بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا مجلسنا الرابع والأربعين من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر أبي بكر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلمه، آمين. وصلنا أيها الإخوة إلى الفصل الخطير الجديد، إلى الفصل الذي وقعت فيه مسألة هي من أجل مسائل البلاغة ومن أدقها ومن أشد ما وقع فيها الخلاف الدقيق الذي شاء الله أن نعرض له اليوم إن شاء الله، وهي مسألة ما يعرف بالمجاز العقلي، التي عرفت بعد ذلك في كتب البلاغة التقريرية بالمجاز العقلي.
المجاز العقلي؛ تعرفون أن كتابي عبد القاهر، "الدلائل" و"الأسرار"، هما أساس علوم البلاغة التقريرية التي صارت بلاغة تقريرية. وهذا المجاز الذي سنتحدث عنه اليوم في كلام عبد القاهر يعرف بعد ذلك بالمجاز العقلي في البلاغة التقريرية، ويدرس في علم المعاني. أما المجاز اللغوي "الاستعارة" التي تعرض لها عبد القاهر فتدرس في علم البيان؛ فعندنا مجاز في علم المعاني في البلاغة التقريرية، ومجاز في علم البيان.
مناسب هنا أيها الإخوة أن أبدأ معكم بإطلالة على الكتب التي تأتي بعد عبد القاهر، الكتب التي تقعدت فيها علوم البلاغة، أولها كتاب "المفتاح" للسكاكي. عبد القاهر كان في القرن الخامس كما تعلمون، توفي في العام الرابع والسبعين بعد الأربعمئة، أما السكاكي فتوفي في العام السادس والعشرين من القرن السابع. بين هذا وذاك حصلت أشياء وتطورات، وكلام في البلاغة قبل عبد القاهر؛ تكلم القاضي أبو بكر الباقلاني، وتكلم الخطابي، وتكلم الرماني، كثيرون تكلموا قبله، لكن البلاغة أخذت طريقها من بعد عبد القاهر فاستقرت في متن هو "مفتاح العلوم".
جاء القزويني الذي توفي في النصف الأول من القرن الثامن، وتحديداً في العام التاسع والثلاثين من القرن الثامن؛ جاء القزويني ولخص كتاب "مفتاح العلوم". احفظوا هذه الأسماء: عبد القاهر، السكاكي، القزويني، التفتازاني؛ هؤلاء العلماء هم أبرز الأسماء في تاريخ البلاغة التقعيدية.
قد تقول لي ربما: هناك كثيرون آخرون، وأين الزمخشري نفسه وما أفاد منه ومن بعده في البلاغة؟ أقول: أتكلم عن المحطات، أو نقاط البلاغة التقريرية. هناك روافد، هناك علماء زودوا ذلك؛ فما هو عبد القاهر نفسه، زوده من سبقه؛ زوده الخطابي، وزوده الباقلاني، وزوده الرماني، وغيرهم، وزوده الجاحظ بالمقام الأول. فهؤلاء جميعاً يمثلون روافد الذين لهم جهود أدبية كالزمخشري في "الكشاف"، كالجاحظ في "الحيوان" و"البيان والتبيين". وإنما أتكلم عن عقد البلاغة أو علم البلاغة؛ رأس هذه العقد عبد القاهر الجرجاني في القرن الخامس، والعقدة الثانية بعده السكاكي الذي توفي في القرن السابع، بعد ذلك جاء القزويني لخص "مفتاح العلوم".
وصار هذا المتن مشهوراً حتى تعرفه الناس باسمه لشتهرته، وهو تلخيص القزويني الذي هو تلخيص "المفتاح". بعد أن صنف تلخيص "المفتاح" وبسط فيه فنون القول، ألف كتاباً آخر تأليفاً مستقلاً. وقد صرح في مقدمته له أنه صار كالشرح له لأنه بسط القول فيه، وزاد فيه ما عند عبد القاهر وليس في "المفتاح"، وزاد فيه ما في "المفتاح" وليس في التلخيص الذي هو له، وزاد فيه ما عند السكاكي مما لم يورده هو في التلخيص، ثم زاد فيه من عنده ما لم يجده لغيره من العلماء، فجاء كما قال: جامعاً لأشتات هذا العلم.
هذا الكتاب هو كتاب "الإيضاح". إذن القزويني له كتابان: له مختصر على "مفتاح العلوم" رتب فيه علم عبد القاهر، ثم كأنه شعر بأنه غير كافٍ، وأنه لا بد من كتاب واسع في البلاغة، فألف "الإيضاح". ونص صريحاً على أنه بسط فيه القول، فصار كالشرح للتلخيص، وإن كان قد ألفه استقلالاً. أنا ألخص لك هذا الطريق لأنه طريق طويل وفيه كتب، لكن هذا أساسه، فابنِ عليه بعد ذلك. صنف "تلخيص المفتاح"، وشعر أنه مختصر، فصنف كتاباً آخر بسط فيه القول، وأدرج فيه ما لم يأت به السكاكي.
من أو ما تركه السكاكي من كلام عبد القاهر، وما تركه هو في تلخيصه من كلام صاحب المفتاح. سآتي إلى الكلام الآن، لحظة واحدة. هذا الكتاب كما قلت هو كتاب الإيضاح، بعد ذلك جاء سعد الدين التفتزاني، العلامة المعروف المحقق الكبير شارح العلوم، الذي توفي في العام الثاني بعد التسعمئة والسبعين، يعني في القرن الثامن، سنة 792 هجرية.
وجاء بالشروح على التلخيص، وعرفت هنا هذه المجموعة المعروفة بشروح التلخيص: الشرح المطول والشرح المختصر وعليه الحواشي. بعد ذلك، وهو هنا عندنا في مصر مطبوع في أربعة مجلدات بعنوان شروح التلخيص وحواشيه، وعليه الحواشي والتقريرات. العمل الكثير عنده هو الشرح المطول، والشرح المختصر، وعليه الحواشي وهكذا.
بين هذه المراحل انتبهوا، تحصل قضايا الخلاف والمناقشة. أنا لماذا أقول لكم هذا اليوم؟ لماذا لأننا سنعرض إلى خلافين في هذا الباب، سيختلفون مع عبد القاهر في مسألتين، وأنا سأذهب في صف عبد القاهر في المسألتين، وستعرفون لماذا، ليس تعصبًا وحبًا لعبد القاهر، لكن ستعرفون لماذا إن شاء الله. فلذلك كان مناسبًا اليوم بما أننا سنتناول شيئًا مما في هذه الكتب، وبما أنكم أصلًا تدرسون وتحققون، فلا بأس أن نعرج على هذا الخلاف. فبين هؤلاء، بين عبد القاهر والسكاكي والقزويني والسعد، يقع الخلاف والترجيح.
أخوكم الحميري سألني الآن: هل يحسن أن ندرسه الآن؟ أنا سأقول شيئين. الشيء الأول أنني اخترت لكم طريق عبد القاهر أولًا لسببين؛ أولًا أنكم في الأصل شعراء ونقاد، وعبد القاهر أمسَّ بعملكم من البلاغة التقريرية. أكثركم لا تخفى عليه صورة الاستعارة، ولا يخفى عليه التشبيه البليغ، وإن كان ذلك تفاريق، لا سيما منكم من كانوا صغارًا في السن لم يدرسوا بعد.
وبعضكم يعرفها ودرسها، وبعضكم في كلية عربية أو تخرج منها أو يدرس فيها. ولكن عبد القاهر أمسَّ لكم بهذا العمل النقدي والتذوقي الذي يدعم الذوق الموجود عندكم، لأنكم منتقون أصلًا. أنتم ليس فيكم بليد، نعم تتفاوتون، فيكم شعراء وفيكم نقاد، وفيكم من هو ناقد ليس بشاعر، وتتفاوتون في مستوى الشعر، ولكن في الأخير ليس فيكم بليد، ليس فيكم من لا يملك قريحة الذوق والنظر، لأن الأمر انتقائي كما تعلمون.
فتنفعكم جدًا عمل عبد القاهر الذي يأخذكم يمينًا وشمالًا في النص، هذا سينفعكم جدًا في النقد والتعليل، أكثر من أن تقول هذا تشبيه، أو هذا تشبيه بليغ لأنه حذف وجه الشبه والأداة وأبقى الطرفين، وهذا استعارة لأن علاقتها التشبيه، وأما هذا فعلاقته الجزئية أو كذا، فمجاز مرسل. هذا أولًا أن هذا أمسَّ بكم.
الشيء الثاني أنني اخترت لكم، وهذا كذلك أمسَّ بكم، اخترت لكم أن تبدأوا في تاريخ البلاغة من أولها. هناك منهجان؛ هناك طريقة تدرسون فيها التاريخ من أوله تأتون بالعلوم وتبدأون في النزول شيئًا فشيئًا، وهناك طريقة تصلح لعامة طلاب العلم الذين يأخذون فيها المتون فقط، يأخذ المتن ويدرس، لأنه أصلًا غالبًا سيتوقف على المتن.
عملهم غير عملكم؛ طلاب الأزهر عندنا جميعهم تقريبًا يدرسون البلاغة، وترى أغلبهم يعجب ببيت تافه ولا يستطيع تحليل بيت، لكن يستطيع أن يقول لك هذا تشبيه، هذه استعارة، هذا مجاز مرسل، هذا الشاطر منهم، ليس البليد، الشاطر يعني المتفوق، هو يقول لك هذا يستخرج وينجح في الامتحان، لكن هذه ضرورة عندهم لكونهم طلاب علم. لا يصح لطالب علم ألا يعرف أن هذا تشبيه وأن هذا مجاز وأن هذه استعارة وأن هذه كناية، وألا يعرف الكناية من التشبيه والاستعارة، وألا يفهم الفرق بين الإلحاق والإطلاق؛ لأن الاستعارة والكناية إطلاق والتشبيه إلحاق.
فهذا مما يذكرونه في تدقيقهم في هذه المسائل وفي الشروح: إلحاق وإطلاق؛ التشبيه إلحاق، والاستعارة والكناية إطلاق. لا يليق بالطالب ألا يعرف، لكن هم غالبًا سيتوقفون عند هذا، ومن منهم يصل إلى عبد القاهر؟ لا أحد. أنتم منهجكم مختلف، فلذلك اخترت لكم أن ندرس عبد القاهر جيدًا، وأن يكون هو الأصل عندنا، وبعد عبد القاهر نبدأ في الانتقال لمرحلة تقعيدية تالية، نقرأ مثلًا مفتاح العلوم لنرى ما الذي أضافه.
وبالمناسبة فعل هذا الدكتور أبو موسى، الدكتور أبو موسى الآن مثلًا له مجالس في عبد القاهر، وكذلك صنع مداخل عبد القاهر، وهو في الكتب يشير لك إلى ما حصل بعده، فهو ينطلق كذلك من عبد القاهر، بل والزمخشري، أصل رسالة الدكتوراه في الزمخشري، فتراه هو يتكلم وينطلق لك من عبد القاهر وينزل إلى السكاكي وهكذا. هذا عمل المشتغلين بالشعر والأدب عمومًا وبالنقد، عبد القاهر أصل عندنا في هذا، وهو الأهم والأخطر والأعجل.
أما الطلبة العاديون، نعم، بالضبط عشان أنظر منهج عبد القاهر يا محمد يحفز القريحة، أما الطلبة العاديون بسرعة يعطون المتون؛ لماذا؟ يتدارك الجهل. لا يصح ألا يعرف الفرق بين التشبيه والاستعارة، لا يصح ألا يعرف المجاز العقلي والمجاز اللغوي، لا يصح ألا يعرف الخبر والإنشاء، لا يصح ألا يعرف التنكير والتعريف، وكذا لا يصح ألا يعرف إذا قرأ في كتب التفسير ألا يعرف أن يقول قدم، أو حتى في مصنفات النحو؛ قدموا لأهميته، قدموا هذا للحصر والقصر، أو حذفوا لأجل كذا.
لابد أن يعرف هذه، هذه أدوات كالمنطق يفهم بها الكتب العادية. كما أنا درست المنطق مثلاً، لا أحبه مع أني درسته على مشايخه ودرسته في أكثر من مصدر، لا أحب المنطق ولكن دراستي له تجعلني أقرأ أي كتاب في أصول الفقه يقع تحت يدي، لأن تقريبًا كل كتب أصول الفقه المتأخرة حتى عند الحنابلة تحتوي على مقدمة منطقية.
أبسط كتاب، أيسر كتاب في أصول الفقه للمبتدئين، كمختصر التحرير للحنابلة، تراه يكلمك عن الفرق بين النقيضين والضدين والمختلفين والمتماثلين، ويقول لك: يرتفعان، ويجتمعان، ولا يرتفعان، ويجتمعان ولا يرتفعان، إلى آخره. يقول لك أربعة علاقات.
أربع علاقات: التناقض، التضاد، الاختلاف، والتماثل. المتناقضان، الضدان، المختلفان، والمتماثلان. علاقات مختلفة؛ نحن نستعمل هذا مكان هذا في توسع في اللغة، لكن هذه مصطلحات منطق؛ لما أقول لك المقدمات والنتائج، لما أقول لك ما صدقات الكذا، ما صدقات.
قديما، عندما كنت صغيراً وجئت بالكتب أقرأها، حسبتها خطأ مطبعيا: "ما صدقات، ما صدقات الكذا". هي تريك ما صدقت عليه، ما صدقت عليه، الما صدقات؛ واخد بالك؟ حسبناها خطأ. لكن لما درسنا هذه العلوم فهمناها. فأنا مثلا الآن يفيدني هذا في قراءتي لأي كتاب في المنطق، أو في أصول المنطق، أو في أصول الفقه؛ لكي لا يتعسر علي كتاب في هذه العلوم.
كذلك طلاب الأزهر أو الطلاب العاديون؛ القاعدة أن الطلاب ليسوا موهوبين في النقد ولا الشعر ولا أي شيء خالص نهائيا. الطلاب العاديون لا بد حتى يستطيعوا فقط قراءة كتب التفسير، هذه نقطة مهمة؛ لماذا يدرسون البلاغة؟ سيكونون بلغاء؟ سيكونون نقادا من أهل العلم بالشعر؟ لا، خالص.
كل من حكى عنهم المنفلوطي رحمه الله، لما كان في الأزهر ويعادون الشعر، درسوا البلاغة. الذي يقول: إذا أمسكوا معي كتابا في الأدب أو ديوانا من الشعر كأنهم أمسكوا معي زجاجة خمر. في الأزهر كنت أخبئها في أشيائي، في حقيبتي أو بين ملابسي، أخبئ ديوان الأدب كما أخبئ... كأني متلبس بكذا، طب ما كل هؤلاء درسوا البلاغة، جميعهم درسوا البلاغة.
درست تلخيص القزويني، لكن هذه دراسة ضرورية لقراءة الكتب. الطالب الأزهري الذي لم يدرس بلاغة ولا يتذكر مصطلحاتها لا يستطيع أن يقرأ كتاب تفسير أصلا؛ لما يقال له: "وأما هنا إنما أفادت الحصر والقصر لأجل كذا" وتشرح المسألة بلاغيا، يقف كالحمار، مش فاهم حاجة، يفضل يعدل في العمامة شمال ويمين ولا يسأل: يعني إيه حصر وقصر؟ يعني إيه كذا؟ لماذا "إياك نعبد"؟ لماذا "إياك نعبد" وقدم المفعول لأن "إياك" مفعول مع الفعل؟ لماذا هكذا؟ لماذا؟ لأجل إفادة كذا. كل هذا التعبير لن يفهمه إذا لم يدرس البلاغة، فهم يدرسونها لأجل هذا.
أنتم تختلفون، فإذن عندكم سببان: أولا أنه ألصق بكم في عملكم والقريحة ولغة عبد القاهر وكذا، وثانيا أنكم تختلفون؛ أنني أريدكم أن تأخذوا المراحل من فوق، من التحرير والتعليم، وأن تفهموا الحجة عند عبد القاهر أولا، لا تخفى عليكم، ثم تروا كيف خالفه غيره؛ لأنني وجدت أن أخذها من تحت فيه نوع ضرر. الذي يأخذها من تحت بحجة المتأخر لا يحرر ما عند عبد القاهر تحريرا هو جدير به؛ عبد القاهر أحق بالتحرير. أنا الآن أفهم عبد القاهر جيدا، ثم أرى من اعترض عليه، وسترون أنموذجا، ثمرة لهذا اليوم إن شاء الله، ثمرة لهذا المنهج اليوم إن شاء الله.
هذا أولا، قلت لكم هناك أولا وثانيا، هذا أولا. ثانيا لا يختلف، لا يضر، ولهذا ستدرسون تلخيص القزويني؛ القاعدة التي دخلت جديدة ستدرسون تلخيص القزويني، سأدرسهم تلخيص القزويني، لا يضر. أما أن تقرأ الآن الإيضاح وتدخل في المسائل الخلافية مع عبد القاهر -ونحن سنصل إليها إن شاء الله، سنصل إلى الإيضاح- لكن ليس الآن؛ ننتهي من عبد القاهر أولا ونتسلسل حتى نسير على منهجنا ونحصل في ترتيب وهدوء دون تداخل. أما الآن سيظل عقلك يربط بين هذا وذاك وأنت لم تضبط بعد الذي عند عبد القاهر. اضبط الذي عند عبد القاهر ثم نرى، أما الآن سيذهب عقلك يمين وشمال، وتستشعر تقول: لا، ما هو يبقى أختار كتابا أكون مع الإيضاح أو أكون مع عبد القاهر؟ لا، نحن نكون مع عبد القاهر.
أما مثلًا دراسة التلخيص هذه ضرورية لنعرف الاصطلاح، خلاص بالنسبة للمجموعة الجديدة التي انتسبت، وبالنسبة لأي أحد يحتاج إليها. أما الإيضاح ليس تلخيصا، الإيضاح عمل آخر. تعالوا الآن إلى هذا الفن، طبعا هذا الكتاب حتى قال عنه الدكتور محمد أبو موسى في المدخل إلى كتابي عبد القاهر: "كتاب الإيضاح يمثل رأس الدراسة البلاغية عند المتأخرين". نتوكل على الله تعالى.
في الصفحة الثالثة بعد المائتين، بداية الفصل في هذا الباب الجميل الذي جعل بابا مستقلا في علم المعاني في البلاغة التقريرية هو باب المجاز العقلي، الذي يسميه عبد القاهر المجاز الحكمي وسنعرف لماذا. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الإمام: «فَصْلٌ: هَذَا فَنٌّ مِنَ الْمَجَازِ لَمْ نَذْكُرْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ»، فن يعني فرع من المجاز، نوع من المجاز لم نذكره فيما تقدم. يا سلام.
يقول: «اعْلَمْ أَنَّ طَرِيقَ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ فِي الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ؛ أَنْكَ ذَكَرْتَ الْكَلِمَةَ وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ مَعْنَاهَا، وَلَكِنْ تُرِيدُ مَعْنًى هُوَ رَدِيفٌ لَهَا أَوْ شَبِيهٌ رَدِيفٌ لَهَا»، يعني لاحق بها أو شبيه، هذا على قريب من الترادف هو رديف لها أو شبيه. «فَتَجَاوَزْتَ بِذَلِكَ فِي ذَاتِ الْكَلِمَةِ وَفِي اللَّفْظِ نَفْسِهِ». اسمع ركز عشان أفاكر يا محمد. استشكالك أنت وأسامة، أو استشكال أسامة هذا الحمادي صاحبك بما أنه غير موجود نتكلم عليه كما نشاء، خلاص. اسمع يا سيدي اسمع.
قال ركز لأنه سيحصل إشكال؛ أخوك في مرة استشكل أسامة، تذكرون في بعض المحاضرات قال: «أرى ذلك استعارة بالكنية»، قلت له: «هذا ما ذهب إليه السكاكي»، ولكن استشكلت عليه بما استشكلوه على السكاكي، فركز حتى تفهم الفرق بين هذا وبين غيره. قال: «اعْلَمْ أَنَّ طَرِيقَ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ فِي الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ؛ أَنْكَ ذَكَرْتَ الْكَلِمَةَ وَأَنْتَ لَا تُرِيدُ مَعْنَاهَا، وَلَكِنْ تُرِيدُ مَعْنًى هُوَ رَدِيفٌ لَهَا أَوْ شَبِيهٌ، فَتَجَاوَزْتَ بِذَلِكَ فِي ذَاتِ الْكَلِمَةِ وَفِي اللَّفْظِ نَفْسِهِ». شوف، في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه، يعني نفس الحرف، الكلمة خلاص نفس الكلمة.
«وَإِذْ قَدْ عَرَفْتَ ذَلِكَ فَاعْلَمْ أَنَّ فِي الْكَلَامِ مَجَازًا عَلَى غَيْرِ هَذَا السَّبِيلِ». طيب ما هو يا عبد القاهر؟ وهو أن يكون التجاوز في حكم يجرى على الكلمة، وهو أن يكون التجاوز في حكم...
وهو أن يقول: وإذ قد عرفت ذلك، فاعلم أن في الكلام مجازًا على غير هذا السبيل، وهو أن يكون التجاوز في حكم يجرى على الكلمة فقط. يعني يكون التجاوز في حكم يجرى على الكلمة، في حكم يلحق الكلمة لا في الكلمة، بحيث تكون الكلمة متروكة على ظاهرها ويكون معناها مقصودًا في نفسه ومرادًا من غير توريه ولا تعريض.
ما هو قال لك اسمه مجاز عقلي، والدليل أن العلماء رجحوه أو أخذوا بجانب عبد القاهر فيه، وإن لخصوا المتون المتأخرة عن السكاكي؛ فالسكاكي لم يرَ المجاز العقلي ورآه استعارة بالكنية، ومع ذلك أنت ترى المجاز العقلي بابًا في علم المعاني في البلاغة المتأخرة.
هذا يا إخوة هو الذي عرف بعد ذلك في علوم البلاغة بالمجاز العقلي والمجاز الإسنادي. ودرس كما قلت في باب من أبواب علم المعاني الثمانية، وعبد القاهر هو أول من انتبه إلى تمييزه عن المجاز اللغوي المعهود الذي ندرسه في علم البيان من البلاغة التقريرية؛ فهو مجاز، اسمع، موضوعه ليس الانتقال من لفظة إلى لفظة أو الانتقال في معنى اللفظة في لفظة واحدة تنتقل من معنى إلى معنى، لا بل في إسناد معنى إلى معنى، الكلمة على حقيقتها، المسند على حقيقته، المسند إليه على حقيقته، أين المجاز؟ موضوع الإسناد.
إذا كان محل الإسناد ليس اللفظ، فأين محل الإسناد؟ العقل، ومن هنا سمي المجاز العقلي أو المجاز الإسنادي، لأن موضعه موضوع الإسناد وليس اللفظة. وكان الأول مجازًا لغويًا؛ لأن الذي نحن فيه الآن يحصل بالعقل، يحصل في إسناد معنى إلى معنى، أما اللفظ المسند والمسند إليه على حقيقته، فليس هو موضع المجاز المقصود، ومن هنا سمي مجازًا عقليًا، وسمي الأول مجازًا لغويًا لأن المجاز فيه يحصل بالوضع في اللفظة، فاللفظة تغير معناها وتجاوزت في معناها، فسمي مجازًا لغويًا لأنها وقعت في اللغة لا في الإسناد الذي محله العقل، وإنما في اللفظة التي هي مادة اللغة.
وهذا وجوده يا إخوة في القرآن كثير، كما قال القزويني في الإيضاح: "وجوده في القرآن كثير"، والمثال فيه قولهم: نهارك صائم، وليلك قائم، ونام ليلي، وتجلى همي، وسآتي بما هو أوضح إن شاء الله من الشعر، وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16]، وقول الفرزدق: سقطها خروق في المسامع لم تكن ... علاطًا ولا مخبوطة في الملاغم
أبدأ لكم بالشرح على بيت امرئ القيس الذي يقول: فدع ذا وسلل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجر تقطع غيطانا كأن متونها ... إذا أظهرت تكسى ملأً منشرًا
لما يقول: فدع ذا وسلل الهم عنك بجسرة ذمول، متى؟ إذا صام النهار وهجر. كلمة "صام" يعني أمسك، توقف، وهذه صحيحة في أصل اللغة، والنهار هو الفاعل للإمساك. أنا أسألكم الآن: هل صام هنا بمعنى أمسك وتوقف؟ هل وقع أي مجاز فيها؟ لا، لم يقع مجاز. هل النهار مجاز؟ لا. طيب، أين المجاز؟ صام النهار؛ هناك مجاز، الإسناد هو المجاز، إسناد الصيام إلى النهار على جهة أن الفاعل هو المجاز.
هذا الإسناد، هل وقع في اللفظ؟ لا، وقع في الذهن، ومن هنا سمي المجاز الإسنادي والمجاز العقلي. وعبد القاهر سماه المجاز الحكمي لأنه متعلق بحكم، أي بصفة تلحق الكلام بحكم لا بنفس الكلام، أي أنك حكمت بأن النهار هو الذي أمسك والنهار لم يمسك، وهذا الحكم محله العقل فهو مجاز عقلي، وهذا الحكم حصل بالإسناد فهو مجاز إسنادي. لا النهار مجاز ولا صام مجاز، بل هذا التركيب في الذهن.
وامرؤ القيس يقول كذلك: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حِقْفٍ
انتحى بطن حِقْفٍ، يعني أن نحن انتحينا في بطن حِقْفٍ، وانتحى يعني انعطف. هل انتحى هنا مجاز؟ لا، ليست مجازًا. هل بطن الحِقْف مجاز؟ هل نريد به شيئًا غير بطن الحِقْف؟ لا، أين المجاز؟ أن بطن الحِقْف هو الذي انتحى، والحقيقة هو لم ينتحِ، هو على حاله ونحن الذين انتحينا فيه، ولكنه قال: "انتحى بنا"، فجعله هو الذي انتحى. وقع المجاز في إسناد فعل الانتحاء إلى بطن الحِقْف نفسه، هو أصلًا بطن الحِقْف موجود وهم انتحوا إليه، لكنه قال: انتحى بهما. أراد امرؤ القيس هنا بهذا المجاز أن يوحي بأنه مع حبيبته لا يعبآن بالمسير، وأنهما قد سارا سيرًا طويلًا حتى انتحى بهما.
مثلما يقول الشخص في لهجتنا العامية: "مالت الطريق بهما"، أو نقول: "دارت بي الأرض" عندما نفقد العنوان، هل الأرض دارت؟ لا، الدوران معناه صحيح والأرض حقيقة كذلك، ولكن إسناد الدوران إلى الأرض هو المجاز.
في لهجة من يقول، أو في لغة من يقول في عاميتنا: «دارت بي الأرض»، أنت الذي دار لست الأرض. فما ربحت تجارتهم، هل الربح هنا مجاز؟
يقول أبو قاسم: «الأرض مسطحة والشمس تدور حولها»، والله أشياء يشغلنا بها التافهون. فما ربح، قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16]، هل الربح هنا مجاز؟ لا، وإنما إسناد الربح إلى التجارة هو المجاز.
يقول عبد القاهر: «أنت ترى مجازًا في هذا كله»، أنت ترى اتساعًا لا شك، حتى نتكلم عن وعي ووضوح. صاحب الذوق، كما قال في الفصل السابق، هذا الكلام لا ينفع إلا من له ذوق وفطرة سليمة. يقول: «أنت ترى مجازًا في هذا كله، ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ».
كما وجدنا في المجاز اللغوي المشهور الذي درسناه في الاستعارة من قبل، أنت ترى مجازًا في هذا كله ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ، ولكن اسمع: «في أحكام أجريت عليها». لذلك سماها عبد القاهر مجازًا حكمي، لأنها في أحكام أجريت على إسناد المعنى إلى هذه الألفاظ، لا في عين الألفاظ. ولهذا سمي مجازًا إسناديًا، وسمي مجازًا عقليًا، وسمي مجازًا حكميًا.
عرفت لماذا اصطلح عليه بهذه الاصطلاحات؟ مجاز إسنادي لأنه حصل فقط عند الإسناد، ومحله الإسناد. ومجاز عقلي لأن موقعه ليس لفظيًا، فليس في اللغة مجازًا لغويًا، بل قسيمه المجاز اللغوي ليس في اللغة وإنما في العقل. ومجاز حكمي لأن موضوعه الحكم الذي أُسند إلى الألفاظ وليس عين الألفاظ.
نص كلام عبد القاهر: «ولكن لا في ذوات الكلم وأنفس الألفاظ، ولكن في أحكام أجريت عليها. إذا فهمتم الباب جيدًا وأوعبتموه، واختلط فيه عندكم العلم بالذوق، استطعتم بعد ذلك أن تحرروا الخلاف الذي وقع». وسنحاوله إن شاء الله اليوم بإذن الله.
قال: «وإذا لم ندرك...» فالحصة القادمة إن شاء الله. تفضل يا محمد. - مولانا، لو أشكل أحدهم إشكالاً فقال أنه مثلاً: «نهارك صائم وليلك قائم»، نحن قلنا أن المجاز هنا هو النسبة، هو نسبة الصيام للنهار. الصائم الحقيقي من هو؟ - هذه مسألة ستأتي، هناك مسألتان خلافيتان ستأتيان في هذا الباب، خليك معي. أنا أريد أن أقول إنه قد يكون النهار هو بنفسه مجازًا للرجل، عندما أسندنا الصيام إلى النهار، فالنهار لم نرد به عين النهار، أردنا به الرجل الصائم، وبالتالي سيكون النهار هو اللفظة. - لا ليس كما تقول، قد يرد هذا الإشكال، كيف نجاوب عنه؟ - كما قال لك يا محمد: المناقشة هذه تأتي بعد التأصيل، لأن هذه الأمثلة سيذكرها عبد القاهر الآن. اصبر، هذا الباب دقيق ولا بد أن نستوفي أصوله قبل أن نناقشه.
قال: «أفلا ترى أنك لم تتجاوز في قولك: نهارك صائم وليلك قائم في نفس صائم وقائم، ولكن في أن أجريتهما خبرين عن الليل والنهار؟» نهارك صائم أي نهارك ممسك، وليلك قائم أي ليلك غير راقد، هو قائم حقيقة، ولكن الليل هو القائم.
وكذلك ليس المجاز في الآية لفظة «ربحت»، بل في إسنادها إلى التجارة. والتجارة هنا لم يجعلها إنسانًا، التجارة هي التجارة. وانظر هنا في قوله: «سقتها خروق»، الضمير في «سقتها» يعود على الإبل. فكأن الخروق في المسامع هي التي أوردتها الماء وكفت الذائدين عنها. وهكذا الحكم في قوله «سقتها خروق»، ليس التجاوز في نفس «سقتها» ولكن في أن أسندها إلى الخروق.
«أفلا ترى أنك لا ترى شيئًا منها إلا وقد أريد به معناه الذي وضع له على وجهه وحقيقته؟» فلم يرد بـ«صائم» غير الصوم، ولا بـ«قائم» غير القيام، لكن نهار صائم والليل قائم. ولا بـ«ربحة» غير الربح، ولا بـ«سقط» غير السقط.
كما حصل في قوله: «وسالت بأعناق المطي الأباطح»، هل سالت هنا على حقيقتها في السيلان التي هي شأن الموائع؟ لا، وإنما سالت هنا استعارة، مجاز علاقته التشبيه، لأنها من كثرتها كانت متصلة كأنها تسيل.
واعلم أن الذي ذكرت لك في المجاز اللغوي هو ما يدرس في علم البيان، أما هذا فيدرس في علم المعاني. واعلم أن من شأنه أن يفخم عليه المعنى وتحدث فيه النباهة، فليس يشتبه على عاقل. أليس حال المعنى وموقعه في قوله: «فنام ليلي وتجلى همي» كحاله إذا أنت تركت المجاز وقلت: «فنمت في ليلي وتجلى همي»؟ أسند النوم إلى الليل، فليس يشتبه على عاقل.
كما لم يكن الحال في قولك: «رأيت أسدًا» كالحال في: «رأيت رجلًا كالأسد»، فـ«رأيت أسدًا» استعارة لغوية.
يقيس هذا على هذا، يقيس المجاز الإسنادي العقلي الحكمي على المجاز اللغوي الذي هو الاستعارة. كما لم يكن الحال في قولك: "رأيت أسدًا" كالحال في: "رأيت رجلًا كالأسد". ومن الذي يخفى عليه مكان العلو وموضع المزية وصورة الفرقان؟ الفرقان يعني الفرق الكبير الشديد الظاهر بين قوله تعالى: ﴿فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: 16]، وبين أن يقال: "فما ربحوا في تجارتهم".
وإن أردت أن تزداد للأمر تبيناً، فانظر إلى بيت الفرزدق: يحمي إذا اختلطت السيوف نساءنا .. ضربٌ تطير له السواعد أرعلُ
يحمي؛ أسند الحماية إلى الضرب، فعل الحماية إلى الضرب. يحمي إذا اختلطت السيوف نساءنا ضرب، يعني يحمي ضرب نساءنا إذا اختلطت السيوف. يحمي ضرب نساءنا إذا اختلطت السيوف، ضرب تطير له السواعد الرعل. نستطيع أن نقول: إذا اختلطت السيوف يحمي ضرب نساءنا، أو يحمي ضرب تطير له السواعد نساءنا.
وانظر إلى رونقه ومائه، وإلى ما عليه من الطلاوة، ثم ارجع إلى الذي هو الحقيقة، إلى التعبير الحقيقي. كلمة "أرعل" يريد بها ضرباً أهوج لا يبالي ما أصاب. ثم ارجع إلى الحقيقة وقل: نحمي نحن؛ يعني نحمي إذا اختلطت السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد الرعل. لم تُسند الحماية إلى السيوف، بل إلى الضرب.
قال عبد القاهر: «ثم اصبر حالك»، أي اختبر حالك. اقرأ بيت الفرزدق واقرأ الصورة الأصلية الحقيقية واختبر حالك. الصبر هو الاختبار، وهناك باب في أصول الفقه يسمى "الصبر والتقسيم" من مسالك العلة. الصبر والتقسيم يعني أن تجمع الصفات وتصبرها، أي تختبرها، وتقسمها، أي تجمعها وتقسمها ثم تصبرها.
مثلاً في حديث، جاء رجل إلى رسول الله ﷺ وقال: «هلكت يا رسول الله»، قال: «ما أهلكك؟» -وأنا أروي الحديث بالمعنى- قال: «وقعت على امرأتي في نهار رمضان». فيجمعون الأوصاف، وهذا هو التقسيم؛ أنه رجل، ووقع على امرأته، وكان في نهار رمضان. هذا ما يسمى بمسالك العلة، جمعوا الأوصاف ثم يبدأون في الصبر وهو الاختبار.
وعلى أي أساس يصبرون؟ العلة لها صفات واختبارها له شروط الملاءمة وغيرها. فكونه رجلاً ليس مؤثراً، ينتهون إلى أنه وقع جماع في نهار رمضان وهو يفسد الصوم، فكفارته كذا وكذا. فيقول عبد القاهر: «ثم اصبر حالك»، هذا معنى الصبر، أي اختبر حالك، كما نقول "صبر أغوار الشيء" أي اختبارها والتدقيق فيها.
ثم اصبر حالك؛ هل ترى مما كنت تراه شيئاً؟ اسمع بيت الفرزدق: "يحمي إذا اختلطت السيوف نساءنا ضرب"، هذا إسناد حكمي. هل الضرب مجاز؟ هل الحماية مجاز؟ لا، الحماية ليست مجازاً لفظياً، ولا لفظ الضرب مجاز، لكن إسناد الحماية إلى الضرب مجاز. قل: "نحمي نحن إذا اختلطت السيوف نساءنا بضرب تطير له السواعد أرعل"، ثم اصبر حالك: هل ترى مما كنت تراه شيئاً؟
يتكلم عبد القاهر بعد ذلك في الفقرة الآتية عن قيمة هذا المجاز في الأدب وفي البيان العالي، قال: «وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ في الإبداع والإحسان والاتساع في طرق البيان». وهذا طبعاً عند الحداثيين مجاز ساذج.
نحن نريد شيئاً يظل الناس تتوقع عذرته كيف هي. وهذا الضرب من المجاز على حدته كنز من كنوز البلاغة. الحميري يقول إنهم لا يزالون في الدلالة، وهذا بعيد عن تصورهم، حتى أحسنت. هم فعلاً بعيدون في البلاغة، أو واقفون عند الدلالة، لذلك أنا أصفهم بالأمية اللغوية وبالتخلف العقلي اللغوي.
هؤلاء واقفون عند أن يصححوا الكلام حتى يكون إنساناً ناطقاً. اشتد غضبي عليهم، وليس معاداة من فراغ، إنما لأنهم يؤولون بالناس إلى تخلف عقلي حقيقي. إحدى الحداثيات قالت: "أرتجل أبياتاً"، وقلتُ أمامها دقيقتين وجئت على بحر البسيط بقافية، فشرطها الوحيد هو الوزن والقافية والصحة النحوية المطلقة.
قالت: "أمشي على الماء، لا سلك يؤرقني، ولا يجوز، ولا يفيض على أحداقي الغسق، حتى أتت تحت بفرشاة أجنحتي ما بين ضلع الهوى والبهو تنخرق". عندما قلتها، علق البعض قائلاً: "حلقت بنا في فضاء الفن"، فقلت له: "فضاء ماذا؟ لم أقل شيئاً يخرب بيوتكم".
من هذه الحوادث اشتد غضبي على الحداثة، وزادت حدتي عليها، وصرت أهينها شديداً وأنبه إلى أنها تؤدي إلى تخلف عقلي عند الناس، تخلف عقلي حقيقي.
الرجل يوجد معنى للكلام أصلا، تذكرون هذه الكلمات يا إخوة؟ حتى بس حتى تفهموا اللحظة. أنا آسف لما ستسمعون، هذا ارتجلته في دقيقتين، هكذا قلت وأجرب اختبارا مع الناس. وحينها أعلنت عن أنني سأبث في دقيقة أبياتا لي ارتجلتها وكذا، وإذا بتعليقات البعض: «لقد حلقت بنا في سماء الفن».
قلت: «أمشي على الماء لا سلك يؤرقني، ولا يذوب على أحداقي الغسق، حتى أتت تحت بي فرشاة أجنحتي، ما بين ضلع الهوى والبهو تنخرق، أساور النفس من بردي إذا طفقت». أنا لست عارفا كيف، أنا حاولت أفهم الذي قلته وأخترع له معنى على طريقة تعدد القراءة، يعني: «أساور النفس من بردي إذا طفقت، تحثني في صميم الجو تفترق، وجاءني من سحاب الطفل يسألني فلاذ مني فرارا يشتفي النفق». والله العظيم هناك من قال لي: «لقد حلقت بنا في سماء الفن»، فقلت له: حلقت بكم فين؟ يخرب بيوتكم، على بيت الحداثة عملته فيكم.
نشوف بقى كلام العقلاء. وهذا الضرب من المجاز، على حدته كنز من كنوز البلاغة، ومادة الشاعر المفلق والكاتب البليغ، الإبداع والإحسان، والاتساع في طرق البيان، وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يجيء بالكلام مطبوعا -يعني يجمع بين الطبع والصنع، مدقق لكن على الطبع- مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام قريبا من الأفهام. نكمل بعد الأذان يا إخوة.
نرجع هنا تعليق على قوله: «وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام قريبا من الأفهام». انتبهوا، أن يجمع بين الطبع والصنعة في الشعر على اصطلاح المطبوع والمصنوع يا إخوة هذا مستحيل أصلا. السطر الواحد أو البيت أو الشطر أو الجملة التامة أو الفنية الشعرية، الوجه الشعري إما أن يكون مطبوعا وإما أن يكون مصنوعا. فهو لا يريد من قوله هنا مطبوعا مصنوعا يعني يجمع بين الطبع والصناعة مثل كطريقة البحتري أو طريقة عمر بن أبي ربيعة وطريقة أبي تمام، ليس هذا.
الصناعة هنا معناها بمعناها الأصلي اللغوي، بمعناها الذي قال فيه ابن سلام: «والشعر صناعة كسائر الصناعات». ولذلك الشعر كله مطبوع أو مصنوع صناعة، يعني هو صناعة يختلف بها عن الكلام المرسل، عن الكلام العادي، أي شعر لا بد فيه صناعة. أما المطبوع والمصنوع من الشعر الذي هو صناعة، فهذا اصطلاح آخر يتعلق بالبديعيات، يتعلق بوجوه من مداخلة الكلام وإلى آخره. فيقول: «مطبوعا مصنوعا» معناه أنك تبذل فيه صنعة عالية، ولكن يبدو قريبا، ولهذا قال بعدها: «بعيد المرام قريبا من الأفهام». ما هو؟ الصناعة جعلته بعيد المرام، وكونه مطبوعا جعله قريبا من الأفهام.
يقول: «وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا»، يعني مطبوع كالكلام الذي يأتي على الطبع رغم أنه مصنوع. أنت ارتكبت شيئا من المجاز عجيب، هو المجاز الحكمي، وبناء على ذلك جاء الكلام بعيد المرام قريبا من الأفهام. «وأن يجيء بالكلام مطبوعا مصنوعا، وأن يضعه بعيد المرام قريبا من الأفهام». ولا يغرنك من أمره أنك ترى الرجل يقول: «أتى بي الشوق إلى لقائك، وسار بي الحنين إلى رؤيتك، وأقدمت بي بلادك حق لي على إنسان»، وأشباه ذلك مما تجده لسعته وشهرته يجري مجرى الحقيقة التي لا يشكل أمرها، فليس هو كذلك أبدا، بل يدق ويلطف.
هناك قضية لا بد أن أشرحها لكم الآن وأوضحها. قال: «بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها والنادرة تأنق لها». شوف الكلام، اسمع: «حتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها، والنادرة تأنق لها». انتبهوا، ليس معنى أننا لا ندعو إلى طريقة القدماء وكذا أننا لا نأتي إلا بمجازاتهم، ولا نستعمل إلا ما قالوه، وأن نقول هذا المجاز ليس عندهم، هذا خطر كبير، وهنا سيصح اتهامنا بالجمود، أننا لا نستعمل إلا ما استعملوه. لا، نحن نجري على طريقتهم، حتى لو أتينا كما قال عبد القاهر: «بالبدعة لم تعرفها والنادرة تأنق لها».
أخونا هنا أو أختنا صفاء تقول: هل يمكن للمجاز الحكمي أن يكون من الحذف؟ لا، لا طبعا، لأنه وقع في العقل بدلالة الإسناد، وليس من باب الحذف، يعني لا يقدر شيء محذوف في الكلام. أما «واسأل القرية» يعني «واسأل أهل القرية»، لن يتوجه السؤال إلى القرية نفسها ولو على المجاز، لا، «واسأل أهل القرية»، حتى لو قلنا مجاز، هنا نقدر لفظة، أما هذا فليس من تقديري، ليس من الحذف في شيء. «انتحى بنا بطن حقف»، يعني انتحى بنا بطن حقف، ما هو بالفعل أسند الكلام إلى الانتحاء، هو إسناد عادي، لكن ليس الأصل أن يسند، وإنما وقع مجاز في الإسناد كما وقع في الاستعارة.
بالمناسبة، حتى القرطاجني يا إخوة نبه إلى هذا، كان هناك نص يقول فيه القرطاجني: المطلوب في كلام الأدباء والشعراء أن يجري على طريقة العرب، وأن يكون له معنى ويصح على قانون الصناعة، وليس شرطا أن يوافق عين ما قالوه، وإلا أين الإبداع؟ أين الاختراع في المعاني؟ انتبهوا، لا تقل هذا مجاز، أخشى أن تسمع مثلا شخصا يأتي بتشبيه جديد أو بصورة فتقول هذه حداثة لم تأت بها. كما بعضهم سمع أسماء فتيات معاصرات من أزماننا، بدلا من أن يسمع سلمى ولبنى وفاطمة وزينب، سمع شيماء، سمع آمال، سمع فيروز، فقال هذا شعر حداثي؛ لا، هذا شعر حديث، ليس حداثيا، هذا يقال حديث.
كذلك هناك أمور، تأتيني أسئلة على التليجرام وعلى الوسائل الخاصة، تأتيني أسئلة ما كان ينبغي أن تسأل، شخص يقول: أنا أريد أن أعبر على طريقة العرب عن أحداث وقعت لي بأسماء بلادي أنا، أسماء مثلا عندي في القاهرة أو في مصر أو في السعودية، هل يجوز لي أن أستعمل الأسماء المعاصرة؟ السؤال ما ينبغي أن يذكر أصلا، وهذا أخشى منه أن يظنوا أن أبا قيس يتحجر في هذا، هذا غريب جدا، يحملونني أوزار غيري. أنا لا أخالف في هذا، استعمل اسم حبيبتك، اسم زوجك، اسم إخوتك، اسم أهلك، اسم بلادك، قل.
القاهرة، قل الإسكندرية، قل مش عارف إيه، المهم. هل أوقعتها موقعًا كما أوقعها القدماء أو كما أوقع القدماء أسماء أماكنهم موقعها؟ هذا هو. هل أوقعتها موقعًا صحيحًا كما أوقع القدماء أسماء مواقعهم أو مواضعهم في مواقعها الصحيحة؟ هذا فقط ما يسأل عنه.
قال: «بل يدق ويلطف حتى يمتنع مثله إلا على الشاعر المفلق والكاتب البليغ، وحتى يأتيك بالبدعة لم تعرفها والنادرة تأنق لها». وجملة الأمر أن سبيله سبيل الضرب الأول الذي هو مجاز في نفس اللفظ وذات الكلمة، فكما أن من الاستعارة والتمثيل عاميًا خلاص؟ مثل رأيت أسدًا، ووردت بحرًا، وشاهدت بدرًا، وسلّم لرأيه سيفًا ماضيًا وخاصيًا. كما أن من الاستعارة عاميًا هو كذا وكذا، وخاصيًا لا يكمل له كل أحد مثل قوله: «وسالت بأعناق المطي الأباطح». كذلك الأمر في هذا المجاز الحكمي.
وهنا تعلم شيئًا، هذا ما أريد أن أنبهك إليه، وهو أن ما يقع من البلاغة في كلام الناس شيء. هذه فائدة مهمة يا إخوة، ولو تدونوها مع أنها في التسجيل؛ وهو أن ما يقع في كلام الناس من البلاغة شيء، وما يقع منها في كلام الشاعر والبليغ شيء. فوجود بعض صور البلاغة في كلام الناس لا ينفي العامية والنزول عنها والابتذال، وكلام الناس لا يخلو من البلاغة، بل هو أساس في العرب.
لماذا؟ لأن لغتهم أصلًا هي اللغة الشاعرة، كما سماها العقاد، يعني المجاز في روحها، المجاز في عظامها، حتى سماها العقاد لغة المجاز. فالمجاز الرهيف الخفيف هذا كما شرحه هو، هذا الذي يمس المعاني المجردة، ولا يقف على الأجرام والمادة المشبهة أو المادة المجازية أو التي تجوز عنها، فسمى العربية لغة المجاز، فهي لغة شاعرة. فعوام العرب أبلغ من عوام غيرهم، افهم هذا جيدًا. عوام العرب أفهم أو أبلغ من عوام غيرهم. اقرأ كتب الجاحظ، اقرأ البخلاء، اقرأ كتب الحمقى وأخبار الحمقى والمغفلين، اقرأ الكتب في الآداب المستطرفة، أخبار العامة وما يذكرونه عن العامة وفصاحتهم وحمقهم. العرب أفصح من غيرهم في عمومهم، في جملتهم، أفصح من غيرهم.
وهنا يا إخوة شيء في قضية المجاز، اسم المجاز الحكمي، انتبهوا. تلاحظ أن عبد القاهر سماه المجاز الحكمي؛ لماذا؟ لأن المجاز وقع في الحكم كما قال قبل قليل، بماذا عبر؟ قال في أول الكلام وهو أن يكون التجاوز في حكم يجري على الكلمة. فعبد القاهر سماه المجاز الحكمي لأن المجاز يقع في الحكم، يعني في الإسناد، وليس لأنه في حكم المجاز كما قد يتوهم، فيقول لك مجاز حكمي يعني في حكم الـ... لا، مجاز حكمي يعني موضعه أسند إلى موضعه الحكم، أو مجاز الحكم، أو مجاز العقل، أو مجاز الإسناد؛ ففي هذا اللفظ أسندناه إلى موضعه، وليس لأنه في حكم المجاز كما قد يتوهم.
نأتي إلى أول مسألة دقيقة في هذا الباب، قال عبد القاهر -ركز من هنا، تيقظ تيقظ من هنا-: «واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة». مثل أن تقول في «ربحت تجارتهم»؛ ربحوا في تجارتهم، يعني الفعل «ربحت التجارة»، رجعنا الآن لكلام المشعشع الذي علقته؛ «ربحت تجارتهم» يعني ربحوا هم في تجارتهم، الفعل «ربحت» خلاص، فعل الربح هذا وقع في حقيقته، له فاعل أم ليس له فاعل؟ له فاعل.
قال: «وفي يحمي نساءنا ضرب»، يعني وأن تقول في «يحمي نساءنا ضرب»؛ نحمي نساءنا بالضرب، يعني نحمي نحن. فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء. عبد القاهر يقول: «فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء». ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك: «أقدمني بلدك حق لي على إنسان» فاعلاً سوى الحق؟ أقدمني بلدك حق. طيب، ما الذي أقدمك أصلاً من الأول؟ ما في فاعل حقيقي. أسألكم سؤالاً: هل عدم وجود الفاعل الحقيقي نفى المجاز عن إسناد الإقدام إلى الحق؟ لا، كل ما هنالك أنك أسندت الفعل إلى فاعل لا يفعله على الحقيقة. طب أين الفاعل على الحقيقة؟ مش لازم، غير ضروري.
ألا ترى أنه لا يمكنك أن تثبت للفعل في قولك «أقدمني بلدك حق لي على إنسان» فاعلاً سوى الحق؟ وكذلك لا تستطيع في قوله: وصيرني هواك وبي لحيني ... يضرب المثل طبعًا ما هذا البحر يا إخوة؟ مجزوء الوافر، والذي بعده أيضًا مجزوء الوافر: يزيدك وجهه حسنا إذا ... ما زدته نظرا وكذلك لا تستطيع في قوله «وصيرني هواك وبي لحيني يضرب المثل» وقوله «يزيدك وجهه حسنا إذا ما زدته نظرا» أن تزعم أن لـ «صيرني» فاعلاً قد نقل عنه الفعل فجعل للهوى كما فعل ذلك في «ربحت تجارتهم» و«يحمي نساءنا»، ولا تستطيع كذلك أن تقدر لـ «يزيد» في قوله «يزيدك وجهه» فاعلاً غير الوجه.
فالاعتبار إذاً بأن يكون المعنى الذي يرجع إلى الفعل موجودًا في الكلام على حقيقته، ليس شرطًا أن يكون له فاعل على الحقيقة؛ يعني يا إخوة يكفي أن يكون الفعل نفسه على جهة الحقيقة حاصلاً في اللغة، بس كده. ما هو أي مجاز له حقيقة، لكن الإسناد؛ أن تسنده، هذا هو المجاز. وكونك أسندته على جهة الفاعل أو على أنه وقع من هذا الفاعل، فكان المجاز في وقوع هذا الفعل من الفاعل، لا يشترط أن يكون له فاعل.
طيب يا إخوة، المسألة ستحتاج إلى تحرير، وأنا أرى أن نكملها إن شاء الله تعالى في أو نبدأ بتحرير هذه المسألة إن شاء الله من بداية الحصة القادمة، مسألة هل يكفي أن يكون الفعل نفسه على جهة الحقيقة حاصلاً في اللغة؟ خلاص.
ولا بد هذا الإسناد، إسناد الفعل على وجه المجاز، أن يكون للفعل فاعل حقيقي.
هذا نبدأ به إن شاء الله تعالى حصتنا القادمة. وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد