بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا الخمسون من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني، شيخ البلاغة ومؤسسها وإمام البلاغيين رحمه الله تعالى ورضي عنه، ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.
تلاحظون يا إخوة شيئاً أنا دائماً أحب التنبيه إليه، وبما أننا وافينا المجلس الخمسين يحسن التنبيه إليه أو الإشارة إليه. كنت دائماً أشير إلى أن هذه الأمة الإسلامية العظيمة هي أمة أعطاها الله سبحانه وتعالى مزية وخيراً لقاعدة عندها وهي الإسلام، مهما اختلفت هذه الأمة بعد ذلك، ولذلك عليكم أن تعيدوا ترتيب هذه المزايا.
لا شك أن كل صاحب مذهب، أو كل من يعتقد في شيء بمقدماته، سواء كانت مقدمات عقلية أو يراها عقلية، أو كانت روايات يراها صحيحة ويراها غيره غير صحيحة بقطع النظر عن الصواب في نفس الأمر -لا شك أن هناك صواباً في نفس الأمر- تقول لا شك أن كل إنسان، كل مسلم سيرى أفضلية ويرى في أهل مذهبه تمثيلاً لهذا القدر من الحق أو للأفضلية في هذه الأمة، لا شك وهذا حقه إذا كان مخلصاً في مقدماته بقطع النظر عن الصواب في نفس الأمر.
هذا كلام خطير جداً ومهم جداً يا إخوة. أقول: كل إنسان إنما الشرط في حقه أن يكون مخلصاً في المقدمات، مخلصاً صادقاً في المقدمات التي يعتقد في مذهبه وأنه الأفضل، بقطع النظر عن الصحة والصواب في نفس الأمر. وهذا هو القدر الذي أعامل عليه الناس؛ حتى المتدين أحاسبه في تدينه أو أقيسه في تدينه على ماذا؟ على تعامله هو مع مقدماته، هل كان مخلصاً فيها أو لا؟ إذا كان الله سبحانه وتعالى سيعامل الناس هكذا؛ فهناك أهل فترة، وهناك من هم في حكم أهل الفترة الذين توازوا مع وجود الإسلام لكن لم تبلغهم بلوغاً صحيحاً، فَهؤلاء ليسوا مكابرين.
الذي أريد أن أقول: لا شك أن كل إنسان سيكون من حقه أن يعتقد الأفضلية وكذا، ولكن الشيء الذي أحذر منه هو مقادير التبديد أو التوزيع، مقادير التقسيم؛ الحالة التي نعيشها، حالة الاستقطاب الطائفي الحاد الذي نعيشه الآن، استقطاب طائفي حاد جداً يلغي كل الاعتبارات وكل المقادير الموزعة على الطبقات.
أنا قدمت بأنه من حق كل إنسان يعتقد في مذهب وأخلص له أن يعتقد الأفضلية وأن يعتقد أنه الممثل، وبعد ذلك إما أن يلتمس العذر لغيره، أو أن يضلله بحسب حال هذا الغير، خلاص؛ لكن بعد ذلك هناك حالة جفوة وإقصاء وتجفيف للقدر الذي يثبت بالقاعدة، وهي نفس الإسلام. الله تعالى لما قال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] دخل في ذلك كل مسلم، كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله.
أقدم بهذا في مناسبتنا لهذا الكتاب أن هذا الإمام عبد القاهر سبقه أئمة من معتزلة وهو عبد القاهر سني أشعري، سبقه أئمة من معتزلة ومن شيعة، وتلاه أئمة من معتزلة ومن شيعة، وكلهم اقتدى واعترف بالأستاذية والفضل وترحم وترضى، واعترف بالفضل وسلم به وبالقدر ولم يكفر الفضل لأجل الاختلاف في المذهب أو الطائفة.
عبد القاهر أقام علمه على الجاحظ المعتزلي، والجاحظ المعتزلي كان شانئاً شديد الشنان للشيعة ومع ذلك لن يمنعه ذلك من الإنصاف، ولم يمنع الشيعة من أن ينصفوه. الإمام رضي الدين الاستراباذي، الذي إذا قيل المحقق في النحو كان شيعياً، رضي الدين الاستراباذي كان شيعياً نزيل النجف، وهو صاحب الشرح الأكبر، التحقيق الأعظم، الذي قال الرفاعي: «هذا أنفع كتب النحو»، شرحه على ماذا؟ على كافية ابن الحاجب.
جاء عبد القاهر البغدادي واستخرج منها الشواهد، واستخلص رضي الدين الاستراباذي النجفي هذه الشواهد وصنع كتابه الفذ المتفرد، خزنة الأدب ولب خزنة الأدب ولب كلام العرب، واتخذه خليطاً مزيجاً ثميناً من الأدب ومن النحو، من الشرح النحوي على الشواهد ومن الكلام على القصائد والشعراء، ويأتي بالبيت الشاهد ويأتي بقصيدته يريدها ربما تامة أو أكثرها، ويتكلم عن الشاعر وعن مناسبة القصيدة، وصار مرجعاً حتى لأهل الأدب وسماه خزنة الأدب.
فترون السكاكي وترون التفتازاني والزمخشري وعبد القاهر والجاحظ، فترون هذه العلوم تمشي في سيرها الطبيعي، يتلقفها السني عن المعتزلي، والمعتزلي عن السني، والسني والشيعي، والشيعي والسني، وفي الأخير سبيكة العلم واحدة، سبيكة علم واحدة.
نحن بعد هذا الشرح أين سنذهب؟ هذا الشرح يؤول بنا بعد ذلك إلى ماذا؟ إلى مفتاح العلوم للسكاكي، السكاكي معتزلي لخصه القزويني، ودخل التفتازاني في الخط البلاغي، وهكذا، وكشاف الزمخشري الذي اعتمد على ماذا؟ على علم عبد القاهر، كشاف الزمخشري، لترى بعد ذلك هذا العلم كيف تتناوله الأيدي من بعضها فقط بالفضل والعلم وليس بشيء آخر من مذهب ونحو ونحو ذلك.
ولا أحد من هؤلاء ينكر أنه كما قلت عندهم هذه المساحة، لا أحد صرف النظر عن مذهبه، ولكن أيضاً لا أحد صرف الحقوق، لا أحد صرف الإنصاف، لا أحد صرف النظر عن إمام أو عن عالم لأنه ليس على مذهبه.
ورحم الله الشريف الرضي، نعم أنا خلطت، قلت رضي الدين، رحم الله الشريف الرضي، كان له مشايخ في مذاهب أخرى، كان له شيخ في المذهب الشافعي وشيخ في المذهب الحنفي، ومن مشايخه سنة وشيعة، ومن طلابه سنة وشيعة. والعراق كان مثالاً يحتذى في هذا، كانت الدنيا كلها في العراق، هي الدنيا وسائرها الضواحي، كل شيء كان في العراق، كل المذاهب كانت في العراق وكلهم يأخذ عن بعض، وكلهم في وقت النوازل يكون مع بعضه، وكلهم في وقت الجهاد يكون مع بعضه. وترى فيهم الباقلاني، القاضي الباقلاني، لا إله إلا الله. والله يا ولد أنا أقول هذه الكلمة دائماً؛ قحطان يقول هي الدنيا وسائرها الضواحي، موزونة وعلى بحر الوافر، والله انتبهت الآن مع أنني أكررها منذ زمن.
هي الدنيا وسائرها الضواحي، مفاعله مفاعله فعول. نعم، أنا أقولها دائما: «هي الدنيا وسائرها الضواحي»، وصحيح فأنا دائما أقول هذه العبارة من قديم، سبحان الله، لم أنتبه إلى وزنها إلا لأني كنت أقولها نثرية. فكرت فيها، أبو كربلاء يقول هذا يعدد كلام عبد القاهر أن الوزن وحده ليس فضلاً، ما أنا قلت الآن قلت أنا أفكر فيها نثرية فلم أذهب إلى الوزن؛ لأنني لا أفرد الوزن بالنظر إذا لم يكن الكلام ثقيلاً شعرياً.
جميل، وعندك في العراق كان أبو بكر البقلاني فحل الأشاعرة، القاضي أبو بكر البقلاني، وكان كذلك الهمذاني في هذا الزمن أيضاً، في نفس الزمن كان القاضي عبد الجبار الهمذاني؛ قاضٍ أيضاً يقضي في السنة والشيعة، وأبو بكر البقلاني يقضي في السنة والشيعة. تخيلوا كيف كانت الحياة مع وجود المذاهب، مع كونهم يفهمون المذاهب أكثر من أهل هذا العصر الذين يرفعون أصواتهم على بعضهم بالتكفير والتفريق وكذا وكذا.
كانوا يفهمون أكثر ويعيشون في نفس البلاد، في نفس الأرض، ويحكم أو يقضي القاضي السني بين الشيعي والسني، والقاضي الشيعي بين الشيعي والسني، أو القاضي المعتزلي بين المعتزلة وغير المعتزلة، والشيعة والسنة؛ والجميع كانت هناك القاعدة، كانوا يختلفون وينظرون لكن كل شيء بمقاديره، كانت عندهم قاعدة الإسلام تأخذ حقها المستوفى، وهذا هو الذي أجاهد الآن لإرجاعه مرة أخرى.
أنا عندي طلاب من سنة وشيعة، والله العظيم أحبهم جميعاً محبة واحدة صادقة، ليست من باب الملاطفة وكذا، ومن الخلف أتكلم بسوء أبداً. عندكم يشهد إخوانكم محمد الحميري وغيره، كيف نتكلم عنكم في خلوتنا أو في حديثنا الخاص؟ كيف نتكلم عن إخواننا من أي ما بقي على مبدأ التدين ومبدأ الإخلاص، ورأينا منه هذا الإخلاص والاحترام.
الأمر في الأخير يا إخوة، كان عندهم القاعدة، قاعدة الإسلام مستوفاة. وها نحن ندرس عبد القاهر، وبعد ذلك سترون أنفسكم تنساقون نحو الزمخشري ونحو مصنفات المعتزلة ومذاهب مختلفة، وخطنا واحد هو العلم، فهذا رحِم بين أهله. تخيلوا الآن البعض يرفض أن نترحم على الزمخشري أو أن نترضى عنه لأنه كان معتزلياً، طيب وماذا ستقول في مصنفات النحو التي ألفها شيعة؟ وهو هذا رضي الدين، إذا قيل المحقق فهو رضي الدين السترابادي النجفي أو نزيل النجف، هذا رضي الدين محقق النحو، استغني إذاً عن شرحه على الكافية. يلا أرني بماذا تستغني؟ لن يكاد يسلم لك أحد لأنه لا يوجد أحد على طريقتك ومذهبك تقريباً من العلماء.
أما السنة الأشاعرة فهم أوسعوا عقلاً وألينوا على اختلاف بينهم، ذلك ولا اختلاف في كل الطوائف، لكن نحن للأسف نعيش حالة استقطاب حاد على اعتبار الطائفة، استقطاب غير مسوغ وغير معلل للأسف الشديد.
طيب يا إخوة، هذا مجلسنا الخمسون من شرح كتاب دلائل الإعجاز، وصلنا فيه إلى الصفحة السابعة بعد الثلاثمائة، انتهينا من الفقرة الثالثة بعد السبعين والثلاثمائة، التي هي: ﴿وَهَذَا ضَرْبٌ كَثِيرٌ فِي التَّنْزِيلِ﴾، وانتهينا إلى: ﴿عَلَى الْجُمْلَةِ مِنَ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ لَا يُدْرَكُهَا الْإِحْصَاءُ﴾. ما زلنا في الحديث عن «إن» ومواقعها وفائدتها.
نبدأ في الفقرة الرابعة بعد الثلاثمائة، يقول: «ومن خصائص إن أنك ترى لضمير الشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه». إذاً هي لم تدخل عليه بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها. الآن سيأخذنا في شوط مع ضمير الشأن، أنه إذا اجتمع مع «إن» كان له موقع وأثر. يقول: «ومن خصائصها أنك ترى لضمير الشأن أو الأمر -يقال ضمير الأمر وضمير الشأن- كان أنك ترى لضمير الأمر والشأن معها من الحسن واللطف ما لا تراه، إذاً هي لم تدخل عليه بل تراه لا يصلح حيث صلح إلا بها».
وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ومن ذلك قوله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾.
وأجاز أبو الحسن، الذي هو الأخفش، وجهاً آخر وهو أن يكون الضمير في «إنها» للأبصار، أُضمرت قبل الذكر على شريطة التفسير، وهذا سيأتي مثاله الآن أيضاً، والحاجة في هذا الوجه أيضاً إلى أن «إن» قائمة مع ضمير الشأن كما كانت في الوجه الأول؛ فإنه لا يقال «هي لا تعمى الأبصار» كما يقال «هو ميت يتقي ويصبر فإن الله لا يضيع».
فإن قلت إلى الآن واضح يا إخوة، كيف لما نزعت «إن» لم يصلح الكلام، تمام، فإن قلت: أوليس قد جاء ضمير الشأن مبتدأ به في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ أهو يا من تقول يا عبد القاهر تقول إنها تعطي ضمير الشأن شأناً جديداً، ونحن نرى ضمير الشأن جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، خلاص لأن الأصل ﴿قُلِ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فهو هنا ضمير شأن على قول.
فيا عبد القاهر، قد جاء ضمير الشأن شأني وله شأن أيضاً بدون أن يقال «هو»، وإن جاءها هنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء، بل تراه لا يجيء إلا بأن يقال؛ لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء، يعني لا يقترب أن يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء الذي هو ضمير الشأن بدون «إن».
لكن كن معي الآن يا محمد، وسيتضح لك كل شيء إن شاء الله، اجعل الكلام متصلاً في سبيكة واحدة: «قُلْ هُوَ وإن جاءها هنا فإنه لا يكاد يوجد مع الجملة من الشرط والجزاء، بل تراه لا يجيء الذي هو ضمير الشأن إلا بأن في الجملة من الشرط والجزاء»، على أنهم قد أجازوا -ومع ذلك ليس كما قلت بدون احتمال- على أنهم قد أجازوا في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ألا يكون الضمير للأمر، يعني للشان. الضمير طبعاً مضموم.
قال: «ومن لطيف ما جاء في...»
هذا الباب غير مشكول تمامًا. ومن لطيف ما جاء في هذا الباب ونادره ما تجده في آخر هذه الأبيات؛ أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين في "البيان والتبيين"، وكذلك نسبها شاكر، قال: والبيتان الأخيران في مجالس ثعلب.
أنشدها الجاحظ لبعض الحجازيين، وهذا على بحر الطويل: يا حمي مولانا على سلت في جواب عبد القاهر.
لم أفهم وجه جوابه؛ هو من قبل كان يقول بأن ضمير الشأن لا يصلح إلا... ثم قال مثلاً إنه في الجملة الشرطية... وكأنني لم أفهم وجهه. أنت الآن يفترض أنه تبين لك منهجه عبد القاهر في طريقته؛ أنه يقول لك إن هذا الحرف -وسيأتي الآن معنا بالمناسبة- سيستدرك على قضية أن بدء العبارة بـ "إن" التي قالها في المرة الماضية درسناها في المرة الماضية، وأنها تحل مكانها الفاء، فقال ليست هكذا في كل المواضع، وإنما في المواضع التي تقع على وجه التعليل. وسيعيدنا مرة أخرى إلى حادثة خلف الأحمر وأبي عمرو بن العلاء والأصمعي: «بكرًا فالنجاح في التبكير»، بكرًا ذاك، هذا النجاح في التبكير.
طريقة عبد القاهر ماذا يفعل؟ يأتي لك ويطلق، ثم ربما يستدرك هو أو على لسان مجادل كما تعرف؛ فإن قلت فنقول: نعم صدقت، ولكن الجمل التي هي من باب كذا وكذا لا تفارقها. أحيانًا عبد القاهر يستثني عن طريق العبارات التي في غرض معين. احتمال اليوم لما استدرك على قضية الفاء، فهو يقول: أنت ترى لضمير الشأن شأنًا كبيرًا، مع أن... فافترض معترضًا يقول له: أوَليس قد جاء ضمير الشأن أو الأمر مبتدأ به معمولي العوامل النواسخ؟ أليس قد جاء ضمير الشأن مبتدأ به معمولي العوامل في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؟ لم يقل: أهو الله أحد؟ على تفسير من فسره بأن "هو" ضمير شأن. فقل له: ماشي صحيح، هذا صحيح، وإن جاءت "هو" هنا فإنه لا يكاد... فيقول لك: الجمل التي من الشرط والجزاء لا تراها إلا بأن هناك خاصة في الشرط والجزاء؛ فإذا وجدت أن الشرط والجزاء مع ضمير الشأن يستلزم "إن"، فكلامك على ما هو عليه، وما تزال الخصوصية لضمير الشأن ثابتة بأن، وما يزال الفضل لـ "إن" على ضمير الشأن في قدر مما يأتي فيه. وضحت؟
نعم مولانا، واضحت، الحمد لله. يقول: إذا طمع يومًا عراني قريته ... كتائب ياسٍ كرهًا وترادها أثامٍ والمياه كثيرة ... أعالج منها حفرها واكتدادها
الأبيات حلوة، والشاهد من أولها أنه هو الريّ إن ترضى النفوس ثمادها. انظر: "أكد ثمادي"، والثماد هو القليل من الماء، فهو يقول: أنا أرضى بالقليل؛ هذا تمثيل أو استعارة تمثيلية. أقول تمثيل؛ لأنها في حضرة عبد القاهر، وهو يفصل التمثيل عن الاستعارة والتشبيه، لا يقول استعارة تشبيه أو استعارة تمثيلية، بل يقول: تشبيه، واستعارة، وتمثيل بقسميه.
يقول: "أكد ثمادي والمياه كثيرة"، هذه عزة نفس؛ "أعالج منها حفرها واكتدادها، وأرضى بها من بحر آخر". هو يريد أن يقول: "الري الحق أن ترضى النفوس ثمادها"، أي أن ترضى بالماء القليل، هذا هو الري.
المقصود قوله: "إنه هو الري"، وذلك أن الهاء تحتمل أمرين: أحدهما أن تكون ضمير الأمر الذي هو ضمير الشأن الذي يلخص القصة التي تأتي بعده، والآخر أن تكون هذه الهاء ضمير الرضا؛ لأن "أن ترضى" تسبك هنا مع ما بعدها بمصدر، فيكون الضمير هو "الرضا"، وقد أضمره قبل الذكر على شريطة التفسير، كما مر معنا في كلام أبي الحسن الأخفش؛ فإنها لا تعمل "أبصار".
لقد أضمره قبل الذكر على شريطة التفسير، فالأصل أن الأمر هو: "أن ترضى النفوس ثمادها الري"، ثم كأنك سألت: ما هو؟ قال لك: "أن ترضى النفوس ثمادها". ولهذا عندك في النسخة الآن، اعمل خطًا تحت "هو" وخطًا تحت "أن ترضى" وصل بينهما سهمًا مقوسًا من "هو" إلى "أن ترضى" حتى تنتبه إلى أن هذا ضمير "أن ترضى". ولكن كما قال، أضمره قبل الذكر، يعني قبل أن يأتي بالصريح كالضمير، وهذه لغة الكوفيين؛ يضمر قبل الذكر على شرط أن يفسر. كأنه قال: إن الشأن هو الري، والري هو الرضا. قال: "الأصل أن الأمر أن ترضى النفوس ثمادها الري"، ثم أتى بالمضمر مصرحًا به في آخر الكلام؛ فعلم بذلك أن الضمير السابق له هو خبر الضمير.
انتبه، "وله خبر الضمير"؛ "له" هذا نعت للضمير، و"خبر الضمير" هو خبر "إن". أي أن الضمير الذي هو "هو الري" له هذا التصريح الذي هو "الرضا" (أن ترضى). كأنه قال: "وأرضى بها من بحر آخر"، إن الرضا هو الري. لكن ماذا فعل؟ قال: "إنه هو الري"، كأنك تسأل: ما هو الري؟ فجاء الجواب: "أن ترضى". نقرأها لكي تستحضرها وأنت تذاكر ولا يدخل عليك الأمر، لأن هذا الموضع من أكثر المواطن التي يستشكلها من يقرأ الكتاب وحده وتتداخل معه، أو يتوه فيها: "إنه هو الري أن ترضى"، يعني الرضا، ما هو الضمير هذا؟
الاحتمال الأول واضح. الصورة وضحت يا إخوة، لابد أن يقول للجميع: وضحت الصورة يا إخوة، كتابة أو قولاً.
الاحتمال الثاني: أن تكون الهاء في "إنه" ضمير "أن ترضى" -وعندكم أظن منونة بالفتح أو الضم- هي ضمير "أن ترضى" وليس ضميراً. اضبطوها بالقلم؛ أن تكون الهاء في "إنه" ضمير "أن ترضاه" قبل الذكر. يعني لو قلت "إنه" وكان الضمير في "إنه" هو الضمير الذي نتكلم عنه (الشان)، فتقول: "إنه أن ترضى النفوس ثَمادها هو الري". أو "إنه الرضا هو الري".
وكما قال عبد القاهر: "إن الأمر إنه أن ترضى النفوس ثَمادها هو الري". أنا فقط أشرح. ولو قلت إن الضمير فيها يعود على الرضا، فستقول: "إنه أي أن ترضى النفوس ثَمادها هو الري". ما تفسير الضمير في "إنه أن ترضى النفوس ثَمادها"؟
يقول عبد القاهر: "وأي الأمرين كان، فإنه لابد فيه من (إنّ) ولا سبيل إلى إسقاطها". سواء باشرت الضمير كما في الأول، أو لم تباشره كما في الثاني. طبعاً نقول: ضمير الفصل مرة بغاية، والشان مرة بغاية أخرى، وجنسهما واحد؛ لأن الموقع في الثاني يقتضي أن نقول إنه ضمير فصل كما تعلمون في علم النحو.
قال: "وأي الأمرين كان، فإنه لابد فيه من (إنّ) ولا سبيل إلى إسقاطها؛ لأنك إن أسقطتها أفضى ذلك بك إلى شيء شنيع، وهو أن تقول: (وارضى بها من بحر آخر هو الري أن ترضى النفوس ثَمادها)، وهذا كلام فاسد". قال: "هذا وفي أن هذه شيء آخر".
تفضل يا محمد. - نعم مولانا، قبل أن تنتقل إلى النقطة الأخرى، كنت أريد أن أسألك: ما هي الأغراض البلاغية مثلاً لاستخدام ضمير الشأن؟
راجع؛ لماذا يستخدم عادة؟ إذا راجعت في ذلك كتاب "معاني النحو" لفضل السامرائي، فهذا واجب، اعتبره واجباً: ما هي الأغراض البلاغية لضمير الشأن؟ هذا تقف عليه من الوظائف.
لحظة، أخونا أبو كربلا كنت تذكر ماذا يا مولانا؟ ماذا تقصد بكتاب الفاضل السامرائي؟ - كتابي الذي أذكره هو "معاني النحو" يا مولانا.
"معاني النحو"، صح؟ طيب قل شيئاً منها، يلا بما أنك بدأت تنشط معنا. - دخلنا فيها في شهر رمضان الفائت أنا ومجموعة من الإخوة، أقرأ في كتاب "معاني النحو" للسامرائي، بالتحديد في ضمير الشأن. أنا كنت حتى عبرت لهم أن ذهني مغيم من شدة... - لسهولة الكلام وعمقه؛ كلام سهل في ظاهره، جميل، لذيذ، عميق نوعاً ما في حقيقته ودلالاته.
نعم، "معاني النحو" وهو في البداية تكلم عن ضمير الشأن. هذا يغريك أكثر يا حمي أن ترجع إلى الكتاب. طبعاً هذا الكتاب يا إخوة من الكتب التي ظللت أقرأها مع كتاب "مغني اللبيب" لابن هشام قديماً كثيراً، وهو كتاب مهم.
أولاً: هو مهم جداً للشاعر، ما زلت أقول هذا منذ سنين؛ كتاب "معاني النحو" لفضل السامرائي مهم جداً جداً للشاعر؛ لأنك إذا لم تكن تعلم كل وجوه المعاني في الاستعمال، ظللت مقيداً بما هو في العرف العام في المستعمل الآن، وغاب عنك كثير من وجوه الفصاحة في الاستعمال. ممكن يكون شعرك جيداً بحسب ما أتيح لك، لكن سيظل قريباً.
وأعيذك بالله أن تقول كمثل هذا السفيه المعاصر الذي قال: "أنا أنصح طلابي..."، لا أدري كيف لم يخشَ أن ينزل الله تعالى عليه صاعقة من السماء وهو يقول هذه الكلمة! يقول: "أنا أصلاً أحذر طلابي من قراءة الشعر الجاهلي". يا رجل! نحن نغريهم بكل وسائل الإغراء حتى يقرأوا الشعر الجاهلي ويتحملوا المشقة فيه، وأنت تقول: "أنا أحذرهم من قراءة الشعر"!
قال هذا متبجحاً دون خجل: "أحذرهم من قراءة الشاعر الجاهلي". فقيل له: لماذا؟ قال: "لأنه سيجعل لغتهم ليست لغة الناس". وأنت تريد للشاعر أن تكون لغته لغة الناس؟ أنت تريد للشاعر أن يظل ينزل إلى الناس، لا أن يأخذ بأيديهم إليه! لو كان كذلك لهجرت الناس القرآن. من الذي يعرف "العسعسة"؟ من الذي يعرف "دحاها"؟ من الذي يعرف "طحاها"؟ من الذي يعرف "ضيزى"؟ من يعرف كل ذلك الآن؟ الناس لا يعرفون هذا.
هذا من غريب الكلام، حتى هناك مصنفات "غريب القرآن"، مع أن القرآن ليس فيه غريب باعتبار المطلق الفصاحة، لكن فيه غريب بالنسبة إلى الناس. فعلى منهجك هذا أنت تفسد البيان كلما نزلت. أنت "نزارِيٌّ" -وهو فعلاً نزار قباني- يعني على منهجه، ويعتبره أعظم شعراء العصر، تخيل! فأعيذك بالله من هذا.
فأنت أولاً هذا ينفع الشاعر جداً أن يقرأ كتاب "معاني النحو" يا إخوة لفضل السامرائي، إذا عكفت على هذا الكتاب ولم تأخذ مني إلا هذه النصيحة كفى بها. ولكن أشفعها بنصيحة أخرى بكتاب "أساس البلاغة" للزمخشري؛ هو للشاعر خطير، ساحر، مهم، ركن؛ لأنه جمع المجازات، في المجازات "أساس البلاغة" يا إخوة للزمخشري.
ثم هو كتاب مهم في تفسير الشعر. وجدت بعض من يحاول تفسير الشعر من المخلصين ويخطئ، وأنا وقعت في هذا من قبل قديماً، ولا أفسر الشعر وأخطأته لعدم إحاطته بكل المعاني؛ سواء معنى بناء صرفي غاب عني لم أستحضره أو لم يحضر في ذهني، أو سواء معنى حرف ليس مستعملاً شائعاً أو ليس عليه أكثر الشعر لكن يقتضيه سياق شعر ما، يطلبه. فإذا كان يطلبه وكان جائزاً في العربية فلا بد أن تقره.
فهذا الكتاب مهم جداً، فقد فزت بهذه النصيحة يا محمد الحميري؛ اذهب وابدأ اقرأ في "معاني النحو"، ليس كبيراً، في أربعة مجلدات، ليس ضخماً. فالمهم أن تقرأه وتنتهي منه، وتقرأه مرة ثانية وهكذا.
سيؤثر شديدًا، سيحدث فرقًا كبيرًا في مستواك العام في الإدراك والفصاحة ومعرفة وجوه البيان، سواء كنت شاعرًا أو ناقدًا. ولهذا لا نتعجل في النقد، لا بد أن نتريث وأن نتأمل وأن نراجع، ولا بأس إذا غاب عنك شيء أو استشكلته أن تذهب وتراجع الكتاب أو كتب النحو وترى من معاني هذا الحرف ماذا، أو من معاني هذا الحكم النحوي مثلاً، وهكذا.
قال: «وفي أنَّ هذه شيء آخر يوجب الحاجة إليها، وهو أنها تتولى من ربط الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار». ألا ترى أنك لو أسقطت «أنَّ» والضمير معًا واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام، لم تقله إلا بالفاء، كقولك: «وأرضى بها من بحر آخر».
الريُّ أن ترضى النفوس مداها بص، وأرضى بها من بحر آخر. طبعًا هو قال: «واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام»، ألا ترى أنه يقول: «إنها تتولى من ربط الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار الذي مر معنا»، لما قال: «فإنَّ النجاح بكر»، فالنجاح خلاص، أو «فإنَّ النجاح» مباشرة، «إنَّ النجاح في التبكير».
كما قال هنا في الصفحة ٣١٦: «هذه هي الصورة، حتى إذا جئت إلى "أن" فأسقطتها رأيت الثاني منهما قد نبى عن الأول وتجافى عن معناه، ورأيته لا يتصل به ولا يكون منه بسبيل، حتى تجيء بالفاء فتقول: بكرًا صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير». كما قال أيضًا ليس معناه أنها جائزة من كل وجه، أو هي الأفضل، أو أنها تتساوى معها، لكن يتكلم عن تصحيح الكلام.
كل هذا كان في المجلس الماضي التاسع بعد الأربعين. هنا ينبهك يقول: «وفي أنَّ هذه شيء آخر يوجب الحاجة إليها، وهو أنها تتولى من ربط الجملة بما قبلها نحوا مما ذكرت لك في بيت بشار». ألا ترى أنك لو أسقطت «أنَّ» والضميرين معًا، واقتصرت على ذكر ما يبقى من الكلام، لم تقله إلا بالفاء بقولك: «وأرضى بها من بحر آخر».
يريد أنه لو لم يأتِ بـ«أنَّ» ولا بحرف، انقطعت الجملة وكانت كلامًا جديدًا لا يظهر المطلوب فعله في الكلام الأول، لا يظهر لماذا أتى بالكلام الأول. يقول: «فلو أن الفيلسوف»؛ من الفيلسوف هنا يا إخوة؟ شفتوا النفس؟ عبد القاهر لم ينسَ، من الفيلسوف يا إخوة؟ الكندي، أحسنت، الكندي. «فلو أن الفيلسوف قد كان تتبع هذه المواضع لما ظن الذي ظن هذا».
أنا لا أدري ما دار في المجالس التي فاتتني والتي لم أحضرها، ولكن هل في الفاء، أو التعقيب بالفاء، أو البناء بالفاء عيب ذكره أو ما شابه؟ لا، أنا ألخص لك سريعًا.
عبد القاهر بدأ كلامه عن «أنَّ»، وأخذ يتكلم عن أنها وجه، أنها أداة أو وسيلة الربط بين كلامين. هو قال هكذا، بدأ يتحدث عنها، وأدار قطب الكلام فيها على أنها تربط بين كلامين، ويدير الكلام على ذلك أنها تربط بين كلامين، أو كما سيأتي بعد ذلك يبتدئ بها توكيدًا. وهذا التوكيد يدل على حال من النكرة، أو حال من الرفض أو عدم التصديق؛ يعني في الأخير لا تأتي هكذا وحدها «أنَّ» في بداية الكلام دون أن توحي بشيء قبلها، سواء كان عبارة واضحة صريحة، أو كان سياقًا معينًا من الرفض أو الإنكار أو نحو ذلك.
فهو يقول إنها تربط بين كلامين، فيقول حتى إنك ترى في بعض العبارات لو أنك أسقطت «أنَّ» اختل الكلام، فتضطر إلى أن تعالجه بالفاء التي تربط، نوع ربط ليس معناه أن الفاء حلت محل «أنَّ» في الجودة والتعبير من كل وجه، لا، وإنما لتنقذ الموقف، لتنقذ الكلام من الخلل. هو فقط أراد أن يدلك على أن «أنَّ» إن ربطت بين كلامين، بدليل أنك لو أسقطتها احتجت إلى حرف آخر يربط، ومعنى أنك احتجت إلى حرف آخر الذي هو الفاء ليربط، معناه أن «أنَّ» كانت تقوم بوظيفة الربط، وهذا هو المطلوب إثباته؛ أن «أنَّ» كانت تربط.
فهمت؟ وضحت الآن؟ نعم يا مولانا، واضح، جزاك الله خيرًا. لما تعيد المحاضرات إن شاء الله سيتضح لك الأمر أكثر بإذن الله. قال: «وأرضى بها من بحر آخر، فالريُّ أن ترضى النفوس مداها». يعني لو أنه كما قلت لو أنه لم يأتِ بـ«أنَّ» ولا بحرف، انقطعت الجملة وكانت كلامًا جديدًا لا يظهر المطلوب فعله في الكلام الأول. هو فقط عاد الكلام الذي قاله في المحاضرة الماضية وأسقطه على هذا البيت وهو يتكلم عن ضمير الشأن.
ومن باب التوكيد ونحو ذلك يقول: «فلو أن الفيلسوف» الذي هو الكندي الذي مر معنا أنه قال لأبي العباس ثعلب: «إني أرى في كلام العرب تطويلًا وحشوًا»، قال: ما هو؟ قال: يقولون: «زيدٌ قادم»، «إنَّ زيدًا قادم»، «لقد قام زيد»، إلى آخره، خلاص، «إنَّ زيدًا لقائم». فيقول: «فلو أن الفيلسوف الكندي قد كان تتبع هذه المواضع لما ظن الذي ظن هذا».
وإذا كان خلف الأحمر هذا، وهو القدوة ومن يؤخذ عنه طبعًا، وقد عرفتم كلام ابن رشيق عنه في «العمدة» لو تذكرون، وأنه لا أحد... هو فيلسوف الكندي؟ فيلسوف، لا، هو متفلسف. فيلسوف فعلاً هذا الذي جاء وسأل أبا العباس. عرفتم من كلام ابن رشيق عن خلف أنه لا أحد، لا الأصمعي ولا أبو عمرو بن العلاء ولا غيرهما، كان يشق له في العلم بالشعر غبارًا. وما زال مع ذلك أهل العلم تخفى عليهم أمور ويتعثرون في أمور وفي تفسير، وهذا يدل على علمه وليس على ضعفهم؛ لأن الجاهل لا يخطئ.
الجاهل لا يخطئ، سبحان الله، الجهل لا يخطئ إطلاقًا؛ فأنا أقول هذا يدل على علمهم؛ لأن الجهل لا يخطئ. ولكن انظروا كيف فرح خلف الأحمر لما تنبه وبينت له المسألة، لأنه عالم. تعرفون هذه القصة في صفحة 272 و273، لما قال له: لو قلت كذا مكان كذا كان أحسن، فقال له: إنما بنيتها إعرابية، والتي تقولها مولدة، فلو قلتها خالفت ما بنيت عليه القصيدة. فقام خلف الأحمر وقبل بين عيني بشار.
انظروا، العالم يخطئ، العالم يزل، العالم تخفى عليه أمور، العالم يتعثر، ولكنه يعلم قيمة العلم، حتى إذا قام من عثرته احتفى بالقيام. فانظروا خلف الأحمر الذي قالوا: الأصمعي وأبو عمرو والمفضل، لا أحد من هؤلاء يشق له غبار، يعني لا يلحق غباره ليدخل فيه في شأن التقدم في فن العلم بالشعر، ومع ذلك يخفى عليه؛ لأنه عالم كما قلت.
الجاهل لا يخفى عليه شيء، الجاهل يعرف وتمام، وإذا نبه تقول: لا لا، أنا أعرف هذا جيدًا، هذا كلام خطأ تمامًا، الصواب ما قلت لك، خذها مني. إنما العالم لو جاء أحد وأوقفه ونبهه -ركز تركيز المتعلم الجديد وفكر وقدر وأدار عينه في وجهه ونظر يمنة ويسرى لأنه يرى وجوه المسألة أمامه، يقلبها في صور أمام عينه- فيفرح بالتنبيه ويقوم من عثرته.
قال: وإذا كان خلف الأحمر -طبعًا ذكره بعد الفيلسوف- يقول لك: إذا فلو أن الفيلسوف كان تتبع هذه المواضع، يعني ممكن تكون فيلسوفًا ولكن لم تتبع المواضع في علم ليس من علمك، هذا لو فعله في علمه سيعيبه جدًا، لكن هنا يقولون له: ليس بابك وانتهينا. فالفيلسوف على تفلسفه وعلى ذكائه وتفكيره البعيد يقول: أرى أشياء بعيدة، يعني لم يستطع أن يفكر في شيء لم يكن من عمله، هو رأى، فحتى الفيلسوف يغيب عنه.
طبعًا يغيب؛ لأن البعض يستنكر علينا، كيف سـ... أنا الآن أكتب كتابًا، كتاب "البيان عن تهافت النقد المنسوب إلى أبي بكر الباقلاني على قصيدتي امرئ القيس والبحتري". فأبو بكر الباقلاني فحل المتكلمين الكبير، المتكلمون في علم الكلام في التوحيد، لكن هل تقول إنه فحل النقاد؟ لا، وألف لا، ألف لا يبلغ الأصمعي، ولا يبلغ المفضل، ولا يبلغ أبا عمرو، وهؤلاء لا يبلغون أن يشقوا غبار خلف الأحمر، وليس أحد منهم أتى بمثل ما أتى به أو قريب منه. ليس أصلًا من النقد حتى يكون فحلهم.
لكن طبعًا بعض الناس توزع من جعبه أمهاتها، إذا كان إمامًا في فن أو كذا أعطوه الإمامة في كل شيء، وقال هو هكذا بالرجم بالغيب، هو أكيد إمام في كل شيء! لا والله، يكون الإنسان إمامًا في شيء، فإذا تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، وهذا ما فعله الباقلاني رحمه الله، إمام عظيم متكلم جبار، لكن جاء إلى الشعر وحصلت هذه الحادثة التاريخية فعلاً؛ ولذلك أنا تعمدت في كتابي هذا أن أجلي ما حصل في هذه المسألة، وأجلي كلام الناس، لم يوافقه أحد أصلاً تقريبًا، لم يوافقه أحد معتبر على الإطلاق، تعتبر زلة تاريخية.
لا هو ذكر قف نبكي، لكن ليس ذلك... لا أذكر الصفحة عندما يقول إنه إذا نبغ عالم في علم من العلوم صار الناس يأخذون منه في كل شيء، ويصبح من الخطأ الفاحش أن يتكلم عن... عن القاضي عبد الجبار الهمذاني. وبالمناسبة، عبد القادر الجرجاني الناقد المعروف، خص المتكلمين -يتكلم عن المتكلمين الذين هم أئمة في علوم الكلام- ثم وصفهم بالجهل في نقد البلاغة، ثم وصفهم صراحة قال: يجهلون نقد البلاغة.
يقول: «واعلم أن القول الفاسد والرأي المدخول إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة وسيط في علو منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداول ونُشر وفشى وظهر وكثر الناقلون له والمشدون بذكره، صار ترك النظر فيه سنة والتقليد دينا، ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم وخاصته والممارسون له والذين هم خلفاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطأ فيه، ولو أنهم نظروا فيه كالأجانب ليسوا من أهله في قبوله والعمل به والركون إليه، ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم وألوان جانبهم وأوهمهم النظر إلى منتماه ومنتسبه، ثم اشتهاره وانتشاره واتباع الجمع بعد الجمع عليه أن الظن به أصوب والمحاماة عليه أولى».
والله شيء مؤلم، العامة هؤلاء وقود شر فعلاً. هذا الفيلسوف لم يتتبع المواضع واستشكل، مهما كنت فيلسوفًا تخطئ في هذا، ما المشكلة؟ لم يكن بابك، لم يعمل عقلك فيه، ما المشكلة؟ ناقد الشعر ربما لا يعرف شيئًا من الفلسفة إطلاقًا، لكنه يسمع الكلام فيصير لوعيًا جهنميًا، يستمع هكذا، يدري بؤرة الكلام الخطأ، البؤرة التي يسقط فيها، بؤرة صغيرة ويدري بنتوءها الصغير في خد، يدري بالضبط.
الحمد لله أن الفيلسوف الكندي رجع إلى عالم يسأله، بل سافر إليه، فكانوا فلاسفة عقلاء، الآن فلاسفة قابعون في الفيسبوك. يقول: «وإذا كان خلف الأحمر وهو القدوة ومن يؤخذ عنه، ومن هو بحيث يقول الشعر فينحله الفحول الجاهليين، فيخفى ذلك له، ويجوز أن يشتبه ما نحن فيه عليه حتى يقع له أن ينتقد على بشار، فلا غرو أن تدخل الشبهة في ذلك على الكندي الفيلسوف». يعني إذا كان خلف الأحمر تدخل عليه وتخفى وهو من هو، فكيف بالفيلسوف الكندي؟ هذا أولى أن يخطئ في ذلك.
قال: «ومما تصنعه أن في الكلام أنك تراها تهيئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها حكم مبتدأ». الله جميل، هذا يا إخوة جميل، وهذا أيضًا يربطكم، أنصحكم في هذا أن تقرأوا ولو بالاطلاع على مسوغات الابتداء بالنكرة، ولو من شرح ابن عقيل، ذكر عدداً كبيراً منها، وذكر ابن عقيل فيها أنه أحجم عن ذكر الباقي، أنها وجوه أخرى. لكن كلام عبد القاهر هنا يشبه التفرد، جميل، يقول ومما تصنعه... لكن كلامه عام، لكن هو لا يقصد أن يبين وجهاً من هذه الوجوه حتى.
إذا لم تجده كما هو هكذا، ستجده من جهة أخرى في كلام النحاة؛ قال: «ومما تصنعه أن في الكلام أنك تراها تهيئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها حكم المبتدأ»، أعني أن تكون محدثًا عنها بحديث من بعدها. تخيل النكرة تتحدث عنها، والأصل أن المتحدث عنه أو المسند إليه ينبغي أن يكون معرفة، ولا تبتدئ بالنكرة؛ لماذا؟ لأنك تدير الكلام عليه، ولأنك تخبر عنه، وأنت تخبر عن معروف، لكن «أن» هنا تعطي دعمًا للنكرة فتحدث عنها.
يقول: «ومما تصنعه أن في الكلام أنك تراها تهيئ النكرة». يا سلام على كلمة تهيئ النكرة هذه، والله تعجبني هذه الكلمة، هذا التعبير: تهيئ النكرة! سلام، تهيئها؛ أي تجهزها وتصلحها. يا سلام، إنها تهيئ النكرة وتصلحها لأن يكون لها حكم المبتدأ، أعني أن تكون محدثًا عنها بحديث من بعدها.
ومثال ذلك قوله: إن شواءً ونشوةً وخبب البازلِ ... الأمونيِّ ما هذا البحر؟
ما هذا البحر يا إخوة؟ تركت بيانه لكم. ما هذا البحر؟ لأنكم إذا لم تعرفوه سيكون واجبًا عليكم أن توزنوه. مولانا، مخلع البسيط؟ لا تسألني، أنا الذي أسأل.
وخببٌ متعلٌّ بازلٌ أمونيُّ ... متفعلٌ فاعلٌ متفعلُ. لكن الشطر الأول فيه مشكلة؛ «إن شواءً» الشطر الأول ليس كالثاني أصلًا. لذلك قلت أسألكم في هذا البحر، إذا عندك يا محمد الحمي قراءة ضمير الشأن في كتاب معاني النحو، وقلنا اقرأوا مسوغات الابتداء بالنكرة.
والآن نقف عند هذا البحر، ما هذا البحر يا إخوة؟ من يعرف الفصيلة؟ يا مولانا لا أدري، ولكن أشعر فيه قربًا شديدًا من المنسرح. المنسرح ممكن يمشي معك، أظن الثاني ولا الأول؟ أنا قرأت البيت الذي في الحاشية في الأسفل: «من لذة العيش والفتاة للدهر والده»، يشبه أن يكون فيه من المنسرح، لكن هل هو المنسرح؟ هل الشطر الأول كالثاني أصلًا؟ ليس كالشطر الثاني.
من عنده علم؟ هذا لعله مخلع البسيط قبل أن ينضج؛ لأن حتى في الأخير «للدهر والدهر»؛ ذكر ذلك بالإشكال الذي في عبيد الأبرص. يعني هذا مخلع البسيط ولم ينضج، حتى البيت الواحد قصدك أن شطرًا نضج والثاني لم يستوِ كويسًا؟ لا، هناك مشكلة، حتى في الحاشية: «من لذة العيش والفتاة...» ثم الشطر الثاني: «للدهر والدهر ذو فنون»، مستفعلن فاعلن متفعل، و«وخبب متعل بازل أموني»، يعني هو مضطرب، فيه اضطراب ظاهر. وحتى «وخبب» هذه دلالة جاهلية أيضًا، «وخبب» يعني «متعل»، هذه لا تأتي عند المتأخرين. اجعلوا ذلك البحر بحثًا، وأنا أتوقع أن يقول أكثركم إنه مخلع البسيط كما قلت في اضطرابه.
طيب، قال: «إن شواءً ونشوةً وخبب البازل الأموني»، قد ترى حسنها وصحة المعنى معها، ثم إنك إذا جئت بها من غير «أن»، فقلت: «شواءٌ ونشوةٌ وخبب البازل الأموني»، لم يكن كلامًا. عبد القاهر يكرر كلمة «لم يكن كلامًا» في صفحة 320 هنا، وسيأتي كذلك في صفحة 322. قال: فإن كانت -وطبعًا واضحة أنها ليست كلامًا- لأنك ابتدأت بنكرة وليس لها معنى، لم توصف ولم كذا، ولم تأتِ بشيء من مسوغات الابتداء بالنكرة. واضح يا إخوة؟ لو قال: «شواءٌ ونشوةٌ وخبب البازل الأموني ما هذا؟»، لأن الخبر سيأتي من «لذة العيش»، يعني «شواء ونشوة من لذة العيش»، هذا كلام لا يُخبر عنه، لا يُسند إليه على جهة أنه مبتدأ.
ثم قال: «فإن كانت النكرة موصوفة»، كون النكرة موصوفة هذا من مسوغات الابتداء بالنكرة، فإن كانت النكرة موصوفة وكانت لذلك تصلح أن يبتدأ بها، فإنك تراها أعسن، وترى المعنى حينئذ أولى بالصحة وأمكن. أفلا ترى إلى قوله: إن دهرًا يلف شملي بسعدٍ ... لزمانٍ يهمُّ بالإحسانِ
أظن أصبح سهلًا بعد الذي فات، لزمانٍ خفيف، خفيف، أحسنت. «إن دهرًا» فاعلات، «يلف شملي» متفعل، «بسعدٍ» فاعلات، «لزمانٍ» فاعلات، «يهم بالإحسان» متفعل. أحسنت. طيب، ما الذي وقع فيه؟ لو تجيبه الآن، أعرف أنك مذاكر عروض، ما الذي وقع فيه؟ فاعلات هنا، حذف أحد المتحركين من الوتد المجموع، اسمه ماذا يا إخوة؟ المذاكرة! ماذا وقع في «فاعلات»؟ حذف متحرك من الوتد المجموع، في «فاعلات» تشعيث يا إخوة، صح؟ نعم، تشعيث. طيب مع الوقت إن شاء الله ذاكروا العروض، وبعد أن ننتهي من كل ما يتعلق به، إن شاء الله، ممكن تسمعونه مرة أخرى.
أفلا ترى إلى قوله «ليس بخفي»، وإن كان جملة اعتراضية «ليس بخفي»، وإن كان يستقيم أن تقول: «دهرٌ يلف شملي بسعدٍ دهرٌ صالحٌ»، ليس الحالان على سواء. وكذلك ليس بخفي أنك لو عمدت إلى قوله: إن أمرًا فادحًا عن جوابي ... شغلك ما هذا البحر؟
الذي يعرفه، يكون عمدًا إن شاء الله. «إن أمرًا فادحًا عن جوابي شغلك»، ما هذا البحر يا إخوة؟ مجزوء رمل هو يا مولانا. رمل؟ لا، مديد، أحسنت، أحسنت يا مشعشع، أنت جاء جوابك مجزوءًا وأتممت لك المشعشع، أنتم عروضيون!
طيب، ما تفعيلة المديد وما تفعيلة الرمل؟ تفعيلة الرمل يا إخوة هو: فاعلات فاعلات فاعل، فاعلات فاعلات فاعل. هذا الرمل. المديد -الذي هي الأصعب والأندر- فاعلات فاعل فاعلات. فلما يكون مجزوءًا: فاعلات فاعل فاعلات فاعل. هكذا: «إن أمرًا فادحًا عن جوابي شغلك»، فاعلات فاعل فاعلات فاعل.
إلى قوله: «إن أمرًا فادحًا عن جوابي شغلك»، ليس بخفي أنك لو عمدت إلى قوله «إن أمرًا فادحًا عن جوابي شغلك» فأسقطت منه «أن»، بمعنى موصوف، أهو قلت: «أمرٌ فادحٌ عن جوابِ أمرك»، لعدمت منه الحسن والطلاوة والتمكن، الذي أنت واجده الآن ووجدت ضعفًا وفتورًا. تحب النظم على هذه البحور؟ خلِّ المعنى هو الذي يحب، هو الذي يطلب البحر.
طيب، هنا سأسأل، سأختار الذي يجيب أختنا زينب. لماذا قال في الحالة السابقة «لم يكن كلامًا» في «إن شواءً ونشوةً وخبب البازل الأموني»، وهنا قال «ليس»؟
الحال الآن في المثالين، قال في الأول: ليس الحالان سواء، وقال في الثاني: فقدت الحسنى والطلاوة والتمكن. ما الفرق بين الموضعين؟
الأولى لم يهيئ للنكرة فيها، أما الثانية فكانت النكرة فيها موصوفة، فصلحت أن يبتدأ بها. أحسنت، أحسنت. في الثانية لم يسقط تماماً بحيث يقال لا، لم يكن كلاماً؛ لماذا؟ لأنها نكرة موصوفة فزاد حسنها.
زاد حسنها بأنك لك أن تقول: «إن دهراً يلف شملي بسعده»، ولك أن تقول: «دهرٌ يلف شملي بسعدٍ»؛ لأن قوله «يلف شملي بسعد» هذا وصف للدهر، وصف له، نعم، وصف خصصه. وهذا الوصف لأن شرطه أن يخصص الوصف النكرة ليجوز الابتداء به، خلاص، وهذا معروف في كتب حتى للمبتدئين في شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك.
«دهرٌ يلف شملي»، كذلك «إن أمراً فادحاً عن جوابي شغلك»، لك أن تقول: «أمرٌ فادحٌ»؛ لأن «فادح» نعت الأمر، وصف له مخصص، فيجوز الابتداء به، لكن أفقدني جمالاً. أما الأول، هو أن الحرف هو الذي هيأ الابتداء بالنكرة، هو الذي هيأ لذلك، واضح.
نكتفي بذلك، تجاوزنا الساعة، فتح الله عليك أختنا زينب، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جزاكم الله خيراً، الله يرضى عليكم، يرضى عليكم، جزاكم الله خيراً.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد