دخولتسجيل الدخول

الدرس 48 - من صفحة 306 إلى صفحة 311

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فأهلاً وسهلاً ومرحباً بكم بعد هذه المدة من الانقطاع لتقديم بعض الكتب للنشر، وهذا عود، والعود أحمد إن شاء الله تعالى. وأنا سعيد جداً، لا أنسى فضل الله ونعمته، سعيد جداً بهذا الرجوع الذي أحمد الله عليه، وأننا متعلقون بالعلم، متعلقون بالنافع من المصنفات، متعلقون بالنافعين من أهل العلم.

نحن ما زلنا مع الإمام عبد القاهر الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه، وقد قطعنا فيه الشوط الكبير كما تعلمون. انتهينا من حديث طويل عن المجاز الحكمي أو المجاز الإسنادي، والذي قال فيه إنه سمي حكمياً أو سماه بالحكمي لأنه يتعلق أو لأن موضعه الحكم.

هذا مجلسنا الثامن والأربعين بحمد الله تعالى، نعود فيه لاستئناف الدراسة بعد هذا الانقطاع الطويل. انتهينا من حديث المجاز الحكمي أيها الإخوة، والفصل الأخير الذي قال في أوله: «هذه مسألة قد كنت عملتها قديماً، وقد كتبتها ها هنا لأن لها اتصالاً بهذا الذي صار بنا القول إليه».

وتحدث عن قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37]، وتحدث عن الذين يفسرون القلب بالعقل، وقال إنه ثمة فرق بين أن تفسر لبيان المعنى الجملي العام، وبين أن تفسر هذه اللفظة بهذا المعنى على أنها مراده؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَاصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [الأحقاف: 17]. يقول النحاة أو المفسرون هنا بمعنى "على" لتصحيح الكلام ليكون مفيداً وليكون المعنى ظاهراً، لكن ﴿وَلَاصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ لا تساوي في البيان من كل وجه ﴿عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، لا هي تختلف عنها، وإلا لماذا جاء الحرف مكان الحرف مجازاً؟ ومن فقه اللغة مجيء الحرف مجازاً مكان الحرف.

وختم هذا الفصل بقوله: «ومن عادته قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم أن يوهموا أبداً في الألفاظ الموضوعة في المجاز على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها، فيفسد المعنى بذلك، ويبطل الغرض، ويمنع أنفسهم والسامع منها العلم بموضع البلاغة وبمكان الشرف، وناهيك بهم إذا هم أخذوا في ذكر الوجوه وجعلوا يكثرون في غير طائل، هناك ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه، وزند ضلالة قد قضحوا به»، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق، آمين.

الآن يدخل في فصل جديد أيها الإخوة. هذا الفصل في الحقيقة، إذا أردنا أن نلخصه، هو في الكناية عن نسبة. هذا الفصل كأنه استدراك كذلك وإكمال لحديثه البعيد عن الاستعارة والكناية، كما كان حديثه عن المجاز الحكمي تابعاً للحديث عن المجاز في الاستعارة. ياتي هنا يستدرك على ماذا؟ يستدرك على الكناية.

نحن درسنا من قبل الكناية والاستعارة، وأتى بفصل بعد كلام طويل في النظم وقضايا وكذا، كأنه له نوع جديد من المجاز، وهو المجاز الذي لا يكون في اللغة وإنما يكون في الإسناد في الحكم. فكر كذلك في الكناية وراى كناية جديدة، وهذا ما قصده محمود شاكر من عدم ترتيب الكتاب، وأنه ظهر في تأليف عبد القاهر وكأنه يلاحق شيئاً أو يلاحقه شيء؛ لأنه لو كان ثمة ترتيب، ماذا كان فعل؟ كان سيذكر المجاز الحكمي عقب الحديث في الاستعارة، وكان سيذكر على الأقل في نظام عبد القاهر -الذي لم يجعل هذا في علم البيان وهذا في علم المعاني كما في البلاغة التقريرية- لكن كان على الأقل على نظام كتابه سيلحق المجاز الحكمي بالمجاز اللغوي بالاستعارة، وكان سيلحق هذا الفصل بالكناية عن نسبة، عن طريق الإثبات، سيلحقها بالحديث في الكناية الأخرى التي هي: فلان مهزول الفصيل، جبان، الكلب كثير الرماد، وهكذا. فكان سيلحق هذا الفصل بالذي سبق، لكن هو يلاحق ويتدارك ويدون.

والأستاذ محمود شاكر كما تعلمون قال في ذلك إن عبد القاهر لو أمهله العمر أو الوقت كان سينظم هذا الكتاب بشكل أفضل، أو على صورة أكثر تناسقاً تناسب علماً مرتباً، فتبتعد عن هذا النوع من الشتات في الفصول.

قال عبد القاهر رحمه الله ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين آمين: «فصل، هذا فن من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ، وهو أن نراهم كما يصنعون في نفس الصفة بأن يذهبوا بها مذهب الكناية والتعريض، كذلك يذهبون في إثبات الصفة».

هذا المذهب إذاً، عندكم الآن متقابلان: عندكم في نفس الصفة، وعندكم في إثبات الصفة. أول شيء لا بد أن يضاء في هذا الفصل قوله: "إثبات الصفة"، كما قدمت قبل قليل عندما عقد فصلاً في الاستعارة، ثم بعد كلام طويل في النظم ألحقه بالمجاز الحكمي وقال: «وهذا مجاز موضعه ليس اللغة وإنما موضعه الإسناد والنسبة».

فكذلك هنا، هذا الفصل في الكناية، والكناية موضعها ليس نفس الصفة وإنما في إثبات الصفة. هذا أول ما يتضح لكم به موضوع هذا الفصل: نفس الصفة أم في إثبات الصفة؟ خلاص، قال كذلك: «يذهبون في إثبات الصفة هذا المذهب»، أي مذهب الكناية والتعريض في ماذا؟ في إثبات الصفة، ليس في الصفة، بل في طريقة إثبات الصفة. انتبهوا إلى ذلك جيداً حتى لا تخلطوا بين الكناية عن الصفة، والكناية عن طريقة إثبات الصفة.

تعالى الله، وإذا فعلوا ذلك بدت هناك محاسن تملأ الطرف ودقائق تعجز الوصف. الله يرضى عليكم، الله يرضى عليك يا رب.

الإخوة دخلوا، يا مرحباً بالحبيب عقيل قحطان. فاتكم الترحيب في الأول، ومهم جداً ما فات من المجلس، لا تقولوا خلاص نحن في الأول؛ لا، مهم جداً التقعيد. يا مرحباً بالحبيب، يا مرحباً. مهم جداً تسمعوا التقعيد الذي فات، لأنه يتعلق بعلة وجود هذا الفصل أو علة وجودي في هذا المكان. يا مرحباً بالأحباب، يا مرحباً. يقيدني المجلس الآن عن إبداء الشوق بعد الانقطاع. قال: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا ذَٰلِكَ بَدَتْ مِنْهُمْ مَحَاسِنُ تَمْلَأُ الطَّرْفَ﴾.

قال: «وإذا فعلوا ذلك بدت هناك محاسن تملأ الطرف، ودقائق تعجز الوصف، ورأيت هناك شعراً». هذه العبارة جيدة جداً من عبد القاهر، وقد جمعت لكم هذه العبارات يا إخوة، جمعتها من قديم، ليس لها معنى للدروس، بل هي مجموعة من قديم عندي فيما أحصيته من الكتاب، وعملته في حارس العبارات عن الشعر، وعن الأثر الشعري والأثر الواقع في النفس.

منها هذه العبارة: «ورأيت هنالك شعراً، شاعراً وسحراً، وبلاغة لا يكمل لها إلا الشاعر المفلق والخطيب المسقع». الشاعر المفلق يعني يأتي بالعجيب من الكلام. وهنا أنبهكم حتى لا يختلط الأمر، فتقولوا: ما نحن عندنا الشاعر المفلق، وفوقه الشاعر الخنذيذ الفحل؟ الشاعر المفلق هو المرتبة التي هي الأساس في التميز الشعري، يعني يأتي بالعجيب، والفحول التي تذكر بعد ذلك كما قال رؤبة بن العجاج: «الرواة هم الفحول».

لاحظوا أن هذه الطبقات وضعت متأخرة، فينقلون كلام رؤبة بن العجاج كما درسنا في العمدة وغيره في قوله: «الرواة هم الفحول»، ويقصدون بذلك المكثرين من الرواية. لماذا؟ لأنهم يقصدون هؤلاء الذين يجارون القدماء. مرحبا يا حبيبي المشعشاعي، رضي الله عنك، ما فات مهم يا ولدي. هم يقصدون الذين يجارون القدماء في تراكيبهم، لأن تراكيب القدماء دقيقة وكثيفة الدلالة، ولا أقول ما منها من شيء ليس له فائدة، بل ما منها من شيء لا تبعد دلالته، ولا تدق دلالته.

وحسبكم في ذلك مثلاً زاهير الشماخ بن ضرار التي قال فيها: عَفَى بَطْنُ قَوٍّ مِنْ سُلَيْمٍ فَعَالِزٍ ... فَذَاتُ الغَضَا فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرَ هَاضِمِ نَفْسِهِ ... لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِزِ وَمَرْتَبَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدُّ ... تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الْجَهْلِ حَاجِزُ وَعَوْجَاءُ مِجْذَا وَأَمْرٌ صَرِيمَةٌ ... تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَابٍ مُطَرِّدٍ ... لَاحَتْهُ الْجِدَادُ الْغَوَارِزُ طَوَى ضَمْئَهَا فِي بَيْضَةِ الْقَيْظِ بَعْدَمَا ... جَرَتْ فِي عِنَانِ الشِّعْرِيَّيْنِ الْإِمَاعِزُ فَظَلَّتْ بِمَيْمُونٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا ... إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُكَيَّ نَوَاكِزُ

اسمع إلى هذا البيت والذي يليه: «فظلت بميمون كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز». أصل الكلام: «فظلت بميمون كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو»، ركي نواكز. هذه جملة اعتراضية تسمى اعتراضاً كما تعلمون، جاءت خاطفة من وحي تصويره لما قال: «إلى الشمس». تعرفون الخيل والحمير، عيونها في الجوانب. هناك عند الحصان ما يعرف بنقطة عمل الجبهة، إذا لم توجهه وانطلقت به سريعاً، هذه حوادث تحدث كثيراً بالحصان؛ يدخل في حائط أو في سور أو في شجرة، لماذا؟ لأن الأمام بالضبط نقطة عجز لهذا الحصان دائماً وهو يجري، فيطوح برأسه لأنه يرى بجنبيه، فهو يصور هنا، والحمير نفس الكلام، يصور الحمير هنا بقوله: «فظلت بميمون كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو»، يتساءل وهي الشمس هل تدنو؟ ثم رجع إلى السياق وأتى بالمشبه به: «ركي نواكز».

طبعاً الذين لا يفهمون هذا من المتأخرين يقولون: الفصل بين المشبه والمشبه به في داخل جملة التشبيه هذا الفصل أحدث عيياً مثلك. «فظلت بميمون كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز، لهن صليل»، اسمع: «لهن صليل من العطش بطونهن من العطش لهن صليل، ينتظرن قضاءه بضاحي عذات»، ينتظرن أمره بضاحي عذات، لهن صليل، ينتظرن قضاءه بضاحي عذات وهو ضامز منتظر. هذا شيء يعد بالنسبة حتى للمجدين إعجازاً، ولهذا رتبوا هذه المرحلة، قالوا الفحول القدماء وفسروها بأنهم الرواة كما نقلوا ذلك عن رؤبة بن العجاج: «الرواة هم الفحول»، يعني الذين بلغوا في متانة الكلام أن يناهزوا القدماء في قوة الدلالة.

ولذلك كل محاولات تفضيل المتأخرين على القدماء بسهولة الألفاظ، أو بكثرة المعاني، كل هذا كلام فارغ يخرج عن صلب القضية. الرواة هم الفحول الذين لهم دلالات القدماء ومناهج القدماء، وليس الذين يلتزمون مواضيع القدماء، لا والله ليس هذا ما نقصده أبداً، بل أن يكون لهم نهج القدماء في قوة الدلالة والتركيب. فقوله هنا «الشاعر المفلق» لا يلتبس عندك بالمرتبة الثالثة، لأن أن يأتي بالفلق بمعنى العجيب هو قاعدة أساسية في الشعر. الآخر رتبة أعلى بعد الفلق، فالشاعر المفلق هو الذي يأتي بالعجيب وزيادة أنه عنده قوة القدماء في الدلالة.

أما «الخطيب المسقع» فهذا له تفسيران يا إخوة وسنحاول أن نرجح أحد الوجهين. الخطيب المسقع إما من «سقع الديك»، لأن السقع هو رفع الصوت ومده، إديك لما أودك هذا سقع، وإما من الذهاب في كل سقع من الكلام، أي يذهب في كل سقع من الكلام. الأول أصح وفيه التفريق بين الشاعر والخطيب؛ لأن الخطيب لا يطلب منه أن يأتي بالعجيب من الكلام ويلون المعاني ويراوح بينها، فهذا عمل الشاعر.

والأول أصح كما قلت وفيه التفريق بين الشاعر والخطيب وهو أوفق في البلاغة لحديث النبي ﷺ: «شر الناس في الفتنة الخطيب المسقع». ليس الذي يأتي بالعجيب، بل الذي يذهب في كل مذهب في الكلام. شر الناس في الفتنة الخطيب المسقع، يعني الذي يمد صوته ويرفعه في وقت الفتنة، ووقت الفتنة الحكمة فيه تقتضي الخفوض في كل شيء والركود، وأن تقعد وأن لا تكون مطية ولا تكون حلوبة، كما قال الإمام علي عليه السلام. في وقت الفتنة لا تعن أحداً فيأتي خطيب مسقع يرفع صوته ويهيج الدنيا ويوقظها، فهذا أوفق في البلاغة لهذا الأثر عن النبي ﷺ، والله تعالى أعلم.

قال: «ورأيت هنالك شعراً، شاعراً وسحراً، وبلاغة لا يكمل لها إلا الشاعر المفلق والخطيب المسقع». عبد القاهر يستعمل كذلك كلمة السحر كثيراً في الشعر حتى وهو يشرح النظم، أذكر لما قال: «ولو أن دجلة لي على وساستقل لك الدموع»، هناك فصل مقدم بعيد نصل إليه بسرعة.

جميلة جداً، وكان يشرح فيها قضية العلة في الإجادة والنظم. افتحوا صفحة يا إخوة، لو معكم الكتب صفحة ٥٠٠ أو ٥٤٨، أتى بقول البحتري في هذه الصفحة: «وَسَأَسْتَقِلُّ لَكَ الدُّمُوعَ صَبَابَةً * وَلَوْ أَنَّ دِجْلَةَ لِي عَلَيْكَ دُمُوعُ».

قال هنا في الصفحة التالية، التاسعة بعد ٤٥٠: «وَمَا فِي قَوْلِ الْبَحْتُرِيِّ لِي عَلَيْكَ دُمُوعُ * مِن شَبَه السِّحْرِ». يستعمل كلمة سحر كثيراً، وهذه مستعملة في الشعر؛ ليس أن من البيان سحراً فقط، لا؛ لأن الإنسان يجد لبعض الشعر في نفسه أثر السحر، ولا يدركه أو لا يفكر فيه بعقله بحيث يملك نفسه ويبدأ يفكر في علل وما إلى ذلك، لا، هو يسمع ويتأثر، بعد ذلك يفكر، فهذا يشبه بالسحر.

وتعرفون لسان الدين بن الخطيب الأندلسي لما ألف كتابه «السحر والشعر»، ألفه لابنه بمناسبة بلوغه سن الرشد. قال: «وَمَا فِي قَوْلِ الْبَحْتُرِيِّ لِي عَلَيْكَ دُمُوعُ * مِن شَبَه السِّحْرِ»، وإن ذلك من أجل تقديم (لي) على (عليك)، ثم تنكير (الدموع). «وَلَوْ أَنَّ دِجْلَةَ لِي عَلَيْكَ دُمُوعُ»؛ شوف، دجلة لي عليك، وليس «ولو أن دجلة دموع عليك مني أو لي»، لا، «ولو أن دجلة لي عليك دموع»، وتنكير دموع هي دموع.

قال: «وَرَأَيْتُ هُنَالِكَ شَاعِراً وَسِحْراً، وَسَاحِراً وَبَلاغَةً، لا يَكْمُلُ لَهَا إلا الشَّاعِرُ الْمُفْلِقُ وَالْخَطِيبُ الْمُسْقِعُ». وكما أن الصفة إذا لم تأتك مصرحاً بذكرها، ففي الكناية الأخرى، كأن تقول: فلان كريم جداً، لا، فلان كثير الرماد، أو فلان كثير الإطعام. أو فلان يؤثر على نفسه شديداً، لا، مهزول الفصيل؛ مهزول الفصيل بمعنى أنه يذبح الناقة التي تتبعها أبناؤها، فيذبح التي يتبعها ولدها يرضع منها، فيبقى ولدها مهزولاً؛ لأن صاحب هذه الناقة نحرها للأضياف لما لم يجد غيرها. وبالمناسبة، هذا كان حقيقياً في العرب، ليس مبالغات ومجازات، بل هو حقيقي في العرب، وكان طبعاً ليس على درجة واحدة، فقد كان هناك بخل.

قال: «وَكَمَا أَنَّ الصِّفَةَ إِذَا لَمْ تَأْتِكَ مُصَرَّحاً بِذِكْرِهَا، مَكْشُوفَةً عَنْ وَجْهِهَا، وَلَكِنَّ مَدْلُولَهَا عَلَيْهَا بِغَيْرِهَا، كَانَ ذَلِكَ أَفْخَمَ لِشَانِهَا وَأَلطَفَ لِمَكَانِهَا». كذلك إثباتك الصفة للشيء، تثبتها له إذا لم تلْقِها إلى السامع صريحة، وجئت إليه من جانب التعريض والكناية والرمز والإشارة. شوف بقى هو ده الرمز الذي نقبله، هذا هو الرمز الذي نقبله؛ فمن جانب التعريض والكناية والرمز والإشارة كان له من الفضل والمزية ومن الحسن والرونق ما لا يقل قليله ولا يجهل موضع الفضيلة فيه. شوف العبارة: «ما لا يقل قليله»، لأن الكلام ليس بكثرته.

تفسير هذه الجملة وشرحها، القضية أو المسألة هي قطعة من البيان، قال: «وَتَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَشَرْحُهَا أَنَّهُمْ يَرُومُونَ وَصْفَ الرَّجُلِ وَمَدْحَهُ وَإِثْبَاتَ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي الشَّرِيفَةِ لَهُ، فَيَدَّعُونَ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ وَيُكِنُّونَ عَنْ جَعْلِهَا فِيهِ»، أي جعل الصفة فيه، ويكنون عن جعلها في شيء يشتمل عليه ويتلبس به، ويتوصلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات.

في الجملة هذه هم أثبتوا، لكن لم يثبتوا للإنسان عيناً مباشرة. ركزوا في هذا؛ «فيدعون التصريح بذلك»، الكلام يدور كما قلت لكم في إثبات الصفة في هذا الفصل، وليس في نفس الصفة، بل في طريقة إثبات الصفة. فيدعون التصريح بذلك، ويكنون عن جعلها فيه بجعلها في شيء يشتمل عليه ويتلبس به، ويتوصلون في الجملة إلى ما أرادوا من الإثبات، لا من الجهة الظاهرة المعروفة، بل من طريق يخفى ومسلك يدق.

وهناك علامة استفهام لا معنى لها، طبعاً خطأ في الطبعة، اشطبوا عليها يا إخوة حتى لا تراجع وتقول: إيش هذا؟ هو كان سؤالاً وأنا لم أفهم؟ وترجع وتقرأ الفقرة من الأول. ليس سؤالاً، هذه علامة زائدة خطأ، بل من طريق يخفى ومسلك يدق. ومثاله قول زياد الأعجم: «إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ وَالنَّدَى * فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْشَمِ». هذا بحر الكامل. «إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ وَالنَّدَى فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْشَمِ»؛ أنت افهم هذه طريقة الإثبات.

أراد كما لا يخفى أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خِلالاً للممدوح وضرائب فيه. قال هنا: «خِلالاً»، و«ضرائب» جمع ضريبة، هي الخليقة والسجية والطبيعة؛ هذه ضريبة في فلان، يعني هو مضروب عليها أو هي ضُربت فيه، جعلت من طبعه. فترك أن يصرح فيقول: إن السماحة والمروءة والندى لمجموع فلان، أو مقصورة عليه، أو مختصة به، وما شاكل ذلك مما هو صريح في إثبات الأوصاف للمذكورين بها، وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح عن الإثبات.

أيضاً هو ليس عن الصفة نفسها، بل جعل كونها في القبة المضروبة عليه هو الكناية. هو لم يقل لك هنا إن الرجل قد جمع هذه الخلال، بل أتى بقبة، وقال: هذه القبة التي ضربت على فلان وقع تحتها المروءة والسماحة والندى. شوف أنت بقى مين المروءة والسماحة والندى؟ نفس طريقة الاستدلال يا إخوة.

ما هي الكناية؟ ما سر قوة الكناية؟ إنها تبعدك عن الادعاء الذي فيه التكذيب، الادعاء الصريح الساذج؛ لأنك لو قلت إن فلاناً كريم جداً ويطعم كثيراً جداً ليله ونهاره، هذا دعاء صريح تلحقه التهمة لأنك باشرت الصفة، لكن لو قلت: والله رأيت الرماد كثيراً، أنت بعيد عن التهمة ومصدق فيما قلت. هذه هي فكرة الكناية يا إخوة؛ وجدت رجلاً كثير رماد، ليس فيها تهمة حتى يقال أنا رأيت شيئاً، ولكنك رميت لهم الدليل، استدلوا أنتم كما تريدون.

وبالمناسبة، هذا من الملاحظات البلاغية، لكنه ليس كما رأيته في كلام، بل هو نفس الشيء. تخيلوا هذا الذي في الكناية أجده فيما يعرف بالتجريد. مثلاً امرؤ القيس لما يقول: «غَلَقْنَ بِرَأْسِ رَأْسٍ مِنْ حَبِيبٍ * بِهِ ادَّعَتْ سُلَيْمَى وَأَمْسَى حَبْلُهَا قَدْ تَبَتَّرَا * وَكَانَ لَهَا فِي سَالِفِ الدَّهْرِ خِلَّةٌ».

هو يتحدث عن نفسه؛ لو قال: «وكنتُ لها في سالفِ الدهرِ خِلًّا، أُسارِقُ بالطرفِ الخِباءَ المستترا». هذا كلام بصيغة المتكلم وهو على الحقيقة، وهذا يثير شيئًا من الادعاء.

لكن التجريد فيه ماذا؟ فيه تخليص المتكلم من تهمة الادعاء، وهي نفس الفكرة في الكناية. لذلك عندما أجلس مع بعض الإخوة والزوار، أقول لهم: هل تلمسون شيئًا بين التجريد والكناية؟ الدارسون للبلاغة في الأزهر أو غيره، أو دار العلوم، يحفظون البلاغة التقريرية؛ فأقول لهم: هل تلمسون شيئًا بين التجريد والكناية؟ فيقولون: عبارات متشابهة، تدور حول معنى واحد، هذا باب وهذا باب، ما الذي جاء بهذا إلى ذاك؟

أقول لهم: لا طبعًا؛ كيف؟ الذي يجرد إنما يخلص نفسه من تهمة الادعاء ويثير التعاطف باعتباره طرفًا ثانيًا، والمتحدث عنه -الذي هو نفسه في الحقيقة- طرف ثالث، ويجعل نفسه محايدًا مع المخاطب. ركز، ما السر في التجريد؟ إن المتحدث لما جرد من نفسه واحدًا تحدث إليه أو تحدث عنه، جرد نفسه من تهمة التكلم أو الادعاء، فأثار الشفقة نحو الثالث الذي هو نفسه، وكأنه حاله ينبغي أن تُرى وأن نشهد عليها، وهي ليست نحن؛ يا عيني يا مسكين!

«وكان لها في سالف الدهر خلة، يسارق بالطرف الخباء المسترا، إذا نال منها نظرة الروع قلبه، كما ذعرت كأس الصبوح المخمرة».

حتى لو خاطب نفسه فعل نفس الشيء؛ لو قال امرؤ القيس: «سَمَا لي شوقٌ بعدما كان أقْصَرا»، صار متكلمًا مدعيًا، وقد يكون كلامًا جيدًا ومحركًا للنفس ومخيلاً، لكن الأعلى منه أن قال: «سما لك شوقٌ بعدما كان أقْصَرا». كأنه من شدة ما بلغ من الأسى أشفق على نفسه، فجرد من نفسه واحدًا تحدث إليه يشفق عليه، يقول له: ما الذي تفعله بنفسك؟ ففي الأخير أيضًا خرج من تهمة التكلم والادعاء، وجعل نفسه شخصًا يراه كل أحد، ومن يراه سيقول له نفس الكلام.

وهكذا لما قال: «تذكرتُ أهل...»، هو خطابه سواء اعتبرته تجريدًا بعد ذلك أو اعتبرته -سواء كان في أول الكلام- هناك خلاف؛ الجمهور يعتبره تجريدًا، والسكاكي يعتبره التفاتًا باعتبار أنه التفت عن الأصل في الكلام. ليست قضيتنا الآن، ستأتي إن شاء الله معنا في أي تلخيص للقزويني لما نمر على هذه المسائل الخلافية، وأظن مرت معنا في المجاز الحكمي، لكن سندرسها بتفصيل إن شاء الله.

قضية لما قال امرؤ القيس: «تذكرتُ أهل...»، هي بضمير المتكلم على الأصل: «تذكرتُ أهل الصالحين»، وقد أتت على: «خُمسَ الركابِ وأوجرَ، فلما بدت حورانُ والآلُ دونها، شوفٌ... اللي حصل، نظرتُ فلم تنظر بعينيك منظرًا». إذاً صور نفسه ذهل عن الآخرين عن المخاطبين، وصار نزع من نفسه واحدًا يقول له: «نظرت فلم تنظر بعينيك منظرًا»، وهذا أبعد عن تهمة إثارة التعاطف، وأثارها عن طريق الاستدلال على صدقه بكونه واحدًا مشاهداً.

ليس نفس الفكرة، أو تتماس مع الفكرة في الكناية التي أجمع البلاغيون، وذكر عبد القاهر، المعنى فيها أن قوة الكناية في كونها دليلاً، وتبعد عن التهمة والادعاء. لو قلت: «إنه يطعم كثيرًا جدًا»، لا تساوي: «رأيته كثير الرماد». الذي قال «كثير الرماد» لم يرد أن يمدحه، أتى بشيء لا يتهم فيه، وأنت فكر في هذا الذي لا يتهم فيه إلى أي شيء يدلك؟ كأنه يقول: أنا لا أدري، أنا رأيته كثير الرماد، ولكن أنت فكر فيها؛ والله رأيته جبان الكلب! أنت تفكر: لماذا جبان الكلب؟ لم تفكر في أنه ادعى، لأن «جبان الكلب» ليست صفة في ذاتها تُمدح، فلماذا يدعي؟ أنا رأيت شيئًا لا أتهم فيه، وأخبرتك: «رأيته كثير الرماد»، أنت تفكر: كثرة الرماد من كثرة إشعال الحطب تحت القدور، وهكذا.

يقول: أراد كما لا يخفى أن يثبت هذه المعاني والأوصاف خِلالًا للممدوح وضرائب فيه، فترك أن يصرح فيقول إن السماحة والمروءة والندى مجموعة في ابن الحشرج، أو مقصورة عليه أو مختصة به، وما شكل ذلك مما هو صريح في إثبات الأوصاف للمذكورين بها، وعدل إلى ما ترى من الكناية والتلويح، فجعل كونها في القبة المضروبة عليه عبارة عن كونها فيه، فجعل كونها في القبة المضروبة عليه تعبيرًا عن كونها فيه هذه الصفات وإشارة إليه.

فخرج كلامه بذلك إلى ما خرج إليه من الجزالة. والجزالة ها هنا يا إخوة هي صفة في الشعر، هي القوة والامتلاء للمعنى. فجاءت هذه الكناية اختصرت شرح النسبة. كما أنه في الكناية اللغوية أو الكناية عن الصفة المباشرة، كقولك «كثير الرماد»، هذه تختصر فيها أنه طبخ كثيرًا جدًا، وكان الحطب كثيرًا جدًا وترك رمادًا كثيرًا، وانتهينا. هذا معنى الجزالة هنا.

نعم، فقد تبدو الكناية من هذه الجهة -لا أدري إذا قال هذا أحد أو لا- لكن الكناية هنا من وجوه إيجاز القصر. تعلمون الإيجاز على نوعين، أنتم يا إخوة لا بد أن تتجاوزوا حدود الأبواب الصلبة التي في البلاغة التقريرية إلى روح البلاغة وحقيقتها، وأن تتداخلوا بدقة بين الأبواب كما قلت لكم، وهذا بالمناسبة تجدونه في بعض الشروح الأدبية.

هذه الطرائق كما قلت لكم الآن، الغاية من الكناية تشبه الغاية من التجريد مع أن البابين مختلفان تمامًا في الناحية اللغوية والتقعيدية التقريرية، بابان بعيدان عن بعضهما، لكن المغزى البلاغي والمرمى البلاغي قريب جدًا من نفس الجنس. كذلك أقول هنا الكناية، الكناية لما اختصرت بها كلامًا طويلًا بنص كلام عبد القاهر، وكما سيأتي أيضًا صور أخرى اختصرت كلامًا وخرج الكلام جزلًا ممتلئًا كثيفًا، هذا صريح في كونها من إيجاز القصر الذي تدرسه في علم المعاني من البلاغة التقريرية. نعم، من وسائله، وليست أنها تُدرس تحته، هي من وسائله، والتقسيم شيء آخر.

قال: «وظهر فيهما...»، فخرج كلامه بذلك إلى ما خرج إليه من الجزالة وظهر فيه ما أنت ترى من الفخامة، ولو أنه أسقط هذه الواسطة من البين. تذكر أن عبد القاهر يستعمل كثيرًا لفظ البين، ويريد بين اللفظين، ونحو ذلك، بين اللفظين، بين الجملتين.

بين الكلام، أسقط الواو من البين، يعني من بين العبارتين، خلاص أسقط هذه، هذا الوجه من البين، يعني من بين الكلام، من الوسط، من وسط الكلام، من بين الكلام من سابق ولاحق.

يقول: «ولو أنه أسقط هذه الواسطة من البين لما كان إلا كلاماً غفلاً من الفخامة، لما كان إلا كلاماً غفلاً، وحديثاً ساذجاً». ثم قال: «فهذه الصنعة في طريق الإثبات هي نظير الصنعة في المعاني إذا جاءت كنايات عن معانٍ أخرى». كنت أرى كلمة "المعاني" الثانية في آخر السطر، أسف، هي نظير الصنعة في المعاني، المعاني الأولى. أرى إزالة هذه الفاصلة، فهمتم لماذا؟ حتى لا يُفهم إذا جاءت كنايات أنها عن الصنعة الأولى أو عن طرائق الإثبات. فهذه الصنعة في طريق الإثبات هي نظير الصنعة في المعاني إذا جاءت هذه المعاني كنايات عن معانٍ أخرى.

خلاص، يعني كناية معنى مفرد عن معنى مفرد كما عرفنا في الألفاظ التي تطلق ويراد غيرها، وهنا تقع الكناية في ماذا؟ في الإثبات، وهذا نظير المجاز اللغوي والمجاز الحكمي. تذكرون المجاز اللغوي الذي هو الاستعارة الأصل، ثم استدرك هو بالمجاز الحكمي الذي موضعه الحكم والإسناد؛ أما الكلام والألفاظ نفسها فحقيقة ليست مجازاً، لكن إسناد الشيء إلى الشيء هو الذي وقع فيه المجاز، فانتبه إلى هذا.

قال: «فهذه الصنعة في طريق الإثبات هي نظير الصنعة في المعاني إذا جاءت كنايات عن معانٍ أخرى». قال نحو قوله على الوافر: وما يكفي من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل

فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر ومما يقع في الاختيار. محمود شاكر يقول: معنى الاختيار يعني اختيار أبي تمام في الحماسة، والله إني أرى العبارة أكبر من ذلك؛ لأنه لو كان كما يقول محمود شاكر لقال: «ومما وقع في الاختيار»، لكن قوله: «ومما يقع في الاختيار» يعني مما يختار في الجيد، وهذا غير موقوف على أبي تمام، فهمتم الفرق بين الصيغتين؟ لا، لم أحب أن يحصرها محمود شاكر في اختيار أبي تمام. محمود شاكر قال يعني اختيار أبي تمام له في الحماسة، هو قال: «ومما يقع في الاختيار»، يتكلم عن جودة البيت التي جعلته مما يقع في الاختيار، يقع يعني يختار كلما اخترت جيداً اخترته، فلماذا جعله هنا محصوراً في أبي تمام؟ فهذا حصر بغير وجه.

ورحم الله محمود شاكر؛ فكما أنه إنما كان من فاخر الشعر ومما يقع في الاختيار؛ لأجل أنه أراد أن يذكر نفسه بالقراء والضيافة، فكنى عن ذلك بجبن الكلب وهزال الفصيل، وترك أن يصرح فيقول: قد عرف أن جنابي مألوف ... وكلبي مؤدب لا يهر في وجوه من يغشاني من الأضياف وإني أنحر المتالي -التي هي الأمهات من النوق التي تتبعها أولادها- وإني أنحر المتالي من إبلي وأدع فصالها هزلاً.

كذلك إنما راقك بيت زياد، احفظوا بيت زياد لأنه سيعود إليه في الفصل مرات، هو بنى الفصل عليه، قال: «إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشر». هذا زياد الأعجم بيته الذي في صفحة 306. كذلك إنما راقك بيت زياد لأنه كنى عن إثباته السماحة والمروءة والندى، كأنها في الممدوح بجعلها كائنة في القبة المضروبة عليه، شوف، كنى عن إثباته وليس عن الصفة، عن إثبات الصفة.

هذا وكما أن من شأن الكناية الواقعة في نفس الصفة -التي هي الكناية الأصلية التي درسناها في الأول: فلان مهزول الفصيل، جبان الكلب، كثير الرماد، رفيع العماد إلى آخره- وكما أن من شأن الكناية الواقعة في نفس الصفة أن تأتي على صور مختلفة، كذلك من شأنها إذا وقعت في طريق إثبات الصفة أن تأتي على هذا الحد، ثم يكون في ذلك ما يتناسب كما كان ذلك في الكناية عن الصفة نفسها.

تفسير هذا، اسمع، يتكلم عن التناسب بين الاستعارات، وهذا فصل يقف عنده عبد القاهر قليلاً، وأنت ربما تفكر ما العلة في الوقوف عنده بهذا الطول؟ هو سيتحدث في الأخير أصلاً. في أول الفقرة بعد 313 يقول: «وليس لشعب -هذا الأصل وفروعه وأمثلته وصوره وطرقه ومسالكه- حد ونهاية»، يعني أن ما ذكره من الحيل في طرق الإثبات كالخيمة تحت، مما يأتي من الكلام: «الخيمة تحت المجد، والمجد في الثوبين، والكرم في البردين» في بيت الشنفري، بيتها بعيد عن اللؤم، كل ذلك تمثيل له، ذكره تمثيلاً، وهي طرائق لا حد لها.

يتكلم عن التناسب يقول: «تفسير هذا أنك تنظر إلى قول يزيد بن الحكم يمدح به يزيد بن المهلب»، وهو في حبس الحجاج، هذا البحر يا إخوة المنسرح، يقول: أصبح في مستفعلن قيد مفعولات ... ما حت المستعل

هل ظهر لكم أن تشطير البيت في النسخة غير صحيح؟ هو مستفعلن مفعولات، جاء هنا مطوياً، قيد مفعولات، بعد ذلك يأتي مستفعلن أو مستعل، وجاء هنا مطوياً. كان الشطر ينبغي أن يكون بعد الألف واللام، يعني: المجد وفض مستعلن للصلاح مفعولات ... والحسب مستعلن

فتشطير البيت في النسخة غير صحيح، والله أعلم، لأنه ينبغي أن يجعل آخر الشطر الأول بعد الألف واللام من المجد، يعني: أصبح في قيد ما حت المجد وفض مستعلن للصلاح والحسب، صحيح؟ توافقون أم عندكم؟

استدراك، أم أنا غير منتبه؟ لعلي غير منتبه، ما ترون يا إخوة؟ لأن هذا إذا صح كلامي سيكون خطأ في التشطير في النسخة، في صلب الكتاب، صحيح يا قحطان؟

تمام، لحظة، لا لا حبيبنا عقيل يقول مولانا يقصد بالكناية عن الصفة نفسها المجاز، لا، شوف المجاز، تعال نقعد لها. أولاً من التقرير، المجاز غير الكناية، المجاز والكناية يشتركان في ماذا؟ في الإطلاق؛ كونهما إطلاقاً وهما قسيمان من هذه الجهة.

للتشبيه، الذي هو الإلحاق؛ يعني أنت في التشبيه تقول: «زيد كالأسد»، ألحقت زيداً بالأسد، فأنت ألحقت خلاص. أما الإطلاق فتقول: «رأيت أسداً على المنبر»، فأنت أطلقت الأسد على زيد مباشرة، جعلت زيداً أحد أفراد الأسد. وكذلك تقول في الكناية: «فلان كثير الرماد»، أنت أطلقت كثرة الرماد وأردت غيره.

طيب، ما الفرق بين الكناية والمجاز؟ المجاز في الاستعارة، ركز في هذا؛ هذا مما يخلط فيه. المجاز الذي هو الاستعارة هنا يأتي المعنى المجازي نيابة عن الأول، ولا يراد لذاته أصلاً، أحسنت. أما الكناية، فكلاهما مراد، كلاهما حقيقي ويقصد، لكن أنت ترمي إلى الثاني غير المذكور. لكن في الاستعارة، الأسد غير مراد أصلاً، الأسد لا يذكر أصلاً ليس له فائدة، ليس له وجود حقيقي، هو أتى مكان زيد خيالاً، لا وجود له في الحقيقة. إنما الكناية لها وجود حقيقي ودلت على حقيقة هي المرادة.

ما أنا جائلك، أنت الذي أحدثت عندك الشبهة. الشبهة هنا ماذا؟ ما هي؟ خطوة بخطوة، نحن نبني أولاً الكناية ونوضح أولاً ما هي الكناية وما هو المجاز. في المثال، أنت تنظر أن السماحة والمروءة والندى -دعني أسألك أولاً- أنت رأيت قوله: «إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج»، فأنت نظرت إلى أنه لا يوجد سماحة وندى ومروءة حقيقية تحت القبة، وإنما هذه هي فلان، صح؟ فهذا مجاز.

يا مولانا، تسمعوني؟ أسمعك يا مولانا، معك. لا، أنا لم يحصل عندي مشكلة المثال، أنا لاحظته أنه عندما بدأ الفصل صار يتحدث مباشرة عن إثبات الصفة نفسها، عن الكناية عن الصفة نفسها وعن إثبات الصفة، ثم صار يتحدث عن إثبات الصفة دون الحديث عن الصفة نفسها، كأن الكناية عن الصفة نفسها مر بها، فمن هنا ورد السؤال.

لا، أنا لا أقول إن الكناية مجاز، لم يحصل هذا الاشتباه. أنا كنت أرمي إلى شيء آخر، تعرف ما هو؟ إلى أنه أحياناً يتداخل في النص الواحد الكناية والمجاز. يتداخلان؛ إيوه، لما تقول: «هي ضربت هناك ماله»، هي فيها مجاز لكن ليست من الجهة التي ندرسها، أفهمت ذلك؟

أنا أصلاً فكرت أن هذا فيه مبالغة، المجاز هو كأن القبة مملوءة بالسماحة والندى. لكن سؤالي في نفسي، قصدي هو سيأتي لاحقاً ويتكلم عن الكناية عن الصفة نفسها، أم هو مر معنا سابقاً؟

لا، مر معنا. الكناية عن الصفة هي التي تكلم عنها بعيد. ماذا قلت في بداية اللقاء يا مولانا؟ لماذا أتى بهذا الفصل؟ لما قال: «هذا فن من القول الدقيق المسلك» وكذا وكذا، لما تكلم، تذكر في الأول لما تكلم عن الكناية وعن الاستعارة والكناية، وأنها من دلالة الألفاظ على الألفاظ، أو تأتي بالألفاظ وتريد بها غيرها. لما تكلم عن الهضم واستفاض بعد ذلك بعد مدة طويلة وبعد كلام بعيد جاء وقال: «هذا باب من المجاز لم أتكلم عنه فيما مضى»، استدرك به خلاص.

وجاء هنا أيضاً وقال بعد أن انتهى من المجاز الحكمي، كأنه فكر: هل فاتني شيء من الاستعارة، المجاز اللغوي؟ هذا نوع من المجاز الحكمي، فكذلك هنا مجاز أو كناية؛ هل فاتني شيء من الكناية؟ الإثبات، فإثبات الصفة يشبه المجاز الحكمي.

شوف هو ماذا قال في أول المجاز الحكمي؟ الكلام على المجاز الحكمي، صفحة 293، قال: «فصل، هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم». ثم قال في الفقرة رقم 47 و300: «اعلم أن طريق المجاز والاتساع في الذي ذكرناه قبله...». هذا في الفقرة رقم 57 وما بعدها، بعيد.

هنا بعد أن انتهى من فصل الكلام عن المجاز الطويل إلى صفحة 305، قال: «هذا فن يعني أيضاً من القول دقيق المسلك، لطيف المأخذ»، وهو أننا نراهم... بدأ كما استدرك نوعاً من المجاز، استدرك نوعاً من الكناية، والكناية مر الكلام فيها، لكن لو تذكرون ما كانت الكناية الأولى؛ لا، هذه كناية عن إثبات الصفة، هناك كناية عن طريق إثبات الصفة، هناك كناية عن نفس الصفة.

يعني مثلاً لما تدخل وتقول: «وجدته كثير الرماد»، ثواني، أنت كنيت عن ماذا؟ كثرة الرماد دلت على ماذا؟ على الكرم. أنت هنا كنيت لما قلت إن السماحة والمروءة والندى في قبة، ستجد في خطوة ثانية زادت، حصل نوع من الاستدلال العقلي، حصل استدلال لإثبات أن السماحة والمروءة والندى في قبة. أنت خذ بالك، السماحة والمروءة والندى هي المطلوب إثباته أصلاً، هي الصفة، هو جاء بها، لكن لما أراد إلحاقها لم يقل لك هو موصوف بها، قال: «هذه السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج»، ولأنك تعلم أن السماحة والمروءة والندى صفات لا يمكن أن تجتمع مع ابن الحشرج في مكان، ففيها مبالغة شديدة.

هذا القول ينطبق أيضاً على جبان كلور الفصيني. أول حاجة تأخذ بالك منها أن في إثبات الصفة أنت ممكن تنص على الصفة أصلاً، لفظ إثبات أنت نصصت على الصفة كما هنا؛ لأن الصفة ليس هو ما ترمي إليه، أنت ترمي إلى طريقة الإثبات. أنت هناك قلت تريد إثبات الكرم.

والسخاء والإطعام، قلت: كثرة الرماد. طيب، لو قلت وجدته كريماً، خلاص أنت أثبتت الصفة مباشرة، ولم تأتِ بالمدلول. تخيل بقى لو قلت: وجدته كثير الرماد، فكان كثير الطعام. هذا حشو قبيح، بل هو متخلف عقلي يضرب بالرصاص.

مش زول، يعني إيه كثير؟ يعني إيه؟ تجيب المدلول مباشرة وتتركنا ننظر: أنت مدعي أم لا؟ وتصح منك الدعوى أم لا؟ تجيب الدليل وتتركنا نستدل. شوف ماذا فعلنا هناك؛ قلنا لم نأتِ نحو الصفة مباشرة. خذ بالك أن الكلام الذي قلته هذا ليس موجوداً في كلام عبد القاهر؛ فمن أدلة إثبات الصفة أنه يتكلم عن الصفة دون حرج، ويباشر الصفة من خلال ما يدل عليها، كما في كثرة الرماد، فيدل على وجود الكرم. فهو يدير الكلام على طريقة إثبات الصفة، فذكر الصفة التي تدل عليها.

خذ بالك من الفرق. يقول البيت: وما يكُ فيَّ من عيبٍ فإني .. جبانٌ الكلبُ مهزولُ الفصيلي من النوع الأول في الإثبات، هو يريد أن يقول إن هناك مناسبات، فيأتي بالإثبات من النوع الأول، وعبد القاهر الآن سيأتي لك بإثبات بنفس الصفة من النوع الأول، وإثبات الصفة من النوع الثاني، وهو قريب.

الله يرضى عليك، فهمت الفكرة؟ مفهوم تماماً. هو الآن سيأتي لك بالنوعين أصلاً. بالمناسبة، كل هذا بعد ذلك بالميراث. لا تظن أنني من أول قراءة للكتاب منذ زمن فهمته تماماً، بل بعد أول قراءة للكتاب شككت أنني أستطيع المضي، لأن الدنيا زحام شديد، وكلام كثير، وألفاظ غير مفهومة، حتى عبارته قد تستغرق صفحة كاملة وفي آخرها يكمل العبارة كما رأيتم أو في الصفحة التالية، فكنت لا أستطيع الفهم.

لكن لا، كل هذا أنا أعك به بالمذاكرة والمراجعة، وأنتم عندكم حظ جميل لأن عندكم شرحاً مسجلاً، أما أنا فلم يكن عندي شرح مسجل، فكنت أنا والكتاب، وأنت ترى النسخة كيف اشتكت مني. لذا أعدكم وأقول لكم: أنا آتٍ من المستقبل وأقول لكم هذا الكتاب سيكون في صدرك كالماء. والله يا إخوة، من يستمر في الدراسة ليكون هذا الكتاب عنده كالماء بإذن الله، سيكون بين عينيه كما ترون في بعض النقاشات والجدالات، فإذا أتت المسألة أرى مواضعها مفرقة في الكتاب، ولو في ست أو سبع مواضع آتي بمواضعها من الكتاب مباشرة، لأن الكتاب صار في صدره من كثرة ما قرأه.

أنا أعجب من حالي الآن مع الكتاب، ومن حالي في القراءات الأولى قديماً، وهو العلم بالتعلم، فلا تقلق، كل هذا فيه إشكال، لكن بعد ذلك إن شاء الله سيكون كالماء. هناك نقطة لاحظتها، وهي أن جل مادة هذا الكتاب ليست مما فكرنا فيه على تدرج وعلى هينة من أمرنا. أحياناً تأخذ المسألة في حصة، سواء في المدرسة أو الجامعة أو المدرسة التراثية أو في حلقة شيخ، وتشعر أن المجلس كان كثيفاً ومعقداً، ولكن بعد ذلك عندما تأتي عوارض المسائل وتفكر فيها على حدة، ثم تجمع ما حللته، يخرج لك أنه كان موضوع الحصة، لأنه بالتطبيق وبالوارد على الذهن في مواضعه المناسبة وعلى هينة، دون تحفز وقلق، ستجد أنه عبارة عن علاقات منطقية سهلة جداً، ولكن تكثيفها في الدرس هو الذي عمل مشكلة. مع التطبيقات على الذهن، سيكون الأمر يسيراً جداً إن شاء الله.

خذ عندك هذه الكلمة التي قالها محمود شاكر: «قال عبد القاهر تكلم في كل البلاغة، في بلاغة البشر، وبلاغة العرب شيء آخر. عبد القاهر تكلم في بلاغة البشر، وأما علم بلاغة العرب ونقد الشعر فهو شيء آخر، مجال آخر تماماً وتفصيل آخر».

وأنا أحذركم من شيء سيكون لنا فيه مجالس وتنبيهات، مما ينبغي معه الحذر في النقد أو تأخير النقد قليلاً، وهو أننا نجهل كثيراً من أبواب فقه اللغة. سأتكلم عن الحالة العامة للدارسين، سواء من أبواب الحذف التي اعتدتها العرب وليست في كلامنا الآن فنستغربها لو جاءت في شعر، أو استعمال الحروف مكان الحروف، وهذه في القرآن موجودة وتمر معنا، لكن في الشعر قد نستغربها ونقول أخطأ وهو لم يخطئ. لولا ظهور حذف الفعل العامل في المفعول، لقلنا إن قول امرئ القيس: ﴿لَيَالِيَ سَلْمَى﴾ لا يظهر له وجه النصب، لكن هذا وجه ظاهر يقابلنا كثيراً في الشعر، والنصب على القطع، وهذه الأمور.

عندكم الوجوه التي ليست مذكورة في كتاب "الخصائص" لابن جني؛ وهو كتاب خطير ومهم جداً. وكذلك كتاب "شرح الأبيات المشكلة" لأبي علي الفارسي في مجلدين كبيرين، ويسمى أصلاً في القديم "كتاب الشاعر"، يأتي بأبيات ويظهر الوجوه الشديدة التعقيد التي في بعض الأبيات، وهذا الكتاب أيضاً ثمين جداً.

في الأساس، في فقه اللغة عندك كتاب ابن جني هذا هو الأساس، وعندك كذلك "المزهر" للسيوطي، الذي اعتمد على غيره كثيراً كالعادة، وعندك كتاب "فقه اللغة والسر العربية" للثعالبي، لا سيما المجلد الثاني في الطبعة المصرية المحققة، تكلم فيه عن ما يقرب من مائة وجه من وجوه فقه اللغة، لكن العمدة في ذلك هو "الخصائص" لابن جني. هذه وجوه خطيرة جداً يا إخوة، لابد أن تدرسوها، وأنا إن شاء الله بين حين وحين أستدل لكم منها بوجوه نتكلم فيها.

لماذا أنتم تعلمون؟ قلت لكم من قديم، أنا من طريقتي مثلاً عندي كتاب "منتهى الطلب" وعليه حاشية، لأنني أقف فيها على وجوه البيان، فكنت أستشكل كثيراً من الوجوه في القراءات الأولى قبل سنين، بعد ذلك لما أغرقت أكثر في مصنفات فقه اللغة، وأنا طبعاً هذه الفقه قرأتها مرة أو مرتين قديماً.

بعضها مرة، بعضها مرتين، هكذا فأنا محيط بعلقه بذهني، لكن أدخلتها في برنامج التشبع. لابد لكل باب وكل مسألة أن تكون منها على تذكر، وأنت تتعامل مع الشعر الفحل؛ لأنه قد يكون شعراً فحولاً يكون هنا تاماً، وقد يكون شعراً فحولاً وأنت تستضعفه لأنك لا تفهم الوجه البلاغي الذي فيه، أو وجه فقه اللغة الذي ارتكبه صاحبه، وهذه خطيرة جداً.

أنت عندك مثلاً ما يعرف بالتوهيم، وما يعرف بالتضمين، والقرابة بينهما. خلاص، ما منعك إلا تسجد لما خلقت بيدي التي تعلق بها؟ هذا الأعجمي العي الملحد الذي رددت عليه الفترة الماضية قال: "يعني إيه ما منعك إلا تسجد؟". لم يدرِ بما يسمى بوجه التوهيم؛ فمنعك فيه معنى صيرك، والذي جعله بمعنى صيرك هو السياق، طبعاً هو نفسه "ألا تسجد"، لأن في صيغة "ما منعك أن تسجد" و"ألا تسجد" فإني جئت بالصيغتين في مجلس، وأجبت عن الـ... سأرسل لكم المجلس، هذا مهم جداً.

وجئت بالقصة من الأول، كيف سردت في كل موضع ولماذا؟ هنا: ﴿ما مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [طه: 116]. ولماذا هناك: ﴿ما مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لَمَّا خَلَقْتُكَ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]؟ هنا "إذ أمرتك"، وجئت بالسياقين، ولماذا هول الموقف هنا؟ وكانت كلمة "منعك" مضمنة معنى "صيرك".

هذه أصعب في التصور من: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63]؛ لأن السبب في التضمين الظاهر وهو التعدية بالحرف، لفعل يتعدى بنفسه. لأن أصلها "يخالفون أمره"، فالتعدية بحرف الجر تجعلك تبحث في كلمة "يخالفون" عن معنى قريب منها لا يتعدى بنفسه، وهو "ينصرفون"؛ لا يتعدى بنفسه، "ينصرف عنه"، فأصبح المعنى: يخالفون منصرفين غير مذعنين. لكن هنا "ما منعك" لن تفهمها إلا بإرهاف حس في السياق القرآني، وهذا ما أثبتت به عجمة هذا الإنسان.

لكن كان في صدري حرج، وأنت تعرف ما هو؟ وأنا أثبت وأقول له: "أنت أعجمي عيي في هذا ولا تفهم القرآن"، كنت أعلم أن نفس كلامي يتوجه لجمهور المسلمين، وأنهم لا يفهمون كيف ضُمِّن معنى التصيرير؛ يعني ما صيرك في غير ما صيرك؟ "ألا تسجد" يعني ما صيرك في عدم السجود؟ "ما منعك" فصيرك غير ساجد.

شوف الكلام هذا، أنت محتاج تفهمها وتحتاج بعد ذلك إرهاف حس لغوي علشان تقدر تستحضر المعنى دون إشكال. هذا جمهور، ليس فقط حتى لا أظلم هذا الملحد، جمهور المسلمين لا يستوعبون هذا أصلاً، ودفاعاتهم كانت ضعيفة جداً. فالقضية يا إخوة بعيدة وصعبة، وأمامنا أشياء كثيرة.

وأنا على مدى سنين يتبين لي في الشعر من خلال النظر في فقه اللغة، وما زالت هناك وجوه في فقه اللغة لم تدون في الكتب وجدتها في "منتهى الطلب" في القصائد، طبعاً "منتهى الطلب" شامل المفضلات، والأصمعيات، وجمهرة المختارات لابن ميمون. فما زال في الشعر وجوه من فقه اللغة تجعلنا نحط جداً في النقد. ولا تخجل إذا جاءك شخص من الناس وعرض لك أبياته، أن تقول: "أحتاج إلى وقت حتى أنظر في أبياتك"، حتى لو هو شعر من نفسه، فإني سأعتبرها مهمة لأنني أخاف أن أخطئ، وربما أنت أصبت وجهاً بشعورك هذا بفطرتك.

نعم، طيب. قال أخونا قحطان حتى أكد لي وقطع البيت المنسرح: "إذا يا إخوة فصل الشطرين غير صحيح في نسخة محمود شاكر رحمه الله". بمناسبة الأستاذ محمود شاكر رحمه الله، طبعاً حصل هذا أظن في غير هذا الموضع من الكتاب. الأستاذ محمود شاكر رحمه الله لم يكن محيطاً بعلم العروض التقعيدي أو التقريري.

وكان له تلميذ هو الحساني حسن عبد الله رحمه الله، وهو الشاعر المصري، وكان من تلامذة العقاد، آخر تلامذة العقاد كان على وجه الأرض، وأنا زرته في عام 2015 ربما مرات لا أذكر، وهو رجل كريم وطيب جداً، وكانت له خلوة يجلس في مكان هكذا في دار هكذا، وكنت أجلس معه وكان غيري كذلك يذهب ويجلس معه في هذا المكان. المهم، محمود شاكر كان يذكره وذكره في صدر كتابه: "نمط صعب ونمط مخيف"، كان يعلم أن هذا الشخص متمكن في العروض، وهو الذي حقق كتاب "الكافي في علمي العروض والقوافي"، والنسخة المعتمدة التي معنا هو الذي حققها. الحساني حسن عبد الله كان قوياً جداً في العروض محيطاً به، وكان يعلم ضعف أستاذه في هذا.

فمحمود شاكر يقول: "وأنا أخشى أن أتكلم في العروض، فيشاغبني هذا الذي أخشاه"، وهو من تلامذته. وأنا حين جلست معه، يعترف بأن محمود شاكر عملاق، شخص لا مثله أحد، فيقول لي: "يشاغبني في علم العروض" وهو صامت دائماً، ولكن صمته هادئ. فكان محمود شاكر يصرح بأنه يخشى منه إذا ناقشه في العروض ويتضايق، ولكن كان محمود شاكر يتصل به يسأله عن وزن بعض الأبيات. تخيلوا يسأله عن وزنها وعن صحة هذا الوزن من عدمه! هم حكوا هذا وهو نفسه حكى هذا، كان يتصل يسألني عن الأبيات، وهذا دأب العلماء يا إخوة؛ فلعل هذا من ذلك، لأن التقطيع هنا مسؤولية المؤلف أو المحقق، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به، آمين.

قال: "فتراه نظيراً لبيت زياد: أصبح في قيد السماحة والمجد وفضل الصلاح والحسب". خذ بالك يا عقيل يا ولدي؛ الصفات مذكورة، وإثبات الصفة هي التي وقعت الكناية عنها. انسَ الكناية عن الصفة الآن، أنا الآن أثبت الصفة؛ بدل ما أقول هذا ثابت له، أو آتي بصيغة مبتدأ وخبر مباشرة، لا، أنا أعمل كناية عن إثبات الصفة. فالصفة مذكورة، معنىً مصرح بها، لكنها كناية عن إثباتها.

يا مولانا، هل من هذا الباب ما يذكر في الرسالة عادة؟ مثلاً عندما يقال: "ما ماتت السماحة ومات الندى" أو "ذهب الندى" أو كذا بهذا المعنى، لا أستحضر مثالاً معيناً، لكن هل هذا منه أيضاً؟ دعنا نأتي الآن إن شاء الله.

سأتي ببيت للبحتوري، وأريدك هناك تطبيق. سيأتي معنا لأن سيأتي ببيت من لامية البحتوري، والبيت الذي بعدها سيكون مثل هذا.

الذي تذكره الآن ليس من هذا الباب: «ماتت السماحة ومات الندى»؛ لا، ليس من هذا الباب، إنه يثبت كذا. أنت تلاحظ أنه أثبت الموتى وهو مجاز، إثبات مجاز. لماذا للسماحة والندى؟ لا يظهر لي أنه من هذا الباب، وكان يحتاج مني إلى تأمل زائد. يعني «ماتت السماحة»، والله ممكن أن يكون منه صحيح، ماتت السماحة؛ لأنه أرسل في هذا البيت قال: «أصبح في قيدك»، يعني كأنه يقول له: قيدت السماحة والمجد. هذا منه «ماتت السماحة ومات الندى»، فأنت تجعلها صحيحة، وهذا كلام أبي تمام في المرثية كذلك.

إيوه صحيح، «ماتت السماحة ومات الندى»، وأنت تخبر عن موت إنسان، فأنت تثبت أنه يتصف بكل الندى وبكل هذا، منه. أحسنت، أنا أرجع عما قلته من النفي، هذا منه، لأنك تثبت بذلك. شوف بدأت تتضح الأمور بسهولة، أنت تثبت ذلك له، فجعلت موته موتاً لهذه الأشياء، فتركت التصريح بموته وصرحت بموت الأشياء، فأثبت بالكناية، بالطريقة، بالإشارة إلى أن هذا الذي مات، إذا كان بموته تموت هذه الصفات، فهو متصف بكل ما حوته هذه الصفات. شفت الكناية عاملة إزاي؟ أخذت بالك؟

يلا بسم الله. قال: «فتراه ناظراً لبيت زياد»، وتعلم أن مكان القيد ها هنا هو مكان القبة هناك. شوف، لم يكن عن كونه سمحاً، لم يكن كنى به أو لم تكن كنايته لم يكن عن كونه سمحاً، بل كنى عن الإثبات. لم يقل أنت سمح مثلاً، أو أنت يمنك العدو. أنت لو قلت للإنسان: «أنت يمنك العدو»، هذه تشبه «مهزول الفصيل وكثير الرماد»، صح؟ «يمنك العدو» وأنت تريد صفة السماحة، هو هنا أثبت السماحة خلاص، «أصبح في قيدك السماحة»، كأنها مقيدة في قيدك، يعني هي لا تفارقك. وكما ذكرت الآن «ماتت السماحة ومات الندى» وهكذا، فإذا كانت السماحة تموت بموت فلان، ففلان قد حواها جميعاً. شوف الاستدلال، مرحلة استدلال. نعم، لكن لو قلت «أنت يمنك العدو»، مستحيل تذكر السماحة، مستحيل؛ لأن أنت تريد الرمي إلى السماحة.

طيب، كما أنك تنظر إلى قوله «جبان الكلب»، أهو من النوع الأول يا عقيل؟ من النوع الأول؟ إيوه، كما أنك تنظر إلى قوله «جبان الكلب»، فتعلم أنه نظير لقوله: «زجرت كلابي أن يهر عقورها». هذا على الطويل: «زجرت كلابي أن يهر عقورها». شوف، «زجرت كلابي أن يهر عقورها» من حيث لم يكن ذلك الجبن إلا لأن دام منه الزجر واستمر حتى أخرج الكلب بذلك عما هو عادته من الهير والنبح في وجه من يدنو من دار هو مرصد لأن يعس دونها، يعني أن الكلب مرصد لأن يعس دون الدار، يعني يطوف بها ليلاً ويحرسها. نعم، فهي من نفس الباب. يعني أنت تقول فلان «جبان الكلب»، طيب لو قلت «زجرت كلابي أن يهر عقورها»، أنت جعلت زجر الكلاب دليلاً على استقبال الضياف وكذا، فهذا من الثاني من الكناية في الإثبات، والأول من الكناية في الصفة.

كناية عن الصفة. طيب، قال: «وتنظر إلى قوله مهزول الفصيل»، فتعلم أنه نظير قول ابن هُرثلة: «لا أمتع العوذ بالفصال». هنا طبعاً لابد من «ولا»، تمام، شاطر، المنسرح: «لا أمتع العوذ بالفصال». لكن هو أتى بالشاهد فقط: «لا أمتع العوذ بالفصال». قال: «وتنظر إلى قوله مهزول الفصيل فتعلم أنه نظير قول ابن هُرثلة: لا أمتع العوذ بالفصال». طيب، «لا أمتع العوذ بالفصال» في الإثبات أم في الصفة؟ «لا أمتع العوذ بالفصال» يعني لا أجعل العوذ تنتفع أو تتمتع بصحبة الفصال، «لا أمتع العوذ بالفصال» وليس «مهزول الفصيل»، هذا في الإثبات. «لا أمتع العوذ بالفصال» هو ذكر أنه لا يمتع العوذ بالفصال، إنما نظماً في الصفة «مهزول الفصيل».

«وتنظر إلى قوله مهزول الفصيل»، وتنظر إلى قول نصيب: «أفضل يا حميري». هو هنا يقصد الصفة نفسها، لا يقصد الإثبات. عندما يقول «لا أمتع العوذ بالفصال» هو كأنه يشرح كلمة «مهزول الفصيل»، يعني لماذا أصبح الفصيل هكذا؟ هذا يقول «لا أمتع العوذ بالفصال»، هو يريد من ذلك أنه ينحرها وأنه كريم. طيب، إذاً هذا في الإثبات؟ لا، هذا في الصفة، هذه كناية عن الصفة وليس في، يعني ليس من نوع «أصبح في قيدك السماحة والمجد»، ليس منها.

أطلب التأمل. لا، فيما يظهر لا، من النوع الأول. «لا أمتع العوذ بالفصال» هذا أيضاً مذكور هناك، صح، ذكره هناك، وسيأتي لحظة 69. نعم، هو: «لا أمتع العوذ بالفصال ولا أتباع إلا قريبه الأجل». انتبه، لأنه هو هنا يتكلم في ماذا؟ يتكلم في نوع، يتكلم في المناسبة بين الاثنين؛ لأنه سيتحدث بعد ذلك عن شيء قلت لكم إنه سيُطيل الكلام فيه، مع أنه واضح، يقول لك: لا يشترط في الكنايات عن شيء واحد أن تكون الكنايات متناسبة، لكن هو هنا ذكر كنايات من نفس النوع وهو الأول، وذكرها متناسبة: «لا أمتع العوذ بالفصال» و«مهزول الفصيل».

ومن قبل كان يتكلم عن ماذا؟ ربما يأتي بأنواع من الأول والثاني. خلاص، هو هذا. وكما هو ذكر نوعاً أولاً، «أصبح في قيدك السماحة»، هذا نظير بيت زياد. إذا أتى بالثاني مع الثاني، صح؟ لحظة، أتى بنوع ثاني مع ثاني، «زجرت كلابي أن يهر عقورها»، ربما إذا أتى بالأول مع الأول، «مهزول الفصيل» مع «لا أمتع العوذ»، أول مع أول، صحيح؟ قل يا محمد معك.

نعم، هو هذا ما يريده، هو يريد أن يقول: كما أن من شأن الكناية الواقعة أن تأتي على صور مختلفة، هو الآن أتى بالنوع الأول وأتى بصوره المختلفة، ثم باثنين من النوع الأول، ثم باثنين من النوع الأول. نعم، هو كأنه يريد أن يقول لك: كما أن الصور تختلف في النوع الأول، هي كذلك تختلف في النوع الثاني. وجاء بأمثلة. لكن انتقل: «كما أنك تنظر»، شوف، صفة كذا، كما كان ذلك في، كان تفسير هذا أنك تنظر إلى قول يزيد بن الحكم من النوع الثاني، كما أنك تنظر إلى قول «جبان الكلب» من النوع الأول، صحيح؟ يبقى إذا «زجرت كلابي».

أن يهر عقورها، هذا من الأول، أنا سهوت عن هذا يا إخوة. هذا من النوع الأول مع جبان الكلب من الأول، مهزول الفصيل، لا أمتع العوذ، هذا أيضًا بالعكس، هذا أيضًا مذكور من قبل، هذا أيضًا من النوع الأول، فهو يتحدث هنا عن المناسبة بين الاثنين وسياتي الكلام فيها.

هذه من المشكلات التي وقعت لي في أول دراستي لهذا الكتاب، تعرفون في ماذا؟ إنني شعرت أنه أطال في إثبات شيء هو واضح وظاهر. بالضبط، هو أطال في ذكر أشياء هي واضحة؛ يعني هو يقول لك: الكنايات منها ما يتناسب ومنها ما لا يتناسب، يعني ممكن يأتي بكناية من بعيد وكناية من مكان آخر بعيد عنها تمامًا، والمكنى عنه واحد، لكن هنا يذكر مثالًا للتناسب. دعنا بسرعة نصل إليها.

قال: وتنظر إلى قول نصيب هذا على المتقارب: «لعبد العزيز على قومه وغيرهم منن ظاهره، فبابك أسهل أبوابهم، ودارك ماهولة، عامرة، وكلبك أنس بالزائرين». فتعلم أنه من قول الآخر: «يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً، يكلمه من حبه وهو أعجم». الكلب مبالغته صعبة! يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلاً يكلمه من حبه وهو أعجم.

قال: وإن بينهما قرابة شديدة ونسبًا لاصقًا، وإن صورتهما في فرط التناسب صورة بيتي زياد ويزيد. يعني في النوع الثاني إذا هو أتى بالتناسب بينما هو واقع في أفراد النوع الثاني، وبالتناسب بينما هو واقع في أفراد النوع الأول. إذا يا إخوة، أنبه؛ وقع مني سهو لما قلت إنه يأتي بالأول وبالثاني، هذا سهو. ربما اخترت معي في مواضع أخرى من الكتاب هذا السهو.

النوعان الأولان، أو بيت زياد وبيت يزيد بن الحكم، هذان من النوع الثاني، يقيسهما أو يقيس عليهما مكانًا في النوع الأول. بعد ذلك: «زجرت كلابي أن يهر عقورها»، وجبان الكلب كلاهما من النوع الأول، وكذلك مهزول الفصيل ولا أمتع العوذ بالفصال من النوع الأول، وكذلك أبيات قول نصيب على المتقارب وقول الآخر هو إبراهيم بن هرمة، كذلك من النوع الأول.

قال: وإن بينهما قرابة شديدة ونسبًا لاصقًا، وإن صورتهما في فرط التناسب صورة بيتي زياد ويزيد. قال: ومما هو إثبات للصفة على طريق الكناية والتعريض، إثبات الصفة وليس كناية عن نفس الصفة؛ يعني من نفس الباب الذي معنى: «والمجد بين ثوبيه والكرم في برديه». وذلك أن قائل هذا يتوصل إلى إثبات المجد، وهذا يشبه بيت زياد؛ وذلك أن قائل هذا يتوصل إلى إثبات المجد والكرم للممدوح بأن يجعلهما في ثوبه الذي يلبسه، كما توصل زياد إلى إثبات السماحة والمروءة والندى لابن الحشر بجعلها في القبة التي هو جالس فيها.

ومن ذلك قوله: «وحيثما يكن امرؤ صالح فكن»، هذا على البسيط. قال: وما جاء في معناه من قوله: «يصير أبان قرين السماحة والمكرمات معًا حيث صار». وقول أبي نواس: «فما جازه جود ولا حل دونه، ولكن يصير الجود حيث يصير». يعني أنت بعد كل هذا يا حميد وتسال: ماتت السماحة أو مات السماحة والندى؟ منها وما هي منها؟

قال: كل ذلك توصل إلى إثبات الصفة في الممدوح بإثباتها في المكان الذي يكون فيه، وإلى لزومها له بلزومها الموضع الذي يحل فيه. في الأمثال السابقة وضحت، وهذا كله طبعًا متناسب مع بعضه. وهكذا إن اعتبرت قول الشنفري يصف امرأة بالعفة: «يبيت بمنجاه، والفتى الذي نسبت قريش»، فصار المجد منها حيث صار. هو الرجل الذي نسبت قريش، فصار المجد منها حيث صار.

نفس الباب، طبعًا وهو هنا يذكر أشياء يقصد بها التناسب في الكنايات. يقول: كل ذلك توصل إلى إثبات الصفة في الممدوح بإثباتها في المكان الذي يكون فيه؛ هذا هو المعنى، يعني المعنى عن الكناية المشترك بين هذه الكنايات جميعًا هو إثباتها في المكان الذي يكون فيه، وإلى لزومها له بلزومها الموضع الذي يحل فيه.

وهكذا إن اعتبرت قول الشنفري يصف امرأة بالعفة: «يبيت بمنجاه من اللؤم بيتها»، وجدته يدخل في معنى بيت زياد، الذي هو قضية الحلول في المكان؛ وذلك أنه توصل إلى نفي اللؤم عنها وإبعادها عنه بأن نفاه عن بيتها وأبعد بينه وبينها، يعني بين البيت وبين اللؤم. وكان مذهبه في ذلك مذهب زياد في التوصل إلى جعل السماحة والمروءة والندى في ابن الحشر بأن جعلها في القبة المضروبة عليه. وإنما الفرق أن هذا ينفي وذاك يثبت، وذلك فرق لا في موضع الجمع، أي لا يمنع أن يكون من نصاب واحد.

وهذا هنا يا إخوة تستفيدون شيئًا: أن تنتبهوا إلى أن بعض الفروق لا تؤثر، أي لا تكون على رأس المسألة. وكثير من كثيف الطبع، وهذا وجدته حتى في العلوم الشرعية، كثير من كثيف الطبع لا ينتبهون إلى انفكاك الجهة وتباين الجهات، فيخرجون ما هو داخل أو يفرقون بين ما لا يتفرق بفروق لا تأثير لها؛ هؤلاء فهمهم كثيف جدًا. يعني أنا كنت في الأزهر حنفيًا فأتي أقول له: طيب ماذا سيكون لو يقول هذا لا يقع؟ يصح أن تفترض أنه واقع لأنه منفك الجهة عن مسألتنا، افرض أنه وقع، حصل. يعني مثلاً الحنفية طرح قديم المسألة: ماذا لو صلى في السماء على أرجوحة ليست مثبتة في الأرض ولا معلقة في السماء؟ طبعًا فضلها عن أنها صارت طائرة.

المسألة متعلقة بماذا؟ هل لا بد أن تكون الصلاة مرتبطة بجنس الأرض؟ هذه المسألة، فماذا لو صلى على أرجوحة ليست معلقة في السماء ولا مثبتة في الأرض؟ المسألة متعلقة فقط لو صلى كذا تصح صلاته أو لا؛ لأنها لو صحت مع الافتراض الذهني للصورة، لن يكون مرتبطًا بالأرض خلاص.

فهذه طبعا هناك كما قلت كثيف الطبع الذين لا يتصورون هذه الافتراضات، فيأتي ويقول لك هنا لكن بيت الشنفري ينفي فيه، ما فيش فرق، هذا ليس في موضع الجمع، ليس موضع قضيتنا، والنظر في الكناية في الأبيات ليس هذا الموضع، الإثبات والنفي لا يتعلق.

طيب، قال: «ومما هو في حكم المناسب لبيت زياد»، شوف المناسب: «ومما هو في حكم المناسب لبيت زياد وأمثاله التي ذكرت، وإن كان قد أخرج في صورة أغرب وأبدع، قول حسان رضي الله عنه: هذا على الطويل: بني المجد بيتا فاستقرت عماده، علينا فاعي الناس أن يتحولا». بني المجد بيتا فاستقرت عماده، علينا فاعي الناس أن يتحولا. وقول البحتري: «أوما رأيت المجد ألقى رحله، في آل طلحة ثم لم يتحولي؟».

قال ذاك لأن مدار الأمر على أنه جعل المجد الممدوح في مكان، وجعله يكون حيث يكون، أوما رأيت المجد ألقى رحله في آل طلحة، خلاص فالمجد في آل طلحة. طيب، هنا البيت واضح، وهنا مثاقفة جيدة يا إخوة. هل من هذا الباب قول البحتري في البيت التالي في القصيدة لهذا البيت؟ هذه من القصيدة، احفظها للبحتري وأحبها جدًا: «ضيف لهم يقري الضيوف، ونازل متكفل عنهم ببر النزال». هل هذا من باب الكناية في الإثبات؟ ضيف لهم يقري الضيوف، ونازل متكفل عنهم ببر النزال، هل هو من هذا الباب؟

تفضل يا حمي، أراه من الباب الذي يقترب من الباب الأول أكثر، أعلم، لكن هذا ما ظهر لي هو لصفة نفسها، يعني عن صفة الكرم. يعني هذا لو كان كناية فسيكون كقول امرئ القيس: «نقوم الضحى لم تنطق عن تفضله»، مثلا، أو من باب... نعم، أو من باب... وطبعًا يمكن أن تختلف الأنظار بالمناسبة؛ هل هذه كناية ولا تلويح ولا إشارة ولا كذا؟ لأن كل هذا من باب الإشارة والكناية، ومن الإشارة كما قسمها ابن رشيق.

لكن مثلا أن يكون من باب «القاصرات الطرف» وأنه أراد من قصور الطرف ما هو أبعد، أنا هذا عندي من الكناية، أن القاصرات الطرف هن المنعمات في البيوت، خلاص، «والراقدات ذيول الربرق، أنقها برد الهواجر كالغزلان بالجرد». فالقاصرات الطرف أراد بها قصور الطرف كما أراد صاحبنا الرماد، وأراد ما هو أبعد وهو الرفاهية كما أراد صاحبنا الكرم وكثرة الطبخ وكذا، بدليل أن امرأ القيس بنى بعدها المعنى عليه، ولولا هذه الكناية لمصح البيت؛ لأنه قال ماذا؟ «من القاصرات الطرف لو دب محمول من الذر فوق الأثب منها لأثرت». وهذه صفة ماذا؟ هذه صفة المنعمة التي لا تخدم، فما علاقتها بقصور الطرف؟ علاقتها علاقة الكناية بالمكنى عنه، يعني قصور الطرف كناية عن... وهي أيضًا صحيحة في ذاتها، لكن كناية عن ماذا؟ عن مكثها في البيوت وأنها من بنات السرات المنعمات.

فبنى بعد ذلك صريحًا على هذه الكناية فقال: «من القاصرات الطرف لو دب محمول من الذر فوق الأثب منها لأثرت». هذه كناية يا إخوة؛ الكناية بيسر وسهولة أن يذكر شيئًا ولا يقف عنده، يريد بها أن تكون دليلاً على شيء آخر كي به فكان دليلاً. وقصور الطرف على أنه يطلب لذاته وحسن، لكن في سياق معين كما في دلالة البيت بعد ذلك، يراد به ما دل عليه أكثر، ما دل عليه.

طيب، فهنا قوله «ضيف لهم» لا يبدو لي من هذا الباب الذي هو الإثبات؛ لأن الذي بصدده عبد القاهر هنا هو كناية عن الكناية عن طريق الإثبات، طريق إثبات المعنى للمثبت له: «تحت خيمة المجد»، شوف: «تحت خيمة المجد في البردين كرم»، المجد ألقى رحله. أما هذا البيت الثاني: «ضيف لهم يقري الضيوف»، فيه إثبات مستقل يلزم منه إثبات آخر، يعني هو فعلاً ضيف لهم يقري الضيوف، لكن يرمي به إلى شيء آخر، لم يتحايل لإثبات الشيء الآخر نفسه، هو أثبت شيئًا فعلاً، كما أن الذي قال كثير الرماد لم يتحايل لإثبات الأمر الآخر بطريقة مباشرة للشيء الآخر، يعني كناية على الإثبات للصفة فيذكر الصفة غالبًا، لا، هو أثبت شيئًا قصده حقيقة لذاته وهذا الشيء لزم منه شيء آخر، فهو أثنى عن الصفة.

كذلك هنا لما يكون ضيف لهم يقري الضيوف، فكنى كذلك، فيه استدلال، كلاهما فيه استدلال، لأن الاستدلال مرتبط بالكناية، بس استدلال في الطريق ولا استدلال للصفة نفسها؟ فكذلك «ضيف لهم يقري الضيوف»، هو فعلاً مقصود ككثرة الرماد، وهذا الذي يقري يدل على أنهم هم أصحاب كرم، وأنهم أعطوه، وأنهم مكث عندهم وفي كرمهم إلى أن نسي أنه ليس ضيفًا وصار من ينزل هو الذي يقريهم، من ينزل بهم هو الذي يعطيهم، فاعتاد أن المال له، «ونازل متكفل عنهم ببر النزال».

شوف بقى، نعم، أنا ممكن أتوقف... عندك امتحان؟ لا طبعًا، تفضل، خلاص نكتفي يا إخوة ونكمل غدًا إن شاء الله، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.