بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا الخامس والأربعين من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.
ما زلنا يا إخوة في خضم الكلام عن المجاز الحكمي، أو المجاز العقلي، أو المجاز الإسنادي. وتوقفنا في أثناء الفقرة الثالثة بعد المائة والثلاثين في الصفحة السابعة والسبعين، واقرأ الفقرة من أولها:
يقول: «واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير، إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة؛ مثل أن تقول في: رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ: رَبِحُوا فِي تِجَارَتِهِمْ، وفي: يَحْمِي نِسَاءَنَا ضَرْبٌ: يَحْمِي نِسَاءَنَا، فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء. ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: أَقْدَمَنِي بَلَدُكَ حَقٌّ لِي عَلَى إِنْسَانٍ فاعلا؟ يعني أن تثبت للفعل فاعلا في قولك: أَقْدَمَنِي بَلَدُكَ حَقٌّ لِي عَلَى إِنْسَانٍ، لا يمكنك أن تثبت للفعل فاعلا سوى الحق. وكذلك لا تستطيع في قوله: «وَصَيَّرَنِي هَوَاكَ وَبِي بِلَحْنٍ يُضْرَبُ الْمَثَلُ»، قلنا هذا مجزوء الوافر، «وَصَيَّرَنِي هَوَاكَ وَبِي بِلَحْنٍ يُضْرَبُ الْمَثَلُ»، وقوله هذا أيضا مجزوء الوافر: «يَزِيدُكَ وَجْهُهُ حُسْنًا إِذَا مَا زِدْتَهُ نَظَرًا»، أن تزعم، يعني لم تستطع، أو لا تستطيع في قوله كذا وقوله كذا أن تزعم أن لـ«صَيَّرَنِي» فاعلا، قد نقل عنه الفعل فجعل للهوى، كما فعل ذلك في: «رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ» و«يَحْمِي نِسَاءَنَا». ولا تستطيع كذلك أن تقدر لـ«يَزِيدَ» -خلاص يزيد- أن تقدر لـ«يَزِيدُ» في قوله: «يَزِيدُكَ وَجْهُهُ» فاعلا غير الوجه، يعني لا تستطيع أن تقدر فاعلا غير الوجه الذي هو الفاعل المجازي. فالاعتبار إذا بان أن يكون المعنى الذي يرجع إليه الفعل موجودا في الكلام على حقيقته».
توقفنا هنا على ما أذكر، وقلت هناك خلاف في هذه المسألة. لكن دعونا نفهم المسألة عند عبد القاهر أولا، لأن هذا الأمر فيه قضية مهمة سأجعلها في صدر كلامنا هذا إن شاء الله تعالى. عبد القاهر يقول في أول الفقرة: «ليس بواجب في هذا»، يعني هذا النوع من المجاز، «أن يكون للفعل فاعل في التقدير، إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت إلى الحقيقة».
لماذا يا إخوة؟ هذا ما ينبغي أن تعملوا عقلكم فيه وتتأملوا؛ لماذا قال عبد القاهر هذا؟ لماذا لا يجب أن يكون له فاعلا في الحقيقة؟ هل المجاز في هذا النوع في الفعل؟ أنا أسألكم: هل المجاز في الفعل؟ هل الفعل مجاز؟ والفاعل ليس مجازا أيضا؟ يعني المجاز وقع في ماذا؟ في ذات الإسناد.
يعني المجاز ليس في الفعل وليس في الفاعل، وإنما المجاز في ذات الإسناد. يعني الفعل حقيقي والفاعل في ذاته حقيقي، لا من حيث كونه فاعلا، خلاص، الفاعل في ذاته حقيقي، وإنما المجاز في الإسناد في العملية العقلية. وهذا يا إخوة يكفي لحصول المجاز؛ لأن الفاعل ليس فاعلا على الحقيقة، ولهذا الفعل الذي جاء على الحقيقة هو ليس فاعلا له، حتى لو لم يوجد فاعل حقيقي.
هل عدم وجود فاعل حقيقي أخل بأن الإسناد هنا إسناد الفعل إلى الفاعل إسناد مجازي؟ هل أخل بذلك؟ يعني هل عدم وجود -ركزوا معي- هل عدم وجود فاعل حقيقي يجعل هذا الفعل مفعولا أو قد فعله حقيقة؟ هذا الفاعل الذي أسند إليه الفعل، هل هذا ينفي المجازية؟ هل هذا يثبت وقوع الفعل حقيقة من هذا الذي أسند إليه الفعل؟ لا، ما زال الفعل مجازا، ما زال الإسناد مجازا، ليس الفعل، ما زال الإسناد، ما زال الحكم بأن الذي فعل هذا هو هذا مجازا، خلاص ركزوا معي. الفاعل ليس فاعلا على الحقيقة حتى لو لم يوجد فاعل على الحقيقة.
والقول بأن الفعل الذي ليس له فاعل فاعله هو الله، القول بأن الفعل الذي ليس له فاعل يكون فاعله هو الله سبحانه وتعالى، هذا يا إخوة يدخل في عرف علم الكلام، لا يدخل في عرف المعنى البلاغي. يعني المعنى البلاغي نقول: هذا فعل ليس له فاعل في العرف البلاغي والتصور البلاغي، هذا الفعل ليس له فاعل. أما التفتيش والاختراق نحو حقيقة الأشياء وحقيقة الفاعلين وما إلى ذلك، هذا عرف كلامي وليس من عرف البلاغة. ولهذا كنت من قديم مع عبد القاهر في هذه المسألة، لأن جمهور البلاغيين قالوا: «والفعل لا بد له من فاعل»، وخالفوه فيه.
خلاص، تعالوا نقرأ ذلك في كتاب الإيضاح للقزويني، يقول القزويني -وطبعا علمتم أنه توفي العام السبعمائة وتسعة بعد المائة- يقول: «واعلم أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي واجب أن يكون له فاعل في التقدير». أي لا يصح ألا يكون له فاعل في التقدير.
عبد القاهر يقول: لا يصح، يقول يجوز ألا يكون له فاعل. لماذا؟ ما قلناه، الذي يعنينا في المجاز بقطع النظر، بلاش، وجدنا رجلا أو طفلا في الأرض، هذا ليس ابن فلان، لا يجوز أن يكون ابنه؛ لماذا؟ لأنه لا يصح لنا أن نأتي ونقول هذا ابن فلان لأنه كان يمر حينما وجد الطفل، لا هو ليس ابنه. طيب، لا يمكن أن يثبت بدون أب، لابد أن يكون له أب، والله هذا لا يعني أن تثبته لفلان الذي مر، لا يلزم كونه لم نعرف له أبا، لا يعني أن ننسبه لمن مر بهذا المكان. وهذا الفعل، سواء كان له فاعل أو لم نعرف له فاعلا، في العرف البلاغي هو في نسبته في هذا النص إلى الفاعل الفلاني مجاز. يعني كوننا لم نعرف فاعله أو لم يكن له فاعل في العرف البلاغي، هذا لا يعني أنه ليس مجازا، هنا هو مجاز، لا يلزم.
لماذا وجد له فاعلاً لم تجد له فاعلاً؟ لست أنا من فعله، فإسنادك إياه لي مجاز. الآن الفاعل يتكلم، هذا هو فاعل في الجملة خلاص. كما في قول امرئ القيس: «وانتحى بنا بطنُ حِقْفٍ»، قلنا انتحى فعل حقيقي، وبطن الحِقْف هذا أيضاً بطن حقيقي، معناه حقيقي في نفسه. إسناد الانتحاء إلى بطن الحِقْف مجاز؛ لأن الذي فعله هو امرؤ القيس وحبيبته إذ يسيران.
فياتي لك البطن، بطن الحِقْف يقول لك هذا الانتحاء سواء وجد له فاعل وهو امرؤ القيس، أو كان من الأفعال التي لا يوجد لها فاعل. أنا الآن أخلص لكم قول عبد القاهر: أو كان من الأفعال التي لا يوجد لها فاعل، بطن الحِقْف يقول لك لا يخصني أنا، لست الفاعل. فهمتم هذا يا إخوة؟ واضح؛ له فاعل ليس له فاعل، لا يخصني أنا، لم أفعل الانتحاء، أنا بطن حِقْف ثابت، أنا ثابت في مكاني، أنا لا أنتحي، ينتهى إليّ أنا، لم أفعل الانتحاء.
وجدت فاعلاً للفعل لم تجد فاعلاً للفعل؛ أنا لم أفعل الانتحاء خلاص. كما سيأتي في بعض الأمثلة: «أقدمني بلدك حق لي على إنسان»، يأتي الحق الذي أسند إليه الفعل، أقدمني، فعل الإقدام أو القدوم حقيقي، أليس كذلك؟ تفاعلوا معي، صح ولا لا؟ الإقدام حقيقي، والحق حقيقي، فما المجاز؟ العملية العقلية، الإسناد. الذي محله العقل إسناد الإقدام إلى الحق مجاز. يأتي الحق يقول لك: والله وجدت لهذا الإقدام أو لكونه أقدمه، وجدت لهذا القدوم من حرضه عليه أو لم تجد، أنا لم أقدمه على البلد، أنا لم أقدمه إلى البلد، أنا فاعل مجازي، وجدت لهذا الفعل فاعلاً أو لم تجد أنا لم أقدمه. وضحت؟
تعال نقرأ كلامهم. قال القزويني في الإيضاح: «واعلم أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي واجب». ها، يخالفون عبد القاهر، واجب أن يكون له فاعل في التقدير، إذا أُسند إليه صار الإسناد حقيقة لما يشعر بذلك.
يرد الشيخ عبد المتعال الصعيدي، الأستاذ بكلية اللغة العربية والذي وضح وضع بغية الإيضاح على كلام القزويني، يقول: يرد بهذا على ما يفيده ظاهر كلام عبد القاهر من أن الفعل المبني للفاعل في المجاز العقلي لا يجب أن يكون له فاعل حقيقي، كما في قولك: «سرتني رؤيتك»، والخلاف في هذا لا ثمرة له. هو يقول: والخلاف في هذا لا ثمرة له ولا يصح الاشتغال به في علم البلاغة. ولا يريد عبد القاهر، اسمع اسمع، لا يريد عبد القاهر إلا أن العرف في مثل هذا لم يجرِ على إسناد الفعل إلى الفاعل الحقيقي، فلا يقال فيه: «سرتني رؤيتك». عبد القاهر لا ينكر وجود الفاعل في الكلام، سواء كان الله أو كان النفس أو كان غير ذلك، هو لا ينكر وجود الفاعل، وإن الفعل الذي لا يظهر لنا له فاعل، فاعله هو الله. إن الفعل الذي لا يظهر لنا عنده فاعل فاعله هو الله سبحانه وتعالى.
انظروا ماذا يقولون: «وذلك قد يكون ظاهراً كما في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16] أي فما ربحوا في تجارتهم، وقد يكون خفياً لا يظهر إلا بعد نظر وتأمل». هذا قال القزويني. كما في قولك: «سرتني رؤيتك» أي سرني الله وقت رؤيتك، كما تقول أصل الحكم: «أنبت الربيع البقل» أي أنبت الله البقل وقت الربيع. وفي «شفاء المريض» شفى الله المريض عند علاج الطبيب. وكما في قوله: «أقدمني بلدك حق لي على فلان» أي أقدمتني نفسي بلدك لأجل حق لي على فلان، أي قدمت لي ذلك. ونظيره: «محبتك جاءت بي إليك» أي جاءت بي نفسي إليك لمحبتك، أي جئتك لمحبتك. وإنما قلنا إن الحكم فيهما مجاز؛ لأن الفعلين فيهما مسندان إلى الداعي، والداعي لا يكون فاعلاً. وكما في قول الشاعر: «وصيرني هواك وبي لَـحْـنٌ يضرب المثل» أي وصيرني الله لهواك، وحالي هذه أي أهلكني الله ابتلاءً بسبب هواك.
إذا لم يجدوا فاعلاً قريباً للفعل قالوا الله الفاعل، وقالوا الله الفاعل، وهو عبد القاهر يجهل؟ ده أشعري، منظر أشعري. عبد القاهر يجهل أن الله الفاعل؟ إن الله الفاعل في كل شيء أصلاً، إن الله الفاعل للفعل الحقيقي المسند إسناداً حقيقياً إلى الفاعل، الله الفاعل في كل هذا أصلاً على مذهب أهل السنة الأشاعرة. يقولون: النار تحرق لا بنفسها، لا بقوة مودعة فيها، وإنما تحرق النار بأمر ربها. عند اشتعال الشيء ينكسر عند سقوطه لا بسقوطه، الله فاعل الكسر. خلاص، فهم يقولون لا فاعل إلا الله أصلاً حتى في الفعل الحقيقي. فعبد القاهر لا يجهل هذا الفرق بينه وبينهم.
أيها الإخوة، الفرق بين عبد القاهر وبين من تكلموا في هذه المسألة أن عبد القاهر كان أديباً بلاغياً إلى جانب كونه عالماً متكلماً، فالفرق بينه وبين غيره هو الفرق بين بلاغي أديب ناقد كعبد القاهر، وبين فئة أخرى من العلماء كان تأثرهم أشد بعلوم المنطق وتقعيد العلوم. ولهذا أنا كثر تحذيري لبعضكم من الذين يشتغلون -وأنا اشتغلت بهذا في الأزهر طبعاً نصف عمري وأكثر- اشتغلت بهذه العلوم، بعلوم المنطق والأصول وكذا، هذه حتماً إذا أغرق فيها إنسان مداً طوالاً، فحتماً أو غالباً سيظهر أثر ذلك، وهو يفتش وينقش ويشق المسائل، الطبع سيغلب أو ما تطبع به فصار طبعاً سيغلب.
عبد القاهر هنا اشتغل بهذه العلوم ولكنه جمع إليها علوم البلاغة، فجزم وقال لا أحتاج إلى فاعل حقيقي، فقالوا لا لابد من فاعل حقيقي، والفاعل هو الله. هذا عندي وعندكم، ونحن نتكلم في باب الكلام في علم الكلام، إذا قلت الفاعل هو الله أقول لك حبيبي الفاعل هو الله حتى في الفعل المسند إسناداً حقيقياً إلى فاعل حقيقي، الفاعل هو الله على مذهب الأشاعرة. فالفاعل هو الله، وعبد القاهر أقول الأشعري لأن عبد القاهر أشعري، أشعري سني خلاص. فالفاعل هو الله حتى في هذا، إنما نتكلم في غير هذا، نتكلم في العرف البلاغي. هنا يظهر فرق عبد القاهر عن غيره يا إخوة، هنا من المسائل الدقيقة الرهيفة التي يظهر بها البلاغي العالم الأديب الناقد عن الذي اشتغل بالعلم أكثر ولم يكن في أدنى درجات أدبية عبد القاهر ونقديته، إذا صح التعبير. فحملهم النظر على أن يحملوا كلام عبد القاهر على غير جهة العرف والاستعمال والبلاغة، وهذا شيء غريب؛ لأننا في هذا المعدن، نحن في هذا المعدن الآن. نعم، كان عبد القاهر لا يعلم أن الله هو الفاعل وأن النفس يعني...
أن الفاعل الحقيقي ليس هو المجازي، إنما الفاعل الحقيقي إنما يجتمع مع مشيئة الله بحدوث الفعل، وليس أنه المؤثر في الفعل. وأنا أعلم أن هذا فيه كلام آخر لبعض المذاهب، لكن أردت أن أقول إن عبد القاهر هذا أشعري، فلم يفهموا هذا عنه، وهو قال لا نحتاج إلى وجود فعل حقيقي.
وشرحت لكم الوجه في ذلك، وهذا مما ليس منصوصًا في الكتاب، وهو أنه يكفي في إثبات المجازية أن هذا لم يُفعل، حتى لو كان إسناد الفعل إلى كل فرد في الدنيا وكل فرد تتخيله في الدنيا، ما الذي حصل؟
حتى لو كان إسناد الفعل إلى أي أحد إسنادًا مجازيًا، فليكن مجازيًا لكل من يسند إليه، أما أن الله هو الفاعل، فهذا ليس مستحضرًا في الكلام. حينما تقول: «لا قريب ولا بعيد»، أو «سعدت برؤيتك» أو «أسعدتني رؤيتك»، أي أحدث الله السعادة عند رؤيتك، لا يستحضر الفاعل الذي هو الفاعل الحقيقي في كل الأفعال هنا، فأنا هنا مع عبد القاهر وفي خلاف جمهور البلاغيين المتأخرين، وقد عرفتم الوجه في ذلك، ثم بعد ذلك لكم أنتم النظر، لا سلطان لي على عقولكم.
ثم يقول عبد القاهر... تفضل يا محمد.
- مولانا، أنتم تذكرون ما أشكل في الدرس الماضي، فإني أشكلت أنه هذا المجاز لما يقال إنه عقلي مثل ﴿رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾، فبقرينه الإسناد، إذا جعلنا الإسناد قرينة، نقول إنهم هم ربحوا والتجارة كأنها مجاز لهم. الآن هذا الذي قاله عبد القاهر هنا، أو ما قيل في هذا الأمر، لم ينفِ هذا الإشكال.
- إذا قلت: «ربحت تجارتهم»، أقول إن هذا المجاز الحكمي -كما سماه عبد القاهر- يقول: التجارة ليست مجازًا بحقيقتها، ولا ربحها مجاز في الإسناد. أنا أشكل أنه بهذه التجارة، وبقرينة الإسناد، بإسناد الربح إلى التجارة، نقول إن التجارة هي مجاز لا يُراد على حقيقته، بل يُراد فاعل الربح، ففي النهاية هذه اللحظة لم ترد على حقيقتها.
- لماذا ترى أن كلمة التجارة لا تتصور منها التجارة الحق، التي هي التجارة التي يتاجرون بها، والتي هي التجارة نفسها التي تفعل؟ لست أراها هكذا، بل هي قرينة. ما القرينة؟ هل التجارة قرينة أم الإسناد؟ أنت قلت الآن الإسناد قرينة، كيف الإسناد قرينة؟ الإسناد هو إسناد المعنى، والقرينة ينبغي أن تكون مفيدة في الإسناد وليس أن الإسناد هو القرينة.
نقول قرينة معنوية؛ "ربحت تجارتهم" لما أقول: "رأيت أسدًا في الحرب"، فكون الأسد في الحرب هو القرينة على أنه الرجل الشجاع وليس الحيوان المفترس المعروف، لكن لما تقول "ربحت تجارتهم" هناك مشكلة، التجارة هنا ليست كـ "الأسد"، أنت هنا كأنك جعلت لفظ "الأسد" هو القرينة.
التجارة هنا تجارة حقيقية، لو نفيتها فتكون قد خالفت في أطراف الاستعارة. أنت لما تقول "رأيت أسدًا" عندك مشبه وهو الرجل الشجاع لم يُذكر، وعندك مشبه به وهو الأسد. على قاعدتك هذه، لو قلت "ربحت التجارة" فكأنك تقول التجارة ليست فاعلاً، التجارة هي التي مكان الأسد. والحقيقة أن التجارة هنا هي التجارة الحقيقية التي حصل فيها الربح، أما الأسد هناك فلا يتعلق بالرجل إطلاقًا هو جنس مختلف، ليس في ذات الحدث، إنما التجارة هنا هي محل حصول ماذا؟ هي محل حصول الربح، فالتجارة هنا هي التي ربحت، وأُسند الفعل إلى التجارة وكان ذلك إسنادًا مجازيًا، يعني عقليًا، لأن التجارة حقيقية موجودة ولأن الربح حقيقي موجود.
أما الأسد هناك فهو جيء به مشبهًا به، فهل التجارة هنا مشبه بها مكان الرجل الذي يربح؟ أسألك كلمة تجارة، هل هي مكان الرجل الذي يربح؟ هل المقصود أن موضوع التشبيه أو المشبه به هو الرجل؟ لا، فالباب مختلف، التجارة ليست نظير الأسد في "رأيت أسدًا".
إذن المجاز العقلي لا يكون فيه مشبه ومشبه به معنويين. أنت في الاستعارة ماذا تفعل؟ تأتي بكلمة مكان كلمة، والأصل في العلاقة بين الكلمتين التشبيه. تأتي بلفظ مكان لفظ في المجاز اللغوي، في الاستعارة -وعلى طول كتاب عبد القاهر أقول إنها الاستعارة غير المركبة غير التمثيلية، لأن التمثيل عند عبد القاهر باب مستقل- أما البلاغيون المتأخرون فوزعوه بين التشبيه وبين الاستعارة، فالاستعارة عند عبد القاهر هي الاستعارة التصريحية التي نعرفها، وهي المجاز اللغوي، أن تأتي بلفظ مكان لفظ لشدة المبالغة في التشبيه، فهناك طرفا تشبيه.
لكن أنت هنا ماذا فعلت؟ التشبيه يدخل على جملة الموضوع، وسياتي بعد مدة طويلة من كلام عبد القاهر في بيت لبيد بن ربيعة في بعض الاستعارة المكنية، لكن نحن الآن ماذا نفعل؟ المجاز هو في إسناد الشيء إلى شيء. هل يوجد شبه؟ أنا أقول لك الآن: «سَاحَ الْحَيُّ وَانْتَحَى بِنَا بَطْنُ حَقَفٍ»، هل أشبه شيئًا بشيء هنا؟ إذا شبهت ماذا سأشبه؟ سأشبه سرعة انتحائهما وهيئة انتحائهما كأنهما لا يباليان في انتحائهما، وكأن البطن الحقف هو الذي ينتحي بهما، فالتشبيه سيكون في ماذا؟ سيكون التشبيه بين مجموع ومجموع.
ولذلك ذكرت لك الكناية، لكن دعك منها حتى لا تتدخل عندك. سيكون التشبيه بين مجموع ومجموع، وليس على طريقة أن الربح في "ربحت تجارتهم" أن التجارة هي التي تشبه الرجل، أي ربحوا هم في تجارتهم. فهمت الفكرة؟ روح الاستعارة موجودة ولكن مجموعها وأركانها تختلف عن مجموع وأركان الاستعارة.
عن مجموع الاستعارة اللغوية وأركانها، فهمت. مولانا، أنتم قلتم -حسب ما فهمت- إنه لا يجوز أن تأخذ الإسناد كقرينة.
مولانا، الإسناد هذا هو الكلام نفسه. يعني أنت تقول: «رأيت أسداً»، أسندت رؤيتك إلى أسد. الإسناد هنا كيف؟ الإسناد هو نفس الدلالة، والقرينة تكون شيئاً مذكوراً في الكلام. الإسناد هو سبب المجاز، يعني هو وسيلة إحداث المجاز؛ فلا تخلط نفسك، الإسناد وسيلة إحداث المجاز، أما القرينة التي نتكلم فيها فتكون قرينة معنوية أو سياقية في الكلام. يعني: «رأيت أسداً على المنبر»، «رأيت أسداً في الحرب في أرض الوغى»؛ ليس مكان الأسد في أرض الوغى، أو على المنبر، فهذه قرينة، وخلاص. وأحياناً تكون قرينة حال كما يقولون، يوسعون الكلام ويقولون قرينة حال.
الإسناد هو إسنادك الرؤية لأسد على جهة المفعولية، «رأيت أنا أسداً»، فأسندت الرؤية إلى الأسد على جهة المفعولية أنه مفعول، هذا هو الإسناد، وهذا ليس قرينة على شيء، وليس هذا الذي حصل به المجاز؛ بعد ذلك المجاز يحتاج إلى قرينة لتصحيحه.
أقول: المتنبي عندما قال: «فلم أرَ قبلي كذا من مشى البحر نحوه»، إسناد المشي إلى البحر هو نفسه قرينة، إلى أن البحر لا يُراد على حقيقته. مَن يجيب أخانا هنا في هذه المسألة؟ «مشى البحر نحوه»، هنا البحر لم يُرَد على الحقيقة، يعني نحن اتفقنا بالمجاز العقلي؛ المشي حقيقي، والركن الثاني حقيقي، لكن كانت العلاقة إسناداً. أما «مشى البحر»، فالبحر هنا لم يأتِ على الحقيقة.
ما هو هذا الإشكال مولانا؟ مثل ما هنا بقرينة الإسناد المعنوية أن البحر لم يُرَد على حقيقته، فبالتالي: «فربحت تجارتهم»؛ التجارة أيضاً لا تُرد على حقيقتها، أو يكونك تشبيهاً معيناً مجرد أن التجارة لم تُرد على حقيقتها وأريد أن الرجل من ربح، هذا يكفي لنا لنقول إن التجارة هي أيضاً هذا مجاز لغوي بحد ذاته.
نفس الكلام الذي قلته لك في الأسد وفي رؤيتك للأسد، المتنبي يقول: «مشى البحر نحوه». المشي هذا فعل يقع من ماذا؟ من إنسان، من الدواب، من إنسان. هل أسألك سؤالاً الآن؟ هل البحر هنا مراد في إسناد المشي إليه؟ العلاقة في إسناد المشي إليه كعلاقة الربح إلى التجارة. انظر، دعك الآن من صفة الفاعلية، أن التجارة هي التي ربحت، دعك من الربح والتجارة، هل توجد علاقة غير الاستعارة الصرفة أو المجاز الصرف غير الإسنادي بين البحر الذي يمشي وبين المشي، بخلاف التجارة التي ربحت؟ فكر فيها معك وقت.
يعني قصدكم مولانا أنه البحر لا يُراد به الكرم وأمور أخرى. مولانا، لما يقول: «مشى البحر نحوي»، البحر مستحيل أن يُراد به حقيقته؛ لماذا؟ لا وجه له في المشي. إنما «ربحت تجارتهم»، التجارة يُربح فيها، والتجارة حاضرة حقيقة. أنت لما تقول: «لم أرَ قبلي من كذا مشى البحر نحوه»، وهو «وأما أنا فربحت تجارتي»، إذن هناك تجارة، والربح هذا الذي أُسند إلى التجارة أُسند إليها على أنها الفاعل، ولكن التجارة في هذا الوجود لوجود الربح تجارة حقيقية، يعني لم تنفك عن وجود حقيقي، وجودها جاء حقيقياً لأجل ماذا؟ لأجل أنها تمارس، هي التي وقع فيها الربح.
أما «مشى البحر نحوه»، فلا يوجد وجه من الحقيقة، هذا هو الفرق. البحر مشى نحوي، كيف يعني؟ خلاص، تعال في «ربحت تجارتهم»، ستقول التجارة هنا مجاز، أقول لك لماذا هي مجاز؟ وأين مارس الربح؟ أين كان الربح؟ الربح في التجارة، التجارة مجاز. ثوانٍ، «ربحت التجارة»، التجارة التي ربحت مجاز، طيب مجاز عن ماذا؟ مجاز عن الرجل، أو الرجلان الذين ربحوا في هذه التجارة.
اسمع، لما أقول: «ربح التاجر» و«ربحت التجارة»، التجارة حقيقة هنا. أما في «ربحت التجارة»، فوجود التجارة مع الربح أنفى حقيقتها. الحقيقة، يعني هل انتفاء الحقيقة واجب في هذا حتى يكون استعارة؟ لا، لا على المجاز العقلي. يعني هل انتفاء الحقيقة -طبعاً، طبعاً في الاستعارة اللغوية- لابد من انتفاء الحقيقة؟ يعني «مشى البحر نحوي»، خلاص هذه استعارة بالكناية، وقد تكلم عبد القاهر عنها في الأخير، هذه استعارة بالكناية، خلاص، طبعاً انتفى مجازاً عن البحر تماماً لأن الذي مشى نحوه من إنسان، إنما «ربح التجارة» التجارة حقيقتها لم تنفِ، هي محل الربح.
فهمت؟ شوف يا سيدي، في المجاز اللغوي يكون الشيء الذي يأتي به غريباً عن الموضوع تماماً إلا بوجه شبه، إنما هنا «ربحت تجارتي»، ليس هناك وجه شبه؛ التجارة هي موضوع الربح، والربح الحقيقي حقيقي حصل في التجارة الحقيقية، فهمت الفرق؟ نعم، فهذا هو الضابط، هذه هي الضابطة بين الأمرين. طبعاً أنت في الأول سيكون عندك فيه نوع من التداخل ونوع من الخلط وكذا، لكن بعد ذلك سيزول إن شاء الله شيئاً فشيئاً وتتميز المسائل بإذن الله.
طيب، هناك مسألة أخرى، لكن دعونا نكمل الفقرة. قال: معنى ذلك أن القدوم في قولك «أقدمني بلدك» حق لي على إنسان موجود على الحقيقة، وكذلك الصيرورة في قوله «وصيرني هواك»، والزيادة في قوله «يزيدك وجهه»، موجودتان على الحقيقة. وإذا كان معنى اللفظ موجوداً على الحقيقة -يعني في النص الذي وصفناه بأنه مجاز حكمي عقلي وإسنادي- خلاص لم يكن المجاز فيه.
انظر، قاله لك: «معنى ذلك أن القدوم في قولك أقدمني بلدك أو بلدك حق لي على إنسان موجود على الحقيقة»، أقدمني موجود خلاص، والزيادة في قوله «يزيدك وجهه» موجودتان على الحقيقة، وجهه يزيدني موجودة. وإذا كان معنى اللفظ موجوداً على الحقيقة -يعني موجوداً متحققا في النص الذي نتعامل معه ونعالجه- وإذا لم يكن معنى اللفظ موجوداً عن الحقيقة، لم يكن المجاز فيه نفسه، وإذا لم يكن المجاز في نفس اللفظ كان لا محالة في الحكم، يعني في الإسناد؛ فاعرف هذه الجملة، يعني المسألة والقضية، وأحسن ضبطها حتى تكون على بصيرة من الأمر.
طيب، وقع خلاف في هذا يا إخوة، من خالفه السكاكي؟ تعالوا ننتقل إلى مسألة خلافية جديدة، لن أتطرق في تفصيلها أكثر، خلاص لن أتطرق تماماً في تفصيلها، ولكن سأتطرق إلى القول وقائله ووجه في الرد عليه تتضح به المسألة، إن هذا مما استشكله أخوكم الحمياري من قبل، أو أسامة حمادي من قديم. يقول القزويني في الإيضاح: «وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام»، ماذا فعل؟ خلطه بالاستعارة المكنية، وأنكر السكاكي وجود المجاز العقلي في الكلام، خلاص وقال.
الذي عندنا نظمه في سلك الاستعارة بالكناية؛ قال الذي عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه على ما عليه مبنى الاستعارة كما سيأتي، وجعل نسبة الإنبات إليه قرينة للاستعارة. وبجعل الأمير المدبر لأسباب هزيمة العدو استعارة بالكناية عند الجند الهازم خلاص، وجعل نسبة الهزم إليه قرينة للاستعارة.
قال القزويني: «وفيما ذهب إليه نظر؛ لأنه يستلزم أن يكون...». هذا الدليل، هذه الآية، يعني قوية جدا، ولهذا قدموها في الاستدلال على السكاكي. قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، قال: لأنه يستلزم أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ صاحب العيشة للعيشة.
لما نقول: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، أنت ممكن تقول: لا، العيشة راضية، يعني هو العيشة الراضية. فكيف وقد قال تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؟ ما أنت ذكرت الحقيقي، فهو كيف تقول هو في عيشة الراضية؟ فرد عليه بهذا على قاعدة السكاكي في إدراجها هذا النوع، وإنكاره بعد إنكاره أدرجه في الاستعارة بالكناية.
قالوا: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، هو من الذي في عيشة راضية؟ يقول لك: لا، العيشة الراضية هي التي عاشها، هو الذي عاشها، هي العيشة الراضية من العيشة الراضية، هذه هي المجاز. وما العيشة؟ ومن الذي عاش؟ ما الحقيقة الذي عاش؟ فكيف نقول: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾؟ يعني فهو في نفسه، فهمت؟
قال: المراد أن يكون المراد بعيشة في قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ صاحب العيشة للعيشة. وبمعنى يعني يكون المراد بماء في قوله: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ فاعل الدفق للمني، ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾؛ الماء الدافق ماذا؟ ماء دافق يعني ماء هو الذي يتدفق، هذا إسناد حكمي، فهو خلق من ماء دافق.
لو كان ذلك كذلك لكان الماء هنا يراد به فاعل الدفق، فسيكون فاعل الدفق هو الدافق، كما ستكون العيشة الراضية هي العائش بها، فسيكون الماء هنا هو الدافق، فهو خلق من نفسه، ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ يعني خلق من نفسه؛ لأن هو الذي هو فاعل الدفق للمني، ولكن الحقيقة هو الماء الذي أسند إليه على طريق المجاز التدفق.
نكمل بعد الأذان، نرجع. عرفتم الخلاف في المسألة؟ إذا هذا الباب فيه خلافان مشهوران. الخلاف الأول: هل يجب أن يكون للفاعل، أي المجازي، أو للفعل الذي أسند إلى فاعل آخر إسناداً مجازياً، هل يجب أن يكون مسنداً إلى غيره على وجه الحقيقة؟ يعني أن يكون له فاعل في الحقيقة، حقيقة المستقر في البلاغة المتأخرة؟ حتى لو كان الفاعل الله سبحانه وتعالى.
وعبد القاهر يقول: لا، وهم يخالفونه في هذا، وأنا أوافق عبد القاهر في هذا؛ لأنه تكلم بكلام الأديب، وإنما يحمد الكلام على العرف في البلاغة وليس على قضية الكلام، أي علم الكلام والمنطق وحقيقة الأشياء في ذاتها. فمثلاً: «مات فلان»، مع أن الله هو الذي أماته، هذا غير وارد معنى في النحو، هذا ليس له موضع في فن النحو.
كذلك هذا الفعل الذي لا نستحضر أو لا نتعامل في الكلام البلاغي والكلام العادي على أن فاعله هو الله، مع إيماننا بأن الله فاعل كل شيء، وبأن هذا المصباح الذي يهتز، الله هو الذي يفعله الآن، وإن هذا القلم يهتز الآن بفعل الله، وإنما يهتز عند اهتزاز يده وليس بسبب اهتزاز يده، لا ينفي هذا أننا نتكلم بالسببية في عرف الناس. وبأن هذه الورقة من الشجر، هذه الريشة التي تطير، والله هو يقدر لها طريقها، والله يفعل بها كذا وكذا، وهي أخذت رحلة في قدر الله، لها قصة مختلفة في الملكوت لا يعبها عقل. الله الفاعل لكل شيء، ليس هذا هو ما نتكلم به في البلاغة؛ فعبد القاهر هنا أكاد أقطع قطعاً أخيراً جازماً بأنه الصواب في حقه.
المسألة الثانية: السكاكي خالف في هذا، وربما بعض العلماء الآخرين، ربما ابن الحاجب خالفوا في هذا، وقالوا: هذا يدخل في الاستعارة بالكناية، واعترضوا عليه بمثل ما رأيتم. قال: حتى تكون على بصيرة من الأمر فاعرف هذه الجملة وأحسن ضبطها.
ومن اللطيف في ذلك قول حازم بن عوف: أبي عبر الفوارس يوم داجن ... وعمي مالك وضع السهام فلو صاحبتنا لرضيت منا ... إذا لم تغبق المئة الغلامه
يريد: إذا كان عام جَدْب، وجفت ضروع الإبل، وانقطع الدر حتى إن حلب منها مئة لم يحصل من لبنها ما يكون غبوق غلام واحد؛ فالفعل الذي هو «غبق» مستعمل في نفسه على حقيقته، غير مخرج عن معناه وأصله إلى شيء آخر، فيكون قد دخله مجاز في نفسه.
يا إخوة، هذه الفاصلة التي بعد كلمة «شيء آخر» قبيحة جداً ومشوهة، ولا أدري كيف وقعت من قلم شاكر رحمه الله، وربما من الذين صَفّوا الكتاب والله أعلم. الفاصلة هنا غلط جداً؛ لأنها ستبني على كل الكلام وليس على تحقق الإخراج الذي ننفيه، ليس على تحقق الإخراج المنفي. يعني لو قلت: فالفعل الذي هو «غبق» مستعمل في نفسه على حقيقته غير مخرج من معناه إلى شيء آخر فيكون قد دخله مجاز في نفسه، تكون قد تناقضت؛ فأنت قلت: غير مخرج إلى شيء آخر، فيكون قد دخله مجاز في نفسه؟
لا، أنت تعلق على الإخراج: غير مخرج عن معناه إلى معنى شيء آخر، فيكون، يعني إذا كان مخرجاً عن معناه إلى معنى شيء آخر فيكون قد دخله مجاز في نفسه. فهمتم وجه عدم الفاصلة هنا؟ هذه الفاصلة اقتلوها، امحوها بالذي يسمى الكوريكتور الأبيض. المهم أنا في نسختي أعمل عليها علامة، لا أظل عارفا بأنها فاصلة إذا شرحت الكتاب، هذه عادتي عموماً في الكتب التي أظن أنني أشرحها، لا أصحح وإنما...
أثبت حتى إذا قرأ الكتاب طالب، أو شرحت أنا الكتاب، أو قرأ الكتاب ابني، فيعلم أن هذه مشكلة، وأنها صححت. غير مخرج عن معناه وأصله إلى معنى شيء آخر، فيكون قد دخله مجاز في نفسه، وإنما المجاز في أن أسند إلى الإبل وجعل فعلاً لها. المجاز في العقل هو إسناد الإسناد محله العقل، وإنما المجاز في أن أسند إلى الإبل وجعل فعلاً لها، وإسناد الفعل إلى الشيء حكم في الفعل وليس هو نفس معنى الفعل، فاعرفه؛ ولذلك سمي بالمجاز الحكمي.
يا إخوة، لم يقع المجاز في الفعل، بل في إسناد الفعل، في الحكم الذي هو إثبات شيء إلى شيء، ومن هنا سمي المجاز الحكمي. وعبد القاهر ينبهك أن الحكم في الفعل ليس هو نفس معنى الفعل.
قال: «واعلم أن من سبب اللطف في ذلك أنه ليس كل شيء يصلح لأن يتعاطى فيه هذا المجاز الحكمي بسهولة». أهو مجاز حكمي؟ خلاص يسميه مجاز حكمي! «واعلم أن من سبب اللطف الدقة والخفاء، أنه ليس كل شيء يصلح لأن يتعاطى فيه هذا المجاز الحكمي بسهولة، بل تجدك في كثير من الأمر وأنت تحتاج إلى أن تهيئ الشيء وتصلحه، لذلك بشيء تتوخاه في النظم».
وإن أردت مثالاً في ذلك، فانظر، كل شيء يرجع إلى النظم يا إخوة. فانظر إلى قوله: تناسى طلاب العامرية إذ نأت ... باسجح مرقال الضحى قلق الظفر إذا ما أحسته الأفاعي حيزت ... شواً الأفاعي من مثل سمري تجوب له الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملاهى ولا صفر
الشاهد في البيت الأخير يتكلم هنا يا إخوة عن جمل يقول عنه: "تجوب له الظلماء عين كأنها زجاجة شرب غير ملاهى ولا صفر". والمراد هنا عين الجمل، تجوب له الظلماء عين كأنها زجاجة شرب غير ملاهى ولا صفر، يعني كزجاجة الشرب التي أُخذ منها، فلا هي ملآنة ولا هي فارغة، يصف هيئة العين.
يصف جملاً، ويريد أنه يهتدي بنور عينه في الظلماء، ويمكنه بها أن يخرقها ويمضي فيها، ولولاها لكانت الظلماء كالسد والحاجز الذي لا يجد شيئاً يفرجه به ويجعل لنفسه فيه سبيلاً. فأنت الآن تعلم أنه لولا أنه قال: "تجوب له"، فعلق له بـ "تجوب"، لما صلحت العين لأن يسند "تجوب" إليها، ولكان لا تتبين جهة التجوز في جعل "تجوب" فعلاً للعين كما ينبغي.
اسمع، هذا كلام خطير، هو سيذكر وجهاً آخر، لكن دعونا مع هذا الوجه. يقول: لو قال "تجوب الظلماء عين"، لم يقل "له"، يقول علق له بـ "تجوب"، يعني هو مهد الكلام وجهزه بـ "له". وآتي إلى الذين يقولون: «هذا تردون به على من يقول إن المجاز هو الذي يجعل بمناسبة...».
لقد أتقن الشعراء المعاصرون -يعني حتى نمدحهم بأنهم محسنون- وجدتهم يجوبون بالكلام حول المجاز والاستعارة والتشبيه، يظنون هذا ما يحسن به الكلام، ولذلك سترون أخطاء كبارهم من هذا الباب؛ يكتفي ويغتر بالتشبيه والإبداع الذي أتى به، أو بالاستعارة، وترى البيت سقط من جهة نظمه لأنه -بتعبير عبد القاهر- لم يمهد لاستعارته، أو لمجازه الحكمي، أو لمجازه المرسل، أو لكنايته، لم يمهد لذلك.
اسمع كلام عبد القاهر، يقول: «وأنت تحتاج إلى أن تهيئ الشيء وتصلحه لذلك بشيء تتوخاه في النظم». هذا ظاهر جداً في هذا، يقول لك: "تجوب له الظلماء عين"، فأنت تقول: الله! المجاز الحكمي هنا رائع، لأنه أسند الجوب إلى ماذا؟ إلى العين: "تجوب له الظلماء عين"، فأسند الجوب إلى العين.
طيب، تعال، هل هي كذلك؟ تعال لو قلت: "تجوب الظلماء عين" دون كلمة "له"، أفسدته. لو قال: "تجوب الظلماء عين"، ما درينا -وإن علمنا أنها عين الجمل- لكن ما درينا السبب في هذه المبالغة المجازية أصلاً؟ لماذا تقول: "تجوب الظلماء عين"؟ لماذا؟ ما المسوغ؟ ما الذي هيأ لذلك؟ حتى لو قلنا: "تجوب الظلماء عين كأنها زجاجة شرب"، يعني نقول سنفهم من سياق الكلام. لا، لن نفهم؛ كيف سنفهم؟ بالتوقع بالسياق العام لو قرأنا البيتين ثم قرأنا: "تجوب الظلماء عين كأنها زجاجة شرب"، خلاص يعني عين الجمل، دون كلمة "له"، لم نجد المسوغ لهذه المبالغة المجازية التي أسند فيها إسناداً مجازياً.
لكن لما قال: "له"، أي لأجله، لطريقه، لاستباله السبيل، أدركنا علة التجاوز. انظر إلى الفرق بين: "تجوب الظلماء عين" -المجاز الحكمي واقع كما هو- لو قلت: "تجوب الظلماء عين"، مجاز صحيح حكمي، لكن لو قلت: "تجوب له الظلماء عين"، الكلام عرفنا علته لوجود هذا في الأول؛ كان مجازاً حكمياً لكنه حسن. أما "تجوب الظلماء عين" فالمجاز موجود ولكنه بارد، مجاز وبارد. رأيتم؟ لأن المجاز وجه يطلبه المعنى في الكلام.
قال: «وكذلك تعلم أنه لو قال مثلاً: تجوب له الظلماء عينه». طيب، ما هو لو "عينه" صحيح ولا غير صحيح؟ لو قلت: "تجوب له الظلماء عين"، النكرة الأولى هي نفس العين، هي عين الجمل ومفهومة أنها عين الجمل، لكن جاء بها هنا مجازاً، جاء بها نكرة لم يسندها إلى الضمير العائد عليه.
قال: «وكذلك تعلم أنه لو قال مثلاً: تجوب له الظلماء عينه، لم يكن له هذا الموقع، ولا اضطرب عليه معناه، وانقطع السلك من حيث كان يعييه، حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن»، يعني أن يصفها بما أتى بعدها لأنه نكرها.
ركزوا، هذا كلام دقيق؛ أراد أن تنكير "عين" هو الذي هيأ إضافة الفعل إلى العين على جهة المجاز. لو قال: "تجوب له الظلماء عينه"، أنت قللت من شأن العين، لكن تعرف لماذا؟ لأنك عندما تقول: "تجوب له الظلماء عين"، فكأنك جئت بغريب، جاء منقضاً، نكرة كأنك لا تعرفه، خلاص. لو قال: "تجوب له عينه"، كان شيئاً عادياً جداً لا يحتاج إلى ارتكاب المجاز العقلي أو الإسنادي الحكمي، لكن لما جعلها عيناً على التنكير وفصلها عنه، كانت كفعل غريب متطوع. وهذا من نفس نسبة المعنى في التجريد: "تجوب له الظلماء عين". هذا من عائلة الإلغاء، شوف في البلاغة توجد عوائل، في النحو ربما، وفي البلاغة التقريرية تكون مختلفة.
الأبواب، لكن أقول من نفس النسب، نسب التجريد. كما في قول الملك: «وكان لها في سالف الدهر خلةٌ، يسارق بالطرف الخباء المستره»، كان لها هذا الإنسان خله الذي هو أنا، وكان لها في سالف الدهر خلة. لما قال: «غلقنا برهن من حبيب به ادعت سليمة، فأمسى حبلها قد تبتر خلاصا»، يتكلم عنه بصيغة الغائب. «وكان لها في سالف الدهر خلة»، كان هذا الحبيب في سالف الدهر خلة، خلاص.
وكذلك لما قال: «له الويل إن أمسى ولا أم هاشم»، مع أن هذا ليس منكرا، ولكن فيه التجريد الذي فيه معنى الشخص الغريب الآتي الذي يتحدث عنه ليثير الشفقة، ليبعد التهمة عن الحديث عن نفسه؛ لأن الحديث عن نفسه فيه ذهاب لشرف المعنى، بأن الإنسان متهم في نفسه. لكن «له الويل» كأنك تنوح على غيرك وتشفق عليه، وليس أنك تبالغ في حق نفسك؛ هذا وجه دقيق.
فكذلك هنا: «تجوب له الظلماء عين»، يقول: «ويقول لم يكن له ولا قطع السلك من حيث كان يعييه». حينئذ أن يصف العين بما وصفها به الآن؛ لأنه قال: «عين كأنها زجاجة شرب غير ملاة ولا صفر»، لأنه لما نكرها هيأ للحديث عنها بهذا النعت؛ لأن الجمل نكرات، فإذا جاءت بعد النكرات كانت نعوتا أو أوصافا، هذه على الأصل، وإذا جاءت بعد المعارف كانت أحوالا؛ لأن النكرات بعد المعارف أحوال. فهو جاء هنا بنعت لما نكرها، ففتح الباب للنعت.
لو عرفها سيفتح الباب لماذا؟ للحال. فتخيلوا، نجرب الحال بعيدا عن الوزن: «تجوب له الظلماء عينه كأنها زجاجة شرب»، أي تجوب له الظلماء عينه في حال كونها تشبه زجاجة الشرب غير ملاة ولا صفر. «تجوب له الظلماء عينه كأنها»، أي إذ تبحث، دخلنا في طريق آخر وكلام آخر، وذهب منا وصف العين التي أنجدته.
وحتى نصف أنها عين أنجدته، وحتى نحصل هذه الخصائص واللطائف والزوائد في الكلام، أتينا بالتنكير. لو قال: «تجوب له الظلماء عينه كأنها زجاجة شرب غير ملاة ولا صفر»، فكان نعتها وكأنه ذكر حالا معينة، ولم يذكر أنها جاءت بصفة هكذا لتنقذه، والصفة قديمة.
مولانا، نحن نستنكر الحال هنا، أنا أرى، وقدرتي في ذلك، لاحظ عبارة أنا قلت الآن سآخذ اتجاها آخر. إذا قلت: «تجوب له الظلماء عينه»، وحال عينه وهي تجوب الظلماء أنها زجاجة، والله جاء بالبال، ولكن هذا جاء لذلك؛ قلت لكم سستأخذون اتجاها آخر. فكيف بها العين بغير الظلام؟
شوف هذه الصفات التي ذكرها؛ تكون حاله أنها تجوب، أم تكون أقوى إذا كانت هكذا حال أنها تجوب، أم تكون أقوى إذا جاءته تنقذه؟ المقصد أنه حالها وهي في الظلام هكذا، فكيف بالتداعي؟ يقال فكيف إذا لم يكن في الظلام؟ فكيف تكون إذا كانت في الظلام هي زجاجة شرب غير ملاة ولا صفر؟ الأقوى هنا يا ولدي أن تكون هذه صفة للعين أصلا.
الأقوى هنا يشمل الوجهين جميعا؛ أن تكون هذه حالها أصلا، تجوب له. لاحظ أنك تحتاج إلى تنكير العين بشدة لتقول إنها جاءت تنقذه، وكأنه لا يعرفها، كأنها جاءت منقذة، «وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى». انظر إلى تنكير العين: «عين كأنها زجاجة شرب غير ملاة»، هذا النعت يحتمل في المعنى الحال؛ يعني يحتمل أنها كانت هكذا في هذا الوقت، إذا كانت هذه صفتها بالليل وهو يصفها بالليل، فكانت صباحا، لكن نحن نحتاج إلى التنكير.
تجوب له الظلماء عينه؛ التنكير يؤذن بأن الحديث عن جمل موجود، ولم تفاجئني بعينه، ولم تفاجئني بكذا، وصار الحديث عن الجمل وليس عن العين. لو قلت: «تجوب له الظلماء عينه» ثم أخذت تصف العين، كل هذا داخل في حديث الجمل، لكن لما قلت: «عين»، فصلت حديثا عظيما عن العين مستقلا.
أنا لا أخطئ من ذلك، أنا فقط أقول إنه أيضا لا يسقط إذا قال عليه عبد القاهر، أسقطها تماما؛ هو قال لك لن يتاح لك هذا الذي أراده في ذروة البيت ومراده لما قال: «تجوب له الظلماء عين كأنها»، لكن لو قال: «تجوب له الظلماء عينه كأنها»، أصبح وجود الجمل مألوفا والحديث عنه لم يفاجئني بالعين.
قال: «فتأمل هذا واعتبره». هو يعلم أنك ستناقش: «فتأمل هذا واعتبره». قال: «فهذه التهيئة وهذا الاستعداد في هذا المجاز الحكمي نظير أن تراك في الاستعارة التي هي مجاز في نفس الكلمة». انظر كيف يعبر عبد القاهر عن المجاز اللغوي.
«وأنت تحتاج في الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها»، هذه العبارة تعجبني جدا: «وأنت تحتاج في الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها وتقدم أو تؤخر ما يعلم به أنك مستعير ومشبه»، ويفتح طريق المجاز إلى الكلمة. المجاز ليس هو الذي يحل الكلام، وإنما أن يقع موقعه من الكلام وأنت تفتح طريق المجاز. كأنك بتعمل زرع عظمة في البيت؛ لما بتعمل مجاز بتعمل كأنك دكتور بيفتح بيعمل زرع عظمة، بتزرع حتة عظمة في العظمة الحية عشان تحيا بها.
ويفتح طريق المجاز في البيت، وكأن المجازات تطعيمات في الأبيات. أنا أقول إنها من المشاكل، مع الأسف، أن الجهمية الحرزي سقطت؛ هذه من المشاكل التي أسقطت الجهمية على ما أراها. القصيدة الأخيرة: «قد مات الحياة فتبرجي»، هو يستعير ويلحم بالقول وكذا، لكن نظما لا يهيئ، ضعيف مع الأسف، وهذا يسوءني، لكن هذا الواقع.
أنا قلت لك الآن من أفضل الشعراء المعاصرين وقوعهم بسبب هذا، يحسبون أن هذه المجازات وهذه الفنون هي الأساس. ولذلك أول ما فتحت معكم الكلام، وأنتم معي في المدرسة، مدرسة طلاب، وقبل المدرسة مع الناس، نظرية النظم: الكلام يعود إلى التشكيل اللغوي، كل إحسان يعود إلى التشكيل اللغوي. أرى أناسا يتشاجرون: أيهما أفضل كتاب الدلائل أم كتاب الأسرار؟
فصل من هذا، ما فيش حاجة اسمها هذا أفضل أم هذا. فصل من هذا أصلاً، هذا حاشية وتوسيع في هذا، قطع النظر عن من ألف وعما ألف.
أولاً؛ فهي قضية النظم يا إخوة. قضية النظم هي التي تجعلك تأتي بمعنى عادي في تجرده، وتصنع منه بيتاً رائقاً. والنظم هو الشرط أيضاً في أن تظهر محاسن المعنى، أو أصلاً أنت ستستعمل محاسن المعنى الخارجي المجرد، في تجرده، ستستعمله بأن توقعه موقعاً عاليًا في البيت، سواء كان التشبيه، سواء كان المجاز الحكمي أو المجاز اللغوي، بقطع النظر.
نعم، شوف العبارة هذه، العبارة وأنت تحتاج في الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها أو تؤخر بالمناسبة. يا محمد، أنا لم ألوِ جهداً في التنبيه على هذا، حتى مع هؤلاء الشعراء أنا لم ألوِ جهداً في التنبيه على هذا، حتى خفت أن يقال مجنون نظرية النظم؛ مجنون عبد القاهر والزمخشري، خلاص أنا لم ألوِ جهداً في التنبيه إلى هذا. ولكن للأسف الشديد، الذين أحسنوا في بعض قصائد في عصرنا، بدلاً من أن يتحسنوا بالتشجيع، ظنوا أنهم خلاص أخذوا صكاً بالإحسان واغتروا بذلك، ولذلك في اندفاعاتهم الأخيرة أساؤوا، وهي جاءت بعد غرور فيما يبدو؛ أساؤوا في اندفاعاتهم الأخيرة.
ولذلك ينبغي للإنسان أن يصغي إلى العلم، ينبغي أن يصغي إلى العلم. هم بطبيعتهم -حتى أنا أعرف الشعراء كذا- هو في أصالته من الأصل هو لا يكتب ليجيد، أنت على علم بهذا، هو يكتب للأجر. هناك روايات مطردة في الأجر؛ من كتب بيتاً من الشعر في آل محمد، فهم أصلاً الإجادة ليست في بالهم، وهذا أنا أريد أن يتغير، لأن هذا يفيد.
هم أصلاً يريدون الأجر، سواء الصوت يتقطع، لكن يبدو أنه من عندي أنا. هم لا يريدون الإجادة، لكن لابد أن يتغير هذا. أنا أقول إنه هم لا يسعون أصلاً للإجادة، هدفهم الأول الأجر والثواب على هذه الأبيات، بسبب الأحاديث المطردة عندنا في تراثنا عن هذا الأمر. كان مثلاً الإمام الصادق يبعد زرارة ويجلس السيد الحميري بجنبه ويقول له: «ارث لنا الحسين». فهم أصلاً الإجادة ليست في منظورهم، يريد الأجر، يريد الثواب، سواء بيت عالي أم البيت ساقط، همه الأجر. هذا بحد ذاته نية حسنة، لكن أنا عن نفسي ألومهم على ذلك. أقول بالعكس، أيضاً من باب خدمة آل محمد، أيضاً تعلم أكثر تجد أكثر.
وهذا ليس في باله، أنا استفد مسألة الغرور، هو أصلاً ليس في باله الأمر من الأساس. أنا أقول لك شيئاً، لماذا أقول لك هذا؟ أولاً لأنني لما تحدثت مع بعضهم عن قضية الإجادة والكذا لم يعارضوها، يعني أن نقرأ ونجيد ونحاكي الشعراء الكبار لم يعارضوا، لكن أنا أقول لك شيئاً: هذا الأمر لم يصبح اختياراً، لأنه خلاص الآن هناك زمرة من نقاد الشعر، هناك جيل جديد يفهم الشعر وسيحاكم الشعراء وسياخذ... سبحان الله، كان الله سبحانه وتعالى يحفظ هذه العربية لأنها بماذا؟ بأنه لا يمر زمن يظن فيه بأن الشاعر سيقول ويمتع دون تقويم، إلا ويأتي سبب يضع كل هذا على الثقافة أو على الترمومتر والميزان، يضع كل هذا في الميزان ويقيس.
فخلاص، هذا أمر ليس لهم فيه خيار، هذا أمر صار مفروضاً الآن في عصرنا. أنت الآن، وأنت على نفس المذهب وكذا ومتعاطف قطعاً معه، مع معنى قصيدته أو غيرها، أنت نفسك قلت: لا، هذا لا يعجبني. أنت نفسك عقر عليك وأنت تسمع أنك لا تستطيع أن تكون منصباً بكليتك النفسية في المعنى المجرد، أنت لم تستطع ولن تستطيع، أنت خلاص متذوق وناقد، لن تستطيع. فلا خيار أمامهم.
وأنا حذرت، ولما ذكرت ذلك -والله ثم والله ما ذكرته شامتاً أو متهكماً ذكرته محذراً- لكن قالوا: لا يا أبا قيس هذا بعيد. قلت لهم -أو معنى الكلام، قلت أمام البعض وفي بعضه هنا كان في كلام خاص- قلت له: الوقوف عند هذا الحد مقتلك، سيكون اندثار. أنا قلتها صريحة لبعض الإخوة من القريبين من الشاعر بدر الدراعي، قلت لهم: بدر لو وقف هنا هو وجماعته سيندثرون، لا بد أن يتحركوا إلى الأمام، سيندثرون.
قلت هذا محذراً، عاملاً بما علي، موفياً ما علي، مبرئاً ذمتي بالبيان، لكن ظنوا أنني أتفاخر وكذا، وأريد أن أقول أنتم لن تفعلوا. لا، أنا أقول لأنني أعلم أن هذا سيحصل معكم، والله أحذركم. أنا صادق، أنا سنوات وأنا أمدح شعر بدر والحرزي، فانا لا أتمنى لك السقوط شعرياً، لا أتمنى لشعرك أن ينزل، لا أتمنى، فانا أحذرك لأجل هذا، حريص عليك. لأجل هذا سنوات وأنا أبرز محاسن شعرك وعلى أمل أن يحصل تقدم أكبر لا أن يحصل نزول. فلماذا يظن أنني أريد خلاص تكبرت بما معي وكذا، وأرى أن طلابي سيكونون أحسن من غيرهم؟ لا، ليس هذا الإطلاق، أحذرهم، أحذرهم حتى هذا مفهوم.
أنا الآن لو فجرتها، هذه ما عندي من شاعرية ومبالغ تهدى لهم لأنهم هم الآن الوجه البارز في خدمة هذه القضية، ليس عندي مشكلة. أنا قلت إنه يسوءني، قلت إن القصيدة نازلة. أنا لا أتخيل أنك أنت ولا عقيل ولا أحد من إخوانك لما خرجت قصيدة الحرز كان يتمنى أن تكون رديئة، لا أظن واحداً منكم يتمنى هذا، مستحيل.
أكيد هذا مفروغ منه، البدعيات، أنا متأكد أنكم كنتم تتمنون أن تكون القصيدة عالية جداً. أنا فرحت أول ما رأيت القصيدة، قصيدة جديدة دخلت بها، يعني تضايقت، قلت اللهم... هناك نواصب ينتظرون. لا، لا أطمئنك، أطمئنك أيضاً من تقدير الله أن النواصب في عصرنا ليس هذه بالنسبة إليهم في السماء السابعة، النواصب في عصرنا لا يعترضون على مثلها ولا يستطيعون مثلها، أو مثل بعض أبياتها أو مقاطعها على الأقل. لكن لا شك أننا في عصر خلاص فرض فيه التقويم، صار لا يصلح شيء. طيب اسمع إلى...
الكلمة يقول وأنت تحتاج في الأمر الأكثر إلى أن تمهد لها وتقدم أو تؤخر ما يعلم به أنك مستعير ومشبه، شوف ما يعلم به أنت تهيئ وتفتح طريق المجاز إلى الكلمة. فكل شيء يعجبك في البلاغة خاضع للتأليف وصورة التركيب التي تحقق غاية محسوبة في نفس المتكلم.
ألا ترى إلى قوله: «وصاعقة من نصله ينكفي بها على رؤوس الأقران، خمس سحائب»، هذا البختري. لم يأتِ بهذه الاستعارة دفعة ولم يرمِها إليك بغتة، بل ذكر ما ينبئ عنها ويستدل به عليها؛ فذكر أن هناك صاعقة، وقال من نصله فبين أن تلك الصاعقة من نصل سيفه، ثم قال رؤوس الأقران، ثم قال خمس؛ فذكر الخمس التي هي عدد أنامل اليد، فبان من مجموع هذه الأمور غرضه.
يا سلام! يبقى أنت كذلك لا تحتاج إلى قرينة شديدة. انتبه، شأن المبتدئ أن يبحث عن قرينة شديدة، لا، أحياناً يكون جملة إيحاء الكلام. انتبه في هذا البيت استشهاد للاستعارة لا للمجاز العقلي؛ استشهاد للاستعارة اللغوية لا للمجاز العقلي.
بمناسبة هذا، اعترض بهاء الدين السبكي -لحظة، في الجامعة يريدون لفظ "القرينة" ومع هذا يخطئون- اعترض بهاء الدين السبكي على عبد القاهر والسكاكي في تعبيرهما عن الأصابع بالأنامل. هذا في "عروس الأفراح" لبهاء الدين السبكي، وهذا الاعتراض لا يتجه لأنهما يقصدان المجاز الجزئي، وعبد القاهر لا شك أن التذهبية الأدبية تظهر في أسلوبه لأنه عبر بالأنامل. قال بهاء الدين السبكي: ينبغي أن يقصد الأصابع، واعترض على عبد القاهر، وعبد القاهر لغته كذلك أدبية.
فانظر إلى قوله: «فبان من مجموع هذه الأمور غرضه»؛ من مجموع هذه الأمور: «وصاعقة من نصله ينكفي بها على رؤوس الأقران، خمس سحائب»، أنت مهدت بكلام كثير سيؤول إلى هذا المجاز، وأن خمس سحائب هي هذه الأنامل أو الأصابع.
وضعت من شروح التلخيص بعض الحواشي أو الفوائد على كلام عبد القاهر، فبان من مجموع هذه الأمور غرضه. وأنشدوا لبعض العرب: فإن تعافوا العدل والإيمان .. فإن في إيماننا نيرانا
هذا رجز، نقرأ الشاهد ونقف إن شاء الله. يريد أن في إيماننا سيوفاً نضربكم بها، ولولا قوله أولاً "فإن تعافوا العدل والإيمان"؛ وإن في ذلك دلالة على أن جوابه أنهم يحاربون ويقصرون على الطاعة بالسيف.
ثم قوله: «فإن في إيماننا»، لما عقل مراده ولما جاز له أن يستعير النيران للسيوف؛ يعني المقدمات هي التي أعلمتك بمجموعها وبما مهدت به أن الكلمة مجاز. طب ما الذي يحارب؟ الإيمان؟ الذي يحارب يقاتل بالسيف، والذي يحيد عن العدل يرد بالسيف، وفي الإيمان.. ليس ناقصاً غير أن تقول لي سيوف أم نيران؟ ما هي السيوف؟ هي السيوف.
انظر، ولولا قوله أولاً "فإن تعافوا العدل والإيمان"، وإن في ذلك دلالة على أن جوابه أنهم يحاربون ويقصرون على الطاعة بالسيف. ثم قوله: «فإن في إيماننا»، لما عقل مراده ولما جاز له أن يستعير النيران للسيوف؛ لأنه كان لا يعقل الذي يريد، وإن كنا نقول: في أيديهم سيوف تلمع كأنها شعل نار، كما قال: «ناهضتهم والبارقات كأنها شعل على أيديهم تتلهب».
فإن هذا التشبيه لا يبلغ مبلغ ما يعرف مع الإطلاق؛ كمعرفتنا إذا قال: "رأيت أسداً" يريد الشجاعة، وإذا قال: "لقيت شمساً وبدراً" يريد الحسن. التشبيه إلحاق، والاستعارة والكناية إطلاق. التشبيه إلحاق يعني: سيوفنا كالنيران، أما الإطلاق فمثل أن تقول: «في إيماننا نيران» أو «رأيت نيراناً في أيديهم»، فهذا إطلاق؛ أطلقت النيران على السيوف. ولو قلت: «رأيت سيوفاً كالنيران» فأنت ألحقت السيوف بالنيران، فالتشبيه إلحاق. هذه مصطلحات في علوم البلاغة التقريرية وشروحها: التشبيه إلحاق، والاستعارة والكناية إطلاق.
قال: «فإن هذا التشبيه لا يبلغ مبلغ ما يعرف مع الإطلاق»، كمعرفتنا إذا قال "رأيت أسداً" أنه يريد الشجاعة، وإذا قال "لقيت شمساً وبدراً" أنه يريد الحسن. يريد أن التشبيه يأتي هادئاً في الإلحاق دالاً سلساً، إنما الإطلاقات تحتاج إلى تهيئة، والاستعارة إطلاق وليست إلحاقاً.
قال: «ومما طريق المجاز فيه الحكم»، قول الخنساء... ترتقف هنا يا إخوة، إن شاء الله نقف هنا حتى تبدأ الدرس التالي، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد