دخولتسجيل الدخول

الدرس 46 - في بيان أن كل وجوه الفن ترجع إلى النظم

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا السادس بعد الأربعين من مجالسنا في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» لإمام البلاغيين الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.

ما زال كلام الشيخ أيها الإخوة حول المجاز الحكمي، الذي عُرف بعد ذلك في البلاغة التقريرية بالمجاز الإسنادي، أو الإسناد المجازي، أو المجاز العقلي، وجاء في باب من أبواب ما يعرف بعلوم المعاني من علوم البلاغة. وأما المجاز اللغوي -الاستعارة- فجاء فيما يعرف بعلوم البيان من علم البلاغة التقريرية.

وهنا شيء أرى أنه قد أتت مناسبته لبيانه، وإن كنت قد تكلمت في معناه في مواضع شتى، بل هو ديدني، وهو أن كل الفنون القولية ترجع في الأخير إلى فكرة النظم. كل ما يتناوله الناقد أو الشارح أو المتذوق، وما يجده سامع الشعر ومتذوقه من الوجوه الفنية -وإن كان لها من الأسماء والعناوين والأبواب ما كان- كلها في الأخير ترجع إلى النظم. فأنا بينت في مدخل هذه المحاضرة كيف أن كل هذه الفنون ترجع في الأخير إلى النظم.

ومنها الوجوه التي في باب البيان: التشبيه، والمجاز، والاستعارة، والكناية. والوجوه التي في البديع وأشهرها الجناس والطباق. وللأسف -لا أقول العامة بل لقيت دكاترة- لا يستطيعون تصور أنهم ينخدعون بتجريد المعنى الحاصل في صورة التشبيه، أو الصورة الكنائية، أو الصورة الاستعارية، ولا يفطنون إلى أن ذلك يرجع إلى عملية ووجوه تقع في النظم.

إذا نظرنا إلى وجوه البيان أيها الإخوة، سنرى أن العقول تنخدع بالتشبيه والاستعارة والكناية؛ يحسبون أن الحسن وقع بها ذاتها، والحق أن هذه الصور البيانية تخدعك من جهة أن لها حسناً ذاتياً عقلياً مجرداً عن الفن. ومرة أخرى، هذه الصور تخدعك من جهة أن لها حسناً عقلياً ذاتياً، مدركاً بالعقل في العقل بذاته لا من حيث الشعر، لها حسن من جهة أنها لها حسناً ذاتياً مجرداً عن الفن، وقلت عقلياً؛ ليكون ذلك بعيداً عن خصوص العقل الفني، لا هو حسن مطلق فهي من جنس ما يتكلم به الأذكياء.

فالذي يوجد لك تشبيهاً نادراً مثلاً وهو يتكلم معك بالكلام العام، ينبهك إلى وجه شبه بين كذا وبين كذا، لا شك أنك ستعجب بعقله، ولا شك أن الذي يستدل لك على الشيء بالشيء يكون من لوازم ولواحقه أو صفاته، ستجد في نفسك إعجاباً بذكائه. وهذا هو الذي يجعلك تحسب لما تقرأ الشعر أنه إنما حسن لأنه حوى هذه المعاني الذكية، ولو كان الأمر كذلك ما كان هناك فرق بين الشعر وغيره إذا حوى هذه المعاني.

وهذا أول ما تلمح به هذا الخطأ. إذا كنت معجباً بالكلام بهذا الحد، أخرجه من هذا النص، سقط الكلام، لم يعجب؛ لأنك توهمت أن التشبيه -لأن التشبيه كان موضوع الكلام- لكن أنت لم تنتبه إلى وقوع مسالك وأمور في هذا النص أتاحت لهذا التشبيه أن يكون على هذا الحسن.

الحق أن هذه المعاني ظهر لها حسن في الشعر بعد أن تهيأ النص لها، فجعل لها حسناً غير حسنها في المعنى؛ بدليل أنك تقرأ هذا الحسن المعنوي خارج الشعر لا تجده شعراً، ولكن إذا سمعته من جهة أنك تلاحق المعنى في نفسه تتكلم في المعنى، ستعجب، لكن لو أتيت لك بهذا على أنه في شعر بصيغة غير التي أعجبتك سقط الكلام. فأنت تتوهم لما تسمعها في الشعر أنها إنما حسنت لعبقرية التشبيه في ذاته، والحق أنها عبقرية صناعة فنية في التشبيه أو غير التشبيه.

وهذا ما جعل شاعراً كامرئ القيس ينبغ في التشبيه، وينبغ في الوصف، وينبغ في غير التشبيه. والوصف يعني حكاية حقائق، أو هو أعم من التشبيه، فهو نبغ في الوصف ونبغ في التشبيه ونبغ في الاستعارة، نبغ في كل الشعر في فنونه كلها التي منها، ضمن معانيها المستعملة، التشبيه.

ففي الحقيقة إن هذه المعاني ظهر لها حسن في الشعر بعد أن تهيأ النص لها. فأنت في كل تشبيه تراه حسناً، في كل تشبيه حسن تراه في بيت يبهرك، إذا جنبت النظر إلى التشبيه مجرداً، أو من حيث أركانه: المشبه، والمشبه به، وأداة التشبيه، ووجه الشبه؛ ماذا حذف من ذلك وماذا بقي؟ إذا جردت فكرة التشبيه التي درستها في كتب البلاغة ونظرت إليه على أنه جزء من النظم، سترى أن هذه الأركان إنما حسن التشبيه لأنها التحمت التحاماً معيناً مع الكلام، ولولا ذلك ما حصل.

مثلاً قول امرئ القيس: «طرائبها مسقولة كالسجنجل». أنت ستقول هذا تشبيه ذكر فيه الأركان: المشبه «ترائبها»، والمشبه به «السجنجل»، وأداة التشبيه «الكاف»، ووجه الشبه «مسقولة». ولكن هل حصل التشبيه أو حصل الحسن لأنه ذكر هذه الأوجه أو لوجود أركان التشبيه؟ الحقيقة لا.

لو نظرنا من الداخل إلى الخارج، سنرى ماذا؟ سنرى أنه أتى بـ «ترائبها»، قال: «ترائبها» مبتدأ، «مسقولة» خبر، ثم جعل عبارة التشبيه تابعة للخبر فقال: «ترائبها مسقولة كالسجنجل». ولو نظرت في الحقيقة بعيداً عن ذكر وجه التشبيه الذي غالباً يحذف، سترى أنه ذكر في هذا الكلام ليس للبيان؛ يعني لم يقل «مسقولة» لأنه لو قال: «ترائبها كالسجنجل» لن يظهر وجه الشبه.

غير صحيح لو قال: «ترائبها كالسجنجل» كالفضة المسقولة، التي هي ما المراه؟ السجنجل المراه، حتى بعض الكتب تقول لك المراه وبعض الكتب تقول لك الفضة المسقولة، أصلاً المراه هي فضة مسقولة، هي لوح من الفضة يثقل شديداً حتى يكون المراه التي تراها اليوم. قال: «طرائبها مسقولة كالسجنجل». لو أنك قلت: «طرائبها كالسجنجل» هكذا، سنفهم وجه الشبه أنه الثقل وعدم وجود خشونة وكذا، لن تفهم أنه انعكاس الضوء منها أو أنها مرآة، لن تفهم هذا؛ وجه الشبه ظاهر ولكنه تدرج لك في...

المعنى: أعطاك صفة، ثم فاجأك بجملة التشبيه كالسجنجل، أو جملة أداة التشبيه والمشبه به المجرور؛ فقال: «ترائبها مسقولة كالسجنجل».

جاءت «كالسجنجل» لتقييد بعد أن أطلق عقلك في «مسقولة»؛ جاءت هنا على عكس الإطلاق الذي يراد له أن يذهب العقل كل مذهب، وإنما يعلم أنك ستقول مسقولة، وأنك ستعلق نوع تعليقه في بحث ذلك، فقال لك: «كالسجنجل». كما قال: «ويوم دخلت الخدرة فتركك في شوب حيرة».

لماذا؟ لأنه عرفه لك: «يوم دخلت الخدرة»، كيف عرفه؟ فجعلك لبرهة تشعر بمكانه هذا الخدر في نفس الشاعر، حتى إنه استعمل في التواصل مع المخاطب الألف واللام، أو استعمل اللام العهدية وهو لا يعهدها، أو التعريفية وهو لا يعرفها. كيف؟ قال: «ويوم دخلت الخدر»، ثم شرحه لك «خدر عنيزة»، فقال لك هو في نفسي معرف، في نفسي معهود. فقال لك: «ترائبها مسقولة كالسجنجل»، فجاء بعبارة «كالسجنجل» مزايدة وتقييدًا للإطلاق والإبهام الذي تركك فيه برهة في «مسقولة». فليس بمجرد التشبيه هو الذي فعل هذا.

انظر كذلك إلى قوله، وطبعًا هذا لا يشرح في لحظات، لكن أحاول؛ لما قال: «فادبرنا كالجزع المفصل بينه بجيد معم في العشيرة مخول». هذا التشبيه في الحقيقة، أو هذه الصياغة في التشبيه عند تأملها معقدة في الفن جدًا، بمعنى أن دواخلها بعيدة ودقيقة، وإن وقوع المعنى في النفس على تنسيق الشاعر هو الذي يكشف لك عظمة هذا التشبيه أو هذا البيت. لا أحب أن أقول عظمة التشبيه حتى لا يظن أن التشبيه في ذاته جاء، لكن هي عبارة تشبيهية.

لما قال: «فعن لنا سرب كأن نعاجه عذار دوار في الملاء المذيل»، فقال لك «عذار دوار»، وخص لك «دوار»، فكرة «عذار دوار» لما أسند العذارة إلى دوار، عيّن لك ما لم يكن متعينًا، فأحضر لك جماعة، وأضمر وجه الشبه وهو الاجتماع والكثرة، ثم جعلها «عذار دوار» في «الملاء المذيل»، فأتى بعبارة حالية «عذار دوار بالملاء المذيل». فليس أنه شبه كذا بكذا، بل لأنه جاء بالمشبه به مضافًا ومضافًا إليه، ثم أتى بعبارة حالية، ثم جاء بـ «في» مجازية، ثم جعل «المذيل» وليس «المذال».

لما قال: «عذار دوار في الملاء المذيل»، مثلما تقول: «أقبل القوم في السواد»، فأنت اختصرت أن تقول: جميعهم يلبسون السواد، فجاءوا وكان السواد ظرفًا لهم، فاستغنى الشرح الطويل فقال: «عذار دوار في الملاء»، يعني صار الملاء ظرفًا لهم، وهذا يرجعك إلى صفة في النعاج التي خصها، ولكن قال: «الملاء المذيل» يعني الذي بولغ في تذييله، وهذا أيضًا سيرجع إلى صفة في النعاج التي تسير جماعة كثيرة.

خذ عندك، مع أن هذا البيت لم يكن هو الذي أريد أن أقوله، البيت الثالث فقط أكشف لك كيف أن النظم هو الذي يصنع الصورة البيانية. قال: «فادبرنا»، كان يصف ماذا أولًا؟ وصف كثرتهن، ووصف عموم اجتماعهن والكثرة مع وفرة الأذيال التي تكاد تزحف، فقال: «عذار دوار في الملاء المذيل». وأراد بعد ذلك أن يصف وصفًا مركبًا، وهذا خذه لأنه ليس موجودًا في الشروح؛ أراد أن يصف وصفًا مركبًا، أراد أن يقول إنها كثيرة جدًا، كانت كثيرة ولكن مع ذلك كانت ماذا؟ أراد أن يصف تمام كل واحدة وشبابها، وانفصال بياضها عن سوادها؛ لأن هذه كلما تم شبابها صار بياضها ناصعًا وازدادت دكنة أو سواد أطرافها، وهي الرأس والذيل والقدمان واليدان.

هذه الأعضاء الستة: الرأس والذيل والقدمان واليدان، كل هذا يكون داكنًا جدًا ويكون جسمه أبيض شديد البياض. ورايتم هذا عند أبي ذؤيب الهذلي، ورايتم هذا عند النابغة الذبياني في معلقته. واستعمال هذا النص وانفصال البياض عن السواد والتوليع في بيان ماذا؟ في بيان تمام الشباب وتمام الجسم والصحة.

فقال: «فادبرنا كالجزع المفصل بينه»، إذ هو يصف حال إدبارهن؛ لأنه يرمي إلى اشتهاء عينه لهذه الكثرة التي سيصيد فيها. فقال: «فادبرنا كالجزع»، العبارة حالية، «المفصل بينه»، لماذا قال المفصل بينه؟ الجزع يا إخوة هو الحجر اليماني الذي يجزع سواده مع بياضه، يجزع بين السواد والبياض، ويكون من تمامه ومن جماله... هذا ما كنت أحاول التفسير به قديمًا حتى أنعمت النظر وأدركت المراد.

وأرهفت الحس شديدًا، هو كان يرمي إلى شيء آخر، يرمي إلى تمام هذه النعاج، وأن كل واحدة منهن قد انفصلت ببيانها، ومن شدة بيانها ونصوعها وانفصال بياضها عن سوادها صارت بجوار أختها كما لو كانت كالجزعة اليمانية العقيقية اليمانية التي هي من سواد وبياض، وقد فُصل في الحلي في الخيط الواحد فصل بينها وبين أختها بخرزة خشبية. هذا الفصل بالخرزة الخشبية يجعل كل واحدة قد امتازت بذاتها وبلونها، وامتازت بظهور جمالها للعين، لأن ما بينها ليس فيه هذا الجمال، وأعطى مسافة أراحت العين من كل واحدة.

تخيلوا لو نزعت هذه الفصوص الخشبية والتصق الجزع اليماني، سيتداخل البياض والسواد ولا يظهر تميز كل واحدة، سيحتاج إلى تدقيق مرهق؛ لأنه كله من سواد وبياض مجزَّع، وهو ما أراد، أراد أن يبين امتياز كل واحدة ونصوعها، وشدة بياضها في شدة سوادها، فقال: «فادبرنا كالجزع المفصل بينه».

إذًا، أول ما قال، ولذلك دائمًا أقول يا إخوة: معلقة امرئ القيس تقرأ ببطء ببطء، والله! «فادبرنا كالجزع المفصل بينه»، أنت هنا لا بد عقلك يلاحق التشبيه، عقلك يلاحق الكلام المطبوع. يعني إيه يا امرؤ؟ ما هو التشبيه؟ يعني كل واحدة من شدة استقلالها وبيانها ونصوعها وبياضها في سوادها، رغم المسافة القريبة بينها وبين صاحبياتها، امتازت عنها جدًا وصارت كجزعة يمانية من بياض وسواد فصل بينها وبين أختها.

وانتقل في التشبيه إلى وجه آخر، ما هو وجه مركب؟ وهو الكثرة. لحظة، سنأتي بالكلام؛ «فادبرنا كالجزع المفصل بينه»، هكذا يكون قد وصف نصوع كل واحدة وانفصالها واستقلالها بجمالها، لكن لم يتعرض للكثرة بعد، وهو يشتهي تمامها وكثرتها لأنه سيخرج من هذا لحمًا كثيرًا.

فقال مبيناً عن الكثرة: «بجيد معم في العشيرة مخول». «معم» يعني كريم الأعمام في العشيرة، «مخول» كريم الأخوال. والله يا إخوة، بعد سنوات من التأمل على السجية، كان عقلي الباطن والظاهر يتساءل: لماذا «معم في العشيرة»؟ لماذا لم يقل «معم مخول»؟ لماذا «معم في العشيرة»؟ ما معنى «معم في العشيرة»؟ «المعم» صفة في ذاته.

لماذا عدها بالحرف؟ شوف الكلام مش بقى تشبيه بقى خلاص، بقت تفاصيل تركيب التشبيه. لا مفتخراً مين؟ لا، لا، لا. لما تقول فلان كريم، انظروا إلى الفرق، ما الفرق بين فلان كريم وفلان كريم في العشيرة؟ فلان كريم صفة ذاتية وقعت فيه خلاص، فلان كريم في العشيرة ما الفرق؟ ليس ما امتاز به؟ لا.

شوف، أنتم تقربون؛ أختنا صفاء تقول تظهر صفته هناك، لما يقول كريم في العشيرة، كريم في العشيرة ظهر هنا أثر الكرم فيما يكون من العشيرة نحوه، كريم في العشيرة يعني أصبح يضاف إلى ذلك معنى آخر كأنه قال ومكرم فيها، هو كريم مكرم في عشيرته، مكرم من عشيرته.

فلان كريم في العشيرة فقال: «بجيد معم في العشيرة مخول»، يعني فيها أيضاً، ما معنى معم في العشيرة؟ يعني هو معم عند العشيرة، مكرم فيها، أي كونه معمّاً مكرم الأعمام، مخولاً مكرم الأخوال، هذا حاصل في عشيرته ومن عشيرته. هو كريم والعشيرة تقدره وتجل، هذا هو. لو قال «بجيد معم» لمفهوم، إنما كان الغريب والدقيق، ألم يقل ابن رشيق لهؤلاء للزمرة القليلة الذين قالوا هناك من هو أشعر من امرئ القيس: «وعند التأمل والتفتيش يسقط هذا أيضاً»؟ لا، ليس هناك أشعر، هكذا قال ابن رشيد، فعل شيئاً من هذا وجد شيئاً من هذا.

لما كنت أتأمل «بجيد معم في العشيرة»، لو قال «بجيد معم مخول» هل أخطأ؟ لا، لكن لما قال «معم في العشيرة» اختصر كلاماً كثيراً، أنه مكرم فيها، أنه فيها قطب في التكريم، قطب في كرم الأعمام والأخوال. ومنهم فعال يكون نحوه، أن المعم في العشيرة المخول الذي هو محط أنظارهم وعنايتهم وإكرامهم، على عادة العرب كانت تلبسهم الجزع اليماني، وهذا الاعتقاد باق إلى الآن، وهو أن لبس الجزع اليماني يقي من الحسد والأرواح الشريرة وما إلى ذلك.

فأراد وصف الكثرة بهذه العقود، خلاص، هذه الحلي الصمط التي نظمت فيها حبات الجزع اليماني وفُصل بين كل واحدة وأخرى بخرزة فتميزت مع كثرتها، فقال: «فادبرن كالجزع المفصل بينه» بجيد، يعني حال كونه بجيد من معم في العشيرة مخول، فصدره مليء من الجزع اليماني من هذه العقود والحلي التي فُصلت فيها الجزعات، فهذا شكل السرب من بعيد بنصوع كل واحدة فيه مع كثرتها.

فهذا هو، هل بقيت القضية قضية تشبيه؟ خلاص ما فيش تشبيه، القضية قضية نظم. تقول لي تشبيه؟ ما تشبيه الرجل، صنع نظماً آخر تماماً. رأيت يا أيوب هذا الكلام ليس أوهاماً، شوف أختكم عبرت بالذي أريد أن أقول، الأمر أبعد بكثير، سحر يا أيوب، صح!

انظر الآن، فعن لنا سرب كان نعاجه، لأنه يضع عينه على كثرة اللحم، وخص النعاج لأنها التي ترمي لحماً: «فعن لنا سرب كان نعاجه، عذار دوار في الملاء المذيل». خذ هذا التشبيه وصغه صيغة أخرى، وقل كأنه نعاج، نفس التشبيه، لو قلت إنه الجودة بالتشبيه، خذ نفس التشبيه ودع المضاف والمضاف إليه، ودع استعمال المجازية في الملاء المذيل، لأنه يسحب الملاء كونهن في الملاء، هذه الظرفية مجازية خلاص، وكونه وصفه بالمذيل، وقل مثلاً: «فعن لنا سرب كان نعاجه»، العذار الكثيرة التي تدور حول صنم دوار وتراها قد سحبت خلفها الأذيال الكثيرة السوداء، فهذه تشبه هذه النعاج في كذا وكذا، هو نفس التشبيه، هو نفس التشبيه لكن ضاع الشعر.

أتحداك آتِ بنفس التشبيه وسأسلم لك بوجود نفس التشبيه، وسيعجب بالمناسبة بشرط ألا تذكره بعد البيت، سيعجب، ستقول أنت عبقري، كيف ستقول للشخص: الله عليك، كيف وجدت؟ لاحظت؟ طبعاً العامة تفعل هذا يا إخوة، ترى العامة في الفيسبوك وهذه المواقع ووسائط التواصل الاجتماعي تقول: الله كيف انتبه إلى الكذا، فأنا أقول: ذكي بس لكن مش شاعر. عادي، كيف انتبه إلى الصلة بين كذا وكذا؟ عادي، إنسان لماح، إنسان لماح كما قال الآمدي نسميه ذكياً، لماحاً، حكيماً، فيلسوفاً، معياً، لكن ليس شاعراً.

أتِ بنفس التشبيه وسترى الفرق. ما الذي حصل؟ «فعن لنا سرب كان نعاجه، عذار دوار في الملاء المذيل، فادبرن كالجزع المفصل بينه»، شوف: «كالجزع المفصل بينه»، هذه الصيغة التي صنعت التشبيه الصواب في القصيدة، في النص الشعري الخاص: «فادبرنك الجزع المفصل بينه بجيد معم في العشيرة مخول». وكلمة «مخول» بعد أن قال «معم»، وأوهمك تمام الكلام، قال «ومخول» أيضاً، يعني شخص في العشيرة، شخص معم مخول في العشيرة، يعني قطب فيه، يعني محط أنظار، يعني خوف حسد عليه، كلمة «في العشيرة» اختصر لك بها كلاماً كثيراً منها أفعال تفعلها العشيرة معه.

رأيت حتى تستحضر وجه الشبه، حتى تستحضر التشبيه، وتستحضر لماذا شبه هذا بهذا، يضمر كلاماً في كلام، أظهر هذا الكلام واشرحه بصيغة أخرى، وستعلم أن الذي صنع هذه الروعة هو الصياغة، وليس عين التشبيه، وليس عين التشبيه: «فادبرنك الجزع المفصل بينه بجيد معم في العشيرة مخول». وكلمة «بجيد معم» تأخذك بعيداً، هنا الآن أدخلك في العشيرة لترى صبياً صغيراً جميلاً محسداً، كريم الأعمام والأخوال في العشيرة، فهو معم مخول في العشيرة، فهو محسد محط عناية العشيرة، دون أن ينقطع ذهنك عن هيئة السرب.

ثم يأتي أشخاص يقولون في المعاصرين ويأتون بتشبيهات بعيدة هي للزخارف لا علاقة لها بالموضوع، أنت ذهنك قصير، ماذا نفعل؟ ذهنك كليل، لم يستطع أن يقف مع هذا الضغط العالي من اللغة دون أن ينقطع ذهنه عن المشبه، نحن نستطيع، ولو بعد حين، استطعنا والحمد لله، لكن على الطريق واستطعنا بفضل الله.

نعم، وأنا ذكرت هنا الكناية كذلك، لأن لو شخص قال لك فلان هذا، أنت تسألني هل هو كريم؟ يقول لك: والله أنا لم أرَ طعماً ولكن رايته كثير الرمات، جبان الكلب، مهزول الفصيل، هذا الكلام سيعجبك من جهة المعنى في أصله، لكن الذي يحسنه هذه الكناية التي يحسنها في موضع ليس هذا، وإنما الصياغة التي تقع.

طيب، وأنا ذكرت التشبيه وذكرت الكناية، لماذا لم أذكر الاستعارة؟ لأن تصور الاستعارة أصعب، لأن التغير في الاستعارة، المعنى في الاستعارة هو تغيير معنى اللفظة، الاستعارة التي هي المجاز اللغوي، صح، هو تغيير معنى اللفظة، فتصور هذا في النظم أسهل من التشبيه.

طيب، هذا في البيان. تعالوا إلى ما هو عند بعض الناس أصعب، وهو ماذا؟ وهو البديع. ودعوني أؤصل لكم في البديع أصلاً. يا إخوة، مهم جداً جداً، وأنا أعلم ربما أن بعضكم إلى الآن يشتبه عليه أو تراود ذهنه هذه القضية وهذه الشبهة، وهو أنه يقع الغلط كثيراً في أذهان بعض الناس وفي أذهان الدارسين، لا سيما من...

المبتدئون، وهو المستقر عند عامة المثقفين، أن البديع هو ذلك التزيين اللفظي أو التحسين اللفظي، أو ما يسمونه بالتحسين المعنوي الذي يكون زائداً على ماذا؟ يكون زائداً على الكلام بعد تمام النظم. يعني يعتبرونه حسناً زائداً على النظم، هكذا يفهمون؛ لأن في عبارات بعض المتأخرين يقولون لك: وإنما يعتبر هذا الباب وكذا بعد البابين الأولين بعد تصحيح المعاني والبيان، فأنت تظن أن هذا تحسين زائد يوضع زائداً بعد حسن اسمه المعاني وحسن اسمه البيان، فيأتي هذا الحسن زائداً مركباً عليهما ليكون ما فيه أحسن مما ليس فيه، هذا خلاص، وهذا غلط شائع يا إخوة.

لأن الذي يقول ذلك لو قرأ فقط كلام السكاكي في مفتاح العلوم ما قال هذا؛ يعني حتى هذا في البلاغة، لا أقول عند عبد القاهر فقط، بل امتد إلى السكاكي، خلاص هذا غلط شائع؛ لأن الحسن في هذه الوجوه المعروفة بالبديع هو أصل الحسن البلاغي. وهنا تتذكرون كلمة، وهذه كلمة خطيرة ومهمة، كلمة الشاعر الناقد المصنف عبد الله بن المعتز في كتابه البديع لما قال: «إنما هي وجوه من النظم والتراكيب راقت لخصائص فيها فاستعملوها»، يعني ليست زائدة عن المعاني والبيان هي عينها، لكن أخذت هيئات معينة، فالحسن فيها ليس حسناً زائداً بعد الحسن الأصلي، لا يوجد هذا، فهم كليل جداً، فهم من لم يغص في هذا الأمر وتوهم بعض العبارات في المتون أو في الشروح المتأخرة.

هذا الفهم حين يقال لك هذا بعد تمام المعاني وكذا، لا، أنا سأشرح الآن لماذا، أو ما معنى هذه العبارة؟ في الحقيقة، نعم، أقول: الحسن في هذه الوجوه المعروفة بالبديع هو أصل الحسن البلاغي الذي به يكون الكلام البليغ فوق الكلام العادي؛ أصله هو. وحينما يقولون مثلاً هذه وجوه تأتي بعد التصحيح في علم المعاني وعلم البيان، لا يقصدون أنها زوائد تنضاف إليها وتُزال عنها من حيث الواقع، يعني أنها معانٍ تنفصل جهتها عن جهة الأولى، فتكون غيرها وتكون زيادة عليها بعد تحقق الأولى، هذا غلط. وإنما يريدون أن مراعاة هذه الوجوه البديعية إذا أردت أن تأتي بنصك الذي لم تخلقه بعد، إذا أردت أن تأتي بنص على الصورة البديعية، فشرطه ألا تخل بالمعاني وبالبيان؛ لأن النظر إلى هذه الوجوه والرغبة فيها إذا حصلت لذاتها أدى ذلك إلى فساد النظم، كما حصل عند أبي تمام كثيراً.

وإنما تصح هذه الصياغات التي هي صياغات نظم متى؟ متى تصح هذه الصياغات؟ إذا لامت الغرض من الكلام، هذا هو المعنى. ابن المعتز يقول لك: هي وجوه وصور تراكيب أعجبت الشعراء المحدثين فاستمروها وركزوا عليها. بل هناك إشارات في الكلام إلى أنهم لما ضعفوا في إنتاج الشعر الطبيعي أو المطبوع، وكان المعنى وحده هو الصانع ابتداءً للكلام، ركزوا فقط على هذه لتصنع لهم الكلام، فخرج شعرهم مليئاً بها متكلفاً. وأما عند القدماء فكانت على طبيعتها تأتي وقتما تأتي إذا ناسبت المعنى؛ لأن القدماء لا تبهرهم هذه، يعني هم فحول، ومن علامات فحوليتهم التي لم ينتبه إليها أنهم لم تبهرهم هذه، مع إجماع النقاد والمؤرخين على أنها كانت فيهم، لم تبهرهم؛ لماذا؟ لأنها عندهم لا تزيد شيئاً في الحسن على صياغات أبياتهم الأخرى، لأنهم لا يوقعون المعاني إلا في الصياغة اللائقة بها، فيتركونها إلى أن تأتي الصياغة اللائقة بها.

أما نحن لما عجزنا عن الإتيان بالصياغة اللائقة لكل معنى ولكل غرض وشرف معنى وهيّاج نفس، استعنا، توسلنا بهذه لتخلق لنا ما لم نخلقه، لتوجد لنا ما لم نوجده نحن. فهمت هذه القضية؟ فاهم يا أيوب الفكرة، تفهم الفكرة يا أيوب؟ لماذا أكثر المتأخرون منها ولم يكثر منها المتقدمون؟ المتقدمون الأمر عندهم هو خلاص، أبْدَعُ مما سمعت من امرئ القيس: بديع، وطباق، وجناس، وتورية، وكذا، هذه كلها عند امرئ القيس تأتي في مكانها إذا أتى ما يستدعيها، أتينا بها، هي في الأخير خدمة لوجه من وجوه المعنى، أما وجوه الفن فنخلقها في توها لأنهم قادرون عليها، ولهذا لم تكثر في شعرهم.

ولهذا قال ابن المعتز: «وأنت تدخل في الديوان وتنفتل منه ولا تعثر في القصيدة، والقصائد، وفي الديوان كله ربما على واحدة من هذه الوجوه لا تعنيهم، لا تهمهم»، لأنهم لم يستغيثوا بها، خلاص لم يستنجدوا بها. أما المتأخرون فاستنجدوا بها لتكون كالجبائر التي تشد ما لا يشد عندهم، تشد ما يتراخى ويهترئ ويترهل دونها. نحن في زماننا، ماذا يا أيوب؟ لحظة، في زماننا تقحم إقحاماً، من أحسنها يسمونه ملك الشعراء.

خلاص، فالصواب في هذه الوجوه أن تأتي ملائمة للمعاني، هذا هو معنى قولهم هي وجوه تأتي بعد التصحيح للمعاني؛ ليس لأنك تصحح المعاني ثم تضيفها، يعني تأتي بلفظة مثلاً، أنت كتبت البيت، والبعض يتصورها هكذا، يعني رأيت من يتصورها هكذا: تكتب البيت خلاص تمام سليم، طيب ما رأيك أن نجانس هنا؟ أحذف اللفظة هذه وأتي بلفظة مجانسة مع اللفظة الأخرى، هكذا حلوة؟ طب ما أنت هكذا غيرت النظم أصلاً، ما هو لو كان المعنى الأول هو الملائم فأنت غيرت اتجاه الكلام، لم تزد على الأول، كيف تزيد وأنت إذا غيرت غيرت عظم النظم؟ تفهمون هذا؟

فالمقصود هو ظاهرية المبتدئ عموماً، ولهذا يحتاج إلى الأستاذ؛ لأن المبتدئ عموماً تخدعه العبارات فيفهمها خطأ. فالمقصود هو أن تكون هذه الوجوه حينما تصنعها تحت سلطان القانون في المعاني والبيان، هذا هو. فإذا حصلت هذه الوجوه البديعية على وجهها الصحيح كانت عين النظم الصحيح وليست قدراً زائداً. انظر مثلاً المثال الذي ذكره عبد القاهر عن الإمام الشافعي: «أجمع أهل الحرمين على تحريمه»، هذا يقول: هذا أوفق الجناس، هذا عند عبد القاهر أفضل جناس وأتمه وأصحه، وأنا أجعله مقياساً.

لماذا؟ لأنك ترى هنا البديع حاصلاً بذات المعنى في اللفظتين، وهذه المادة في اللفظتين راجعة إلى مادة واحدة. هاتان اللفظتان المتجانستان ترجع مادتها إلى حاء وراء وميم، فقال: «أجمع أهل الحرمين على تحريمه»، لماذا صار حرمين؟ ها، جاءت حرمتها من الدين، صح، على تحريمه، الحرمة من الدين، فأشار بالحرمين، وبإجماع أهل الحرمين على التحريم أشار بهذا الجناس إلى قوة التحريم، فوظف كلمة الحرمين في قوة التحريم. خلاص.

انظر كذلك في قول أبي تمام: «حدَّ الحدُّ بين الجد واللعب»، الجناس الحاصل بين حدَّ والحدِّ في «حدَّ الحدُّ بين الجد واللعب»، أنت ترى حدَّ السيف صنع حداً، وما في السيف حدٌّ، وما في الأرض حدٌّ، أو ما قَدُّه حدٌّ، أيضاً في حدَّ الحدُّ يعني في قاطعته.

القطع عن ذلك، والسيف مانع، والخيط أو القد الذي قدّه مانع؛ في حده الحد بين الجد واللعب. وانظر إلى الطباق الذي وقع في الجد واللعب، خلاص الطباق الذي وقع في الجد واللعب هو في ذات المعنى، صح؟ هو ذات المعنى، الجد واللعب هذا عكس هذا. إذن إذا تقول بعد إضافة المعنى الأصلي هو ذات المعنى، هو ذات المعنى الشعري، يعني ليست هناك زيادة وضعها، هي شيء حصل بهذا التضاد، بهذا الطباق.

فالمقصود يا إخوة هو اشتراط عدم الإخلال بالنظام أو بالنظم لو أردت أن تستعمل هذه الوجوه، وهو تماماً كقولنا لمن يأتي بالسجعة في الكلام والقافية في الشعر: لا تجعل اللفظ فوق المعنى، لا تجعل اللفظ فوق المعنى، لا تجعل المعنى تابعاً لللفظ، بل اجعل اللفظ تابعاً للمعنى. لا نريد أن يكون اللفظ في غير المعنى، وأن يكون المعنى زائداً، خلاص لا نريد هذا؛ لا نريد أن يكون اللفظ غير المعنى، وأنه وإن كانت السجعة زائدة على المعنى، ولكن نريد أنك إذا أردت أن تأتي بلفظ مسجوع فالشرط أن تحقق المعنى.

لنأخذ بعد ذلك حلاوة الصوت والتنبيه على المادة، وهي مادة معنوية أيضاً، لكن يظهر هذا أكثر في الجناس، يظهر هذا لأن هناك زيادة ترنمية موجودة في الشعر والسجعة، لكن في هذه الفكرة حينما نقول له شرطك لوضع السجعة أو القافية أن تتبع المعنى وليس أن يتبع المعنى اللفظ، فيضعف المعنى لأجل تحصيل الصوت.

ويؤيد أن الحسن في الوجوه البديعية هو الحسن البلاغي نفسه، قول السكاكي يا إخوة في «المفتاح»، هذا أقرأه لكم من «المفتاح» مباشرة، لحظة واحدة، اسمعوا ودققوا فيما يقول. طبعاً عرفنا أنه توفي في العام السادس بعد الستمئة من الهجرة، وأنه وضع «مفتاح العلوم» الذي اختصره القزويني في «تلخيص المفتاح»، ثم ألف القزويني كتابه «الإيضاح» ونص على أنه بمقام الشرح له، ليس شرحاً مباشراً لكنه وسع فيه فصار بمقام الشرح له. وهذا الكتاب «الإيضاح» الذي يعتبر شرحاً على «تلخيص المفتاح»، وهذا «المفتاح» طبعاً الذي هصر أو عصر علم عبد القاهر وغيره، يعتبر المرجع الآن كما عرفتم في مصنفات البلاغة.

ذكرت هذا أيضاً في المقدمة، في «الدلائل» أو في «الصناعتين»، يقول السكاكي -واسمع لما جاء يتكلم عن البديع-: «وإذ قد تقرر أن البلاغة بمرجعيها، وأن الفصاحة بنوعيها مما يكسو الكلام حله التزيين...». يعني ماذا؟ يعني يعطيه حسناً فوق الحسن في الكلام العادي غير البليغ، يعني الفرق بين الكلام البليغ والكلام العادي. يقول: «وإذ قد تقرر أن البلاغة بمرجعيها، وأن الفصاحة بنوعيها مما يكسو الكلام حله التزيين ويرقيه أعلى درجات التحسين، فله وجوه مخصوصة»، عبارة شبيهة بعبارة ابن المعتز: «هي وجوه من التراكيب لها هيئة مخصوصة لفتت الأنظار»، فها هنا وجوه مخصوصة كثيراً ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام.

رأيتم؟ إذن يتكلم عن التحسين الذي ينقل الكلام من كلام غير بليغ إلى كلام بليغ، فالحسن الذي في البديع هو الحسن البلاغي المعنوي الأصلي. وهذا يؤيد عبد القاهر، إذن لا نقول إن هؤلاء المتأخرين أو أن السكاكي هو الذي فعل هذا وأوهم بكذا وكذا، وأن عبد القاهر هو الذي فقط أدخل هذا في باب المعنى، لا، السكاكي نص على أنه من نفس جنس الحسن.

قال لك ركز وتأمل وتدقق، قال: «وإذ قد تقرر أن البلاغة بمرجعيها وأن الفصاحة بنوعيها مما يكسو الكلام...» بعد أن انتهى من علم المعاني وعلم البيان، مما يكسو الكلام يعني الوجوه التي في علم المعاني والوجوه التي في علم البيان مما يكسو الكلام حله التزيين، يعني ينقله من غير بليغ إلى بليغ ويلقيه أعلى درجات التحسين، فهذا هو الحسن البلاغي.

فهنا تفريع يعقب، فإذا أردنا هذا الأمر فها هنا وجوه مخصوصة كثيراً ما يصار إليها لقصد تحسين الكلام، فلا بد لنا أن نشير إلى الأعرف منها، وهي قسمان: قسم يرجع إلى المعاني أو المعنى، وقسم يرجع إلى اللفظ، ومعنى يرجع إلى اللفظ وإلى المعنى، يعني من باب تعيين موضع البديع. أنت في الجناس مثلاً تبدأ من اللفظ: «أجمع أهل الحرمين على تحريمه»، فأخذت اللفظ وجعلت الفائدة تنتهي بالمعنى. أما في الطباق فتبدأ بالمعنى، لأن في «حده الحد بين الجد واللعب» جناس بين الجد واللعب، وطباق بين الجد واللعب، في «حده الحد» أوتكأت على الوجه من جهة الألفاظ، كذلك «أجمع أهل الحرمين على تحريمه». أما بين الجد واللعب، فالجد ليست من لفظ اللعب، واللعب ليست من لفظ الجد، لكن المعنيان متضادان يتعاكسان، فهذا يسمى التحسين اللفظي.

والمشكلة أنك لما تسمع كلمة تحسين عند المتأخرين تظنها محسنات ومزينات وشوية زخارف توضع على الكلام بعد أصله، أي زيادة، وكأنها زيادات، وها هو كلام السكاكي في «المفتاح» يقول لك بما أن ما عرفناه في المعاني والبيان يجعل للكلام حسناً، يعني يجعله بليغاً أصلاً. فها هنا وجوه أيضاً تؤدي إلى هذا، وقال: «فلا بد لنا أن نذكر الأعرف منها»، يعني الأشهر والأيسر، هو يذكر بعض الوجوه أساساً يخصها أصل البديع.

أصل البديع يا إخوة هو تخصيص لبعض الوجوه المعنوية، ونص على ذلك ابن المعتز لما قال: «هي وجوه استمراوها وأعجبوا بها، وجوه من التراكيب وهيئات الكلام أعجبوا بها»، يعني هي وجوه هي نظم، ولذلك هو ملحق، يعني أنا أنظر إلى علم البديع على أنه ذيل وملحق فقط، كان يمكن أن يفصل من علم البلاغة أصلاً، وأن يجعل كما فعله ابن المعتز تنبيهاً في رسالة مستقلة فقط، ليس أكثر من ذلك، كان يمكن حتى لا يكون علماً موازياً لها.

عرفتم لماذا بدأت لكم من كلام القدماء؟ عرفتم لماذا بدأت لكم من عبد القاهر؟ عرفتم كيف كلام السكاكي صريح في أنها من وجوه البلاغة لما ذكرها؟ لما لم يقصد إليها قصداً ولم يعب، قال: «فلما كان البلاغة كذا كذا فيها التحسين»، ويقصد بها التحسين، فها هنا وجوه مشهورة نتناول بعضها. هل الصيغة التي تكلم بها السكاكي صيغة من يتوجه إلى علم قائم بذاته؟ لا، ولذلك لما تتجادل مع أحد من المعاصرين حول هذه الأمور، ينبغي أن تتكلم بعلم، تقول له: السكاكي يقول...

كذا والصيغة هذه هو يفرعها عما سبق، وعبد القاهر يقول كذا وليس على هذه المعارك الموجودة؛ هؤلاء بديعيون وهؤلاء تبع النظم والبديع هذا قبيح وليس هكذا إطلاقا. تقول تعالى: ﴿الْبَدِيعُ﴾، قال ابن المعتز كذا، قال السكاكي، قال عبد القاهر، وانظر كيف السكاكي فرعه تفريعا لطيفا؛ لأنه ليس بابا مستقلا ولكن كبر حجمه بعد ذلك وعني به عناية خاصة، وليس بابا مستقلا، هو في ضمن النظم أو في عظم التناول للنظم، وكلام السكاكي الذي قعد علوم البلاغة وكان أول التقعيد يشهد بذلك.

نكمل بعد الأذان؛ فهذه يا إخوة كانت إطلالة على فكرة النظم، وعلى أن كل الفنون، وكل الوجوه الفنية التي تعد وجوها فنية في نقد الشعر وتقويمه، ترجع إلى النظم؛ سواء كانت من البيان كالتشبيه والاستعارة والكناية، أو كانت من البديع.

عرفتم أن التشبيه لا يكون تشبيها لأجل عين التشبيه أو صورة التشبيه في ذاتها، وإنما يكون كذلك حسنا بما يصوغه الشاعر؛ لأن كل تشبيه يصاغ على الغاية منه. وأما الاستعارة فالأمر فيها واضح، وكلام عبد القاهر فيها واضح جدا؛ وعبارات مرت معنا وهو يقول لك إنك ترى الاستعارة -لما كان يتكلم عن المجاز الحكمي- قال إنك ترى المجاز الحكمي صعبا، وقال لماذا هو صعب؟ وقال كذلك من وجوه المجاز اللغوي الاستعارة ما تحتاج إلى أن تهيئ له الكلام، وضرب أمثلة على ذلك، وأنك لو قلت كذا وكذا ما جازت لك هذه الاستعارة.

رأيتم لا تجوز لك هذه الاستعارة، ولا يجوز لك المجاز الحكمي أو العقلي إذا لم يكن قد تهيأ له الموضع، وإذا لم يكن ملتئما في الكلام؛ فكل هذا يا إخوة إنما يرجع إلى الصياغة، ويرجع إلى هيئة الكلام التي تحقق معنى خاصا في سياق الكلام.

كذلك الكناية، الكناية إذا وقعت من هذا الباب هي إطلاق، تشترك مع الاستعارة في أنها إطلاق بخلاف التشبيه فهو إلحاق. فالكناية كذلك لو كانت حسنة لذاتها لصحت في كل المواضع، بل في المعنى الواحد تأتي بالكناية تغير الموضع والكلام في نفس الغاية والمعنى العامل المجمل محض المعنى غير الفني، فترى الكناية قد فسدت.

ورأيتم ما هو أبعد وأعظم بكثير في كلام امرئ القيس مما يذكرونه في أمر التشبيه عنده، وأنه حسن بالتشبيه ليس بالتشبيه، وإنما بالشعر الذي هو النظم دون غير ذلك. وأنا أرى أن نجعل هذه المحاضرة مقتصرة على هذا الأمر؛ لأننا قد بلغنا الساعة، فلا أرى أن نخوض في قدر قليل من مادة الكتاب، فليخلص إلى هذا البيان.

وشكرا لكم، وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.