بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة الأحباب، هذا هو مجلسنا الثامن من مجالس شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه، شيخ البلاغيين.
أيها الإخوة الأحباب، ما زال الإمام عبد القاهر في معرض إثبات أن كلامهم حينما يطلقون اللفظ إنما يريدون به المعنى، وما زال يأتي بالفصل بعد الفصل، والكلام بعد الكلام، والمعنى بعد المعنى في إثبات هذا، وكأنه يلاحق في ذلك أفكاره. وفي الحقيقة في أثناء ذلك سيوقفنا عبد القاهر على مسائله وعلى قضايا كقضية معنى المعنى.
والشيء الذي أنبهكم إليه أيها الإخوة، وينبغي أن تكون عندكم ملكته في أقرب وقت، هو أن كل شيء يذكر في باب علم الشعر ونقد الشعر وأصول فن الشعر عند العرب يمكنك أن تعيده إلى نظرية النظم عند عبد القاهر. كل كتاب أسرار البلاغة الذي يتعلق بالصورة البيانية هو جزء من نظرية النظم وبعض تصديق لنظرية النظم. لا توجد مسألة واردة، شاردة، قريبة، بعيدة، جليلة، دقيقة، إلا وهي يمكنك بقليل من النظر، إذا كنت فاهماً عالماً، أن تعيدها إلى نظرية النظم.
وقد طرحت هذا التحدي على الناس مراراً، وعلى بعض الأكاديميين، وعلى بعض من قد يخالفون في مذهب النظرية العربية، بعض من قد يقولون إن نظرية النظم عند عبد القاهر قد تضيق واسعاً وتضيق رحاباً، وهذا طبعاً وهم؛ لأن الضيق الحقيقي هو في المذاهب الوافدة، أما نظرية النظم فهي متسعة جداً لأنها مفهوم وقضية كلية كبيرة جداً، مفهوم كبير وواسع جداً وتكاد صوره لا تتناهى.
وقيل لي في ذلك: أنت تضيق واسعاً وتضيق رحاب النظر والفكر؟ قلت: بل أوسعه، وأستطيع تحدياً أن أرجع كل فكرة تأتون بها إلى نظرية النظم، حتى ما تدعونه من ضرورة تحرير القصيدة لأجل كذا وفك الكذا، ومن منافحتكم عما يسمى بقصيدة التفعيلة وكذا، حتى هذا في تنظيركم أنتم عليه وفي تنظيري أنا عليه، لا نخرج به عن دائرة النظم.
حتى ونحن نناقش قضية الوزن، يعني مثلاً هناك بعض الفضلاء ممن هم أيضاً منافحون عن التراث، يقرون ما يعرف بقصيدة التفعيلة أو شعر التفعيلة جنساً من الشعر، أنا قد أقرره جنساً وزنياً، قد أقرره جنساً فنياً، ولكن لا أقرره جنساً شعرياً بكل وضوح، وإن رأوا في ذلك تضرفاً؛ لأنني أرى في ذلك أن كلمة الوزن لا تشمل فقط أن تأتي التفعيلة، هم يحسبون أن كلمة شعر موزون أن يشمل فقط أن يكون موزوناً أو يأتي بتفعيلة وأن يأتي بقافية، وأنا أقول من أين هذا الادعاء؟ بل كلمة موزون يدخل فيها اتزان الشطرين واتزان الأبيات، لأن هذا إيقاع القصيدة.
فالقصيدة موزونة يعني اتسقت أعداد تفعيلاتها، واتحد رويها وحركة رويها، واتحدت أشطر البيت الواحد، واتحدت الأبيات في عددها على طول القصيدة، فهذا الوزن يظهر على مستوى البيت، ويظهر على مستوى البيتين والقطعة، وعلى مستوى القصيدة التامة. ما علاقة هذا بنظرية النظم؟ أرجع هذا في الأخير إلى شرط الشعر في الإشارة والكثافة والدلالة، وأن فتح الباب لأعداد التفعيلات دون مراعاة أعدادها الموروثة ونظامها الوارد مع نوع البحور؛ يعني هناك بحور ثمانية معينة كبحر الطويل والبسيط، وهناك بحور سداسية كالكامل والوافر.
العلاقة بين عدد التفعيلات ونوع التفعيلات في إحداث الشرط الشعري في الإشارة والكثافة، وأن الزيادة على ذلك مع مراعاة نوع التفعيلة يؤدي إلى انفراط النظام العربي في البيان، فالعروض على الحالة التي أتى بها من عدد التفعيلات ونوع التفعيلات في كل نوع وكل بحر، كل هذا مراع، وكل هذا يدخل تحت شرط الشعر وتحقيق نظرية النظم أيضاً في الأخير على المستوى الشعري. فإِن شاء الله تعالى أيها الإخوة، ينبغي أن تحصلوا هذه الملكة، أن كل صغيرة وكبيرة في فن الشعر تقدرون على إرجاعها إلى النظم ونظريته.
ونأتي الآن إلى عبد القاهر، انتهينا إلى الصفحة السادسة، بعد الستين واثنتين، وهي الفقرة التاسعة بعد الثلاثمئة، انتهينا منها في المرة الماضية بسبب التوقف، نعم انتهينا من هذه الصفحة بتمامها، ونشرع في الصفحة السابعة بعد الستين واثنتين في فصل جديد والفقرة العاشرة بعد الثلاثمئة. اسمعوا لأن هذا الفصل ثمين جداً، وبسببه قدمت هذه المقدمة، لأنه سيتحدث هنا عن قضية المعنى الثاني.
يقول: «فصل». وكما قلت هو ما زال الإمام عبد القاهر في معرض إثبات أنهم يطلقون الألفاظ وأوصاف الألفاظ ويريدون المعاني. سياتي هنا إلى كلمة تقال في كتب الشعر كأظن في البيان والتبين للجاظ في كتب الأدب عموماً، وفي بعض مصنفات النقد يقولون، ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على اللفظ، ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون منك توقف في أنها ليست للفظ من حيث هو لفظ، ولكنها لمعناه: قولهم: «لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسبق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك».
هو يقول هذه العبارة، عبد القاهر يقول هذه العبارة، تدلك على أنهم هنا في قولهم: «لا يكون الكلام حتى يسبق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق»، إن كلمة اللفظ هنا ليس اللفظ وإنما معنى اللفظ، يقول لك هذه العبارة تدل على هذا. كيف يقول أيضاً؟ وقولهم: «يدخل في الأذن بلا أذن»، هو يقول هذه العبارات تدلك على أن المقصود من كلمة اللفظ معناه وليس لفظه. تخيل، أنا متأكد أن أكثركم أول مرة يعرف هذا، أن كلمة اللفظ...
هنا لا ليست هي، وكلمة المعنى هنا معنى آخر، ليس المعنى المباشر للفظه. اسمع، قال: «فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى»، يعني دلالة المعنى اللغوي للفظه على المعنى الثاني الذي هو مراد الشاعر.
انظر إلى الفقرات، ارجع للفقرات من الرابعة بعد الـ 300 إلى الثامنة بعد الـ 300، مرت معنا معنى المعنى. صح، ها هي من قوله: «انظر من قوله الكلام على ضربين» إلى الفقرة الثامنة بعد الـ 300، «واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحداً، فأما إذا...» إلى آخر الفقرة، يعني من الصفحة الثانية بعد الـ 260 إلى آخر الصفحة الخامسة بعد الـ 260.
فيقول لك هنا، لما يقولون لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، وقولهم يدخل في الأذن بلا إذن؛ هذا من هذا المعنى. يقول: «فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى»، وأنه لا يتصور أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة.
تخيل أننا نظن ذلك، أن معناه يسابق لفظه ولفظه يسابق معناه، يعني الكلمة تأتي في نفس الوقت الذي يأتي فيه معناها. أين المقصود هنا؟ اسمع ماذا يقول لك عبد القاهر: «وأنه لا يتصور أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة». لماذا يا إخوة؟ لأن الدلالة اللغوية للكلام تحصل مع النطق باللفظة خلاص، وهو ما سيفصله في كلامه الآتي.
الدلالة اللغوية للكلام تحصل مع النطق باللفظة! يعني الكلمة وندور سنتين على الدلالة اللغوية، وفي الآخر لما نجد يقول لك: مش هي، لكن معناها صح برضه! أين صرنا؟ عبد القاهر يقول لك: لا يشك عاقل، يعني العاقل لا يشك أن يتأخر معنى اللفظة عن نطقها، هذا العاقل. فهمتم؟
يقول لك لا يشك عاقل، يقول ذاك لأنه لا يخلو السامع من أن يكون عالماً باللغة وبمعاني الألفاظ التي يسمعها، أو يكون جاهلاً بذلك. فإن كان عالماً لم يتصور أن يتفاوت حال الألفاظ معه، فأين المزية؟ أين التفرد؟ أن فلان معناه يسابق لفظه ولفظه يسابق معناه؟ أول ما أتكلم أفهم على طول، لا يتأخر اللفظ عن المعنى ولا المعنى عن اللفظ.
الخطابات الصحفية والسياسية تكون كذلك. فيقول عبد القاهر: «فإن كان عالماً لم يتصور أن يتفاوت حال الألفاظ معه، فيكون معنى لفظ أسرع إلى قلبه من معنى لفظ آخر، وإن كان جاهلاً كان ذلك في وصفه أبعداً»، يعني لن يدرك لا بالسرعة ولا بالبطء إذا كان جاهلاً، ليس داخلاً في الكلام أصلاً، وإنما الكلام يبدأ في حق من يعلمه.
هذا هو عبد القاهر يا إخوة، عبد القاهر يستدل بهذا على أن المراد ليس اللفظ من حيث هو لفظ، وإنما هو دلالته اللغوية، فدل ذلك في الأخير على أنهم يطلقون اللفظ ويريدون المعاني وليس نفس اللفظ من حيث هو حروف وصوت.
قال: «وجملة الأمر أنه إنما يتصور أن يكون لمعنى أسرع فهماً منه لمعنى آخر إذا كان ذلك مما يدرك بالفكر». يعني كيف يقولون لفظه أسبق إلى معناه ومعناه أسبق إلى لفظه؟ هو يقول لك عبد القاهر لا يكون ذلك إذا كان المقصود هو المعنى اللغوي. يعني: «صعد زيد فوق الدار»، ليس المقصود من صعد الفعل المعروف بالاعتلاء فوق الدار، فإذا سمعت صاعده يعني شخص يتدرج إلى أعلى، هذا لا يحصل فيه التفاوت، هذا يحصل بمجرد الكلام.
إذا كان المتلقي لا يفهم المعاني، كأعجمي مثلاً، فهذا بعيد عن الكلام كله، وإذا كان يفهم المعاني فلا يحصل التفاوت بين كلام وآخر؛ «صعد زيد فوق الدار» أو «صعد إلى سطح الدار»، «نزل زيد وكلم أباه ولقي أخاه»، المعرفة هنا والإدراك واحد، حصول المعنى بحصول اللفظ، فهذا لا يقبل التفاوت.
يقول لك عبد القاهر: «إنما يتصور أن يكون لمعنى أسرع فهماً منه لمعنى آخر إذا كان ذلك مما يدرك بالفكر، وإذا كان مما يتجدد له العلم به عند سمعه للكلام». يعني لا يكون العلم على العلم المستصحب بمعاني الألفاظ، بل يتجدد، هذا معنى جديد، فهمتم؟
يعني لما قال امرؤ القيس: «وبِيضَةٍ خِدْرٍ»، لم يرد أن البيضة هي التي سارع المعنى فيها إلى الذهن أو الخدر، وإنما إسناد البيضة إلى الخدر هذا معنى يتجدد، معنى جديد. فلا يريد أن يقول ليس هو العلم المستصحب بمعاني الألفاظ، بل يكون حادثاً جديداً؛ لأنه ليس المعروف المصحوب في كلام الناس.
وهذا يا إخوة هو الذي يجعل كل كلام بليغ جديداً دائماً، كالقرآن وكالشعر. لماذا بقيت المعلقات خمسة عشر قرناً أو ستة عشر قرناً؟ لماذا نقرأ شعراً قبل الإسلام بقرنين أو ثلاثة قرون مثلاً إذا صح الشعر القديم جداً؟ لأنه خرج عن الدلالات المألوفة فظل جديداً بذلك، ولن يكون من المألوف، وإنما ربما يحتاج إلى تنشيط النفس ليس أكثر.
ربما تبتعد عن قصيدة حتى ترجع إلى إدراكها من جديد، تستروح القلب بعيداً عن القرآن قليلاً، ثم ترجع إلى القرآن لتتجدد المعاني، لترى المعاني الجديدة كما كنت تخرج من داخلها، حتى لا تمل، وحتى تنشط وتستنفر الحواس مرة أخرى والحس البلاغي، لكن هي تظل جديدة.
قال عبد القاهر: «وإذا كان مما يتجدد له العلم به عند سمعه للكلام، وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية؛ لأن طريق معرفتها التوقيف والتقدم بالتعريف». يعني المستحيل يكون هذا في المعاني اللغوية لأنها لصيقة بالتحدث بهذه اللغة، يعني بمجرد أن ينطق اللفظ أنت تعرفه، انتهى.
بالتفاوت هو الفكر، والفكر لا يحصل في اللغة. تخيل أننا الآن صرنا لما نسمع الحداثة نفكر في المدلول اللغوي الأول لكلامه، تخيل نفكر في الدلالة الأولى التي هي على الأقل مكان الدلالة اللغوية. تخيل أنك لما تركب ولا تفهم، أنت أيضًا ستبحث عن الدلالة اللغوية، ستبحث عن الدلالة اللغوية.
تخيل لما تكون الدلالة اللغوية غير مفهومة؛ لذلك أنا دائما أقول الحداثي عنده تخلف عقلي لغوي حقيقي، أنا لا أتهكم به، هو هذا عنده مرض فعلا. تخيلوا يا إخوة أنني بالفعل أنا لا أقصد الإساءة إلى الحداثي حينما أقول الحداثيون عندهم تخلف، وهذا التخلف أدى إلى نوع من السذاجة. ترون بعض أطفالهم يصيحون، التخلف كلمة لطيفة.
تخيلوا أنهم وصلوا من السذاجة أن يقولوا كلاما تخجل منه الأطفال، وأن يجعروا به وأن يرفعوا به أصواتهم، ثم هم واثقون بأن هذا من الثبات ومن البيان الذي يضطهد، وليس عندهم وعي للكارثة التي تقع عندهم. سذاجة حتى اللغة والتخلف اللغوي أورثهم في شخصياتهم سذاجة طفولية، بل تحت الطفولية؛ أنهم يعرضون مثل هذا الكلام على أنه شعر، وتخيلوا أنهم واثقون من هذا، وأنهم من سذاجتهم يحسبون أنهم إذا ارتجت لحوم وجوههم وأجسامهم وتعرقوا وفر منهم الدمع ورفعوا به أصواتهم، وكأنهم ليسوا في وعيهم وهم يقولونه، أن ذلك مما سيجعل الناس تصدقه.
هذه سذاجة، هذه السذاجة بالضبط مؤثرات تعوض النقص. هذه السذاجة أيها الإخوة، سببها في نظري أنهم اعتادوا السذاجة اللغوية، اعتادوا التخلف العقلي اللغوي، وهذا لا أقوله إساءة لهم، هذه حقيقة. عبد القاهر يقول لك: «لا يشك عاقل في كذا وكذا»، تخيل هم يفعلون هذا ويسمونه عمقا. كلام عبد القاهر في الورقات الآتية سيفضح هذه القضية تماما، عنده قال: «وإذا كان ذلك كذلك علم الضرورة؛ مصرف ذلك...»، يعني رجوعه وتأويله وحمله.
احفظوا العبارتين؛ لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسبق معناه لفظه، ولفظه معنى؛ هذا ظن عبارة الجاحظ. «ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك»، وقولهم: «يدخل في الأذن أذنا بلا أذن»، هذه عبارات الجاحظ غالبا، وأظنها في البيان والتبيين.
قال: «وإذا كان ذلك كذلك، علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني على المعاني»، ليست المعاني اللغوية، دلالات المعاني اللغوية على المعاني الأخرى الشعرية. وإنهم أرادوا أن من شرط البلاغة أن يكون المعنى الأول الذي تجعله دليلا على المعنى الثاني، ووسيطا بينك وبينه، متمكنا في دلالته. يا سلام! يا أخي الحداثة جاءت عكس كل ذلك، لأنه بنيت على ماذا؟ هم قالوا هذا تدمير اللغة المبينة، هكذا قالوا، ترجمتها هكذا في كتب الدكتور عبد العزيز حمود؛ من صاحب الثلاثية المشهورة: المرايا المحدبة، والمرايا المقعرة، والخروج من التيه. هذه ثلاثة كتب مهمة جدا عن الحداثة، فهذا ترجمتها: تدمير اللغة المبينة.
فكل كلمة قالها عبد القاهر في نظام اللغة عكسوها وأفسدوها. قال: «أرادوا، وإنهم أرادوا من شرط البلاغة أن يكون المعنى الأول الذي تجعله دليلا على المعنى الثاني ووسيطا بينك وبينه متمكنا في دلالته، مستقلا بوساطته، يسفر بينك وبينه أحسن سفارة، ويشير لك إليه أبه إشارة حتى يخيل إليك أنك فهمته من حق اللفظ، وذلك لقلة الكلفة فيه عليك وسرعة وصوله إليك، أنت تحسب أنك أخذته من اللفظ من سرعة الوصول».
تخيلون، فكان من الكناية نوع منه، الكناية نوع من معنى المعنى. فكان من الكناية مثل قوله: «لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قريبه الأجل». هذا بحر ماذا يا إخوة؟ بحر المنسرح. أحسنت، ما وزن المنسرح؟ مستفعلن مفعولات مستعلن، مستفعلن. هل نقول مستفعلن في الثانية أم مستعلن هكذا مباشرة؟ هي تأتي، لم أرها أتت إلا مستعلن، يعني في كل ما قرأت هي تكاد تكون كذلك بالفعل، ربما تقصها على البحر فيقولون أو على الدائرة: مستفعلن مفعولات مستعلن، ولكن يقولون لك مطوية؛ هل تكون مطوية دائما؟ ربما، أذكر أنني وجدتها في بعض الشعر هكذا اختلط فيها هذا بذاك والله تعالى أعلم، أظن وجدتها مستفعلا في الشعر القديم، تأتي مستفعلن أيضا.
هذا من البحور التي فيها مشكلات كبيرة في بيانه، بحر المنسرح. يعني عندك هنا: «لا أمتع العوذ بالفصال»، هذه مستفعلن مفعولات مستعلن، مطوية أيضا مفعولات، «ولا أبتاع إلا قريبه الأجل»، مستفعلن مفعولات مستعلن. طيب هنا: «لا أمتع العوذ بالفصال»، العوذ الأمهات التي لها الفصال، لها الصغير. هذا الكلام من سرعة الكناية إلى ذهنك كاليد للفم على رأي زهير؛ سيدنا زهير، من صحة الكناية وسرعتها تشعر كأنك أخذتها من حق اللفظ، من عين اللفظ، من ذات اللفظ، من حق دلالته، وهي في الحقيقة بواساطة. «لا أمتع العوذ بالفصال» يعني لا أمتعها بابنها خلاص، «ولا أبتاع إلا قريبه الأجل» يعني لا يطول بقائها عندي أول ما أخذها أذبحها، فهذه كناية سريعة الوصول إلى الذهن.
قال: «ومن الاستعارة مثل قوله»، فكان من الكناية مثل قوله، ومن الاستعارة مثل قوله: «وصدر أراح الليل عازب همه، تضاعف فيه الحزن من كل جانب». صدر أراح الليل يعني روحه جاء به في وقت الرواح في الليل في آخر اليوم، عازب همه بعيد الهم، جعل الليل كالأنعام التي ترعى في الصباح وتعود في آخر الليل. وقال: «وكليني لهم يا أميمة ناصبة، وليل أقاسيه بطيء الكواكب تطاول، حتى قلت ليس بمنقض، وليس الذي يرعى النجوم بأيب».
«وصدر أراح الليل عازب همه»، يعني كليني لهم ولصدر أراح الليل، ارجعها في آخر اليوم، أراح الليل عازب همه مبعد همه، الذي يرعى في النهار فشبه ذهاب الهم في النهار ورجوعه في الليل بالأنعام التي ترعى في النهار ثم تعود إلى مرابضها أو إلى حجراتها وزرائبها في الليل. فهذا أيضا من الدلالة بالمعنى على المعنى، ومن شدة النعومة والانتقال وسرعة الانتقال كأنك أخذته كما قال: «من حق اللفظ»، يا سلام، «وذلك لقلة الكلفة فيه عليك وسرعة وصوله».
إليك يا سلام، ومن التمثيل مثل قوله: لا أذود الطير عن شجرٍ قد بلوت المر من ثمره
ما هذا البحر أولاً؟ من المزيد فقط. ما الذي حصل في ضربه وعروضه؟ هي كانت «فاعلات»، صارت «فاعل». لكن نحتاج أن نراجع؛ «فاعلات» صارت «فاعل». هو قال اسمع، هي «فاعلات» أم «فاعل»؟ هي «فاعلات»، «فاعل»، «فاعلات»، هذه تفعيلات. وماذا يسمى «فاعل»؟
هذا الذي أريد أن أذكره، هي صارت الآن ماذا؟ هي صارت «فاعلات»، «فاعل»، «فاعل»، «فاعلات»، «فاعل»، «فاعل». خلاص، هذا يسمى «محذوف مخبون»، كلاهما الحذف والخبن وقع. أين؟ الحذف وقع في الأخير، والخبن وقع في الثاني. أصلها «فاعلات»، حذفت فصارت ماذا؟ حذفت، ماذا يحصل في الحذف؟ تذهب فاعلة، صح؟ ثم حذفت الثاني في الخبن، الثاني الساكن، صح؟ صارت «فعلاً».
لو أذهبت النون وسكنت التاء يسمى ماذا؟ لو أذهبت النون وسكنت التاء، يعني «فاعلات»، لو أنها «فاعلات». ليس في «فاعلات»، أنا أريدك الآن أن تفرق بين الحذف والقطع. في القطع ماذا تفعل؟ تذهب الساكن وتسكن الذي قبله، صح؟
نعم، يعني مثلاً لو فعلتها مع الكامل: «متفاعل، متفاعل، متفاعل». كانت «متفاعلن»، صارت «متفاعل». حذفت النون وسكنت مكانها اللام. أنا فقط لأنني وجدت الكثيرين يخلطون بين الحذف والقطع. فهنا وقع ماذا؟ وقع الحذف؛ يعني حذفت الساكن والمتحرك صارت «فاعلاً»، ثم خبنت، فتسمى هذه «مخبونة فاعلات»، لكن «مخبونة محذوفة» فتكون «فعلاً». أحسنت، إذاً صارت «فاعلات»، «فاعل»، «فعلاً».
«لا أذود الطير عن شجرٍ»؛ أهو «فاعلات»؟ «لا أذودُ»؛ «لا أذودُ طيرَعا»، «طيرَعا»؛ «فاعل». «شجرٍ»؛ «فاعل». «قد بلوتُ»؛ «فاعلات». «المرَّ من»؛ «فاعل». «ثمره»؛ «فعلن». هو هنا يقول ماذا من يشرح هذا التمثيل؟
طبعاً تعرفون أن عبد القاهر -أو ستعرفون من الأسرار- أن عبد القاهر يفرق بين التمثيل وبين ما أشكل به أو تحقق به متأخراً، وهما التشبيه والاستعارة. سننا الآن نقول: تشبيه تمثيلي واستعارة تمثيلية. عبد القاهر يجعل التمثيل شيئاً وحيداً، وهذا سيفيدنا جداً في الدراسة في النظم، سيفيدنا جداً.
هذا التمثيل هنا لأي شيء؟ هذا التمثيل هو قال لك هذا سريع جداً في الوصول إلى النفس. الجواب أريده من أيوب، تفضل يا أيوب.
يقول: لا يستطيع الكلام، عنده زكام. قل يا حبيبنا أسامة بكير، قل يا أسامة الحمادي. نعم مولانا، أنا ما فهمت أنه تقريباً في الغزل، ويقول إنه الذي يذوق عنده المر لا يهتم بالمنافسة. ماذا؟ «لا أذود الطير عن شجرٍ قد بلوت المر من ثمره»؛ يعني الذي يذوق المر لا ينافس فيه، هذا الذي فهمته، والبيت ليس واضحاً في صراحته.
فهمت هذا، يقول: «لا أذود الطير عن شجرٍ» هو بلى اختبر المر من هذا الشجر، فلا يذود الطير عن الشجر الذي اختبر مره، يعني كأنه يقول: لا أدافع عن من آذاني، أو لا أدافع عن شيء لا نفع لي منه.
تقصد هذا؟ أحتاج سياقاً، هو هناك شيء من هذا بشكل عام، هذا الذي فهمته بشكل عام، لكن السياق يحدد. نعم مولانا، هو الذي ظهر لي، بما أن السياق ليس موجوداً فهو يصلح ليكون في الغزل وفي المدح. كيف؟ إذا كان في الغزل، فهو كأنه يقول: «لا أذود الطير عن شجرٍ قد بلوت المر من ثمره»، يعني يقول: أنا بلوت المر من هذا الشخص، يعني كأنه اختلف معه بالطفاء، يقول: لم يعد هناك حاجة أن أذود الطير عنه أو أن أذود الناس عنه مثلاً. وفي المدح يكون كما قلتم، يعني مثلاً أنه يبعد أعداءه أو هكذا.
هذا ما فهمت والله. تمام، هو في الأخير بقطع النظر عن المقصود بالسياق، إن كان امرأة أو كذا، أستبعد أن يكون امرأة ربما، لكن إذا هو لابن نواس، يعني إذا هو يريد أن يقول: أنا لا أذود عن إنسان آذاني، هذا هو.
نعم بالضبط مولانا. وجدت السياق، هو البيت الثاني يقول: أيها المنتاب عن عفره لست من ليلي ولا ثمره لا أذود الطير عن شجرٍ قد بلوت المر من ثمره فاتصل إن كنت متصلاً بقوى ما أنت من وطر
إذاً هو يقصد من؟ حُضر السياق؛ في الغدر. نعم، يقصد المحبوب، كما تصورتها في البداية. ممتاز، ممتاز. بالمناسبة يصلح أن يكون أيضاً في حماسية، وفي عتابية، يصلح أن تكون في الممدوح. نعم بالضبط، معاتباً، أو على الشدة والعتاب الشديد في الشدة والعتاب الشديد على من تخلى عنه في موقف وانتظر منه المؤازرة في موقف آخر، فقال له: «لا أذود الطير عن شجرٍ قد بلوت المر من ثمره». هذا معنى يصلح في مواقف عدة، ولا تؤثر في ما قصده عبد القاهر من أن المعنى يبادر إلى الذهن من نفس التمثيل.
قال: «وإن أردت أن تعرفه، وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا»، يعني بالضد من هذا الوضوح، وكذا هذا ما يسمى «العقلة» يا إخوة، سنأتي إليها بتفصيل يا سلام. ستعرفون أسرار الشعر بجمعكم بين عبد القاهر والقرطجني جمعاً دقيقاً، يعني هذان الكتابان لابد وأن نفليهما، لابد أن يدرسا دراسة تحقيقية توقيفية، لأن نقف فيها على كل عبارة ولفظة. أحياناً إذا ربطتم بين الكتابين وشددتم بين كتابي عبد القاهر والقرطجني، وما بينهما، أنتم بذلك تصنعون علماً بالشعر متيناً ليس عند أحد إلا من صنع صنيعكم.
هنا سنقف عند قضية العقلة والوقوف في الشعر، هذا الذي يحبه الحداثة، يقول لك: ما هو؟ أنا أردتك أن تفكر يا أخي، أو غلط؛ التفكير في الدلالات غير صحيح، إنما إرهاف الحس في مآلات الدلالات الأولى، هذا الصحيح؛ لأن الناس يتفاوتون شديداً.
يعني مثلاً سئلت مرة: هل كل الجاهليين إذا سمع امرؤ القيس من المرة الأولى سيعي بإرهاف حسه ما وراء كلامه؟ الجواب الذي أطمئن إليه: لا يتفاوتون، لكن هناك زمرة من الجاهلية؛ هناك أقطع بأن النابغة الذبياني، وأن المتلمس الضباعي، وأن زهير بن أبي سلمى، وأن الأعشى، مجموعة زمرة هكذا، لما تسمع امرأ القيس بالمنطق، هذا كلام أخذته من السماع الأول، سيشعرون ببعد المرمى إلى آخر ما يرمي إليه امرؤ القيس، وإلا فحتى الجاهليون القدماء يزداد عندهم الشعر بالتكرار.
هذا عليه شاهد من كلام الجاهليين أنفسهم، وذلك في بيت المزرد بن ضرار. في لاميته تعرفه، يا حمي، أنت تراك تريد أن تتكلم؟ لا، فقد ذكرت قصة أخرى تثبت ما تريد قوله. خذ هذا الشاهد أولاً من الجاهليين، ثم اسمع شاهدك.
المزرد بن ضرار، أخو الشماخ بن ضرار، له قصيدته اللامية: «صح القلب عن سلمى ومل العواذل». خلاص، قصيدة فخمة خطيرة جدا في المفضليات، يقول فيها واصفاً قصائده، يعني كيف يقول القصائد الخطيرة والقوية والتي ربما يرمي بها الناس فيؤذيهم: «تُكرّ فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه العوامل».
تخيلوا، الجاهلي يقول هذا البيت عندي بالدنيا في معناه، بصفتي ناقداً باحثاً في كيفية نظر الجاهليين وإدراكهم. هذا يدلكم على فساد الصورة التي تُصور عن الجاهليين أنهم يمشون يقولون الشعر يرتجلون والناس تحفظ، بل يقول: «تُكرّ»؛ فلا تكرر، لم يقل حتى تكرر، قال: «تُكرّ»؛ يعني يؤتى بها كرّة بعد كرّة، تقال كـ«كرّ». ولم يقل حتى تكرر، بل قال: «تُكرّ فلا تزداد إلا استنارة»، يعني كلما كررتها وكلما قلتها ازدادت استنارة.
هذا بيت جاهلي لشاعر جاهلي قال: «تُكرّ فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه العوامل». «رازت» يعني اختبرت، كما قال البحتري في سينيته: «لا ترزني مزاولاً لاختبار...». قال: «لا ترزني مزاولاً لاختباري»، يعني لا تختبري، أخبرني، «راز الشيء» أي اختبره. فانظر كيف قال: «اختبرت الشعر الشفاه العوامل»، العوامل يعني كأنهم يتباطؤون في النطق بها تذوقاً لها، إشارة إلى بطئهم في النطق بالألفاظ.
بهذا اكتشفت شعر امرئ القيس؛ يا إخوة، «رازت شعره بالشفاه العوامل». في خلواتي والله أقعد في القصيدة ساعتين، والآن صرت مؤخراً أتأملها بالأبيات والقطع وليس بالقصيدة كلها، كنت أجلس مجلس القصيدة، الآن يقول: «تُكرّ فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه العوامل»، هكذا تكرّ وتزاد كرة بعد كرة، فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر. هكذا يجلسون ويحركون الشفاه بالشعر، الشفاه العوامل التي تعمل، يعني فيها زيادة عمل؛ لأجل ماذا؟ اختبار الشعر والتفكير في الكلمات، فترى الشفاه تعمل فيه.
فهذا يدلك على أن من الشعر الجاهلي القديم ما كانوا يروه، ما كانوا يقولونه مرة بعد مرة ليزداد استنارة ويتذوقوه، وكانوا يختبرونه بالشفاه العوامل. انظر، هذا جاهلي في الشعر الجاهلي أيضاً، فحتى امرئ القيس، أنا ظني أنهم ما كانوا يعون كل ما في شعره دون استنارة من المرة الأولى. كل الجاهليين ليسوا كذلك، بل كبارهم يقدرون، مثل النابغة، وطبعاً زهير، والمتلمس، والأعشى؛ هؤلاء أحسب أنهم كذلك، لكن غيرهم ربما يحتاج إلى تكراره.
هل تحسبون أن كل من كان يجلس في سوق عكاظ حول النابغة الذبياني كان يدرك نفس إدراك النابغة الذبياني؟ إذاً ما الذي جعل النابغة يجلس وهم يحضرون في المدرج؟ ما الذي جعلهم يجلسون حول النابغة وهو الذي يحكم؟ إذا تساوى العلم، لا يتساوى الحس في الجاهليين، فهذه أمور تدل قطعياً، أمور برهانية قطعيه، تدل على أن الجاهليين يتفاوتون في فهم الشعر، فكيف إذا كان شعر سيدهم؟
يقول: «وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد...». نعم، دلالة على ما قلت، كان عندك رأي. وهو مثلاً ما حكي لنا عن القرآن الكريم، وتفاوت استماع العرب له؛ فبعضهم يسمع له مثلاً من الأعراب وكذا لا يبدي تأثراً، بينما بعضهم مثلاً من الذي قال عنه ابن رفيق إنه أدرك الصحابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ذاهباً لقتل النبي ﷺ، لكن بمجرد أن قرأ قطعة من سورة طه أسلم. يعني تذوقها بالضبط، تذوقها تذوقاً كاملاً، أدرك الإعجاز، هذا كله.
كان يمكن لأي أحد أن يجلس مكان النابغة الذبياني، لماذا هو الذي يجلس في صدره أو في مقدمة المجلس وهم يستمعون إلى حكم؟ لماذا؟ لو كان الإدراك واحداً. قال: «وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا، فكان منقوص القوة في تأدية ما أريد منه؛ لأنه يعترضه ما يمنعه من أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناه، ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك».
انظر، هذا كلام خطير يا إخوة، هذا كلام جميل. هنا لا يأتي بالقسم من وجوه البيان الأخرى، وإنما يأتي بالمخفق من توخي دلالة المعنى، وسيظهر ذلك في المثال. انتبه، قال: «وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا»، بالضد من ماذا؟ ما حاله بالضد من سرعة بلوغ الكلام إليك وكذا. وهناك كلام عند بعض القدماء، أو هذا عند العباسيين أكثر، حيث يحصل عنده عسر في الكلام، حتى المثال الذي سيأتي هو للعباس بن الأحنف، قال: «وإن أردت أن تعرف ما حاله بالضد من هذا»، يعني في سرعة وصول المعنى وكذا، «فكان منقوص القوة في تأدية ما أريد منه؛ لأنه يعترضه ما يمنعه من أن يقضي حق السفارة فيما بينك وبين معناك، ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك».
فانظر إلى قول العباس بن الأحنف: «أطلبُ بَعْدَ الدَّارِ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا * وَتَسْكُبُ عَيْنَايا الدُّمُوعَ لِتَجْمُدَا». إذا كان هناك مشكلات عند بعض الشعراء، بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد؛ «أطلبُ بَعْدَ الدَّارِ عَنْكُمْ لِتَقْرُبُوا»، بدأ فدل بسكب الدموع، «وتَسْكُبُ عَيْنَايا الدُّمُوعَ»، فيقول بدأ فدل بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد، فأحسن وأصاب تماماً.
قال: «فأحسن وأصاب». شوف عبد القاهر لم يقل لك هذا بيت رديء وخلاص وانتهى، لا، قال: «بدأ بكذا فاحسن وأصاب». جميلة، صح؟ «فأحسن وأصاب»، أصاب مش فقط أصاب، لا، «أحسن وأصاب»، وشرح أيضاً لماذا أحسن وأصاب. شوف الإنصاف يا أخي عند العلماء، قال: لأن من شأن البكاء...
شأن البكاء أن يكون أمارة للحزن، وأن يُجعل دلالة عليه وكناية عنه، جميل؛ كقولهم: «أبكاني وأضحكني»، على معنى ساءني وسرني. وكما قال: «أبكاني الدهر، ويا ربما أضحكني الدهر بما يرضي».
ما هذا البحر السريع؟ «مستفعلن مستفعلن»؛ نعم. ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام الطلاق من السرور بقوله: «لتجمد». انتبهوا يا إخوة، انتبهوا؛ هذه العبارة أريدكم أن تنيروها في الكتاب، فالمواطن التي لو جمعتموها بعد انتهاء الشرح، أو في أثناء الشرح، فهي خطيرة جدا ومليئة بالدقائق.
قال: «ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه»، يعني المشكلة أحياناً تحصل مذلة القدم في القياس، وهذه المذلة التي طالما حذرتكم منها، وهي أن تطرد مع النظير أو النقيض؛ أن تأتي بأول الكلام فتغرى، وتحسب أنك لو أطردت مع النظير أو النقيض أصبت، وتحسب أن الإصابة للغرض ستطرد معك، فتغفل عن خروجك بالاضطراد عن مساقك وصلب ما يكون به شرف معناك.
هذه مشكلة ومصيبة، وهذا يقع في الطباق مع الطباق، والجناس مع الجناس. لما ترى جناس الطرد معك حسناً، فتقابل بجناس آخر، فالآخر يتلف منك وتكون الكلمة المطلوبة خلاف هذا، وأنت تحسب أنه لو أطرد معك جناس مع جناس في الشطر الأول فتجانس في الثاني، أو طباق مع طباق فتطابق في الثاني، في الشيء الذي له علاقة أنه سيأتي مثله، لا الحقيقة أنها فلتت معك في القطعة الرابعة؛ لأن الجناس أو الطباق الأول فيه وجهان، والوجه الثاني في الثاني لم يلتئم معك. ما الذي أغراك به؟ جملة مناسبة للطباق الثاني للطباق الأول، فتقوم مضطرضاً مع الطباق، فتقعد تكسر طباقك.
أنا أتكلم عن كلام يصح عند العامة لا يصح عندكم؛ فهذا ما يحصل أيها الإخوة. قال: «ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه»، يعني هو قال ماذا؟ «وتسكب عيناي الدموع لتجمد»، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام الطلاق من السرور بقوله: «لتجمد»، وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة من الحزن. يعني هو أراد أن عينه ستظل تدمع إلى أن ترتقي وتجمد العين، فظن أن الجمود يؤدي غرضه.
قال: «وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة من الحزن ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في الحزن»، ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء. انتبهوا يا إخوة، خليك صياد؛ أنت أحياناً وأنت تتكلم ترى عبارات تخونك، ليس عندك ألفاظ تعبر بها عن هذا المعنى، ولذلك كنا نصطادها من كتاب عبد القاهر. مثل هذه اللفظة: «لا تبلغ له في إفادة مراده»، وهي عبارة جميلة كما عبارة «معنى المعنى»، و«محض المعنى»، و«المعنى المجرد والغرض».
عبد القاهر الآن يشرح ما وقع في عقل الشاعر. أنا دائماً أقول للشخص: أشرح لك ما وقع؛ أحياناً في مرة من المرات قبل سنوات، كان أحدهم يلقي علي أبياتاً له، وكان مبتدئاً وأراد أن يعمل شعراً، فقلت له: اسمع، أنت جئت إلى هذه اللفظة وأردت أن تبنيها على الماضي فلم يترض لك الوزن أو التفعيلة فبنيتها على المضارع، وهذه أردت هكذا ففعلت هكذا، فنظرت إليه فإذا فكه ساقط. قلت له: ما لك؟ قال: كأنك معي، قلت: نعم، أنا بالفعل الآن معك، أنت تقول لي شفرة ما وقع، أنا أعرف أنك أردت هنا أن تقول كذا فلم يطرد لك لأنك لم تذهب إلى الثاني باختيارك، هذا خطأ، أنت ذهبت إليه لما صعب على نفسك وأشفقت على سائر البيت، فجئت إلى هنا شعرت أن هذا المكان أجعله ماضياً وخلاصاً أو مضارعاً وخلاصاً وتمشي مع الوزن، لولا ذلك والله ما كنت أتيت بها؛ فأنا بالفعل أقرأ عقلك من الكلام.
انظر ماذا قال عبد القاهر: «وظن أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرة والسلامة من الحزن ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في الحزن، ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها، وأنه إذا قال: لتجمد، فكأنه قال: احزن اليوم لئلا تحزن غداً، وتبكي عيناي جهدها لئلا تبكي أبداً، وغلط فيما ظن».
لماذا قال: «وغلط فيما ظن»؟ لأن الجمود هو ألا تبكي العين مع أن الحال حال بكاء؛ هذا هو الجمود. غلطت أنت، خلطت بين المقامات يا ابن الأحنف! الجمود توقف العين عن البكاء وذهاب الدموع أو جمود الدموع وعدم نزولها لما يكون الموقف يستدعي ذلك؛ كأن آتي إلى شخص في مأتم أبيه وأقول له: ما بك عينك جامدة؟ أو ما بال عينك جامدة؟ كيف تجمدت عينك وفيها معنى التصلب؟ كيف تصلب لبت عينك وجمدت مع وجود الداعي إلى ذلك؟ ولا تكفي في أنك بكيت أو لا، ولا تصلح في أنك بكيت وخلاص وذهب سبب الحزن، هذا مقام آخر. هنا جاء الغلط؛ نظر إلى ظاهر فقط، نظر إلى ظاهر. يا أخي إذا كان العباس بن الأحنف يخطئ في هذا، فلنترفق بالناس في الخطأ.
أظن أن العباس بن الأحنف اعتمد على القرينة المعنوية السابقة؛ لأنه ذهب بصوته. صوته الآن واضح؟ نعم، يلا.
أقول إن العباس بن الأحنف بنى على ما كُتب في الشطر الأول من المقابلة، قال: «سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا». بما أنه في الشطر الأول قرن البعد حتى يقربوا، فبالتالي «وتسكب عيناي الدموع لتجمد»؛ فهذه «لتجمد» بقرينة الشطر الأول، أي هذا التناسب بين بعد الدار لتقربوا، فأيضاً هناك تناسب بين تسكب عيناي الدموع وتجمد. هذا هو ما ذكر أنه خُدع به.
الآن سأسكت قليلاً، أنا فقط وضعت نفسي مكان العباس. قالها عبد القاهر: «رأيتم يا إخوة كيف وقع في نفس الشيء؟ إنه نظر إلى ظواهر المقابلات ونسي السياق، نسي موضع المعنى». فهمتم؟ هو وقع في نفس الشيء، فقط شرحت ما رأى، وما شرحه عبد القاهر هو بعينه بالضبط، قال: «غر به فظن أنه لو أتى بالجمود في مقابل كذا...»؛ هذا بالضبط ما حصل. وهذا ما نبهت إليه؛ أن تطرد النظير مع النظير.
قل يا حمزة، رفعت يدك؟ نعم مولانا، معذرة لم أفتح، نسيت أن أفتح الميكروفون. أقصد أن عبد القاهر هنا وضح أن الجمود معناه وقوف الدمع في موضع الانسكاب، هذا معنى الجمود. ما اللفظة التي تناسب هنا لو أردنا أن نذهب مع ابن الأحنف؟ ما اللفظة التي هي ضد سكب الدمع في هذا الموضع؟ ما الذي سيسعفه؟ هذا اللفظ الذي سيسعفه في هذا الموضع سنستشفه من كلام عبد القاهر.
لو فكرنا مثلاً، وإن لم نجد اللفظة هنا في القصيدة، فليغير البيت كله، البيت كله فنياً لا يصلح. أنا لا أبرر، لكن أقول إن البيت جميل، ولكن هل من الأفضل نجدها في هذا الموضع؟ حتى ينقطع الدمع، أو حتى لا تجد سبباً، حتى تكف مثلاً، أو «وتسكب عيناي الدموع حتى...».
أقول لك شيئاً أكثر خطراً، ليس شرطاً أن تذكر مقابلها «تسكب عيناي الدموع حتى تلقاكم»، ففهم اللقاء هو التوق، توقف دوره اللقاء بس من قدرك أنك لابد... لحظة، قل يا أسامة ثم أيوب.
فقط أريد أن أعلق على كلام أخي محمد لأوضح بعض الإشكال الذي حصل له في البيت. العباس بن الأحنف كأنه يتكلم أن الدهر يأتي بضد ما يريد؛ فكأن الدهر يسير بعكس ما يريد، فهو سيطلب بعد الدار حتى يقرب الأحبة، ويبكي بالدموع حتى تسقر عينه، لكنه أخطأ التعبير عن السرور باللقيا بقوله «تجمد»؛ لأن الشعراء لا يستخدمون كلمة تجمد إلا إذا كان الشاعر يطلب من عينه البكاء في موقف يستوجب البكاء ثم لا تبكي، مثل قول الخنساء: «عيني جودا ولا تجمدا، تبكيان لصخر الندى». شوف، لا تجمدا؛ لأن المقام مقام بكاء.
وتعقيباً على كلام أخي حمزة، أعتقد أن الكلمة المناسبة هنا، بغض النظر عن الوزن، أنها ربما تكون «تقر عيناه» مثلاً؛ لأن هذا مناسب للقاء بعد الفراق الذي ذكر في الشطر الأول. وأنا حتى قلت ليس شرطاً أن تجدها، لكن أيضاً ممكن أن تجد.
اسمع مولانا، أنت مزكوم ما شاء الله، جميل، عفاك الله، أنت سافرت إلى منطقة أخرى في الجزائر، إلى وادي سوف في الجنوب؟ أعرف، أخبرت أنني جاءني خبرك. نعم، قل.
أنا أرى البيت كله ساقطاً بصراحة، هذا أول أمر. الأمر الثاني لو أبدل الجمود والمرادفات الأخرى، مثل انسكاب العين أو انسكاب الدموع، أرى الذروة في الاستنزاف، فتكون «إلى أن ينزف الدمع». لاحظ مولانا، هو لم يرد أنني سأبكي إلى أن ينقطع دمعي أو ينزف الدمع، لا، هو أراد: «سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا»، يعني سأبتعد الآن ليكون ذريعة للقرب، «وتسكب عيناي الدموع لتجمد»، يعني ليُستبدل بغيرها «لتقر العين» كما قال أخونا أسامة إن شاء الله. لو أبدل الفكرة أصلاً، فمعنى العين والبكاء يكون أفضل وأفضل.
تعريف جميل، لا أرى عناءً في فهم البيت، وهذا كله في الأخير قتل الغرض. الآن جميعاً فهمتم موضع نقد عبد القاهر لكلمة «لتجمد»، وكيف أنها لم تدل على المعنى المراد؛ لأن كلمة الجمود التي هي المعنى اللغوي لم تنقلنا بسلاسة وتمكن كما قال هنا «قلة كلفة وسرعة وصول»، وكأنك فهمتها من اللفظ أو الصفحة السابقة، لم يحصل هذا في هذه اللفظة، بل جاءت بعكسها.
أحسنت. يقول عبد القاهر: «وغلط فيما ظن، وذاك أن الجمود هو ألا تبكي العين مع أن الحال حال بكاء». ومع أن العين يراد منها أن تبكي وتستراب، فكل هذا حال الجمود وسكون العين. ولذلك، كما قال الحمياري، لا ترى أحداً يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمها وينسبها إلى البخل، ويعد امتناعها من البكاء تركاً لمعونة صاحبها على ما به من الهم.
ماذا قال ابن الرومي في دليته؟ «بكاؤكما يشفي وإن كان لا يشفي، فجودا فقد أودى نظيركما عندي». «بكاؤكما يشفي وإن كان لا يجدي، فجودا فقد أودى نظيركما عندي، بني الذي أهدته كفاي للثرى، فيا حسرة المهدي».
ماذا قال: «بني الذي أهدته كفاي للثرى، فيا حسرة المهدي!»؟ فيا عزة المهدي ويا حسرة المهدي.
نعم مولانا، فيا عزة المهدي ويا حسرة المهدي. قال: «ولذلك لا ترى أحداً يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمها، وينسبها إلى البخل، ويعد امتناعها من البخل تركاً لمعونة صاحبها على ما به من الهم». ألا ترى إلى قوله: «ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطٍ، عليك بجاري دمعها لجمود»؟ هذا غني عن التعريف.
«ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطٍ، عليك بجاري دمعها لجمود». «يوم واسط» هذا غني عن التعريف. «ألا إن عيناً لم تجد»؛ «عليك» فعول، «بجاري دمعها» فعول، «لجمود» مفاعيل.
نعم، قال: «فأتى بالجمود تأكيداً لنفي الجود». انظر: «ألا إن عيناً لم تجد يوم واسطٍ عليك بجاري دمعها لجمود»، فأتى بالجمود تأكيداً لنفي الجود. ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء، وليس هناك التماس بكاء؛ لأننا لا نقول لك الحال حال بكاء، لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوباً يبذل أو يمنع، ولو كان الجمود هذا هو الجود؛ لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوباً.
يا أخي عبد القاهر مشق بشكل عجيب. مفهوم، خلاص. يعني أنت أول ما قرأت البيت خلاص فهمته وأخذت بالك، لكن متكلم رحمه الله يعني كان من العلماء الجدل، والكلام علم الكلام مقصود، مش مكلم علم الأدب فقط، لا، علم الكلام أيضاً. يعني كان أشعرياً. لو سمعه الأحنف قال له: بلاش في البيت، لا أريد البيت. هو لو الأحنف يعرف أن كل هذا سيحصل في البيت وتقوم عليه بلاغة وبحث، كان تجنبه. كان حذف البيت.
قال: «لأن الجود والبخل يقتضيان مطلوباً يبذل أو يمنع، ولو كان الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء، ويصح أن يدل به على أن الحال حال مسرة وحبور، لجاز أن يدعى به للرجل، فيقال: لا زالت عينك جامدة!»، يا سلام! جمد الله عينك! كما يقال: «لا أبكى الله عينك».
وذاك مما لا يشك في بطلانه. لا، الأحنف يشك، يقول لك: ماذا بها؟ وأنا الذي يفعل... مش عارف إيه، يا عجيبون قوم يستفزونك غضباً بالغباء، ثم يستفزونك الثانية لما يريك أنه لم يفهم، أنه أتى بغباء، فتراه مقتنعاً جداً معتزاً بنفسه بغبائه.
قال: «وعلى ذلك قول أهل اللغة: عين جمود لا ماء فيها، وسنة جماد لا مطر فيها، وناقة جماد لا لبن فيها». وكما لا تجعل السنة والناقة جماداً إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر، والناقة لا تسخو بالدر، فحكم العين لا تجعل جموداً إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأنها قد جادت وسخت، وإذا لم تبكِ مسيئة موصوفة بأنها قد ظنت وبخلت.
فالحاصل أيها الإخوة، ما الذي حصل؟ الحاصل هو أن العباس بن الأحنف استعمل لفظه من الدلالة والاستعمال بحيث تنعطف بالكلام إلى غير المراد، وإنما اشتبه عليه الأمر بعد قصد المناقضة التي ذكرها عبد القاهر. اشتبه عليه الأمر بعد ما ذكره عبد القاهر من قصد المناقضة في ظاهر السابق، فأراد أن يناقض هنا. اشتبه بذلك بسبب ماذا؟ يعني أزيد في التفصيل في التشقيق بسبب القدر الذي في الكلمة من المعنى الذي أراده.
أنا أسألكم سؤالاً الآن: هل الكلمة منفي عنها تماماً المعنى الذي أراده؟ منفي من كل وجه؟ يعني أي قدر منفي؟ جمود العين بمعنى توقفها، هل هذا منفي عن اللفظة من كل وجه؟ يعني كأنها كلمة «كره» أو كلمة «سقف» أو كلمة «أرض»؟ لا طبعاً، هناك قدر، وعبد القاهر شرح هذا، خلاص، ظن أن الجمود يبلغ ما بلغ، ونظر إلى أن الجمود خلو العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها، يبقى هو في قدر مشترك وهو خلو العين من البكاء وامتناعه وانتفاء الدموع عنها.
ذكرني هذا يا إخوة بشيء طريف. كنت ألاعب به بعض الطلبة ممن هم بعيدون تماماً عن فهم أصول الفقه، يعني حينما كنت في الدراسة الشرعية وفي كلية الشريعة، وأنا كنت طالباً مغرقاً شديداً في أصول الفقه، يعني كنت أتعلق بهذا العلم تعلقاً كبيراً. ما زال علم أصول الفقه علماً ممتعاً بالنسبة لي، لكن الأول كان علم أصول الفقه، كان أكثر علم يحرك لي عقلي، وما شعرت أن علم المنطق يحرك عقلي بالمناسبة أني درسته ودرسته على أهله، لكن لا أحبه، وأشعر أنه يبطئ عقلي، بخلاف علم أصول الفقه يعمل فيه عقلي.
فنحن عندنا مفهوم أو مقولة عند الحنفية أن النهي يفيد الصحة؛ النهي عن الشيء يفيد صحته. يعني مثلاً لو أنك نذرت لله تعالى ركعتين لو حصل كذا، فصليت الركعتين في وقت النهي عن الصلاة، النهي القاطع يعني النهي الأكيد، وليس مثلاً على ما يجوز في مذهبك أو كراهة، صليت الركعتين في وقت النهي، خلاص سقط نذرك، أو لم يسقط عند بعض المذاهب، يسقط عند مذهبنا، في مذاهب أخرى لا يسقط.
لماذا يا إخوة؟ قالوا لأن المنهي عنه باطل ليس معتدّاً به، فلو صليت هذا في وقتك كذا لا يسقط عنك، ما زال عليك ركعتان النذر الذي نذرته. الحنفية يقولون يسقط مع الإثم، لماذا؟ لأنك نذرت ركعتين وها قد صليت الركعتين وأنت آثم لفعلك الركعتين في وقت نهي، سيقولون لكن أنت منهي عن ذلك والنهي يفيد البطلان أو الفساد، نقول: لا، النهي يفيد الصحة. ماذا؟ النهي يفيد الصحة؟ نعم، لأنه لو لم يكن سيقع صحيحاً ما نُهيت عنه، يعني لولا أن الصلاة ستقع هنا صحيحة فحرمة الصلاة لا تليق بهذا الوقت، وكان هذا الفعل موصوفاً بغير الصلاة، لما نُهيت عنه؛ أنت نهيت عن الصلاة في هذا الوقت، فلو فعلته تسمى الصلاة، فإذا صليت النذر الذي عليك في هذا الوقت أديت الصلاة، سقط النذر.
ووجب عليك الإثم للصلاة في هذا الوقت، فكان هذا التركيب لا يفهمونه، تدور معه رؤوسهم. خلاص، لا هي متون الحنفية يا أخي محمد، هذه متون الحنفية: متن المنار للنسفي، مختصر المنار، وهكذا، لطهر ابن حبيب، هذا أصول الشاشي. خلاص، أصول الشاشي، أنت عندك فتح الغفار بشرح المختصر، بشرح المنار، أو مختصر المنار لابن نجيم الحنفي المصري؛ ابن نجيم المصري هذا كتاب جميل، فتح الغفار بشرح المنار لابن نجيم المصري هذا كتاب جميل جداً جداً.
المهم، عندك شرح مختصر المنار، لكن فتح الغفار لابن نجيم خطير وجميل. وبعد ذلك عندك الكتب الموسعة، هذه أبواب واسعة جداً، المهم يكون لنا فيها حديث إن شاء الله.
إذا أردت، فالنهي يفيد الصحة؛ لأنه لولا وقوعه ما نهي عنه. فأنت نهيت عن الصلاة في هذا الوقت، فمعناه أنك إذا فعلت أتيت بما يسمى الصلاة، ولو كان إتيانك بها لا يسمى صلاة لما نهيت عنها في هذا الوقت. هل وجدت في الشريعة نهياً عن الحج في غير وقت الحج؟ لا، في غير وقت الحج لا يسمى حجاً أصلاً. هل رأيت نهياً في الشريعة عن الأضحية في غير وقت الأضحية؟ لا، لأنك لو فعلتها في غير وقت الأضحية يقولون هذه شاة لحم، أنت ذبحتها للحم، لا تسمى أضحية. لكن نهيت عن الصلاة، فالصلاة قائمة لو فعلتها في هذا الوقت.
فإذا نظرت ركعتين فصليت الركعتين في وقت النهي عن الصلاة، سقط النذر من عليك ووفيت بالذمة، ولكن أثمت لإيقاع الصلاة في هذا الوقت. فهذا كذلك يشبه الذي هنا؛ فأنت هنا ترى أن الذي خدع العباس بن الأحنف لهذا القدر الذي في الكلمة من المعنى الذي أراده، فأخذ الكلمة بكليتها التي لا تستعمل في هذا المعنى لارتباطها بمعانٍ أخرى.
وهذا من أظهر ما يعرض للشاعر عند القافية، ومن أخطر ما يعرض للشاعر؛ يتأول لفظاً غير صالح لأجل توظيفها في الموضع الذي هو محتدم فيه ومحرج فيه، فيخدع نفسه بالقدر الذي في الكلمة الذي تشترك فيه مع الكلمة الصحيحة.
فإن قيل: يا سلام، دفاع بقى! أهو، فإن قيل إنه أراد أن يقول إني اليوم... هذا الافتراض يصور محاولة ربما يقوم بها الشاعر أحياناً في الدفاع، يقول: أنا لم أقصد هذا المعنى الذي ألتفت إليه أصلاً، وأنا قصدت بالفعل ما يقتضي هذا المعنى الآخر الصحيح الذي شرح راحة. وهنا ربما يضيق الخناق على المكابر من جهة عدم ائتلاف ذلك السياق في موضعه؛ يعني هو يقول أنا قصدت هذا، فينسى أن سياقه لا يقبل.
انظر، فإن قيل إنه أراد أن يقول إني اليوم أتجرع غص الفراق، وأحمل نفسي على مرّه، وأحتمل ما يؤديني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها، لكي أتسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة تتصل، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلاً، ولا تعرف عين البكاء، وتصير في أن ترى باكية أبداً كالجمود التي لا يكون لها دمع؛ يعني أنا سأصل إلى أن تكون عيني جامدة.
هكذا قال عبد القاهر، فإن قيل، فالجواب هنا أن ذلك لا يستقيم ولا يستتب؛ لأنه يوقعه في التناقض. طبعاً هذا إذا يخل بركن صحة المعنى في عمود الشعر، أول ما تقول تناقض يعني سقط في ركن صحة المعنى من عمود الشعر لم يحققه.
قال: «فإن ذلك لا يستقيم ولا يستتب؛ لأنه يوقعه في التناقض ويجعله كأنه قال: احتمل البكاء لهذا الفراق عاجلاً، لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال السرور، في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي لأنها خلقت جامدة لا ماء فيها». وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيه.
انتبهوا يا إخوة، هنا عبد القاهر قال شيئاً لم ينتبه إليه أحد للأسف، هذه من كنوز الكتاب التي تطلق من جواهره. الرجل يقول سأتسبب بالبكاء وكذا وكذا، وأحتمل ما يؤديني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها لكي أتسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة تتصل، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلاً ولا تعرف عين البكاء وتصير في أن ترى باكية أبداً كالجمود التي لا يكون لها دمع؛ يعني سأكون في بكائي كهذا البخيل جامد العين الذي لا يبكي.
قال عبد القاهر: هذا تناقض. لماذا تناقض؟ خلاصة كلام عبد القاهر قال لك: جامد العين لا يُشبه به الذي ذهب دمعُه وتوقف وصار من سعادته لا يبكي؛ هذه الصورة سببها ليس موجوداً عند الأول، الجامد جامد القلب، هذه صورته غير موجودة عند الأول.
طبعاً التشبيه فاسد، لكن لماذا فاسد؟ تعال، قلت لكم لم نقرأ كلام القدماء جيداً، تعرفون أن ما ينسبون فضله إلى العقاد في نقده لأحمد شوقي، وأنه شاعر الصورة بمعنى شاعر التشبيه، شاعر الأعراض وليس شاعر المعاني، بأنه يأتي في التشبيهات فقط بالألوان التي لا معنى لها وكذا، قطع النظر هذا أصاب أو لم يصب. فيقولون ينسب إلى العقاد فضل التنبيه إلى حقيقة التشبيه وروح التشبيه والتخييل الصحيح في الأشياء، عبد القاهر هنا أتى بهذا الكلام.
اسمع، قال: «يوقعه في التناقض، يجعله كأنه قال: احتمل البكاء لهذا الفراق عاجلاً، لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال السرور، في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي لأنها خلقت جامدة لا ماء فيها». وهل هو يشبه الذي وقفت عينه عن البكاء بمن يريد لعينه أن تبكي؟ فإذا هي جامدة، الصورة ليست هي.
قال: «وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيه». فأقول هنا يا إخوة، سنلاحظ شيئاً لم ينتبه إليه أحد في كلام عبد القاهر إلى الآن، أو فيما ظهر لي، ربما أحد كتب عن انتباه عبد القاهر لهذا التشبيه، وهو أن عبد القاهر لم يقف بالتشبيه عند العرض والصورة، ولكنه ولج إلى روح المشبه به، ولو قصد الصورة فقط.
لصح التأويل الأخير الذي ذكره المعترض، ولكنه وصفه بالمتهافت المضطرب؛ لأنك لا يمكنك أن تغفل في هذا المقام طبيعة نفس جامد العين. لا يمكنك أن تغفل في هذا المقام طبيعة نفس جامد العين، وأن تقف منها فقط على صورة جمود العين؛ لأن النظير هنا يقود إلى النظير حتما.
فعبد القاهر انتبه قبل العقاد بقرون إلى روحه المشبه في المشبه به، وأنها ليست مجرد بالأعراض، وإلا لصح هذا التشبيه. سياتي إن شاء الله في سلسلة شرحي على الكتب الأكاديمية، سياتي إن شاء الله تعالى شرحي على كتابي، أو وقوفي على كتاب في أثناء الكتاب؛ نظرية الأدب للدكتور شفيعه السيد، سياتي إن شاء الله مناقشة لكلام العقاد في هذا، وسأورد كلام عبد القاهر أنه سابق على العقاد.
نعم، ثم قال: «وجملة الأمر أننا لا نعلم أحداً جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة وكناية عن أن الحال حال فرح». انتبهوا هنا يا إخوة، لأن البعض قد يقول: هذا التشبيه لم يرد عند العرب، هذا المجاز لم يرد عند العرب، فتنقض كلام المعاصر بأن هذا التشبيه لم يرد عند العرب. المقصود هنا في كلام عبد القاهر أنهم لم يجعلوه كذلك لفساد الدلالة، وليس أن عبد القاهر يمنع أن تأتي بصحيح من المجاز لم تأتِ به العرب.
القرطاجني له كلام في هذا دقيق وخطير أيها الإخوة، آتي لكم بكتابه، لحظة، هذا كلامه؛ القرطاجني في منهاج البلغاء يقول: «وإن لم يكن من شأن العرب أن تستعمل...» يعني لك أن تأتي ببعض المجازات وإن لم يكن من شأن العرب أن تستعمل ذلك، هذا في صفحة 333. قال: «لأن المعنى إذا تصور وكان صحيحاً، ساغ أن يستعمل في الكلام المصوغ على قوانين العرب وإن لم يكن لذلك المعنى نظير في كلامهم».
أفضل يا سيدي؛ يعني إذاً لا تمنع أحداً أن يأتي بمجاز إذا تصور على قانون المجاز وكان صحيحاً. لا تخلط بين استغرابك للمجاز لأنه جديد، وبين بُعده في الدلالة وأنه مختل. قد يكون صحيحاً جميلاً مخترعاً على قوانين العرب، ومجاز العرب مفهوماً حقق الشروط تماماً، أجود حتى من مجازات بعض القدماء ولم تأتِ به العرب. ما زالت المعاني تنطق في كل زمان ومكان.
إياكم والتشديد في هذا؛ لأنه ربما يقصرنا انقباضنا لأجل الانتباه لهذا، وسأجله حتى نكون على ذكر، وسجلناه على أنفسنا. ربما محاربتنا للفساد وإحياؤنا لمذهب القدماء وطريقتهم تجعلنا ذلك نتجاوز أحياناً، ولم نشعر، نتجاوز إلى منع حتى التجديد ومنع الابتكار، وهذا غلط وحرام في دين الأدب أصلاً؛ لأن الاختراع ما زال مفتوحاً، وما زال يفتق لنا من المعاني ما لم يكن موجوداً من قبل، وما زالت اللغة تقبل ذلك.
يقول لك عبد القاهر: «لأن المعنى إذا تصور وكان صحيحاً ساغ أن يستعمل في الكلام المصوغ على قوانين العرب وإن لم يكن لذلك المعنى نظير في كلامهم»، خلاص. وإنما يجب أن يلتزم في الكلام الجاري على قانون كلام العرب أن تكون مجارئاً إلى آخره؛ يعني يجب أن تكون على قوانين العرب فقط، لكن أن تأتي بالمفهوم الصحيح وإن لم تستعمله العرب.
إذاً قول عبد القاهر: «وجملة الأمر أننا لا نعلم أحداً جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة وكناية عن أن الحال حال فرح»، لا يريد به التعليل بأنهم لم يأتوا، وإنما يقول هم لم يأتوا به مع قربه لو كان صحيحاً، لأنه ليس صحيحاً لم يأتوا به، ولو كان صحيحاً لأتوا به لأنه قريب، لكن لم يأتِ به أحد لفساده.
نقف هنا أيها الإخوة، لا نكمل هذه القطعة. يقول: «فهذا مثال فيما هو بالضد مما شرطوه من ألا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك؛ لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك وتحتاج أن تخب وتوضع في طلب المعنى». هذا تمثيل واستعارة لإجهاد النفس في ماذا؟ في طلب المعنى. حتى أفهم هذا الذي... فإن قيل في أول الفقرة الثالثة عشر بعد الثلاثمائة في الصفحة السابقة، حتى أفهم هذا، أنت خالفت أصلاً، خالفت القاعدة من ألا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك؛ لأنك ترى اللفظ يصل إلى سمعك وتحتاج إلى أن تخب وتوضع في طلب المعنى.
«فتخب وتوضع» كما قلنا استعارة وتمثيل لإجهاد النفس في طلب المعنى، وهذا هدم لسقم الحداثة؛ لأنهم تجاوزوا حد إجهاد النفس في طلب أصل المعنى إلى تعدد القراءة لاستحالة الوصول إلى مراد المتكلم. تجاوزوا حد إجهاد النفس في طلب أصل المعنى إلى حد تعدد القراءة؛ لأنه استحال الوصول إلى مراد المتكلم من كلام المتكلم. وسبحان الخالق له في خلقه شؤون.
شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد