دخولتسجيل الدخول

الدرس 49 - من صفحة 311 إلى صفحة 317

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد؛ أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا التاسع والأربعين من مجالسنا في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للإمام شيخ البلاغيين أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه وجزاه خيراً. وما زلنا في سياق الحديث ننتهي منه اليوم إن شاء الله، وندخل في الحديث عن «أن» وأثرها.

ما زلنا أيها الإخوة في الحديث عن هذا الوجه من الكناية. وأذكركم أن عبد القاهر تكلم في صدر الكتاب، وهو في صدد الحديث عن نظرية النظم، تحدث عن الاستعارة على أساس أنها شيء موضوعه اللفظ، وتحدث عن الكناية على أساس أنه شيء موضوعه اللفظ من حيث دلالته، لا من حيث ما قام الكتاب للرد عليه، وهو فكر أو نظرية القاضي عبد الجبار الهمذاني فحل المعتزلة.

وبعد ذلك، وبعد مدة وبعد شوط بعيد من عبد القاهر في أبواب شتى، تذكر أو انتبه إلى نوع من الاستعارة أو نوع من المجاز، ليس الاستعارة هنا، بل نوع من المجاز، وهو الذي سماه «المجاز الحكمي»؛ لأنه مجاز موضوعه الحكم وليس مجازاً موضوعه اللفظ، وسماه المجاز الحكمي. وهذا الذي وضع بعد ذلك في علم المعاني من البلاغة التقريرية، باب من الأبواب الثمانية، وأما المجاز اللغوي الذي هو الاستعارة فوضع في علم البيان كما تعلمون.

هو هنا يتحدث عن المجاز من حيث كونه مجازاً، فقال: هناك مجاز موضوع في أو موضعه اللفظ، مجاله اللفظ وهو الاستعارة، وهناك مجاز موضوعه الإسناد الحكمي العقلي؛ فلذلك سمي بالإسناد الحكمي، الإسناد الحكمي والعقلي، والمجاز الإسنادي، كل هذا من مصطلحات هذا النوع.

وبعد أن انتهى منه، كأنه اضطرد من ذلك إلى فكرة أخرى، وهو أن يراجع في الكناية، فوجد كناية عن النسبة، يعني كناية تقع في طريق الإثبات. وهذا كله كما قلت المرة الماضية يدل على أن عبد القاهر كان يلاحق -كما قال محمود شاكر- كان يؤلف الكتاب يلاحق شيئاً وكذا، وأنه لو مد في عمره رحمه الله كان سيرتب هذا الكتاب، وكان سيعني به.

وبالمناسبة، لما ندخل إن شاء الله تعالى في كتاب «أسرار البلاغة»، بل هنا أيضاً الكلام على التمثيل وكذا، فيه إشارات، لكن سيظهر هذا أكثر في كتاب الأسرار؛ سترون أنه مما يفترق به عبد القاهر عن البلاغة التقريرية، أنه جعل التمثيل جنساً مستقلاً عن الاستعارة والتشبيه. يعني حتى لو جاء على قانون التشبيه، وحتى لو جاء على قانون الاستعارة، المجاز هو عنده اسمه تمثيل. هم بعد ذلك جعلوا تشبيهاً تمثيلياً وتشبيهاً غير تمثيلي، وجعلوا استعارة تمثيلية واستعارة غير تمثيلية.

عبد القاهر تحدث عن التمثيل في حد ذاته بقطع النظر مجازاً كان، يعني استعارة أو كان تشبيهاً، ولم يخفَ على مثل عبد القاهر قطعا أن التشبيه أو أن التمثيل قد يأتي في ظرف الاستعارة. لم يخفَ على مثل عبد القاهر أن التشبيه قد يأتي في ظرف الاستعارة، وأنه قد يأتي متمثلاً في التشبيه، يعني في ظرف التشبيه، وقد يأتي في ظرف الاستعارة؛ حتى لا يقال إن ذلك عند عبد القاهر كان ساذجاً في أول العلم، لا، ليس مما يخفى على عبد القاهر.

لكن كل هذا فيه نظر؛ أن عبد القاهر جعل التمثيل مستقلاً بذاته لعله تتعلق بتذوق الكلام وتحليله ونقده، لأننا لن نسمح لعقولنا أن تتصور أن عبد القاهر كان سيخفى عليه أن هذا التمثيل يتمثل مرة في التشبيه ومرة في الاستعارة.

هذا بمناسبة الحديث عن المجاز الحكمي والمجاز اللغوي والكناية في الإثبات والكناية في الصفة وهكذا. كان يتحدث في آخر ما وقفنا في الصفحة ما بعد الثلاثمائة عن التناسب بين الكنايات. قال مثلاً: إن قولهم «مهزول الفصيل» مناسب لقولهم «لا أمتع العوذ بالفصال» حتى وإن اختلف في اللفظ. وإن قوله «زجرت كلابي أن يهر عقورها» متناسب مع «جبان الكلب». وأتى بصور كثيرة متماثلة أو متناسبة، مثل بيت زياد الأعجم: «إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشج». ذكر من ذلك القيد وذكر من ذلك كذا، متناسب.

ثم نبه بآخره، وهذا في آخر الفصل، قال: «واعلم أنه...». وفي الحقيقة أنا لا أدري لماذا عبد القاهر وقف هنا، يعني ما يقرب من ثلاث صفحات بمجموعها لينبه إلى هذا؛ يقول إن بعض الكنايات تكون غير متناسبة في ذاتها، يعني ما بين ذواتها ليس هو التناسب، أجناس مختلفة أصول بذاتها، ومع ذلك يُكنى فيها عن شيء واحد. ربما كان يحتاج إلى شرح ذلك لبعضهم، الكتاب كله أصلاً قام من الأول على شرح موضوع الدلالة اللفظية، وهو نفسه على طول الكتاب رحمه الله ورضي عنه يظل يقول: «وهذا ظاهر لكل عاقل».

قال: «واعلم أنه ليس كل ما جاء...». ولذلك بالمناسبة أنتم ستسرون أكثر في كتاب «أسرار البلاغة»، لأن هذا الكتاب لا يقوم على الدوران الكثير والحوم الطويل حول فكرة واحدة، وأن يظل يستوفي وجوه الجدال وإقامة الحجج والبراهين على شيء واحد صار ظاهراً من أول حجة أو هو ظاهر أصلاً، لا يقوم على هذا، بل يقوم على حشد من الفنيات على التشبيه والاستعارة والتمثيل.

ويتكلم كذلك كثيراً في صدر الكتاب عن الأصول والقوانين في الجناس الصحيح والبديع، وإن كان في نهاية هذا الكتاب سيتكلم عن هذا أيضاً. وسيتكلم كثيراً عن التخييل، ليس التخيل بعبارة القرطاجني، وإنما التخييل الذي هو عند القرطاجني ما يعرف بالاختلاق الامتناعي، الاختلاق الامتناعي بدرجاته، وفيه الإفراط الامتناعي، سيسميه التخييل، ويسميه مخادعة العقل، ويسميه التزويق بالزاي.

انتبهوا؛ لأن بعض النقاد المصريين من الجيل الماضي ظن أن التخييل، ومن أكاديميين عندنا في مصر إلى الآن، يكتبون أن التخييل الذي عند قد تكلم عن التخييل عند الجرجاني وعبد القاهر، وكثير منهم لم يفرقوا، أو كلهم تقريباً لم يفرقوا، بين التخييل عند عبد القاهر والتخييل عند الجرجاني.

الأكاديمي الوحيد، وهذه في حقه الأكاديمي الوحيد الذي فرق بينهما في كتابه الذي ألفه في حديث التخيل والمحاكاة، أو نظرية التخيل والمحاكاة عند الجرجاني، وهو الدكتور سعد مصلوح؛ الأكاديمي المصري الدكتور سعد مصلوح هو الوحيد الذي نبه.

يقول إنهم يخلطون بين التخييل الذي عند الجرجاني والتخييل الذي عند عبد القاهر، وهذان مختلفان؛ لأن التخييل الذي عند الجرجاني هو كل الشعر، والتخييل الذي عند عبد القاهر هو أدنى درجاته، وهو الذي قيل فيه: «أعذب الشعر أكذبه»، عبارة المتأخرين. وعبد القاهر مذهبه مختلف عن هذا، وهو علل لهذا، وتحدث فيه في «الأسرار»؛ خلاص، فتكلم عن هذا عبد القاهر واستفاض في الأمثلة فيه بما يكفي للدراسة والبحث.

فأنتم في كتاب «الأسرار» إن شاء الله لن يكون كهذا الكتاب، سيكون أغزر بالمادة العلمية، سيكون أغزر بالمسائل والحشد البحثي. لن تروا فيه ما هو هنا كما ذكرت لكم الآن؛ أنه توجد فكرة واحدة ويظل يطيل الحوم حولها والاستيفاء وكذا، وأنت تفهمها من أول برهان أو تفهمها بدون برهان، وهذا هو الذي جعل تحصل مفاضلة ومنازعة طفيفة، هكذا ظللت منتظراً نتيجتها.

لكن توفي الدكتور، رحمه الله، الدكتور محمود توفيق سعد، الدكتور الأزهري المعروف، والذي زرته عام 2015 في بيته، وهو عالم أزهري ومشتغل بالبلاغة، لكنه لما زرته رحمه الله ورضي عنه أخبرني أنه ما كان يحب هذا الاتجاه، وإنما ألزمه به أبوه. وهو حنبلي في المذهب ومتدين جداً، وقال: أنا أحب الشريعة، وأغلب مجلسي معه كان في الشريعة رحمه الله، وعن التدين، وأنه ما كان يحب الأدب وكذا، ولكن درسه وألف في الربط بين أصول الفقه والبلاغة.

فالمهم، هذا شيء على الهامش، فكانت هذه الزيارة من عشرة أعوام في عام 2015، وكلامه هذا هو الذي حفزني شديداً لأن أبحث عن المتابعة وكذا، لأننا في مرحلة نحتاج إلى متمسك شديد شغوف بالباب، رحمه الله ورضي عنه. وأنا قابلته إنساناً، كان إنساناً زاهداً، ديناً، خلوقاً، هذا أقوله في حقه وأشهد به، كان ديناً خلوقاً زاهداً، صريحاً جداً في التعامل مع الناس بعيداً عن التكبر وكذا، لما يرى بعض من يريد أن يأخذ صوراً معه قال: «خذ صوراً، ستأخذ صوراً، هل ستفرح بها وتدخل الجنة؟ خذ صورها يلا»، كان يفعل هكذا. طبعاً ليس أنا من طلب أخذ الصور، وربما مرة لما قابلته في الأخير للذكرى.

المهم، في مناقشة أحد الإخوة قبل عام تقريباً، الدكتور محمود توفيق سعد، أنا رأيت بعض الإخوة نقلوا إليه أن الدكتور سعد مصلوح يرى تفضيل كتاب «أسرار البلاغة» على «دلائل الإعجاز» وأنه أغزر فائدة وأفضل وكذا، فعارض ذلك الدكتور محمود توفيق سعد نوع معارضة فيها شيء من الرفض الصريح أو الحدة الخفيفة.

لا طبعاً، كيف؟ فأنا رأيت شيئاً هنا والله أعلم. أولاً، الكتابان يكملان بعضهما، و«دلائل الإعجاز» وإن كان في الغالب هو الذي ألفه ثانياً في آخر عمره، وإن «الأسرار» ألفه أولاً، فإن كتاب «الدلائل» هو أصل لـ«أسرار البلاغة»، و«آثار البلاغة» يعتبر دراسة فرعية متشعبه كثيفة عن كتاب «الدلائل». افهموا هذا جيداً يا إخوة، هذا في صلب دراسة الكتاب وعبد القاهر عموماً؛ لأنه كما رأيتم هنا، وأنا في الأخير قد أعمل معكم مجلساً في تدوين الفوائد بأرقام الصفحات، من هذه الصفحات التي أكد فيها صريحاً على أن الاستعارة والكناية والتمثيل من ظواهر النظم، لأن هذه المواضع تسقط من قال، وهذا رأيته.

وقيل: وهذا عجيب، من قال إن عبد القاهر تناقض لما جعل «أسرار البلاغة» في التشبيه والاستعارة؟ فهذا منه اعتراف بكذا، وهناك في «الدلائل» قال كذا؛ فهل تناقض عبد القاهر؟ عبد القاهر قال لك هذه من النظم، فلماذا يؤلف لك «الأسرار» وتدرسها في هذا المعين وفي هذا المسلك والمجرى؟ خلاص، فهذا الكتاب فرع عنه وإكمال لدراسته، فلا سبيل إلى المفاضلة.

ولكن ظني أن الأكاديميين -وأريد أن أعبر تعبيراً دقيقاً- أن الأكاديميين الذين لا يتعلقون بوجه بقضية الإعجاز والدين والدراسة الشرعية سيميلون إلى... الذين يتعلقون سيميلون إلى كتاب «الدلائل» لأنه «دلائل الإعجاز» وأمثلة القرآن فيه ودار حول فكرة الإعجاز في القرآن وهو الأساس وكذا، وأما الذين لا علاقة ولا تعلق لهم بهذا من الأكاديميين كالدراعمة والآداب وكذا، وعندهم نوع من التعاطف والتعلق بالآداب الغربية، سيتعلقون أكثر بفلسفات التشبيه والاستعارة وكذا.

فأنا كنت لما وصل الكلام إلى الدكتور محمود توفيق سعد رحمه الله قبل وفاته تقريباً، رايت أو بلغني أو رأيته مكتوباً أن الدكتور سعد مصلوح يرى تفضيل كتاب «أسرار البلاغة» على «دلائل الإعجاز»، فقال: فليقم الأدلة على ذلك. فقال: أنا سأكتب عن هذا. فكنت منتظراً في الحقيقة أن أرى هذا الحوار والنقاش، لأنني أرقب الأمر عن كثب وأنا في عظام هذا المسلك، فكنت أنتظر كيف سيقال الكلام وأنا ساكت، طبعاً هو أكبر مني وأبى، لكن كنت أنتظر وأنا لا أرى وجهاً للمقارنة، وكنت أراهما جزئين لكتاب واحد.

هما جزآن لا سبيل للمقارنة والموازنة بينهما، هما جزآن لكتاب واحد؛ يعني كأنك تقارن بين فصول الاستعارة والمجاز في هذا الكتاب والكناية والتمثيل في هذا الكتاب، وبين سائر الكتاب، والكتاب لحمه واحدة؛ فكذلك أنا أعتبر «آثار البلاغة» لحمة واحدة، لكن كما قلت الكتاب أمتع من هذه الجهة لأنه لن يدور حول الشيء الواحد طويلاً، وهو أغزر فائدة من حيث رؤوس المسائل. حتى لا نقول هنا ليس مفيداً، هو مفيد في التطبيق، لكن هنا قد تمل إذا كنت تريد تجديد المسألة، وقد تمل إذا كنت تريد التجاوز عن المسألة بعد أن فهمت دليلها، لكن لو كنت تريد الإغراق في العمل الذوقي والعقلي وكذا لن تمل، لأن التطبيق الكثير يعتبر بالنسبة إليك فائدة جديدة.

لا إشكال. قال: «واعلم أنه ليس كل ما جاء كناية في إثبات الصفة يصلح أن يحكم عليه بالتناسب».

ليس كل ما جاءك. يا إخوة، أنا أنبه إلى شيء أيضًا؛ الآن لما قلت هؤلاء الذين تعلقوا بطرف من الشرعية والقرآن، أو الشريعة والقرآن، والذين لم يتعلقوا، لا تظن أن الاتجاه والمذهب لن يؤثر في نظرة الإنسان وميزانه. في الغالب، الأساس مهما بدا لك موضوعيًا ربما نظريًا في كلامه، يقول لك: هذا صحيح، غير نظر في التطبيق.

يظهر ذلك في التطبيق، وأنا مما أنتبه إليه ومما أتتبعه في الفترات الأخيرة شروح أصحاب المذاهب على الأدب العربي القديم، وأرى كيف تؤثر فيهم مذاهبهم، أو تقيدهم بالمذهب الذي هم فيه، أو تحملهم الفكرة المذهبية التي هم عليها في فهمهم للأدب القديم.

من آخر ما وقفت عليه في هذا وهو شيء طريف؛ الدكتور عبد الله الطيب، كما تعلمون أنه رومانتي، شرح ميمية لزيمة ضمن أربع قصائد شرحها لزيمة، وشرح طويل وجميل وكذا. فجاء إلى قوله في مطلع القصيدة في الطلل، بعد أبيات، جاء إلى قوله: كادت بها العين تنبو ثم ثبتها معارف الدار والجنحميم.

لما ذكر مروره بالأطلال قال: كادت بها العين تنبو، ثم ثبتها معارف الدار والجنحميم. فهو قال توجد رواية أخرى، هو شرح قال: تنبو يعني لا تعرفها ومر بس كده، تنبو يعني لا تعرفها لأنه كاد ألا يعرف الدار من شدة التغير الذي لحق بها، ثم قال: ثم ثبتها، أرى ذلك خطأ من النساخ، وهناك رواية أخرى بينها، وهذه هي الصحيحة التي يصح بها المعنى.

تخيل أنه لرومانتيته التي تميل إلى المباشرة لم ينتبه لا إلى المجاز والتمثيل الذي في تنبو، ولا إلى مقابلة ذلك بالتثبيت؛ لأن النبو نبو العين ليس حقيقيًا، النبو للسيف، وينبو نبوة القضم، والكهام، ونبو الشيء عن الشيء أي انحرف عنه وابتعد، وهذا لا يقال في العين إلا مجازًا.

ولكنه أراد أن يقابل شيئين؛ أراد أن يقابل صورة أولى وهي أن العين حين لم تعرف لم تهتم، فكانت كالجسم المصقول الذي انزلق على مصقول آخر، فقال: كادت بها العين تنبو، وقابل ذلك: ثم ثبتها. تخيل كادت بمعنى قاربت كما عرفتم، كادت تنبو ثم ثبتها، انظر إلى المقابلة أو إلى المطابقة المجازية كذلك بين كادت تنبو، بين تنبو وثبتها.

كلاهما فيه مبالغة المجاز؛ أنها كادت، كاد من عدم عنايته ومن عدم معرفتها، ينبو بعينه عنها، ثم فاجأته معارف الدار والجنحميم التي يعرفها التي كانوا يطبخون فيها وكذا ويعرف هذا المكان، ثم ثبتها. وهنا يظهر الرد بالمقابلة بين الرنو والثبوت، ودوا النظر الذي قابل الإهمال في النبو.

نبو الشيء: كادت بها العين تنبو ثم ثبتها. ثبتها أي صمرها، هو الذي جمد. فتخيل أن يقول الشخصية الرومانتيكية لم ينتبه إلى هذا، فقال: ماذا؟ قال هناك رواية بينها وهي الصحيحة "لان ثبتها" ويقول هذه غالبًا خطأ. تخيلوا، ولما شرح "تنبو" قال: يعني لم تعرفها بس، أنكرتها، لم تعرفها.

طب ولم تنتبه إلى ما فيها من المجاز؟ لو انتبه إلى ما فيها من المجاز، وإلى أنها استعملت فيما لا تستعمل فيه بالأصل في تجريد المعنى، لانتبه إلى المجاز في "ثبتها" ولا عرف المقابلة أو المطابقة بين اللفظين، وبهما شرف المعنى وبهما صور الشاعر في شق من حاله؛ لم يهتم وكادت عينه تنزلق تنبو كالصلد على الصلد على الدار، لا يعبأ، هكذا لم يدم النظر، تنبو عنها ثم ثبتها، أخذ إذًا الآن ينظر مثبتًا نظره، يتذكر ويستحضر، ولذلك بدأ بعدها في قضية الذكرى.

فدائمًا احترسوا للأشخاص أصحاب المذاهب وهم يفسرون الشعر، لن تجد من يفسر الشعر تفسيرًا عربيًا صحيحًا إلا إذا كان مغرقًا في العربية، مغرقًا في آداب العرب، وليس منطلقًا من أدب غربي، حتى وإن قال استعن به وافعل بقدر الاستعانة وبقدر كذا، سيكون نبوك عن المعنى الصحيح وعدم تثبتك في المعنى.

واعلم أنه ليس كل ما جاء كناية في إثبات الصفة يصلح أن يحكى أو يحكم عليه بالتناسب. معنى هذا أن جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض بمرض الممدوح كما قال البحتري: وإن جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض بمرض الممدوح كما قال البحتري: «ظَلَلْنَا نَعُدُّ الجُودَ مِنْ وَعْكِكَ الَّذِي وَجَدْتَ، وَقُلْنَا اعْتَلَّ عُضْوٌ مِنَ المَجْدِ».

طبعًا هو واضح أن هذا ليس مذهب البحتري، طريقة من يا إخوة؟ تحس البيت ريحته مين؟ «ظَلَلْنَا نَعُدُّ الجُودَ مِنْ وَعْكِكَ الَّذِي وَجَدْتَ، وَقُلْنَا اعْتَلَّ عُضْوٌ مِنَ المَجْدِ»، هذا أبو تمام، هذا أبو تمام، واضح جدًا. ليس المنزع العام عند البحتري فيقول جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض.

طبعًا يا إخوة، في مرة، وهذا رواه أبو بكر الصولي من أكبر نقاد القدامى، لاموا البحتري على الاستطراد، يعني قالوا له أنت تأثرت في هذا، عابوه، قالوا أخذت هذا من أبي تمام، فقال البحتري لم ينكر، قال: أولام يلام مثلي على أن يقتدي بأبي تمام؟ ووالله ما قلت بيتًا إلا واستعرضت شعره. يقول: «ووالله ما قلت بيتًا إلا وقد استعرضت شعره». هذا في أبو بكر الصولي، فهذا هو يثبت هذا.

طبعًا سبحان الله، يعني أبو تمام لم يأخذ حقه بالمناسبة؛ أبو تمام لم يأخذ حقه، يعني عد أبو بكر الصولي عددًا من العلماء، منهم البحتري، العلماء الشعراء، علماء الشعر والشعراء الكبار، قال وهؤلاء زعماء، هؤلاء رؤوس أساطين العصر بعد أبي تمام، قالوا وما منهم واحد إلا وهو يقر لأبي تمام بالتقدم عليه والأستاذية له.

الأستاذية، شوف أبو تمام، البحتري يقول: «ما أكلنا الخبز بالشعر إلا بعد أبي تمام». وقالوا كذلك لما مات أبو تمام تقاسمت الشعراء أعطياته، يعني ما كان أحد يأخذ شيئًا في عهد أبي تمام، هو يأخذ كل شيء، لما مات أبو تمام أعطيت الأعطيات المضروبة للشعراء وزعت فيهم.

فطبعًا يقول: معنى هذا أن جعلهم الجود والكرم والمجد يمرض بمرض الممدوح كما قال البحتري: «ظَلَلْنَا نَعُدُّ الجُودَ مِنْ وَعْكِكَ الَّذِي وَجَدْتَ، وَقُلْنَا اعْتَلَّ عُضْوٌ مِنَ المَجْدِ»، وإن كان يكون القصد منه إثبات الجود والمجد للممدوح، فإنه لا يصح أن يقال إنه نظير لبيت زياد الذي هو: «إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشج». هنا السماحة والجود والندى تحت قبة، وهنا نحن نزور، خد بالك، لا يصح أن يقال إنه نظير.

لبيت زياد كما قلنا ذاك في بيت أبي نواس، ولكن يصير الجود حيث يصير، وغيره مما ذكرنا أنه نظير له بيت زياد الأعجم. كما أنه لا يجوز أن يجعل قوله «وكلبك أراف» بالزائر مثلاً نظيراً لقوله «مهزول الفصيل»، وإن كان الغرض منهما جميعاً الوصف، وكان جميعاً كنايتين عن معنى واحد.

لأن تعاقب الكنايات -انتبهوا- كان الأصح هنا والله أعلم أن يقول عبد القاهر: «تعاور الكنايات» وليس «تعاقب»؛ لأن لفظ تعاقب يوهم أن المقصود هو توالي الكنايات في النص الواحد. تعاقب الكنايات هذا أخص من التعاور؛ لأن التعاور قد يكون بين نصوص مختلفة، أما التعاقب فيميل إلى إلزامك أن يكون في سياق واحد، في نص واحد. كالتعاقب الذي يكون في زحافات البحور، يكون في التفعيلة الواحدة. فكان الأصح والله أعلم أن يقول: «تعاور»، حتى لا يوهم أنه توالي الكنايات في النص الواحد، والله أعلم؛ لأن التوالي سيذكره في الفقرة التالية.

قال: لأن تعاقب الكنايات -يعني ورود الكنايات في النصوص المختلفة على المعنى الواحد- لا يوجب تناسبها. ليس معنى أننا نأتي بكناية أولى عن معنى معين وكناية ثانية عن نفس المعنى أن تكون الكناية مناسبة للكناية في موضوعها. أنت قلت «مهزول الفصيل» وقلت «جبان الكلب»، المعنى بأصله هو هزال الفصيل، وقصته معنى بأصله، لكن مالهما واحد وهو المدلول المراد، وهو المكني عنه الذي هو الكرم والسخاء.

قال: لأن تعاقب الكنايات على المعنى الواحد لا يوجب تناسباً بها؛ لأنه في عروض -يعني في قياس- أن تتفق الأشعار. ما معنى في عروض؟ يعني على قياس أن تتفق الأشعار، وما يعرض عليه. وهذا ربما يعضد أو يدعم أن العروض الذي هو علم العروض كما درسنا في أول محاضرة تماماً، أن العروض من عرض الشعر على البحور والقياس يسمى عروضاً. لذلك فربما هذا الاستعمال يؤيد هذا. قلنا عدة أسباب في تسمية علم العروض بالعروض: مرة باسم مكان، ومرة بالقياس لأنه عرض الكذا على كذا، ومرة أن العروض اسم الخشبة التي تكون بين كذا وكذا. فهذا يؤيد أن العروض هو القياس، وأن علم العروض يعني علم القياس، يعني ما يقاس عليه الشعر، والله تعالى أعلم.

قال: لأنه في عروض -يعني في قياس- أن تتفق الأشعار الكثيرة في كونها مدحاً بالشجاعة مثلاً أو الجود أو ما أشبه ذلك. أنت إذا ذكرت أشياء كثيرة ومدحت بها، تتفق جميعاً وتتناسب ونحو ذلك، وهذا طبعاً خطأ. فكل ما تمدح به بالجود تتفق معانيه، وكل ما تمدح فيه بالشجاعة تتفق، وهذا طبعاً خطأ.

الخلاصة: الأصول مختلفة، لكن بينها معنى لا يظهر إلا بالشيء المكني عنه؛ هذا هو العلاقة بينها، تلتقي في الشيء المكني عنه. مثل ماذا؟ أذكر من ذلك في التشبيهات المختلفة: «كان سراته لدى البيت قائماً مداك عروس أو صلاية حنظل»؛ صلاية الحنظل جنس وشيء، ومداك العروس جنس وشيء، والتقيا في شيء معين. «وتعطوا برخص غير شثن كأنه أساريع ظبي أو مساويك أسحل»؛ أسارع الظبي جنس وشيء ومخلوق، والمساويك أسحل جنس وشيء، لكن بظهور المشبه ظهر وجه اتفق فيه، لكن لا تناسب أصلاً بين هذا وذاك.

من الذي يطلب التناسب في هذه الأشياء؟ الرومانتيكيون؛ لأنهم يريدون أن يعيشوا في نفس زمرة الأشياء. لأن الرومانتيكية ترفض القفزة، عقلهم غير متوفر، يرفضون الطفرة، لا يستطيعونها ويظلون مرتبكين، كـ «كوليريدج» بالضبط، وكذلك «وردزورث»؛ يرفضون الطفرة لا يستطيعونها، لا يستطيعون أن يخلصوا وجه الشبه. لو قلت مثلاً حديث النبي ﷺ: «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها»، لن يرى الإيمان إلا حية، لن يرى المدينة إلا جحر حية؛ تخيلوا هذا، هذا حقيقي. أي أن الإيمان ليأرز كما تأرز، فتشبيهه الحركة بالحركة، الحركة بالحركة؛ لا يستطيع أن ينقل ذهنه بين المعاني الممسوسة في الصور المختلفة المتباينة. لا يستطيع الرومانتيكي، وهذا مما دونته كله في التأسيس: الفروق الطفيفة التطبيقية بين الرومانتيكي وغيره.

وتذكرون الآن ما قلته لكم من عبد الله الطيب لم يستطع أن يعبث بها، قال: هذا خطأ، خطأ، ساذج، مخطوط أكيد. انظروا إلى الدكتور محمد النويهي، وهو رومانتيكي شديد جداً، ذكر في كتاب «ثقافة الناقد» أن العادات الجاهلية تمنع الشاعر أن يصف الطبيعة، ولكن لما كان امرؤ القيس يريد أن يصف الطبيعة، وكان وصف الطبيعة شيئاً في الفطرة، تذرع بالتشبيه في «سلم كشوق» وأسهب في وصف النخيل. هو قال هذا، عبد الله الطيب تخيلوا! في «ثقافة الناقد» لما قال: «أو المقرعات من نخيل بن يامن...» هو لم يستطع أن يستحضر أنه يصف الضعائن في مشهدها الأخير، وتحتها الأل الذي هو السراب إلى وقت الزوال، وعليها الهوادج التي تحمل فيها النساء، وعليها ستور الخضر، وعليها العناقل من العن الأحمر، وكذا، وحواليها الفرسان يحمونها ويردون النظر إليها. لم يستطع أن يفهم أن كل هذا يقابل مشهد الفوج، لم يستطع الاضطراد في خمسة أبيات أو أربعة أبيات من التشبيه المركب. فماذا قال؟ قال: «وتهكم». ومن العجيب الطريف في هذا أن الشاعر القديم ربما يريد أن يلبي فطرته في وصف الطبيعة، فيتذرع بوصف الضعائن ويسهب في الطبيعة ويبتعد عنها، هو ظن أنه ابتعد، وهو لم ينتبه إلى أنه ما وصف إلا أدق شيء.

وهذا أيضاً مما كتبته في شرح «سلم كشوق»، وفي مخطوطة كتاب «التأسيس» ليكون كل شيء على بينة في العصر القادم إن شاء الله، وتنكشف كل هذه الأوراق انكشافاً كاملاً بإذن الله تعالى، وها هو مسجل الآن طرف منه في شرح تسمعونه ويسمعه غيركم. قال: وقد يجتمع في البيت الواحد -أهو البيت الواحد إذا كان الأولى من تعاقب- تعاقب، كان الأولى من تعاقب تعاور، والله تعالى أعلم.

اعلم، قال: وقد يجتمع في البيت الواحد كنايتان المغزى منهما شيء واحد، ثم لا تكون إحداهما في حكم النظير للأخرى؛ مثال ذلك أنه لا يكون قوله «جبان الكلب» نظيرا لقوله «مهزول الفصيل»، بل كل واحدة من هاتين الكنايتين أصل بنفسه وجنس على حده.

صار واضحا يا إخوة، واضح من الأول أصلا، أصل بنفسه وجنس على حده، وجنس على حده. وكذلك قول ابن هُرَث: «لا أمتع العوذ بالفصال، ولا أبتع إلا قريبة الأجل»؛ ليس إحدى كنايتيه في حكم النظير للأخرى وإن كان المكني بهما عنه واحدا، فاعرفه؛ ليس إحدى كنايتيه، لا «أمتع العوذ بالفصال» ولا «أبتع إلا قريبة الأجل»، هذا جنس وهذا جنس، هذا أصل في المعنى وهذا أصل في المعنى.

قال: «أصل بنفسه»، علم على كلمة «أصل بنفسه وجنس على حده». لحظة يا محمد، كل يا ولدي، قل. نعم؟ لا، كنت أريد أن أسألك عند العرب عندما يأتون بمثل هذه الأوجه، ما هو غرضهم مثلا من هذا عندما يأتي في بيت واحد بجبان؟

نعم، هذا على حسب، أنا تتبعت مثل هذا ووجدت أن أكثر هذه المواضع لا يأتي بوجه شبه جديد، لما يشبه الشيء بواحد أو اثنين خلاص لا يأتي بشبه جديد في الغالب. لحظة نشوف، تفضل، أنت بخير يا ولدي؟ أقول في أغلب هذه المواضع يكون التشبيه مستبعدا جدا وغريبا، مستبدا وغريبا إلى الدرجة التي تستدعي أن يأتي بنفس وجه الشبه في جنس آخر.

من ذلك قول امرئ القيس: «كأن سراته إذا مررت لدى البيت...». هو لماذا قال سراته؟ السراة أعلى الفرس ظهره، القسم العلوي. لماذا قال لدى البيت؟ لأن البيت يكون له سور، والسور عادة يستر ظهور الخيل، السور الذي يحيط بالبيوت لأنه يكون بيتا في داخل الحي وحوله سور، هذا البيت هو الذي فيه الباب الذي يطرق ليلا، ويقال للقادم ليلا طارئا أو طارقا، صار لكل من يأتي بالليل، لأنه إذا جاء بالليل طرق هذا الباب الذي للفناء أو العرصة، والعرصة هي ساحة الدار المبنية من الحجارة أو من الطوب أو من الطين ومرتفعة لأنها تحمي.

فهذا السرا هو الذي يحمي وعادة يستر ظهور الخيل، فهو يصف أن الحصان مرتفع جدا، فقال: «كأن سراته إذا مررت لدى البيت»، كلمة «لدى» ليست كـ «عند»، قريب «لدى» يعني في القلب، وهذا معنى فائدة قوله «لدى البيت»، في قلب البيت حيث يظن أنه يختفي، ولهذا قال «قائما»، يعني إذا قام لك في قلب البيت أنت تمر ترى سراته كأنها «مداك عروس». هو يعجب، مداك عروس أو صلاية حنظل، شيء يشبه أن يكون يجري عليه أو يدهن عليه أو يفرم عليه الشيء الذي يستخرج زيته، فانت وجدتها شيئا يشبه صخرة ممتدة زيتية طويلة لأنك لا ترى بقية جسده، هو يقف لك فسراته ارتفعت، فانت لما ترى السرا وحده هكذا ولها هذا التقاعر المعروف تقول: كأنه مداك عروس.

ثم كأنك تعجب من هذا، فيؤكد لك بتشبيه آخر أيضا يأتي بنفس هذا الوجه من الشبه، كأنه يقول تستصعب تصور ذلك، أو «صلاية حنظلي»، ما يصلى عليه الحنظل، صلاية حنظلي وأنا لا أرى الصلاية هنا، وهذا المشهور أن الصلايا هي جلدة الحنظل، لا، أنا أرى شيئا كالذي يستخرج منه الحنظل وليس جلدة الحنظل، وهذا مما حصل فيه الاشتباه والإشكال واللغط عند الشراح.

لكن ليس هذا موضوعنا، الفكرة في أن وجه الشبه يكون غريبا فكأنه يؤكده لك، وهذا معنى قولهم: يؤتى بتشبيه آخر توكيدا؛ لأن وجه الشبه من غرابته يشبه المعاني الغريبة الأخرى التي تحتاج إلى التوكيد، فيؤكده لك بصورة بيانية أخرى، فلما تتأكد يحصل لك اليقين والانتشاء في النفس. هكذا لما تتوارد التشبيهات من أجناس مختلفة على معنى متقاطع واحد مع شدة اختلاف الأجناس، وأصل الأجناس تتقاطع في معنى واحد، هذا يساوي تأكيد المعنى، وضحت؟

نعم مولانا، واضح تمام. قال: «بل كل واحدة... ليس إحدى كنايتيه في حكم النظير للأخرى وإن كان المكني بهما عنه واحدا فاعرفه». وليس لشعب هذا الأصل الذي هو الكناية عن النسبة، ليس لشعب هذا الأصل وفروعه وأمثلته وصوره وطرقه ومسالكه حد ونهاية. يريد الشيخ هنا أن ما ذكره من الحيل في طرق الإثبات، كالخيمة تحتها المجد والمجد في الثوبين، والكرم في البردين، والبيت بعيد عن اللؤم، كذا كل ذلك أمثلة تمثيل، وهي طرائق لا حد لها، ينبهك إلى أنها لا تفهم أنها محصورة في هذه الصور.

قال: «ومن لطيف ذلك ونادره قول أبي تمام: أبين فما يزرن سوى كريمٍ ... وحسبك أن يزرن أبا سعيدِ» هذا على الوافر. وقال: «ومثله وإن لم يبلغ مبلغه قول الآخر: متى تخلو تميم من كريم ... ومسلمة ابن عمر من تميمِ» وكذلك قول بعض العرب: «إذا الله لم يسق إلا الكرام فسقى وجوه بني حنبل وسقى ديارهم باكرا من الغيث في الزمن الممحل».

وفن منه غريب قول بعضهم في البرامكة: سألت الندى والجود ما لي أراكما ... تبدلتما ذلا بعز مؤيد وما بال ركن المجد أمسى مهدما ... فقال أصابنا بابن يحيى محمد فقلت فهلا متما عند موته ... فقد كنتما عبديه في كل مشهدي فقال أقمنا كي نعزى بفقده ... مسافة يوم نتلوه في غده

فما بال ركن المجد أمسى مهدما؟ نفس كلامك يا محمد في مات الندى ومات السماحة وكذا. ثم قال: فصل، واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده أن هاهنا فروقا خفية.

شوف عبد القاهر يضطرب في الإثبات لمكتبته، كالمخطوطة لم ينظم فصولاً؛ فهناك علاقات، لكن علاقات ارتجالية بين الفصول، وأحياناً تقطعها الذاكرة كما مر معنا في المجاز الحكمي وفي الكناية عن نسبة بعد شوط في الكتاب.

واعلم أن مما أغمض الطريق إلى معرفة ما نحن بصدده، أن ها هنا فروقاً خفية تجهلها العامة وكثير من الخاصة؛ ليس أنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في آخر، بل لا يدرون أنها هي. ربما تقول له: ما عادي لم يعلمونها في مواضع؟ يقول لك: لا، بل لا يدرون أنها هي، ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل.

هذا القيد أيها الإخوة حسن جداً؛ لأن الناقد البصير قد يخفى عليه الشأن في مواضع، أو تخفى عليه الدلالة في موضع أو مواضع مع علمه بالأصل على الجملة، لكن يخفى عليه هذا. هذا علم بحر، فهو ينبهك؛ ليس أنهم يجهلونها في موضع ويعرفونها في آخر لأن هذا شأن العلماء أصلاً، بل لا يدرون أنها هي، هذا ليس شأن العلماء، فالعلماء يدرون أنها هي.

وقال: ولا يعلمونها في جملة ولا تفصيل. هذا ليس شأن العلماء، فالعلماء يعلمونها جملة وفي أغلب التفصيل، لكن يخطئون في التفصيل؛ يعلمونها جملة كقاعدة وقضية، ويصيبون في أغلب التفصيل، لكن هؤلاء لا يعلمونها في جملة ولا تفصيل.

قال: روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس. وأبو العباس هنا هو ثعلب، فإذا ركب إلى الكوفة ركب إلى ثعلب، وإذا ركب إلى البصرة ركب إلى المبرد، وهنا ركب إلى فيما يظهر أنه ثعلب. ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشواً. فقال له أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب تقول أو يقولون: «عبد الله قائم»، ثم يقولون: «إن عبد الله قائم»، ثم يقولون: «إن عبد الله لقائم»؛ فالألفاظ متكررة والمعنى واحد.

فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة. انظر، واحد رأى المعنى واحداً، وواحد رأى المعاني مختلفة؛ لم يرَ الكندي سوى أصل المعنى، ورأى أبو العباس المعنى التركيبي. وهذا يا إخوة مثل دفاع ابن جني عن المعاني عند العرب في كتاب الخصائص؛ حين تكلم عن الأبيات، دافع ابن جني عن المعاني عند العرب. فالجميع نظر إلى جنس المعنى المتحصل من الكلام، ابن جني وعبد القاهر وأبو العباس والكندي، كل هؤلاء نظروا ووجدوا مجمل الكلام فيه معنى، خلاص.

لكن منهم من تحصل عنده فقط المعنى الأصلي ولم يرَ ما يعرف بصور المعاني، والهيئات الحاصلة في المعاني. صور وصفات وهيئات حاصلة في المعاني؛ كل هذه المفردات استعملها عبد القاهر، وستكثر معنا إن شاء الله في آخر الكتاب. فبعضهم رأى المعنى الأصلي المشترك ولم يرَ غيره، والفاهمون منهم أهل الذوق واللغة والفهم، فهم الدلالة والتركيب، تحصل عندهم المعنى التركيبي الخاص في كل عبارة.

فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ. الفكرة هي أن المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ؛ فقولهم: «عبد الله قائم» إخبار عن قيامه، وقولهم: «إن عبد الله قائم» جواب عن سؤال سائل. انتبهوا، سيأتي في صفحة بعد صفحات، أظن صفحة 326، تقييد مهم وشرح لتوجيه كلام ثعلب هنا؛ لأن الشرط هنا هو أن يكون السائل متشككاً في الجواب وليس مجرد مستفسر، لو كان سأل مستفسراً عادياً فلا يحتاج إلى توكيد، وإنما جواب لسؤال سائل يستشكل أو يشك في المعنى، وهذا سينبه إليه عبد القاهر.

وقال: وقولهم: «إن عبد الله قائم» جواب عن سؤال سائل -يعني متشكك-، وقوله: «إن عبد الله لقائم» جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني. قال: فما أحار المتفلسف جواباً. ما أحار يعني ما وجد. فما أحار المتفلسف جواباً؛ من المتفلسف؟ الفيلسوف الكندي، هذا الذي تنبأ لأبي تمام أن يموت صغيراً.

قال: وجدت إنساناً يأكل الشعر منه. وإذا كان الكندي -وهو يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض- فما ظنك بالعامة؟ ومن هو في عداد العامة ممن لا يخطر شبه هذا بباله.

واعلم أن ها هنا دقائق، لو أن الكندي استقرأ وتصفح وتتبع مواقع «إن» ثم ألطف النظر وأكثر التدبر، لعلم ضرورة ليس سواء دخولها، وأن لا تدخل. تأمل هذه الكلمة يا إخوة؛ يقول لو أن الكندي الفيلسوف استقرأ وتصفح وتتبع مواقع «إن» ثم ألطف النظر وأكثر التدبر، قد يكون فيلسوفاً عالماً وهو لم يستقرئ ولم يتتبع في شيء، يظن من نفسه العلم به لأنه ذهب جازماً يقول العرب عندهم أخطاء، أو قال العرب عندهم حشو في الكلام؛ ذهب يتهم أو يعترض أو يستفسر، فهو لم يعرف وهو فيلسوف.

طبعاً نحن عندنا الشيخ يفهم في كل حاجة طالما شيخ معمم أو غطرة، حسب بقى اتجاهك، هذا يفهم في كل شيء وما يقوله صواب. ولازم تقلقل الباء والهمزة مع أنها ليست من قطب جد، بس الله قلقل الباء، خلاص قوله صواب لأنه الشيخ. والله شيء، أنا أرى في ذلك عجباً؛ لأن شيخاً يقول أي شيء وهو جاهل، وما حفظ مقامه بأن يتحدث فقط فيما يحسن، إنما اغتر بنفسه فصار يتكلم في كل شيء.

قال: فأول ذلك وأعجبه. طيب نأخذ دقائق وننتهي إن شاء الله. قال: فأول ذلك وأعجبه ما قدمت لك ذكره في بيت بشار: بكرة صاحبي قبل الهجير ... إن ذاك النجاح في التبكير

وما أنشدته معه من قول بعض العرب: «فغنها وهي لك الفداء»، وإن غناء الإبل الحداء؛ وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة وأدل على أن ليس سواء دخولها التي هي «إن» على أن.

ليس سواء دخولها، وإن لا تدخل؛ إنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها، وتتألف معه، وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغًا واحدًا، وكأن أحدهما قد سبك في الآخر.

هذا تنبيه، لماذا؟ لأن هذا الربط بين الكلامين هو ما سيدور عليه الكلام الطويل في "إن" وأثرها. هذا الربط بين الكلام هو ما سيدور عليه الكلام الطويل في "إن" وأثرها؛ فالفائدة أن "إن" حتى إنك لو نزعتها من الكلام وجدت الكلام اضطرب، وتحتاج إلى حرف آخر يقوم مقام الربط على الأقل، وإن لم يبلغ مبلغها.

اسمع، قال: «وذلك أنه هل شيء أبين في الفائدة وأدل على أن ليس سواء دخولها وإن لا تدخل؛ إنك ترى...»؛ يعني من أنك ترى هل شيء أدل من أنك ترى الجملة إذا هي دخلت ترتبط بما قبلها وتتألف معه وتتحد به، حتى كأن الكلامين قد أفرغا إفراغًا واحدًا، وكأن أحدهما قد سبق في الآخر. قال: هذه هي الصورة، حتى إذا جئت إلى "أن" فأسقطتها، رأيت الثاني منهما قد نبى عن الأول.

ماذا يعني "ما بعد أن نبى عن الأول"؟ ما سر هذه الـ "أن"؟ أنت ممكن تأخذ "أن" هي تأكيد وكذا، طيب بتؤكد ليه؟ فهمت؟ لماذا تؤكد أصلاً؟ هذا التأكيد هو الرابط في الكلام وليس في التعقيب فقط. الفاء الصريحة هي التي تعطف، ما هو "إن" لم تعطف.

خذ بالك، ما هو النحوي الصرف أو الولد الذي دارس نحو يقول لك: ما هي الفاء؟ تربط، والواو -حتى لو قلت إنها استئنافية وفيها معنى العطف- لكن لم يقل أحد إن "إن" فيها معنى العطف. شفت المشكلة فين؟ يعني أنت لو رجعت إلى كتاب "مغني اللبيب" لابن هشام، أو لو رجعت إلى كتاب الجنداني من "حروف المعاني للمراد"، يقولان لك: الواو يعمها معنى العطف وإن اختلف استعمالها في مواضع كثيرة، وفيها معنى لا يفارقها وهو العطف، وهذا يقال في عدة حروف أخرى؛ فيها معنى كذا لا يفارقها ولكن يستعمل بكذا وكذا، ومن هذه الحروف الواو.

طيب، وإن لم يكن فيها عطف، فكيف تربط بين الكلام بها؟ رأيت؟ شوف أختنا ماذا تقول، أختنا حنين تقول: «كان في التأكيد رداً على سابق وحجة لمن خالطه». هذا ما تشرحينه الآن يا أخت صفاء؛ هذا هو العلة في الشعر، كيف ربطت بين الكلام وليس هناك ربط نحوي صريح؟ هذا هو. بل سينبه عبد القاهر إلى أن الإجراء الاحترازي أو الإجراء العلاجي لما تزيح "أن" فتربط بالفاء، لا يبلغ أصلاً مبلغ "أن".

يقول: «هذه هي الصورة». أبو الحسن محمد المشعشع يقول: هي نفسها العلقة التناسبية إلى حد كبير، نعم، تستعمل في ذلك شديدًا. العلقة التناسبية تستعمل في "أن" كثيرًا؛ لأنك تؤكد بما بعدها. أحسنت في هذا؛ لأنك لا تقول "إن" كذا إلا وأنت تريد أن تخدم ما قبلها، وأن تعلل به بهذا التأكيد.

ما العلاقة بين التوكيد بـ "إن" أو التوكيد الذي هو المعنى الصريح، وبين التعليل؟ والله خلاص، لا تفهم الشعر أو الكلام، انصرف! نعم، نحن عندنا التوكيد أداة للتعليل؛ لما نؤكد شيئًا من غير جنس الأول بعد الكلام، فهذا مؤذن لنا بالتأمل، أن نرى المعنى الذي في الجملة المؤكدة يسوغ العبارة التي تسبقها، لأنه أكد، والتأكيد يشي بالعلقة. أحسنت يا محمد، فتح الله عليك.

طبعًا عندنا نوعان من التعلق يا إخوة في اللغة: عندنا علق إسنادي، وعندنا علق تناسبي. العلق التناسبي، وعندنا إسناد أو علاقات إسنادية؛ هذه في النحو لاستقامة الكلام، وعندنا علق تناسبي بين المعاني. أما العلاقات الإسنادية، فهذه بين الألفاظ لتكوين مفهوم الكلام عند النحاة.

يعني لما تقول، أو يسمى "النسب الإسنادية"، النسب الإسنادية؛ أيوه بالضبط يا أسامة. النسب الإسنادية لما تقول: «اجتهد زيد في دراساته»، فأنت ذكرت الاجتهاد وذكرت زيدًا وأسندته إلى الفعل، أو أسندت الفعل إليه من جهة كونه فاعلاً، وفي دراساته، أو أنهى زيد دراساته؛ فأتيت بالفاعل والمفعول والفعل، هذه تسمى نسبًا إسنادية.

أما العلق التناسبي، لو قلت مثلاً: «نجح زيد في دروسه، ولكل مجتهد نصيب»؛ شفت الكلام؟ العلاقة بين "نجح في دروسه" وبين "لكل مجتهد نصيب" تسمى علقًا تناسبيًا. هذه طبعًا اصطلاحات قررها الجني سندرسها بالتفصيل إن شاء الله. أما "اجتهد زيد" و"نجح" فهذه نسب إسنادية، التركيب النحوي. "ولكل مجتهد نصيب" لو سألت: ما العلاقة بين إخبارك بأن زيدًا نجح في دروسه وبين إخبارك بأنه لكل مجتهد نصيب؟ هنا أنت تسأل عن العلقة التناسبية؛ هذه العلقة التي بنيت عليها الأمثال، وبني عليها القصص في القرآن وفي الشعر وكذا، هذا سيأتي إن شاء الله تعالى.

تأتي دراسته إن شاء الله تفصيلاً، أنتم إذا تجاوزتم هذا الكتاب إن شاء الله ودرستم كتبًا أخرى، فهذه طبقة أخرى تمامًا للشعراء وللنقاد كذلك، لكنها طبقة أخرى تمامًا من العلم. للأسف كتاب الجني المعاصرون تنكبوه جميعًا تقريبًا، يقرأون عليه تقريبًا، ومنهاج بلغ للدكتور محمد أبو موسى ولا يأخذون الكتاب؛ لأن التقريب لم يقربه في الحقيقة، لم يقدمه بين يدي القارئ.

حسبك أيضًا أنه تجاوز مسألة العروض، قال إن كلامنا في البلاغة، مع أن الجني نص على أن دراسة العروض وإثبات الأوزان هي دراسة بلاغية، وهو تناولها متناولًا بلاغيًا، لكن العروض ليس من اختصاص الدكتور محمد أبو موسى حفظه الله تعالى وأطال عمره بالخير، فالكتاب ما زال متنكبًا، وهذا الكتاب وهو لم يُفتح عليّ فيه بعد، يعني في عشية وضحاها أو بعد دراسة عام أو عامين، بل بعد ده طويل من الإحاطة به وإعادته والتركيز فيه وتحليل عباراته والبحث في المصادر الأخرى، وهكذا حتى انحلت عباراته وقضاياه بحمد الله تعالى.

قال: «هذه هي الصورة، حتى إذا جئت إلى "أن" فأسقطتها، رأيت الثاني منهما قد نبى عن الأول، وتجافى معناه عن معناه، ورأيته لا يتصل به ولا يكون منه بسبيل، حتى تجيء بالفاء فتقول: بكراً صاحبي قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير؛ فغنى الابل الحداء». ثم اسمع: «ثم لا ترى الفاء تعيد الجملتين إلى ما كانتا من الألفة، ولا ترد عليك الذي كنت تجد بأن من المعنى مرة أخرى».

لماذا يا إخوة؟ لأن الفاء، أيوه، ترقيع! أنا أقول لك لماذا؟ لأن الفاء جاءت ترميمًا وجبرًا لتصحيح المعنى نحويًا فقط، وإن هي المختارة بلاغيًا، لو أنك أسقطت "أن" من الأبيات، فإن هي المختارة بلاغيًا بيانيًا، والفاء جئت نحويًا.

لتصحيح الكلام فهي ترميم وجبر للكسر الذي وقع في النسب الإسنادية أو في التركيب لتصحيح المعاني، وليس لأن «أنَّ» هي الأفضل من الفاء بإطلاق. هو يقول لك انظر ماذا فعلت في النص، حتى إنها لما ذهبت اضطررت إلى إصلاح الإفساد ببيت بحرف يصلح، لكن تظل «أنَّ» المختارة، هذا ما قصده.

نختم بهذه الفقرة؛ قال: وهذا الضرب كثير في التنزيل. جداً من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۖ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]. شوف: «يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم»، أو «فزلزلة الساعة شيء عظيم». انظر الفرق بين «يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم» وبين «يا أيها الناس اتقوا ربكم فزلزلة الساعة شيء عظيم». ما الفرق بين الفاء وبين «أنَّ» التي شدت الكلام بالتوكيد المعلل؟

رأيت؟ يا سلام. فماذا لو اجتمعت الفاء مع «أنَّ»؟ أقول لك شيئاً في بعض المواضع، لنطبق في الآية. أخوكم قحطان سأل: فماذا لو اجتمعت الفاء مع «أنَّ»؟ سؤال جميل. نحن اتفقنا أن «أنَّ» وإن كانت تصلح كلاماً جديداً في بدايتها، ولكنها تؤكد توكيداً يجعل الكلام مربوطاً بما قبله، والفاء فيها انتقال وتعقيب صريح إلى هذا الحد مفهوم؟

فلو أنك جئت بـ«أنَّ» فقط، ربطت بين الكلام ولكنك كأنك عبرت تعبير المتفاجئ الذي بدأ كلاماً جديداً. «يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم»، أنت عللت الكلام الأول لكنك أعطيت الثاني استقلالاً، كأنك تبدأه بخبر جديد لا تربطه بالأول. لكن لو قلت: «يا أيها الناس اتقوا ربكم فإن زلزلة الساعة»، فأنت ما زلت في اتصال، وما زال الثاني يعلل الأول، وهو من نفس اتصاله ومن نفس سبكه.

لكن لما قلت «إنَّ» فيها عنصر الاستقلال بالكلام والمبادرة، والكلام هنا تحقق فيه شيئان: تحقق فيه أنه ربط بالأول في التعليل، لكنه أعطى جزءاً كبيراً لعنصر الاستقلال، وأقام الخبر بذاته كأنك تخبر إخباراً جديداً. ففرق بين من يقول «لأجل كذا»، وبين من أتى بكلام جديد له هول مستقل وخبر جديد من وجه مستقل عن الأول، ومن وجه بحكم تعقيبه بعده يعلله.

شعرت بالفرق؟ مولانا بلا شك كنت أشعر بالفرق، إنما أردت علة صريحة واضحة. فجزاکم الله خيراً. العلة هي أن الفاء... سأعطيك مصطلحين تستعملهما يا ولدي، علة مصطلح السبك، وهما مصطلحان مترجمان عن اللسانيات المعاصرة، وفي الحقيقة هما مصطلحان أراهما فصيحين ولا مانع من استعمالهما: مصطلح السبك ومصطلح الحبك.

السبك هو الربط بالنحو وباللغة، والحبك هو الربط بالمعنى. لو أنك جئت مثلاً إلى التخلص والخروج بين فصول القصيدة، فهذا سبك؛ لأنك تنتقل بربط لغوي، بتشبيه أو بخروج بحرف جر. أما الحبك فيكون أكثر مع الاقتحام على المعنى ومكافحة المعنى مباشرة. في فصول القصيدة تعتمد على الحبك، أي على عدم الربط المباشر.

تعال إلى هذه العبارة: «يا أيها الناس اتقوا ربكم فإن زلزلة الساعة». هذه الفاء ماذا فعلت؟ أنت عندك النتيجة تريد التعبير، فتقول هذه الفاء حصرت هول العبارة التالية في كونها فقط علة للأولى. «يا أيها الناس اتقوا ربكم لأن زلزلة الساعة شيء عظيم»، فحصرت ما نسميه عقدة الكلام أو مجرى الكلام الذي بعدها في كونه تعليلاً للأول بصريح الفاء.

«يا أيها الناس اتقوا ربكم فإن زلزلة الساعة شيء عظيم» صارت خالصة للإنذار. لو حذفت الفاء سيبقى قدر للإنذار يحكم به موضع العبارة والتوكيد، ولكن ستبقى العبارة على أصل التفاجؤ؛ لأن الذي يبدأ كلاماً جديداً يؤكده، يخيل لك أنه بداية كلام وإخبار من شأنه الاستغراب حتى كأنه يقع التكذيب له، لأن بدأ بتوكيد بدون ظاهر تكذيب. «يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم»، كأن هناك حدثاً وقع ووجدنا أن زلزلة الساعة شيء عظيم، ولكنها وقعت بدرجة ما تعليلاً للأول، ولكن وقعت صدمة من الآتي.

وبالمناسبة، هذا في الشعر دقيق وخطير جداً؛ توزيع النسبة بين الشروع. وهذا من أدق وجوه الشعر: توزيع الكلام بين أن يكون مستقلاً بذاته، وبين إفادته في الكلام الذي قبله. «يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم». انظر الفرق: «يا بني لا تشرك بالله فإن الشرك ظلم عظيم». «فإن الشرك ظلم عظيم» حصرت النهي عن الشرك بأنه ظلم عظيم.

لكن لو بدأت الكلام: «إن الشرك لظلم عظيم»، ففي حوالي سبعة أعشار الجزء تفاجؤ بتعظيم وتهويل للموقف، وفي ثلاثة أعشار تعليل، ثم وظفت في الأخير كل هذا التفاجؤ في التعليل في هذا الموضع، فصار العشرة أعشار في التعليل. «يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم» عبارة جديدة، لكن لو ربطتها بالفاء حصرتها في الأولى، فضيقت من مساحة أثرها. أصل الفكرة يا قحطان، أنا حاولت أسفهب لأسميها بأحسن صورة.

الحمد لله، نحن نكمل فقط الفقرة وننهي إن شاء الله. أخونا الحميري يقول: هل يصح أن نقول إننا لا نربط الكلام بالحبك حتى يتعذر أو يصعب ربطه بالحبك؟ يعني الأصل إذا تقارب المعنى وكان يربط بالحبك نربطه بالحبك، لكن إذا بعد أو أصبح مشكلاً نربطه بالسبك؟

كيف إذا بعد تربطه بالسبق؟ السبك أقرب من الحبك. نحن نربط باللغة إذا تعذر الربط بالمعنى، هذا الذي أقصده.

قول يا أسامة، يمكن يا أسامة عايز أوضح مولانا: هل السبك هو نفسه؟ أقصد هل الحبك هو نفسه العلاقة التناسبية؟ هل يوازن العلاقة التناسبية؟ يحصل تقاطع؟

يحصل تقاطع، عارف ليه؟ لأن أحيانًا العلاقات التناسبية تجتمع مع النسب الإسنادية في عبارات التشبيه؛ يعني لو قلت: «كان كذا»، هذه من جهة اللغة فيها السبك، وفيها علاقة، وفيها نسب إسنادية. ومن جهة السؤال الآخر: ما العلاقة بين المشبه والمشبه به؟ هذه علاقات تناسبية، شفت؟ تجتمع في العبارة، هم مش منفصلين في الموضع، العلاقات التناسبية ليست منفصلة عن النسب الإسنادية في الموضع، تلتبس بها. لكن النسب الإسنادية ينظر إليها من جهة المعنى، من جهة اللغة، من إسناد الأفراد على قواعد النحو والصرف. أما العلاقات التناسبية فينظر فيها إلى علاقة جمل المعاني بالمعاني؛ كعلاقة جملة المشبه بالمشبه، كعلاقة المشبه بالمشبه به.

بالضبط، يعني ما بلاش أقول لك حاجة أحيانًا لا تتمايز. خذ هذه عندك: لا يتمايز المعنى والمعنى في اللغة زي لفظ الاستعارة؛ الاستعارة في لفظ منصوص عليه ولفظ مراد. تبحث عن العلاقات التناسبية بين معنيين والجرم واحد هو لفظه واحدة. خذت بالك؟ تبحث عن العلاقات التناسبية: «رأيت أسدًا على المنبر»، أنت قلت أسد، تبحث عن العلاقة التناسبية بين الأسد المنصوص، والزيد غير المنصوص، الرجل الشجاع غير المنصوص، دي علاقة تناسبية.

طيب، ده كله إن شاء الله بإذن الله هيفصل فصلًا جدًا في كتاب القيرواني، هذا الكتاب العملاق المنتهي؛ يعني حتى يمكننا بعد هذا الكتاب إن شاء الله، كما اقترحت، يمكننا أن تكون دراستنا للكتب على طريقة الكتب الجامعية، التي هي ندرس نحدد قدرًا من الكتاب، فصولًا من الكتاب نلتقي فيها مثلاً بعد أيام أو بعد أسبوع، يبدأ الكلام، يبدأ الطلبة في الكلام، فالاستفسار لو هناك إشكال، تبدأ عدة أسئلة، أتأكد أنكم فهمتم الفصل، بعد ذلك أصحح بعض الأمور لو كانت هناك أمور مختلة أو كذا، ونتناقش بعد ذلك، ولو عندي فوائد أقولها.

وهكذا نكون درسنا الكتاب هذا بعد القيرواني. القيرواني هو الذي سيقرأ قراءة توقيف، توقيف يعني نقف على كل شيء فيه، وهذا ربما يكون آخر كتاب نقرأه قراءة توقيف؛ بعد كتابي عبد القاهر، خلاص، الموازنة مثلاً لن يكون قراءة توقيف، موازنة للآمدي، أهو أمامي الآن، لن يكون قراءة توقيف، لأن سيكون تطبيق وقريحة. خلاص، يعني سنتوقف عن فكرة أنك دائمًا سامع ويقرأ عليك المتن والشرح وهكذا، لا خلاص، أين أنت في عملك؟ لكن بعد القيرواني، القيرواني صعب يُجرى هكذا.

طيب، نرجع لمحمد، أرى يا محمد على كل الذي أردته، يعني بقطع النظر في السبك والحبك، في كلامك في الشعر الأمر مختلف. الذي يقرر الوجه، إذا كان سبكًا، إذا كان حبكًا، إذا كان كذا في الشعر، هو ما يقتضيه شرف المعنى، وهذا نص عليه بعض العلماء كعبد القاهر في بعض مواضع من الدلائل لو تذكرون، ونص عليه بشكل أدق وجميل في شرحه الذي خرج حديثًا على ديوان المتنبي، الذي أنا قرأته بالمناسبة، قرأت قدرًا كبيرًا منه، ليس كله طبعًا ما لم أجد وقتًا، بعد قرأت شرح قصائد كاملة عليه. وأقسم، هذا عبد القاهر، أنا خلاص أنا شارب عبد القاهر في مخ عظامي، يعني هذا عبد القاهر؛ لأن البعض قال: هل هو لعبد القاهر هذا؟ لعبد القاهر؟ لو وجدت هذا في الطريق وليس عليه اسم أحد وقرأته، سأقول: هذا عبد القاهر، مش إن هي مخطوطة عليها اسم عبد القاهر، لا، أنا لو وجدت هذا الكتاب في الطريق سيقول هذا عبد القاهر.

فقال هذا الكلام، قال كلامًا معنويًا، وبالمناسبة ليس عبد القاهر فقط، كثيرون لكن لا أستحضر اللحظة من الإرهاق الذي به. العلماء قالوا: إنما يرجح في الشعر الوجه الذي يتحقق به غرض الكلام، وليس الأقرب في العرف، ليس الأقرب في كذا. وأخذت بالك؟ وهنا وقع خطأ، مثلاً عندك وقع خطأ في تفسير الشراح تقريبًا جميعًا، وأنا أجزم بخطئهم، لما فسروا قول امرئ القيس: «فعاد عداءً بين ثور ونعجة دراكًا ولم ينضح بماء فيغسلي». قالوا: «فعاد عداءً» يعني وإلى، لأنهم وجدوا شعرًا آخر لشاعر يقول: «فعاد بين ثور ونعجة»، «عاد بين ثورين»، يقول لك ليس ثور ونعجة، «عاد بين ثورين»، فقالوا: عاد بمعنى والى، ومن معانيها والى، ومن معانيها المبالغة في العداء في العدو.

لماذا قال عاد بمعنى والى؟ خطأ، لأنك تقول «فعاد عداءً»، أكدته أولًا، قلت «عاد عداءً بين ثور وبين ثور ونعجة»، أكدته، ما معنى تؤكد المعاداة بين الثور والنعجة؟ ما معناه؟ ثم قلت بعد ذلك «دراكًا»، وفسروها بالموالاة أيضًا، تتابعًا، موالاة. طب لماذا «دراكًا» تأتي بعبارة حالًا من الفرس في حال كونه عاد؟ ما هي نفس المعنى أصلاً؟

«فعاد عداءً بين ثور ونعجة»، الصواب أن عاد عداءً معناها جرى جريًا طويلًا، يعني بالغ في العدو، فعاد عداءً بين ثور ونعجة، يعني لم يعطني البرهة والتحكم ليصطاد الإناث، لأن الإناث هي التي تُرمى في الصيد لحمها وأسمن، لأنه حتى قال: ماذا كان نعاجًا عذارًا دوارًا في الملاء المذيل، فلفت نظره الإناث، النعاج، فهو قال إنه كان ساخنًا جدًا، فعاد عداءً، جرى جريًا طويلًا في هذا اليوم بين ثور ونعجة، يعني هو الذي تحرك يضرب يذهب بي لأضرب النعجة ثم أضرب الثور ثم النعجة وهكذا، لا يتوقف، لا يتخير الإناث، كان ساخنًا حاميًا، ثم قال «دراكًا» تتابعًا هنا، يعني فعل ذلك ولاءً لم يتوقف.

«فعاد عداءً» هنا هم وجدوها في الشعر كذلك فحملوها عليه، والبيت يأبى لأنها ستجعل «دراكًا» حشوًا محضًا، وأنا عندي ثلاث علل في البيت تمنع تفسير «عاد عداءً» بمعنى والى موالاة. فالصحيح يا محمد أن يحمل الكلام على الصحيح، أن يحمل الكلام على ما يقتضيه السياق والكلام، وعبد القاهر له كلام في هذا وغيره له كلام في هذا. ولا تقل السبك والحبك قواعد، هكذا لا يوجد قواعد، لا يوجد، والمألوف الأقرب قد يكون الأبعد في الشعر، كما في قول النابغة الذبياني: «فلا تقذفني بالوعيد كأنني إلى الناس مطلي به القار أجرب».

قال بعض الشراح أو كثيرهم تقريبًا أو كلهم، لا أذكر، قالوا: «مطلي به القار» يعني القار مطلي به، وقالوا هذا في القلب، ثم قال «أجرب»، وهذا عندي ينزل من البيت أولًا؛ «مطلي به القار» يعني من كثرة طلاء القار به صار هو مطليًا بالقار، لو قلنا بالقلب في بالتشبيه بالقلب، وهذا في خلاف، بالمناسبة هل يوجد هذا القلب موجود؟

أولاً على الأقل في القرآن البعض ينفيه، وكذا المهم مسألة، مسألة فيها كتب أصلاً، فيها كتاب مؤلف معاصر؛ مسألة القلب في التشبيه، هل هذا القلب صحيح؟ بقطع النظر، القلب هنا مضطرب، مطلي به القار؛ يعني القار مطلي به، ما أصبحت أنت الظاهر أيضاً.

يقول لك مطلي به القار؛ طيب، هذا أول مشكلة، الاضطراب في التشبيه للقلب هو أي تشبيه وخلاص، تقول له قلب وهذا جائز عند العرب، طيب هل هو جائز في الموقع هذا؟ أولاً وثانياً، قوله «أجرب» بعد ذلك فيه حشو ونزول؛ لأنك إذا جعلته مطلياً به القار، يعني القار طلي به، ما فائدة أن تقول بعدها «أجرب»؟ هبوط شديد، فقلت الذي هو حق الشعر في هذا البيت أن يقطع الكلام، فلا تتركني بالوعيد كأنني مطلي، هذا وحده به القار وتجعله ظرفاً للقار، مش القار مطلي به، تجعله ظرفاً للقار به القار.

لما قال مطلي أشرت إلى أنه إنسان أصيب بشيء فطلي، واجتنب به القار، فتصوره يجلس والقار مرتكز به، بائت به، «أجرب» علة لكل ما سبق، وبيان وتصوير لحال انعزاله وفضه عن الناس، فلا تتركني بالوعيد لأنني إلى الناس مطلي به القار، «أجرب». لا، هتقول لي طيب ما هو به القار؟ هي مطلي، أقول لك لا، مطلي هذا الأصل به القار زيادة عليه بعد تصور صورة محدودة، القار متراكم به القار، ظرف للقار، «أجرب» وهكذا.

مواضع كثيرة يغل من هذا، من أوسع أبواب غلط الشراح في الشعر أنهم يذهبون إلى التفسير بالمألوف في حين السياق يقتضي غير هذا، ويفسرونه على المعنى المألوف، كما يفسرون قول القيسي مثلاً: «ألا رب يوم لي من البيض صالح»، يعني صالح من البيض أو صالح لي من البيض، وهذا كلام صحيح في الجملة وفيه شرف معنى، لكن لو أنك علقته على التوالي وعلى التتبع بالأول؛ يعني لو قلت ألا رب يوم لي فخصصت اليوم لك، ثم قلت من البيض أي يوم كائن؟ رب يوم كائن لي من البيض، وفسرت أنه يوم من البيض لأن المقصود باليوم أحداثه وليس ليس اليوم الزمن، ما فيش زمن، «ألا رب يوم لي من البيض» شوف يوم من البيض صالح.

ومن عادة العرب في الكلام التي في مرة سأحدثكم عنها، أنهم لما يذكرون الصفة الساذجة والتي تكون من عظم الفكرة من عظم الموصوف، فإنما يريدون المبالغة في هذه الصفة لا سيما إذا ذكرت قرائنها، «ألا رب يوم لي من البيض صالح»، وهذا يؤيد قوله بعد ذلك «ولا سيما». لابد أن تقف هنا، لأن «لا سيما» وما زائدة، ولا سيما يوم بدارة جلجل، يعني يوم كان لي بدارة جلجل بأحداثه التي هي من البيض، خلاص، وهذا من الدقائق في الشعر التي تتجلى لك بعد مدد من العيش معه.

قال: وهذا الضرب كثير في التنزيل، جداً من ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]. وقوله عز اسمه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 17]. تخيل يا قحطان الفرق بين «إن ذلك من عزم الأمور» و«فإن ذلك من عزم الأمور»، بالله عليك مش حاسس بالنزلة؟ «فإن ذلك من عزم الأمور» بالله عليك مش حاسس بالنزلة؟ «فإن ذلك من عزم الأمور»، إن «إن» دي حاسسها خطبة، «إن ذلك من عزم الأمور» يعني، أيوة، طعنة مش نازلة.

شوف: «واصبر على ما أصابك فإن ذلك من عزم الأمور»، كلام جديد وعلى قدر جدته، الفاء أسقطته بل طعن كما تقول. وقوله سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: 103]، شوف «وصل عليهم فإن صلاتك»، ومن أبين من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: 44]، تخيل بقى «فإنهم مغرقون»، يا الله على السوء، «إنهم مغرقون».

وقد يتكرر في الآية الواحدة كقوله عز اسمه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [يوسف: 53]، وهي على الجملة من الكثرة بحيث لا يدركها الإحصاء.

والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جزاكم الله خيراً مولانا، الله يرضى عليكم يا ولد، جزاكم الله خيراً مولانا، الله.