دخولتسجيل الدخول

الدرس 43 - من صفحة 288 إلى صفحة 292

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، قد بلغنا إلى المجلس الثالث بعد الأربعين من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز، تأليف الشيخ الإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى. وعرفنا أيها الإخوة في صدر المجلس الماضي تسلسل الكلام وكيف جئنا بالصفحات من التاسعة بعد المائتين والاربعين إلى السادسة بعد المائتين والاربعين، وكيف أنه الآن يوقفنا على بعض الأمثلة التي فيها يظهر التفريق بين الوجه الذي تحصل به المزية والوجه الذي لا تحصل به المزية.

وكان شغلنا في المجلس الماضي -كما قال-: «وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمَل في ظاهر الحال غير الوجه»، يعني باستثناء الوجه الذي جاء عليه وجهاً آخر. إذا احتمل في ظاهر الحال وجهاً آخر باستثناء الوجه الذي جاء عليه، وقلت: لابد أن تضع العبارة "غير الوجه الذي جاء عليه" بين شرطتي تنصيص واعتراض، أو بين شرطتي اعتراض، يعني الجملة معترضة، ليس تنصيصاً معترضة.

يقول: «ثم رأيت النفس ستنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي عليه حسناً وقبولاً تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني». ذكر في هذا أمثلة واضحة، أول هذه الأمثلة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. هو يريد أن يقول لك في هذا السياق: انظر إلى هذه الوجوه؛ لأنه في الفصل الأخير الذي قبل هذا في الصفحة الرابعة بعد الثلاثمائة قال: «واعلم أن من شأن الوجوه والفروق ألا يزال تحدث بسببها، وعلى حسب الأغراض والمعاني التي تقع فيها دقائق وخفايا لا إلى حد ونهاية، وإنها خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا يتنبه لأكثرها، عجيب!».

ولذلك كثيراً ما قلت لكم -وليس من فراغ حينما تبلغون في الشعر مبلغاً: أحسنوا الظن ببعضكم- يعني ليس الذي لم يفهم الشعر لأول وهلة هكذا فيقول: لا هذا واضح، لأنه زميله. مثلاً: امرؤ القيس معه كرت معه بطاقة، إذا أنت وجدت البيت سطحياً تتهم نفسك، لكن الواحد منكم إذا رأى شعر أخيه سطحياً لن يسرع إلى اتهام نفسه، بل سيقول إنه صاحبه زميله، لا يتوقع من ليس معه البطاقة التي مع امرئ القيس، لكن يحتاج أن تكون معه بطاقة الإنصاف، وأن يأخذ حقه من التأمل والتدبر. هذه نقطة مهمة، وليس من فراغ حذرتكم كثيراً من أن تتهاونوا بشعر بعضكم؛ لأن الذي يتعلم كل هذا بعد ذلك لا يرمي إلى مرمى بعيد ولا يأتي بهذه الدقائق والخفايا.

يقول عبد القاهر: «وإنها خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا يتنبه لأكثرها ولا يُعلم أنها هي، وحتى لا تزال ترى العالم يعرض له السهو فيها، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ما يهم الخطأ، كل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض». وشرحت ما هو الغموض، وبعد ذلك بدأ يبين كيف يكون ذلك، ما الذي يحصل؟ بدأ يفرق بين مجيء المعنى في صورة الصياغة الفنية، ومجيئه في صورة الصياغة غير الفنية التي خلت من تلك الخفايا والدقائق والمزايا.

فذكر قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. وأنا طبعاً أتعمد في بداية المحاضرة أن أربط لكم سياق الكلام؛ ففي الفقرة السادسة بعد الثلاثمائة ذكر المثال وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾، وكيف أن أصله في الترتيب: "وجعل الجن شركاء لله". وكيف أن هذا -كما ذكرتكم- من باب التقديم على نية التأخير؛ لأنه مرتبط بإعراب لا ينفك عنه. فهذا تقديم على نية التأخير، يعني كان الأصل أن يأتي بترتيب معين، ثم خالف في أثناء الصناعة بخلاف الآخر، اسمه تقديم على نية التأخير لأنه يتعلق بالمعنى.

فأنت لما أردت أن تقول الكلام قد رتبته في نفسك على غير هذا أصلاً، ووضعت الكلام في مواضع أخرى مختلفة من حيث المعاني، فجئت بإعراب أصلي؛ فإنه يمكن أن ترى العبارة النحوية الأصلية، يعني فعل وفاعل ومفعول، ولكنه يقال فيه تقديم على نية التأخير أو لا على نية التأخير لأن المحتوى مختلف، وهذا أيضاً مما يعالج تحت نظرية النظم.

أنبهكم أيضاً لأن الذي يجري على المبتدئ -جرى علي وعلى غيري وعلى بعضكم- هو يسأل في بداية المجالس: ما الفن في هذا البيت؟ الواضح الترتيب فيه كذا. الذي يجري على المبتدئ أنه لا ينتبه إلى فنية البيت إلا إذا كان من باب التقديم والتأخير، أو التقديم على نية التأخير، يعني هناك اختلاف واضح في الإعراب، فهناك جرم ظاهر، لكن ينخدع ربما إذا رأى التقديم لا على نية التأخير، وهو الذي يكون فيه الإعراب أصلياً والعبارة النحوية أصلية ولكن جاء في النظم مختلفاً؛ لأن الأصل في التعبير عنه ألا يكون كذلك.

ومن هذا باب ربما نصل إليه اليوم إن شاء الله، وهو باب المجاز العقلي، أو كما سماه عبد القاهر: "المجاز الحكمي". والمجاز الحكمي هو الذي ندرسه في البلاغة التقريرية، في ماذا؟ ندرسه في علم البيان الذي هو القسم الأول من علوم البلاغة. أما المجاز اللغوي -الاستعارة التي علقتها بالتشبيه- فنحن ندرسه في القسم الثاني من علوم البلاغة وهو علم المعاني. فالمجاز العقلي، المجاز الحكمي بتعبير عبد القاهر، يدرس في علم المعاني.

فالمبتدئ يجري عليه الفنيات أو الوجوه التي لها جرم في الكلام، وهو على تعبير عبد القاهر أو أبرزها: التقديم على نية التأخير مع اختلاف الإعراب، مثل: ﴿وَجَعَلُوا الْجِنَّ شُرَكَاءَ لِلَّهِ﴾ و ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ دون اختلاف الإعراب. وكما قال امرؤ القيس: «يضيء الفراش وجهها لضجيعها»، أصله: «يضيء وجهها الفراش لضجيعها». وكما في قولها...

قوله: «كذبت، لقد أصيب على المرء عرسه»، أصل الترتيب النحوي: «كذبت، لقد أصيب عرس المرء عليه»، ولكن قال: «أصيب على المرء عرسه»؛ لأنه كان يدخل الآن في تحدي الأقران على النساء، وكان في نفس السياق يعرض صور المجون وكذا المتعة، فقدم المفعول على الفاعل، وهكذا.

فهذه ظاهرة، وهناك وجوه أخرى كما قلت، هي وجوه تأتي على العيار النحوي ويمثلها التقديم، مثال فقط التقديم لا على نية التأخير، لأن التقديم والتأخير حصل من قبل في المعاني. وهنا سترى لهذا الوجه وجهاً آخر، كان سيعبر به عنه سواء لعبت أو غيرت في وجوه الترتيب النحوي أو لم تغير، لكن كان سيعبر بوجه آخر. لماذا عبر بهذا الوجه؟ لأن الاختلاف وقع في أصل ترتيب المعاني.

فهذان نوعان، وطبعاً يدخل في القسم الثاني، أو الذي ذكرته، يدخل فيه التغيير الجرمي، الذي منه أو مثاله الواضح: التقديم على نية التأخير، ويدخل فيه الحذف، لأن الحذف يكون شيئاً واضحاً جداً. كذلك يدخل فيه ربما التنكير في موضع التعريف، والتعريف في موضع التنكير، ولكن يشكل الأمر بعد ذلك في مواقع المجاز.

أما النوع الثاني وهو التقديم الذي مثاله التقديم لا على نية التأخير، فيدخل في هذا القسم الذي لا يحصل فيه تغيير في الهيئة النحوية؛ كمجيء ألفاظ مكان ألفاظ، ومجيء مجاز مكان حقائق، ومجيء أوصاف معينة، والاستغناء بالصفة عن الموصوف. هذا قد تدخله في الحذف أو في القسم الأول أو في الثاني، لكن قد يخفى حتى يدخل في الثاني.

مثلاً امرؤ القيس لما قال: ويوم عقرت للعذارى مطيتي ربما تسأل أنت: أين الفنية في هذا البيت؟ عقرت أنا يوم عقرت للعذارى مطيتي، فلا تنتبه، لا أرى هناك حذفًا، ولا أرى هناك تقديماً وتأخيراً، أو تقديماً جرمياً مع ثبات الإعراب على نية التأخير. ولكن لو نظرته سترى أنه قال «عقرتها» وهو أراد بذلك أن يرمي إلى النحر، لأنه سيطعمهن، والعقر وسيلة إلى القتل، أن يقتلها وأن ينحرها ويطعمهن منها. فقال «عقرت»، والعقر هو أن يعقرها، يعني أن يضرب عراقيبها لتقع في الأرض، وهذا المعنى لا يباشر الغاية من العقر أو الغاية من النحر وهو الإطعام، فقال «عقرت» فصور لك صورة الناقة وهي تعقر لأجل عيونه.

وقال «العذارى»، لم يقل الفتيات، قال «العذارى» فذكرهن بصفتهن فقط. وقال «مطيتي»، لم يقل ناقتي، وهذا مخزون فيه معنى المطية؛ لأن المطية يلزم منها أن تكون كما قال النبي ﷺ: «الناس كإبل مائة لا ترى فيها راحلة»، لأن المطية هذه ناقة بالكاد تكون واحدة بين كل مائة، وهذه سرحت معه واعتادته واعتادها وصارت طيعه له، لينة هينة.

لماذا بعض الشراح يقولون هذان شرحان موجودان، واحد منهما خطأ في كتب الشروح؟ بعض الشراح يقول: أراد أن الناس كإبل مائة، والنبي ﷺ يقول: «الناس كإبل مائة لا ترى فيها راحلة»، فيقول: يعني لا تتحمل الرحيل وكذا، هذا جهل بأحوال العرب؛ لأن كل إبل العرب يرحل العرب، تنتقل من ديار إلى ديار، من شمال إلى جنوب، من شرق إلى غرب. تأخذ معها الإبل كلها التي منها الجزور معاشها أكلها، هل تترك الإبل التي منها الجزور؟ ترحل تأخذ معها الإبل، ترحل من اليمن إلى الشام، كل الإبل يرحل، ترحل في بعضها يسمى القطار، وترحل، تشد بعضها وترحل، أسمن الإبل يرحل، هي خلقت لذلك بالضبط.

فليس المقصود من هذا الحديث القول الآخر الذي قال له شراح آخرون، وهو أنه يندر من الناس، من بين الناس كإبل مائة لا ترى فيها راحلة، يعني جاء على عرف العرب؛ أي لا ترى فيها من يطيعك ويلين معك ويسايرك في طاعة الله، ويتحملك في هذا ويسير على ما تسير عليه. لا أحد يتحمل الإنسان الطائع، يعني لا أحد يطيق التزامه بالشريعة والتزامه بالطريق والنهج القويم وكذا، كما تتحمل الناقة التي بالكاد تأخذها من بين كل مائة تتحمل صاحبها في السفر؛ لأن الناقة إذا، أو الراحلة إذا حرنت عليك في السفر هلكت، لماذا؟ لأنك في بحر، جزيرة العرب بقدر عدة بحور من الرمال، فسبب نجاتك فيها ضمان نجاتك بالراحلة.

ولهذا ترونهم يذكرون الراحلة، الأنثى الناقة، يرحلون بها لأنها تطيع وتلين، لا يرحلون بالجمال، الجمل البعير عنيد وعصبي، يغضب لو غضب عليك ورأى قوته عليك، فأنت هلكت حتى وإن لم يقتلك هو، ولا يتحمل هو كثرة التوجيه وكذا، بخلاف الناقة لينة طيعه. فهذه الناقة التي صارت اسمها مطية، يقول: «ويوم عقرت للعذارى مطيتي»، فانظر الجمع بين العقر وبين المطية المحببة القريبة التي لانت له بعد سنين استعمال. «عقرت للعذارى مطيتي»، وحصل تقديم وتأخير، «عقرت مطيتي للعذارى»، حصل نوع فاتن هذا في الكلام. «عقرت للعذارى مطيتي»، قدم قوله «للعذارى» ثم قال «مطيتي»، فالبيت أو الشطر ملئ فناً.

ولم يظهر هذا الفن فقط عن طريق تقديم وتأخير، وإنما ظهر ببدائل الحروف أو الحروف عن الكلمات، ومثل ما شرحته من قبل في: «قفَا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل»، ليس فيه تقديم وتأخير ومع ذلك ملئ فناً، فينتبه إلى ذلك. فهو ذكر هنا هذا المثال: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّةَ﴾، هذا مثال واضح.

دائماً التغييرات الجرمية هي التي تستعمل في الشرح أكثر، الأخرى أصعب. طبعاً هذا الكلام لم ينص عليه، هذا أقوله أنا بالتجربة؛ التغييرات الجرمية من حذف وإثبات، وتعريف وتنكير، وتقديم وتأخير الذي هو تقديم على نية التأخير وتأخير على نية التقديم الذي يكون فيه الإعراب واحداً، هذه تغييرات جرمية يسهل الشرح بها. بعد ذلك يصعب الشرح بمجيء لفظة مكان لفظة وبمجيء مجاز.

أصل كما نص عبد القاهر: ليس المجاز هو الذي جعل البيت حلواً، لو كان كذلك لما قبح هذا المجاز نفسه في مكان آخر، أو لو غيرت مكانه من نفس البيت. شوف العجب! لو غيرت مكانه من نفس البيت، أقول لكم شيئاً يا إخوة: أبرع تشبيهات امرئ القيس المشهورة سببها التنسيق، لو ذهبت تغير نفس التشبيه الذي هو صحيح وحاصل في ذاته سيسقط، سيسقط نفس التشبيه. أنت تظن أن التشبيه هو الذي أبهر، تنظيم المعاني في داخل التشبيه هو الذي أبهر، وأنا أقول لكم هذا وأنا خبير بالضليل الذي أضلنا.

خبير بأنفاسه، النظم هو الذي جعله يبرع، وتشبيهاته التي أتى بها على غير مثال سابق. براعتها في تنظيمها الجديد، في تنظيمها الذي لم يسبق إليه؛ فهذا النوع أصعب أيها الإخوة، هذا النوع أصعب وهو الذي لا يتغير فيه الترتيب، ولا يحصل فيه إجرام واضح من حذف أو تقديم على نية التأخير، ولهذا لا يستعملونه في الشرح للتوضيح بشكل كبير.

فانتهينا من الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾، وأصلها: ﴿وَجَعَلُوا الْجِنَّ شُرَكَاءَ لِلَّهِ﴾، وإن هذا لم يتغير فيه الإعراب وكذا. وكان هذا كله في الفقرة السابعة بعد الـ 300، أو من السادسة بعد الـ 300 إلى أن تكلم عنها، وقال لك انظر ما الذي حصل، فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى في الآية. وكذا في الفقرة الثامنة بعد الـ 300، ويأتي إلى مثال آخر من القرآن كذلك في الفقرة التاسعة بعد الـ 300، ويقول ومما ينظر إلى مثل ذلك، إلى مثل ما وقع في الآية الأخرى قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96].

إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسك، وجدت لهذا التنكير، وإن قيل «على حياة» ولم يقل «على الحياة»، حسناً، وروعة ولطف موقع لا يقدر قدره. يقول: إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت حسك تحتاج إلى الإذكاء، انتبهوا لا تقل كما تقول العامة: «الشعر الحسن هو الذي أول ما أسمعه يتسرب في نفسي ويدخل من مسامي» وهكذا يكون.

عندنا سيدنا المزرد بن ضرار الجاهلي، أخو الشماخ بن ضرار، يقول يصف قصائد نفسه بالضبط، هذا الشاعر الجاهلي اسمع يصف قصائد نفسه يقول: تُكَرَّرُ فَلَا تَزْدَادُ إِلَّا اسْتِنَارَةً ... إِذَا رَازَتِ الشِّفَاهَ الْعَوَامِلُ

أنا استنبطت قديماً من هذا البيت أن القدماء الجاهليين ما كانوا يفعلون كما بعض الإخوة يقول لك: «الشعر النبطي، الشعر الشعبي، هذا أقرب إلى الجاهلية»، هكذا كانوا يجلسون يأخذون الشعر سريعاً ويرتجلون في الأماكن؛ لا، أرى هذا، عمر بن الخطاب يقول: «كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم»، أصح منه، وما كانت الشعراء تجلس إلى النابغة الذبياني في سوق عكاظ ليتوبوا.

وهذا المزرد بن ضرار الجاهلي يقول في قصيدته الجاهلية مثله: «تُكرر قصائدي فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه العوامل». ركز على لفظتين في الشطر: «رازت» و«العوامل». «رازت» يعني اختبرت، راز الشيء يختبره، خلاص، لا ترزني مزاولاً لاختبار بعد هذه البلوى فتنكر مسي البحرية في الصينيه، «لا ترزني» أي لا تختبرني، فـ«رازت» يعني اختبرت. يعني يصور الناس في الجاهلية يختبرون الشعر، ما الذي يختبر الشعر؟ الشفاه العوامل، التي تعمل. ركز على صورة الشفاه وهي تعمل؛ الشفاه العوامل، يعني إذا كان أهل الجاهلية يجلسون هكذا ويجربون الشعر على شفاههم ويتأملونه، فهناك شعر ينطفئ وهناك شعر يستنير.

ألم يقل النقاد، كأبي عمرو بن العلاء، في شعر ذي الرمة إنه كـ«نطَف عروس» يعني زينة العروس، وكـ«أبعار ثور» يكون له مشمة في أوله ويكون للزينة ظهور ونصاعة في أولها ثم تزول، ويكون له مشم طيب لأنه يأكل القيصومة والشيحة والنباتات فيكون له شم ثم يعود إلى الأبعار. يذكرون ذلك تمثيلاً لشعر ذي الرمة من حيث إنه أول ما يسمع تشعر فيه بالفخامة، وأول ما يشرعون في تذوقه تذهب الفخامة، يظهر أنه ليس وراءه كثير، يعني لما تبدأ في التعمق بهذه الفخامة الظاهرة لا ترى وراءه كثيراً.

إذا قيل هذا في ذي الرمة، فكيف في أصحاب البلاغة المعاصرة في عصرنا الذين لا يعرفون إلا الجناس والطباق والاستعارات التي يحبونها من حيث كونها استعارات؟ على العكس من هذه القصائد، يقول لك: «تكرر فلا تزداد إلا استنارة»، وعند الذرة يقولون لك: «إذا كررتها وتأملتها ذهبت روعتها»، فهم إذاً سواء؛ من وجدوه هكذا ومن وجدوه هكذا مارسوا في شعره أو في شعر الشاعر هذا الاختبار: «إذا رازت الشعر الشفاه العوامل».

لذلك قلت لكم إنتم الآن تدرسون والمعاصرة حجاب، وأكرر ما قلت في أول المحاضرة: المعاصرة حجاب. فامرؤ القيس معه بطاقة أنه امرؤ القيس، فإذا قرأت بيتاً أو قصيدة له لم تعجبك، اتهمت نفسك وأخذت تتأملها وتجيب بترول من تحت لحد ما تقتنع، لكن أحدكم ربما إذا صاحبه لم يدرك لأول وهلة، نبذه وقال: «لا، هذه قصيدة ليست جيدة»، لكن حقه أن يتأمل لأنكم تدرسون وتعيشون وتقطعون أشواطاً، فهمتم؟

فهكذا عبد القاهر يقول: ما يوافق به مذهب القدماء: «تكرر فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه العوامل»، يعني اختبرت. تجلس ترى الجاهلية هكذا، يجري الألفاظ على لسانه يختبرها، حتى الجاهلية يا أخي لا إله إلا الله، الجاهلية معدن اللغة، يتدبر ويتباطأ ويعمل الشفاه في الكلمات. لماذا تستغرب؟ ألم يسموه «قريضاً»؟ يعني يقرض الكلام، يأخذ منه شيئاً فشيئاً في صناعته أصلاً قبل سماعه. إذاً الذي يقرض الكلمات لصناعة الشعر، يراز شعره بالشفاه العوامل. هل أنا قلت شيئاً من عندي؟ الآن كلها نصوص وكلها ثوابت عندهم. هذه قصيدة جاهلية في المفضليات: «تكرر فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه العوامل». يعني إذا كانت عندهم صورة الذي يختبر الشعر ويتأمل ويحرك الشفاه العوامل، تعمل الشفاه هكذا يحركها بالألفاظ يختبرها ويختبر معانيها، يروزها بالشفاه العوامل، حتى الجاهلي الشعر فوق بديهته، الشعر فوق بديهته يحتاج إلى تأمله هكذا بالشفاه العوامل.

عرفتم لماذا قال الرافعي؟ الذي يقرأ شعر امرئ القيس لأول وهلة يظن هو كذا. قال الرافعي في تاريخ آداب العرب: «إن الذي يقرأ شعر امرئ القيس لأول وهلة يبدو له أنه أخذ من الشهرة والمكانة عند النقاد والشعراء من بعده فوق ما هو له في الحقيقة». هكذا قال، الذي يقرأه يظن لأول وهلة أنه حظي من الشهرة والمكانة بينهم ما ليس له في الحقيقة، أو ما هو دونه ما هو في الحقيقة دونه، ولكن من الذي أعطاه هذا؟ فحول الجاهلية الذين يروزون الشعر بالشفاه العوامل.

فانظر إلى كلمة عبد القاهر، يقول: اسمع، إذا أنت راجعت نفسك، راجع نفسك وأذكيت حسك، أذكِ حسك، وجدت لهذا التنكير، وإن قيل «على حياة» ولم يقل «على الحياة» مع أن المحصل من المعنى واحد. المعنى الغفل واحد، صح؟ ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾، المعنى في الحقيقة لو جربته واقعياً واحد، يعني الذي يحرص على الحياة هو الذي يحرص.

على حياة التعبير في المجرد واحد في حيث حصوله في الواقع الذي نلمسه هذا الآن، ولم يقل على الحياة. حسناً، ورعة ولطف موقع لا يقدر قدره، وتجدك تعدم ذلك مع التعريف وتخرج عن الأريحية والانس إلى خلافها.

السبب في ذلك أن المعنى الأدبي في نفس المتكلم هو المعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها. والمعنى الحاصل في العين على الأقل هو: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96]. ما هو الحريص على الحياة؟ الحريص على الحياة هو الحريص على الازدياد منها.

ربما يشكل قولك إنني أرى المعنى مختلفاً، وهو مختلف من حيث الوحي والدلالة، وليس مختلفاً من حيث الواقع؛ لأنك لو قلت: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾، لا يمكنك أن تحملها على الحياة التي عاشوها، ولا على كل الحياة؛ لأنهم حصلوا ما عاشوه منها، ولا يمكنهم أن يحصلوا الحياة كلها التي لهم ولغيرهم، وإنما الحياة هي الازدياد من الحياة.

وإذا قلت: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ يعني على الاستزادة مما لم يحصلوه، فالمعنى واحد في الصورتين، ولكنه بالتنكير أوحى إليك بالمعنى على الازدياد من الحياة لا الحياة من أصلها؛ وذلك أنه لا يحرص عليها إلا الحي، أما العادم للحياة فلا يصح منه الحرص على الحياة ولا على غيرها.

وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: "ولتجدنهم أحرص الناس ولو عاشوا ما عاشوا". مولانا، هذا في الشرح الانفعال، والجميل في الشرح هو مطية الإيصال، فالشارح الذي لا ينفع له أن ينفعل؛ تخيل لو أن بعض الناس يشرح هكذا، فلنفترض أنه يشرح عبد القاهر: "وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحي، فأما العادم للحياة فلا يصح منه الحرص على الحياة ولا على غيرها".

وإذا كان كذلك صار كأنه قيل: "ولتجدنهم أحرص الناس ولو عاشوا ما عاشوا". وذكروني بقول البحتري: أهزُّ بالشعرِ أقواماً ذوي وسنٍ ... في الجهلِ لو ضُربوا بالسيفِ ما شعروا وعلى نحتِ القوافي من مقاطعها ... وما عليَّ لهم أن تفهموا

يقول محمود شاكر: أما قراءة الشعر كقراءة النثر دون ذلك الإيقاع الذي يدب فيها من الأوزان والتراكيب، فهناك نوعان من الإيقاع والموسيقى: تراكيب مع التفاعيل. ويقول: "وأما قراءة الشعر هكذا على أنه كلام ليس داخلاً فيه عنصر النغم من الأوزان والتراكيب، نغم التراكيب أيضاً، فكأنها قراءة يتبرا منها"، أي يتبرا منها في نمط صعب.

وحتى وهو يشرح القصيدة التي يراها جاهلية -ولا أراها جاهلية مع جودتها- يشرح: "خبر ما نابنا"، ويقول: لا بد أن تقف بعد "ما نابنا"؛ لأن "خبر ما" أعطى من الشعور ومن الياج والإنهاض نحوه ما يستدعي أن تقف عنده لأنه مبهم، "خبر ما" إبهام، ثم أخبرت عنه بكلام مستقل "نابنا". لابد أن تقف عنده: "مصمئٍ جل حتى دق فيه الأجل". هذه الطريقة في البيت هي نغم البيت؛ "خبر ما نابنا مصمئٍ جل حتى دق فيه الأجل"، هذه من وصلت الثاني ومن تقطيع الأول هي نغم البيت.

تفهم الذي لا يفهم الشعر أن تراه يقطع على أنغام أخرى ليس على فهم الكلام. وفهمك الدقيق هو الذي يحكم: تصل أو لا تصل؟ حتى في المتشابهات؛ مثلاً أنا أقف بعد قولي: "ويضحة خدر"، لماذا؟ لأن كونها "بيضة خدر" تستحق الوقوف حتى وإن لم تبنِ عليها ما بعدها؛ لأنها هي نفسها فيها معنى ثقيل تحمله، "بيضة خدر"، ثم تضيف: "لا يرام خباؤها". هذا منعوت مخفوض ربه أضيف إلى نفس المنعوت.

بخلاف قوله مثلاً: "ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه"، هناك غلط في الأداء؛ لأنك لا تعطي قيمة للرواح هنا إلا من حيث كونه ملتصاً بالنظر، فكأنك تريد أن تشغل الرواح بأننا على طول الرواح ننظر إليه، فتقول: "ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه" فتصلها. كذلك مثلاً قوله: "مهفه بيضاء غير مفاضة"، لا تقل كما كنا نؤدي قديماً؛ لأن هذه الأوصاف الثلاثة تؤدي في مجموعها معنى واحداً ستفهم تعلق آخر البيت بأوله لو ربطت بين هذه المعاني. هو أراد أن يصف هيئة حبه وجسمها، فقال: "مهفه" يعني ملمومة قليلة اللحم، "بيضاء غير مفاضة" يعني ملمومة قليلة اللحم، وكان من أثر ذلك اجتنابها؛ فقال: "ترائبها مسقولة كالسجنج". فيؤدى هكذا: "مهفه بيضاء غير مفاضة" الثلاثة معاً.

تقف على كل صفة وحدها، مهفه بيضاء، هي شيء كاللؤلؤة قليلة اللحم، بيضاء أقرب إلى القصر، أو لم تبلغ من الطول ما يشوهها أو ما يقلل لحمها؛ ترى الطويلة فيها ترهل، والقصيره في النساء محببة إلى نفوس الرجال أكثر، ليست قصيرة تمالك، غير مفاضة، بيضاء غير مفاضة، طرائبها مسقولة كالسجنجل.

ولهذا لما خلق في ذهنك هذه الهيئة، قال بعدها ماذا؟ ﴿كَبَدْرٍ كَلُؤْلُؤَةٍ﴾؛ هي اللؤلؤة صغيرة ملمومة، كبدر، كلها لا ترى فيها شيئًا، قال كبدر يعني غير مفضوضة، كلها على بعضها هكذا مسقولة، يعني قدمها كيدها، ورأسها كوجهها، كله على بعضه؛ هي لؤلؤة، قطعة لؤلؤة تبرق، ليست خشنة في الكعوب ولا متقشفة الأيدي، لا، كبدر كلها فيها هذه النضارة وهذه اللؤلؤية.

وهنا تقف كبدر، تقف لأن بدراً يحتاج إلى تصور، ثم أضفت إليها مقانة البياض بسفرة، والبياض بالألف واللام، أي هذا البياض العميق الذي تراه، أشبعته مقانة مخالطة؛ مشبعة البياض بسفرة بحمرة، فهي كبدر كاللؤلؤة فيها الشفافية والجلدية في البشرة والنعومة والنضارة والسلامة الكاملة، وهذه المائية العميقة، مقانة البياض بسفرة، فهي ليست محمرة من بره بويا ودهانات، لا، كبدر مقانة، هي جلدها فيه لؤلؤة مشربة بالحمرة عميقاً، كبدر مقانة البياض بحمرة بسفرة.

ولهذا قال بعدها كتعليل للأول، ولا بد أن تقوله متعجباً، لأن هو ليس صفة جديدة، هو سبب لذلك؛ قال: غذاها نمير الماء غير المحلل، يعني هذه الرفاه والنضارة فيها طوال عمرها أصلاً، لا تسقى إلا ناجع الماء، نمير الماء غير المحلل؛ تسقى قبل أن يخاض الماء وأن يتعكر وأن يحل.

فهذا يحتاج إلى أداء صحيح، يحتاج إلى فهم صحيح، وهذا لا تكاد توجهه عند أحد الآن، أصلاً بهذا المستوى الذي أكلمكم فيه، أن يكون هناك من يفهم، ثم يأتي عند الأداء فيكون فهمه لا يلاحق أداءه، أو العكس؛ أداؤه لا يلاحق فهمه.

قال: «وذلك أنه لا يحرص عليه إلا الحي»، فأما العادم للحياة فلا يصح منه الحرص على الحياة ولا على غيرها. وإذا كان كذلك، صار كأنه قيل: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ ولو عاشوا ما عاشوا على أن يزدادوا إلى حياتهم في ماضي الوقت وراهنه وحياته في الذي يستقبل.

فكما أنك لا تقول هنا «يزدادوا إلى حياتهم» بالحياة بالتعريف، وإنما تقول «حياة»، إذ كان التعريف يصلح حيث تراد الحياة على الإطلاق، كقولنا: كل أحد يحب الحياة ويكره الموت، كذلك الحكم في الآية.

هناك سؤال فيما مضى، هل الكلام واضح؟ - واضح مولانا. جميل، حبيبنا. طيب، أخونا عبد الحق له سؤال يقول: «ولكني فهمت غير هذا، فهمت بأنهم يحرصون على عيشٍ ما، حياةٍ، فالتنكير للتهوين، أي أن كل ما يحرصون عليه...».

ما هذا بالضبط يا عبد الحق؟ كما في المجالس الماضية مررنا في موضوع «كاد وما كاد»، خلاص، فرق بين ما نأخذه من الدلالة وما نأخذه من اللغة الحقيقية حينما ندرسها. يعني مثلاً أنت فهمت أنهم يحرصون على عيش حياة، لا يصح في اللغة أن يطلق على الحياة كلها، لأنهم بالفعل حصلوا الحياة.

الله تعالى يقول للنبي ﷺ: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾، يعني ستجدهم، وهم كذلك وستجدهم كذلك يحرصون على حياة، لا يصح أن يكون التعريف هنا هو الحياة لأنهم حصلوها فعلاً. تقول: فهمت بأنهم يحرصون على عيش حياة فالتنكير للتهوين، طيب ما هم عاشوا فعلاً؟ كيف تأتي بالمضارع «يحرصون»؟ هم أحرص الناس على حياة، لو قلنا بالتعبير يحرصون على حياة، طيب ما هم حصلوا حياة، فكيف نجمع بين هذا وبين استمرار حرصهم؟

المعنى الفني هنا هو: أي ازدياد من أي شيء؟ هذا مفهوم من الازدياد ومن التنكير، لكن ليس الحياة كما نفهمها نحن الآن، نحن للأسف فهمناها في عرفنا. ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ على الحياة الوضيعة، لا على حياة زائدة فوق الحياة، والتنكير يشمل خسة ما يحصلون عليه، لكن الحياة القديمة موجودة.

تعرف مثل ما نفهم قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، نحن نفهم أنه رآها لكن لم يكد يراها، هذا غير صحيح؛ ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ يعني لم يقترب من رؤيتها ولم يرها.

والذي ينبغي أن يراعى، والذي ينبغي أن يراعى، أن المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان موجوداً حال وصفك له بالحرص عليه، لم يتصور أن تجعله حريصاً عليه من أصله، كيف؟ لا يحرص على الراهن ولا الماضي، وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعد، يعني إذاً هنا المسألة الدقيقة، ركزوا يا إخوة، كأنه جعل الزيادات أجناساً أخرى للحياة، كأنه جعل الزيادات أجناساً أخرى للحياة تزداد فوق الجنس الأول.

كما لو عبت شاعراً بعدم التنقيح، وبأنه يحرص على الاحتفاظ بكل ما يقول، ويحرص على أن يقول أي شيء، فتقول له: وجدته أحرص الناس على شعر. معذرة، لو قلت لأحد أو عبت شاعراً أو شخصاً تبه بأنه لا ينقح، وبأنه يحرص على الاحتفاظ بكل ما يقول، وبأنه يحرص على أن يزداد أي شيء ويسميه شعراً، فقلت له: وجدته أحرص الناس على شعر، طيب ما هو فعلاً عنده شعر ماضٍ.

شوف يا عبد الحق، ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ على حياة، وجدته أحرص الناس على شعر؛ هذا المثال يوضح أنك جعلت كلمة شعر، أو هذه الزيادات من الشعر، جعلتها أجناساً أخرى للشعر فوق الجنس الأول، وجدته أحرص الناس على شعر، لن تقول على أجزاء جديدة من الشعر الذي قال بعضه ولم يقل بعضه، لا، وجدته أحرص الناس على شعر.

أسألكم سؤالاً: وجدته أحرص الناس على شعر، ووجدته أحرص الناس على الشعر، هل اختلف أصل المعنى؟ أخانا المشعشعي، هل اختلف أصل المعنى بين التنكير والتعريف؟ أنا وجدته أحرص الناس على شعر، ووجدته...

«أحرص الناس على الشعر» هل اختلف الأصل؟ الأصل المعنى واحد، لكن هنا نفس ما قيل في كلام عبد القاهر، جزاك الله خيرًا، نفس ما قيل في كلام عبد القاهر؛ العلة من تنكير «حياة» كذلك هنا «شعر»، يعني يزداد زيادات يعبر عنها بالتنكير.

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾، ووجدته «أحرص الناس على شعر». ما نحن نعلم كما علمنا، أنهم أحياء، وهذا فلان عرفنا عنه أنه أصلاً يقول، ولكن العبارة تدل على أنه يقول، ولكن لا نتخيل أنه يحرص على ما مضى، يحرص على الاستزاده كيفما كانت، هذا هو. والذي ينبغي أن يراعى أن المعنى الذي يوصف الإنسان بالحرص عليه، إذا كان موجودًا حال وصف، صف له بالحرص عليه، لم يتصور أن تجعله حريصًا عليه من أصله، كيف ولا يحرص على الراهن ولا الماضي؟ وإنما يكون الحرص على ما لم يوجد بعده.

وجدته «أحرص الناس على شعر»، يعني على الاستزاده من الكلام التافه. قال: وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله عز وجل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. هنا طبعًا توجد إشكالات، وأنا شخصيًا سأتناولها بالشرح.

لحظة، ماذا يقول عبد الحق؟ يصح هذا؟ ما هو؟ قل يا عبد الحق ما هو الذي يصح؟ أستاذ، كيف يصح بأن الإنسان لا يحرص على ما يملك؟ نحن نعلم بأن البخيل هو أملك الناس للمال ومع ذلك يحرص على ماله في حال كونه يملك المال.

شوف أخونا عبد الحق ماذا قال، يصح هذا؟ قلت ما هو؟ قال: يعني أنه إن الإنسان لا يحرص إلا لو كان الحرص ينتهي عند التملك أو الملكية. فالجواب: نعم يصح، يعني لو كان المقصود أن تحرص على الحياة التي حصلتها، إن تملك الحياة التي حصلتها فقد حصلتها وانتهى الأرب في ذلك، أما إذا كان... وكذلك الشعر، هل يصح أن أقول: أجدُه أحرص الناس أو وجدته أحرص الناس على الشعر الذي قاله؟ لا طبعًا، هو أحرص الناس على تحصيل جديد كيفما كان من الرداءة، خلاص.

أما إذا كان الكلام على شيء يتصور في الماضي، شيء غير التحصيل أو يتصور ذهابه وتفلته، الكلام يختلف. لكن الكلام على الشعر أن تكون قد قلته وحزت ملكيته، الكلام على الحياة أن تكون قد قلتها وأن تكون قد عشتها وحزت ملكيتها، هذا مضى. ولهذا قال: ولا يحرص على الراهن ولا الماضي، يعني من حيث التملك، من حيث الحصول، لو كان الغاية لو كانت الغاية الحصول فالجواب نعم يصح، لو كان هناك موضع آخر للحرص فوق مجرد الحصول، فأقول لك هنا يكون هناك كلام.

قال: وشبيه بتنكير الحياة في هذه الآية تنكيرها في قوله عز وجل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. إذا هنا أيضًا جعل بعض الحياة أجناسًا مستقلة من أصل جنس الحياة، فعبر عن تمام الحياة جميعًا. مرة أخرى هنا نجده أيضًا جعل بعض الحياة أجناسًا مستقلة من أصل جنس الحياة، فعبر بها بالحياة عن تمام الحياة جميعًا.

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، سنقرأ كلام عبد القاهر ثم ربما نقف على شيء من هذا بتعليق قد أصبت فيه أو أخطأت. قال: «وذلك أن السبب في حسن التنكير وإن لم يحسن التعريف». انظر تأمل، قال: «لم يحسن التعريف»، لم يقل: «يحصل الغلط بالتعريف»، قال: «لم يحسن التعريف»، فهو يؤكد لك ما شرحه من أن الزيادة صارت -أو ما وضحته أنا الآن- من أن الزيادة صارت مكان الجنس؛ لأن الأجناس الصحيحة الأولى ليست خطأ، الجنس شمل الجميع.

وذلك أن السبب في حسن التنكير وإن لم... أنتم عندكم هنا الياء مضمومة، صح؟ غلط، الياء مفتوحة يا إخوة. غيروا «يُحسِن» هذه، «يُحسِن» جاءت الشكل غير صحيحة. فهنا أيضًا قال: «لم يحسن» لأن الحياة تدل على جنس الحياة وعلى ما مضى، و«حياة» ستدل على الازدياد عليها.

قال: «وذلك أن السبب في حسن التنكير وإن لم يحسن التعريف ليس المعنى اللي هو المعنى الأدبي الخاص هنا». المعنى الأدبي الخاص، الغرض ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه «ولكم في القصاص حياة» ليس على الحياة نفسها. لماذا نكر؟ لماذا ليس «ولكم في القصاص الحياة»؟ لأن المعنى... أحسنت أختنا صفاء، ليس المعنى على الحياة نفسها، ولكن على أنه لما كان الإنسان إذا علم أنه إذا قتل ارتدع بذلك عن القتل، فسلمت حياة هذا المهموم بقتله في مستأنف الوقت، مستفادة بالقصاص.

يعني الحياة هنا حياة من عند زيد وعمرو، زيد كان سيقتل عمرو ولكن القصاص ردعه، يعني رؤية القصاص ردعته أو علمه بالقصاص ردعه، فصار ذلك حياة لمن كان سيقتل، حياة المقتول افتراضًا. مرة أخرى، لما كان الإنسان إذا علم أنه إذا قتل ارتدع بذلك عن القتل، فسلمت حياة هذا المهموم بقتله في مستأنف الوقت، مستفادة في قادم الوقت، في الوقت الجديد، مستفادة من بعد الهم بالقصاص. وصار كأنه قد حي في باقي عمره به يعني بالقصاص.

وإذا كان المعنى على حياة في بعض أوقاته وجب التنكير وامتنع التعريف، من حيث كان التعريف يقتضي أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من أصلها، وأن يكون القصاص قد كان سببًا في كونها كافة الأوقات، وذلك خلاف المعنى وغير ما هو المقصود.

أنا هنا علقت قلت تعليقًا قديمًا، وتبقى من حيث المعنى الغفلي المجرد المحض، الحياة هي حياة لعدم إمكان التفريق، حتى لو قلت لشخص: «لك في القصاص الحياة» أو «لك في القصاص حياتك»، عرفت بالاضافة إلى الضمير. «لك في القصاص الحياة»، يعني لو قلت لشخص -طبعًا انتبه حتى لا يدور رأسك- عبد القاهر يتكلم في داخل المعنى الفني، يقول لك لا يصلح داخل المعنى الفني، يعني يقول: «وجب التنكير» يعني صناعة وفنًا، و«امتنع التعريف» صناعة وفنًا، من حيث كان التعريف يقتضي صناعة وفنًا أن تكون الحياة قد كانت بالقصاص من أصلها.

كل هذا في صورة الكمال والتمام، لكن لو قلت لشخص: «لك في القصاص الحياة»، هل هذا خطأ؟ هل الحياة التي هي حياتك معي يا إخوة، أم لا؟ لو قلت لشخص: «لك في القصاص الحياة»، ليس خطأ؛ لأننا سنفهم أن الحياة المقصودة ستذهب هنا إلى حياتك، لكن ليست التعبير الأمثلة والذي تحصل به المزية. لو قلت له: «لك في القصاص حياتك»، يصح كذلك، وقد عرفته أيضًا لكن بتعريفه بالإضافة إلى ما يخص المخاطب، فلم تكن مخطئًا.

انتبه، عبد القاهر يغرق، وهذه نقطة خطيرة؛ لأن البعض يقرأ هذا ويحمله على أصل المعنى ويقول: سيكون خطأ. سأقول له: لو كان سيكون خطأ، إذاً عبد القاهر يعبر عن الكلام الصحيح ولا يعبر عن الكلام العالي. فهمتم؟ للأسف بعض الأكاديميين يريدون توضيحًا، فيقول: لو قال كذا سيكون خطأ من جهة الدلالة اللغوية. يا دكتور أو يا أستاذ، لو كان سيكون خطأ من جهة الدلالة اللغوية، لكان عبد القاهر يبين أصول صحة الكلام العادي، بينما عبد القاهر يشرح المزية من الأول ويدلك على كيف تكون، ويشرح أصل الصحة.

وهو يقول هنا: «وإنه إذا قلت لشخص ولك في القصاص الحياة سيصح، ولو قلت لجماعة ولكم في القصاص الحياة سيصح»، يعني حياتكم المستأنفة بالردع بالقصاص، سيُفهم هذا عاديًا.

قال: «ويبين ذلك أنك تقول لك في هذا غنى، فيشرحه يأتي بمثال أوضح، لك في هذا غنى، فتنكر؛ إذا أردت أن تجعل ذلك من بعض ما يستغني به، فإن قلت لك فيه الغنى، كان الظاهر أنك جعلت كل غناه به، ومع ذلك سيصح لك فيه الغنى». الزيادة أيضًا؛ عبد القاهر يتكلم في التمام والكمال.

وأمر آخر، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة؛ لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة. وليس بواجب أن يكون كل إنسان في الدنيا له عدو يهم بقتله ثم يردعه خوف القصاص؛ ليس كل إنسان في هذه الحياة له عدو يمنعه من قتله بالقصاص، فهناك من لا يبلغ به شأنه أن يقتل أو أن يطمع في قتله، فكيف يشمله الكلام في الآية الكريمة؟ هذا مراد عبد القاهر.

فهذا دليل ثاني على أن الحياة إنما يراد بها أو جيء بها لهذه المزية، وأنه إنما تنكر لأجل الزيادة. وأمر آخر، وهو أنه لا يكون ارتداع حتى يكون هم وإرادة، وليس بواجب أن يكون كل إنسان في الدنيا له عدو يهم بقتله ثم يردعه خوف القصاص، وإذا لم يجب ذلك، فمن لم يهم إنسان بقتله فكفي ذلك الهم لخوف القصاص، فليس هو ممن حيي بالقصاص. وإذا دخل الخصوص فقد وجب أن يقال «حياة» ولا يقال «الحياة»، كما وجب أن يقال «شفاء» ولا يقال «الشفاء» في قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾ [النحل: 69]، حيث لم يكن شفاءً للجميع.

واعلم أنه يقول: «واعلم أنه لا يتصور أن يكون الذي هم بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلًا في الجملة». عبد القاهر هنا، على طريقة المتكلمين، يستوفي الدلالة على أن الحياة ليست عامة. فكيف بمن قتل ولم يردعه القصاص؟ هذا خرج عن المنظومة والأصل. عبد القاهر هنا يريد أن يزيد في الاستدلال على عدم إرادة العموم.

يقول: «يكون بقتله ردع عن أن يكرر الأمر أو أن يفعله غيره». عبد القاهر هنا يزيد في الاستدلال على عدم إرادة العموم، فيذكر أن النص على تفسيره لمعنى الحياة مخصوص لا محالة، فهذا يمهد النص لرأيه في السبب الذي كان لأجله تنكير الحياة، وهو أن الحياة خاصة ببعض الأفراد دون كل الناس. كل هذا يريد أن يقول لك في الأخير: ليس كل أحد، وإنما الحياة هنا خاصة.

يقول: «واعلم أنه لا يتصور أن يكون الذي هم بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلًا في الجملة». هنا على الهامش يقول محمود شاكر، وهو من تعليقات عبد القاهر: «جملة الأمر...»؛ طبعًا هذه الحواشي تدل على أن عبد القاهر صنف بسرعة ولم ينقح كتابه، وكان سيدخل هذا في متن الكتاب عند التنقيح، فنحن الآن نقرأ مسودة عبد القاهر لكتاب الدلائل.

قال في الهامش: «إن المعنى على أن الهلاك انتفى على العموم بقتله من أجل خوف القصاص، ولا يتصور أن يقال إن الهلاك انتفى عن إهم بقتل غيره من أجل خوف القصاص». قال: «واعلم أنه لا يتصور أن يكون الذي هم بالقتل فلم يقتل خوف القصاص داخلًا في الجملة، يعني له حياة، وأن يكون القصاص أفاد حياة كما أفاد المقصود قتله، وذلك أن هذه الحياة إنما هي لمن كان يقتل لولا القصاص، وذلك محال في صفة القاصد للقتل، فإنما يصح في وصفه ما هو كالضد لهذا، وهو أن يقال إنه كان لا يخاف عليه القتل لولا القصاص». يعني كان سيقتل لولا القصاص، هو الذي كان سينقص حياة الناس لولا القصاص.

وإذا كان هذا هكذا، كان وجها ثالثا في وجوب التنكير. الوجه الأول أنها خاصة بحال المهموم بقتله دون غيره. خلاصة الحجج التي ذكرها عبد القاهر: أولا أنها خاصة بحال المهموم بقتله دون غيره، والوجه الثاني أنه لا يكون ارتداد دون هم وإرادة، وليس كل أحد له من يهم بقتله، وهذا الوجه الثاني. والوجه الثالث الأخير هو العلم بعدم دخول من هم بالقتل ضرورة.

انتهينا من هذا. أنا قلت هذا تعليق علقته قديما يا إخوة على الكتاب في قراءات سابقة. أنا قرأت هذا الكتاب «ما لا أحصي»، يعني أعيش معه، أذهب وأجيء حتى أطلع فيه، هكذا نافلة دائما على المكتب. وهو من أكثر الكتب التي بليت جلدتها عندي كما ترون، وسأجلده تجليدا فاخرا بالجلد الطبيعي إن شاء الله قريبا.

قلت في تعليق قديم لي -ولا أدري إذا راجعت نفسي الآن أغيره أو لا، لكن هذا تعليق قبل سنين- قلت: رضي الله عن عبد القاهر، والذي عندي شيء غير هذا، وهو أن الخطاب لعموم الأمة؛ من له عدو ومن ليس له عدو، ومن هم ومن لم يهم. والحياة هنا هي الحياة التامة الكاملة وليست جزء حياة خاصة ينكر فيها.

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾؛ يعني يا من كنت ستقتل فردع القاتل بالقصاص صارت لك حياة حقيقية. يبدو لي أن هذا لم يحقق شرف المعنى العالي، وإنما شرف المعنى هنا -والله تعالى أعلم وقد أكون مخطئا وقد يكون قصور نظري أو تقصيرا- لكن أقول: الحياة هنا فيما أراه وأفهمه ويتحقق بها عموم الخطاب القرآني للأمة، الحياة هنا هي الحياة التامة الكاملة؛ لأن ترك القصاص بكل صوره في الشريعة يؤول إلى فساد أوضاع حياة كلها وضياع الأمن، ولا أصدق من هذا بالضبط.

تقول: القصاص حياة للجميع، للأفراد الواقعين في القتل؛ قاتلا ومقتولا. بالضبط، أقول ولا أصدق من هذا: يستعار له الموت، وتستعار لهذه الحياة -عكس ذلك- الحياة. رضي الله عن عبد القاهر، هذا نص كتبته قبل سنين: رضي الله عن عبد القاهر، والذي عندي شيء غير هذا، وهو أن الخطاب لعموم الأمة، من له عدو ومن ليس له عدو، ومن هم ومن لم يهم؛ يعني حتى الإلهام بالقتل أيضا له حياة في القصاص.

لماذا قلت والحياة ها هنا؟ لأن الحياة ها هنا هي الحياة التامة الكاملة؛ لأن ترك القصاص بكل صوره في الشريعة يؤول إلى فساد الحياة وضياع الأمن، وهذا هو الموت. ها، يؤول إلى فساد الحياة وضياع الأمن، ولا أصدق من هذا: يستعار له الموت، وتستعار لهذه الحياة -لعكس ذلك- الحياة. فحياة هنا كأنها أصل الحياة؛ لكم حياة عكسها الموت، لكم حياة حقيقية عكسها الموت، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ تحيون بها، يكون دونها موت، لأن الذي يقابل هذه الحياة هو الموت، والله تعالى أعلم.

ثم قال: فصل. وبدأنا ندخل فيه. بدأنا ندخل في المجاز الحكمي، أو المجاز العقلي، نسميه عبد القاهر المجاز الحكمي، واستقرت البلاغة التقريرية على تسميته بالمجاز العقلي.

قال: «فصل في أن شرط إدراك ما مضى تحقق الفهم والذوق والتمييز». يا سلام! لو تظن أنك ستفهم بالبلاغة غلط؛ الدكتور أبو موسى يقول لك: البلاغة تساعدنا في تفسير ما فهمنا، لا تفهمنا ما لم نفهمه.

عبد الحق يريد أن يعقب تعقبا: يا سيدي يا أستاذ، أنت قلت بأن الحياة المقصودة هي الحياة العامة، يعني أنا أرى أن ذلك ينتفي بعد أول قتلة من نزول القصاص، لأنه بذلك لم تصلح الحياة العامة كلها. لا، أنت نظرت، ولذلك هنا صح التنكير حتى على تفسيره: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يعني تحيونها، ويكون بقية الحياة أجزاء الحياة في حكم الحياة.

لاحظ أن الله يقول: ﴿وَلَكُمْ﴾؛ يعني أنتم أيها المسلمون الذين نزل فيهم: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾. تفهم؟ شوف يا مولانا، الخطاب هنا عام لكل الأمة، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يعني حياة آمنة مطمئنة مستقرة، حياة لها أوصاف كذا وكذا. ولذلك حتى في هذا التفسير يحسن التنكير؛ لأن عكس هذه الحياة هو الموت، والحياة هنا نكرة ولكن يراد بها أن تكون موصوفة بأوصاف، حياة هي كذا وكذا، حياة تحيون بها.

حتى لو جردت الحياة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ تحيونها؛ لأنه عكس القصاص بدون القصاص هو الموت. يعني كان هذا في نظري، وهذا يقوي ما أذهب إليه، أن عكس الحياة -إذا لم نقل هناك قصاص يوجد موت- فأنت ستتعلق بأصل الحياة بوجود حياة، لأن عدم الحياة هو الموت. عدم القصاص يؤدي إلى موت، فكان الله تعالى يرشدنا إلى أن القصاص من أسس وأركان الحياة نفسها من حيث كونها حياة، يعني لن تحيوا أصلا بدون قصاص.

أقول لك شيئا؛ تخيل الآن حتى في بلادنا العربية، دون القوانين الرادعة -مع أنها لا توافق الشريعة في أكثرها أو في كثير منها، لكن تشابه؛ يعني حكم الإعدام هذا من الشريعة ويحضرون فيه المفتي أو شيخ من الأزهر- تخيل بلدا كمصر أو بلدا كالجزائر دون حكم رادع ودون قوانين، ونحن بلاد غير مسلحة، بخلاف قبائل العرب قديما. قبائل العرب قديما كانت مسلحة، فالقبائل هي في حكم الدول تحمي نفسها، والشاب الصغير يحمل سيفا وخنجرا ونبلا، هذا الفتى الصغير يتعلم أول ما يقف على قدميه المبارزة. هذه الحياة كانت مستقرة هكذا، وكانت تصنع قوانينها هكذا.

الآن نحن في مفهوم الدولة الحديثة منزوعة السلاح، ما عدا الصعيد طبعا. الدولة منزوعة السلاح، والجزائر وأكثر الدول العربية هكذا منزوعة السلاح، فتخيل أنها نزعت السلاح ونزعت سلطان الدولة أيضا؛ موت، موت، موت، موت، مش حياة. كمال الحياة موت، ولذلك أنا أرى التنكير هنا خطيرا جدا: ﴿وَلَكُمْ فِي...﴾.

القصاص حياة تدركونها، حياة تحصلونها؛ لأن عكس هذه الحياة موت. ترك القصاص موت.

لكن يا أستاذ، هذا تقريباً ما قاله هو؛ يعني أنت إما أن تقول بأن القصاص حفظ الحياة عامة وهو ما لا يصح، وإما أن تقول إنه حفظ الحياة خاصة، فهذه الحياة، فهذا القدر، سواء كان صغيراً أم كبيراً، فهو في المعنى سيحفظ الحياة عامة، ولكن في التعبير نكر الحياة.

انظر ماذا يقول: «وَبَيْضَةٍ خِدْرٍ لَا يُرَامُ خِبَاؤُهَا * تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجِلِ». لهو هنا تؤول إلى التحقير والتقليل، أم تؤول إلى الكثرة والانفتاح؟ إلى الكثرة والانفتاح؛ يقول لك تمتعت، يعني انتفعت من لهو بها مفتوح، أصلها مفتوح له كله.

فهنا الله تعالى يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، يعني الحياة المفتوحة بقطع النظر عن صفاتها وكيفية إفرادها. يظهر لك هذا لا في الحياة، يعني الآية عندي ليست في بيان قيمة الحياة بالقصاص بقدر ما هي في بيان أن دون القصاص، يعني بدون أو من غير القصاص، يكون الموت مرة أخرى.

الآية ليست في مدح الحياة بالقصاص بقدر ما هي في إنقاذ الحياة من الموت؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ يعني ستهربون من الموت من غير قصاص. الآية تحذير من الموت الحاصل بترك القصاص أكثر مما هي مدح للحياة الحاصلة بالقصاص. ولذلك أنا لما شعرت بضلالة لما خص الحياة بالمهموم بقتله، أليس الأمران شيئاً واحداً؟

أنت قلت بأن الآية هي تخويف من عدم القصاص أكثر منها مدحاً لتطبيق القصاص، طيب يا محمد ما رأيك؟ هل التخويف من عدم القصاص، يعني مرة أخرى أنت تقصد أن القول بالموت أو التحذير من الموت فيه إظهار قيمة الحياة؟

نعم، تخويف من حصول القتل بعدم القصاص، الحياة بتطبيق القاصاص. لا، أنا أقصد هو ليس مدحاً بصفات الحياة بقدر ما هو تخويف من أن ترك القصاص يسبب الموت. أنا أقول ليس كذا بقدر ما هو، وليس أنه ليس إظهاراً للحياة.

شوف، ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، بلاش، أنا لو قلت لابني مثلاً: «ولك في المذاكرة نجاة»، قلت لابني الآن مثلاً: «لك في المذاكرة نجاة»، يبقى أنا هنا أبين خطر عدم المذاكرة أكثر، أم أبين صفة النجاة الجميلة الرائقة وأنني سأجازيه بهدايا وكذا؟ لغة التهديد هنا أظهر، أم لغة الوعد بالكرم وبالإعطاء والمجازاة؟

الجواب هو الوعد، لا، ليس فيها، مولانا هو الوعد لابد لا يخلو؛ لأن الشيء إما هذا وإما هذا، لكن التمادي يا عبد الحق افهمني؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ ليس المراد التمادي في صفات الحياة ومدحها لأنها جاءت أيضاً منكرة. المقصود أن القصاص يستنقذ الحياة، يستنقذ الإنسان من الموت عن طريق جنس الحياة، عن طريق حياة. كما أقول لابني: «ولك في المذاكرة نجاة»، يعني إذا ذاكر نجا، ما هذه النجاة مطلوبة وقيمة لكن صفتها غير مقصودة، لذلك قلت أكثر وليس انتفى، وإنما هو نجا من عقاب شديد جداً يقابل عدم النجاة.

«ولك في المذاكرة نجاة»، يعني لن تنجو إذا لم تذاكر. فصار الذي يخرج من السفينة التي تغرق، وينجو من الأسماك المفترسة، ويخرج عارياً أو مهدل الثياب أو مقطع الثياب مجرح الجسم إلى الشاطئ، يكون قد نجا، كذلك هنا أرى في الآية أنها تركيز أو قصد إلى النجاة من الموت أكثر من الثناء على الحياة.

قلت أكثر وليس نفي للحياة، كما من نجا يريد أقل النجاة، كذلك هنا ستترك الحياة نفسها إذا لم تقم القصاص. فالآية تخويف من ترك القصاص بأنه موت، أكثر من الإغراء بالحياة الهانئة؛ لأن أنت ممكن في الحقيقة تعمل قصاص وتظل فقيراً وتطبق شرع الله وتعيش فقيراً، لكن ستنجو من موت محقق لو أنك لم تقم القصاص. القصاص لا يعني الرغد في العيش، لا يعني الرغد في العيش، هذا هو ما كنت ستقوله يا محمد.

نعم مولانا، ما كنت سأقوله هو أن تفسير الآية بهذا التفسير والدخول في هذه التفاصيل أنا لا أراه من الصواب، لماذا؟ القرآن حتى وإن كان كلام الله عز وجل إلا أنه يظل نصاً أدبياً، يعني هو يحتمل المبالغة، يحتمل العموم. الطريقة التي تكلم بها عبد القاهر في تخصيص المهموم بقتله، وكذلك الاعتراضات مثلاً التي قالها الأخ عبد الحق قبل قليل، هنا المشكلة؛ هذه طريقة التفسير هذه أقرب لتفسير مثلاً التعاريف العلمية أو الأحكام، لكن في النصوص الأدبية لا، بالضبط في النصوص الأدبية تؤخذ على عمومها.

بالمناسبة يا محمد، أنا كنت سأقول هذا وتركت أن يُفهم لزاماً من الكلام، لكن تهيباً وتأدباً مع عبد القاهر، أنا أقول إنه قال هذا. يعني أنت قلت ما فهمته قطعاً من كلامي، أنها قلت هذا القرآن خطاب وقلت شرف المعنى وعدم ضيق المعنى وأن يخص بكذا، نعم، هذا كان شرحاً أقرب إلى العلمية والحرفية بعيداً عن المجازية والاتساعية الأدبية.

صحيح، فأنا كنت سأقولها لكن استعظمت الجملة مع عبد القاهر، لكن فهمت، نعم فالحمد لله وسبحان الله. يبقى صاحب الجهد الكبير العظيم جداً تغرق في بحوره بعض فروع، هل يستبعد عن أي إنسان أن يقع في شيء كهذا؟ بين كل العلماء لهم بحور من العلم سقطت فيها أحجار صغيرة أي لم تؤثر في علومهم.

ورضي الله عن الإمام عبد القاهر. خلاصة الفصل في أن شرط إدراك ما مضى تحقق الفهم والذوق والتمييز، كما قال الدكتور محمد أبو موسى: «البلاغة يا إخوة، البلاغة تساعدنا في تفسير ما نجد ولا توجد لنا ما لم نجد، البلاغة تساعدنا في شرح وتفسير ما نجد وفي فهمه وتأويله، لا تساعدنا في أن نجد ما ليس موجوداً».

كل طلاب الأزهر وشيوخ الأزهر يدرسون البلاغة التقريرية، ومع ذلك هل توازى ذلك عندهم بأنهم صاروا أدباء أو نقاد شعر؟ لا، في وقت من الأوقات كان الأزهر مجانباً لهذا كثيراً، وظل المتميزون من الأزهريين في البلاغة أفراداً، إلى الآن أفراداً قلائل في كلية اللغة العربية في صحن المسجد الأزهر قديماً، كما كان الشيخ المرصفي.

قال: «واعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعاً من السامع»، يعني عبد القاهر يقول لك: مهما شرحت لك إذا لم تكن صاحب ذوق لن تفهم. شوف ماذا يقول هنا: «لما قال إذا أنت راجعت نفسك وأذكيت».

أعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع، ولا يجد لديه قبولًا، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، وحتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما يومئ إليه من الحسن واللطف أصلًا، وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام؛ فيجد الأريحية تارة ويعيا منها أخرى، وحتى إذا عجبته عجب، وإذا نبهته لموضع مزية انتبه.

كان العز بن عبد السلام سلطان العلماء، بائع الملوك الذي نادى على المماليك بالبيع، كان لا يخاف أحدًا. كان زاهدًا، يدخل المساجد الجامعة الكبيرة، ينام في صحن المسجد، يتوضأ ثم ينام، أو يقوم يصلي ثم يرجع ينام.

يقولون مر عليه بعض السلاطين، أظنه الظاهر بيبرس، فسمع ضجة في المسجد، فقيل له ما ذلك؟ قالوا: العز بن عبد السلام عطس فشمته الحضور، فقال: «هذا هو السلطان». وقيل إنه رآه في جنازته ورأى الجموع تشيعه، فقال: «مثل هذا هو العز بن عبد السلام».

وكان يعجبه القول أو البيت من الشعر أو المقولة الأدبية، فمن الالتذاذ بالكلام، كان يدور على يديه وركبتيه في المسجد ينظر في وجوه الجلوس، لا يجد طاقة وقوة للقيام من تسرعه ولهفته وتعثره، كان يزحف على يديه ورجليه ويقول لمن في وجوه الجلوس: «أسمعتم هذا؟ أسمعتم هذا؟ نزلت الآن من عند الله!».

الهيبة مواقف وليست ارْتسامًا شخصيًا. ليس المهيب هو الذي يأتي أمام الناس فيخفض صوته ويعمل رزينًا وهادئًا ويقلل الكلام ويتكلم ببطء، فإنه إن شاء الله يكون أراجوزًا بعد ذلك. الهيبة في المواقف: الشجاعة في المواقف، والقوة في المواقف والنوازل، والقوة في الثبات.

كان الدكتور صديق يقول لي: إنه يجل محمود شاكر جدًا. فمرة كنت أكلمه في الشأن وكذا، وكنت خائفًا أن يكون ظانًا بي خيرًا، أنني صوام قوام عابد، وخفت أن يكون قد تبرأت له، فقلت له: «اسمع، أنا شخص عادي، أصلي فرضي وأتجنب المحرمات بقدر الاستطاعة، وشخص عادي جدًا في حياتي، أقيم النسك بالكاد، فلا تحسن بي الظن».

فضحك شديدًا وقال: «كيف تراني مع محمود شاكر؟» قلت: نعم. قال وهو كان يجل محمود شاكر: «ولكن كيف لا؟ أجل المواقف». شخص ثبت على موقفه أمام التغريب وعاش فقيرًا ولم تغره الإغراءات. كانوا يريدونه في جامعة بريطانية أو إيطالية أن يكون دكتور كرسي، فقال: «بلادكم لا أدخلها إلا غازيًا». عرضوا عليه في دولة أوروبية أن ينتقل في حياته، ولكنه ثبت في مواقفه وحارب التغريب.

هذا ما تواليه عليه الرجال، المواقف يا أبا قيس، وأنا أراك في المواقف فإني أقدر أبا قيس. هل قدرت محمود شاكر لأنه قديس عابد؟ نحن نعلم كيف كان، لم يكن شيخًا خالصًا كما يريد البعض تصويره، وكان حتى كتب أبياتًا غزلية.

حكى رفيقه في إسبانيا الدكتور أبو همام عبد اللطيف، أنه كان يحب مشاهدة رقصة الفلامينكو الإسبانية، وقد أعجبته ممرضة هناك فتغزل بها وكتب فيها أبياتًا. ومع ذلك، كان صاحب مواقف. هذا هو، فالهيبة يا إخوة مواقف وليست ارْتسامًا تافهًا.

مواقف العز بن عبد السلام حين كان يدور بين الناس على يديه ورجليه ويقول: «أسمعتم هذا؟ رأيتم هذا؟ نزل الآن من عند الله!». العز بن عبد السلام الآن تراه صاحب هيبة ولباس ثمين وطلة ومنظر، بينما هناك من ينافق في أقل موقف، ويبيع دينه ومواقفه وأمته في أقل موقف.

اعلموا الطريق الصحيح يا إخوة، لهؤلاء العلماء. وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وتسمع لقولهم، فاعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع ولا يجد لديه قبولًا، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة، وحتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما يومئ إليه من الحسن واللطف أصلًا. حتى إدراك السبب والحس به، هذا أيضًا ملكة العلم وملكة الفهم؛ هناك سبب لهذا، وليس مجرد شعور فقط.

هناك سبب، هو يشعر أيضًا أن هناك سببًا. قال: «وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام، لما يتأمل تكرر فلا تزداد إلا استنارة». وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام فيجد الأريحية تارة، ويُعرى منها تارة أخرى، بحسب مستوى الكلام.

بشار بن برد، أو دعبل الخزاعي، لما كلموه عن هذا التافه الذي يقول كلامًا تافهًا يضحك منه، قال لمنشده: «كف كف عن هذا، والله كلام يصدا منه السمع». هذا كلام يصدا منه السمع، اقرؤوه في ترجمة دعبل في طبقات الشعراء لابن المعتز: «وحتى يختلف الحال عليه عند تأمل الكلام فيجد الأريحية تارة ويعرى منها أخرى، وحتى إذا عجبته عجب». تفاعل معك لما تفهمه، وإذا نبهته لموضع المزية انتبه.

فأما من كان الحالان والوجهان عنده أبداً على سواء، والله يا أستاذ أنا شايف الاثنين واحد ما فيش أي فرق، فإما من كان الحالان والوجهان عنده أبداً على سواء وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة والإعراب الظاهر. بعضهم الآن -لا تستغرب أن تجدوا من هؤلاء من هم علماء في علوم أخرى أصلاً، نحاة وأساتذة نحو- لا يتفقد إلا الصحة المطلقة والإعراب الظاهر، فما أقل ما يجدي الكلام معه.

فليكن من هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر. عبد القاهر ينصحك: فليكن من هذه صفته عندك بمنزلة من عدم الإحساس بوزن الشعر والذوق الذي يقيمه به، والطبع الذي يميز صحيحه من مكسوره ومزاحفه من سالمه، كالذي لا يدرك الوزن بالضبط، وما خرج من البحر مما لم يخرج منه.

اجعله بمنزلة من أنك لا تتصدى له ولا تتكلف تعريفه لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف، والحاسة التي بها يجد. فليكن قدحك في زند وار؛ أي لا تقدح في زند لا يشتعل. فليكن قدحك في زند وار؛ أي والحك في عود أنت تطمع منه في نار.

واعلم أن هؤلاء، لا تناقش هؤلاء، لا يرجى منهم شيء، لا رجاء فيهم، لا خير فيهم. واعلم أن هؤلاء وإن كانوا هم الآفة العظمى في هذا الباب، فإن من الآفة أيضًا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة. في ناس يقول لك: أنا معك بالذوق نشعر به. هو قال هنا: «وحتى يكون ممن تحدثه نفسه بأن لما يومئ إليه من الحسن واللطف».

قال: «فإن من الآفة أيضًا من زعم أنه لا سبيل إلى معرفة العلة في قليل ما تعرف المزية فيه وكثيرة». وإن ليس إلا أن تعلم أن هذا التقديم وهذا التنكير، أو هذا العطف أو هذا الفصل حسن، هو حسن خلاص، وإن له موقعًا من النفس وحظًا من القبول. فأما أن تعلم لما كان كذلك وما السبب، فمما لا سبيل إليه ولا مطمع في الاطلاع عليه، فهو بتوانيه والكسل فيه في حكم من قال ذلك. إن كان كسولًا متوانيًا مع وجود القدرة عنده، كان في حكم من قال ذلك مصرحًا بعدم إمكان ذلك أصلاً.

قال: «واعلم»، وهذه نصيحة ثمينة في المعرفة من عبد القاهر، «أنه ليس إذا لم تمكن معرفة الكل وجب ترك النظر في الكل، وأن تعرف العلة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه وإن قل، فتجعله شاهداً فيما لم تعرف». أي أن تعرف العلة والسبب فيما يمكنك معرفة ذلك فيه وإن قل، فتجعله شاهداً فيما لم تعرف، أحرى من أن تسد باب المعرفة على نفسك وتعودها الكسل والهون.

قال الجاحظ: «وكلام كثير قد جرى على ألسنة الناس وله مضرة شديدة وثمرة مرة، فمن أضر ذلك قولهم: لم يدع الأول للآخر شيئاً». قال: «فلو أن علماء كل عصر مجرت هذه الكلمة في أسماعهم، وتركوا الاستنباط لما لم ينتهِ إليهم عمن قبلهم، لرأيت العلم مختلاً».

واعلم أن العلم إنما هو معدن، فكما أنه لا يمنعك أن ترى ألوف وقر قد أخرجت من معدن تبر، أن تطلب فيه وتأخذ ما تجد، ولو فوق قدر توهم، حبة تعمل من الفضة تكون كالدرة المستديرة، لا يمنعك أن ترى ألوف وقر قد...

أخرجت من معدن تبر، وإن تطلب فيه، وإن تأخذ ما تجد ولو كقدر ذرة. كذلك ينبغي أن يكون رأيك في طلب العلم، نسأل التوفيق.

يريد أن يقول: كما لا يمنعك أن ترى هذه الأحمال تخرج من المناجم محملة بكذا وأنت لا تعرف كيف تستخرج كل هذا، لكن هذا لا يمنعك أن تدخل وتأخذ ولو مقدار حبة من الفضة أو من الذهب أو من كذا، فكذلك في العلم؛ إذا لم تحصل كله فلا يمنعك هذا من تحصيل بعضه.

وتستشهد بهذا البعض على غيره. لا تستطيع فهم كل القصائد، افهم قصيدة وقصيدتين وثلاث قصائد. لا تستطيع أن تفهم البيان العالي في كل القرآن، يا أخي، افهم في آية، في آيتين، في ثلاث، واستشهد بذلك على الباقي؛ لأنه في حكمه من العمل اللغوي.

شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.