بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، أيها الأحباب الأبرار، هذا هو مجلسنا الثاني بعد الأربعين من مجالسنا في شرح كتاب "دلائل الإعجاز" للإمام الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى، مؤسس علم البلاغة، والذي فضله على الأمة إلى يوم الدين في معرفة سر الإعجاز وسر البيان، وفي تعليم أصول البلاغة.
انتهينا أيها الإخوة من الصفحة الخامسة بعد المائتين، ثم جاء فصل، ولكن نريد أن نتتبع السياق حتى نفهم الكلام، وحتى أضعكم في السياق مرة أخرى؛ لأن عبد القاهر فياض الذهن، يخرج من رحم مسألة إلى مسألة، ومن رحمها إلى مسألة، ويخرج هكذا في نسل يستمر، وترى باباً يتولد من باب، وهذا وفصل يتولد من فصل، وهذا السر في الربط بين الفصول هو الذي يحوي أسرار البلاغة في الحقيقة.
انظر هنا يقول: "فصل: واعلم أنه إذا كان بينا في الشيء الذي لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل..." إلى آخره. نحتاج إلى أن نفهم موقعنا من الكلام، فلنرجع إلى الصفحة التاسعة بعد المائتين وأربعين، نحن الآن في الصفحة السادسة بعد المائتين وثمانين، نرجع حوالي أربعين صفحة؛ الصفحة التاسعة بعد المائتين وأربعين، ارجعوا إليها، التاسعة بعد المائتين وأربعين، قال: "هذه فصول شتى في أمر اللفظ والنظم، فيها فضل شحذ للبصيرة وزيادة كشف عما فيها من السريرة".
جاء هذا الفصل في نفي أن يكون التفاضل بعلم أوضاع اللغة، أو أن يكون لذات المعاني؛ حتى يمكنك أن تقول: "فصل في نفي أن يكون التفاضل بعلم أوضاع اللغة ولا لأجل ذات المعاني". قال في أوله، وهي الفقرة السادسة بعد المائتين واثنين: "وغلط الناس في هذا الباب كثير، فمن ذلك أنك تجد كثيراً ممن يتكلم في شأن البلاغة إذا ذكر أن للعرب الفضل والمزية في حسن النظم والتأليف، وأن لها في ذلك شأواً لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون، جعل يعلل ذلك بأن يقول لا غرو؛ فإن اللغة لها بالطبع، ولنا بالتكلف، ولن يبلغ الدخيل في اللغات والألسنة مبلغ من نشأ عليها وبدأ خلقه بها".
وقال: "وأشباه هذا مما يوهم أن المزية أتتها من جانب العلم باللغة، وهو خطأ عظيم وغلط منكر يفضي بقائله إلى رفع الإعجاز من حيث لا يعلم". هذا فصل بدأ في الصفحة التاسعة بعد المائتين وأربعين، الفقرة السادسة بعد المائتين واثنين، وهكذا بدأ يبين أن مثل هؤلاء الذين يفاضلون باللغة، ومثل هؤلاء الذين يفاضلون بالمعاني... قال بعد صفحتين: "واعلم أن الداوي -والذي أعيا أمره في هذا الباب- غلط من قدم الشعر بمعناه". الفقرات المشهورة التي قرأناها كثيراً وأحلت إليها كثيراً، واستمر في هذا حتى انتهى إلى فصل جديد في الفقرة الثلاثين، الصفحة الثامنة بعد المائتين وخمسين.
انظر الآن إلى التسلسل: "فصل في التفريق بين المعنى المجرد والمعنى الفني". هذا الفصل يمكنك أن تقول إنه في التفريق بين المعنى المجرد والمعنى الفني. أنا في أول الفصول أضع لكم ملخصاً للفصل السابق، الصفحة التاسعة بعد المائتين وأربعين: في نفي أن يكون التفاضل بعلم أوضاع اللغة ولا لأجل ذات المعاني. إذن هناك شيء آخر، هو ماذا؟ هو معنى في اللغة أو معنى من ذات الكلام، وهناك معنى آخر؛ معنى مجرد، وهناك معنى آخر؛ معنى فني.
يقول لك: كيف تفاضل؟ كيف تفرق بين المعنى المجرد والمعنى الفني؟ قال: "لا يكون لأحد العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير، لا يكون لصاحبتها خلاص؛ فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليست عبارتين عن معنى واحد، بل هما عبارتان عن معنيين اثنين. قيل لك: إن قولنا المعنى في مثل هذا يراد به الغرض، وفرقنا بين المعنى والغرض، وجئتكم بموضع من الكتاب يقول: ﴿الْآيَتَانِ وَإِنْ كَانَتَا اشْتَرَكَتَا فِي الْمَعْنَى﴾، أو الآية والعبارة إن اشتركتا في المعنى فقد اختلف الغرض﴾". تذكرون هذا الكلام؟
ويستمر في التفريق بين المعنى المجرد والمعنى الفني إلى أن يأتي إلى فصل "الكلام على ضربين": ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلاً بالخروج عن الحق على الحقيقة، فقلت: "خرج زيد". وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل.
إذن هذا المعنى، في الصفحة الثانية بعد المائتين وستين، في الفقرة الخامسة بعد الثلاثمائة، يقول: "وإذا قد عرفت هذه الجملة، فها هنا عبارة مختصرة، وهي أن تقول: المعنى ومعنى المعنى". في الصفحة الثالثة بعد المائتين وستين، تقول: "المعنى ومعنى المعنى"، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر، وقال: "مداره على الاستعارة والتمثيل والكناية".
وهنا تناول سهولة الوصول إلى هذا المعنى، وذكر مثالاً غير حميد لعدم الوصول، بقول الشاعر: «وتسكب عيناي الدموع لتجمد ... أطلب بعد الدار عنكم لتقربوا» وقال كيف أن جمود العين استعارة باطلة لذلك؛ طبعاً هذا المثال استقر في كتب البلاغة التقريرية بعد ذلك. وظل يقرب هذا الأمر ويشرح فيه ويوضحه لصفحات، ويقول: "ومن الصفات التي يجريها على اللفظ... لا تعارضك شبهة" إلى آخره، وأخذ يدلل على ذلك بكلام ويشرح ويبين، إلى أن جاء في الصفحة الأولى بعد المائتين وسبعين، وهي الفقرة الثالثة بعد الثلاثمائة، قال: "ويجري"، وقلت هذه عبارة.
مهمة جداً، لابد أن تؤطر قطعاً. قلت هذا، وتجري لك هذا الشرح والتفسير في النظم كما جرى في اللفظ. لما تكلم عن «ألا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه»، قال: مستحيل أن يكون المقصود نفس اللفظة، وإنما أراد المعاني، أي معنى اللفظة في استعارتها في مكانها. رأيت أسداً على المنبر، أنت لا تفكر في الأسد الذي على المنبر بمجرد أن وقعت كلمة أسد مضافاً إليه على المنبر، صار لفظ الأسد يسرع إليك منه.
وبعد أن شرح هذا ووضحه قال: ويجري لك هذا الشرح والتفسير في النظم كما جرى في اللفظ؛ يعني يقول لك كل ما قلته من السهولة والمبادرة والفهم والدقة في اللفظة الواحدة، يجري لك كذلك في النظم في التركيب؛ لأنه إذا كان النظم سوياً والتأليف مستقيماً، كان وصول المعنى إلى قلبك بك تلو وصول اللفظ إلى سمعك. وإذا كان على خلاف ما ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه، وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا إنه يستهلك المعنى؛ هكذا قال القدماء: «التعقيد يستهلك المعنى».
ثم بدأ يذكر أمثلة على عسر هذا الباب، إذاً من صفحة 249 ونحن نسير في توضيح قضية المعنى المجرد والمعنى الشعري، وأن الأمر ليس من جهة أفصاح اللغة، وليس من جهة المعنى المجرد، وبعد ذلك أخذ يبين لك ما هو المعنى الشعري وشرح من ضمنه مسألة معنى المعنى، وأن اللفظة تقع ويراد بها معنى آخر، وتكلم عن المبادرة وسرعة الدلالة. ثم قال لك: وكل ما قلته في اللفظة المستعارة أقوله في النظم كذلك، وأنه ينبغي أن التركيب لا يتركك تبحث عن المعنى بحيث ينتهي الكلام وأنت لا تعرف المعاني وقد أشكلت عليك.
بعد ذلك أخذ يقول لك: ولكن هذا الباب رهيف ودقيق جداً. وهنا تنتبهون يا إخوة، ليس كل ما تقفون فيه تقولون معقد، ما هو طبيعي، بعض الناس لا يسارع ذهنه، ليس عنده رهافة الحس المطلوب، أن يكون ذوقك صحيحاً. أخذ يضرب في الصفحة الثانية بعد السبعين و2، شوف أنا جئت بك من الصفحة التاسعة بعد الاثنين والأربعين، الآن أنا معك في الصفحة الثانية بعد السبعين و2، الفقرة 15 بعد الـ 300.
ذكر مثالاً على عسر هذا الباب، وهذا مثال أول وهو مثال الأصمعي الذي كان يذهب مع أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر إلى بشار بن برد بعد صلاة الصبح، ويجلسون إلى الظهيرة، ويملي عليهم الأشعار ويتعلمون منه، وحصل موقف وكذا وكذا، ثم قال بعد ذلك: فانت ترى كيف خلف الأحمر وأبو عمرو بن العلاء على علمهم الكبير خفي عليهم هذا حتى أعلمهم به بشار.
ثم في الصفحة الرابعة بعد المائتين و2، ذكر مثالاً ثانياً وهو «أ» الذي كان في قصيدة ذي الرمة، وهو لفظه: «وكان الهوى بالناي يمحى فيمحي، وحبك عندي يستجد ويربح، يقول إذا غير الناي المحبين، لم يكد رسيس الهوى من حب ميت يبرح». فبين كيف أن علماء وقعوا في الفهم الشائع عند العامة والناس ولم ينتبهوا إلى الدلالة الصحيحة، وكيف حتى إن ذا الرمة أُدخل عليه وخدع لما شرح له فلم ارتبك، فقال: إذا كان ذي الرمة صاحب النص، وإذا كان «أ» ابن شبرمة، خلاص إذا كان ابن شبرمة أخطأ كذلك مع أنه من العلماء بكتاب الله، وكذا إذا أخرج يده لم يكد يراها، يعني لم يقترب من رؤيتها فلم يرها من باب أولى، فقال: إذا كان الأمر كذلك فكيف بغيرهم من الناس؟ وشرح هنا شرحاً طويلاً واستفاض فيه.
ثم في الصفحة الثامنة بعد المائتين و2، الفقرة الثانية بعد الـ 300، ذكر مثالاً ثالثاً قال: ومن العجب في هذا المعنى قول أبي النجم: قد أصْبحتْ أمُّ الخيارِ تدعي عليَّ ... ذنباً كُلُّه لم أصبْ عِيهِ
قال: قد حمله الجميع، جميع من تخيل من يدخل في الجميع، ابن جني دخل في الجميع، ودخل فيه عبد القادر البغدادي، طبعاً هو كان متأخراً لكن ظلوا يحملونه كذلك رغم تنبيه عبد القاهر. يقول: قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه، من رفع كل في شيء إنما يجوز عند الضرورة. لماذا يا إخوة؟ أنا لا أذكر أنني شرحت هذا، شرحت ما هي الضرورة في هذا الوجه.
الضرورة هنا أنه لو قال: «كله لم أصنعه»، جاءت «كله» مرفوعة على الابتداء، وجاء «لم أصنعه» خبراً في صورة جملة فعلية، والخبر الذي في صورة الجملة يحتاج إلى ضمير يعود على المبتدأ، يعني الأصل أن يقول: «كله لم أصنعه»، فارتكب هنا ضرورة وشيئاً غير محبوب في اللغة كما قالوا، وهو حذف المبتدأ العائد على أو حذف الضمير العائد على المبتدأ ليربط الخبر بالمبتدأ. ممكن نطلع لحظة نطلع على كلامهم في هذا، يكون جيداً.
هذا مثلاً كتاب خزنة الأدب، هذا الشاهد يا إخوة، أنا لا أدري إذا كانت هناك طبعة غير هذه، لكن هذه الطبعة المعتمدة وهي طبعة مكتبة الخنجي، الجزء الأول بتحقيق عبد السلام هارون. طبعاً «خزانة الأدب ولباب لسان العرب» هذا ألفه عبد القادر بن عمر البغدادي، المولود في العام بعد الألف والمتوفى في العام الثالث بعد التسعمائة. نعم، عبد القادر البغدادي جاء إلى شرح رضي الدين على كافية ابن الحاجب وأخذ شواهدها، وأدار الكتاب على الشواهد، شرح الشواهد من جهة النحو وتكلم في أصحاب الأبيات وجاء بالقصائد التي منها الأبيات وتكلم في سيرة الشعراء، يعني جعل كتابه جامعاً ماتعاً تدرس فيه النحو وطرفاً من أخبار الشعراء وأحكاماً على القصائد ونقل فيها أحكام العلماء على هذا الشعر وعلى هذا الشاعر، وهكذا فسمي بـ «خزانة الأدب ولباب لسان العرب».
في المجلد الأول، هذا المثال أو هذا الشاهد هو السادس بعد الخمسين، يقول: وأنشد بعده، وهو الشاهد السادس، وهو من شواهد سيبويه: «قد أصْبحتْ أمُّ الخيارِ تدعي عليَّ ذنباً كُلُّه لم أصبْ عِيهِ». قال: وأنشد بعده، وهو الشاهد على أن الضمير العائد على المبتدأ من جملة الخبر يجوز حذفه قياساً عند الفراء إذا كان مفعولاً منصوباً، يعني إذا كان مفعولاً منصوباً يجوز إذا حذفه، والمبتدأ لفظ كل.
نقل الصَّفار أنه مذهب الكسائي أيضًا، وقد نقل ابن مالك في التسهيل الإجماع على جواز ذلك، وزاد على كل ما أشبهها في العموم والافتقار من موصول وغيره، نحو: «أيهم يسألني أعطِ»، كما قال: «كلٌّ لم أصنعْ». حذف الضمير العائد من جملة الخبر على المبتدأ، هذا ما يسمى السبب الرابط الذي سوغوا به مجيء الخبر جملة.
يقول ابن مالك في التسهيل: «وزاد على كل ما أشبهها في العموم والافتقار»، يعني أنها عامة وتفتقر إلى بيان من موصول وغيره، نحو: «أيهم يسألني أعطِ»، ونحو: «رجل يدعو إلى الخير أجيب»، أي أعطيه وأجيبه.
قال: ماذا شرح كلامه؟ ماذا شرح كلام ابن مالك؟ طبعًا ابن مالك من أكثر النحاة الذين وقع عليهم اختلاف، حتى إن ابنه تحامل عليه. ابن الناظم شرح ألفية ابن مالك، وتخيلوا أن العلماء ردوا على ابن الناظم فيما خالف فيه أباه، وخطأ فيه أباه؛ حتى ابنه تحامل عليه. أما أبو حيان الأندلسي النحوي، فآجركم الله مما فعله معه، وقال في شرح كلامه: «لم نر هذا الإجماع بل منعه البصريون»، وأما نقله في شبه كل فقد قال أبو حيان: «لا أعلم له سلفًا في ذلك». هذا كلام صاحب خزانة الأدب يشرح لك القضية.
أما ما قاله ابن جني في الخصائص، فهو في المجلد الثالث، الصفحة الثالثة بعد الستين، كان يتكلم عن أن العرب ترتكب ضرورات دون حاجة إليها، ادخارًا لها واستظهارًا لوجودها، حتى إذا احتاجت إليها استعملتها بلا حرج. هذا تفسير ابن جني، يقول: «ألا تراهم كيف يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على تركها ليعدوها لوقت الحاجة إليها».
تعرفون مثلاً عندما يأتي شخص يؤلف قصائد، يرتكب ضرورات، يأتي بألفاظ هو لا يحتاج إليها في القصيدة، لكن ينبهك حتى إذا استعملها بعد ذلك يكون عندك علم بها مسبقًا. قال: «ألا تراهم كيف يدخلون تحت قبح الضرورة مع قدرتهم على تركها ليعدوها لوقت الحاجة إليها»، فمن ذلك قوله: «قد أصبحت أم الخيار تدعي عليَّ ذنباً كله لم أصنعِ». أفلا تراه كيف دخل تحت ضرورة الرفع؟ ما هي ضرورة الرفع؟ أنه حذف الضمير، وهذا الرفع جعل «كل» مبتدأ، والمبتدأ جاء خبره جملة، والخبر جملة يحتاج إلى ضمير فيه يربطه بالمبتدأ، وهذه الجملة بالضبط خلت من الضمير.
فيقول: «أفلا تراه كيف دخل تحت ضرورة الرفع ولو نُصب لحفظ الوزن»، يعني عادي الوزن لم يختل، ولو نُصب لحفظ الوزن وحمى جانب الإعراب من الضعف، إذاً هم رأوا ما حصل ضعفًا. يرد عبد القاهر على ذلك بقوله: «قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع كل في شيء إنما يجوز عند الضرورة من غير أن كانت به إليه ضرورة»، يعني هو حذف الضمير خلاص. عبد القاهر يتكلم على أن الأمر واضح، «كلٌّ لم أصنعِ»، من درس النحو سيعرف أن هذا يحتاج إلى ضمير يعود على المبتدأ، هذا ألف باء النحو.
يقول: «من غير أن كانت به إليه ضرورة»، قالوا لأنه -هذا كلام ابن جني- «ليس في نصب كل ما يكسر له وزنًا أو يمنعه من معنى أراده، وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك، وإلا لأنه رأى النصب يمنعه مما يريد». انظروا إلى الكلام، لا تستسهلوا الشعراء الكبار يا إخوة، الشعراء هؤلاء ملوك الناس.
إياكم والتهويم من شأن العلم. كنت أكتب منشورًا اليوم لم أنشره بعد، أقول إن من أكبر الجنايات التي جنتها الروافد أو الوافدات الأجنبية والأفكار الأجنبية على المشهد العربي وعلى الشعر العربي المعاصر، أنها فصلت عنده العلم عن الشعر، وجعلت الشاعر التافه يفخر بأنه لا يدري هذا، ولا أدري ما هذه الأصول، ولا أدري ما ألفاظك التي تتكلم بها، وإنما أنا شاعر أغرد. ما هو أنت لو شاعر تغرد فقط؟ من إدراكك بأن تغريدك حسن وبأنه صواب؟ هذا له اختبار وله دراسة وله أهله.
للأسف الشديد، كان التافه قديمًا يعلم أنه تافه، والناس تعلم أنه تافه، يقولون لك شعره يضحك منه وهو أصلاً يتسول بشعره الدرهم والدرهمين المغشوشين، أو يقول الأبيات في وجبة يتصدق بها عليه على أنها ثمن الشعر. أما الآن، فالناس لا تعرف التافه والتافه لا يعرف أنه تافه، العلم هو الذي يكشف هذا، فانظروا كيف يفخرون الآن بأنهم ليسوا شعراء علماء.
وعبد بن رشيق في العمدة ينعى على طائفة من شعراء زمانه أنهم لا يتعلمون الشعر وأنهم يجهلون أبوابه ومسائله، فيأتي كلامهم ضعيفًا ويقع الغلط في كلامهم. أما القدماء من الجاهليين والإسلاميين قبل استقرار صورة العلوم، فيجزم ويقطع. يقول ابن جني: هؤلاء كانوا يحملون علومًا في صدورهم، وإلا على أي شيء كان يرجع الشاعر؟ وبأي شيء كان يوجهه؟ حتمًا كان يشرح له ويبين له، إذاً هناك أصول عندهم يتكلمون بها، وإلا لتساوى الجميع، وإلا لقال كل إنسان ما عنده وقال هذا أجود. كيف ما الذي جعلهم يرجعون إلى أحد إلا إذا علموا أن ما عنده أعلى مما عندهم وأنه يعلم ما لا يعلمون؟
ما الذي يجعل الناس تعلم أن حسانًا يعلم، والنابغة يعلم، والزبرقان يعلم؟ لما قال النابغة الذبياني لحسان: «يا بني إنك لا تحسن أن تقول .. فإنك كالليل الذي هو مدركي وإن خلت أن المنى عنك واسع .. خطاطيف حجن في حبال متينة تمد بها أيدي نوازع»
ما الذي جعله كما قالوا طأطأ رأسه ورجع القهقرى وجلس في مكانه؟ هم يعلمون بعلومهم أن حسانًا لا يقدر على أن يقول هذا، ولو كانوا خالين من العلوم لادعى كل أحد ما ادعاه، كما في الحديث: «لولا البينة والشاهد»، وكما قال النبي ﷺ: «لادعى أناس أو لادعت أناس».
أموال الناس وأملاكهم وأعراضهم، أو كما قال النبي ﷺ. فكذلك هنا لولا وجود علوم يحتكم إليها لادعى كل إنسان أنه أشعر أهل الأرض، لقال حسان للنابغة الذبياني: «بل إني أقول أجود من هذا»، ولقال كلامًا وقال هذا أجود؛ يلا رأيتم ما هو المحتكم؟ أنت تقول ليس أجود وأنا أقول أجود، انتهينا؛ إذاً لا يحتكم إلى شيء هكذا.
فهذا المثال الثالث، أنا شرحت فيه الآن ما فاتني بيانه من قضية الضرورة؛ من أين كانت الضرورة؟ لما قال عبد القاهر إنه حملوه على أنه أدخل نفسه من الرفع في شيء إنما يجوز عند الضرورة من غير أن كانت به إليه ضرورة، فتذكرت أنني لم أشرح هذه الضرورة فشرحتها الآن. وهي عدم؛ لأن هذه قصيدة والوزن لا يحتمل، خلاص، هذه عينيه، والوزن في البيت لا يحتمل وجود الهاء، فقال: «لم أصنعه». هذا هو الأصل، وجود الضمير في الخبر الجملة الذي يربط الخبر الجملة بالمبتدأ؛ الضمير هنا لا يوجد.
فهذا مثال ثالث، وشرح فيه كذلك وتكلم عن دخول "كل" في حيز النفي وعدم دخولها في حيز النفي، وهذا هو الفرق بين وجه النصب ووجه الرفع، وهكذا شرح ذلك طويلاً، إلى أن قال في الفقرة الرابعة بعد الثلاثمائة في الصفحة الخامسة بعد المائتين حيث توقفنا في المجلس الماضي: «واعلم أن من شأن الوجوه والفروق ألا يزال يحدث بسببها، وعلى حسب الأغراض والمعاني التي تقع فيها دقائق وخفايا، لا إلى حد ونهاية، وإنها خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا يتنبه لأكثرها ولا يُعلم أنها هي، وحتى لا تزال ترى العالم يعرض له السهو فيها، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ما يوهم الخطأ، كل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض».
عرفتم الآن؟ ما زلنا إذاً في سياق ماذا؟ في سياق الكشف عن أسرار المعنى الشعري. تذكر السياق، أبدأ من الصفحة التاسعة بعد الاثنين والأربعين؛ مهم أن تعرف السياق، سياق كيف يسير الكتاب، أنت بعد ذلك ستشرح هذا الكتاب، فلا بد أن يكون الكتاب بين عينيك.
قال: «فصل، واعلم أنه إذا كان بينا في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه، حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج إلى العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب إلى فكر وروية». واعلم أنه إذا كان بينا في الشيء... ها، لم يأت الجواب بعد؛ إذا كان بينا في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه، حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب إلى فكر وروية. فلا مزية... يحتاج عندك يحتاج... وحتى لا يحتاج في العلم، لا بأس، ممكن يحتاج، هي لعلها الأقرب والصواب، يعني: وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب إلى فكر وروية. وأنا دائماً أقول يحتاج، على أساس أن عبد القاهر يتكلم عن إنسان يتدبر.
يعجبني بيت، يا إخوة، أسجله لكم هنا؛ يعجبني بيت للمزرد بن ضرار، الشاعر الذي هو أخو الشماخ بن ضرار، شاعر أدرك الجاهلية، له مفضليته المعروفة: «صحا القلب عن سلمى وملّ العواذل، وما كاد لأي حب سلمى يزايل فؤادي». رأيت هذه القصيدة، قصيدة فحلة يصف فيها شعر نفسه وقصائده، يقول: «تكرُّ فلا تزداد إلا استنارة، إذا رازت الشعر الشفاه العوامل».
يا إخوة، وأنا أحدثكم عن ماذا؟ عن الشعر الذي فيه بُعد المرمى، وأقول ما زلنا في مرحلة الدخول في الإجادة الشعرية، وهذا جيد وهذا الطبيعي، لكن أريد حملكم على أبعاد المرمى بأرهف الدلالات، بأن تصنع لي عالماً من البيت الواحد، وهذا بمناسبة هو الذي سحرني وأخذني واستهلكني في امرئ القيس. إذا كان المزرد بن ضرار يصف قصائد نفسه بهذا الوصف، فكيف برئيس الشعراء قاطبة؟ أين المزرد وأين أخوه الشماخ من النابغة الذبياني؟ بون بعيد، وبين النابغة وامرئ القيس بون بعيد كذلك.
فانظر كيف يصف شعر نفسه، يقول كلمة «رازت» يعني اختبرت، و«العوامل» يعني المتحركة التي تعمل؛ هذا فيه دلالة على أنهم كانوا يختبرون الشعر على ألسنتهم وعلى شفاههم ويحركون به الشفاه متأملين عند الجاهلية. تأمل هذا البيت الجاهلي، القصيدة جاهلية يا إخوة، الشاعر جاهلي وإن أدرك الإسلام، هو شاعر جاهلي. يقول: «تكرُّ فلا تزداد إلا استنارة»، هذا قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: «كان الشعر علم قوم ليس لهم علم أصح منه». فتخيل الجاهلي القديم كان يجلس هكذا يقول المزرد بن ضرار: «تكرُّ فلا تزداد إلا استنارة»، يعني كلما قرأت وكررت زادت استنارة بأن جمالها وبأن بانت رهافتها.
لماذا يا إخوة؟ لأن الناس لا يستحضرون رهافة الحس في كل وقت، ولكن يكررها الإنسان وهو يشحذ قريحته، وكلما شحذ قريحته وأرهف حسه وأرهف سمعه للكلام، بان له المرمى البعيد عند الشاعر. وهناك قصائد تضاعف رهافة حسك، لا تدرك منها أكثر مما أدركتها أول مرة، يعني مثلاً شعر عمر بن أبي ربيعة، المرة الثانية وخلاص، شعر العذريين، القراءة الثانية وخلاص، لماذا؟ ما في شيء يستنار، هو خلاص خلص.
انظر: «تكرُّ فلا تزداد إلا استنارة، إذا رازت الشعر الشفاه العوامل». «رازت» يعني اختبرت، «يروزه» لا ترزني محاولاً لاختباري بعد هذه البلوى فتنكر مسي، يعني لا تختبرني؛ فكلمة «تراز» اختبار، «رازه» بيده اختبره. «إذا رازت الشعر الشفاه العوامل»، العوامل المتحركة، فهو يصور لك الشفاه تختبر الشعر، القوم جلوس هكذا في مجلس في إنشاد الشعر ويختبرون قصيدته هكذا: «صحا القلب عن سلمى وملّ العواذل، وما كاد لأي حب سلمى يزايل فؤادي، حتى طار غي شبيبتي، وحتى خطّ من الشيب شامل». انظر، يختبرونه.
عبد الحق يقول: لا تستزيدوا من المعنى الذي أراده الشاعر وليس مما يبعثه في نفسك؛ لأنك في الثانية كما أعدت استزدت، كلما أعدت استزدت يعني تقصد على الغزل والعذر أم ماذا؟ لأنه ليس هناك شيء زائد، هي هذه المعاني عند عمر بن أبي ربيعة وعند مجنون ليلى مباشرة، مهما بدا المعنى مبهراً: «أراني إذا صليت يممت نحوها بوجهي، وإن كان المصلى ورائيا».
وما بيا أشراك ولكن حبها وعظم الجوى أعي الطبيب المداويا. والله، المعنى جميل، لكن لن أخدع، لا يوجد عمق شعري، لا يوجد بعد مرمى، بل لفظة واحدة عند امرئ القيس تنقلك إلى زيادة كبيرة ومعنى آخر دون مبالغة؛ بلفظة واحدة يا إخوة، حتى ما يبدو من الشعر أنه قريب وكلام مألوف، لو دققت فيه ستجد هذه اللطائف والزيادات التي أتى بها بين الكلام في ثناياه، تجعل من هذا العام المألوف شيئًا آخر بعيدًا.
يقول: واعلم أنه إذا كان بينا في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه، حتى لا يشكل وحتى لا يحتاج في العلم إلى بيان أن ذلك حقه وأنه الصواب إلى فكر وروية، فلا مزية. وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال -وهنا جملة اعتراضية يا إخوة: إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه، أي على خلاف الوجه الذي جاء عليه- وجهاً آخر.
فهمتم يا إخوة؟ هذا مهم جداً. قال: وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجهاً آخر، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء عليه حسناً وقبولاً تعدمهما إذا أنت تركته إلى الثاني.
هذا المعنى، إذا كانت العبارة لا تحتمل وجهاً آخر وهي هكذا دون إشكال، فهذا لا مزية فيه، أما إذا كانت تحتمل وجهاً آخر ولكن هذا الوجه الآخر تنبو عنه النفس وتفضل الوجه الذي جاء عليه، فهنا تكون المزية، وهنا أسباب الزيادة والخصائص واللطائف في الوجه الذي جاءت عليه العبارة.
تأمل قوله: «إذا احتمل في ظاهر الحال»، ركز معي، يقول: «إذا احتمل في ظاهر الحال»، ظاهر الحال هنا هو المعنى الغفل؛ أي أن المعنى الأصلي في نفسه كان يحتمل أن تعبر عنه بوجه آخر غير الوجه الذي جاء عليه الكلام الرفيع البليغ، ولكنك تجد النفس تنبو عن هذا الوجه الآخر.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. حتى نفهم من الأول: شركاء مفعول به ثانٍ مقدم، والجن مفعول به أول مؤخر، والجار والمجرور «لله» متعلقان بالمفعول به الثاني. أصل العبارة: «وجعلوا الجن شركاء لله»، جعلوا فعل وفاعل، الجن مفعول به أول، شركاء مفعول به ثانٍ، لله متعلق بالمفعول به الثاني. كل هذا جاء مقلوباً معكوساً؛ فالمفعول الثاني جاء في أول العبارة، والمفعول الأول جاء في آخر الكلام.
قال: ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ ليس بخاف أن لتقديم الشركاء حسناً وروعة وما خذاً من القلوب. أنت لا تجد شيئاً منه إن تأخرت فقلت: «وجعلوا الجن شركاء لله»، وإنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر إلى الشيء الغفل. والغفل هو المتجرد الساذج، وهذه إشارة إلى الوجه الآخر من التعبير عن أصل المعنى ويكون بلا مزية، ويحصل بها شرف المعنى الذي هو الانبعاث والتخييل والانفعال والتهييج؛ المعاني الزائدة التي لا تؤخذ من جسم الكلام وإنما من كيفيات الكلام.
أحسنت يا أيوب. قال: «وإنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل، ولا تصير النفس به إلى حاصل». والسبب في أن كان ذلك كذلك هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلاً لا سبيل إليه مع التأخير. انظر، كيف سمى ما حصل بالتقديم والتأخير «معنى»؟ هذا خطير، سمى ما حصل بالتقديم والتأخير معنى، ولكنه شيء زائد حاصل بالنص على المعنى الغفل الذي يمكن التعبير عنه بصيغة ليست على الصيغة التي حصلت بها المزية. وهنا يا إخوة يحصل الخلط عند الناس؛ لأن هذا معنى وهذا معنى، لأن المعنى الشريف هو الحاصل بالنص وليس الغفل.
لما نقضت كلام الصحيح وقلت لا يكاد أن يكون شاعراً، هاجمني الكثير من الإخوة، قالوا: ألا ترى على الأقل المعاني التي يأتي بها؟ قلت: سبحان الله! قيل نفس الكلام منذ قرون وجاء به الآمدي في الموازنة: ألا ترى إلى المعاني؟ إذاً نسميك حكيماً، نسميك ذكياً، نسميك عالماً، فيلسوفاً، لا نسميك شاعراً. الشاعر شيء آخر، الشعر تخييل عن طريق تعبير معين للمعنى المجرد.
ولذلك لما قال الجاحظ: «إن المعاني مطروحة في الطرقات»، يعرفها العربي والبدوي والقروي والعجمي، وكل لا يستهين بالمعاني، يقول لك المعاني تشترك فيها الناس بعيداً عن وصف الشعر، أما الشعر فصياغة خاصة وفن خاص، هذا هو كيفيات المعاني. حتى المعاني الحسنة في ذاتها هي كيفيات للمعاني. أكثر شاعر جاهلي ينبهر الناس بشعره ومعانيه هو امرؤ القيس، وأنا أستطيع أن آتي لك بالمعاني مجردة في صياغات أخرى، سترى أنها بقي لها الذكاء ولكن الشعر ذهب، ذهب امرؤ القيس وبقي لها ما نسميه بقوة الملاحظة ورهافة العين.
يحلو للناس أن يتكلموا عن "ألقاس" شاعر الصورة؛ كنا نقول هذا أيضًا شاعر الصورة، عينه كاميرا ثلاثية الأبعاد، خماسية الأبعاد، يصور الأشياء بدقة، ويذهب الفروقات بين الأحجام في الصور. يا سيدي، الرجل إذا كان ذكيًا، فهناك من هو ذكي مثله في هذا وليس شاعرًا، هناك من هو مثله في هذا، هناك من عنده هذه النظرة للأشياء، هناك فلاسفة، هناك عباقرة. أئتيني بأشد الناس ذكاءً من العباقرة، وواحد من العباقرة، وقل له عبر تعبيرًا شعريًا عن هذه المعاني الذكية العبقرية، ربما تتقيا من الكلام أصلاً وأنت تنتظر شعرًا. لكن لو سمعتها على أنها معانٍ، لم تهيئ نفسك لشعر، خلاص تسمعها وتسر بها.
قال: «وهو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلا لا سبيل إليه مع التأخير، بيانه -وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله- تأمل ما في لفظة "جملة المعنى" من تجاهل التفصيل؛ جملة المعنى يعني مجمل ليس مفصلاً. وتأمل ما في لفظة "محصول المعنى" من التجريد عن الزيادات في الهيئة والكيفية». شوف، جملة المعنى يعني أهملت التفصيل، ومحصول المعنى ها؟ وتأمل محصول المعنى؛ يعني ما لخصته بعد أن نزعت عنه التفصيل، حصلته من التفصيل، أخذته من التفصيل؛ فجملة المعنى في نفسه خارجًا، ومحصول المعنى ما حصلته منه.
هل كان عبد القاهر يقصد ذلك؟ الله أعلم. ربما بيانه -وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله- طبعًا هما اسمان لشيء واحد، لكن جملة المعنى وصفه، وجملة محصوله يعني ما حصل منه بعد أن خلص من التفصيل الذي أهمله في الجملة. بيانه: ﴿إِنَّهُمْ جَعَلُوا الْجِنَّ شُرَكَاءَ وَعَبَدُوهُمْ مَعَ اللَّهِ﴾ [الجن: 6]. إنهم جعلوا الجن شركاء وعبدواهم مع الله، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم؛ فإن تقديم الشركاء يفيد هذا المعنى، ويفيد معه معنى آخر وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك، لا من الجن ولا من غير الجن.
يقول: فإن تقديم الشركاء يفيد هذا المعنى الذي هو المحصول، ويفيد معه معنى آخر وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا غير الجن. انتبه هنا، لأن الشيخ عبر أو مثل بالتقديم والتأخير لظهوره واختصار الشرح به، وإلا فالأمر أدق من هذا بكثير. انتبه، الأمر أدق من هذا بكثير. قال: «وإذا أُخّر فقيل: جعلوا لله الجن شركاء». هو طبعًا أتى بهذا المثال لأن الإعراب فيه واحد، ولكن حصل تقديم وتأخير؛ هذا الذي يسمى "تقديم على نية التأخير"، كما عرفنا في صدر الدراسة. أما لو لم يكن الإعراب على غير هذا، وكان التقديم والتأخير يتعلق بالمعاني، فيقال: "تقديم لا على نية التأخير"؛ يعني لم أنوِ التأخير لأجل الحكم الإعرابي.
هذان نوعان ينبغي أن تكونوا منهما على ذكر؛ لأن المبتدئين -انتبهوا وبعضكم وقع في هذا في أول الدراسة- لأن المبتدئين لا يشعرون بالعمل الفني في النص إلا إذا خالف الترتيب المعهود في النحو وحصل تقديم وتأخير، كقول امرئ القيس مثلاً: «يضيء الفراش وجهها»، لأن الأصل يضيء وجهها الفراش، فقال: «يضيء الفراش وجهها»، فلا ينتبه إلى الفنيات إلا إذا جاءت كذلك، وهذا خطر.
قال بيانه: «وإذا أُخّر فقيل: جعلوا الجن شركاء لله، لم يفد ذلك ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى. فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره، وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن، فلا يكون في اللفظ مع تأخير الشركاء دليل عليه». تأمل هنا كيف كان الإنكار؛ ركز معي، الإنكار هو المعنى الحاصل بالهيئة التأليفية فقط مع بقاء الإعراب. ركز معي في الكلام جيدًا، الإنكار معنى حاصل بالهيئة التأليفية فقط مع بقاء الإعراب، الإنكار هو المعنى البلاغي الزائد -وهو موضح به أدبيًا لأنه ليس من صريح النص وظاهره- لأن الإعراب واحد؛ "جعلوا الجن شركاء" و"جعلوا شركاء الجن"، الجن يظل مفعولًا به أولًا، وشركاء يظل مفعولًا به ثانيًا وإن قُدّم. لكن التقديم أدبيًا له اعتبار وإن لم يختلف الإعراب وإن لم يختلف اللفظ.
"جعلوا شركاء الجن"، فكان كونهم الجن أهون شيء، كان كونهم الجن أهون شيء. اسمع تفصيل، ركز في التفصيل، هذه القطعة هذه الفقرة التي نحن فيها دقيقة وتحتاج إلى تركيز. يقول: «وإذا أُخّر فقيل: جعلوا الجن شركاء لله، لم يفد ذلك ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله، فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن، فلا يكون في اللفظ مع تأخير الشركاء دليل عليه»، يعني في المكان، مع أنه سيعود إلى أصله، أو قال تأخير هنا في المكان لأنه سيعود إلى أصله، يعني تأخير بالنسبة لما جاءت عليه الآية.
فلا يكون في اللفظ مع تأخير الشركاء دليل عليه، وذلك أن التقدير يكون مع التقديم؛ اسمع بقى الكلام هنا خطير ودقيق، وإذا قرأته وحدك ربما يدور رأسك فيه، فانتبه، سأقرب لك الطريقة إن شاء الله. يقول: «وذلك أن التقدير يكون مع التقديم أن شركاء مفعول أول لجعل، ولله في موضع المفعول الثاني». ركز معي الآن كيف لله في موضع المفعول الثاني الذي هو شركاء؛ لأنه هو المفعول الثاني خلاص في الإعراب سواء مع التقديم أو التأخير، إنما هنا تقدير بلاغي.
يقول: وذلك أن التقدير يكون مع التقديم أن شركاء مفعول أول لجعل، ولله في موضع المفعول الثاني؛ يعني كأنه قال: "جعلوا شركاء لله"، طبعًا هي قُدّمت، لكن هو يتكلم على الأصل فيها، وأنا سأضيف الآن الكلام عنها، لله ستكون في موضع المفعول الثاني. أصل الكلام: "جعلوا الجن شركاء"، فلما قدم "شركاء" مكان المفعول الأول وعلق بها "لله"، صار "لله" مكان المفعول به الثاني الذي هو شركاء. ركز في الكلام، صار "شركاء" مكان المفعول به الأول، كان الكلام في النفس هكذا: "جعلوا شركاء لله"، "جعلوا شركاء حاصلين لله". طبعًا هذا كلام سخيف، أنا أتحدث بالتقديرات في الشرح وهذه لا حرج فيها، سخيفة أصلاً خلاص، لكن أخرجها لك بصوت. ما معنى أن يكون لله مكان المفعول الثاني؟ كأنه قال: "جعلوا شركاء كائنين لله"، "جعلوا شركاء حاصلين لله". هو فقط يبين لك كيف أنه لما قدم "شركاء" أعطاها أهمية المفعول الأول، "جعلوا شركاء كائنين لله". كيف فهمت؟ اسمع، قال الكلام دقيق.
يا إخوة ركزوا، فإما يقول وذلك أن التقدير يكون مع التقدير، يعني ما يقع في النفس؛ ما المعنى المقدر في النفس؟ نكمل بعد الأذان إن شاء الله.
يقول: وذلك أن التقدير في النفس يكون مع التقديم؛ أن «شركاء» مفعول أول لـ «جعلوا»، «شركاءه» هكذا يقع، يشبهه، فهمتم؟ هو يظل مفعولاً ثانياً. يتكلم عن التقدير البلاغي، قلت لكم هذا تقدير بلاغي، يقع في... تفهمون هذا ولا لا يا إخوة؟ هذه العبارة مفهومها تقدير بلاغي، ليست التقدير النحوي، هذا تقدير بلاغي. تقديره يعني تقدير ما يقع في النفس لما قدم وجعل «شركاء» مكان المفعول به الأول فأعطاه أهمية المفعول به الأول، جميل؟ نفهمها جيداً.
قال: «ولله أن شركاء» مفعول أول لـ «جعلوا»، «لله» في موضع المفعول الثاني. خلاص، كان الكلام تم عند هذا. طبعاً «لله» لم تأتِ، هو لا يتكلم الآن على «لله»، وإذا جاءت في الأول، هو يتكلم عن أنه لما جاء مفعول به أول، طب ما المفعول به الثاني؟ «لله»؛ هذا هو، ولكنه أيضاً قدم «لله»، لكن نكمل كلامه.
قال: «ويكون الجن»... اسمع، اسمع: «ويكون الجن» على كلام ثانٍ، يعني على تقدير استئناف كلام في النفس يا إخوة، على تقدير استئناف بالضبط، لا على جهة الإعراب الصريح المباشر؛ لأن لفظ «الجن» منصوب، ولفظ «الجن» منصوب بالفعل «جعلوا»، «جعلوا الجن شركاء»، فهذا على تقدير ليس تقدير نحوي، ليس استئنافاً حقيقياً، الاستئناف يغير الإعراب، لكن هذا هو أصلاً كيف يكون استئنافاً وأنت قلت «الجن» كيف استئناف حقيقي؟ لكن كأنه استئناف، وسيغير الإعراب وإن أبقيت علامة الإعراب، وإن بقي وصف الإعراب وعلامة الإعراب سيغير صفة الإعراب، سيكون مفعولاً لشيء آخر في السؤال المقدر.
انظر قال: «وإن كان التقدير في شركاء»، يقول: «ويكون الجن على كلام ثانٍ»، وعلى تقدير أنه كأنه قيل: «فمن جعلوا شركاء لله تعالى»، فقيل: «الجن». يعني الآن يليق أن أذكر لكم ما لم ينبه إليه عبد القاهر، وهو تقديم «لله» و«جعلوا شركاء الجن». أيوه، ما هو أشوف أخوكم عبد الحق يطبق على الأداء، يقول: إذاً ستكون هناك سكتة بعد «شركاء» و«جعلوا لله شركاء الجن»، طبعاً حتى لو وصلت وأنت في التلاوة تصل، لكن هذا تقديري في النفس: «وجعلوا لله شركاء الجن»، وأنت تعجب في الأداء هكذا، تعجب!
والواقع أن الجن يقع أيضاً مفعولاً أول وآخر، لكن هذه المعاني الموحى بها في النفس التي تقع، كأنه... تعرف كأنه؟ هذا التقدير الذي يذكره عبد القاهر هو ما نعبر عنه في الشعر بقولنا «كأنه»، يقول الشاعر «كأنه لم يقل»، هذا لكن «كأنه»، نعم بالضبط، مقاربة.
قال: «وإذا كان التقدير»، التقدير البلاغي، أؤكد ليس التقدير الإعرابي في النحو، انتبه، أي تقدير؟ المعنى الشريف. «وإذا كان التقدير في شركاء أنه مفعول أول، ولله في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء لله تعالى على الإطلاق من غير اختصاص شيء دون شيء». هذا يا إخوة شرح لما حصل في النظم وما ترتب على ما حصل، وتقديم كلمة «لله»، وأنا أعجب أن عبد القاهر لم يتطرق إليها مع قوة أثرها، تقديم «لله» متعلق المفعول الثاني، و«جعلوا لله» كان... المشكلة أن يكون «لله» لا لغيره شريك فيها، طرقه قوية جداً لما تقدم المتعلق على المتعلق.
أسألكم سؤالاً: هل يظهر للمتعلق معنى تام قبل ذكر متعلقه؟ يعني «وجعلوا لله»، هل فهمت منها معنى تاماً؟ لا طبعاً، لم يتم المعنى، المعنى الأصلي النحوي، ولكن تقديم «لله»، تقديم المتعلق على المتعلق، مع كون المتعلق أصلاً وكون المتعلق فرعاً، فقدم الفرع؛ دل هذا، هذه المفارقة التي فعلتها، دل هذا على خطورة كون المتعلق في المتعلق، على خطورة هذا التعلق، على خطورة موضوع المتعلق.
«وجعلوا لله»، ماذا يا أخي؟ خضتني! فعلوا ماذا؟ لما تقول -طبعاً مش تقرأ القرآن تقول لشخص- «وجعلوا لله»، فأنت تفزع لله، ماذا؟ شركاء الجن! وتفضيع وتهييب في الاستنكار، ولا أدري كيف لم يتطرق، لم يذكرها عبد القاهر، يعني مع أنها شديدة الأثر جداً، ربما أكثر من تقديم «شركاء» و«جعلوا»، بل يتم بها تقديم «شركاء» و«جعلوا لله شركاء الجن». «الجن» جاءت خفيفة آخر شيء، كأنه يقول الفظاعة الكبرى أن تجعل لله شريكاً، بعد ذلك تكون الجن تكون عفاريت، تكون الإنس، تكون بتوع الهند، معبود الهند، الهند بيعبدوا أي حاجة خلاص، لا لا، يفتر كله بعد الله واحد، كله بعد الله يتساوى، «وجعلوا لله» الله يكون له شريك، «وجعلوا لله شركاء الجن».
قال: «وإذا كان التقدير في شركاء أنه مفعول أول، ولله في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء لله تعالى على الإطلاق من غير اختصاص شيء دون شيء». نعم، وحصل من ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار دخول اتخاذه من الجن، لأن الصفة التي هي الشراكة، «شركاء»، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء، طبعاً وإذا قدم كان مجرداً، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة على شيء غير مجراة على شيء، كان الذي تعلق بها من النفي عاماً في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة.
فإذا قلت -انتبهوا يا إخوة هذه من زلات قلم محمود شاكر في ترتيب فقرات الكتاب- نعم، كان ينبغي ما يقول أيوب، كان ذكر الجن مخصوص للمقام فقط مع أن الأصل استنكار، نعم له طبعاً البيان والبلاغة في موضعه. أقول هذه يا إخوة من زلات قلم محمود شاكر، لأنه كان ينبغي أن يصل الكلام، وأن لا يبدأ به فقرة جديدة. نعم، والفقرة الجديدة فتبدأ من كلمة... من بعد كلمة «حكم النفي» في السطر الثاني من الفقرة التي أتى بها محمود شاكر. انتبهوا، إذ محمود شاكر رحمه الله حصل منه سهو كثير وتقدير غير مصيب كثير في ترتيبه في قراءة الكتاب، حصل منه ترتيب أو حصل منه سهو كثير في مواضع الترتيب وبداية الفقرات، نعم، خالف الصواب فيها كثيراً.
«كان الذي تعلق بها من النفي عاماً في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة»، فإذا قلت «ما في الدار كريم»، كنت نفيت الكينونة، انظر، لا معنى لأن يفصلها تحت، ثم أن يصل بها الكلام بعدها، وإذا أخر فكذا، لا، كان ينبغي أن يفصل هذا، هذا الأصوب في الفصل، وكان يمكن أن يصل الجميع، لكن إذا أراد أن يفصل، صله، فصل بعد.
كلمة حكم النفي كما سيأتي؛ قال: «إذا قلت ما في الدار كريم، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون الكرم صفة له، وحكم النفي حكم الإنكار أبداً».
حكم النفي: «ما في الدار كريم»؛ ها هو يقول: إذا ذكرت الصفة مجردة غير مجراة على شيء كان الذي تعلق بها من النفي عاماً في كل ما يجوز أن تكون له تلك الدار أو تلك الصفة، فإذا قلت ما في الدار كريم، كنت نفيت الكينونة في الدار عن كل من يكون الكرم صفة له، وحكم النفي حكم الإنكار أبداً.
﴿وَجَعَلُوا الْجِنَّ شُرَكَاءَ لَهُ﴾؛ كان الجن مفعولاً أول، والشركاء مفعولاً ثانياً. انتبه، لاحظ عبد القاهر صار غارقاً داخلاً في سياق المعنى البلاغي، فصار يتكلم عن التقدير البلاغي كالوجه الإعرابي كأنه الأصل، وإلا فالإعراب في الآية هو أن الجن مفعول به أول حتى لو أُخّر، هو صار الأصل البلاغي عنده أو الصورة البلاغية عنده صارت أصلاً.
فقال: لو قلنا «وجعلوا الجن شركاء لله»، كان الجن مفعولاً أولاً فعلاً في الحالين، خلاص كان الجن مفعولاً أول والشركاء مفعولاً ثانياً. وإذا كان كذلك، لكن هو صار يتكلم في التقدير البلاغي، ففي البلاغة هنا ستكون مفعولاً أولاً ومفعولاً ثانياً؛ الجن مفعول أول والشركاء مفعول ثاني.
وإذا كان كذلك، كان الشركاء مخصوصاً غير مطلق، يعني مخصوصاً بكونه بالجن، لم يصبح كـ «ما في الدار كريم» دون تقييد. كان الشركاء مخصوصاً غير مطلق من حيث كان محالاً أن يُجرى خبراً على الجن ثم يكون عاماً فيهم وفي غيرهم؛ «وجعلوا الجن شركاء لله» خلاص، محال الكلام على الجن أن يكون الشركاء مذمومون، أو من جعلوا ذلك مذمومون لأنهم جعلوا الجن.
من حيث كان محالاً أن يُجرى خبراً على الجن ثم يكون عاماً فيهم وفي غيرهم، وإذا كان كذلك، احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى الجن خصوصاً، هو صار النص محتملاً مقصوراً على هذا. وإذا كان كذلك، احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى الجن خصوصاً أن يكونوا شركاء دون غيرهم، جلّ الله تعالى عن أن يكون له شريك وشبيه.
فانظر الآن يا سيدي عبد القاهر إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدّم الشركاء واعتبره، فإنه ينبهك لكثير من الأمور ويدلك على عظم شأن النظم، وتعلم به كيف يكون الإيجاز وما صورته. ماذا دخل الإيجاز هنا؟ إنك لم تغير غير الإعراب، لم تزد في الكلمات، لم تأتِ بآية لفظة زائدة، فقط غيرت الأماكن بنفس مساحة السطر، غيرت الأماكن بنفس عدد الكلمات بأعيان الكلمات، زدت من المعنى جداً.
صار الآن الإنكار على الجن وغير الجن، وصار هناك تهييب؛ لا أدري لماذا، ربما سهى رضي الله عنه عن هذا، كان خطيراً، وكان سيؤكده، لكن أظن أنه كان بباله، ولكنه لما أفاض في موضع المفعول الأول والمفعول الثاني، أنساه ذلك. لما قدمنا متعلق المفعول الثاني على المفعول الأول، وأخر المفعول الأول إلى آخر الكلام، لما قدم ذلك صار النص فيه تهييب واستنكار وتعظيم، وجعل لله فيه تبشيع شركاء الجن؛ كل هذا حصل بنفس الكلمات، فقد تغيرت أماكنها.
قال: «وتعلم به كيف يكون الإيجاز وما صور الإيجاز به وما صورته بالنظم، وكيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ». ها هو، وكيف يزاد في المعنى؟ عبد الحق يقول: ربما رآه أظهر. هو ظاهر، لكن هو لا يقف عند المعرفة، هو يريد تهييبك، وإذا هيبك بتقديم شركاء، كان أولى أن يهيبك شديداً بتقديم المتعلق بالمفعول الثاني أصلاً، الذي صار مفعولك في موضع المفعول الأول أو كأنه المفعول الأول، وقدم عليه المتعلق به الجر والمجرور.
قال: «وكيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ، إذ قد ترى ليس إلا تقديم وتأخير فقط». إذ قد ترى، قد هنا التحقيقية؛ «قد يعلم الله»، «قد يبلغ المجد المؤثل أمثالي»، هذه «قد» هنا التحقيقية، ليست «قد» التوقعية. إذ قد ترى أن ليس إلا تقديم وتأخير، وأنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى ما حصل لك، مع تركه لم يحصل لك، واحتجت إلى أن تستأنف له كلاماً نحو أن تقول: «وجعلوا الجن شركاء لله، وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم».
هذا ذكرني بأشعار تذكرونه، أشعار الخطابيين البعثيين، والله هو نفس الكلام هذا؛ «وجعلوا الجن شركاء لله، وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم». يقول عبد القاهر: «ثم لا يكون له، إذا عُقل من كلامين، من الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس ما تجده له الآن».
وهنا يا إخوة، انتبهوا إلى ما سأقول جيداً عند هذا الموضع؛ لأنه قاله في عبارة طويلة، وقال: «ليس له من الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس» إلى آخره. هذا هو الفارق بين المعنى الفني في النص الأدبي، وبين المعنى الفني في النص الشارح له. هو يظل فنياً، ركزوا في الكلام، هذه العبارة خطيرة التي أقولها الآن: هو يظل فنياً ما بقي على تخلقه الفني، يظل فنياً ما بقي على تخلقه الفني.
فإذا شرحته، هو لم يصر هو، وإنما تحول إلى معنى مجرد خلاص، وعادة ستشرحه في كلام أطول، فتتحول أجزاؤه ومضمراته الفنية إلى معانٍ صريحة متراصة، الغرض منها أن تشرح النص الأول. كأنك تشرح المجاز مثلاً، فليس أن تسمع المجاز أن تشرح المجاز، أنت خلاص فسد المجاز. لكن أن تسمع المجاز وأن تشرح الاستعارة، ليس أن تسمع الاستعارة خلاص، وأن تسمع التشبيه البليغ، ليس أن تشرح التشبيه البليغ.
انتبه إلى هذا الكلام الخطير، مهم؛ لأن هذا مما قد يورد عليه احتجاج، يقول لك: «ألم تشرح الكلام البليغ الذي كذا؟» فتقول: «شرحناه فقط». وهنا يأتي سؤال، وإن كنت سأعرض له في مرحلة متقدمة، يعني آتيه من الكتاب إن شاء الله، وهو: ما سر هذه المتعة؟ لما تشرح لي بيتاً وأجدني بعد ذلك سعيداً منتشياً بشرحك؟ لا، أنت واهم، لم تنتبه، أنت لست سعيداً بشرحي، أنت...
سعيد لأنك صرت تأخذ مني المعاني وتقيسها على البيت، وكلما استنار لك المعنى في البيت بالشرح استنار لك البيت وتم لك البيت، فأنت مبهور بأخذ المعنى من البيت.
ولو أن شرحي ليس الدليل على ذلك؛ إن شرحي هذا لو لم أكن أشرح به البيت وجئتك به ابتداءً لم تنبهر هذا الانبهار، أنت انبهرت لأنك دون أن تشعر -وأنا أشرح لك أيها المشبه- علينا الآتي بالشبه. أنت تستمتع أو غيرك يستمتع بالشرح وأنا أشرح البيت؛ لأنه دون أن يشعر يقيس المعاني على نص البيت، فينبهر من دلالة البيت على المعاني المشروحة في الكلام الطويل.
أما إذا لم أكن أشرح البيت وجئتك بالمعاني ابتداءً مبيناً بهذا النص ما كنت لتنبهر. ركزوا في هذا، كهذا من الدقائق يا إخوة، ونختم بهذه الدقيقة، وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد