن غنى نفسك في اليأس

ما هذا البحر! عليك باليأس من الناس، إن غنى نفسك في اليأس. ها، ما هذا البحر يا أخوه؟ سريع، وهو هنا قريب إلى السريع، إلى فاعل فاعل التي صارت فاعل. أنا في السريع لا أتعامل، يعني أضع المعيار الأول فاعل أو فاعل. أما الدائرة فتعرفون ما فيها، يعني المفعولاته، لأنه مع المنسرح في نفس دائرة المنسرح، والمنسرح مستفعل مفعولاته، وأما هذا فمستفعل مستفعل مفعولاته.

يقول: «فقد ترى حسن موقعها»، وكيف قبول النفس لها؟ وليس ذلك إلا لأن الغالب على الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس. فقد ترى حسن موقعها وكيف قبول النفس لها، وليس ذلك إلا لأن الغالب على الناس أنهم لا يحملون أنفسهم على اليأس ولا يدعون الرجاء والطمع، ولا يعترف كل أحد ولا يسلم أن الغنى في اليأس.

فلما كان عدم التسليم هو الإنكار الذي قصده. - لا، ما هو هذا شيء آخر يا محمد الحمياري. - محمد الحمي يقول مولانا: «وقد يكون لأهمية الموضوع لا لحال المخاطب»، هذا شيء آخر، وهو أن يخرج عن مقتضى الظاهر إلى مقتضى الحال، عن مقتضى الظاهر إلى مقتضى الحال الذي حملنا عليه حديث النبي ﷺ. خلاص.

قال: يعني النفوس لا، هذا خروج عن مقتضى الظاهر إلى مقتضى الحال، هذا شيء آخر، وجه من الوجوه الدقيقة.

«ولا يعترف كل أحد ولا يسلم أن الغنى في اليأس»، فلما كان كذلك كان الموضع موضع فقر إلى التأكيد، فلذلك كان من حسنها ما ترى. ومثله سواء قول محمد بن وهيب: أجارتنا إن التعفف بالياس .. وصبرك على استدرار الدنيا بأسباب حريان ألا يقذى بمذلة كريماً .. وأنا يحوجاه إلى الناس أجارتنا إن القداح كواذب .. وأكثر أسباب النجاح مع الياسين

قال: هو كما لا يخفى كلام مع من لا يرى أن الأمر كما قال، بل ينكره ويعتقد خلافه، ومعلوم أنه لم يقله إلا والمراه تحدوه وتبعثه على التعرض للناس وعلى الطلب. ومن لطيف مواقعها أن يدعى على المخاطب ظن لم يظنه ولكن يراد التهكم به.

أنت يعني طبعاً كل هذا نظم بعد ذلك في البلاغة التقريرية بالمناسبة، لكن هنا لا يدعى أن المخاطب ظن شيئاً أو أنكر شيئاً أو استبعد شيئاً، ولكن جعلوه في من كانت حاله كذلك، لما رأوا من حاله ما يشبه من حاله كذلك، خلاص. «وأن يقال إن حالك والذي صنعت يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك».

حبيبي، الامتحانات قربت. أنا كنت في ليلة الاختبار ألعب الشطرنج مع أخي في الثانوية، والله في ليلة الاختبار كنت أدمن الشطرنج أصلاً، وهذا مما أورثني الصبر أو علمني الصبر والتخطيط وطول النفس. فكانت أمي تمر وتقول: "حبيبي امتحانك الصبح يا بابا". فهي تعاملني ببلاغة تتهكم، فأنا أرد عليها: "اسكتي، مش أنا عارف؟ ما أنا عرفت أن الصبح". فأنا أندهش.

هذا ما يقوله عبد القاهر بالتمام، بالمناسبة بالتمام. تمر أمي تقول: "يا ابني امتحانك الصبح"، يعني اختبارك في الصباح، أقول لها: "مش أنا عارف؟"، صحيح ما أنا عارف أني أعرف تمام المعرفة أن الاختبار في الصباح. فأنزلتها هي، أنزلتني منزلة الجاهل بالاختبار أو المنكر الذي يحتاج فيه إلى إعلام وتأكيد، وأنزلتها منزلة الجاد الذي لا يقصد التهكم. «وأن يقال إن حالك والذي صنعت يقتضي أن تكون قد ظننت ذلك».

ومثال ذلك قول الأول: جاء شقيق عارضاً رمحه .. أن بني عمك فيهم رماح

ما هذا البحر يا أخوه! جاء شقيق عارضاً رمحه.

«إن بني عمك فيهم رماح، أما علمت يا رجل؟».

يقول إن مجيئه هكذا مدلاً بنفسه وبشجاعته، قد وضع رمحه عرضاً، دليل على إعجاب شديد، وعلى اعتقاد منه أنه لا يقوم له أحد، حتى كان ليس مع أحد منا رمح يدفعه به وكان كلنا عُزلاً، جاء شقيق عارضاً رمحه: «إن بني عمك فيهم رماح، أما علمت يا رجل؟».

وإذا كان كذلك، وجب إذا قيل إنها جواب سائل أن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن في المسؤول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به، فإما أن يجعل مجرد الجواب أصلاً فيه فلا. هذا تفصيل لابد منه، أو لابد من الانتباه إليه حتى نصحح كلام ثعلب من أول، وإلى قوله: «فلا» في السطر الثالث.

انتبهوا إلى هذه العبارة، أظهروها أو اجعلوا تحتها خطاً في أول سطرين وجزء من الثالث: «وإذا كان كذلك وجب إذا قيل إنها جواب سائل أن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن في المسؤول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به، فإما أن يجعل مجرد الجواب أصلاً فيه فلا». يعني أصلاً في الجواب، أو أصلاً في الشيء المسؤول عنه، وأن يجعل التأكيد أساساً فيه، فلا.

لأنه يؤدي -انتبه إلى الكلام السابق في قضية التهكم- إلى ما عرف في البلاغة التقريرية في ضروب الخبر بإنزال غير المنكر منزلة المنكر. ثم قال: «وإذا كان كذلك وجب إذا قيل إنها جواب سائل أن يشترط فيه أن يكون للسائل ظن في المسؤول عنه على خلاف ما أنت تجيبه به، فإما أن يجعل مجرد الجواب أصلاً في هذا المسؤول عنه خلاص، أن يجعل مجرد الجواب أصلاً في الجواب أو أصلاً في الشيء المسؤول عنه، وأن يجعل التأكيد أساساً فيه، فلا».

لأنه يؤدي إلى ألا يستقيم لنا إذا قال الرجل: «كيف زيد؟» أن تقول: «صالح». ليس كل سائل ينكر أو يشك، لابد هذا الشرط. ولقد قلت لكم قبل قليل: «لأنه يؤدي إلى ألا يستقيم لنا إذا قال الرجل: كيف زيد؟ أن تقول: صالح».

أظن المسألة صارت واضحة، لكن عبد القاهر على عادته الكلامية في الاستيفاء، أن تقول: «صالح»، لابد أن تقول إنه صالح، وهو يقول لك: «كيف زيد؟». طب لو قال لك: «كيف زيد؟» وهو يظن أنه يتشفى فيك، فقلت له: «إنه صالح، إنه بخير، إنه سالم»، يصح؟ صح؛ لأن السؤال خرج عن غرضه الأصلي، عن غرضه الظاهر الذي هو مجرد الاستفسار.

قال: «لأنه يؤدي إلى ألا يستقيم لنا إذا قال الرجل: كيف زيد؟ أن تقول: صالح، وإذا قال: أين هو؟ أن تقول: في الدار»، وإن يصح حتى تقول إنه صالح وأنه في الدار، وذلك ما لا يقوله أحد. واضح جداً الكلام في أي سؤال.

وأما جعلها، إذا جمع بينها وبين اللام نحو: «إن عبد الله لقائم»، كل هذا من قصة الثعلب مع الفيلسوف الكندي، وأما جعلها إذا جمع بينها وبين اللام نحو: «إن عبد الله لقائم»، فالكلام مع المنكر فجيد، دون حاجة إلى تقييد وإلزام كما في رتبة السؤال المجرد.

فجيد؛ لأنه إذا كان الكلام مع المنكر -وهنا المنكر يا أسامة الحمادي- إذا كان الكلام مع منكر فدرجة أعلى، قال: «لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد». نعم، كانت الحاجة إلى التأكيد أشد، وذلك أنك أحوج ما تكون إلى الزيادة في تثبيت خبرك إذا كان هناك من يدفعه وينكر صحته.

إلا أنه ينبغي أن يعلم أنه، كما يكون للإنكار قد يكون من السامع، فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى من السامعين. انتبه؛ «أنه ينبغي أن يعلم أنه كما يكون للإنكار قد كان من السامع -يعني أنكر فعلاً- فإنه يكون للإنكار يعلم أو يرى من السامعين»، يعني الإنكار المتوقع لغرابة الخبر مثلاً.

وجملة الأمر، طبعاً كلمة «جملة» هي من أخطاء الطبعة، وكذلك «جملة الأمر» أنك لا تقول إنه لك ذلك حتى تريد أن تضع كلامك وضع من يدفع عن الإنكار. واعلم أنها قد تدخل للدلالة على أن الظن قد كان منك أيها المتكلم في الذي قد كان أنه لا يكون.

يعني الكلام هو في شيء لم تكن أنت أيها المتكلم تتوقع حدوثه، ولكنه حدث، فأنت تراه أمام عينك وتؤكد وتقول إنه حصل وهو أمام عينك، ولكن باعتبار أنك كنت لا تصدق وقوعه، ولو كان واقعاً أمام عينك، هذه خلاصتها.

فهمتم؟ «في الذي قد كان أنه لا يكون»، هكذا أوضح. أنا دونتها عندي، وكتبتها لأقرأها هكذا مع التنبيه إلى أنها إضافة مني، لأن قوله: «في الذي كان أنه لا يكون» يشكل لأول وهلة، لكن «في الذي قد كان أنه لا يكون» لا يشكل.

وذلك قولك للشيء: «هو بما ترى»، أنه كان من الأمر ما ترى. شوف، هو واقع، «أنه كان من الأمر ما ترى»، «وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف ثم إنه جعل جزائي ما رأيت». يا الله! هو الناس من قديم الأزل يشتكون من عدم الوفاء! هو الإنسان جُبل على ذلك والعياذ بالله.

حتى التمثيل يا جدع، حتى الأمثلة أعوذ بالله: «وكان مني إلى فلان إحسان ومعروف ثم إنه جعل جزائي ما رأيت»، فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت، كأنك تنكر نفسك أنت مما كان، كأنك تثبت لنفسك أنت وكأنك لا تصدق ما ترى، فتجعلك كأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ الذي توهمت.

خلاص، طبعًا هو في الأخير لا يخرج عن الأحوال أو عن الحال السابقة أو عن روح هذه الحال وحقيقتها، وهي التأكيد للمنكر؛ سواء كان المنكر مخاطبًا، وكان أنكر أو توقعت أنت منه الإنكار، أو كان المنكر هو أنت. المهم هي تأتي في موضع التأكيد، واعتبر صور الحاجة إلى التأكيد مرسلة كالمجاز المرسل: السامع ينكر، السامع يستبعد، السامع صرح بذلك، السامع تتوقع منه ذلك، أو الخبر من الغرابة بحيث لا يصدق، أنت تثبت لنفسك ما وقع وكأنك لا تصدق. كل هذا الكلام يؤكد، وانتهينا. نعم، هذا غير مؤثر في علة استعمال "إن"، وعلى ذلك والله أعلم.

شوف، لأنه قرآن، وعلى ذلك والله أعلم؛ قوله تعالى حكاية عن أم مريم رضي الله عنها عنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ﴾ [آل عمران: 36]، والله أعلم بما وضعت، ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ﴾؛ يعني كأنها كانت لا تصدق أو مذهولة من هذا الشيء، وهي ترى أنها وضعتها أنثى، ما خلاص ما هو أمر حاصل، هي علمت هذا.

وكذلك قوله عز وجل حكاية عن نوح عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ [نوح: 5]. نفس الشيء، كأنه لا يصدق. وليس الذي يعرض بسبب هذا الحرف من الدقائق والأمور الخفية بالشيء يدرك بالهوينا.

ونحن نقتصر الآن على ما ذكرنا، ونأخذ في القول عليها إذا اتصلت بها ما. وهنا سيدخل في شوط من الكتاب، وهو فصل في "إنما"، وهو من أدق فصول كتاب عبد القاهر وأشدها حاجة إلى اليقظة والانتباه؛ ولهذا لا نبدأه اليوم ونشرع فيه استقلالًا وبداية جديدة من المحاضرة القادمة الثانية بعد الخمس إن شاء الله.

وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.