بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، ها قد بلغنا المجلس الأربعين من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للشيخ الإمام، إمام البلاغيين أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه، ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.
في المرة الماضية أيها الإخوة تناولنا مثالا على عسر هذا الباب البياني، وهو دلالة اللفظ على المعنى ودلالة المعنى على المعنى، وعلى دقة هذا الباب في النظم عموما. ووقفنا على القصة التي يرويها عن الأصمعي أنه كان يسير مع خلف الأحمر ومع أبي عمرو بن العلاء، وكانا يأتيان بشارة إلى آخر القصة، وتطرق في هذا إلى الكلام على «إن» وشبهها بـ «الفاء»، فكان هذا مثالا وقفنا عليه من الصفحة الثانية بعد المائتين إلى نهاية الكلام عنه وما يتصل به في الصفحة الرابعة بعد المائتين.
وكان قدم الكلام على هذا المثال في الصفحة الأولى بعد المائتين في الفقرة الرابعة عشر بعد الثلاثمائة؛ لما قال: «واعلم أن لم تدق العبارة، ولم يقصد اللفظ، ولم ينغلق الكلام في هذا الباب إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات، وأنك لا ترى أغرب مذهبا وأعجب طريقا وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه، وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له».
فقد ترى أن البحتري قال حين سئل عن مسلم وأبي نواس إلى آخره، وهذا وقفتكم على نصوص منه، وهو شدة الكلام في الشعر، وعلى اختصاص علماء الشعر بالكلام فيه، وعلى أنه حتى غيرهم من العلماء في الشعر كالعربية والأخبار واللغة لا يتكلمون فيه، وإن كانوا فوق علماء الشعر بمراحل في هذه العلوم. وهذا كلام ابن رشيق، وهو هنا لما بين هذه القضية وبين خطورتها وبين دقتها واشتباهها وغموضها، كما قلت، بدأ بمثال يبين عسر هذا الباب، وتعلق فيه بالكلام على «إن» و«الفاء»، ثم انتهى من هذا الكلام في الرابعة في الصفحة الرابعة بعد المائتين، ويبدأ الآن في الفقرة السابعة بعد الثلاثمائة في مثال ثاني.
هكذا لخصت لكم السياق الذي نسير فيه حتى لا ينفرط منكم، وهو في الغالب ينفرط من دارس الكتاب في القراءة الأولى والثانية في الغالب، نعم، لكن هكذا ربطنا القضية. هو ما زال يتكلم على معنى المعنى، وعلى دقة قضية النظم عموما وعلى خفائها وكذا وكذا.
قال: وروي عن عنبسة أنه قال: قدم ذو الرمة الكوفة، فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته التي هي: «البرء والإسقام والهم والمنايا ... وموت الهوى في القلب مني المبرح وكان الهوى بالناي يمحى فيمحى ... وحبك عندي يستجد ويبرح إذا غير الناي المحبين لم يكد ... رصيس الهوى من حب ميت يبرح»
هنا محمود شاكر قال هكذا، هنا عنبسة، وأرجح أنه خطأ ولذلك وضعته بين قوسين؛ لأن راوي الخبر قال إن راوي الخبر هو عبد الصمد بن المعذل عن جده غيلان بن الحكم إلى آخره كما في المراجع التالية. والكناسة محلة بالكوفة، كان الناس يجتمعون في سوقها.
طبعا معناه البلاغ الشعري لم يبرح، ولم يكد يبرح، معناه لم يبرح ولم يكد يبرح يعني ولم يقترب من أن يبرح. قال: فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة؛ يا إخوة، أين يبرح؟ أنا ماذا قلت؟ يبرح في الثاني قلت يبرح أيضا.
وكان هذا ابن شبرمة، هو أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة، هذا يا إخوة هو قرين أبي حنيفة، فقيه العراق وقاضي الكوفة، من معاصري أبي حنيفة في العراق، وكان من مشايخه، وكان من مشايخه إبراهيم النخعي، هذا أيضا تلميذ شيخ أبي حنيفة الذي هو حماد بن أبي سليمان. يعني أنا مثلا لي سند في المذهب الحنفي يتصل بالمشايخ في المذهب الحنفي ينتهي إلى أبي يوسف ومحمد عن أبي حنيفة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة النخعي، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ. هذا السند المعروف في دارسي ومن يتلقى مذهب الإمام أبي حنيفة.
فهذا إبراهيم النخعي الذي تلميذه حماد بن أبي سليمان، وحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، لازمه اثني عشر عاما، لازمه أبو حنيفة اثني عشر عاما حتى إنه كان يكثر السؤال عليه ويلح عليه، حتى يقول له حماد: يا أبا حنيفة قد انتفخ جنبي، يعني حل عني. نعم، كان أبو حنيفة لحوحا في السؤال، لازمه اثني عشر عاما ثم بدأ في التدريس وبدأ في أن يكون له هذه المجالس.
كان أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة محدثا فقيها، وحدث عن أنس بن مالك وعامر الشعبي، وقال الذهبي في السير: «كان شاعرا». وهذه نقطة لا بد أن أنبهكم إليها. قال الذهبي في السير: «كان شاعرا»، سترون مثلا في معجم الأدباء لياقوت الحموي يأتون على أسماء لا نسمع عنها ولا نعرفها في مجال الشعر، لا في ثقافتنا ولا عن الأدباء نعرفها، ربما، ولكن «وكان شاعرا» أو «وكان شاعرا جيد الشعر» أو «وكان كذا»، هذا ينبهك إلى أصل من أصول الحكم وقراءة كتب الناس، أنك تضع المتكلم نفسه في مرتبة تقدر بها كلامه وخطورة كلامه.
يعني الذهبي قال عنه: «كان شاعرا»، نحن لم نره لا في طبقات الشعراء لابن سلام، ولا في طبقات الشعراء لابن المعتز، أو لم نره في المعاجم التي ترجمت للشعراء الكبار، أو لا يظهر عندنا ونحن أهل هذا الفن، نحن المشتغلون بهذا الفن، لا يظهر، خلاص؛ فنقول إذا نضع كلام الذهبي في موضعه.
وكان شاعراً، ربما يقول شعراً جيداً. هكذا الذهبي حين يقول: «كان شاعراً»، أو حين يقول: «كان مؤرخاً»، لم يكن عالماً بالشعر، ولم يكن عارفا بطبقات الشعراء، لم يكن شيئاً من ذلك.
كذلك مثلاً البصيري؛ كنت في حديث مع بعض الإخوة فقلت لهم: لم ينبغي أن تفرقوا بين المقامات. مثلاً، بردة البصيري قيمتها وشهرتها مأخوذة من مزيج من الإجادة والشهرة الدينية والمكانة الدينية، بقطع النظر عن هذه المكانة الدينية؛ ما كان منها صحيحاً وما كان منها خيالات أو رؤى أو أخبار، تدور حولها أمور حقيقية، والرجل ظهرت علامات الإخلاص عليه في قول القصيدة أيضاً، فنسلم أن مجموع ذلك هو ما يعنينا، هذا أعطاها قيمة.
ماذا لو جردنا القصيدة من هذه القيمة؟ تخيلنا بردة البصيري بمكانته الشعرية التي هي عليها في موضوع آخر، تخيلناها قصيدة أيوبية أو مملوكية في مدح بعض الأيوبيين أو بعض المماليك، تخيلناها في مدح أمير من أمراء المماليك مثلاً؛ كيف سنراها؟ ستكون قصيدة من القصائد التي نقرأها لبعض الشعراء في الدولة الأيوبية أو المملوكية، وبما حصل فيها من إجادة على قدرها، لن تكون لها هذه الشهرة ولن تُرى في هذا المستوى.
لكن الناس يمزجون، وأحيانا يتهيبون؛ لأنك تلاحظ هذه القصيدة وتقول فيها هذا الكلام لأنها بهذه المكانة، ومدحها من جهة الشعر يأتي في سياق مدحها من جهة الدين. لو تخيلناها، نحن المختصين في الشعر وفي نقد الشعر، لو تخيلناها بدون هذه الرتبة الدينية والشهرة التي أحاطت بها، هي قصيدة مملوكية توضع في مكانها. وبالمناسبة، أهل العلم، وحتى الأكاديميون المعاصرون، يعرفون هذا الأمر، لكن ليس كل أحد قادراً على أن يخوض مثل هذا الأمر أو هذا الجدال، أو يتعرض لمثل هذا النقد، أو أن يعرض نفسه للخطر.
لكن هذه الحقيقة فلا بد أن تعرف الكلام ممن يأتي. كان ابن شبرمة، الذي كان معاصراً لأبي حنيفة، شاعراً؛ قال الذهبي: «كان شاعراً». طيب، أين شعره؟ ائتِ بشعره، ووجدت له أبياتاً، طيب ما مقامها عندنا؟ حتى لما قال ابن كثير -والمؤرخ أيضاً هو كالذهبي، وكان تلميذاً لابن تيمية وكان في عصره أيضاً- لما قال عن لامية أبي طالب إنها «أفحل من المعلقات»، تعلق الكثيرون بهذا؛ سواء تعلق البعض بسبب أمر ديني، أو تعلق البعض بسبب كونها في مدح النبي ﷺ، يريدون ألا يخلو العصر الجاهلي من مدح عظيم للنبي ﷺ، فيسوءهم أن تكون قصيدة في القرن السابع مثلاً هي المثال الأعلى لمدح النبي ﷺ، مع أنها قد تكون هي الأعلاها في الحقيقة.
لكن ما حجم ابن كثير ليقول هذا؟ ما حجم ابن كثير في تاريخ الأدب الذين رفعوا المعلقات ومدحوا هذه القصيدة ورووها؟ أن تقول إنها «أفحل من المعلقات»، فهم أخذوا كلمة ابن كثير الذي ربما لم يلق لها بالاً ولم يعرف أن الأمر بهذه الخطورة وطاروا بها. ابن كثير يقول هذا، وأنت تقول هذا؛ لا، ليس أنا الذي أقول، مع أنني نعم أقول في مقابل ابن كثير قطعا، وقولي يقدم عليه قطعا في هذا، أنا أعرف هذا جيداً، ومع ذلك ليس أنا الذي يقول هنا، الذي يقول هنا تاريخ الفن كله، أنت ابن كثير قالها، إذا خلاص، اثبتها.
هم قالوا عكسه، قالوا شيئاً غيره، لماذا اعتبرتهم لم يقولوا؟ هم لم يسكتوا، كانت أمامهم القصيدة ويعرفونها جيداً ومدحوها، لكن اتجاه الأدب ليس في سبيل هذا. فأنبهكم إلى هذا: أن تضعوا القائل في مكانه. وهنا نقطة مهمة، لا تتسرعوا في نفي قول القائل، ولكن عليكم أن تكونوا ملمين بعلمكم في هذا، حتى إذا علمت قول القائل علمت كيف تضعه في مكانه.
صاحب كل فن لا ينفي إذا كان الشيء مثبتاً، لكن عنده من الجواب والقدرة أن يضع هذا القول في مكانه من العلم، وأن يترك من أمامه في حيرته يقول: نعم، أين مكاني أنا في هذا العلم؟ كيف قلت هذا؟ أقول له: ائتِ بزمرة مثلاً من رواة الشعر القدماء؛ الأصمعي، والمفضل الضبي، وأبو عمرو الشيباني، وفلان وفلان، طيب من كان منهم من العلماء أو من الرواة؟ ائتِ بأقل ثلاثة منهم، تعال ننظر في مكانهم في الأدب، أين منهم ابن كثير؟ لا في التقدم في الرواية ولا في مكانة العلم ولا في معرفة الباب أصلاً، فتأتي أنت وتقول ابن كثير قال في عبارة، وتنفي كل هذا التاريخ المتواتر. فيمكنك أن تضع القول في محله.
هذا الذهبي يقول: «ابن شبرمة شاعر»، ما سمعنا عنه في الشعراء، ما عرفناه، كان من فقهاء العراق، أنا أعرفه من فقهاء العراق، كأني حنفي وعنيت بفقه الكوفة، وأنا كوفي الفقه والقراءة وكل شيء، فأين علماء العراق؟ أين ابن شبرمة؟ أنا أعرفه فقيهاً، أعرفه تلميذا لإبراهيم النخعي الذي هو شيخ شيخ أبي حنيفة، أعرفه معاصراً لأبي حنيفة، أعرفه إماماً فقيهاً، لكن لا أعرفه شاعراً إطلاقا. أبو حنيفة لا يعرف شاعراً، والشافعي لا يعرف شاعراً، فانتبهوا إلى هذه الإطلاقات، لأن البعض سيأتي إلى كتاب مثل «معجم الأدباء» لليقوت الحموي ويستخرج لك من الكتاب أشياء، يقول لك: انظر، كان شاعراً، كان كذا وكذا، المهم ينقل قولاً، ومن يفعل هذا ليس من أهل العلم. أهل العلم يضعون له القول في مكانه من جملة الفن.
فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة: «يا غيلان»، نادى ذا الرمة: «أراه قد برح»، قال فشنق ناقته وجعل يتردد ويفكر، ثم قال: إذا غير النائي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب
لم يكد يبرحه؛ جعل لم أجد مكاناً لم يكد، لماذا؟ لأنه جرى على الاستعمال في "لم يكد" على طريقته، أنه فعل ولم يكد يفعل، "و" أو "كاد". "لم يكد" لا "كاد" لا يفعل كما نستعملها.
انظروا؛ قال: «فلما انصرفت حدثت أبي»، يقول: "أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة ما أنكر، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة". وفي هذا دلالة أيها الإخوة على أن الشاعر له وعيان؛ الشاعر له وعيان، ذو الرمة هو وعي حين صنع القصيدة، ووعي حين فرغ من القصيدة، وأنه قد يعتريه من الغفلة عن الوعي الأول ما يغير له كلامه الأول.
قد يعتريه من الغفلة عن الوعي الأول في الوعي الثاني، والحال هو أن الوعي الأول كان أوقظ وأنبه، ولكنه وعي مغمور في حومة المحاكاة والتخييل، وعي مغمور مستعمل لمخزونه في حومة المحاكاة والتخييل، فربما غفل عنه في وعي التجربة، في الوعي الثاني حين ينظر إلى العمل خارج التخييل، لا سيما إذا كان ليس من الخائضين في العلوم، ولهذا أنا حريص جداً على أن تكونوا مترسين بالعلوم، محصنين بالعلوم، حتى لا يتلاعب ناقد بوعيكم الأول الشعري فيجعلكم تغيرون في وعيكم الثاني كما فعل ذو الرمة الآن.
فيغفل عما اقتضاه التخييل، وهذا من دقيق يا إخوة، هذا من دقيق ما أنبه إليه؛ الشاعر أن يتيقظ له حين ينقد كلامه بواسطة نفسه أو بواسطة غيره، فلا يسلم بالنقد بسرعة، وإنما يرجع بالنقد، سواء الذي استخرجه هو أو استخرجه غيره، يرجع بالنقد ويراجع تخييله وقت الصناعة ووقت الانغمار في النص.
وليس معنى هذا أن الناقد ينبهك، فالمقصود أنك تراجع الكلام وأن تقنع وأن تنتبه، وأن يكون لقولك إذا ثبتت على قولك الأول أن يكون عندك له تأويل، لا أن تقف. فالفكرة ليست أن هذا وعي أول وهذا وعي ثاني، لا، هناك وعيان، نعم، وكل منهما ضروري، والشاعر هو الذي يستطيع فصل نفسه وأن ينقد شعر نفسه بوعي ثان، لكن ينبغي أن يكون في الوعي الثاني عنده علم يسلطه على الأول، وإذا دافع عن الوعي الأول أن يكون أيضاً بعلم يجعله في الوعي الثاني، يعني يجعل الوعي الثاني مطابقاً للوعي الأول فيدافع عن علمه كذلك أو عن الذي ذهب إليه.
قال: «أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة ما أنكر، وأخطأ ذو الرمة حين غير شعره لقول ابن شبرمة». إنما هذا كقول الله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [القصص: 78]، وإنما هو لم يرها ولم يكد، يعني لم يرها ولم يقترب من رؤيتها. فهذا أيها الإخوة باب من اختصار الكلام في الشعر لم يفهمه ابن شبرمة الفقيه الكبير، الذي يدخل في عموم قول الإمام الشافعي: «الفقه لآهل العراق كما لداوود»، وهذا باب من اختصار الكلام كما قلت لم يفهمه ابن شبرمة، وفعله ذو الرمة فطرة ورجع عنه عقلاً.
هذا هو الخطر، عرفتم لماذا أصر على أن يكون الشاعر عالماً؟ ذو الرمة هذا مثال خطير لكم، ذو الرمة فعله فطرة صحيح، هو تلقاه، ولما رجع فيه علمياً اختل فعله؛ بالطبيعة والسليقة والتلقي واستعمل اللغة استعمالاً صحيحاً، لما رجع في اللغة اختل، لم يكن يملك من إلهام ما يوازي به ما فعله فطرة ليصححه كما كان صحيحاً فطرة، لم يستطع تصحيحه فعلاً. وإذا كان السلطان للعلم، رجع؛ ها هو رجع خالف الطبيعة، السلطان للعلم، فلما كان السلطان للعلم اختل، لم يستطع، لم يقل لا أنا هكذا قلت، هو رجع، وهذا ما أراد عبد القاهر أن يوصله إليك؛ إذا كان ذو الرمة قد خُدع عما أتى به صحيحاً فكيف بغيره؟ باب دقيق.
قال: «واعلم»، عبد القاهر يشرح الآن سبب الشبهة، هذا مثال ثانٍ، وعندنا ثالث؛ قال: «واعلم أن سبب الشبهة في ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال...»، اسمع بقى الخطورة، قد جرى في العرف أن يقال "ما كاد يفعل" و"لم يكد يفعل" في فعل قد فعل، على معنى أنه لم يفعل إلا بعد الجهد وبعد أن كان بعيداً في الظن أن يفعله، كقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71]، فلما كان مجيء النفي في "كاد" على هذا السبيل، توهم ابن شبرمة في استعمال عامه، وكما في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يعني ولم يقتربوا من الفعل.
قال: فلما كان مجيء النفي في "كاد" على هذا السبيل، توهم ابن شبرمة أنه إذا قال: "رسيس الهوى من حب ميت يبرحه"، فقد زعم أن الهوى قد برح ووقع لذي الرمة مثل هذا الظن، بعد أن استعمله استعمالاً صحيحاً وقع لذي الرمة مثل هذا الظن، وليس الأمر كالذي ظناه.
شوف نقاش الفقه لا الشعر لا ينتهي يا إخوة، ولذلك أنا أؤكد على شيء؛ لا بد وأن نضع مساحة مشروعة من الاختلاف، من أن يكون أحد مع أحد متفقاً على نظرية النقد، متفقاً على تأويل الكلام، لكن في الأخير سيختلفون لأسباب قد تُحصر أو لا تُحصر، يمكن إجمالها في التفسير: هذا جيد، هذا غير جيد، لماذا كذا؟ لكن لما يتكلمان مع بعضهما سترى أن مذهبهما واحد، سترى ربما الاختلاف جاء من رؤية طرف: هل هذا اللفظ استحق ذلك واستحق هذا الوجه أو لا؟ لأنه يرى أن غيره أغنى عنه، وشخص يقول لا لم يغنِ عنه، أرى أن الأول دل على كذا. قد يكون بسبب خلل عند طرف من أطراف المتناقشين في أن هذه اللفظ دلت على هذا أو لم تدل، أو العرف، أو أنه العرف عنده وقع له ذو الرمة.
هذا يعلمكم يا إخوة أن الأمر أيسر، طالما القاعدة موجودة، وقع لذي الرمة وابن شبرمة هذا فقيه عربي، يعني فقيه في العربية بمعنى في فقه العربية، وهذا شاعر فحل، فوقع لهم ذلك، فربما كما يرى البعض أن يتأثر في دلالة لفظه بمعنى عرفي، وهذا المعنى العرفي غير المعنى اللغوي أو غير المعنى الفصيح الذي استعمله الشاعر، فيرى أحد الأطراف أن الكلمة لم تحمل هذا.
المعنى، ويرى آخر أنها حملت هذا المعنى؛ فيقع الخلاف من هنا. هذا من بعيد، أحدهم لا ينتبه إلى فائدة وقعت عن طريق كذا، أو إلى أن الحذف أثر في كذا، كل هذا متاح. ولهذا ينبغي في مثل هذه النقاشات ألا تسعى إلى أن تضع لها نهاية واحدة؛ فالدنيا فيها ستسير وتستقيم بمجرد وجود القاعدة والممارسة السليمة.
اختلفوا في تفسير القرآن، واختلفوا في تفسير حديث النبي ﷺ، بل كان ذلك بين يديه وسكت ﷺ. سكت مع العلم بأن الصواب واحد، لكن سكت لماذا؟ إقراراً على أن الأمر لا يرتقي إلى الإنكار، وإلى أن أحد الطرفين قد ضل وكذا وكذا.
قال: «وليس الأمر كالذي ظناه». انظر، اعترض على صاحب الكلام وعلى المعترض عليه، «وليس الأمر كالذي ظناه»؛ فإن الذي يقتضيه اللفظ إذا قيل: «لم يكد يفعل» أو «ما كاد يفعل»، أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون، ولا ظن أنه يكون. لأنك لو قلت: «يكاد يحصل»، فمعناه يقترب من الحصول، فيكون قولك: «لا يكاد يحصل» إنما يعني لا يقترب من الحصول، وبالضرورة لم يحصل. لما تقول: «يكاد يحصل» معناه يقترب من الحصول، فكلمة «يكاد» يعني يقترب من الحصول، فإذا قلت: «لا يكاد يحصل» فمعناه لا يقترب من الحصول، وعلى هذا لم يحصل بالضرورة.
فقوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، لم يقترب من رؤيته، ليس معناها رآها. و«ما كاد يفعل» كما في ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، لا، ليس معناه هكذا، بل معناه لم يكد، لم يقترب من رؤيتها أصلاً، يعني ولم يرها من باب الأولى؛ إذا كان لم يقترب من الرؤية فلم يرها. نحن جميعاً نقرأ قوله تعالى: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، يعني رآها ولم يكد يراها، هذا ليس مدلول النص في الآية، بل معناه لم يكد يراها ولم يرها من باب أولى.
قال: إن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون، ولا ظن أنه يكون، وكيف بالشك في ذلك وقد علمنا أن «كاد» موضوع ليدل على شدة قرب الفعل من الوقوع، وعلى أنه قد شارف الوجود؟ وإذا كان كذلك كان محالاً أن يوجب نفيه وجود الفعل؛ لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود.
إذا نفينا القرب نفينا الحدوث؛ «لم أكد أنطق بهذا الكلام» يعني أنا بعيد عن النطق جداً، نفيت القرب من الفعل فلم أفعل. قال: «وكيف بالشك في ذلك وقد علمنا أن كاد موضوع ليدل على شدة قرب الفعل من الوقوع وعلى أنه قد شارف الوجود، وإذا كان كذلك كان محالاً أن يوجب نفيه وجود الفعل؛ لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود».
هذه عبارات المتكلمين، خلاص، لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود؛ يعني أن نفي المقاربة الذي ينفي مقاربة الوجود يثبت الوجود. كيف؟ لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود.
طيب، الوجود هنا مفعول، لماذا يا إخوة؟ قل يا عقيل، أعتقد الوجود الأولى مفعول لـ«مقاربة»، ومقاربة الوجود، والمفعول الثاني «وجوده» للنفي؛ نفي مقاربة الفعل وجوده. نعم، أظن أنه الثاني يوجب في مقاربة، نعم، أقصد الفاعل هنا هو النفي، صح؟ إذاً الوجود الأولى مفعول لمقاربة الفعل، والوجود الثانية مفعول للنفي؛ نفي مقاربة الفعل يوجب الوجود. فهمتم يا الإخوة جميعاً؟ وضحت؟
هل أحد عنده إشكال؟ اعتقد أن المعنى يوجب النفي وجوده، يعني النفي أعتقد فاعل، لا، الضمير في «وجوده» عائد على الفعل، فهو يقول إنه إن قلنا بذلك سنقول إنه نفي وجوب أو نفي مقاربة الوجود يؤدي إلى الوجود. نعم، هذا المقصود؛ نفي مقاربة الوجود يوجب الوجود، نفي قرب الوجود يوجب الوجود، هذا هو التناقض.
قال: «وإذا كان كذلك كان محالاً أن يوجب نفيه وجود الفعل؛ لأنه يؤدي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود وجوده»، يعني وجود الفعل، يعني يؤدي إلى أن نفي مقاربة الفعل، أن نفي قرب الفعل يوجب وجود الفعل، وهذا عين التناقض.
وأن يكون قولك: «ما قارب أن يفعل» مقتضياً على البت أنه قد فعل، طبعاً هذا باطل وظاهر. وإذ قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر: فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كانت هناك صورة تقتضي ألا يكون الفعل، وحال يبعد معها أن يكون، ثم تغير الأمر كالذي تراه في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؟ فليس إلا أن تلزم الظاهر.
يريد عبد القاهر هنا أن يقول لك: ما الفرق بين ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ في هذه الآية، حيث حصل شيء خلاف الظاهر؟ وهو أن الله نص على ذلك؛ ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ليس معناها أن تحمله على الاستعمال عند العامة «فعل كذا ولم يكاد يفعل» بمعنى أنه فعل، لا، هذه جاءت في الآية لأن الله نص على أنهم ذبحوها، و«ما كادوا يفعلون» خبر آخر عنهم؛ أنهم كانوا لا يقتربون من الفعل وإن كانوا فعلوا بعد ذلك. فهذان خبران، هذان إخباران؛ أنهم ذبحوها ولكنهم كانوا لا يقتربون من الفعل مرة أخرى.
وإذ قد ثبت ذلك، يعني ثبت في اللغة أن هذا مدلوله، وفي منطق اللغة أنك لا تجمع بين وجود أصل الفعل ونفي قرب الوجود؛ لأن نفي قرب الوجود نفي للوجود من باب أولى. قال: «وإذ قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر: فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كانت هناك صورة تقتضي ألا يكون الفعل، وحال يبعد معها أن يكون، ثم تغير الأمر كالذي تراه في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؟ فليس إلا أن تلزم الظاهر»، فمتى لم يكن المعنى كذا، فليس إلا أن تلزم الظاهر وتجعل المعنى.
على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن يكون، فضلاً عن أن يكون. إذا يريد عبد القاهر أن يقول: الأصل في مثل "لم يكد" وما كاد، ماذا أقول للحميري؟ إذا كانت هناك قرينة، لست بحاجة إلى أن تقول: نأخذ بالمعنى الشائع. المعنى الشائع خطأ وانتهينا، لأنهم يستعملونه دون قرينة، فالمعنى الشائع خطأ. وإذا كان هذا المعنى الذي سميته الشائع موجوداً في نص، فهو ليس لشيوعه وإنما لقرينة في النص.
فعبد القاهر هنا يريد أن يقول: يا إخوة، الأصل في مثل "لم يكد" وما كاد إذا جاء متجرداً هكذا، وكما هو في بيت ذي الرمة، أنه يدل على نفي المقاربة وعلى نفي الحدوث من باب أولى، إلا أن يكون في الكلام ما يدل على أنه قد وقع الفعل وما كاد يقع، أي قبله ما كان يقترب من الوقوع لكنه وقع. إلا أن يكون في الكلام ما يدل على أنه قد وقع الفعل وما كاد يقع، أي لم يكن سيقع ولا يقارب الوقوع لولا تغير الأمر كما قال عبد القاهر، وهو ما كان في هذه الآية.
فالصورة الثانية التي هي الشائعة عند الناس، هي التي تحتاج إلى شيء في الكلام يدل عليها، وكثرتها عند الناس لا تعني أن نسحبها على كل كلام، وهو ما وقع فيه ابن شبرمة. عرفتم لماذا لم يستدلوا أو لم يجعلوا كلام المتأخرين أو العباسيين دليلاً في اللغة؟ عرفتم لماذا رغم أنهم علماء وكذا وكذا؟ عرفتم لماذا لم يجعلوا كلامهم دليلاً في اللغة، أو المولدين أو الذين اختلطوا بالمولدين من بعض أساقف العراق والشام؟ لأنهم لم يستدلوا حتى في الجاهلية؛ لما أراد العلماء أن يأخذوا الشعر، لم يعتمدوا حتى أشعار الجاهليين من القبائل التي تاخمت غير العرب كالفرس والروم.
فمثلاً قبائل كطيء، وكذلك إياد الإياديين، وكذلك فيما أذكر كل من تاخم من التغليبيين والبكريين وعدي بن زيد، وكذلك قبائل إياد، أبو دؤاد الإيادي شاعر قديم جداً، فقبائل إياد وكذلك بعض من تاخم العراقيين من بكر وتغلب، وكذلك طيء في الشام والغساسنة، كل هؤلاء لم يستدل بأشعارهم في اللغة، وإنما لما جمعوا الشعر ذهبوا إلى المقيمين في قلب نجد وتركوا، حتى لو كان الشعراء كباراً، تركوا الشعراء الذين يتاخمون العجم.
وعندنا الدكتور -رحمه الله- رجل من الذين أرادوا كما يقال التنوير والتحديث في الأزهر وكذا، وهو رجل عالم في الحقيقة، الدكتور عبد المتعالي الصعيدي، له كتاب اسمه «زعامة الشعر الجاهلي بين امرئ القيس وعدي بن زيد»، وفتح فيه النار وشن فيه الحرب على النقاد وعلى الأصمعي وأبي عمرو وكذا. يقول: تأخذون من هذا البدوي العاهر الداعر لكثرة ألوانه في الشعر وتشبيهاته ولأنه مقتحم الخدور، وتركتم عدي بن زيد؟ وحجتكم في ذلك أنه كان يعرف الحكمة ويعرف القراءة والكتابة، وأنه كان نصرانياً متعبداً، وأنه كان يقرأ ويعرف لسان فارس؟ فتركتم الذي معه الحكمة وذهبتم إلى هذا البدوي الجلف الذي لا يعرف إعراباً ولا يصون أخلاقاً؟
أنا أقرأ الكتاب وأقول: أين الموضوع؟ أين العلم؟ الكتاب موجود ترونه بهذا العنوان في الوسائط أو في ملفات الـ PDF: «زعامة الشعر الجاهلي بين امرئ القيس وعدي بن زيد»، فتح فيه النار على الأصمعي والعلماء الذين جمعوا اللغة. القضية بعيدة تماماً، لأن العرب أنفسهم في الجاهلية، كنعمان بن المنذر -اليوم أنا حتى سأقرأ مع الجمهور قصيدة من ثلاث قصائد للحارث بن ظالم: «قف فأسلمها أخبركما إذ سألتمَا .. محارب مولاه وثكلان نادمه»- تعرفون قصتها؟ إن نعمان بن المنذر أرسل ابنه كما تفعل الملوك لينشأ في نجد، عدي بن زيد، حتى تعرفوا كيف كان لسان الجاهليين يا إخوة.
عدي بن زيد في الجاهلية يقولون أقام في ريف العراق فلان، لسانُه... تتخيلون كان الذي يقيم في ريف العراق في الجاهلية يقولون لسانُه... هو بالنظر إلى بعد ذلك ربما عقيل يقول: لماذا يرمونه بالبداوة والجلافة؟ لا أفهم، هو ملك منعم، ابن ملوك. أنا أيضاً لا أرى أحداً وصف المنعم كما وصفها، عرف الحلية والعطوره وكذا والتنعم، ونعومة جلد المنعم في البيوت، وكان عنده خبرة في اقتحام البيوت كإمرئ القيس، كان عجيباً. فتخيلوا عدي بن زيد، يقولون وشعره جلف جداً حتى إنه يصعب تخليصه من غيره، فانظروا كيف كانت القضية عند الجاهليين أصلاً.
عرفتم لماذا هذا ابن شبرمة من العراق وفي هذا العصر يخطئ شاعراً يحتج بشعره وهو ذو الرمة على خطأ شائع؟ لاحظوا ابن شبرمة هنا في هذا الوقت كان في عصر الاحتجاج. حتى أبو حنيفة ولد عام 70 ومات عام 150، والشافعي ولد عام 80 ومات عام 150 من الهجرة، يعني كان في حياته وقت الاحتجاج، ولكن كانت الحجة في هذيل في ضواحي مكة في بعض بطون العرب، وليست في الأمصار التي اجتمع فيها العرب وغير العرب.
هذا ابن شبرمة يأخذ بقول العامة الذي نحن عليه الآن، فلا تستهن بقضية رد الاحتجاج سواء عن طريق الأزمان أو عن طريق الأماكن. الأماكن: إنهم حتى في الجاهلية لم يأخذوا من القبائل التي تاخمت، يعني جاورت العجم، سواء كان الروم أو الفرس. ولذلك القبائل التي أقامت في العراق في الجاهلية، أو أقامت في الشام أو قرب الشام في الشمال، لم يأخذوا الاحتجاج في شعرها. وأذكر هنا قبيلة طيء وإياد، وأظن أيضاً تغلب أو بعض بكر وتغلب، فكل الشعراء الذين عرفت أن عنهم إقامة ودوام في هذه الأماكن ونصوا في ذلك، أشهرهم طبعاً عدي بن زيد، وهذا ظاهر في شعره في الحقيقة، فالمعنى إذاً في بيت ذي الرمة وهذا المعنى.
سبحان الله! شاعر يحتج بشعره، تكلم كلامًا صوابًا، وجاءه شخص لا يحتج بشعره واعترض عليه، وللأسف أخذ بكلام الذين -أو هو نفسه ارتبك ورجع إلى قول الذي اعترض عليه- مع أنه وافق الصواب بفطرته وسليقته، وكونه في عهد الحجة وأنه ممن يحتج بشعره.
فالمعنى إذاً في بيت ذي الرمة على أن الهوى من رسوخه في القلب وثبوته فيه، وغلبته على طباعه بحيث لا يتوهم عليه البراح، وأن ذلك لا يقارب أن يكون فضلاً عن أن يكون كما تقول؛ إذا سلى المحبون وفتروا في محبتهم لم يقع لي في وهم، ولم يجري مني ما يشبه السلوى أو ما يشبه السلو، وما يعد فتره فضلاً عن أن يوجد ذلك مني وأصير إليه، لا يقترب أصلاً.
وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: «لم يرها ولم يكد»، فبدأوا فنفوا الرؤية، ثم عطفوا «لم يكد» عليه ليعلموك أن ليس سبيل لـ«لم يكد» هنا سبيل. ما كادوا في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ينبهونك.
يقول: وينبغي أن تعلم أنهم قالوا في التفسير: «لم يرها ولم يكد»، يعني في التفسير ماذا إذا أخرج يده؟ لم يكد يراها، قالوا لك هو يقول لك لماذا يقولون في التفسير: «لم يرها ولم يكد»؟ ينبهونك إلى الفرق الذي بينها وبينه في ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
شوف علماء التفسير ينبهونك، هذه ليست كالتي هناك، يقدمون لك نفي الرؤية: «لم يرها ولم يكد»، حتى لا تفهم أنها مثل ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ فتقول: راها ولم يكد يراها، غلط! شوف الدقة عند العلماء. انظر إلى الدقة؛ قال: وينبغي أن تعلم أنهم قالوا في التفسير: «لم يرها ولم يكد»، فبدأوا فنفوا الرؤية، ثم عطفوا «لم يكد» عليه ليعلموك أن ليس سبيل لـ«لم يكد» هنا سبيل.
ما كادوا في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ في أنه نفي معقب على إثبات، نفي معقب على إثبات، وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت. خلاص، يعني إذا علمنا أن الكون منفي أصلاً، ضرورة نفي قرب حصوله، يقول: ليس سبيل ذلك في أنه نفي معقب على إثبات، يعني بعد أن أثبت نفى، يعني كان هذا منفياً من قبل ولكن حصل.
وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن كادت لا تكون، ولكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون، فضلاً عن أن تكون. ولو كان «لم يكد» يوجب وجود الفعل لكان هذا الكلام محالاً، جارياً مجرى أن تقول: لم يرها وراها.
أعرف إلى الآن، يوجد شيء؟ أي استفسار؟ يوجد أي خلط في كل ما سبق؟ هل يوجد أي شيء واضح جداً؟
الغلط الذي وقع فيه ابن شبرمة، الخلاصة هنا: الغلط الذي وقع فيه ابن شبرمة أنه جرى على العادة وما وجد له مثالاً في القرآن، أو ظن أنه مثال وغفل عن دلالة نفس الكلام من حيث اللغة، وغفل عن أن في القرآن زيادة اقتضت معنى آخر في ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وهذه الزيادة ليست في كلام ذي الرمة، إذاً يبقى ذو الرمة على الأصل.
فإذا قلت في شعرك: «لم أكد ألقى حبيبتي»، انتبه إذا قلت في شعرك: «لم أكد ألقى حبيبتي»، يعني هذا المعنى؛ فالمعنى أنك لم تلقاها ولم تقارب أن تلقاها. نعم، أحسنت يا أختنا، فإذا أردت اللقاء مع الصعوبة، يعني أنه حصل لقاء بعد صعوبة، تقول: لقيتها ولم أكد ألقاها، لكن لو قلت فقط بدون «لقيتها»، قلت: «لم أكد ألقاها»، يعني لم أقترب من لقياها، لم أقترب من لقياها.
وأنا موقن أنكم الآن تعلمتم استعمالاً جديداً، وأن الجميع تقريباً فيما أظن إذا سمع «لم أكد ألقاها» يعني لقيتها كما ظن ابن شبرمة لكن بصعوبة. والصواب إذا أردت أن تقول إنك لقيتها، فاتبع في ذلك المنهج الذي في قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، فتقول: لقيتها ولم أكد ألقاها، أما إذا قلت: «لم أكد ألقاها» فهذا على الأصل في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.
نعم، قال وها هنا نكتة، وهي أن «لم يكد» في الآية والبيت؛ «لم يكد يراها» إذا أخرج يده، والبيت طبعاً مكتوب ببيت ذي الرمة. قال وها هنا نكتة، وهي أن «لم يكد» في الآية والبيت واقع في جواب إذا، فانتبه ما الذي سيفعله عبد القاهر الآن؟ عبد القاهر متكلم لن يتركك في رأي يراك فيه خطأ إلا وأنت مقتول، والراي مقتول.
هذا استدلال منه آخر خاص بالصيغة التي أتى عليها بيت ذي الرمة، يدعم به غلط ابن شبرمة بجملة، بحمل «كاد» أو بجملة «كاد» على أنه حصل دون قرينة خلاص، وبأنه حمل «كاد» في البيت على «كاد» في الآية التي هي مقرونة بتصريح الحصول والوقوع، خلاص، وبقيت فيها على نفي الوقوع بنفي القرب منه، فهو يريد أن يحملها على ذلك، هذا خطأ.
نعم، قال: والماضي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل كان مستقبلاً في المعنى. الماضي إذا يقول: والماضي، هذه شدوا تحتها سطراً، من الماضي إلى «في المعنى». والماضي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل كان مستقبلاً في المعنى.
فإذا قلت: «إذا خرجت لم أخرج»، كنت قد نفيت خروجاً فيما يستقبل. «إذا خرجت لم أخرج» لأنك علقتها بـ«إذا». وصح إذا كان الأمر كذلك، استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآية على أن الفعل قد حصل، لأنه يؤدي إلى أن يجيء بـ«لم أفعل» ماضياً صريحاً في جواب الشرط، مع أن جواب الشرط يدل على المستقبل، الشرط يدل على المستقبل إذا حصل.
فتقول: «إذا خرجت لم أخرج»، يقول: إذا خرجت... ها، يقول: «إذا خرجت لم أخرج» أمس؟ كأنك قلت: إذا خرجت يعني مستقبلاً، لأن الشرط يدل على عدم الوقوع يأتي في المستقبل. «إذا خرجت لم أخرج» غداً، أنا أيضاً أي لن أخرج، لكن إذا قلت: «إذا خرجت لم أخرج» أمس، فذلك محال.
قال: وذلك محال. ومما يتضح فيه هذا المعنى قول الشاعر: ديارٌ لِجَهمَةَ بالمنحنى ... سقاهنَّ مرتجزٌ باكرُ
ما هذا البحر؟ يعني ينادي على نفسه، متقارب. أخونا المشعشعي سجل قبل أيام قصيدة له على المتقارب للسيد حيدر الحلي رحمه الله ورضي عنه: ديارٌ لِجَهمَةَ بالمنحنى ... سقاهنَّ مرتجزٌ باكرُ وراحَ عليهنَّ ذو هيدبٍ ... ضعيفُ القوى ماؤه زاخرُ إذا رامَ نهضاً بها لم يكد ... كذي الساقِ أخطاها الجابرُ
يا سلام! «إذا رام نهضاً بها لم يكد»، الشاهد أنه لا يصح أن يكون المعنى: «إذا رام نهضاً بها لم يكد يحصل» أمس، لكنه حصل، هل يصح هذا؟ «لم يكد» إذا رام نهضاً.
بها لم يكد إذا رام نهضاً بها لم يقترب من الحصول. رأيت مع محمود شاكر يقول: اذكر الشعر ولكن لا أدري أين هو، يصف سحاباً وهو المرتجز الباكر، والمرتجز السحاب المتتابع، الرعد يكون بطيء الحركة لكثرة مائه، والباكر السحاب الذي يأتي من آخر الليل عند السحر؛ إذا رام نهضاً بها لم يكد، يعني لم يحصل.
فكيف تقول إذا لم يكد؟ يعني لم يكد لكنه حصل كما في ﴿فَبَذَلُوا مَا فِيهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 249]. فإذا رام نهضاً بها لم يكاد يحصل لكنه رآها. غلط إذا رام نهضاً بها لم يكد كذي الساق، أخطأها الجابر.
وأعود إلى الغرض؛ فإذا بلغ من دقة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على مثل خلف الأحمر في قصيدة بشار بن برد، والمثال الأول القصة الأولى، وأعود إلى الغرض: فإذا بلغ من دقة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على مثل خلف الأحمر وابن شبرمة وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله فيرى أنه غير صواب، فما ظنك بغيرهم؟ وما يعجبك أو ما يعجبك؟ فيما أظن محمود شاكر ضبطها: "يعجبك"، قد تصح "يعجبك" و"ما يعجبك" من أن يكثر التخليط فيه، يعني ما الذي يجعلك تتعجب من كثرة التخليط فيه؟ هذا هو الأصل والحاصل عند الناس حتى عند ذي الرمة.
عند مولانا "ما تعجبك" و"ما يعجبك" صح عندي، "يعجبك" و"ما يعجبك"، لعل هذا أفضل. أي نسخة عندك يا وردي؟ وعندنا صفاء أيضاً. يعني أي نسخة التي عندك؟ أنا سأدونها هنا، أظنها كذلك عند نسخة المراغي. لحظة واحدة، أيضاً يا إخوة في نسخة الشيخ المراغي التي قلت لكم هي عندي أصح من نسخة محمود شاكر في كثير من المواضع، هي أيضاً فيها: "وما تعجبك من أن يكثر التخليط فيه"، هذا لعله أوفى.
قلت لكم هذه النسخة، أنا درست الكتاب على طول سنين من هذه النسخة لمحمود شاكر على الأقل تثبت في الذهن لأنها هي التي تفضل عن الحواشي، وهي التي تتداول وأحيل الناس إليها إذا قلت لهم في صفحة كذا في فقرة كذا، لكن درست الكتابة مرة أو مرتين من نسخة الشيخ المراغي، وهذه النسخة هي أفضل في كثير من المواضع في الاختيارات منها هذا الموضع. أنا أضفته الآن؛ شفت، أنا عند محمود شاكر قلت لعلها لأنه ضبطها "يعجبك"، يعني يجعلك تعجب، لكن "وما تعجبك" أصح من الوجهين، فهذا أفضل: "تعجبك"، وأنتم أثبتوها أيضاً، يعني نسخة المراغي: «فما ظنك بغيرهم وما تعجبك من أن يكثر التخليط فيه».
وهذا مثال ثالث أيها الإخوة، هذا عجيب، هذا المثال جميل وعجيب وفيه نفس الشيء سبحان الله، يقول ومن العجب في هذا المعنى قول أبي النجم: قد أصْبحت أم الخيار تدعي عليَّ ... ذنباً كله لم أصنعه
ما هذا البحر يا إخوة؟ أول ما تسمع أبا النجم تعرف أبا الوزن، الرجز. أول ما تسمع أبا النجم أو تسمع رؤبة، خلاص تسمع أبا النجم أو رؤبة على طول، أو العجاج على طول، الرجز: «قد أصْبحت أم الخيار تدعي عليَّ ذنباً كله لم أصنعه».
تأمل كيف أن عبد القاهر، شوف يا أخي الكريم، تأمل كيف أن عبد القاهر الناقد اعترض بالتأمل على كل اللغويين الذين فسروا صنيع أبي النجم على غير المراد، اللغويين أو النحاة الذين فسروا صنيع أبي النجم على غير المراد لما لم ينتبهوا إلى النكتة المعنوية التي وقف عليها عبد القاهر بالتأمل وبخبرة الناقد.
هو يقول: قد حمله الجميع، من الجميع، العامة، البقالون، الحدادون، النجارون، التجار، الذين أخذوا كلام أبي النجم وكلام الرجاز من اللغويين وأخذوا يستشهدون به ويفسرونه؛ فانظر إلى خبرة الناقد في اختيار الوجه الصحيح، أحياناً يخطئ النحاة في فهمهم للوجه النحوي نفسه.
نعم، والمعنى هنا غرض شعري أو غرض للمتكلم. ولهذا يا إخوة كان النقد علماً قائماً بنفسه، ولا يمكن لنحوي أن يفسر الشعر بدون أن يكون هو، أو من غير أن يكون هو، ناقداً للشعر، أو أن يكون مستعيناً بناقد للشعر؛ لأنه سيفسره على المستوى الذي يدركه هو، وربما هنا يخطئ الآخر كما وقع هنا، يخطئ الشاعر وهو لم يفهم الوجه الذي أراده الشاعر.
يقول: قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه بهذا الرفع في شيء إنما يجوز عند الضرورة من غير أن كانت به إليه ضرورة. يقول لك ولم يكن يحتاج إلى ضرورة؛ قالوا لأنه ليس في نصب "كل" ما يكسر له وزناً أو يمنعه من معنى أراده. يعني لو قال: «عليَّ ذنباً كله لم أصنعه» كان سيكون أفضل وأحسن وأجمل، لكن هو قال: «ذنباً كله لم أصنعه»، قالوا أدخل نفسه بهذا الرفع، شيء يجوز عند الضرورة وما كان يحتاج إلى ضرورة. قالوا لأنه ليس في نصب "كل" ما يكسر له وزناً أو يمنعه من معنى أراده.
وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك. ما هو؟ قال: وإلا أنه رأى النصب يمنعه مما يريد، وذاك أنه أراد أن تدعي عليه ذنباً لم يصنع منه شيئاً ألبتة، لا قليلاً ولا كثيراً ولا بعضاً ولا كلاً، والنصب يمنع من هذا المعنى ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي ادعته بعضه، ويقتضي أن يكون قد أتى بعض الذنب الذي ادعته، يعني ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي ادعته الحبيبة أو الزوجة أم الخيار بعضه.
وذلك أننا إذا تأملنا هو يشرح يقول: وذلك أننا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في "كل" والفعل منفي، لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضاً كان وبعضاً لم يكن. يعني لو قال: «عليَّ ذنباً كله لم أصنعه»، يعني لم أصنعه كله، يكون قد فعل بعضاً ولم يفعل. انتبهوا للمسألة، دقيقة، وإن شاء الله نجد وقتاً لها.
قال: وذلك أننا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في "كل" والفعل منفي، والحل أن الفعل منفي لا يصلح أن يكون إذا أعملت الفعل في "كل"، يعني سلطت الفعل على كل والفعل منفي، لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضاً كان وبعضاً لم يكن. تقول: لم ألقَ كل القوم، أهو لم ألقَ كل القوم سلطت الفعل على كل ولم آخذ كل الدراهم؟ فيكون المعنى أنك لقيت بعضاً من القوم ولم تلقَ الجميع، وأخذت بعضاً من الدراهم وتركت الباقي، ولا يكون أن تريد.
أنك لم تلقَ واحدًا من القوم ولم تأخذ شيئًا من الدراهم، وتعرف ذلك بأن تنظر إلى «كل» في الإثبات وتتعرف فائدته فيه؛ لأنه سيقيس النفي على الإثبات، وإذا نظرت وجدته قد اجتلب -طبعًا، لأنه أحيانًا النفي يحدث إشكالًا وبعدًا في الكلام، فيأتي لك بماذا يأتي لك؟ بالإثبات، ثم يقيس الإثبات على النفي-.
يقول: وتعرف ذلك بأن تنظر إلى «كل» في الإثبات وتتعرف فائدته فيه، وإذا نظرت وجدته قد اجتلب؛ لأن «كل» تفيد الشمول في الفعل الذي تسنده إلى الجملة أو توقعه فيها. وتفسير ذلك أنك إنما قلت: «جاءني القوم كلهم»، لأنك لو قلت: «جاءني القوم» وسكتّ، لكان يجوز أن يتوهم السامع أنه قد تخلف عنك بعضهم، إلا أنك لم تعتد بهم، أو أنك جعلت الفعل إذا وقع من بعض القوم فكأنما وقع من الجميع لكونهم في حكم الشخص الواحد.
مثل قولنا: «جاءتني بنو فلان»، ليس كل بني فلان جاؤوك، بل جاءتني رؤوسها، فمجيئها قام مقام البعض. وكما يقال للقبيلة: «فعلتم وصنعتم»، ويراد فعل قد كان من بعضهم أو واحد منهم، وهكذا الحكم أبدًا. فإذا قلت: «رأيت القوم كلهم» أو «مررت بالقوم كلهم»، كنت قد جئت بكل، فلا يتوهم أنه قد بقي عليك من لم تره ولم تمر به.
وينبغي أن يُعلم أن هذا استدراك، وألا نعني بقولنا: «يفيد الشمول» أن سبيله في ذلك سبيل الشيء الذي يوجب المعنى من أصله، وأنه لولا «كل» لما عقل الشمول ولم يكن فيما سبق من اللفظ دليل عليه؛ فلو كان كذلك لم يكن يسمى تأكيدًا. والمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضي للشمول مستعملًا على خلاف ظاهره ومتجوزًا فيه، أي أنه يرفع الاحتمالات التي يحتملها النص وهو على صورته الأصلية من غير اللفظ الذي يكون للتأكيد.
وإذ قد عرفت ذلك، فها هنا أصل، وهو أنه من حكم النفي إذا دخل على كلام ثم كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجه إلى ذلك التقييد وأن يقع له خصوصًا. أنت لما قلت: «جاءني القوم كلهم»، قيدت بتأكيد الشمول، فإذا أدخلت النفي، فمن حكم النفي إذا دخل على كلام وكان هذا الكلام مقيدًا، فهو دخل عليه من حيث القيد لا على أصل المقيد.
تفسير ذلك أنك إذا قلت: «أتاني القوم مجتمعين»، فقال قائل: «لم يأتِك القوم مجتمعين»، كان نفيه ذلك متوجهًا إلى الاجتماع الذي هو تقييد في الإتيان، يعني ليس نفيًا للإتيان؛ فالإتيان هو المقيد بما أنهم مجتمعون، فلما تقول: «جاءني القوم مجتمعين» قيدت مطلق المجيء بالاجتماع. ولو قلت: «لم يأتني القوم مجتمعين»، لم تنفِ أصل إتيان القوم، لكن نفيت القيد الذي هو كونهم مجتمعين. وكان من سبيله إن أراد أن ينفي الإتيان من أصله أن يقول: «إنهم لم يأتوك أصلاً»، فما معنى قولك: «مجتمعين»؟ هذا مما لا يشك فيه عاقل.
وإذا كان هذا حكم النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد، فإن التأكيد ضرب من التقييد؛ فمتى نفيت كلامًا فيه تأكيد، فإن نفي كذلك يتوجه إلى التأكيد خصوصًا ويقع له. فإذا قلت: «لم أرَ القوم كلهم»، أو «لم يأتني القوم كلهم»، أو «لم يأتني كل القوم»، أو «لم أرَ كل القوم»، كنت عمدت بنفيك إلى معنى «كل» خاصة، وكان حكمه حكم «مجتمعين» التي هي الحال في قولك: «لم يأتني القوم مجتمعين».
وإذا كان النفي يقع لـ «كل» خصوصًا، فواجب إذا قلت: «لم يأتني القوم كلهم» أو «لم يأتني كل القوم» أن يكون قد أتاك بعضهم، كما يجب إذا قلت: «لم يأتني القوم مجتمعين» أن يكونوا قد أتوك أشتاتًا. وكما يستحيل أن تقول: «لم يأتِ القوم مجتمعين» وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلًا، لا مجتمعين ولا منفردين، كذلك محال أن تقول: «لم يأتني القوم كلهم» وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلًا. فاعرفه، إلى هنا توجد مشكلة.
كل هذا واضح يا إخوة، واضح. واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي مما ذكرت لك، ووجدت النفي قد احتذاه فيه وتبعه؛ وذلك أنك إذا قلت: «جاءني القوم كلهم»، كان «كل» فائدة خبرك هذا، والذي يتوجه إليه إثباتك بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في نفس المجيء أنه كان من القوم على الجملة، وإنما وقع في شموله الكل.
الذي عناك أمره من كلامك وجملة الأمر هذه قاعدة مهمة يا إخوة، قاعدة مهمة. وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرد إثبات المعنى لشيء إلا كان الغرض الخاص من الكلام -أي هذا الأمر الزائد- هو الذي يقصد إليه ويساق القول فيه.
فإذا قلت: جاءني زيد راكباً، وما جاءني زيد راكباً، كنت قد وضعت كلامك لتثبت مجيئه راكباً أو تنفي ذلك، لا لتثبت المجيء وتنفيه مطلقاً، هذا ما لا سبيل إلى الشك فيه. واعلم أنه يلزم من الشك في هذا أن تتوهم أنه يجوز أن تقول: لم أرَ القوم كلهم، على معنى أنك لم ترَ واحداً منهم، أن تجري النهي هذا المجرى فتقول: لا تضرب القوم كلهم، على معنى لا تضرب واحداً منهم، وأن تقول: لا تضرب الرجلين كليهما، على معنى لا تضرب واحداً منهما.
فإذا قال ذلك لزمه أن يحيل قول الناس: لا تضربهما معاً، ولكن اضرب أحدهما ولا تأخذهما جميعاً، ولكن واحداً منهما، وكفى بذلك فساداً؛ لأن آخر الكلام حينئذ وهو قوله: ولكن اضرب أحدهما، سيناقض أول الكلام. إلى هنا الأمر واضح، الكلام واضح تماماً.
إذ قد بان لك من حال النصب، نرجع إلى البيت: «عليَّ ذنباً كله لم أصنعه». لو نصبت «كله» ما الذي يكون صلة؟ لو نصبت «كله لم أصنعه»، ما إعراب «كل» هنا؟ سيكون مفعولاً مقدماً، لماذا؟ لأن الفعل سيكون مسلطاً على «كل»، فيكون المعنى: لم أصنع كله، أي صنعت بعضه.
قال: «وإذ قد بان لك من حال النصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من الذنب بعضاً وترك بعضاً». فاعلم أن الرفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن يكون قد صنع منه شيئاً، سواء أتى منه قليل أو كثير. أما إذا قلت: «لم أصنع كله»، فكأنك قلت: صنعت بعضه، هل هذا مراده من كلامه؟ لو قلت: «لم أصنع»، إذاً أنت أخبرت عن كل بعدم الصناعة، وهذا هو الفرق.
جعلت «كل» في المقام الأول مفعولاً؛ فإذا قلت: «كله لم أصنعه»، فكأنك تتبعته واحداً واحداً وأخبرت عنه أنه ليس بصنع، فلم يحصل شيء من هذا. الضابط سيأتي إن شاء الله، ومما يشهد لك بذلك من الشعر قول إبراهيم بن كنيف النبهاني: «وكُلٌّ ليس يعدو حمامَه ... ولا لامرئٍ عما قضى الله مزحلُ»
المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه، أي موته وقضاءه، بلا شبهة. ولو قلت: «وليس يعدو كلٌّ حمامه»، لأفسدت المعنى، لأنك حينئذ جعلت «كل» فاعل «ليس»، ولم تخبر عن الكل، وصرت كأنك تقول إن من الناس من يسلم من الحمام ويبقى خالداً لا يموت، لأن المعنى صار: ليس كل الناس يعدو حمامه.
فرق هنا الضابط: فرق بين أن تخبر عن الكل بالنفي، وبين أن تنفي الكل باستعمال «اللام»؛ فتنفي الكل، ونفي الكل يقتضي إثبات البعض، أما الإخبار عن الكل بالنفي فقد شمل كل شيء. كذلك في قوله: «كله لم أصنعه»، أخبرت عن الكل بعدم الصنع. أما لو قلت: «لم أصنع كله»، فكأنك نفيت الصناعة عن الكل وأثبتها للبعض، وهو ضده.
ومثله قول دعبل: «فوالله ما أدري بأي سهامها ... رمتني وكلٌّ عندنا ليس بالمكدي»
يقول المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه. ولو قال: «وليس كلٌّ عندنا بالمكدي»، لكان المعنى النفي عن الكل والإثبات للبعض، أي البعض يكدي. لكنه قال: «وكلٌّ عندنا ليس بالمكدي»، أسند خبراً إلى الكل، فبذلك نفيته كله. فرق بين «وليس كل عندنا بالمكدي» وبين أن تقول كما قال الشاعر: «وكلٌّ عندنا ليس بالمكدي».
المعنى أن يكون على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه. قال: ومن البين في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبي ﷺ: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟»، فقال ﷺ: «كل ذلك لم يكن».
لو قال ﷺ: «لم يكن كل ذلك»، يعني ليس كل هذا حصل، حصل بعضه، لكن «كل ذلك لم يكن». لو قلت «لم يكن كل ذلك» شوف الفرق؛ «لم يكن كل ذلك» إذا كان البعض، أنت نفيت الكون عن الكل، خلاص. لكن لو أسندت النفي للكل شيء آخر، لو أسندته ليس سلطته، لو قلت «لم يكن كل ذلك» فسلطت على الفعل وجعلت «لم يكن كل ذلك» إذا أنت جعلت الكل لم يفعل. إنما لو أسندت النفي إلى الكل، خلاص «كل ذلك لم يكن»، فأسندت النفي كله إلى الكل. لكن «لم يكن كل ذلك» قيدت الفعل من الكل.
ما معنى تعليق ذي اليدين؟ لم أفهم، هذه حادثة وقعت، أقصرت الصلاة؟ نسي النبي ﷺ شيئًا في الصلاة، فقال: «أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟»، فقال ﷺ: «كل ذلك لم يكن». فقال ذو اليدين: «بعض ذلك قد كان يا رسول الله». يعني إذا نسيت يعني حصل نسيان، «بعض ذلك قد كان يا رسول الله».
فهمت الآن؟ نعم، المعنى لا محالة على نفي الأمرين جميعًا، وعلى أنه عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما، لا القصر ولا النسيان. ولو قيل «لم يكن كل ذلك» لكان المعنى أنه قد كان بعضها ولم يكن هذا، طبعًا مراد النبي ﷺ بمنطق الكلام.
نكتفي الآن يا إخوة لأننا تأخرنا شديدًا، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد