بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الأول بعد الأربعين من مجالسنا المباركة بحمد الله تعالى وبتوفيقه، في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» لإمام البلاغيين الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى. توقفنا أيها الإخوة في الفقرة التي بعد الثلاثمائة في الصفحة الثانية بعد المائتين، وذلك في معرض البيان عن صعوبة هذا الباب، وقلنا إنه عرض لثلاثة أمثلة.
نحن الآن في المثال الثالث. المثال الأول الذي يدل على عسر هذا الباب، القصة التي حكاها عن زيارته للأعشى مع أستاذيه خلف الأحمر وأبي عمرو بن العلاء، لما قال: «بكر صاحبي قبل الهجير، إن ذاك النجاح في التبكير»، فقال له خلف الأحمر: «لو قلنا بكراً فالنجاح في التبكير»، فقال: «إنما بنيتها إعرابية بدوية، فلو قلت بكراً فالنجاح في التبكير كانت حضرية ومن كلام المولدين، ولا يشبه الغرض الذي بنيت لأجله القصيدة»، فقام خلف فقبل بين عينيه، أي بين عيني بشار.
والمثال الثاني الذي عرضناه له هو مثال ذي الرمة لما قال: «إذا غير الناي المحبين، لم يكد رسيس الهوى من حب ميت يبرح». ففي المثال الأول، بين كيف الدقة التي وقف عليها بشار وخفيت عن مثل خلف الأحمر وأبي عمرو بن العلاء على علمهما وتقدمهما. وأما في هذا المثال الثاني، فقال: انظر كيف أن ابن شبرمة، على علمه وعلى تقدم زمانه، فهم فهماً غير صحيح، بل الأدهى من ذلك أن ذي الرمة خُدع بذلك ورجع عما قاله صواباً في الأول؛ لأنهما حملا قوله: «لم يكد رسيس الهوى من حب ميت يبرح» على أنه قد برح.
لماذا؟ لما جرى في كلام الناس واعتادوه أن يقول الشخص: «لم يكد يفعل ذلك»، أنه فعل ذلك، ويأخذون من ذلك وجهاً من القرآن لا ينتبهون إلى القرينة التي فيه، وهو قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71]. فأخذوا من قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ هذا الاستعمال؛ أنك تقول: «ما كاد يفعل كذا»، أي «ما كاد يفعل كذا» أنه قد فعل، له، مع أن الآية فيها قرينة على الفعل: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾.
ولو لم تأتِ جملة ﴿فَذَبَحُوهَا﴾، لكان الكلام أنهم ما فعلوا، لأن «كاد» بمعنى اقترب، و«لم يكد» بمعنى لم يقترب. فلو قال تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني ما اقتربوا من الفعل. وأما قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، ليس معناه كما نفهم الآن بسبب العرف الخطأ الذي أخذناه خطأً من الآية، أو ربما من الاستعمال العام -وليس من شرط أن يكون من الآية خطأ في الاستعمال، وقد يكون استشهاداً بالآية في غير موضع استشهاد- خلاص، لفهمنا نحن ماذا؟ أنه يرى يده، مع أن الدلالة في الآية أنه لا يرى يده كما يقول المفسرون، أي لا يقترب أن يراها.
وقال حتى أبو القاهر نبه إلى أنك ترى المفسرين يقولون: «لم يرَ يده ولم يكد يراها»، يعني لم يقترب أن يراها. قال: تنبيهاً، وهذا يدل على أن الخطأ سرى في الناس بسبب ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، تنبيهاً إلى اختلاف هذا الموضع عن الموضع في قوله تعالى ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لقيام القرينة هناك، وأما هنا فهم لا يرونها أصلاً، ولهذا يقدمون النفي، يقولون: «لم يرها ولم يقترب من رؤيتها».
فكذلك هنا ذو الرمة على طبيعته قال: «إذا غير الناي المحبين، لم يكد رسيس الهوى من حب ميت يبرح»، يعني لم يقترب رسيس الهوى أن يبرح من حب ميت. فقال له ابن شبرمة -وعرفتم أنه عبد الله بن شبرمة فقيه العراق وقاضي الكوفة، وكان من معاصري أبي حنيفة ومن تلامذة إبراهيم النخعي الذي هو أستاذ حماد بن أبي سليمان الذي هو أستاذ أبي حنيفة، وكان محدثاً فقيهاً وحدث عن أنس بن مالك وعامر الشعبي، يعني الرجل حدث عن جيل السلف- لما سمع هذا قال: «يا غيلان، أراه قد برح»، فشنق ذو الرمة ناقته وتأخر بها يفكر، فغير البيت إلى: «إذا غير الناي المحبين، لم أجد رسيس الهوى من حب ميت يبرح»، حتى قال: «من هو أعلم منه في الشعر؟».
أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة ما أنكر، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة. وللأسف الشديد، ضعف الشعر أو ضعف العلم بالشعر من قديم، أو يظهر أثر شيء من ضعف العلم في الشعر مهما كان قدره، يظهر أثره عند الإذعان لكلام من هم ليسوا علماء في الشعر؛ فرق بين عالم الشعر وعالم غيره من هم ليسوا من العلماء في الشعر، فيخطئون في مثل هذا ولو كانوا أئمة. وللأسف أجد من يتعصب لأئمة الفقه حتى يقدمهم في القول في الشعر ونحو ذلك. نعم، من هو أعلم منه وإن لم يكن أشهر منه، لكنه أعلم بالشعر. قال: أخطأ، وفسرنا ذلك وانتهينا منه بحمد الله تعالى.
وعليكم السلام يا قحطان ورحمة الله وبركاته. أنت قلت معتذراً عندك عمل اليوم أو دعوة، إياك أن تكون تركت الدعوة، سمعت أنها لا ترد، تركتها لأجل الدرس؟ لا أخفيك، هذا حسن، الحمد لله أسعدتني. جميل، وهو أيضاً قح عقيل ترك لأجل الدرس أيضاً وأسعدني هكذا، أخبره.
وهذا أعزكم الله يا سيدي، هذا نحن الذي فيه مثال ثالث، وهو قول... طبعاً أنا أربط الكلام حتى نجمعه، ثم بعد ذلك بعد الانتهاء من هذا الفصل والدخول في فصل جديد، سنرجع نربط السياق من أقرب موضع في الكتاب، سنرجع بضع عشرة من الصفحات. نعم، قال في هذا المثال الثالث الذي يدل على عسر هذا الباب، قال: كلهم الجميع أنكروا عليه لما قال لأبي النجم: «قد أصْبَحَتْ أم الخيارِ، تدعي عليَّ ذنباً كله لم أصنعي»، فقال: لماذا قال: «كله لم أصنعي»؟ ودخل في ضرورة وما كان.
يحتاج إليها، لأنه لو قال: «كله لم أصنعي» لم يغير من الوزن شيئًا. فعبد القاهر يقول: هم يحسبون الوجهين على معنى واحد، لو قال: «كله لم أصنعي» وكله لم أصنعي. وشرحنا الفرق بين دخول عمل الفعل في «كل» وبين عدم عمل الفعل في «كل»، وسينبه إلى أن المقصود ليس عمل الفعل، بل الضابط هو النفي، وشرحنا هذا أمس، لا أريد الإطالة فيه لأنه استغرق صفحات منا، ولكن أريد أن أقول -وهذا سيكون متصلاً بذهن من كان في مجلس أمس- الفكرة هنا هي على النفي.
النفي، إن دخل النفي على «كل» فهو لخصوص «كل»، لا للأصل من جذره، لا للجميع، يعني لخصوص الشمول؛ لخصوص الشمول لا يشمل كل الأفراد خلاص، لا يشمل الأفراد واحدًا واحدًا، وإنما هو للشمول. وإن خرج النفي عن «كل»، إن خرج النفي عن «كل» ودخل في غيره، بقي «كل» على حاله فيُسند إليه ما بعده، وتنتفي كل الأفراد.
نعم، مثلًا الصورة الأولى، نرجع إلى البيت: «قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبًا كله لم أصنعي». السؤال بنعم أو لا يا عقيل، اختبار لأنه لم يكن حاضرًا معنا أمس: «كله لم أصنعي»، هل النفي دخل على «كل» في هذا البيت؟ هل النفي دخل على «كل»؟ هل «كل» دخلت في حيز النفي في عمل النفي؟ هل باشرها؟
نعم، لم يباشرها. إنما الذي عمل في «كل» هو ماذا؟ الذي عمل في «كل» هو الفعل، صح، كأنه قال: «لم أصنع كله»، هناك تقدير قديم فقط حصل. مولانا، هذا إذا قرأنا بالنص، لو قرأنا... نعم معذرة، صحيح هو طبعًا دخل هنا على ضمير يعود عليه.
طيب، لو قلنا بالنصب: «قال كله لم أصنعي»، كأنه قال: «لم أصنع كله»، التقديم والتأخير هنا في جذر المعنى لا يؤثر. فقال لو قال: «كله لم أصنعي»، «لم أصنع كله»، هل دخل «كل» في حيز النفي؟ نعم، أحسنت، دخل في حيز النفي، هذا هو الضابط. إذًا لو قلنا «كله»، هذا بداية الكلام، هذا تأسيس الكلام، هذا ما سيسند إليه.
فصلنا «كله» خلاص، فصلنا «كله». طبعًا أنا في الأول قلت على الإعراب، في الثاني على الحكاية. فصلنا «كله»، ثم أسندنا إليه عبارة نفي «كله لم أصنعي». إذًا النفي سيعم كل الأفراد ولن يقف على إطار الشمول فقط. لكن لو قلنا: «لم أصنع كله»، هنا باشر النفي ماذا؟ باشر الكل، وكونه هنا مع الفعل سينبه إليه عبد القاهر، هو باشر الكل خلاص.
أنت يمكنك أن تقول: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه»، ما كله، لكن قد يدرك بعضه. صح، ما كله يدركه لكن يدرك بعضه. لكن لو قال المتنبي أو غيره: «كل ما يتمنى المرء ليس يدركه»، فالمرء هنا لن يدرك أي شيء. لكن لما قال: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه»، إذًا يدرك بعض الشيء.
فالضابط هنا ما سيذكره عبد القاهر هو دخول «كل» في حيز النفي، فيتسلط النفي على خصوص الشمول. وخروج «كل» عن حيز النفي، فإذا خرجت «كل» عن حيز النفي سيعمل النفي وحده ويتسلط على معنى «كل»، فينفي كل شيء، كل الأفراد. لكن لما يدخل النفي على «كل»، فسينفي فقط الشمول ولن ينفي الأفراد.
تذكرها ببيت المتنبي، أنا أفضل هنا بيت المتنبي حتى يخرج لك، لأن كل الأمثلة التي مرت فيها معنى الفعل سيخرج لك عمل الفعل خلاص. ليس هناك فعل، «ما كل ما يتمنى المرء يدركه»، ما كله، نافيه و«كله» هي الموضوع. «ما كل ما يتمنى المرء يدركه».
إذا أردت أن تتصور العكس: «كل ما يتمنى المرء لا يدركه»، لا يدركه، ليس يدركه، لن يدركه، أي شيء، المهم النفي عزل عن «كل». ما الفرق؟ الفرق أنك لما قلت: «كل ما يتمنى المرء ليس يدركه» أو «ما يدركه» أو «لا يدركه» أو «لن يدركه»، أنت لم تباشر «كل» بالنفي، وإنما جعلتها مسندًا إليه، وأسندت إلى هذا الكل المعنى الذي فيه النفي. ولما سلطت النفي على «كل» مباشرة ودخلت «كل» في حيز النفي، صار المخصوص بذلك هو حد الشمول فقط، وصار لكل أضداد يمكن أن يثبت لها الأمر، ولا ينفع هذه الأضداد هي بعض الأفراد.
«ما كل» ولكن «بعض». لك أن تقول: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه لكن يدرك البعض»، صح الكلام. لكن لو قلت: «كل ما يتمنى المرء ليس يدركه لكن يدرك البعض»، كلام متناقض، محال. «كل ما يتمنى المرء ليس يدركه لكن يدرك البعض»، كلام فارغ، ليس كلامًا أصلاً، غلط في أصله. لكن لو قلت: «ما كل ما يتمنى المرء يدركه لكن يدرك البعض»، صح الكلام. الفرق في دخول «كل» في حيز النفي وخروجها من حيز النفي.
وقفنا عند المثال في الحديث النبوي. قال: ومن البيان في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين، حين قال للنبي ﷺ: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟»، فقال ﷺ: «كل ذلك لم يكن». يعني النبي ﷺ يقول له لم أنسَ ولم تقصر الصلاة. فقال ذو اليدين: «بعض ذلك قد كان»، يعني نسيت يا رسول الله ﷺ. قال المعنى لا محالة، تقصد رده يا عقيل؟ صح.
أنا أيضًا هذا، أنا خشيت أن يكون حجة لبعض الذين فيهم غلظة في الكلام، يعني هذا خطأ، هذا مقام نبوي. فقال ذو اليدين: «بعض ذلك قد كان»، لا، شوف الجفاء في العبارة، والقصر في العبارة. «بعض» وقد تكون حكاية للقول، والكلام كان لطيفًا رقيقًا، الله أعلم بما كان.
فقال ذو اليدين: «بعض ذلك قد كان»، المعنى لا محالة على نفي الأمرين جميعًا، وعلى أنه عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما، لا القصر ولا النسيان. ولو قيل: «لم يكن كل ذلك»، لكان المعنى أنه قد كان بعضه خلاص. لو رجعنا إلى البيت، بيت أبي النجم يقول: «كله لم أصنعي»، ولو قال: «كله لم أصنعي» يعني «لم أصنع كله»، يكون قد دخل «كل» في حيز النفي، فإذاً قد يثبت البعض، هكذا فهموا أنه لا فرق بين «كل» و«كل»، فقالوا هنا ارتكب ضرورة دون أن يشعر بها، قال: أو دون حاجة. واعلم أنه...
يقول: واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في كل نحو لم يأتني القوم كلهم؛ لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في كل نحو لم يأتني القوم كلهم، ولم أرَ القوم كلهم على أن الفعل قد كان من البعض ووقع على البعض، قلت: لم يأتني القوم كلهم ولكن أتاني بعضهم.
أهو؟ واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في كل الأمثلة التي مرت وسأنبهك لماذا هنا مع إعمال الفعل المنفي في كل نحو، "لم يأتني القوم كلهم" و"لم أرَ القوم كلهم" على أن الفعل قد كان من البعض ووقع على البعض، قلت: أهو؟ هذا جوابه: لما كان المعنى كذا قلت: لم يأتني القوم كلهم ولكن أتاني بعضهم، ولم أرَ القوم كلهم ولكن رأيت بعضهم؛ فأثبت بعد ما نفيت، كالذي مر في الفقرة السادسة بعد الـ 20 والـ 300.
واعلم أنه يلزم من شك في هذا فتوهم أنه يجوز أن تقول: "لم أرَ القوم كلهم" على أنك لم ترَ واحداً منهم، أن تجري النهي هذا المجرى فتقول: "لا تضرب القوم كلهم" على معنى "لا تضرب واحداً منهم"، وأن تقول: "لا تضرب الرجلين كليهما" على معنى "لا تضرب واحداً منهما". فإذا قال ذلك لزمه أن يحيل قول الناس: "لا تضربهما معاً، ولكن اضرب أحدهما ولا تأخذهما معاً، ولكن واحداً منهما"، وكفى بذلك فساداً.
نفس الأمر هنا أسسه، قال: ولا يكون ذلك مع رفع "كل" بالابتداء؛ فلو قلت: "كلهم لم يأتني ولكن أتاني بعضهم"، وكل ذلك لم يكن، ولكن كان بعض ذلك لم يجز؛ لأنه يؤدي إلى التناقض، وهو أن تقول: "لم يأتني واحد منهم ولكن أتاني بعضهم".
واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل وترك إعماله على الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر؛ الضابط الذي بدأت لكم الكلام به، وهو دخول "كل" في حيز النفي، دخول "كل" في حيز النفي، بدأت بالشرح به، وأن لا يدخل فيه.
إذاً عبد القاهر هنا يلفت نظر المعترضين على بيت أبي النجم، أن الأمر ليس في إعمال الفعل بذاته، وإن قصر النظر على ذلك خطأ. يقول: ليس الأمر بالفعل أعمل أو لم يعمل حتى يقول "كله" أو "كله ليس"، الأمر ليس في هذا، وإنما الأمر يرجع إلى المعنى الذي يحكمه السياق؛ أنت أيها الشاعر في سياق كلامك ومعناك ومنطق الكلام، ستدخل كل الأفراد في حيز النفي أم ستخرجها من حيز النفي؟ ستدخل "كل" أو كلمة "كل" ليس كل الأفراد، هذا يشتبه؛ ستدخل "كل" في حيز النفي أم تخرجها من حيز النفي؟ هذا هو.
السؤال: النصب أو الرفع؟ هل هو سؤال لكم؟ يا أيوب، الرفع أو النصب، هل واحد منهما خطأ من جهة النحو؟ "كلهم لم أصنعي" أو "كله لم أصنعي"، يا مولانا، ليس خطأ.
إذا كان الوجهان في النحو ليس خطأ، أو ليس واحد منهما خطأ، فما الذي به جزم عبد القاهر بخطأ من خطأ أبي النجم، أو بخطأ من استدرك عليه بأنه ارتكب ظهورا دون حاجة؟ بأي وجه خطأ؟
أسامة يقول: المعنى لن يستقيم في البيت. نعم يا قحطان، لماذا خطأهم عبد القاهر؟ أسامة يقول: المعنى خطأ، إذاً نستطيع أن نقول: "منطق المعنى في البيت". ومن هنا يظهر عمل الشاعر؛ يعني هو لما يأتي النحوي يعترض على الشاعر، بماذا سيعترض النحوي؟ هل النحوي الأصل فيه أنه سيخطئ خطأ نحوياً؟ هو لا، وإنما سيخطئه في المعنى، فالأمر سيرجع إلى المعنى.
فالشاعر الذي يقول: "قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنباً"، لو قال: "كله لم أصنعي"، يعني لم أصنع كله، الكلام سقط. فأحياناً يكون سقوط الوجه الآخر وعدم التئامه في السياق مع المعنى هو الذي يجعلنا نذهب إلى المعنى الآخر، وهذا من دقيق الشعر؛ لأنه ليس كل ما يحتمل من جهة الأصل يكون وجهاً يقال في الشاعر.
عنده هذا مشترك، وقد أخطأ الشراح جميعاً في تفسير قول امرئ القيس، كل ما في الشروح الموجودة بين أيدينا تفسيرهم في ذلك لغط وباطل، في قول امرئ القيس: «فعاد عداءً بين ثور ونعجة دراكا، ولم ينضح بماء فيغسلى». ودخلوا في ذلك من ظلمة إلى ظلمة، ومن باطل إلى باطل؛ لأنهم غرهم استعمال كلمة "عدا" بمعنى الموالاة، غرهم استعمال كلمة "عدا" في الشعر بمعنى الموالاة، وأنا عجبت كيف لم يتدبروا الشعر هنا، وكان همهم في اللغة؛ غرهم أن ذكر لفظ "عدا" بمعنى والى، دون أن يقطع، أو "عاد بين كذا وكذا".
"عاد بين ثور ونعجة"؛ كلمة "عاد" بمعنى "والى"، فغرهم ذلك فوقعوا في تفسير باطل وإن كان النحو لا يأباه، لكن الشعر يأباه. لما قالوا: "عاد عداءً" بمعنى والى موالاه، ثم قالوا: "دراكا" بمعنى تتابعا، يعني فعل ذلك ولم ينقطع، فما الذي زاده في أصل جذر المعنى؟ ما الذي يزيده معنى الموالاة ليؤكد في "عاد" بمعنى والى؟ ما الذي فيها لو قلت: "فعاد بين ثور ونعجة"؟ فهذا أمر متأتٍ لا يحتاج إلى تأكيد لعدم تطرق المجاز إليه، ليس هو من الأشياء التي تأخذ رتباً.
مقام الشتم في مقام الشتم، أو ينزل منزلة الشتم، لكن لا شتمه شتماً؛ قذفه قذفاً. لو قلت قذفه يحتمل ماذا؟ يحتمل أنه قال شيئاً، أو قد يقول أو يلمح فيه بالقذف، لكن قذفه قذفاً يعني استوجب الحد. رفعت المجاز خلاص.
ضربته ضرباً يحتمل هنا أن يكون ضرباً حقيقياً، ويحتمل أن تريد صفة المصدر. فالأشياء التي يأتي فيها المصدر وهي لا تحتمل التأكيد، يُقدر فيها الصفة. الأشياء التي لا تحتمل التأكيد لوقوعها دون عجب ودون استنكار ودون بعد ودون احتمالات، تبادر ولا يحتاج فيها إلى تأكيد.
فلما تقول في الشعر: «وإلى عاد»، يعني بمعنى وإلى وإلى موالاه، عاد عداء بمعنى وإلى موالاه. مررنا بهذا التأكيد؛ ما معنى الحال التي أخرت: «دراكا»؟ تراهم جميعاً يقولون «دراكا» بمعنى تتابعاً. لم تدخل في «وإلى» أو «وإلى موالاه عداء»، ثم «دراكا» تتابعاً، ثم يقول لك: «ولم ينضح بماء فيغسلي».
اجلس هكذا وشاهد التخرص واللغط واللغو الذي في الكتب في هذا؛ فبعضهم يقول إن بعضهم شعر بالغرابة، قال: «ولم ينضح بماء فيغسلي»، يعني لم ينضح بماء، لم يشرّح بالماء فيُغسل لما يرجعون به إلى البيت. وبعضهم قال -وطبعاً معروف أن الغسل غير الإصابة والرشح حتى في الفقه، يقول: المسح إصابة والغسل- ولهذا مثلاً عندنا في المذهب الحنفي لا نمسح الرأس أو أماكن المسح ثلاث مرات، الرأس نمسحه مرة واحدة؛ لأنه عندنا نقول إذا مسح ثلاث مرات صارت إسالة، فانقلب من مسح إلى غسل، يعني أن تأخذ الماء وتمسح، ثم تأخذ وتمسح، ثم تأخذ وتمسح، صار غسلاً وسيكون إسالة، فحتى يظل مسحاً -وهو الإصابة- سيكون مرة واحدة.
هذا شاهد على قضية الفرق بين الإصابة أو الرشح إذا حصل، وبين الغسل؛ فالغسل للإسالة. فقال: «فلم يغسل»، بعضهم قال: وهذا الصواب في ذاته، «لم ينضح بماء فيغسلي»، يعني لم ينضح بماء فيغسل، يعني لم يعرق في الأول عرقاً خفيفاً ثم يسيل منه العرق ويتقاطر. فقالوا يريد من ذلك أنه لم يعرق أدنى العرق، لو كان كما تقولون لاكتفي بقوله: «ولم ينضح بماء» ولم يرشح بماء، وانتهينا، ولم يتندَّ، وسينتفي منه الإسالة بالمقام الأول. فهو غرهم؛ هنا نظروا فقط إلى اللغة ولم ينطلقوا من البيت ومعناه.
كما النحاة أيضاً هنا الذين أُخذ عليهم عبد القاهر، انطلقوا من الاحتمالات اللغوية وخطأوا الشاعر ولم ينظروا إلى قرب المعنى أصلاً، المعنى القريب جداً، ولم ينتبهوا إلى الفرق بينهما. فلو رجعت إلى بيت امرئ القيس سترى أن «عاد عداءً» أيضاً هي مبالغة من «عدا عداءً»، وإن «عدا عداءً» إذا أطلقتها مبالغة، أو «عاد عداءً» إذا أطلقتها من المبالغة، من عاد من العدو الشديد أو العدو الطويل، فقلت: «فعاد عداءً» ووقفت على أنها كلام تام، فيكون المراد هنا الصفة التي في المصدر، وكأنه قال: «فعاد عداءً طويلاً».
«فعاد عداءً ثم قال بين ثور ونعجة»، وهذه كناية على عدم التمييز؛ لأنهم قد كانوا يصيدون النعاج، بدليل أنه قال: «فمر فعن لنا سرب كان نعاجه عذارى دوار في الملاء المذيل»، ففيها امتلاء، وفيها تبختر، وفيها نصاعة، أما هو فكان صيده عنيفاً غير مميز، لا يقف ليميز في الطرائد، فقال: «فعاد عداءً» يعني عدا عداءً طويلاً بين ثور ونعجة.
وهنا يظهر فائدة من قوله «دراكا»، شوف التنبيه: «دراكا» يأتي بها وحدها حالاً مؤخرة هكذا: «فعاد عداءً بين ثور ونعجة دراكا»، كأنه سُئل عن حاله في ذلك فقال: «كان ذلك دراكا». هذا التقدير على لغة عبد القاهر، ستمر معنا في الفصل التالي؛ يقال كأنه قدر الكلام قدر سؤال «دراكا»، كأنه قال على شرط فعل ذلك دراكا، يعني عاد عداءً طويلاً. ولا يغرنا هنا أن «عاد» جاءت في بعض الشعر بمعنى «وإلى»، «فعاد عداءً».
ومن هنا -والله لا أقول كسر مفصل البلاغة بل اختفت البلاغة أصلاً، هو قتل البلاغة وصار هو البلاغة والبيان- «فعاد عداءً بين ثور ونعجة». انظر هنا الإطالة التي كانت في هذا: «فعاد عداءً طويلاً بين ثور ونعجة دراكا»، يعني لم يتوقف، لم يراقب، ظل يجري من هنا إلى هنا في هذا الطول، ثم عرض بالخيل الأخرى وفصله عن غيرها، ولم ينضح بماء كما يحصل في أول هذا، فيغسلي كما يحصل لمن جرى جريه أو عاد عداءه ولم ينضح بماء فيغسلي.
فهنا ظهرت فائدة من ذكر الغسل بعد النضح، وظهرت فائدة من ذكر عداء، وظهرت فائدة من ذكر دراكا، وظهرت فائدة للمصدر الذي هو عداء. لو بقينا في المشكلات: «فعاد عداءً وإلى موالاه»، حقاً الموالاة -يعني موالاه من أحسن نوع موالاة- «فعاد عداءً ولا موالاه بين ثور ونعجة». أنت لم تبين أنها طويلة، لو عاديت بين أربعة من الطرائد أو من الثيرات هذا ليس طويلاً، ولن يفيد قولك فيه «دراكا»، فضلاً عن أن «دراكا» أصل معناها حاصل في «وإلى» التي بمعنى «عاد»، فلماذا أخرته ولماذا أعطيته المكانة البيانية التي يُقدّر فيها السؤال حتى إنك أخرتها؟
هذا التأخير واضح، لكن لو قلت: «عاد عداءً»، أشرت بذلك إلى كثرة الصيد، فعاد عداءً كثيراً طويلاً بين ثور ونعجة، يعني لم يميز، ظل لا ينظر ولا يميز لأنه يقتضي الوقوف، ثم قلت «دراكا»، يعني قد يتوهم أنه كان يأخذ راحة أو كأنه يناور وينظر ثم ينطلق، لا، ظل يجري لم يتوقف، «فعاد عداءً طويلاً بين ثور ونعجة دراكا» لم يتوقف.
وهنا يأتي بعد «دراكا» و«لم ينضح بماء»، ولهذا وصلها بالواو، الفصل والوصل: «دراكا ولم ينضح بماء فيغسلي». لن أتصور علة لذكر السيلان بعد هذا إلا إذا كان البيت من الأول فيه دلالة على حركة طويلة ممتدة تؤول به أولاً إلى النضح ثم تؤول إلى الغسل، أو هو نزول الماء من تقاطر الماء من جسده؛ لا نتصور أن يتقاطر الماء من الجسد بمعنى أن يسيل ويظل يقطر من الحصان ويسمى المغسول، يظل يقطر من الحصان هكذا إلا إذا كان في الكلام دلالة على امتداد طويل. ولو قلنا «عاد» بمعنى «وإلى» لم يدل على ذلك، ولا «دراكا» يدل على ذلك؛ لأنه لا يساوي أكثر من أنه وصل بين هذا وذاك. ثم معنى «دراكا» على هذا المعنى حاصل في معنى «عداء» بمعنى الموالاة؛ لأن «دراكا» بمعنى تداركه.
هذا وأنت قلت عداءً والعداء والموالاة؛ فعاد عداءً طويلاً، وهنا عداء سيقدر فيها الصفة المفهومة؛ لأنه لن يكون هناك فائدة للمصدر إلا بصفة مكتومة فيه. فعدا عداءً بين ثور ونعجة دراكا، ولم ينضح بماء فيسلي.
انظر الشاهد على هذا، فظل طهاة اللحم. تذكرون لما كلمتكم في امرئ القيس على أنه يكتم المعاني في الكلمات المطبوعة، فتغتر أنت بسطحها فلا تنتبه لما قيل: «قف نبكي من ذكرى حبيب وكيف نبكي». هنا ضمنت معنى النوح وحكاية الذكرى وأنه يبكي معها بما يشجيه من الحكاية. إنه لو قال: «قف نبكي من ذكرى أبينا» لفهمنا، لأن الذكرى متحققة عند الجميع على قدم المساواة فهم جميعًا سيقفون يبكون، لكن لما يقول: «قفا نبكي من ذكرى حبيب»، هو حبيبي، ومنزل كان فيه حبيبي وأنا أتذكره وأنا لي فيه كذا وكذا، فهذا يعني أن كلمة «نبكي» كتمت هذه المعاني.
نعم، تفضل يا قحطان.
من هاتف عقيل؛ نعم، قدرت فيه هذه المعاني، هذا الكتم الشديد، خلاص، كذلك هنا تعرفون في أي كلمة لا تخطر على البال. قال: «فظل طهاة اللحم»، هو في العادة إذا خرج الأصحاب والقوم والناس، في العادة طاهٍ أو طاهيان، لكن امرأ القيس تكلم عن وجود الطهاة كأن وجودهم عادي. يقول: «فظل»، يعني استمروا طيلة اليوم، بدل أنه قال بعد ذلك وفرحنا ورحنا، يكاد الطرف يقصر دونه في الرواح وقت الليل في أول الليل، فيقول: «فظل طهاة اللحم»، طهاة، إذاً هو كثر الطها بلفظه مطبوعًا، لم يقل وكان الطها كثيرين، وكثر الطها لا، «فظل طهاة اللحم» بناء على كثرة ما صاد.
«فظل طهاة اللحم من بين منضج صفيف شواء»، شوف «من بين»، فهذا نموذج يمثل الجنس؛ فكلما نظرت إلى هؤلاء الطهاة الكثيرين وجدت إما هذا «من بين» هذا، أو هذا «من بين» صوره هذا، أو صوره هذا. «فظل طهاة اللحم من بين منضج صفيف شواء» أو «قدير معجل»، «قدير» بمعنى مقدور، «القدير» هنا معناه الذي يستعجل بطبخه، «قدير معجل» يعني مطبوخ في القدر.
قال الشراح: من عادة العرب أنهم كانوا إذا صادوا عجلوا بالقطايب بالكبد وبالقلب وبالطحال، طبخوها وأكلوا بها. فيقول: «ظل طهاة اللحم من بين منضج...»، إذا كثر الطها، «من بين منضج صفيف شواء» أو «قدير معجل»، يعني ظلوا من أول وقتهم إلى آخره، عندهم قدير معجل. انظر إلى كثرة اللحم والطرائض، يعني سنقول القدير المعجل كان في أول اليوم لأنه اغتدى في الصباح، فكان في أول اليوم، ظل طهاة اللحم طيلة اليوم من بين منضج صفيف شواء أو منضج قدير معجل، يعني ظلوا إلى آخر وقت يعجلون بعض اللحم.
ثم يقول بعد ذلك: «كان دماء الهاديات بنحره عصارة حناء بشيب مرجل»، يعني من كثرة ما لطخ، سالت إلى هذه الجدائل والخطوط الهاديات. فكل هذا يشير إلى كثرة ما صاد، وكل هذا تجد جذره وأساسه فيه. «فعاد عداءً بين ثور ونعجة دراكا، ولم ينضح بماء فيسلي»، فخدعوهم أنهم وجدوا عداءً بمعنى والٍ في بعض الشعر، فقالوا عاد بمعنى كذا، ولم ينتبهوا إلى هذه الثلاثة أو الأربعة مثالب والاستدراكات التي ترد على تفسيرهم في البيت.
وهذا هو الفرق بين تعامل اللغويين أو النحاة بالشاعر وبين المعتدين بالشاعر الذين ينطلقون من الشعر وربما يرجحون فيه وجهًا غير المشهور عندهم. كما قال هؤلاء هنا: لو قال «كله لم أصنعي» لكان قد أصاب، وطبعًا لم يصب.
نعم، قال: «واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من أعمال الفعل وترك أعماله على الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر، وهو دخول كل في حيز النفي، وأن يدخل فيه». إذاً عبد القاهر هنا، كما قلت، نظر إلى ماذا؟ إلى تفسير الشعر من حيث نفسه وليس إلى المشهور نحويًا أو المشهور في الاستعمال الشائع أو نحو ذلك، لأن الشعر كثيرًا ما يقتضي خلاف ذلك. فالنظر يكون إلى الذي يحكمه السياق.
وسبحان الله كيف لم ينتبهوا إلى أنه لو قال: «كله لم أصنع» سيكون خطأ، يعني كيف يرتكب ذنبًا؟ يعني لم أفعل كل الذنب! يا سلام. يذكرني بالذين أرادوا تبرئة خديجة عزة من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا أَن يَمْحُوَ اللَّهُ عَنكُمَا ذُنُوبَهُمَا ۚ إِذَا صَلَّيْتُمَا﴾ [النور: 14]، فقالوا كانت تسكن المدينة أو مكة. لو النبي... ما الفرق بينها وبين عبد السميع؟ ما الفرق بينها وبين أسامة بكير؟ ما الفرق بينها وبين اللي ممكن أي حد يسكن مكة أو ممكن سكن ألمانيا؟ ما الفرق بينها وبين اللي يسكن أي حد؟ إذا أنا لو زرت مكة أقول: صلي حيث كنت. هو يقول: خليلي هذا ربع عزة، فعقلاً قال: «وصيكما ثم ابتيا حيث حلتي ومس ترابًا كان قد مس جلدها وبيت، وظل حيث باتت وظلتي، ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ذنوبًا إذا صليتما حيث صليتما»، لأنها كانت ساكنة في مكة. هي مالهاش فضل، ما فيش سياق في الكلام فيها ولا بحبها ولا هذا ربو عزة، فأقلها قال: «وصيكما».
ولا شيء، رأيت الفقهاء إذا تكلموا في الأدب كذلك، الذين قالوا: «وكانت سعاد زوجة كعب»، يا سلام! وسعاد كانت زوج النابغة وزوج ثلاثمئة واحد جاهلي، سعاد كلهم، قالوا بنات سعاد، كل اللي عنده سعاد أطلق... خلاص أمر عجيب، والله أمر عجيب، يعني ما يقولونه بعض تفسيراتهم الفقهاء، لا، سما الفقهاء مستفزة مستفزة. عبد الحق يقول: حتى أنا يا أستاذ قلتها.
كانت زوج كعب، يا سلام. طيب، عرفًا أيضًا، رد عليهم ابن هشام وعبد القادر البغدادي. في حاشية عبد القادر البغدادي على شرح ابن هشام قال: «هذا لا يجوز أصلًا»، قال: «هذا لا يجوز لأن العربي ينبغي إذا وصف أن يصف ما لم يعلم أنه رآه وإلا كان فاضحًا، فلا يصف زوجته بأوصاف تدل على أنه رآها فيكون فاضحًا، وإنما يصفه المحروم، يصفه المحروم حتى يستقيم الوصف».
نعم، قال: «واعلم أنه ليس التأثير لما ذكرنا من أعمال الفعل وترك أعماله على الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر، وهو دخول كل ما شرحته لكم، دخول كل في حيز النفي، وأن يدخل فيه». يعني هذا اللفظ، وإنما علقنا الحكم في البيت وسائر ما مضى بأعمال الفعل وترك أعماله من حيث إن... لماذا يا عبد القاهر؟ لماذا يا إمام؟ هذا الإمام فضله على الدنيا، والله لماذا يا إمام؟ قال: «من حيث كان أعماله فيه يقتضي دخوله في حيز النفي، وترك أعماله يوجب خروجه منه»، حيث كان الحرف النافي في البيت حرفًا لا ينفصل عن الفعل، أهو «لم أصنع»؟ لم ينفصل.
يعتبر "لم أصنع كله" لا يدخل في حيز النفي؛ من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفًا لا ينفصل عن الفعل وهو "لم"، لا أن كونه معمولًا للفعل وغير معمول يقتضي ما رأيت من الفرق.
أفلا ترى أنك لو جئت بحرف نفي يتصور انفصاله عن الفعل، لرايت المعنى في كل مع ترك إعمال الفعل؟ هو يقول لك نحن ننظر فقط في المعنى وما يقتضيه الكلام، والكلام هنا يقتضي كل الأفراد. ومن هنا كان كلامنا عن إعمال الفعل وعدم إعماله فقط في الأمثلة التي مرت، حتى لو كان نفي كل الأفراد حاصلًا بطريق آخر أو نفي الكل حاصلًا بطريق آخر، كنا سنصححه لأنه مطلوب المعنى عند المتكلم.
أفلا ترى أنك لو جئت بحرف نفي يتصور انفصاله عن الفعل، لرايت المعنى في كل مع ترك إعمال الفعل؟ سترى معنى النفي يتسلط على الكل. قال مثله: "مع ترك إعمال الفعل مثله مع إعماله". ومثال ذلك قوله: "ما كل ما يتمنى المرء يدركه".
طبعًا يأتي واحد ويقول: كيف يستشهد هنا ببيت للمتنبي؟ والمتنبي لا يستشهد به من يعرف الجواب والرد على هذا الكلام. لو قيل هذا مثال؛ أحسنت، هذا مثال، وبمناسبة هذا في البلاغة عمومًا، الاستشهاد هو التمثيل. الاستشهاد هو التمثيل، لكن قد يكون هنا نحويًا، لكنه ذكره مثالًا.
قال: ومثال ذلك قوله: "ما كل ما يتمنى المرء يدركه"، وقول الآخر: "ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشده". قال: هذا ذكره ابن هشام في مغني اللبيب في باب "كل"، وذكره غيره من النحاة، وكأنهم أخذوه من عبد القاهر، ولا يعرفون تتمة شطره الآخر: "ما كل رأي الفتى يدعو إلى رشده".
قال: "كل" كما ترى غير معمول فيه الفعل، فالفعل غير معمول فيه "كل"، وهي مرفوعة إما بالابتداء وإما بأنها اسم "ما". ثم إن المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل، فقلت: "ما يدرك المرء كل ما يتمناه"، و"ما يدعو كل رأي الفتى إلى رشده"؛ وذلك أن التأثير لوقوعه في حيز النفي.
وهذا هو السطر المهم، وهو يلخص ما قاله: وذلك أن التأثير لوقوعه في حيز النفي، وذلك حاصل في الحالين؛ سواء سلطت النفي عليه كما جاز في "ما كل ما يتمنى المرء يدركه" وفي "ما كل رأي الفتى يدعو إلى الرشد"، أو لم تسلطه عليه كما في الأمثلة السابقة، كما في لو قلت: "لم أصنع كل"، وكما لو قلبت هنا وخلطت الفعل وقلت: "كل ما يتمنى المرء لا يدركه"، و"كل رأي الفتى لا يدعو إلى رشده".
هنا اختلف المعنى: "ما يدرك المرء كل ما يتمناه"، و"ما يدعو كل رأي الفتى إلى رشده"؛ وذلك أن التأثير لوقوعه في حيز النفي، وذلك حاصل في الحالين. إلى هنا يوجد أي استفسار فيما شرح؟ أظن أنني أمل من عبد القاهر في الشرح.
ملل على ملل! هو يفصل، وأنا أفصل التفصيل وأعيد وأكرر، سامحونا في هذا خوف التقصير. حتى لو اقتربنا بشيء من الوسوسة؛ قال: "ولو قدمت كل" هنا "كلا" على الإعراب، ولو قدمت "كلا" في هذا فقلت: "كل ما يتمنى المرء لا يدركه"، و"كل رأي الفتى لا يدعو إلى رشده"، لتغير المعنى، ولصار بمنزلة أن يقال: إن المرء لا يدرك شيئًا مما يتمناه، ولا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه.
واعلم أنك إذا أدخلت "كلا" في حيز النفي، وذلك بأن تقدم النفي عليه لفظًا أو تقديرًا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل والوصف نفسه. وارجعوا إلى ما كنا فيه؛ "واعلم أنك إذا أدخلت كلا في حيز النفي وذلك بأن تقدم النفي عليه لفظًا أو تقديرًا"، طبعًا هو عبد القاهر أيضًا يكرر الكلام، لا تقول لي أنا فقط أكرر، هو أيضًا يكرر الكلام.
"ما كل ما يتمنى المرء يدركه"؛ ليس كل ما يتمنى المرء يدركه، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل والوصف نفسه. وإذا أخرجت "كلا" من حيز النفي، ولم تدخلها فيه لا لفظًا ولا تقديرًا، كان المعنى على أنك تتبعت الجملة التي هي جملة "كل"، أي المجموع، فانتبه؛ الجملة هي العبارة، أي جملة ما في كل، فتنفي الفعل والوصف عنها واحدًا واحدًا، فيبقى: "كل ما يتمنى المرء ليس يدركه".
إذن هو قال: إذا أدخلت "كلا" في حيز النفي، يعني "ما كل ما يتمنى المرء يدركه"، أو تقديرًا كما قال: "ما يدرك المرء كل ما يتمناه" بتوسيط الفعل العامل فيه، أو بتعبير عبد القاهر الآخر: "ما يدرك المرء كل ما يتمناه"، هذا تقديرًا. وإذا أخرجت "كلا" من حيز النفي؛ يعني "كل ما يتمنى المرء ليس يدركه".
وإذا أخرجت "كلا" من حيز النفي ولم تدخلها فيه لا لفظًا ولا تقديرًا، كان المعنى على أنك تتبعت الجملة فنفيت الفعل والوصف عنها واحدًا واحدًا. والعلة في أن كان ذلك أنك إذا بدأت بـ "كل" المرفوعة، كنت قد بنيت النفي عليه على "كل"، وسلطت الكلية على النفي وأعملتها فيه. الكلية هي العاملة في النفي، هي المقدمة، هي التي تسوقه وتجلبه، هي الأصل، وإعمال معنى الكلية في النفي.
أخوكم الحميري ربطها الآن بباب التقديم والتأخير، أحسنت، أحسنت، أحسنت. قال: "إنك إذا..."، وطبعًا التشكيل مهم.
وسلطت كنت قد بنيت النفي عليه، وسلطت الكلية على النفي، وأعملتها فيه؛ وأعمال معنى الكلية في النفي، الكلية هي التي تعمل في النفي وتسوقه. وأعمال معنى الكلية في النفي يقتضي ألا يشذ شيء عن النفي، فاعرفه.
والعكس نقول الآن: إذا سلطت غير الشيء على الكلية، فالكلية ليست أصلاً، واقتصر عمل الشيء فقط في نفي الشمول دون نفي الفعل والوصف نفسه. أما الكلية إذا كانت أصلاً، فهي الجالبة للنفي، عاملة فيه، هي الحاكمة. هو أضعف من أن يؤثر فيها، كقولنا: «لم أصنع كله»، إنما «لم أصنع كله». شوف اللي حصل؛ «كله» قوية، «لم أصنع» هي الأصل، «لم أصنع» أُسند إليها، مسند إليها، حس بالكلام ده، حسوا بالكلام ده.
إذن هل «كله» مسها شيء؟ الآن الكلية والاستغراق، هل مسها شيء؟ السؤال: هل مسها شيء؟ «كله» لم يمسها شيء. «لم أصنع» جاء عدم الصناعة حكماً تابعاً للأصل، جاء مسنداً للمسند إليه، جاء حديثاً عن المتحدث عنه. خلاص، من علامات الاسم الحديث عنه؛ فإنت تسند به أو تسند إليه غيره، بالضبط الإسناد إليه والحديث عنه. خلاص، يقول لك بالجر والتنوين والنداء، ومسند للاسم؛ تمييز حصل ومسند للاسم، الإسناد إليه الحديث عنه. يعني يقال في بعض الصفات: الحديث عنه بالجر والتنوين والنداء ومسند للاسم، تمييز حصل.
نعم، بالإسناد إليه بالحديث عنه، فكل «كله» إيه اللي حصل؟ «لم أصنعه»، فالكل هنا المخدوم، المسند إليه المخدوم، إنما «لم أصنع كله»، «لم أصنع» هذا الأصل. «كله» إذاً قد تصنع بعضه لأنه هنا ضعيف، معمول فيه، هو المعمول. شوف حتى أسامة عبر يقول لك إيه، باردة، تحس إن هي ضعفت، صح؟ أيوه هذا هو، هذا معنى قول عبد القاهر.
والعلة في أن كان ذلك كذلك؛ أنك إذا بدأت بـ«كل» كنت قد بنيت النفي عليه. يا جماعة، ده علم، هذا علم، هذه عبقرية اللغة؛ اللغة مش حفظ، وفي كلام فارغ فقط وردد قواعد: الأصل كذا، والقاعدة كذا، وخلاص، تعمل لي حسابات باردة جامدة. ثم يقول لك فقيه؛ عرفنا كيف يفعلون، هذا شيء آخر. هنا الفقه؛ الفقيه إذا كان فقيهاً بحق لابد أن يكون يمر على مثل هذا.
واعلم حتى بلغ بالشاطبي أن قال: «المجتهد في الفقه لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتهداً في اللغة»، والمتوسط في اللغة متوسط في الفقه، والضعيف في اللغة ضعيف في الفقه. كأنه بذلك يقول لك: لا أعترف بكل هؤلاء. سبحان الله! بل للشاطبي، طبعاً الشاطبي اعتبروه من الغلاة في هذا، بل للشاطبي كلام يا إخوة في هذا يقول فيه: لن تستطيع أن تفهم مدلولات كلام الله تعالى وكلام النبي ﷺ دون أن تعرف ذلك من كلام الشعراء؛ لأن لهم طرائق خفية لا يعرفها إلا الممارس لشعرهم، لهم طرائق خفية في الدلالة لا يعرفها إلا الممارس لشعرهم. هذا له كلام خطير في هذا الأمر، الشاطبي النحوي الكبير.
نعم، هذا أين قاله؟ وهذا أظنه في شرحه على ألفية ابن مالك. والجويني له مثل هذا الكلام، هذا الكلام الآخر للجويني في «البرهان» في أصول الفقه. نعم، الكلام الأول في الطبقات للجويني، والشاطبي الثاني. هذا تذكرت هو الجويني؛ الجويني الأصولي الشافعي الكبير، الإمام الجويني الفخم الضخم. أما الحرمين، في كتابه «البرهان في أصول الفقه»، نعم. تعرف كتاب «المحصول» للرازي، و«البرهان» للجويني، و«المستصفى» للغزالي؛ هذه طريقة، هذه الأصول الثلاثة هي أصول مذاهب المتكلمين في أصول الفقه.
وأقول: المتكلمين التي هي قسيمة الفقهاء الذين هم نحن الحنفية، هناك مذهبان في طرق أصول الفقه، يقال مذهب المتكلمين، وهذا يشمل بالمناسبة مذهب الشيعة؛ أنا درست مذهب المتكلمين من شروح الإثني عشرية وغيره، فإذا بهم يأتون بمذاهب الشيعة ويذكرون. نعم، الجويني مؤسس المذهب الأشعري طبعاً، والرازي؛ يذكرون مذاهب الأصوليين الشيعة حتى يقولون: إن الإجماعات التي ذكروها وناقشوها، إجماع العترة من آل البيت؛ ذكروا إجماع العترة من آل البيت. فمذاهب الشيعة تذكر في كتب المتكلمين في أصول الفقه.
الحنفية عندهم مذهب آخر يسمى مذهب الفقهاء؛ لأنهم فعلوا ماذا؟ لم ينطلقوا إليه انطلاقاً كلامياً ليكون مذهب المتكلمين، وهو الشافعية يسمى شافعية المتكلمين، وإنما مذهب الفقهاء وهم الحنفية؛ لأنهم انطلقوا من الفتاوى وأسسوا منها الأصول الفقهية. انطلقوا من الفتاوى، جاء أبو يوسف ومن بعده، انطلقوا من الفتاوى وأسسوا الأصول ولم ينطلقوا من القواعد الكلامية والمنطقية والعقلية البحتة واللغوية.
ولذلك ترى كثيراً من المبتدئين في أصول الفقه على مذهب المتكلمين يشتكون من انفصام بين أصول الفقه وبين الفقه، يقولون: لا نرى التطبيق واضحاً وكذا، ونرى أبواباً لا نشعر أننا سنستعملها في الفقه. بخلاف الذي يدرس أصول الفقه عند الحنفية؛ لا يدرس الأصول التي استنبطوها من الفروع، يعني من كتب الفقه ومن الفتاوى، فلهذا تراه يستروح أكثر في الدراسة. أنا طبعاً درست المذهبين، وحفظت المصنفات أو المتون والكتب في المذهبين، وأقول في كل خير. وهذا أمر مقطوع به في الأمة كلها، يعني لا يمكن أن تلغي الآخر.
أما هذا السفه الذي تراه من بعض الحنفية في زماننا، يعتبروا غير الحنفية غير فقهاء، وأن مذهبهم باطل وكذا والمجادلين، وأما الآخرون فيقولون مذهب الحنفية كل هذا كلام فارغ، هذا لعب مراهقين؛ هذه كلها أركان الأمة، وقد درست كل هذه المصنفات وكلها موجود، وكلها مقر من قرون، وكلها فيه خير.
قال: «واعلم أن من شأن الوجوه والفروق...». طبعاً يا إخوة في الأخير، كما قلت، هذا كلام الجويني في الأخير، أظن هذا في «البرهان»، أنا عهدي به لا يقل عن 15 عاماً أو 20 عاماً، هذا الكتاب في قراءة هذه الجملة على الأقل أو توثيقها. قال يتحدث عن حاجة الفقيه إلى الإغراق في شعر العرب؛ لأن لهم دلالات لن يعرفها الفقيه من حيث كونه فقيهاً، سيعرفها من حيث كلام العرب؛ قال لهم طرائق في الدلالات والمجازات والاستعارات لا يقف عليها الإنسان بنصره. نعم، قال: «واعلم أن من شأن الوجوه والفروق ألا يزال تحدث بسببها، وعلى حسب الأغراض والمعاني التي تقع فيها دقائق وخفايا لا...».
إلى حد ونهاية. يحيى الشعر وليحي الشعراء، قدس الله سرهم. واعلم أنهم يقولون عني متعصب، بالعكس أنا منصف جدا، واعلم أن من شأن الوجوه والفروق ألا يزال تحدث بسببها، وعلى حسب الأغراض والمعاني التي تقع فيها دقائق وخفايا لا إلى حد ونهاية.
إياكم يا إخوة تظنوا أن... كنت أتحدث مع بعضهم فقال لي: يا أخي ترى شعراء اليوم، ترى أن خلاص الشعراء القدماء أتوا على كل شيء، فقلت له: أنت تخدعني. قال: لماذا؟ حسبتك ستصر به. قلت: لا، أنت بتخدعني. يقول: يا أخي ترى أن الشعراء القدماء خلاص ما تركوا شيئاً لأحد، الشعر الجيد قالوه كله.
قلت له: أنت توهمنا بأنكم في هذا الزمان متقنون أصحاب قريحة، لكن المشكلة أن الشعراء القدماء استنزفوا الشعر. حبيبي، المعاني التي لم تطرق موجودة، والمشاعر الجديدة موجودة، ولك أن تفجر ما تشاء من المعاني في أي باب كان. أنتم الضعاف لا تقولوا الشعراء القدماء أخذوا كل شيء، فتوهمني بأنكم أقوياء، لكن فقط لم تجدوا شيئاً. إنكم تملكون الآلة والقوة، لكن كان هذا من حظ القدماء أن جعلهم الله قدماء؛ امرؤ القيس محظوظ والنابغة محظوظ، سبقوا. فقال حبيبي: هناك ما تسبق إليه وما يزال موجوداً، والمعاني كثيرة، أنت الكليل، أنت الكليل.
فانظر، يقول: «دقائق وخفايا لا إلى حد ونهاية». نعم يا إخوة، لا إلى حد ونهاية. وقد اعترض بعض المعاصرين لما قال بعض القدماء إن الصور لا نهاية لها وكذا، فاعترض بعض المعاصرين وهو ابن رشيق. آسف، الدكتور إحسان عباس، أخونا أسامة يتكلم يقول: ابن رشيق... فجاءت أمام عيني الدكتور إحسان عباس، الناقد الفلسطيني الأردني المعروف، قال: لا، التراكيب لها نهاية والدقائق لها نهاية. وغلط في اعتراضه على العلماء وعلى عبد القاهر، لأن عبد القاهر هو من العلماء الذين يقولون هذه صور لا نهاية لها. وربما في كتابه، دكتور إحسان عباس في كتابه «النقد الأدبي: تاريخ النقد الأدبي عند العرب من القرن الثاني إلى القرن الثامن»، ربما نقل كلام عبد القاهر هذا، لكن هو عموماً نقل كلام بعض القدماء بأن هذه الصور لا نهاية لها وكذا، فقال: لا، لها نهاية، وتراكب النحو مهما تشعبت لها نهاية.
فهو غلط في اعتراضه لأنه غلط في تصور موضوع تلك الصور والدقائق؛ هو حسب أنها تتعدد بتعدد صور النحو، لا، هي جزء منها، من الفاعل فيها صور النحو. أما مثل هذا فعبد القاهر ارتجل أمثلة، فكل هذا المنطق من المعاني وطبيعة المعاني وجوه وهذا لا يتناهى، وهذا لا يتناهى حقاً لا يتناهى لأنه مفتوح بانفتاح شعور الإنسان.
نعم، قال: «وإنها خفايا تكتم أنفسها جهدها، حتى لا يتنبه لأكثرها ولا يعلم أنها هي، وحتى لا تزال ترى العالم يعرض له السهو فيها، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ما يوهم الخطأ»، كل ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض.
وهنا وقفة لابد من التنبيه إليها؛ لماذا يا إخوة؟ هنا بيان جدير بالعين والاهتمام، وهو أن الغموض هنا لا يراد به الغموض في مرتبة البيان والدلالة، لأن كتب عبد القاهر أصلاً مؤسسة على قضية نصوع الدلالة. وقد مر معنا في قضية «معنى المعنى» لما قال: «ويسرع لك المعنى الذي هو معنى المعنى حتى لتخال أنه من اللفظ وليس من المعنى»، يسرع لك معنى اللفظ حتى لتخاله معنى اللفظ وليس معنى المعنى، وضرب مثالاً آخر فيما يتعثر ولا يؤول.
فما الذي يقصده عبد القاهر هنا من الخفاء وفرط الخفاء والغموض؟ هو خفاء وفرط غموض عن مرتبة العادة، هذه التي جرت عليها الناس وحتى العلماء في قراءة النصوص بإجراء المشهور والمعتاد على السطح. هذا هو كالذي حصل لهم في بيت امرئ القيس: «فعاد عداءً بين ثور وناجة»، قالوا: عاد نراها بمعنى والى، فعاد يعني والى. «فعاد عداءً بين ثور وناجة، فدراكا ولم ينضح بماء فيغسلِ». يفسرون كل قطعة على أنها وحدها؛ هكذا هم، فسروا كل قطعة في البيت بدلالة لغوية عرفية قريبة. عاد عداءً ولا موالاة، وهذا خطأ أصلاً؛ لأنه لا يتصور في الموالاة تأكيد في مثل هذا المقام، ولا موالاة، يعني هو إما والى أو لم يوالِ. ولو تصورنا أنه اقتنص واحداً ثم جرى خفيفاً إلى الآخر ومر في الطريق من حول حجارة، فكانت موالاة ضعيفة، فوالى موالاة؟ لا، هذا معنى ضعيف ليس الذي يؤتى به في الشعر، لا يحقق شرف معنى حتى تقول «والموالاة».
أنت لو قلت في الشعر: «والى بين ثور وناجة»، بمعنى والى ومعنى صحيح موجود، أنا لن أتصور بحكم كونه شعراً إلا هذه الموالاة أصلاً؛ بحكم كونه شعراً لن أتصور الصورة الضعيفة أصلاً. ليس الأصل أن تذهب من دلالة لها وجه قوي ووجه ضعيف إلى الآخر، فلا تحتاج إلى تأكيد هذا الوجه المحتمل الضعيف الذي لا أذهب إليه أصلاً. فوالى موالاة؟ لا. «فعاد عداءً ثم دراكا» يعني تتابعاً، «ولم ينضح بماء فيغسلِ»؛ أراد أنه لم ينضح بماء ولم يتقاطر منه الماء.
يا سلام! أخبرني في الشعر بأنه لم ينضح بماء، وأنا سأفهم أنه لم يتقاطر منه الماء. أنا لن أتصور ذكر لم ينضح بماء ثم لم يغسل بعد ذلك إلا إذا كان في السياق ما يدل على هذا الطول الذي ينضح به أولاً ثم يغسل به، فكأنه يقول: ولم ينضح بماء في أول جريه، ثم يغسل في جريه الطويل كما يحصل لخيل آخر لو فعل هذا، هو فعل كل هذا ولم ينضح بماء، ولما بلغ مرحلة ما يغسل به يسيل منه الماء، لم يسل منه الماء. لكن يتخرصون مثل ذلك، وتراهم يتكلمون غير مقتنعين؛ يفسر كل كلمة وحدها ويمر من البيت، لأن البيت فعلاً يحتاج إلى مغرق في الشعر حتى يقف عليه وحتى يفسر الشعر. فهم يفسرون يا إخوة على العادة وعلى المشهور وعلى القريب اللغوي، دون مراعاة سبك نفسه وغرض الشعر وقواعد الشعر نفسها. فتراهم يجرون المشهور والمعتاد على سطح النص دون الإنصات إلى رهيف الدلالات في كل نص على حده. يدلك على هذا أن عبد القاهر يقول لك هنا: «يعرض له السهو فيها»، أي أنه يسهو عن شيء كان سيلتفت.
لولا السهو، لأن الشعر فيه دقائق تفرض عليك السهو إذا لم تكن متيقظًا. الشعر رهيف السمع، ما هو هذا الشعر؟ ترهف سمعك. أنا لماذا تيمت ولبسني عفريت امرئ القيس؟ جن امرئ القيس؛ لماذا أرهفت السمع؟ فبث السم وبث السحر، ووجدت، سمعت له كلامًا لم أسمعه لغيره. الرجل ليس على ديني، وليس بيني وبينه علاقة مباشرة حتى أتعصب له هكذا، حتى ليس طائفيًا أو كذا، ولكن أنا أرهفت له السمع فوجدت فيه شيئًا عجيبًا، بل أشياء عجيبة.
فهو يقول لك: لولا السهو الذي سببه ماذا؟ هو تلك العادة في عدم إرهاف الحس لدلالات كل نص بحسب ما فيه من الألفاظ والهيئة الخاصة للكلام على قانون الشعر ورتبة شرف المعنى الشعري. هذه المشكلة هنا، الغموض ليس غموضًا في الدلالات، ليس غموضًا في الدلالات.
وللأسف حاول أحد المؤلفين الحداثيين، أو الذين ينتصرون للغموض في الحداثة، أن يجعل عبد القاهر في تخيله مؤلفًا؛ أتيتكم بكتابه، تخيلوا! هذا الكتاب اسمه "ظاهرة الغموض في الشعر العربي الحديث" للأستاذ الدكتور عبد العليم محمد إسماعيل، مصري. "ظاهرة الغموض في الشعر العربي الحديث" مطبوع في دار السلام، مكتبة دار السلام الموجودة في مصر.
قرأت الكتاب، تتخيلون أنه جعل الغموض مذهبًا عند القدماء واستدل للغموض في الحداثة، أو قال في الشعرية الحديثة استدل للغموض في الحداثة بهذه النصوص لعبد القاهر، وقال: عبد القاهر يرى الشعر لابد أن يكون غامضًا! وترك كل النصوص التي يهين فيها عبد القاهر الحداثة إهانة، وأوقفتكم عليها، وأنا جمعتها بالمناسبة في هامش الكتاب، صنعت لها فهرسًا خاصًا أعطيكم إياه في الأخير، صنعت معجمًا من الكتاب، صنعت فهرسًا بمواطن قتل الحداثة وهدم الحداثة عند عبد القاهر.
ثم أرى صاحب هذا الكتاب يقول: عبد القاهر منتصر للغموض في الشعر لمثل هذه العبارات. هذه طبعًا ليست أمانة علمية، أو أنه فتح الباحث محرك البحث وبحث عن كلمة غموض وعمق ومش عارف إيه وخفاء في كتاب كتب عبد القاهر فجمع هذه، ولم يقرأ الكتاب أصلًا، أشك في أنه قرأه. أعتذر، أنا أقوم من الكلام، وأنا لا أعرف شخصه ولا سنه ولا كذا.
فللأسف الشديد، وأنتم درستم عبد القاهر وعرفتم أي غموض يتحدث عنه، وإلى ماذا يحتاج الإنسان فيها إلى إرهاف الحس، وعلمتم أنه يؤسس للدلالة الناصعة، حتى في معنى المعنى، يقول لك بحيث لو ذكر ينقلك حتى تخالوا أن الدلالة من اللفظ لا من معنى اللفظ، من اللفظ لا من معنى اللفظ.
نتوقف يا إخوة، نتوقف، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد