دخولتسجيل الدخول

الدرس 47 - من صفحة 300 إلى صفحة 305

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لوجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لن نحصي عليك كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا السابع والأربعين من مجالسنا في شرح كتاب "دلائل الإعجاز" للشيخ الإمام شيخ البلاغيين أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه. توقفنا في الصفحة 300، وما زال كلامنا فيه عن المجاز الحكمي الذي يعرف بالمجاز الإسنادي والمجاز العقلي، بعد ذلك عرفنا الوجه في تسمية عبد القاهر إياه بالمجاز الحكمي، وهو أن موضع المجاز الحكم وليس المحكوم له.

يقول بعد ذلك في الفقرة الثامنة بعد الـ 300: «ومما طريق المجاز فيه الحكم قول الخنساء». ومما طريق المجاز فيه الحكم سترونه هنا. ينبه إلى شيء قد يشتبه، وسنرى في هذه المسألة أيها الإخوة شيئاً مهماً جداً، وهو اختيار الوجه الذي يحقق بلاغة الكلام؛ إذا احتمل الكلام وجهين يختار الوجه المناسب الذي يحقق بلاغة الكلام.

وهذا يؤكد ما نبهت إليه مرارا من أن مطلق الاحتمال لا يطابق سوء الاشتراك. سوء الاشتراك يأتي حين تتساوى وجوه التفسير وتتزاحم وتتدافع فيحصل هنا اضطراب في وصول المعنى المراد. وحتى إنني استعملت هذه القاعدة في سوء الاشتراك لما شرحناها من كتاب "العمدة"، استعملتها في دفع الكلام العاطفي السخيف الفضفاض الذي يقوله البعض حين يقول: من جمال الشعر أن تتزاحم فيه المعاني وأن تختلف فيه الفهوم، وأن يرى الإنسان أنه يحتمل أكثر من معنى لا يستطيع ترجيح معنى على آخر؛ هذا من ثراء الشعر! لا، هذا من عي البيان، وهذا يسمى سوء الاشتراك.

وقفنا على أمثلة من ذلك، أما في مثل هذه المسألة فسنرى كيف أنه يرجح وجهاً على وجه آخر إذا تحقق بهذا الوجه المرجح بلاغة الكلام ليكون على قدر شرف المعنى. وسنعلم أن بعض التفسيرات لا تتأتى في الشعر لأنها تسقط شعريته، هذا سيأتي في هذا المثال واضحاً. أحياناً تقول هذا التفسير خطأ لأنه يسقط الشعر، سيقول أحدهم: ما هو المعنى محتمل؟ يا أخي وهناك معنى آخر أقرب! خلاص، بعض التفسيرات لا تتأتى في الشعر لأنه يسقط شعرية النص، مثل الذي نجده كثيراً في شروح النحاة واللغويين.

مثلاً يأتي شخص من الفقهاء -وقد حصل هذا بالمناسبة من بعض الفقهاء المتقدمين- يقول مثلاً لما قال كعب بن زهير: بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ ... متيمٌ أثرها لم يفد مقبولُ ثم ذكر ريقها وأنه مازجه الخمر الراح، وقال: هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة ... لا يشتكى قصرٌ منها ولا طولُ كيف يصف أجنبية هذا الوصف؟ فبعض الفقهاء قال: هذا لأن سعاد كانت زوجته، فإذاً هو لم يخطئ أمام النبي ﷺ حين قال هذا. طبعاً فضلاً عن أن هذا خطأ أيضاً، وخطأ أبشع وأقبح بكثير، وقد تكلم على هذا بعض الشراح.

لكن بقطع النظر عن هذا، سيأتي شخص يقول: ولماذا لا تكون سعاد زوجته؟ هل يمتنع النص عن أن تكون سعاد زوجته؟ نقول له: من جهة أصل اللغة لا يمتنع، لكن من جهة مرادات الشعراء نعلم أن الشعراء لا يتقيدون بالزوجات. لا يمتنع في ظاهر النص وحرفيته أن تكون سعاد زوجته، لكنه تفسير كليل وسخيف وبعيد وإن احتمله النص من حيث الأصل.

كذلك قول كثير عزة: ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوباً إذا صليتما حيث صليتما فياtl البعض من الفقهاء أو ممن يتحرجون لكثير عزة فيقول: كيف يدعي ذلك؟ هذا كلام من لا يفهم الشعر ولا ما هو الشعر، وإن كل هذا جائز في عرف الشعراء. كيف يدعي لها وكأنهم لا يعرفون أن الشعر تخييل وليس تحقيقاً؟ الشعر تخييل وليس تحقيقاً. يعني لما يقول: «ولا تيأس أن يمحو الله عنكما ذنوباً إذا صليتما حيث صليتما»، فهو لا يدعي أنه لو صلى في هذا الموضع، أو لو أن أصحابه صلوا في هذا الموضع، أو أن صاحبيه صليا في هذا الموضع، أنه ستغفر لهما الذنوب وكذا وكذا، أو تمحى الذنوب. فيأتي ويقول: كيف ذلك؟ فيقولون: عزة كانت تسكن مكة أو المدينة أو نحو ذلك، من الأماكن التي لها تخصيص أو خصوصية شرعية ثابتة بالسنة الكريمة. شكراً، جزاك الله خيراً، لقد أفسدت الشعر وأسقطت الكلام، وهذا كلام بليد.

ومثل هذا أيضاً الذي يقول في قول المتنبي: يترشفن من فم رشفات هن فيه أحلى من التوحيد يقول: التوحيد نوع من التمر، هناك تمر في العراق يسمى التمر التوحيدي شديد الحلاوة وكذا. وهذا كلام بارد، من بارد! وصفه بذلك الشيخ السقاف في "العود الهندي": من قال هذا؟ هذا كلامه بارد، إنسان بارد. نشعر بالغيظ تجاه من يقول هذا الكلام.

كذلك قول الشاعر الأندلسي -وأظنه ابن هناء الأندلسي- لما قال: ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى ... لما كنت أدري عله للتيمم كيف ذلك؟ يا أخي هو الشاعر يرى ذلك، الشاعر وصل إلى ذلك ويرى ذلك، فيبحثون عن تخطئة أو عن مخرج للشاعر، وهذا سخيف، ومع أن هذا ليس مما بحث فيه، لكن استطراداً أقول هذا استطراداً.

أهلاً يا عبد الحق، أقول هذا استطراداً، وعليكم السلام يا حبيبي ورحمة الله وبركاته. أقول هذا استطراداً مع طريقة تفكير بعض الفقهاء ممن جهل الشعر أو ممن اشتغل بالعلوم ولم يشتغل بالشعر؛ هذه طريقة تفكيرهم، يخطئون وكذا وكذا. حتى وجدت في عصرنا بعض الذين يتظاهرون بالتدين الشديد، وكل أخلاقهم وأفعالهم تدل على خلاف ذلك، لما سمع قول المجنون أو لما نشرت أبيات المجنون: إذا الحجاج لم يقفوا بليلى ... فلست أرى للحج تماماً تمام الحج أن تقف المطايا.

مناسك الحج هي كما علمنا إياها رسول الله ﷺ. طبعًا هو لا تخفى طفولته، ولا يخفى استظهاره واستظهار البطولة الدينية أمام البعض، ممن قد يعجب به مع أنها طفولة مكشوفة.

ولهذا أقول، اسمعوا هذا المثال الذي سيذكره عبد القاهر، سنتعلم منه اختيار الوجه الذي يحقق وجه البلاغة وإن احتمل وجهًا آخر. والعلة الوحيدة في دفع وجه هو أن هذا الوجه إن قُبل صار الكلام سخيفًا، وأما الوجه الآخر فهو الألصق بالشعر. هذا هو أيها الإخوة.

وبالمناسبة، هذا كثير جدًا لما تكون اللفظة في الشعر الجاهلي تحتمل معنى معينًا يفهمه المعاصر على وجه معين هو يعرفه، نقول له: لكن هذا الوجه قريب جدًا يسقط الكلام. يقول لك: لكنه يحتمل! نقول له: هل كل ما يحتمل يقبل؟ طبعًا لا، ولكن نحمل الكلام على أترابه، وعلى جنسه، وعلى المراد بجنسه. هنا يكون معنى اللفظ لفظه كذا، حتى في القرآن.

كما قلت، لما يأتي البعض من تجار القرآن، هؤلاء التجار بالتلاوة يأكلون به السحت، يقرأون قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، يقول لك: أنا لم أخطئ! لا أخطأت، أخخطأت، ولكن هذا وجه سخيف بعيد ومخالف لنسق العربية وماء الكلام. فالوجه من حيث الأصل كما قلت محتمل، لكنه مدفوع، والذي يتعين هو الوجه البلاغي أيها الإخوة.

وانتبهوا إلى هذا جيدًا، فهذا الكلام وهذه المقدمة مهمة جدًا، وأوحت بها هذه الفقرة، وفيها فقه لعبد القاهر وفقه في البلاغة، مما لم يستنبطه البعض من كلام عبد القاهر، لم ينتبهوا إلى هذا في كلامه، كما في هذه الفقرة التي شرح فيها بيت الخنساء.

ذكرت مثالًا لم أفهمه، لماذا يقولون ذلك؟ لماذا يقفون عند «لا تشرك»؟ «يا بني لا تشرك» انتهى الكلام، «بالله إن الشرك لظلم عظيم». فهمت؟ قسموا المعنى على المعنى الثاني، وجعلوه قسمًا؛ الجر والمجرور جعلوه قسمًا على ما بعده: «بالله إن الشرك لظلم عظيم».

هذا لم يتبع الجمهور، ما حجته؟ لا، ليس هناك حجة، هو تلاعب قراء، وأنا لذلك ذممتهم وقلت هؤلاء التجار. حتى إن بعضهم بجهل يصل مع الزور أن يحرف في القرآن بالزيادة؛ «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ»، لا يقول: «لله الواحد القهار»، بل يقول مرة أخرى: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ * الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ». فيقول: لم أزد أنا، فقط أعدت الكلام ووصلت. قلت له: لا، بالدليل، أعرب وأظهر التعلقات؛ «الملك اليوم» في العبارة الأولى، و«الملك اليوم» في العبارة الثانية، أعرب وأظهر لي موقع الإعراب من الجملة، والعامل والمعمول في كل من العبارتين، وستعلم أنك زدت صفة جديدة، أو زدت نصًا. والعربي الذي يسمعك سيعلم أنك زدت، لكن هناك من يتلاعب: «يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم»، أو «قرة عين لي ولك لا تقتلوه»، يقول: «قرة عين لي ولك لا تقتلوه».

المتاجرة سيقول لك: هل المعنى الذي قصدت إليه يختل؟ أقول له: من حيث النص، القرآن وكلام العرب وعلى طريقة الكلام المستقيم، لا يختل.

مثال آخر على حمل الكلام على وجه التفسير كما ذكرت؛ التفسير يكون على الوجه الذي يتحقق به جنس الكلام. ترى مثلاً لما يقول: «وأنا امرؤ من خير عبس منصبا .. شطري وأحمي سائري بالمنصلِ»

البعض قد يفهمها: «وأحمي سائري بالمنصل»، أي الذي يتكلم بالسيف، احمي سائري، يعني الذي يقول لي يا حبشي أو يا عبد أو يا أسود، فهذه الجاهلية المعروفة، أنا أضربه بالسيف فإنه يخشى مني لأجل هذا. والحقيقة أن هذا معنى بعيد.

«أحمي سائري بالمنصل»، هناك وسائط وقعت في الكلام، وهو أنه يقول: هذا المنصل، هذا السلاح، أقاتل به فاكتسبت به شرفًا، فهذا الشرف يحمي عرضي؛ فكما أن عرضي حُمي حماية مباشرة بنسبي، وأن شطري هذا الشطر الأول من خير عبس منصبا، فالشطر الثاني حميته بشرفي الذي حققته بالمنصل. هذه بلاغة، ونوع بعد في المعنى بالقياس إلى المعنى المباشر، مع أن النص يحتمل الوجهين، لكن الأول ليس شعريًا.

ودعونا نأخذ في كلام عبد القاهر، يقول: «ومما طريق المجاز فيه الحكم...». استمع إلى ما فات من أول المجلس حتى تعلم السياق. يا عبد الحق، نحن في الدرس، استمع إلى ما فات من هذا المجلس. تذكرتني بعقيل أيضًا، دخل بعد البداية ولم ينتبه.

قال عن قول الخنساء: «ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت .. فإنما هي إقبال وإدبار»، وهذا بحر البسيط. لنكن مع كلام عبد القاهر فقط، بعد ذلك سأعلق. يقول: «وذاك أنها لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما، فتكون قد تجوزت في نفس الكلمة».

السؤال: هل أراد من الإقبال والإدبار غير المعنى؟ لا، أراد نفس الشاعر الإقبال والإدبار. إذًا أين المجاز؟ انظر عند عبد القاهر: «وذاك أنها لم ترد بالإقبال والإدبار غير معناهما، فتكون قد تجوزت في نفس الكلمة، وإنما تجوزت في أن جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر ولغلبه ذاك عليها واتصاله منها، وأنه لم يكن لها حال غيرهما، كأنها قد تجسمت من الإقبال والإدبار».

جعلتها كأنها، وإنما تجوزت في أن جعلتها كأنها قد تجسمت؛ جعلتها لكثرة ما تقبل وتدبر ولغلبة ذاك عليها واتصاله منها، وأنه لم يكن لها حال غيرها، كأنها قد تجسمت من الإقبال والإدبار. وإنما يكون المجاز في نفس الكلمة لو أنها كانت قد استعارت الإقبال والإدبار لمعنى غير معناهما الذي وضع له في اللغة، لكن هذا خلاف الواقع ومعلوم، ليس الاستعارة مما أرادته في شيء، لم تستعر شيئًا.

خلاص، أنا قلت سأعلق على جنب شيء، اجعلوه الآن فقط في الذاكرة حتى لا أشغلكم عن غاية عبد القاهر، وهي ترجيح وجه لأجل طلب البلاغة له وهو المجاز الحكمي. سأقول شيئًا، انتبه يا عبد الحق، سأقول شيئًا اجعله على جنب حتى لا ننشغل عن صلب مراد عبد القاهر، وهو أنه يريد أن يبين لك كيف ترجح وجهًا على وجه إذا اقتضته البلاغة، وكيف تقول هذا مجاز حكمي مع احتمال أن يكون شيئًا آخر، لكن هذا على جنب.

هذا المثال: ألا يكون تشبيهًا بليغًا؟ هي إقبال وإدبار؛ لأن المشبه موجود، إذا كان المشبه موجودًا، ألا يكون تشبيهًا بليغًا؟ هذا هو، ألا يكون تشبيهًا بليغًا، فإنما هي إقبال وإدبار. لما تقول زيد أسد، أنت ذكرت "هو أسد"، لقيت زيدًا فوجدته أسدًا، أو فقلت هو أسد، هو ضمير يعود على زيد، يعني هو مذكور جدًا، مذكور بقوة الضمير، فالمشبه موجود، "أسد" هذا تشبيه بليغ.

وعبد القاهر هو الذي قال هذا تشبيه بليغ؛ لأن الذين سبقوه، ومنهم عبد الله بن المعتز كما درست في كتاب البديع، يعتبرون ذلك استعارة. القدماء يعدون هذا من الاستعارة، لكن عبد القاهر قال: لا، هذا ذكر فيه المشبه وفقط واستغني عن الأداة لقوة التشبيه، فهذا يكون تشبيهًا بليغًا. فقوله: «فإنما هي إقبال وإدبار»، هذا المثال بعينه قد يكون تشبيهًا بليغًا.

يعني أن يكون «هي إقبال»، يقول الناقة صارت إقبالًا وإدبارًا، حتى إذا نظرت إلى الناقة فأنت لا تريد أن ترى ناقة، بل كأنك ترى إقبالًا وإدبارًا، لا تقول إنها كالإقبال، حتى لو أظهرنا العلامة: «هي كالإقبال والإدبار»، فبالغت جدًا؛ يعني هي عين الإقبال والإدبار. نحن في كل هذا نتفق مع عبد القاهر في أن الإقبال والإدبار هو عينه، لم نستعره، ليس مجازًا، هو عينه لا يراد لشيء آخر. فبدلًا من أن تقول هي كأنها صارت في نفسها إقبالًا وإدبارًا، فيكون تشبيهًا غير بليغ بالأداة، فقلت هي صارت عينها إقبالًا وإدبارًا، «فإنما هي إقبال وإدبار». هذا في المثال لا في القضية الرئيسة، اجعلوها على جنب وادرسوها على قانون التشبيه، وبعد ذلك يكون لكل رأي وجه.

نعم، قال: «واعلم أن ليس بالوجه أن يعد هذا على الإطلاق معد ما حذف منه المضاف». ينبه هنا عبد القاهر إلى أن البعض قد يفسر ذلك من باب ما حذف منه الكلام، وهذا خطأ وقع فيه بعض الرواة. رواه الشعر منهم أبو زيد القرشي يقول: «واعلم أن ليس بالوجه أن يعد هذا على الإطلاق معد ما حذف منه المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه»، مثل قوله عز وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾.

وقع في هذا الخطأ أيها الإخوة أبو زيد القرشي، في مقدمة جمهره أشعار العرب. دعونا ننظر ماذا قال أبو زيد القرشي، انظروا يا إخوة، هذا كتاب جمهره أشعار العرب لأبي زيد القرشي، وفي مقدمته الكلام الذي سبق القصائد، له مقدمة طويلة عن الشعر وتاريخه وكذا وأحوال الشعراء وما إلى ذلك. يقول وفي القرآن، تحت عنوان: "ما وافق القرآن من ألفاظ العرب"، يقول أبو زيد: «وفي القرآن ما في كلام العرب من اللفظ المختلف ومجاز المعاني»، فمن ذلك قول امرئ القيس بن حجر الكندي: قفى فاسأل الأطلال عن أم مالك *** وما تخبر الأطلال غير التهالك وقد علم أن الأطلال لا تجيب إذا سئلت، وإنما معناه: قفا فاسألوا أهل الأطلال.

قال الله عز وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: 82]، يعني أهل القرية. هل البيت من نفس الباب الذي منه الآية؟ "اسأل" هل البيت من نفس الباب الذي منه الآية؟ يا إخوة طبعًا لا، كيف نسأل أهل الأطلال وهي أطلال أصلًا؟ وهل هناك حاجة اسمها "أهل الأطلال"؟ أيوجد شيء يقال فيه أهل الأطلال؟ صارت أطلال أقوت يا دارم ميه بالعلياء *** فالسند يعني يا أهل دار ميه بالعلياء أقوت وطال عليها سالف الأبد، وقفت فيها أسائلها، أسائل أهلها، عيت جوابًا وما عيت، يعني هم عيوا جوابًا وما بالربع من أحد.

يا سلام! رأيتم الخرف في هذه المعاني، مع أنه من أهل القرن الرابع، سبحان الله! هذا من أهل القرن الرابع، أبو زيد القرشي بل توفي في أوائل القرن الرابع. فهذا من عجيب ما يقولون، يقول: «وقد علم أن الأطلال لا تجيب إذا سئلت، وإنما معناه قف واسأل أهل الأطلال».

ولذلك ممن سار على هذا الخط أبو هلال العسكري، لما أخذ على الشعراء الذين قالوا إن الأطلال قد خرس، يقول: ما هو أصلًا أخرس؟ ألم على الربع القديم بعسعسه *** كأني أنادي أو أكلم أخرسا لأنه أصلًا يعتبره متكلمًا، فلما يقول لك كأني أنادي أو أكلم أخرسًا، هو يكون قد صبغه بالإنسانية. واضطرد في ذلك: يا دار عبلة بالجواء تكلمي *** أو هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم *** هم أعياك رسم الدار لم يتكلم حتى تكلمك الأصم الأعجمي.

جميعهم على اختلاف مواقفهم، سواء من يراه تكلم كالأعجم، أو من يراه كالأخرس كمرئ القيس لما قال «كأني أنادي أو أكلم أخرسًا»، جميعهم اتفقوا على أن الأطلال ينبغي هنا على وجه المجاز أن تتحدث. فهذا ليس من باب حذف المضاف، فهذا من الخطأ الذي وقع فيه أبو زيد القرشي، أن يضع شيئًا في مثل هذا ويجعل حديث الطلل من هذه الأبواب، وهذا خطأ واضح بل شنيع. يقول في هذا البيت: «واعلم أن ليس بالوجه أن يعد»، يعني بالمعتبر أن يعد هذا على الإطلاق معد ما حذف منه المضاف.

المضاف إليه مقامه مثل قوله عز وجل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، ومثل قول النابغة الجعدي: «وكيف تواصل من أصبحت خلالته كخلالة أبي مرحب».

يقول الشاعر: «وكيف تواصل من أصبحت خلالته كخلالة أبي مرحب»، يعني أنت قطعاً لا تشبه الخلالة أو خلالة أبي مرحب في نفسها، بل بخلالة أبي مرحب، أي كخلالته. وكذلك قوله: «حسبت بغام راحلتي عناقا»، قطعاً لا تريد أنك حسبت البغام -وهي أنثى المعز- عناقاً، وإنما حسبت البغام صوت عناق، وهذا واضح جداً.

هذا موجود في الشعر؛ أن يُقدّر المضاف المحذوف، وهذا كثير جداً. وتكلم عنه فيما أذكر أبو علي الفارسي في كتابه «شرح الأبيات المشكلة» أو «كتاب الشعر» في مجلدين كبيرين، وهذا كتاب دقيق وعظيم، وهو كتاب ثمين في علمه جداً، وتكلم عن هذا في بعض أبوابه.

قال: «وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف ويقولون إنه في تقدير: فإنما هي ذات إقبال وإدبار». ينبهك عبد القاهر إلى أنك سترى في عبارات النحاة ما قد يشكل، تقول: وما يجعلك تظن هذا؟ «وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف ويقولون إنه في تقدير: فإنما هي ذات إقبال وإدبار».

يريد أن الذي يقولونه في مثل بيت الخنساء هو من باب الشرح النحوي، كقولهم في ﴿وَلَاصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ إنه بمعنى «على». هل هو في الشعر، هل هو في النص البليغ القرآني بمعنى «على» من كل وجه؟ كتعبير عبد القاهر «من كل وجه»؟ لا، خلاص قطعاً، وإلا لتساوت لفظة جاءت في القرآن في نص بلفظة أخرى ولا مرجح لإحداهما على الأخرى، وهذا باطل في البلاغة؛ لأن الوجه هو الاختيار.

«فإنما هي ذات إقبال وإدبار»، يريد أن الذي يقولونه في مثل بيت الخنساء هو من باب الشرح النحوي كما قلنا من قبل، يقولون فيه: ﴿وَلَاصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يعني «على جذوع النخل». هو ليس أكثر من شرح المعنى لتصحيح أصله. افهموا هذا يا إخوة جيداً؛ لأن النحاة يعنون بتصحيح أصل الكلام. فلما تجد في كتاب الله تعالى ﴿وَلَاصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، فالنحوي يتعمد أن يصحح لك التركيب حتى يكون كلاماً مفهوماً، وحتى يكون كلاماً له معنى يستقيم نحوياً، فينبهك ويقول لك إنه "في" هنا لا تفهمها خطأ على ظاهرها أنها بمعنى "على".

لكن النحوي ليس هو الذي يشرح لك لماذا جيء بـ "في" بدلاً من "على"، ليس النحوي الذي يقول لك هذا. لأن هذا يقتضي أنه إذا جاءت لفظة مكان لفظة في القرآن وتساوت في الدلالة، يكون ذلك لا يؤثر ولا يورث اختلافاً أو شعوراً باختلاف الوجهين، وهذا خلاف قاعدة الكلام البليغ الذي مبناه على الاختيار.

فالذي يقولونه هنا في مثل هذه العبارات، كما في قوله تعالى ﴿وَلَاصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ لما يقولون "في" بمعنى "على"، أقول هذا فعل النحويين؛ النحويون يعنون بتصحيح الكلام وليس ببيان فضل الكلام، لأن النحوي يعنيه التركيب الصحيح والمعنى الصحيح الذي يحقق فائدة حتى يصح أن يكون كلاماً صحيحاً.

فلما تقرأ قوله تعالى ﴿وَلَاصَلْبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، النحوي يرتاب لأنك ستقول: كيف يصلبنهم "في" جذوع النخل؟ بل هو "عليها"، فالنحوي يعنى بتصحيح الكلام فيقول لك: "في" هنا بمعنى "على". أما الذي يعنى بجواب السؤال: لماذا استعمل "في" في مكان "على" على جهة المجاز، فليس النحوي هو الذي يجيب عن هذا.

حينما أقول لك إنه بمعنى كذا، وأنه على تقدير كقوله: «فإنما هي ذات إقبال وإدبار»، ليس على طريقة الحذف البلاغي -حذف المضاف الذي درسناه في إيجاز الحذف- وليس على هذه الطريقة التي درسناها في الصناعتين، وإنما هو شرح للمعنى لتصحيحه، وهذا واجب النحاة، وليس شيئاً وقع محذوفاً مقدراً في الكلام يفسر بلاغياً، فهذا شيء آخر.

قال: «وذاك لأن المضاف هو يعلل بعد أن قال لك: وإن كنا نراهم يذكرونه حيث يذكرون حذف المضاف ويقولون إنه في تقدير: فإنما هي ذات إقبال وإدبار». قال: ذاك لأن المضاف المحذوف من نحو الآية والبيتين -فيما ذكره هنا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وكيف تواصل من أصبحت خلالته كخلالة أبي مرحب، وحسبت بغام راحلتي عناقا، أي صوت عناق- قال: لأن المضاف المحذوف من نحو الآية والبيتين في سبيل ما يحذف من اللفظ ويراد في المعنى.

يعني إذا قلت هنا شيء حذف، فأنت تريد معناه، فتقديره كوجوده؛ هو موجود حكماً في حكم الموجود، وإنما حذف اختصاراً، كمثل أن يحذف خبر المبتدأ والمبتدأ موجود، أو العكس، إذا دل الدليل عليه. كقولهم: «ليالي يا سلمى»، هذا حذف آخر، حذف الفعل، أي: «أذكر ليالي سلمى». إلى سائر ما إذا حذف كان في حكم المنطوق به، وكذلك رُبَّ التي دلت الواو والخفض وسياق الكلام.

المعنى على حذفها، وأنها واو ربه وليست الواو العاطفة التي تشرك في الحكم. قال: وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء. ركز في هذا الكلام، الخطير اسمع الخطير. وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء؛ لماذا يا عبد القاهر؟ لأنما هي ذات إقبال وإدبار.

ما المشكلة؟ هذا يقوله الطالب البليد، وإن كان أفقه أهل الأرض وإن كان أصولي العالمين. يقوله البليد، وراجعت من هم بارعون في علوم، بل علوم عقلية ومنطقية، ويأتون إلى الشعر فتقول سبحان الخالق وله في خلقه شؤون. وتحترم جدا قضية التخصص والاشتغال، وتحترم جدا من قال: «من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب»، وليحترس الإنسان أن يتكلم في غير فنه.

يقول: وليس الأمر كذلك في بيت الخنساء؛ لأن إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى إذا قلنا: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ ذَاتُ إِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ﴾. أسألكم الأول قبل أن نكمل: هل هذا ضد لغة الكلام؟ هل إنما هي ذات إقبال وإدبار ضد لغة الكلام؟ أختنا تقول: لا. يا عبد الحق، ما رأيك؟ هل هي ضد اللغة؟ يا أخي لا، ليست ضد اللغة، تحتملها اللغة، لذلك يفهمها الفقيه هكذا، ويفهمها النحوي أحيانا هكذا.

بعض النحاة يقول: لأن... طب لماذا يا عبد القاهر جزمت بفساد الأول وأنه غير مراد؟ لأن إذا جعلنا المعنى فيه الآن كالمعنى إذا قلنا: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ ذَاتُ إِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ﴾ أفسدنا الشعر على أنفسنا. الله على الفهم! أهل الشعر أعلم به من العلماء بالته، ولو كانوا فوقهم بدرجات، أو لو كانوا دونهم في هذه العلوم بدرجات؛ فكيف بمن قاربوهم أو كانوا منهم؟

هذه هي عبارة ابن رشيق في العمدة: «أفسدنا الشعر على أنفسنا وخرجنا إلى شيء مغسول وإلى كلام عامي مرذول». الله! شوف الفهم، لأننا إذا جعلنا المعنى فيه الآن في الشعر كالمعنى إذا نحن قلنا: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ ذَاتُ إِقْبَالٍ وَإِدْبَارٍ﴾ أفسدنا الشعر على أنفسنا. وهذه عبارة خطيرة، أضيئوها يا إخوة: «وخرجنا إلى شيء مغسول وإلى كلام عامي مرذول».

انظر هنا كيف كان وجهًا مرجحًا على وجه لأجل التوقع الشعري. يعني أنا أسمع منك الآن شعرًا، أتوقع مستوى أفقه من المعاني، أحمل الكلام عليها. يأتي شخص أقول له: لا، الكلام مقصد كذا وكذا، أقول له: سخيف!

إحدى الأخوات الفضليات -وهي حقًا أخت فاضلة- قالت في مرة كانت تقدم نصائح للزوجات، وهذا مثال، أنا لا أحكي معكم سوالف كما يقولون، بل أحكي معكم حقائق وعلمًا. إحدى الأخوات الفضليات عقدت مجلسًا في مرة تنصح النساء الزوجات، تقول لها: زوجك لا تعانديه، قولي له إيه، أي تفسير سيقبل، المهم أن تقوليه، وأنت في غرام وفي كذا وفي كذا سيقبل، وكذا الرجل ساذج وطفولي العقل جدا. طب لماذا يا أختاه؟

قالت الشاهد على هذا هذه الأبيات التي قالها مجنون ليلى، وطبعًا هي تنسب له وليست له: ولما تلاقينا على سفح رامةٍ *** وجدت بنان العامرية أحمرا فقلت خضبت الكف على فراقنا *** فقالت معاذ الله ذلك ما جرى فقالت معاذ الله ذلك ما جرى *** ولكنني لما رأيتك راحلا بكيت دما حتى بللت به الثرى

خلاص، وإنها مسحت دمعها بأيدها فظهر الدم في اليد، فهذا هو ما تراه خضابًا، هذا دم من الدموع التي بكيتها دمًا. فقالت: انظروا كيف صدق الرجل! وكأنها لم تفهم أن كل هذا تمثيل لشيء واحد، ملخصه في الأخير هو أن يقول إنها تبكي لفراقي كبكائي لفراقها، وأن تأثرها بفراقي أشد من تأثري بفراقها، وأن كل ذلك تمثيل بلاغي.

لا يظن أن الشاعر يريد أن يُفهم حقيقته، هذا كله تحت مظلة التمثيل. التمثيل هذا كله قصة تمثيلية خيالية، تدخل ربما في الاختلاق الامتناعي، وفي الغلو؛ لأن الغلو من مراتب الامتناع. لو فصلنا الإفراط الامتناعي ستعرفون هذا التفصيل كله إن شاء الله في كتاب القرطجني «منهاج البلغاء»، فهذا إفراط امتناعي أو اختلاق امتناعي لشيء غير موجود في الحقيقة، نوع من الغلو، نوع من الاختلاق الذهني استعمله الشاعر تمثيلاً.

فتخيلوا كيف فهمت حرفية الكلام أختنا الكريمة، انظروا كيف فهمت حرفية الكلام، ولا وبنت عليها نصيحة للزوجات، يعني خراب بيوت رسمي! خلاص خراب بيوت. أنا تأتيني زوجي تقول تعاملني على هذا المستوى؟ اذهبي الحقيقي، الحقي بأهلك، خلاص ما فيش عشرة بيننا، انتهى. أنا هذا مقامي عندك، هذا عقلي عندك.

تخيلوا! فيقول عبد القاهر: «أفسدنا الشعر على أنفسنا وخرجنا إلى شيء...». أنا يا إخوة أتلدذ بكلام عبد القاهر، والله أتلدذ وأعيده وأفصله له لذة على لساني: «أفسدنا الشعر على أنفسنا وخرجنا إلى شيء مغسول وإلى كلام عامي مرذول». هذه حجته، فانظر كيف كان وجهًا مرجحًا على وجه لأجل التوقع الشعري، وانظر كيف أنه يجب حمل الكلام على الكلام الشعري على الوجه الذي يحصل به الشعر. فلو احتمل الكلام وجهين؛ أحدهما يدخل به في جنس النثر والثاني يدخل به في جنس الشعر، ترجح جنس الشعر إذا كان ذلك شعرًا أو إذا أريد به الشعر.

نعم، قال: وكان سبيلنا سبيل من يزعم مثلاً في بيت المتنبي: بدت قمراً ومالت خوطبانا *** وفاحت عنبراً ورنت غزالا

هذا بحر الوافر. بدت قمراً ومالت خوطبانا وفاحت عنبراً ورنت غزالا. صح عندكم "رنت" مفتوحة؟ غلط طبعًا، هذه ساكنة، و"رنت" ساكنة يا إخوة. طبعًا هناك أخطاء كثيرة للأسف. نعم، بدت قمراً ومالت خوطبانا وفاحت عنبراً ورنت غزالا. إنه في تقدير محذوف، ومعناه الآن كالمعنى إذا قلت: بدت مثل قمر، ومالت مثل خوطبان، وفاحت مثل عنبر، ورنت مثل غزال.

يقول: وكان سبيلنا سبيل من يزعم مثلاً في بيت المتنبي أنه في تقدير كذا وكذا، في أنا نخرج... يعني كان سبيلنا سبيل كذا، في أنا نخرج رجوعًا إلى الغثاثة، وإلى شيء يعزل البلاغة عن سلطانها، ويخفض من شأنها، ويصد أوجهنا عن محاسنها، ويسد باب المعرفة بها وبلطائفها علينا. الله على عبارة! ومثل هذا ذلك البليد، ذلك البارد.

الذي قال في بيت كثير عزة: «ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ذنوباً إذا صليتما حيث صليتما». إنها كانت تسكن في مكة والمدينة. أخي يا عم الشيخ يا فقيه، شكراً يا عم الشيخ؛ ده أبو لهب كان ساكن في مكة، أبو جهل كان في مكة، ده أكثر أهل الأرض كانوا في مكة.

«ولا تيأسا»؛ تخيلوا أنه يقول هذا لأنها تسكن في مكة، «ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ذنوباً إذا صليتما حيث صليتما» في مكة، يعني ولا المدينة، لأن لها خصوصية في الصلاة، فَيغفر لكم إن شاء الله، والحسنات يذهبن السيئات. ما هذا! اسمع العبارة مرة أخرى: «وكان سبيلنا سبيل من يزعم».

مثلاً في بيت المتنبي: «بدت قمراً ومالت خوطبان وفاحت عنبراً ورنت غزالاً». إنه في تقدير محذوف، ومعناه الآن كالمعنى إذا قلت: بدت مثل قمر، ومالت مثل خوطبان، وفاحت مثل عنبر، ورنت مثل غزال؛ فإنا نخرج إلى الغثاثة، وإلى شيء يعزل البلاغة عن سلطانها، ويخفض من شأنها، ويصد أوجهنا عن محاسنها، ويسد باب المعرفة بها وبلطائفها علينا. نكمل بعد الأذان إن شاء الله.

نرجع أيها الإخوة، يقول: فالوجه أن يكون تقدير المضاف في هذا على معنى أنه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره، يعني على طريقة النحاة في الشرح؛ لما النحاة يقولون لك في قوله تعالى: ﴿لأَصْلِبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]، إن في بمعنى على. على تقديري أنه لو جيء بالكلام على ظاهره دون بلاغة ودون مجاز لكان بمعنى على. وكذلك لما قالوا لك: «فإنما هي ذات إقبال وإدبار»، يعني أن يكون على معنى أنه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره ولم يقصد إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع.

المبالغة والاتساع هي سمة الكلام البليغ، والشاعر لا يأتي بالكلام على ظاهره خلاص، ولم يقصد إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع، وأن تجعل الناقة كأنها قد صارت بجملتها إقبالاً وإدباراً. رأيتم الإيحاء الذي يجعلنا نفكر في أنها تشبيه بليغ وليست مجازاً حكمياً؟ إلا إذا كان عبد القاهر أيضاً -خذوا هذا الطرف- إلا إذا كان عبد القاهر يدخل التشبيه البليغ في المجاز الحكمي جملة، ولكن أيضاً لا تعرفون لماذا؟

لأن التشبيه البليغ تقدر فيه الأداة، صح؟ لما نقول: زيد أسد، أو هو أسد، هنا تقدر الأداة، يعني هو كالأسد، ولكنك بالغت جداً فحذفتها خلاص. ولم يقف الكلام على مجرد الاختصار، سنقدر الأداة في التشبيه البليغ؛ إذا لم نقدر الأداة في التشبيه البليغ فسيكون الكلام على المجاز الحكمي، أنك قلت في زيد إنه أسد والحقيقة هو ليس بأسد.

وهذا سيعود بنا إلى مذهب القدماء، ركزوا معي أنا الآن أربط لكم الخيوط ببعضها، سيعود بنا إلى كلام القدماء في أن هذا مجاز استعارة. صح؟ لما قالوا: «زيد أسد» إنه استعارة؛ لأنهم لم يقدروا الأداة. عبد القاهر قال: بل هو تشبيه، ليس من باب الاستعارة وإنما حذفت الأداة لقوة التشبيه. طيب، إذا حذفت الأداة لقوة التشبيه، هل سنقدر الأداة؟ ربما تقول: إذا قدرنا الأداة لن يكون مجازاً حكمياً. طيب، ماذا لو لم نقدر الأداة وقلنا: زيد أسد بدون أداة؟ هذا سيكون استعارة.

فنرجع إلى كلام القدماء، لو قدرنا الأداة، فهنا سنبحث عن الفرق بين «زيد أسد» و«ناقتي إقبال وإدبار»، سنبحث عن الفرق بين «زيد أسد» و«ناقتي إقبال وإدبار». ما الفرق بينهما؟ فقط هذه خيوط تفكرون بها، لأن عبد القاهر هنا قال: «إنما هي إقبال وإدبار»، قال هذا مجاز حكمي، يعني «زيد أسد» أو «هو أسد» مجاز حكمي. فإن قيل: نحن سنقدر الأداة في «زيد أسد»، يعني «زيد كالأسد» وحذفنا أداة التشبيه لقوة التشبيه، فسيكون ذلك مطالباً بالفرق بين «زيد أسد» و«هي إقبال وإدبار»، وإذا قلنا سيكون حينئذ على وجه الحقيقة. وإذا قلنا «زيد أسد» تقدر فيه أو لا تقدر فيه الأداة سيكون مجازاً، ولكن سيكون استعارة وليس حكمياً، أو سيكون مجازاً حكمياً.

فالسؤال هنا: هل سنقول في التشبيه البليغ إنه من المجاز الحكمي؟ عبد القاهر يقول هذا تشبيه بليغ ليس استعارة. فهمتم؟ نعم، أيمكن أن يكون الفرق بتحقق الإقبال والإدبار وأنه معنى حقيقي؟ ما هو؟ قال هو: الإقبال والإدبار حقيقي كما في «زيد أسد»، أسد هنا حقيقي، ولهذا قال عبد القاهر: هذا تشبيه وليس استعارة. القدماء يقولون استعارة لأنك أسندت الأسد إلى زيد وصرحت بذلك ولا تقدر الأداة هنا، فهل عبد القاهر لا يقدر الأداة؟ وما الفرق بين «هي إقبال وإدبار» و«هو أسد»؟ هذا هو، هذه فقط لربط الخيوط ببعضها في المسألة.

يقول: فالوجه أن يكون تقدير المضاف في هذا على معنى أنه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره ولم يقصد إلى الذي ذكرنا من المبالغة والاتساع، وأن تجعل الناقة كأنها قد صارت بجملتها -شوف كأنها قد صارت بجملتها- إقبالاً وإدباراً. هذا نفس الكلام الذي يقال في التشبيه البليغ، حتى كأنها قد تجسمت منهما، لكان حقه حينئذ أن يجاء فيه بلفظ الذات، فيقال: «إنما هي ذات إقبال وإدبار».

فأما أن يكون الشعر الآن موضوعاً على إرادة ذلك، وعلى تنزيله منزلة المنطوق به، حتى يكون الحال فيه كالحال في: «حسبت بغام راحلتي عناقاً»، حين كان المعنى والقصد أن يقول: «حسبت بغام راحلتي بغام عناق»، فمما لا مساغ له عند من كان صحيح الذوق، صحيح المعرفة، نِسابَه للمعاني؛ يعني ينسب المعنى إلى الجهة التي هو منها، ينسب المعاني إلى جهتها الصحيحة من حقيقة ومجاز وهكذا.

في آخر هذا الفصل، المجاز الحكمي أيها الإخوة، أقول: تأملوا كيف أنه في هذه العبارة الأخيرة: «فمما لا مساغ له عند من كان صحيح الذوق صحيح المعرفة نِسابَه للمعاني»، وفي العبارات الشبيهة في الصفحة السابقة: «أفسدنا الشعر على أنفسنا» إلى آخره، وفي «أننا نخرج إلى الغثاثة وإلى شيء يعزل البلاغة» إلى آخره.

في هذه العبارات، يجعل اختيار وجه تنتفي معه الشعرية، اختيارًا باطلاً إذا كان هناك وجه آخر يتحقق به الشعر. لماذا يا إخوة؟ لأن شرف المعنى هو الغاية من الشعر والغاية من النص البليغ، فيتعين على قارئ الشعر أن يكون موجهاً النص بذلك، حاملاً له على رتبته.

فلو احتمل النص معنى شعريًا وآخر غير شعري، أُهدر الثاني ولم يُعتبر؛ خلاص، إذ لم يكن على قانون الكلام ولا على المذهب الشعري، فلا يقال هنا بالاشتراك، لا بحسنه ولا بسيئه؛ لا يقال بالاشتراك، لا اشتراك حسن ولا اشتراك سيء بنوعيه. وبهذا يا إخوة، يمكن رد كثير مما يقوله من لا يعلم في تفسير كتاب الله تعالى.

يمكن رد كثير مما قاله من لا يعلم في تفسير كتاب الله تعالى، إذ كانت تفسيراتهم -مع جوازها لغويًا- تنزل بالقرآن عن بيانه، وهذا أيضًا مما انتبه له عبد القاهر. ويدخل في هذا تلك التي يسمونها الآن بالتفاسير العلمية التي يفرح بها السذج، والتي تجعل القرآن أخبارًا في علوم الطبيعة، كأنما يصعد في السماء وكذا، وتجعله أخبارات مباشرة مغسولة عن البلاغة، تجعل القرآن أخبارًا في علوم الطبيعة وأخبارات مباشرة مغسولة عن البلاغة.

ثم قال: «فصل»، وهذا الفصل مهم جداً. قال: «فصل: هذه مسألة كنت قد عملتها قديمًا»، هذه المسألة يقسم فيها ظهر هؤلاء الذين ينفون المجاز، ويلحقون بالله تعالى ما لا يليق به من ظواهر الصفات، تعالى الله تعالى عما يقولون، عُلُوًّا كبيرًا.

يقول: «فصل: هذه مسألة كنت قد عملتها قديمًا وقد كتبتها ها هنا»، لأن لها اتصالًا بهذا الذي صار بنا القول إليه، قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: 37]. هو أيضًا يقول لك، المفسرون سيقولون لك معناها هكذا، لها اتصال، ما الاتصال؟ سيقولون لك معنى القلب هو العقل، لكنه لا يريد النص، لا يُراد منه أن يكون كالعقل تمامًا، كما أن فيه لا تكون كالعقل تمامًا، فإنما هي إقبال وإدبار؛ لا يُراد منها أن تكون ذات إقبال وإدبار، أو على وجه آخر، أو على طريقة بيت المتنبي: «إنما هي مثلٌ بدت مثل قمرٍ، وملت مثل خوطبانِ، وفاحت مثل عنبرٍ، ورنت مثل غزالِ».

فهذه لها اتصال بذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، أي لمن أعمل قلبه فيما خُلق القلب له من التدبر والتفكر والنظر فيما ينبغي أن ينظر فيه. فهذا يقول عبد القاهر، فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا يتفكر كأنه قد عُدم القلب من حيث عدم الانتفاع به، وفاته الذي هو فائدة القلب والمطلوب منه.

أنا أضغط وأعمل نبرًا على كلمة «القلب» لأنها مقصودة؛ فهذا على أن يجعل الذي لا يعي ولا يسمع ولا ينظر ولا يتفكر كأنه قد عُدم القلب من حيث عدم الانتفاع به وفاته الذي هو فائدة القلب والمطلوب منه، كما يجعل الذي لا ينتفع ببصره وسمعه ولا يفكر فيما يؤديان إليه، ولا يحصل من رؤيته وسماعه ما يرى على فائدة، بمنزلة من لا سمع له ولا بصر.

فأما تفسير من يفسره على أنه «من كان له عقل»، فإنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة، على طريقة البيان النحوي التي بيناها في الفصل السابق؛ فإنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة، فإما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كان القلب اسمًا للعقل كما يتوهمه الحشو ومن لا يعرف مخارج الكلام.

آه يا إخوة، أنا وقفت على كلمة «مخارج الكلام» هذه؛ تأمل كيف قال: «لا يعرف مخارج الكلام» وليس «لا يعرف الكلام»، خطيرة! واربطوا بين هذه العبارة وبين قوله في السابق: «نسبة للمعاني»، خطيرة مهمة جدًا؛ اربطوا بين كلمة «لا يعرف مخارج الكلام» وبين «نسبة للمعاني»؛ لأن المعنى واحد لكن الجهة مختلفة، وهذه من أسرار عبد القاهر الدقيقة التي تساقطت في كلامه ولما جمعتها انتبهت إلى أن عبد القاهر ينعى على أناس وعلى طائفة لا تعرف مخارج الكلام ولا تنسبها إلى جهاتها.

مخارج الكلام -كما في الفصل الذي نحن فيه- يعني من أي باب خرج الكلام؟ على أي جهة خرج الكلام؟ خرج على جهة الحقيقة، على جهة المجاز، على جهة التصوير بالإشارة، على جهة اللفتة واللمحة، أم على جهة المصارحة بالحرفية والمطابقة؟ هذه تسمى مخارج الكلام. إذا جئت إلى الكلام، يعني إلى معاني الكلمات، تكون تنسبها إلى أصولها، إلى مخارجها؛ فاربطوا الكلمتين ببعضهما مهم جدًا.

قال: «لا يعرف مخارج الكلام» وليس «الكلام»، لأن مخرج الكلام -الذي هو الجهة والقصد الذي نظمت فيه الألفاظ- هو الذي يحدد معاني الكلام ويحدد حيثيات الكلام ورتبة الكلام. يعني مثلاً عنترة لما قال: «وأمرؤ من خير عبس منصبًا، شطري وأحمي سائري بالمنصلِ»، هناك من سيقول مخرج الكلام في «وأحمي سائري بالمنصل» على المعنى المباشر، يعني أحمي نفسي مما أحمي نسبي الضعيف الحبشي بسيفي، أي أضرب وجه أي أحد فيخافون مني.

وبعضهم قال: بل خرج مخرج الكناية والدلالة البعيدة؛ «وأحمي سائري بالمنصل» أي أنه جعل حمايته لقومه حماية لعرضه، لأنه إذا حمى قومه كف لسانه عن عرضه، فجعل حمايته لعرضه بالسيف عن طريق حماية القوم وعن طريق البلاء في الحروب، فجعل ذلك بمقام الحماية المباشرة لعرضه، فجعل قتاله وكذا حماية مباشرة لعرضه، هذا مخرج آخر للكلام يا إخوة.

فكيف بطائفة من الناس تفسر كلام الله كما تفسر كلام أنفسها فيما بينها وهي ضعيفة العقل في كلامها كله؟ لما أقول يا أخي الله قال لك: «يد»، أنت ماذا تقول؟ كيف تقول ليس له يد؟ تحارب الله في مراده! يحمل كلام الله على عقله الكليل، تخيلوا! لا يعرف مخارج الكلام، لا ينسب المعاني إلى أصولها، لا ينسب المعاني السائرة من أين خرجت؟ ما مخرجها؟ مخرج الإشارة أم مخرج العبارة أم مخرج المباشرة أم مخرج الإشارة؟ هكذا مخارج الكلام؛ لأن هذا هو الذي يحدد أين يوضع هذا النص. وهذا الذي قال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾.

أراد أنها تسكن في مكة، لا يعرف مخارج الكلام، وهذا الذي قال إن سعاد كانت زوجة كعب لا يعرف مخارج الكلام، كل هؤلاء لا يعرفون مخارج الكلام، رأيتم؟ وهذا هو الذي يحدد؛ هذا هو الذي يحدد أين يقع الكلام من الرتبة البيانية: أن تعرف مخرجه الصحيح لتضعه في مكانه الصحيح.

هذه المحاضرة مهمة جدا يا إخوة بما في أثناءها وفي أولها، هذه السابعة بعد الأربعين فيها قضية خطيرة تشكل رأيًا، تشكل على كل أهل عصرنا، وهو يفسر وهم ينقلون كلام القدماء ويتشاجرون ويحاولون، وفي الأخير يأتي بارد منهم عظيم الألّة ويقول: أريحوا أنفسكم، هذا الخلاف يدل على عظمة الشعر وعظمة هذا البيت الذي وقع فيه الخلاف.

لا يعرف مخارج الكلام، وهذا يا إخوة هو ما يغفل عنه كثيف الطبع من الحرفيين، وفئة أو فرقة المجسمة عند المسلمين الآن، ومن ينكر المجاز فرقة المجسمة أو طائفة المجسمة، ومن ينكر المجاز حتى وجدت جاهلاً مجسمًا منهم يصفونه في أرض الحرمين بالأصول، يقول: المجاز هكذا، انظروا، يقول المجاز عمل عقلي لا يعمل في الغيبيات، وذات الله من الغيبيات، إذًا المجاز لا يعمل في ذات الله.

هذا على طريقة الجبن، تعرفون مغالطة الجبن: كل فرار من العدو جبن، وكل جبن مصنوع من اللبن، فكل فرار من العدو مصنوع من اللبن. هذا الرجل رجل ليس كبيرًا، يعني معاصر لنا، ليس حتى في السن كبيرًا، ربما في الخمسينيات، يقول: سأعطيكم ضابطًا في معرفة المجاز في القرآن وتفسير الصفات وكذا وكذا، وهذه الأمور ضابط ليس موجود في كتاب، وأخذ يستظهر ويلتذ بمكانه هذا الضابط فقال: المجاز عملية عقلية، وذات الله لا تعمل فيها العقليات، فالمجاز لا يعمل في ذات الله.

والعجيب أن الجلوس الذين يوصفون بأنهم طلاب علم لم يناقشه واحد، بل وصف لي بأنه الأصولي، هذا بالضبط خلط كما قلت، خليط الجبن، خلاص هذا خليط الجبن، كل فرار من العدو جبن وكل جبن مصنوع من اللبن، فكل فرار من العدو مصنوع من اللبن.

قولنا المجاز عملية عقلية يعني من جهة الاستدلال في اللغة، يعني العقل يستدل على المعنى الذي يجاز إليه في اللفظة عن طريق التردد الفكر فيها ولو بسرعة، حتى كأنه الدلالة الأولى، كما قال عبد القاهر: «كأنه الدلالة الأولى». فكلمة المجاز عمل عقلي يعني المعنى ينتقل إلى المعنى ويحصل تداعي المعنى، أن المعنى يطلب المعنى عن طريق العقل، هذه عملية لغوية، فاللغة كلها بهذا الاعتبار عقل، بل لا يخلو دلالة اللفظ الذي هو الصوت على معناه من قدر من العقل، هو الذي ربط بين هذا الصوت وهذا المعنى، ثم ربط العقل بين المعنى والمعنى، أن هذا المعنى في عرف الكلام دل على المعنى الآخر.

وأما أن ذات الله لا يعمل فيها العقل فهذا عقل آخر، يعني باب آخر، يراد أنه لا نثبت في ذات الله تعالى شيئًا عن طريق العقل دون نص، أما ما جاء فيه نص أو ما جاء فيه دليل من الكتاب أو السنة فإنه نص وإن كان مجازًا. فقوله المجاز عملية عقلية يعني في داخل الاستدلال اللغوي، هذا في باب اللغة، وقوله إن ذات الله لا يعمل فيها العقل يعني لا تثبت بالعقل دون دليل، فهذا باب آخر، فإذا جاء فيها الدليل عمل فيه العقل اللغوي.

فهو أخذ العقل اللغوي وجعله على العقل المثبت من لا دليل، ومن هنا جعل الجبن الذي هو الخوف جبنًا مصنوعًا من اللبن، ولذلك قلت هذا جاء على طريقة: كل فرار من العدو جبن وكل جبن مصنوع من اللبن، فكل فرار من العدو مصنوع من اللبن. هذا يسمونه عندهم أصولي، فقيه أصولي كبير في الأصلين، أصول الدين وأصول الفقه، يعني يعدونه عندهم علامة، تخيلوا هذا موجود الآن في بلاد الحرمين، لا أذكر اسمه، كيف كان اسمه؟ الإخوة ذكروه لي لما ناقشت هذا الكلام في مجلس، وليد السعيدان تقريبًا، وليد السعيدان أو شيء من هذا.

يقول: فإما تفسير من يفسره على أنه بمعنى من كان له عقل، فإنما يصح على أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة كما قلنا طريقة النحويين، فإما أن يؤخذ به على هذا الظاهر حتى كان القلب اسمًا للعقل كما يتوهمه الحشو، ومن لا يعرف مخارج الكلام يقول محمود شاكر: «الحشو من الناس صغارهم وأراذلهم»، تخيلوا هؤلاء عند عبد القاهر صغار الناس وأراذلهم، الذين هم شيوخ وعلماء الآن، كما يتوهمه الحشو، فمحال باطل، لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية، وإلى تحريف الكلام عن صورته وإزالة المعنى عن جهته.

بعضهم يأتي يقول حديث النبي ﷺ: «إن الله لا يمل حتى تملوا»، فيقول صفة الملل ثابتة لله تعالى، حبيبي أتعرف مخارج الكلام؟ الملل هو الضجر والسام من تكرار شيء ما، لا، بل يليق به صفة مختلفة ليست بنفس الكيفية، ما لم أتعرض للكيفية، أقول لك ما هو الملل في ذاته؟ السأم والضجر من تكرار شيء ثقل على النفس.

أنا أعرف ماهيته، ولهذا أصحاب الحشو والتجسيم طريقتهم أن تسألوهم: يا إخوة ما هي؟ أول ما تقول له: ما هي؟ يفر، تعرفون لماذا؟ لأنه لا يستطيع أن يفصل الماهية عما لا يليق بالله، لا يستطيع، لما تقول له اليد شيء والرجل شيء، يقول لك نعم، يعني لما نقول يد الله ورجل الله على مذهبك الباطل الذي أعتقد بطلانه، يد الله ورجل الله، هذا معناه أن اليد شيء والرجل شيء، يقول نعم، أقول: ما هي اليد؟ يقول: معروفة، أقول: ما هي؟ وما الفرق بينها وبين القدم؟ لا تكيف، والله لم أكيف، والله أسألك عن الماهية، ما هي اليد؟ يقول: معروفة يا شيخ، ما هي اليد المعروفة التي تطرأ في ذهنك؟ حقيقية لله وليست بجارحة، تطرأ في ذهنك حقيقية تثبتها لله وليست... هل تتكلم العربية؟ هل تتكلم كلام العقلاء كلام البشر؟ ما هي القدم؟ لو سألتك ما الفرق، ليس بين كيفيات حاشا حاشا، ما الفرق بين ماهية اليد وماهية القدم؟ اشرح وأثبت الماهيتين لله.

أول ما تحصر المجسمة في هذا تقول: ما هو؟ ما هو؟ يفر، يستطيع أن يتكلم؟ هو يهرب من نفسه، ولهذا ذهب بعضهم، وأظنه كان قبل سنوات بعيدة أحد مشايخهم مشهور يدعى عثمان الخميس، عثمان الخميس في مرة من المرات قال عبارة هاجمه فيها أهل مذهبه فاعتذر عنها وتراجع، والله إني أشفقت عليه، تعرفون لماذا؟ لأنني...

اعلم أنه حاول أن يقولها تصالحًا مع نفسه. قال: إذا كنا نقول يد ليست كالأيدي، يد تليق بجلاله، ورجل يليق بجلاله، ووجه يليق بجلاله، ما المانع أن نقول هكذا؟ نقل لي هذا عنه، ما المانع أن نقول جسم لا كالأجسام، جسم يليق بجلاله سبحانه؟ فطبعًا أول ما قال كلمة جسم، وهي تهمة التجسيم التاريخية المعروفة، فهاجمه أهل مذهبه من المجسمة فاعتذر عنها، وأنا أشفق عليه جدًا لأنه كان يحاول التصالح مع نفسه وهو ما زال لا يرى إلا الجسمية في كلامه.

يقول: «فمحال باطل»، أفضل يا سيدي، يقول: «فمحال باطل لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية، وإلى تحريف الكلام عن صورته، وإزالة المعنى عن جهته، وذاك أن المراد به الحث على النظر، والتقريع على تركه، وذم من يخل به ويغفل عنه، ولا يحصل ذلك إلا بالطريق الذي قدمته، وإلا بأن يكون قد جعل من لا يفقه بقلبه ولا ينظر ولا يتفكر كأنه ليس بذي قلب».

الكلام عن القلب مقصود، كأنه ليس بذي قلب كما يجعل كأنه جماد وكأنه ميت لا يشعر ولا يحس، وليس سبيل من فسر القلب ها هنا على العقل إلا سبيل من فسر عليه العين والسمع في قول الناس: «هذا بين لمن كانت له عين ولمن كان له سمع»، وفسر العمى والصمم والموت في صفة من يوصف بالجهالة على مجرد الجهل، وأجرى جميع ذلك على الظاهر.

ثم قال: «ومن عادته قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم أن يوهموا أبدًا في الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها، فيفسد المعنى بذلك، ويبدل الغرض، ويمنع أنفسهم والسامع منها العلم بموضع البلاغة وبمكان الشرف». هؤلاء الذين ينكرون المجاز في القرآن، وناهيك بهم! يقول لك: خذ الشر كله. وناهيك بهم، إذاً هم أخذوا في ذكر الوجوه وجعلوا يكثرون في غير طائل، كما نراهم الآن هنا، ترى ما شئت من باب جهل قد فتحوه، وزند ضلال قد قضحوا به، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.

طبعًا أقول يا إخوة، لا تخفى الطائفة التي يتكلم عنها عبد القاهر، وأنا متيقن أن عبد القاهر يعلم جيدًا أن هذه الطائفة إنما أنكرت المجاز لأجل التوصل إلى تحقيق مذاهبها في بعض الألفاظ التي تقول بها مذاهبها، مثلًا في الأسماء والصفات، وفيما يلتقي مع أحوال البشر أو مع صفات البشر أو صفات المخلوقين. أنا متيقن أن عبد القاهر يعلم جيدًا أن هذه الطائفة أنكرت المجاز لأجل التوصل إلى مذاهبها، واعلم أن عبد القاهر يعلم هذه المذاهب.

أنا أقول لكم شيئًا من عبقرية عبد القاهر هنا، عبد القاهر قطعًا يعلم هذا. فعبد القاهر بالأصل متكلم كما علمتم، له مشاركة وجدل مع المتكلمين، بل صبغة كلامه هنا، أو صبغة كلامه في كتابه هذا، لم تخْلُ من صبغة المتكلمين كما رأيتم. فعبد القاهر في الأصل نحوي متكلم، من علماء علم الكلام، والجدل أشعري، واضح أشعري، على سبيل أبي بكر البقلاني فحل الأشاعرة الكبير، ولا تخفى طريقة المتكلمين في كلامه.

ولكن خذوا هذه، راقتني جدًا أن عبد القاهر هنا لم يدخل إلى هذه الطائفة من المدخل الكلامي، وإنما التزم المجيء إليها من جهة مشتركة لا يقدرون على إنكارها، ولا تدخل فيما قد يحتجون به كلاميًا، وهي جهة البلاغة. يعني هو لم يقل لهم مذهبكم ومذهبنا، جاء إلى شيء وقضية وقطب مشترك بين كل الأمة، قال لهم: أنتم خالفتم قطب البلاغة أصلًا. ولم يقل لهم أنتم أيتها المجسمة أو أيها المجسمة، قال: «طائفة»، قال: «طائفة أنكرت المجاز وحملت الصفات على ظواهرها»، ولم يقل لهم من هم، وإنما جعلهم مباشرة مخالفين لقضية البلاغة.

هذا راقني من عبد القاهر جدًا، لم يدخل إليهم من حجة كلامية حتى تكون فرقة وفرقة، لا، قال هي طائفة، أو هؤلاء يفسرون بتفسير ليس على طريقة العرب، وانتهينا. فكأنه جعل كلامهم لا يتجاوز أن يكون قولًا باطلًا في حق البلاغة القرآنية التي لا يختلف عليها عاقلان، وانتهى. وهذا من ذكاء عبد القاهر.

وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.