دخولتسجيل الدخول

الدرس 39 - من صفحة 271 إلى صفحة 274

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا التاسع من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه. وانتهينا أيها الإخوة إلى الصفحة الأولى بعد الـ 272، انتهينا إلى الصفحة الأولى بعد الـ 268 فيما تناول فيه لفظة وقعت من العباس بن الأحنف، بيته إذ يقول: سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمد

وبين كيف وقع الغلط في كلمة الجمود، وكيف جاءت بعيدة، وكان ذلك مثالاً على اللفظة التي لا تنقلك إلى المعنى المراد منها بواسطة المعنى اللغوي مباشرة. هو يقول لك الصواب -سواء كان ذلك كناية أو كان ذلك استعارة أو كان ذلك تمثيلاً- هو أن تنقلك اللفظة من معناها اللغوي إلى معناها الشعري المراد، يقول حتى يخيل إليك أنك فهمته من حق اللفظ، يعني من عين اللفظ ومن ذات اللفظ ومن حق دلالته، وذلك لقلة الكلفة فيه عليك وسرعة وصوله إليك.

فذكر بعد ذلك مثالاً على النوع الآخر لما قال: «وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا، فكان منقوص القوة في تأدية ما أريد منه»، واستطال الكلام في بيت العباس بن الأحنف إلى أن قال: «وجملة الأمر أنا لا نعلم أحداً جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة وكناية عن أن الحال حال فرج»، ثم قال: «وقلت». هذا لأجل أنه لا يدل على معناه، وليس على قانون العرب، وليس لأنهم لم يأتوا به، نحن لا نأتي به، ونقلت في ذلك كلام حازم القرطاجني.

فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوا أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك؛ لأنك ترى اللفظ لفظاً يصل إلى سمعك، وتحتاج إلى أن تخبئ وتوضع في طلب معناها أو في طلب المعنى. وقفنا إلى هذا الحد، ثم قال: «وهذه الفقرة الآتية يا إخوة فقرة مهمة جداً واستيعاب حسن؛ لأنه سينقل هذا المعنى من اللفظة إلى التركيب، إلى النظم، سينقل هذا من اللفظة الواحدة في التركيب إلى مجموع التركيب».

يقول: «ويجري لك هذا الشرح والتفسير في النظم كما جرى في اللفظ». يعني كل ما قاله في قضية معنى المعنى؛ اللفظ الواحد، لأنه إذا كان النظم سوياً والتأليف مستقيماً كان وصول المعنى إلى قلبك تلو وصول اللفظ إلى سمعك، وإذا كان على خلاف ما ينبغي، وصل اللفظ إلى السمع وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه.

الإخوة الحدثيون يقولون: «المعنى في بطن الشاعر»، يعني اللفظ جاء أصلاً، وليس أن المعنى متأخر في الطريق قليلاً، لا، بل المعنى لم يصعد أصلاً، لم يخرج من بطنه إلى فمه إلى أذننا، ولكن المعنى ظل في بطنه. وإذا كان على خلاف ما ينبغي، أي ليس سوياً مستقيماً، وصل اللفظ إلى السمع وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه، وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا إنه يستهلك المعنى.

هذه قضية خطيرة أيها الإخوة، هذا استيعاب رائق جداً من عبد القاهر لقضية الدلالة والبيان، وهنا سأقفكم على نصوص تؤكد لكم اتفاقهم على هذا المعنى. انتبهوا، ما سأقوله الآن ثمين ومهم جداً: هذا استيعاب رائق لعبد القاهر لقضية الدلالة والبيان، واشتراط النص الوضوح فيها، وعدم الكد في التوسط بين اللفظ ومعناه الذي يرمي إليه الشاعر، سواء كان معنى اللفظة أو كان معنى التركيب، الطبقة الأولى من الدلالة أو الدلالة الأولى للتركيب، التي توصلنا إلى الدلالات الأبعد، فينبغي عدم الكد في التوسط بين اللفظ ومعناه الذي يرمي إليه الشاعر.

فنقل عبد القاهر هنا المسألة من اللفظة المفردة، ونقل كل ما قاله من الشرح والتفسير من اللفظة المفردة إلى النظم، فله نفس الحكم في وجوب نصوع الدلالة على المراد. وعرض لهذه القضية بعينها ابن رشيق في «العمدة»، ويمكننا أن نطلع على ما قاله ابن رشيق بسرعة في المجلد الأول من كتاب «العمدة» صفحة 407 في باب البيان. يقول: قال أبو الحسن الرماني في البيان: «هو إحضار المعنى للنفس بسرعة إدراك».

شوف الكلام، اتفق مع عبد القاهر هنا، هو إحضار، وهو يقول: «وإذا أفرط الأمر...»، إذا كان عبد القاهر يقول: «وإذا كان على خلاف ما ينبغي وصل اللفظ إلى السمع وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه، وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا إنه يستهلك المعنى»، يقول عبد القاهر إن ابن رشيق قال: «قال أبو الحسن الرماني في البيان: هو إحضار المعنى للنفس بسرعة إدراك، وقيل ذلك لئلا يلتبس بالدلالة، لأنها إحضار المعنى للنفس وإن كان بإبطاء».

وقال: «البيان الكشف عن المعنى حتى تدركه النفس من غير عقلة»، يعني من غير أن يتوقف في الأثناء، من غير أن يحصل تعثر، من غير أن تحصل الكلمات المتقاطعة. دائماً تذكروا الكلمات المتقاطعة، يا إخوة، عارفين الكلمات المتقاطعة التي تحل في الجرائد؟ تفكر كذا وكذا، هذا المعنى مش عارف إيه؛ أول ما تحصل هذه القضية اعلم أنك لست أمام شعر. فهذا عرض له ابن رشيق في «العمدة»، وهو الذي قرره ابن سينا ونقله عنه القرطاجني حين جعل في حد التخييل: «نفي الروية بالفكر في اللفظ والتركيب»، نفي الروية، يبقى إذاً ابن رشيق استعمل «العقلة» ونقله عن الرماني.

والإبطاء كذلك، إبطاء وعقلة. خلاص، ابن سينا استعمل الروية بالفكر، كلمة الروية بالفكر في اللفظ والتركيب، يعني نفى التراخي والعمل العقلي بين النص ودلالته، نفى التراخي والعمل العقلي في الدلالة بين النص ودلالته.

تعالوا نطلع على هذا في منهاج البلغاء صفحة 75 و79، انظر ماذا يقول؛ هذا تعريف ابن سينا للتخييل، يقول: «والمخيل أو الكلام المخيل، والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس»، يذكره هنا بالحد أو بالرسم، «والمخيل هو الكلام الذي تذعن له النفس، فتنبسط لأمور أو تنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختيار».

من غير روية وفكر واختيار، يعني من غير أن تتوقف وتبدأ في حل الألغاز. أول ما تدخل في الألغاز ليس شعراً، نعم، وبالجملة يقول ابن سينا: «وبالجملة تنفعل له فعلاً نفسانياً غير فكري». تصريح كلام ابن سينا والقرطجني: «تنفعل انفعالاً نفسانياً لا فكرياً»، يعني لا تقف وتفكر في الكلمات، ولما تكشف تقول: آه والله هذا أراد كذا عن طريق كذا، هذا غلط.

إذاً ما هو العمق البياني؟ إذاً هو أن تتداعى المعاني سلساً، وأن يتحقق شرط البيان في كل طبقة منها إلى أن تبعد شديداً. لماذا إذاً كان كذلك لا يفهم كل الناس الشعر؟ لأنهم ليسوا جميعاً عندهم الإرهاف الذي ينتقل في طبقات المعاني والتداعي، أكثر الناس ينقطع عند الطبقة الأولى أو الثانية، وربما الثالثة، لكن أن ترهف سمعك وإحساسك للشعر وكذا، من البيان نفسه وليس من شيء آخر.

من البيان نفسه هناك ما أسميه إشعاع المعاني، إشعاع الإشارة؛ الإشعاع يظهر، هذا مثلاً من اختيار لفظة معينة مرادفة على مرادف آخر لها، لماذا؟ هذه فيها إشارة خفيفة، فيها نعومة، فيها كذا وكذا.

نذهب إلى صفحة 79، انظر ما يقول؛ يعرف التخييل الآن، كيف يحصل التخييل؟ كيف نقول وقع تخييل للسامع؟ قال: «والتخييل أن تتمثل للسامع»، هذا تعريف القرطجني، هذا نص كلام القرطجني، السابق كان نص كلام ابن سينا، هذا نص كلام القرطجني، رأيتم كتاباً ثميناً، كتاب القرطجني.

قال: «والتخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر المخيل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه، وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتخيلها وتصورها، أو تصور شيء آخر بها انفعالاً من غير روية، إلى جهة من الانبساط أو الانقباض»، يعني شعور بالسلب أو الإيجاب، المهم يحصل انفعال، إما بالسلب أو بالإيجاب، انقباض أو انبساط.

انظر: «انفعالاً من غير روية»، يعني ليس أنك ستقف وتبدأ تفكر في المعاني، فلما تكتشف المعنى تقول: آه، هكذا دل شعرك، لا، بما أنك وقفت وفكرت، بعيداً، لم يدل الشعر على هذا. تفضلوا الشاهد: «لم يدل الشعر على هذا»، فهذا عرض له كما رأيتم، وابن رشيق نص عليه، وقرره ابن سينا صراحة.

وها هو هنا كلام عبد القاهر في معنى المعنى، كلام عبد القاهر في معنى المعنى وفي شرط عدم الإبطاء، وفي شرط عدم مسابقة اللفظ إلى المعنى في السمع دون المعنى، وفي عدم التعقيد، صرح بالتعقيد، وفي عدم تأخر المعنى عن اللفظ. أما ابن رشيق فقال: «العقلة» وقال: «الإبطاء»، وأما ابن سينا والقرطجني فقالوا: «من غير روية ولا فكر»، كله في نفس المعنى، كله يجعلك تلازم بين اللفظ والمعنى، ثم بين المعنى والمعنى، ثم المعنى ومعنى المعنى، مش مهم إلى أي مدى، خلاص إن شاء الله إلى العاشرة.

لكن تنتقل، كيف يتفاضل الناس في هذا؟ يتفاضلون بالقدرة على التداعي مع المعاني، ولهذا قالوا في الشعر العالي، وقالوا في القرآن، قالوا: «الكلام الجيد، الكلام العالي الرفيع هو الذي تفهم العامة معناه وتعرف الخاصة فضله»، هذا قالوه في الشعر قديماً كما رأيتم في العمدة، وقالوه في القرآن كما رأيتم في ابن الأثير: «ما تفهم العامة معناه وتعرف الخاصة فضله».

احفظوا هذا: «ما تفهم العامة معناه وتعرف الخاصة فضله»، العامة تفهم المعاني، وربما تنبهر بعين المعاني المجردة، لا بأس لا يضرها، الخاصة تعرف فضل الكلام وبلاغته، يعني القدر الزائد على المعاني وعلى الاستقامة الأصلية في الدلالة.

قال: «واعلم أن لم تدق العبارة، ولم يقصر اللفظ، ولم ينغلق الكلام في هذا الباب، إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء». سيبدأ معك في رحلة يبين لك فيها شدة الخفاء في هذا المعنى، يقول: «واعلم أن لم تدق»، طبعاً «أن» هنا المخففة كما قال ابن مالك: «وإن تخفف أن فاسمها استكن، والخبر اجعل جملة من بعد أن، وإن يكن فعلاً ولم يكن دعاء ولم يكن تصريفه ممتنعاً، فالأحسن الفصل بقد أو نفي نو، تنفيس نو، لو، وقليل ذكر لو».

فهنا فصل بـ «لم»، يعني: «واعلم أن لم تدق»، يعني أنه لم تدق، وإن تخفف «أن» فاسمها استكن، يعني أن الضمير موجود فيها، فخففت. والخبر: «واجعل جملة من بعد أن، وإن يكن فعلاً ولم يكن دعاء ولم يكن تصريفه ممتنعاً، فالأحسن الفصل بقد أو نفي نو، تنفيس نو، لو، وقليل ذكر لو»، يعني «سين وسوف» أو «لو»، وقليل ذكر «لو».

ولذلك يقول امرؤ القيس: «ألا زعمت بسباسه اليوم أنني كبرت، وأن يحسن اللهو أمثالي»، وليس «أن لا يحسن»، لأن هذه «أن» إن خففت من الثقيلة فاسمها استكن، وفصل بينها وبين جملة الخبر بنفي: «وأن لا يحسن اللهو أمثاله». كذلك هنا: «واعلم أن لم تدق العبارة»، يعني أن الشأن أن الموضوع أنه لم تدق العبارة إلى آخره.

قال: «واعلم أن لم تدق العبارة، ولم يقصر اللفظ، ولم ينغلق الكلام في هذا الباب إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات». هذا باب يا إخوة صار به علماء الشعر يمتازون عن غيرهم، حتى قال أبو عمرو بن العلاء: «إن العلماء بالشعر أقل أو أندر من الكبريت الأحمر»، وحتى قال الأصمعي: «فرسان الشعر أندر من فرسان الحرب»، فرسان الشعر أندر أو أقل من فرسان الحرب.

قال: «واعلم أن لم تدق العبارة، ولم يقصر اللفظ، ولم ينغلق الكلام في هذا الباب إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات، وأنك لا...»

ترى أغرب مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه. وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟

أعلم أنه لم تدق العبارة، ولم يقصر اللفظ، ولم ينغلق الكلام في هذا الباب، إلا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات. وإنك لا ترى أغرب مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه.

كلما يا إخوة مرت على شيء مثل هذا، تذكرت هذا الشيخ الأزهري الذي قال في جمع من الطلاب -وربما كانوا من الطلبة المشتركين-: «تعلمون أنني جئت من سابق شرعي أزهري، وأنني تخرجت في كلية الشريعة، وشطر عمري قضيته في علوم الشريعة، ثم وضعت رحالي في هذا العلم، اخترته لأسباب على رأسها الملائمة، وعلى رأسها كذلك إيماني بأنه أعثر شيء، إن الممارسة لغيره من العلوم دونه أو دون الإلمام به وفهمه ودون تبنيه فكرة على الأقل هو كالحفر في الماء».

لا أنسى هذا الشيخ الذي قال لطلابه: «لقد أضاع أبو قيس نفسه». كان مخولا لأن يكون من علماء الشريعة الكبار والأصوليين، والآن ماذا يفعل؟ يشرح الشعر. وأنا الآن بعد كل هذه السنين أسأل: أين هذا الشيخ وماذا يفعل؟ الجواب تقريبا لا شيء. منازعات ومعارك في كل موسم؛ في عيد الفطر نزاعات على الحبوب، أم النقود؟ نزاعات على النقاب، نزاعات على مشكلات وقضايا تستطيع أن تعدها، ويظل الاجترار لنفس الكلام، لا علم ولا فهم ولا تحرير ولا حكمة ولا شيء.

فسبحان الموفق سبحانه وتعالى، الأمور تظهر لا بالنظر الأول الساذج، وإنما تظهر إما عملا بتصديق الواقع الحاصل، وإما بالنظر والحكمة الشديدين. والحمد لله، كانا هذان في صفي، الواقع شهد بصحة ما سعيت فيه، وبحمد الله نظري وبعد مرماي بمخيلتي قديما، الحمد لله رب العالمين، رمى إلى ما صدقه الواقع، ولهذا استمررت في ذلك وأسررت فيه ليلي ونهاري ولم أقعد ولم أتراجع.

قال: وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدعى على كبار العلماء أنهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟ فقد ترى البحتري حين سئل عن مسلم وأبي نواس، أيهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقال أبو نواس: «البحتري قال أبو نواس أشعر من مسلم». فقيل إن أبا العباس ثعلبا -ثعلب إمام الكوفيين المعروف- لا يوافقك على هذا، فقال: «ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته».

انظر إلى الصراحة في هذا، قال: «ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله»، يعني لعلومه دون طرائق عمله. إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته. قوله: «العلم بالشعر دون عمله»، يريد العلوم التي في الشعر من نحو وصرف وأيام وتاريخ ولغة، خلاص، دون علم عمله، هذا شيء آخر. دون علم عمله، وليس يريد أن يكون المتكلم بالشعر أو المتكلم في الشعر شاعرا، هذا خطأ، لاتفاقهم على علم إناس وعلى فحولتهم في علم الشعر مع اتفاقهم على أنهم ليسوا شعراء، مع ظهور كونهم غير شعراء، وإنما هو يقابل علم عمله بما فيه من المعارف.

عبد القاهر نفسه من أعلم الناس بالشعر، وشرح ديوان المتنبي، وشرح هذا الكتاب "الكنز"، وشرح ما شرحه في "آثار البلاغة"، وهو ليس بشاعر إطلاقا. فهو يقابل علم عمل الشعر أو علوم الشعر بما فيه من المعارف. والنقاد الكبار كالآمدي والصولي وابن جني هم يشتغلون بعلم عمله؛ كالآمدي مع الطائيين، والصولي مع أبي تمام، وابن جني مع المتنبي، وعبد القاهر مع الجميع ومع المتنبي.

والعبارة التالية تدلك على هذا بالتصريح في كلام عبد القاهر هنا، ولكن قبل ذلك أقرأ لك هذه العبارة من كتاب "العمدة" لابن رشيق، ليؤكد لك ابن رشيق المقصود من هذا النوع من العلم في المجلد الأول صفحة 187، يقول: «وأهل صناعة الشعر أبصر بها من العلماء بالته من نحو وغريب ومثل وخبر وما أشبه ذلك ولو كانوا دونهم بدرجات».

فكيف لمن قاربوهم أو كانوا منهم؟ إذا كان ناقد الشعر -إذا كان أدنى بطبقات في علم النحو من النحوي- هو أبصر بعلم الشعر من النحوي، فكيف إذا كان هذا الناقد ممارسا للنحو، محصلا له، حافظا لكتبه ولمتونه، مستحضرا لمسائله؟ يقول هذا كلام صريح: «وأهل صناعة الشعر أبصر بها من العلماء بالته من نحو وغريب ومثل وخبر وما أشبه ذلك ولو كانوا دونهم بدرجات» في هذه العلوم، فكيف بمن له تعلق بالنحو، كيف بمن قاربهم أصلا؟ فهذا أدعى، فإذا كانوا دونهم بدرجات وطبقات هم أعلم منهم بعلم الشأن.

ففصل لك ابن رشيق بين علم عمل الشعر، والعلم بصناعة الشعر، والعلم بألته. ولعلكم تذكرون أبا علي الفارسي؛ هذا يا إخوة في كتاب "ثمرات الأوراق" لحجة الحموي، يتكلم فيه عن أبي علي الفارسي وحاله مع الشعر في الصفحة السابعة. يقول: «وحكى أبو القاسم أحمد الاندلسي قال: جرى ذكر الشعر بحضرة أبي علي الفارسي وأنا حاضر، فقال: إني لأغبطكم»، يقول للشعراء: «إني لأغبطكم على قول الشعر، فإن خاطري لا يوافقني إلى ذلك مع تحقيق العلوم التي هي من مواده، مع تحقيق العلوم التي هي النحو والصرف والعربية». أبو علي الفارسي قالوا لم يأتِ أعلم بالعربية بعد سيبويه من أبي علي الفارسي، سيبويه الثاني، مع تحقيق العلوم التي هي من مواده. فقال له رجل: فما قلت قط شيئا منه؟ قال: «ما أعلم أن لي شعرا غير ثلاثة أبيات في الشيب».

وهي قولي: خضبتُ الشيبَ لما كان عيبا ... وخضبُ الشيبِ أولى أن يُعابَا ولم أخضبْ مخافةَ هجرِ خلٍّ ولا عتابا ... ولكن المشيبَ بدا ذميما فسيرتُ الخضابَ له عقابا

ليس في روح التخييل روحه الأثر، لا يوجد عنده فكرة عقاب وكذا، ترونها محاولة طفولية لتقليد الشعراء. من هذا عبقري من عباقرة بني آدم، أبو علي الفارسي الذي ذكروا أنه مر على ابن جني وهو متصدر فقال له: «تذببت قبل أن تو...» ولزمه ابن جني، قالوا لزمه أربعين عامًا. أمام هذا الإمام يقول: «خضبت الشيب لما كان عيبا»، وهو يعترف يقول لك: اغبطكم يا معشر الشعراء.

خضبتُ الشيبَ لما كان عيبا ... وخضبُ الشيبِ أولى أن يُعابَا ولم أخضبْ مخافةَ هجرِ خلٍّ ولا عتابا ... ولكن المشيبَ بدا ذميما فسيرتُ الخضابَ له عقابا

يعني بتعسف عاقب المشيب عليه على الذميم، أي كلام، أنا عايز بس أعمل مفارقات وأفعل. فسبحان الله، هذا ممن قال فيه أو قال فيهم ابن رشيق من العلماء بالته. فسبحان الله، فعنده الته وليس عنده قول الشعر، ولكن عنده ممكن علم الشعر، شيء آخر لكن عمل الشعر شيء ثالث.

يقول: «إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته». وخلاصة كلام عبد القاهر أنه يقصد العلماء بالشعر، سواء كان عالماً لأنه شاعر أو كان عالماً لأنه تعلم عمل الشعر، كيف يعمل الشعر، تعلم فنون الشعر، فصار ذا بصيرة بالشعر، وكما قال ابن رشيق: «صار ذا بصر بالشعري».

قال عبد القاهر: «ثم حتى هؤلاء الذين عندهم العلم بالشعر...» ثم يأتي لك بمثال على عسر هذا الباب ما ذكره من دقته وخفائه. قال: «ثم لم ينفك العالمون به والذين هم من أهله من دخول الشبهة فيه عليهم ومن اعتراض السهو والغلط لهم». روي سيذكر بمناسبة سيذكر معنا الآن، سنمر على ثلاث قصص، منها ما عرض لشعراء، ومنها ما عرض لعلماء. هذا مثال أول، ثم يأتي مثال ثاني مع شاعر، ثم يأتي مثال ثالث مع العلماء جميعًا، وستعجبون من هذا الكلام.

قال: روي عن الأصمعي أنه قال: «كنت أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكانا يأتيان بشارًا فيسلمان عليه بغاية الإعظام». انظر إلى تعظيم العلماء للشعراء. محمود شكري يقول: «الشادي الذي يشدو شيئًا في الأدب»، أي يأخذ طرفًا منه، كأنه ساقه وجمعه، أي يسير معهما ويتعلم منهما ويأخذ منهما الأدب كتلميذ مع عالمين كبيرين.

طيب، من منكم يعلم أيهما أعلم بالشعر، أبو عمرو بن العلاء أم خلف الأحمر؟ نختبر المذاكرة الآن. حمزة، الجواب لحمزة. اذكر، تكلمت عن هذه القصة من قبل، أنك ذكرت أن خلف الأحمر أفضل من أبي عمرو، أنا الذي تكلمت أم نقلته؟ بصراحة لا أذكر، لكن كان الكلام حول هذا.

أخانا حسن، ماذا ترى؟ خلف الأحمر أعلم أم أبو عمرو بن العلاء بالشعر؟ لا أذكر أني سمعت يا مولانا، ولكن أظن أن أبا عمرو رحمهم الله جميعًا كان متوسعًا أكثر في القرآن، وأما في علم الشعر والنقد وما شابه ذلك فإنه خلف. طيب أخانا أيوب، أبو عمرو بن العلاء؟ أسامة الحمادي، مرة أخرى، الصوت يتقطع، مرة أخرى. قلت يا مولانا إن أبا عمرو بن العلاء هو أفهم في اللغة وفي الرواية، لكن في النقد خلف الأحمر.

قل يا حميري. مولانا، أذكر قديمًا أنكم نقلتم نصًا عن الأصمعي نفسه تقريبًا كان يقول في تفضيل خلف الأحمر عن أبي عمرو بن العلاء، وليس تفضيلًا عاديًا، يعني كان يقول إن خلف أعلى بكثير. والله أنتم أكثركم وكلكم إجابته صحيحة، لكن للأسف طال عليكم العهد بكتاب ابن رشيق.

لأن ابن رشيق قال: «وأهل صناعة الشعر أبصر بها من العلماء بالته، من النحو، ومن غريب، ومثل، وخبر قرآن، وما أشبه ذلك، ولو كانوا دونهم بدرجات، فكيف لمن قاربوهم أو كانوا منهم؟». ثم قال في السطر التالي مباشرة: «وقد كان أبو عمرو بن العلاء وأصحابه لا يجرون مع خلف الأحمر في حلبة هذه الصناعة عن النقاد، ولا يشقون له غبارًا لنفاذه فيها وحذقه بها وإجادته لها».

هذا تصريح ابن رشيق، عرفتم لماذا ينبغي ألا تقفوا على دراسة الكتاب؟ ينبغي أن تدمنوا النظر في الكتاب حتى تنطبع كل معارفه في صدركم، هنا تكونون قد حصلتم الكتاب، وليس أنكم فهمتموه أولًا. محمد الحبال يقول: «أخطأت النسبة، ظننت القول للأصمعي». ما أنا أقول: أنتم ينبغي وقد درستم كتابًا أن تدمنوا النظر فيه حتى تحصلوا ما فيه.

أنا لما سألتكم الآن هذا السؤال، من أين جاءني هذا السؤال؟ وأنا جاء أمامي الآن خلف الأحمر وأبو عمرو، وكلاهما جلسا لبشار بن برد، أيهما أعلم بالشعر؟ عندي معلومة من ابن رشيق. فعليكم بعد أن تدرسوا الكتاب دراسة، وفهمه، وإن أوقفتكم فيها على كل فائدة وكل معرفة فيه، وإن حللت لكم الإشكال، وإن زدتك عليكم، وإن ربطته بغيره، هذا كله مرحلة أولى للكتاب.

بعد ذلك يأتي إدمانكم للكتاب الذي يجعلكم تحصلون ما فيه من المعارف. كتاب واحد تدمنونه خير من عشرة كتب تقرأونها. كتاب واحد تدمنونه وتحصلون كل ما فيه بمنطوقه ومفهومه خير من عشرة كتب تقرأونها مرة. لا تحتاجون إلى أن أقول لكم كلمة بروسلي، يعني يقول لك: «أنا لا أخاف ممن تعلم ألف حركة قتالية، أخاف ممن تعلم حركة واحدة ألف مرة، أو فعلها ألف مرة، أخاف منه؛ لأنه عنده حركة واحدة قتالية لكنه...»

قادر على قتلي بها، وضامن لو استعملها أن يصيب، لكن الذي فعل ألف حركة ولم يحصل واحدة، لم يتقن واحدة منها، وارد ألا يصيب بواحدة منها، لكن الذي قتل حركة اتقانا واحترافا لو قرر استعمالها فهو ضامن إصابتك. فكذلك الكتاب؛ كتاب واحد تحصله، العمدة لابن رشيق ليس هينا، وقرطاجني ليس هينا.

فعليكم أن تدمنوا، لا أقول لتبقى على كتاب، عليكم أن تدمنوا كل كتب النقد أصلاً وأن يدوم نظركم فيها، وإلا من أين تكونون؟ فحاولوا في النقد، إلا إذا كنتم محصلين كل ما في هذه الكتب من شدة إدمانكم له. إنما فقط أمثل بالكتاب الواحد، لا أريدكم أن تكونوا مع الكتاب الواحد طبعاً، لكن أنتم ستدمنون كل هذه الكتب. وإلا من توقف عند أن شرحت له، صارت عنده ثقافة، لكن لن يكون إماماً، لن يكون هذا العلم الذي يمشي على قدمين، هذا الأسطول العلمي الذي يمشي على قدمين.

لا يصح أن تكون عالماً بالنقد وتسأل عن أي مسألة في كتاب ابن رشيق، أو تسأل عن أي مسألة وهي في ابن رشيق، ولا تجيب بلسانك: «استنى أما أراجع، أسمع شرح أبو قيس، أما أنظر في الكتاب».

روي عن الأصمعي أنه قال: كنت أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكان يأتيان بشار، فيسلمان عليه بغاية الإعظام، ثم يقولان: «يا أبا معاذ»، يا فاسق، يا شاعر، يا ماجد، يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ يريدان العلم.

خلاص خلصنا، رجال يفهمون ما يريدون، ومرادهم محدود. رجال: «يا أبا معاذ ما أحدثت؟» فيخبرهما وينشدهما ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له. الذي يقول هذا الأصمعي: «ويكتبان عنه متواضعين له»، حتى يأتي وقت الزوال، يعني واضح أنه من صلاة الفجر مثلاً إلى وقت الزوال، الظهيرة، حتى يأتي وقت الزوال ثم ينصرفان.

واتياه يوما، بعد مرات كثيرة، فقال: «ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟» قال: «هي التي بلغتكم»، قالوا: «بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب»، قال: «نعم، بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف».

يعني هؤلاء كانوا مشاغبين جداً. طبعاً كان زمان، العلم الذي يسمع هذا من المعاصرين كله كان عندهم فراغ، لا، هذه الأشياء كانوا يأخذون ربما عليه رواتب وأموال، والدولة تفرغ أناساً.

قال: «نعم، بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب»، أخوكم الحميري يقول العبارة مرعبة، تظهر مدى علم بشار وإحاطته باللغة. صحيح، «فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف»، قالوا: «فأنشدناها يا أبا معاذ»، شوف يعظمانه، «فأنشدناها يا أبا معاذ»، فأنشدهما: بكرًا صاحبي قبل الهجير .. إن ذاك النجاح في التبكير

حتى فرغ منها، فقال له خلف: «لو قلت -وهي ضبطت هنا بالراء وأنا أحسبها تصح أو هي أولى بالفتح والله أعلم- لو قلت يا أبا معاذ مكان (إن ذاك النجاح في التبكير) (بكرًا فالنجاح في التبكير) كان أحسن».

لو قال «لو قلت» لنسب الفضل لنفسه، لكنه قالها من باب الأدب بحيث لا ينسب الفضل لنفسه، وكأنه يقترح عليه. فقال بشار: «إنما بنيتها إعرابية وحشية، فقلت: (إن ذاك النجاح في التبكير) كما يقول الأعراب البدويون، ولو قلت (بكرًا فالنجاح) كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذاك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة». قال: فقام خلف فقبل بين عينيه.

يقول عبد القاهر: «فهل كان هذا القول من خلف والنقد على بشار إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟». هذه يا إخوة رتبة، انتبهوا إلى هذه الرتبة، هذه رتبة من أدرك نقد القصيدة بتمامها، نقداً دقيقاً يتعلق حتى ليس بدلالات الألفاظ بل بمصادر الألفاظ. هذه رتبة دقيقة من إدراك نقد القصيدة بتمامها، لأنه لا يتكلم عن المعنى في كل بيت، يتكلم عن نص كامل؛ لا يجوز فيه أن آتي في مطلعه بعبارة مولدة أو عبارة يقولها الحضريون، ثم آتي بأبيات بعدها بألفاظ يقولها البدويون، تمزقت القصيدة.

والشاهد في هذه القصة أيها الإخوة، هو أن خلف الأحمر وأبا عمرو بن العلاء هما من علماء الشعر، هم العالمون به والذين هم من أهله، كما وصفهم عبد القاهر، فليسوا كثعلب أو كغيره ممن تمحض في النحو.

واللغة والأخبار وما إلى ذلك، ومع ذلك الشاهد: «مع ذلك خفي عليهم ما احتاجوا إليه، أو ما احتاجوا فيه إلى تعلمه من شاعر كبشار»؛ خفي عليهم ما احتاجوا إلى تعلمه من أعلم منهم، وهو بشار بن برد.

قال عبد القاهر: «واعلم...». يشبه عبد القاهر أبا تمام؛ فهو قال لك أبو تمام: لا يمر على كلمة فيها اسم أو علم أو كذا إلا صنع منها جناساً وفعل كذا، وإن ترك ذلك يشعر أنه ارتكب إثماً. كذلك عبد القاهر لا يترك قصة فيها طرف من اللغة إلا أخذ هذا الطرف واستطرد منه.

أذكركم، نحن ما زلنا في الكلام على معنى المعنى، وما زلنا في الكلام على خفاء دلالة المعاني على المعاني، وهذا كله ندل به على أنهم حينما يصفون الألفاظ أو يلحقون أوصافاً بالألفاظ إنما يقصدون المعاني للألفاظ. ومن الشواهد على ذلك هذه العبارات التي قالوها في قضية معنى المعنى، وهذه قضية صعبة ودقيقة، وما زال عبد القاهر غارقاً بنا في بيان عسرها ودقتها.

يقول: «واعلم أن من شأن "أن" إذا جاءت على هذا الوجه...». ذاك النجاح في التبكير؛ إن عبد القاهر هنا سيربط لك ربطاً ليس موجوداً لا في كتب النحو ولا في غيرها، هو فعل الشعر بدلالة السياق والتراكيب. هذا نموذج مثال صغير تفهم منه ما معنى أن نكون علماء بالشعر، كما كلمتكم من قبل في إحدى مقدمات الصناعتين، لما قلت لكم هناك طبقات في العلم: علم أنا بوصفي أستاذاً زعيم لك به، وعلم أنا معين لك فيه، وعلم لا أملك لك فيه شيئاً. وكلمتكم عن هذا العلم الذي نستخرج وأعينكم فيه، هذا أن تعرف كيف تستعملها.

هذه عبارة تأتي يقول لك: "أن" هنا تأتي مكان الفاء العاطفة، أيش دخل "أن" في الفاء العاطفة؟ يقول لك: أيش جاب الهرم جنب البحر؟ فيقول: «واعلم أن هذا الشعر...». واعلم أن من شأن "أن" إذا جاءت على هذا الوجه -لأنه ليس من دلالات "أن" في ذاتها، وإنما هو في الشعر إذا وقعت في سياق معين، لأن "أن" التوكيدية هنا في موقف معين تأتي مكان فاء التعقيب- كيف؟

يقول: «أن تغني غناء الفاء العاطفة مثلاً، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً». تربط الجملة إذاً، أنت تقطع الكلام بالصوت والمعنى، تقول: "أن كذا"، لا، هذه عبارة معللة. كيف؟ قال: «أن تغني غناء الفاء العاطفة مثلاً، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً». فأنت ترى الكلام بها مستانفاً غير مستانف في نفس الوقت، ومقطوعاً موصولاً معاً.

ما هو قال لك: أهو ما الثاني؟ ليه أخذوا عليه «مكر مفر مقبل مدبر معاً»؟ ماهي مستانفة غير مستانفة ومقطوعة موصولة معاً؟ ومعنى كمان؟ لأننا نراه مستانفاً مقطوعاً على جهة الاستقلال بمعناه ودلالته الخاصة، ولكنه غير مستانف، موصول بما قبله باعتبار تعلق جملة المعنى بمعنى غيره في كلام معين. لو جئت وقلت: "إن النجاح في التبكير" وحدها هكذا، لم تربط والكلام مستقل ولا يوصل بغيره، لكن في هذا البيت المعين في الكلام المعين، لا يكون غير مستانف موصولاً باعتبار تعلق جملة المعنى بمعنى غيره في الكلام الخاص، وبوقوع العبارة على وجه كالذي أبان عنه عبد القاهر في حديث الفصل والوصل.

وليس المقصود العبارة التي تقع موقع المفرد في الإعراب، وإنما التي تستقل دون موقع إعرابي. يقول: «فأنت ترى الكلام بها مستانفاً غير مستانف ومقطوعاً موصولاً»، وأنا شرحت لكم كيف ذلك ومهدت لكم حتى تفهموا. قال: «أفلا ترى أنك لو أسقطت "أن" من قوله: "أن ذاك النجاح في التبكير" لم ترَ الكلام يلتئم؟».

نجرب: "بكرة صاحبي قبل الهجير، ذاك النجاح في التبكير". لم يلتئم الكلام. "بكرة صاحبي قبل الهجير، ذاك النجاح في التبكير". طب ولو قلت: "بكرة صاحبي قبل الهجير إن ذاك النجاح في التبكير" إذاً التوكيد وصل الكلام. قال: «لو أسقطت "أن" من قوله: "أن ذاك النجاح في التبكير" لم ترَ الكلام يلتئم، ولرا الجملة الثانية لا تتصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل حتى تجيء بالفاء». حتى تجيء بالفاء فتقول: "بكرة صاحبي قبل الهجير فذاك النجاح في التبكير".

تفسير ذلك يا إخوة أن التوكيد بـ "أن" لما قام مقام الفاء، قال: «فذاك النجاح في التبكير». ومثله قول بعض العرب: «فغنها وهي لك الفداء، إن غناء الإبل الحداء». فانظر إلى قوله: «إن غناء الإبل الحداء»، وإلى ملائمته الكلام قبله وحسن تشبثه به، وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه. ثم انظر إذا تركت "أن" فقلت: «فغنها وهي لك الفداء، غناء الإبل الحداء»، كيف تكون الصورة؟ وكيف ينأى أحد الكلامين عن الآخر؟ وكيف فيشئم هذا ويعرق ذاك حتى لا تجد حيلة في ائتلافهما حتى تجلب لهما الفاء، فتقول: «فغنها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء».

ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وإن قد ذهبت الأنسة التي كنت تجد والحسن الذي كنت ترى. أسأل سؤالاً يا إخوة: لماذا؟ ما السر؟ تفضلي أختنا الكريمة أو بالكتابة عندك.

قالت: "أستاذ، شعرت أن الفاء للتعليل عادةً لا نعلل إلا لمن يشك في الأمر، وجاءت "إن" لتؤكد، وهي تكون في مقام مخاطب الشك، عندما أخاطب الشك أستخدم "إن" له".

نستطيع أن نقول التوكيد بـ "أن" ليست المشكلة في الفاء، الفاء ربط، ونستطيع أن نقول إن التوكيد قام مقام التعليل؛ يعني يمكن أن أقول مثلاً: التوكيد بـ "أن" هو الذي أحدث علة في الجملة الثانية. كيف أحدث هذه العلة؟ أحدث علة في الجملة الثانية لما في الجملة الأولى، وبدون التوكيد تأتي الثانية خبراً عادياً لا تظهر فيه علة الأولى. انظروا كيف، الآن سنتكلم في نقد الشعر، التعليل والتوكيد.

التأكيد كان كأنك لما أكدت صنعت وصلة بالكلام الأول، كما أنك عللت بالثاني وكما ذكرت، وتفضلت فاء التعليل فيها ريح التوكيد، صح؟ والتوكيد أن ذاك النجاح كأنك تريد أن تقول له: هذا الذي أؤكده علله لما سبق، وإلا لماذا عللت؟ إذاً التوكيد صار إلى التعليل، وإذا عللت بالفاء عقبت بها وعللت بها صار نوعاً من التوكيد للأول؛ لأن التعليل فيه التوكيد، والتوكيد يؤول إلى التعليل.

لماذا تؤكد الأصل؟ التوكيد أم عدم التوكيد يا إخوة؟ الأصل عدم التوكيد، فإذا أكدت بحثت عن سياق للتوكيد، وهذا السياق هو أن هذا المؤكد علة للأول. رأيت؟ هذا المؤكد علة للأول، وهذا الذي ربما أمور لا يعرض لها عبد القاهر؛ عبد القاهر ربما يحكي لك الظاهرة يشرحها أحياناً، لا يشرحها أحياناً. هل شرح هذا؟ تعال ولننظر.

يقول: قل يا حسن. نعم يا مولانا، أشعر في هذا الأمر بشيء زائد ولكن لا أجد في نفسي تعبيراً، لكن السؤال هو أن بشاراً لم يقل: بكر صاحبي قبل الهجيري أن ذاك التبكير هو النجاح، مثلاً، بل قال: «إن ذاك النجاح»، فكأنه يشير إلى تعليل أمر لم يذكره في الشطر الأول ولكنه كان مفهوماً لدرجة أنه قال ذاك. العفو مولانا، ولكن كان الكلام لا يلتئم أن التعليل هذا يكون للأمر غير المذكور.

نعم، أحسنت أحسنت، أنت الآن تخوض في تفصيل أبعد، رضي الله عنك. قال كما في قول الشاعر، أو قول بعض العرب: «فغنها وهي لك الفداء، إن غناء الإبل الحداء». ما هذا البحر يا إخوة؟ مجزوء رجز يا مولانا. هو الرجز، الأصل فيه أن تأتيني بمنظومة واحدة سلمت فيها كل التفعيلات في الرجز بمنظومة علمية واحدة أو غير علمية.

قال: «فغنها وهي لك الفداء، إن غناء الإبل الحداء». فانظر إلى قوله: «إن غناء الإبل الحداء»، وإلى ملائمته الكلام قبله، وحسن تشبثه به، وإلى حسن تعطف الكلام الأول عليه. ثم انظر إذا تركت «إن» فقلت: «فغنها وهي لك الفداء، غناء الإبل الحداء»، كيف تكون الصورة؟ وكيف ينبو أحد الكلام عن الآخر؟ وكيف يشئم هذا ويعرق ذاك؟ حتى لا تجد حيلة في ائتلافهما حتى تجتلب لهما الفاء، فتقول: «فغنها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء».

ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وإن قد ذهبت الأنسة التي كنت تجد والحسن الذي كنت ترى. يريد أن يقول لك إنك حتى وإن تحايلت بأن جلبت الفاء إلى مكان «إن» فإنك تجدها لا تقوم مقامها؛ ذلك لأن الحروف وإن تشابهت في الوظائف، يظل لكل حرف عمله في موقعه.

والآن ندخل إلى مثال ثالث، يقول: وروي عن عنبسة أنه قال: قدم ذو الرمة الكوفة، فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته الحائية. التي منها هنا محمود شاكر قال هكذا، وهنا عن عنبسة، وأرجح أنه خطأ محمود شاكر، يقول في الحاشية الأولى: وأرجح أنه خطأ، ولذلك وضعته بين قوسين؛ لأن راوي الخبر هو عبد الصمد ابن المعذل عن جده غيلان بن الحكم.

يقول كما في المراجع التالية: والكناسة محلة بالكوفة، كان الناس يجتمعون في سوقها، وشال ذو الرمة في ديوانه. ورواية البيت التالي كذا وكذا، المهم لأنه سيقول بعد ذلك: «فلما انصرفت حدثت أبي من الذي حدث أباه». يقول: حدثت أبي، قائله غيلان بن الحكم كما يقول محمود شاكر. فيقول: تهمنا القصة وما فيها من العبرة العلمية، فوقف ينشد الناس بالكناسة كما قلنا، الكناسة محل بالكوفة كان الناس يجتمعون في سوقها، فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته الحائية، التي منها -كما نقول تعرف الإصناع- يقول: من عرف اتساع بيان العرب أو لسان العرب كاد ألا يخطئ أحداً.

فأنشد ذو الرمة: «هي البرء والإسقام والهم والمنى والمرء في القلب مني المبرح» البحر يا إخوة؟ البحر الطويل، سيد البحور. «وكان الهوى بالناي يمحى فيُمحى وحبك عندي يستجد ويربح إذا غير الناي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مني يتبرح»

معناه البلاغ الشعري. «لم يكد» يعني لم يبرح، «يكد» يعني يقترب من الذهاب. انتبهوا، هذه مسألة دقيقة وأرجو أن يسعفنا الوقت فيها لوجود موعد إنشاد. هل نكملها يا إخوة؟ هل نكملها؟ هي دقيقة، مسألة تحتاج إلى أن تلتحم، نؤجلها أفضل لأنها تأخذ صفحات، وأنا أريد أن أقولها في كلام متصل واحد. نؤجلها أفضل، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.