بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا السابع من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام الشيخ أبي بكر عبد القاهر عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.
أيها الإخوة، ما زلنا في الفصل الذي يذكر أن الكلام فيه على ضربين، وقلت إن الكلام فيه هو على معنى المعنى. وكنا في الفقرة بعد الرابعة بعد الـ 300، في الصفحة الثانية بعد الـ 62، ووقفنا في آخر الفقرة في الصفحة الثالثة بعد الـ 62 عند قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُقَدِّمُ رَجُلًا وَتُؤَخِّرُ أُخْرَى أَنَّهُ أَرَادَ التَّرَدُّدَ فِي أَمْرِ الْبَيْعَةِ وَاخْتِلَافَ الْعَزْمِ فِي الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ﴾ على ما مضى الشرح فيه.
وقلت إنه يستدل بذلك، أيها الإخوة، على أن العلماء حينما يصفوا الألفاظ، هم في الحقيقة لا يصفون الألفاظ وإنما يصفون معاني هذه الألفاظ. فكل كلام في علم البلاغة، كل كلام في المعاني، كل كلام في البيان -لا أقصد هنا العلوم المصطلح عليها في البلاغة التقريرية، أقصد مترادفات كل كلام في البيان في البلاغة في الفصاحة في المعاني- يصفون به الألفاظ، فإنما هي أوصاف لمعاني هذه الألفاظ.
بعد أن قال عن الاستعارة والكناية والتمثيل، وذكر أنهم يقولون في الضرب الثاني من الكلام إنه كذا وكذا، وهم يقصدون معاني هذه الألفاظ؛ لأنه قد توسط معنى. يقول في الفقرة الخامسة بعد الـ 300: «وإذ قد عرفت هذه الجملة»، يعني هذه القضية، هذه الفكرة، هذا الكلام، فها هنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: المعنى، ومعنى المعنى.
أنت إذا وقفت على المعنى الأول من اللفظ، ثم وقفت على معنى المعنى من المعنى الذي هو للفظ، فأنت إما أن تقف على المعنى من اللفظ مباشرة، وهنا يقال هذا المعنى، وإما أن تقف على المعنى الذي أخذته بدلالة العقل والقرائن من المعنى الذي هو من اللفظ، فهذا يقال فيه معنى المعنى، وعلى رأسه الكناية والاستعارة.
ذكر هنا التمثيل، ولا أريد أن أضغط على التمثيل كثيرا لأن البلاغة التقريرية استقرت على شيء آخر؛ يعني عبد القاهر عنده التمثيل مستقل عن الاستعارة والتشبيه، والعلماء بعد ذلك أدخلوه في التشبيه وفي الاستعارة، فصارت هناك استعارة تمثيلية وصار هناك تشبيه تمثيلي؛ فالتمثيل إذا جرى على قانون التشبيه قالوا تشبيه تمثيلي، وإذا جرى على قانون الاستعارة قالوا استعارة تمثيلية، فجعلوا التمثيل صفة أخرى لا تخرج الكلام عن أن يكون استعارة وأن يكون تشبيها.
عبد القاهر جعل التمثيل مستقلاً بذاته، فأنا أضعك عند الاستعارة والكناية لأنهما المستمرتان معنا إلى الأبد في قضية معنى المعنى. وأذكركم ما الدلالة في هذه القضية على أنهم يذكرون معاني الألفاظ؟ إنهم هذه المرة حين يتكلمون عن أحكام تتعلق بمعنى المعنى، لا يمكن أن يكون الكلام على الألفاظ مباشرة، هذا كلام على المعاني الأولى من الألفاظ.
فعبد القاهر انتقل بك مرحلة ليدلك على أن كلامهم كله من الأول إنما هو على المعاني وليس على الألفاظ، حتى قال هنا في الفقرة الرابعة بعد الـ 300: «ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل». ثم قال بعد ذلك: «ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال معنى ثانيا هو غرضك».
وكذا إذا قال: «رأيت أسداً»، ودلك الحال على أنه لم يرد السبع، علمت أنه أراد التشبيه إلا أنه بالغ، فجعل كذا وكذا تشبيه الاستعارة. وكذلك تعلم من قوله: «بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى» أنه أراد التردد. فطبعا هذا الكلام لما توسط معنى بين المعنى واللفظ ظهرت القضية، هذا ما يريد عبد القاهر أن يقول.
وسياتي قوله: «وإذ قد عرفت هذه الجملة»، فها هنا عبارة مختصرة وهي أن تقول: المعنى ومعنى المعنى. تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ والذي تصل إليه بغير واسطة، وتعني بمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى، ثم يفضي بك ذلك المعنى الذي هو الأول الذي عقلته باللغة من اللفظ إلى معنى آخر يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر، كالذي فسرت لك.
«وإذ قد عرفت ذلك، فإذا رأيتهم يجعلون الألفاظ زينة للمعاني وحلية لها، أو يجعلون المعاني كالجواري والألفاظ كالمعارض لها، كالوشي المحبر واللباس الفاخر والكسوة الرائقة»، إلى أشبه ذلك مما يفخمون به أمر اللفظ ويجعلون المعنى ينبل به ويشرف. فاعلم أنهم يصفون كلاما قد أعطاك المتكلم أغراضه فيه من طريق معنى المعنى.
أول ما تجد يقولون لك: «والألفاظ معارض المعاني»، وكذا. إذا فالألفاظ التي تؤول إلى معنى المعنى؛ عبد القاهر يقول: «فاعلم»، ولما يقول لك «فاعلم» فهذه ليست هينة، لما يقول لك «فاعلم» فهذه خطيرة، يعني تيقن، لا يشك فيها، ليس سهلاً أن تخالف هذه من الأسس.
يقول: «فاعلم أنهم يصفون كلاما قد أعطاك المتكلم أغراضه فيه من طريق معنى المعنى، فكنى وعرض ومثل واستعار، ثم أحسن في ذلك كله وأصاب، ووضع كل شيء منه في موضعه وأصاب به شاكلته، وعمد فيما كنى به وشبه ومثل لما حسن مأخذه ودق مسلكه ولطفت إشارته». انظر: «وعمد فيما كنى به وشبه».
ومثل لما حسن مأخذه ودق مسلكه ولطفت إشارته، وإن المعنى وما في معناه ليس هو اللفظ المنطوق، ولكن معنى اللفظ الذي دلت به على المعنى الثاني مرة أخرى.
قال: فاعلم أنهم يصفون كلامًا قد أعطاك المتكلم أغراضه فيه من طريق معنى المعنى، فكنى وعرض ومثل واستعار، ثم أحسن في ذلك كله وأصاب، ووضع كل شيء منه في موضعه وأصاب به شاكلته، وعمد فيما كنى به وشبه ومثل لما حسن مأخذه.
أنا هنا أخطأت في الأول قلت «لما»، هنا «لما حسن مأخذه»، نعم، ووضع كل شيء منه في موضعه وأصاب به شاكلته، وعمد فيما كنى به وشبه ومثل لما حسن مأخذه؛ يعني عمد لما حسن مأخذه، عمد فيما كنى به وشبه ومثل لما حسن مأخذه ودق مسلكه ولطفت إشارته، وإن المعنى وما في معناه ليس هو اللفظ المنطوق به، ولكن معنى اللفظ الذي دللت به على المعنى الثاني، كمعنى قوله: «فإني جبان الكلب مهزول الفصيل».
يقول الذي هو دليل على أنه مضياف. فالمعاني الأولى المفهومة من أنفس الألفاظ في المعارض والوشي والحلي وأشباه ذلك؛ فالمعاني الأولى المفهومة من أنفس الألفاظ هي المعارض والوشي والحلي وأشباه ذلك، والمعاني الثانية التي يرمى إليها بتلك المعاني هي التي تكسى تلك المعارض وتزين بذلك الوشي والحلي.
يقول: فالمعاني الأولى المفهومة من أنفس الألفاظ هي المعارض والوشي والحلي وأشباه ذلك، والمعاني الثانية التي يرمى إليها بتلك المعاني هي التي تكسى تلك المعارض وتزين بذلك الوشي والحلي. يعني هي الأثواب التي يعرض لك فيها المعنى الذي يريده، هذه الظواهر تدل على بواطن أبعد، خلاص، يعني كونه جبان الكلب هذا هو المعرض، وهو الوشي والزينة والحلي.
ومن ذلك أيها الإخوة بيت الخنساء: يذكرني طلوع الشمس صخرا ... وأذكره لكل غروب شمس
هذه الألفاظ معارض لمعانيها، لأنها كنايات في حقيقتها. يقول في هامش النسخة (ج): حاشية من كلام عبد القاهر كما رجحت، وهذا نصها: نكتة وهي أن الوشي من الثياب يكون وشيًا كان على اللابس أو كان قد خلع، وترك دلالة بها على معانٍ ثوانٍ. وشيًا وحليًا ما دامت لباسًا لتلك المعاني، فإذا خلعت عنها ونظر إليها منزوعة منها لم تكن وشيًا ولا حليًا.
فلو قلت: فلان هزلا، وأنت لا تكنى بذلك عن نحره، لم يكن من معنى الوشي والحلي في شيء. وكذلك يتغير الحال بأن تحول الشيء من ذلك عما كنى به عنه؛ لأنك ستجعله إذا في المعنى وليس في معنى المعنى، ستجعله في المعنى وليس في معنى المعنى. فلو جعلت قوله: «لا أتباع إلا قريب الأجل» في صفة قصاب -يعني جزار بائع اللحم- لم يكن من الحسن الذي هو له الآن في شيء، فاعرفه.
ولهذا في بيت: كثر عزه فقلت لها يا عزة ... كل مصيبة إذا وطنت لها النفس ذلتي
قالوا هنا لو قالها في غير المحبوبة لأصاب ولكان أشعر الناس. وكذلك أذكر بيتًا للقطامي الشاعر الإسلامي يقول: يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الأعجاز تتكل
قالوا لو قالها في صفة النساء لكان أشعر الناس، لكنه قالها في صفة النوق الراحلة. فالشاهد هنا الذي يجعل هذا من نفس فلسفة ما يقوله عبد القاهر، هو أن نفس المعنى ونفس الصفة اختلف موضعها، ولكن الفرق في كلام عبد القاهر أنه ليس انتقالًا أفقيًا، يعني ليس انتقالًا للنظير، وإنما انتقال في الرتبة.
خلاص، يعني لو قال مثلاً: فلان مهزول الفصيل، لو قالها قصاب في صفة قصاب، أو «لا أتباع إلا قريب الأجل» لو قالها قصاب جزار، ما كان لها قيمة ولا معنى عادي؛ لأن القصاب الذي هو الجزار بائع اللحم يشتري البهيمة ويذبحها لأنها أكل عيشه، يبيعها أو يذبحها في اليوم، و«لا أتباع إلا قريب الأجل». لكن لما يقولها شخص يطعم الناس -ليس قصابًا- صارت هنا كناية؛ لأنه صار يشتري ما لا يطول أجله عنده.
فلو خلعوها من ثوبها، يعني لو خلعوا اللفظة عن المعنى، هذا الكلام الذي رجحه محمود شاكر أنه من كلام عبد القاهر: لو خلعوها لم تكن زينة ولم تكن شيئًا، كانت أثوابًا ملقاة بعيدًا، لكن هي صارت زينة لما وضعت على الأبدان، وهي المعاني الثانية وليست المعاني الأولى كما سماها عبد القاهر.
وكذلك إذا جعلوا المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة، ويبدو في هيئة، ويتشكل بشكل من أجل اللفظ، يرجع المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية. تحس أن هذه اللفظة معاصرة: «الدلالات المعنوية». ولا يصلح شيء منه حيث الكلام على ظاهره، وحيث لا يكون كناية ولا تمثيلًا ولا استعارة؛ لا يمكن أن يقولوا هذه الكلمة في كلام ليس استعارة وليس تمثيلاً وليس كناية: «إن المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة». طيب، كيف صورت المعنى بصورة؟ هو العلاقة هنا كما نقول علاقة بسيطة، منجزة المعنى واللفظ، كيف تصور لأجل اللفظ بصورة؟ أي لأجل المعنى الأول المفهوم من اللفظ، تصور بصورة: رأيت أسدًا، المعنى الذي...
هو الشجاعة الكبيرة من رجل تصورت بصورة الأسد من أجل لفظ الأسد، فدائما عند الناس خلط بين اللفظ والمعنى. الأول كيف تكشف هذا الخلط؟ بالمعنى الثاني، سترى عباراتهم أيضًا في الأخير يستعملون فيها كلمة اللفظ وهم يعنون قطعًا المعنى الأول.
فعبد القاهر استعمل هذا الفصل الذي شرعنا فيه أمس في ماذا؟ في أن يقول لك سأبرهن لك على أنهم يطلقون الألفاظ ويريدون المعاني، فأتى لك بكلام يطلقونه على المعنى الثاني، معنى المعنى، ولا يمكن أن تحمله على اللفظ وإنما على معنى اللفظ، ليقول لك بعدها: ارجع الآن إلى الألفاظ أو الأوصاف التي يقولونها على المعنى الأول، سترى أنها أيضًا على المعاني وليست على الألفاظ. وفي كل هذه الاستعمالات يطلقون اللفظ لأسباب سيذكرها الآن.
في الصفحة السادسة بعد الستين، سيذكر لك لماذا إذا يقولون الألفاظ لا يقولون المعاني. قال: «وكذلك إذا جعلوا المعنى يتصور من أجل اللفظ بصورة، ويبدو في هيئة، ويتشكل بشكل، يرجع المعنى في ذلك كله إلى الدلالات المعنوية، هذا بدهي ولا يصلح شيء منه حيث الكلام على ظاهره». يعني إذا كانت الألفاظ على ظاهرها، أي على المعنى الأول، لا يصلح شيء من ذلك؛ فالتشكل بصورة لا يوجد، ولا يصلح شيء منه حيث الكلام على ظاهره وحيث لا يكون كناية ولا تمثيلاً ولا استعارة ولا استعانة في الجملة بمعنى على معنى، وتكون الدلالة على الغرض من مجرد رد اللفظ.
فلو أن قائلاً قال: «رأيت الأسد»، وقال آخر: «لقيت الليث»، لم يجوز أن يقال في الثاني إنه صور المعنى في غير صورته الأولى، ولا أن يقال أبرزه في معرض سوى معرضه، ولا شيء من هذا الجنس. لماذا يا إخوة؟ لأنه لم ينتقل به إلى المحاكاة بواسطة وتخييل الشيء في غيره، لم ينتقل بواسطة، بل خيله بنفسه بغير واسطة.
وجملة الأمر، وهي عبارة مجملة جامعة، قال: «وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ»، يعني من مرادف إلى مرادف، حتى يكون هناك اتساع. ليس بمجرد اللفظ، لابد أن يكون هناك اتساع في المعنى، لكن تنتقل من أسد إلى ليث، هذا في رتب المعنى يكون له غاية في النص.
عبد القاهر لا ينكرها، لكنه يقول لك في معنى المعنى. لم ينتقل؛ فإذا كان في بيت يستعمل السيف، وفي بيت يستعمل العضب، وفي بيت يستعمل القاطع، وفي بيت يستعمل الهندي، وفي بيت يستعمل الأبيض، وفي بيت يستعمل الهندواني، هل ارتقى في المعنى درجة عن السيف؟ كلا، لم ينتقل.
ولكن قحطان ذكر نفس الشيء بصفة فقط، ذكر المسمى بصفته، يعني ما وقع عليه الاسم. انتبهوا، الناس تخطئ كثيرًا تقول هذه مسميات، ما هي المسميات؟ هي الحقائق. قل هذه أسماء، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 23]. فالناس تخطئ، لا تقل هذه مسميات، بل قل هذه أسماء لا قيمة لها، إنما مسميات هي أشياء سميت. فهو ذكر المسمى لكن بصفة من صفاته، لم يرتقِ درجة.
انتبهوا حتى لا تظنوا أن عبد القاهر يساوي بين المترادفات في الكلام، فهذا ضد منهجه تمامًا. هو يتكلم في خصوص هذا الموضع على المعنى ومعنى المعنى. السيف، العضب، القاطع، الهندي، الهندواني، الأبيض؛ كل هذه في نفس الرتبة، الدلالة باللفظ على المعنى المباشر الأول الذي يباشر اللفظة، بعد ذلك لو عبر عنها بشيء آخر فانتقلنا من المعنى إلى معنى المعنى، هذا ما يتكلم فيه عبد القاهر هنا، يقول: هنا سنكون فعلنا شيئًا في هذا الباب، وهو صور المعاني.
انتبهوا، لأن ممكن شخص يختلس هذا الكلام ويقول لك: انظر، عبد القاهر لا يفرق بين ليث وأسد في الكلام، فيقول عادي مرادفات، وأنت يا أبا قيس تأتي في نقد الشعر وتقول: كان ينبغي أن تأتي بمرادف آخر، كان أولى هنا في هذا المقام أن تقول القاطع ولا أن تقول السيف. غير صحيح، عبد القاهر لا يقصد هذا.
عبد القاهر في خصوص هذا الموضع يتكلم عن المعنى ومعنى المعنى؛ لأنه باختصار يكلمك عن أن القدماء لما تكلموا على الألفاظ يتكلمون على معاني الألفاظ. ومما استشهد به في ذلك أنه أتى لك بقضية معنى المعنى، فهو ليس في شغل الآن بالفرق بين ليث وأسد وغضنفر وأسامة وكذا من أسماء الأسد في المقامات؛ هو لا ينفي، لكن مهما جئت بواحد من هذه فأنت في الرتبة الأولى من المعنى، وربما تكون هي الصواب في نص بليغ أو شعر رفيع، لكنها على جهة أنها ليست استعارة وليست كناية. هو هنا يتكلم على خصوص الاستعارة والكناية.
قال: «وجملة الأمر أن صور المعاني لا تتغير بنقلها من لفظ إلى لفظ حتى يكون هناك اتساع ومجاز، وحتى لا يراد من الألفاظ ظواهر ما وضعت له في اللغة ولكن يشار بمعانيها إلى معاني أخرى. واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحدًا».
انتبه، النظم هنا يريد به ترتيب الكلام لا مطلق نظرية النظم. عبد القاهر في الكتاب مرة يذكر النظم على أنه ترتيب الكلام، ومرة يذكر النظم بمعنى فكرة النظم العامة التي يدخل فيها أن تأتي باللفظة مجازًا، فيقول لك: هذا من النظم، يعني داخل في تنسيق الكلام وتخليق الكلام.
قال: «واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحدًا، فأما إذا تغير النظم فلا بد حينئذ من أن يتغير المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير، وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت»، أعني قولك: «إن زيدًا كالأسد» و«كان زيدًا الأسد». تغير النظم هنا بأن أدخلت الكاف في...
في الأولى على المشبه به دخلت الكاف في الجملة الأولى على المشبه به، وفي الثانية على الجملة؛ فرق بين الاثنين. شوف: «زيداً كالأسد» في العبارة الأولى دخلت على المشبه به، وفي الثانية «كان زيداً الأسد»؛ إذاً اختلف نظم الكلام هنا، وذلك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء، وإنما تغير النظم فقط.
اسمع واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحداً. يقول: «واعلم أن هذا كذلك ما دام النظم واحداً، فأما إذا تغير النظم فلا بد حينئذ أن يتغير المعنى على ما مضى من البيان في مسائل التقديم والتأخير». وعلى ما رأيت في المسألة التي مضت الآن، أعني قولك: «إن زيداً كالأسد» و«كان زيداً الأسد»، ذلك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء، وإنما تغير النظم فقط؛ الألفاظ هنا هي الألفاظ، ولكن تغير النظم.
وإذا تغير النظم تغير المعنى. فيقول: «واعلم أن هذا كذلك»؛ ما شرحه من قبل، وعدم التغير إذا ما جئت بكلمة مكان كلمة ولم تغير الدلالة ولم ترتقِ، كل هذا في حال لم يتغير النظم، لكن إذا تغير النظم سيؤدي إلى انقلابات في المعاني، على طريقة: ﴿وَجَعَلُوا الْجِنَّ شُرَكَاءَ لَهُ﴾، هذا أصل المعنى المجرد، ومعنى القرآن أو الغرض القرآني الخاص: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ هنا تغير؛ لم يتغير شيء من اللفظ، لكن تغير المعنى.
فهنا يقول: «واعلم أن هذا كذلك»؛ يعني ما نذكره من أنك لو جئت بـ«ليث» مكان «أسد» لن يتغير شيء إلا هذا التغير الطفيف، وكذا لن يتغير شيء ما دامت الصياغة واحدة في العبارتين، فإذا تغيرت الصياغة بتقديم وتأخير مثلاً، سيحصل تغير كبير في المعنى.
ستلاحظ هنا أن الكاف دخلت في العبارة الأولى على المشبه به: «إن زيداً كالأسد»، وفي العبارة الثانية دخلت على كل الجملة: «كان زيداً الأسد». يقول: «ذا كأنه لم يتغير من اللفظ شيء»، الألفاظ لم يتغير منها شيء وإنما تغير النظم فقط. هنا تغير المعنى؛ ما المقصود بالمعنى هنا يا إخوة؟ أي معنى؟ أي طبقة؟ النظمي؛ النظمي نعم.
قال: «ذاك لأنه لم يتغير من اللفظ شيء وإنما تغير النظم فقط، وأما فتحك أن عند تقديم الكاف وكانت مكسورة فلا اعتداد بها؛ لأن معنى الكسر باقٍ على حاله»، يعني معناها وهي على صورة الكسر وهو التأكيد. «إن زيداً الأسد»، «كان زيداً الأسد»، هذا تغير لفظي، يعني في نطق اللسان؛ لا يقول «كان زيدا لا كان زيدا»، خلاص، لكن لو بدون الكاف في العبارة الأولى «إن زيداً»، هذا التغير اللفظي محض؛ فقوله: «فلا اعتداد بها لأن معنى الكسر باقٍ على حاله». انتبه لاختصار العلماء للعبارة حتى لا تظن أن المعنى في الكسر... لا، معنى الكسر، يعني المعنى الحاصل عند الكسر؛ انتبه لاختصار العلماء للعبارة حتى لا تظن أن المعنى في الكسر، لا، معنى الكسر يعني المعنى الحاصل في لفظ الكسر، وهو أن كسر الهمزة باقٍ على حاله، هذا المعنى هو التأكيد. يعني كان التأكيد في «إن» التي دخلت عليها الكاف هو التأكيد في «إن» التي خلت من الكاف؛ الفرق لفظي نطقي محض.
قال: «واعلم أن السبب في أن أحالوا -يعني أسندوا وأرجعوا- في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على اللفظ». بدأ يتكلم؛ لماذا قالوا اللفظ؟ لماذا أحالوا على الألفاظ؟ لماذا لم يريحونا ويتكلموا عن المعاني ونخلص؟ لماذا لا يقولون: «هذا المعنى مضطرب» وليس «لفظه مضطرب»؟ هذه اللفظة مستكرهة، هذه الكلمة حشو؛ لماذا لا يقولون: «هذا المعنى حشو في اللفظة» وخلاص؟
هو يعلل لك هنا، قال: «واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على اللفظ، أنها ليست بأنفس المعاني، بل هي زيادات فيها وخصائص». مرة أخرى: «واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على اللفظ»؛ إذ يتكلم عن المعاني هنا على وجه التخصيص: «أنها ليست بأنفس المعاني، بل هي زيادات فيها وخصائص».
ألا ترى أن المزية التي تجدها لقولك «كان زيداً الأسد» على قولك «زيد كالأسد» لشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى؟ انظر مرة أخرى، يقول: «واعلم أن السبب في أن أحالوا...»؛ لماذا لم يريحوا بالكلام على المعاني في الألفاظ وتكلموا على الألفاظ؟ يقول: «واعلم أن السبب في أن أحالوا في أشباه هذه المحاسن التي ذكرتها لك على الألفاظ، أنها ليست بأنفس المعاني، بل زيادات فيها وخصائص». يعني يريد أن السبب الذي جعلهم يتكلمون على الألفاظ في خطابهم النقدي هو أن هذه الألفاظ هي التي تحصل بها هذه الزيادات وهذه الخصائص على أنفس المعاني، وليست بأنفس المعاني المجردة؛ فأنت لا تظهر الصورة الشعرية الخاصة إلا باللفظ. من هنا علقوا المعاني الفنية الخاصة على ألفاظ خاصة وجعلوا اللفظ مناط الإحسان، وإنما الأحكام كلها يراد بها معاني هذه الألفاظ في الموقع من النظم الخاص.
قال: «ألا ترى ليست المزية التي تجدها لقولك كان زيداً الأسد على قولك زيد كالأسد لشيء خارجاً عن التشبيه الذي هو أصل المعنى». ألا ترى أن المزية التي تجدها لقولك «كان زيداً الأسد» على قولك «زيد كالأسد» لشيء خارج عن التشبيه الذي هو أصل المعنى، وإنما هو زيادة فيه؟ يعني ليس شيئاً يناقض التشبيه، وإنما هو زيادة فيه وفي حكم الخصوصية في الشكل.
شوف كلمة «الشكل» هنا، وهذه الكلمة لفتت أنظار اللسانيين الذين يقولون «المضمون والشكل»؛ عندهم مصطلح «الشكل» خلاص. انظر، هنا شيء خطير، قال: «لشيء خارج عن التشبيه»، يعني مناقض للتشبيه الذي هو أصل المعنى. انظر كيف اعتبر التشبيه أصل المعنى؛ عبد القاهر اعتبر التشبيه أصل المعنى وأثبت الفضل بترتيب التشبيه وتخليقه تخليقاً خاصاً.
وأيضاً أنبهكم أيها الإخوة إلى شيء خطير ربما أعمل له مقدمة في المجلس الآتي إن شاء الله، وهو فكرة النظم. ما معنى النظم؟ بعضكم إلى وقت قريب كان يظن أنه حتى تظهر مزية في النظم يعني أن يحصل اختلاف في التقديم والتأخير. الحقيقة لا؛ ما يسمى بالعدول أو الانحراف؛ العدول والانحراف هذه مصطلحات مستعملة في العلوم المترجمة في اللسانيات، والعدول والانحراف مصطلحات جيدة في الحقيقة؛ العدول، الانحراف، الانعطاف، الانزياح؛ كنت لا أحبها، لكن ممكن «الانزياح عن المعيار النحوي».
الأصل التعبيري النحوي، هذه صورة من صور النظم؛ الذي يشرف عليه التقديم والتأخير، ثم هناك الحذف، وما يسمى ما سماه محمود شاكر "الإسباغ"، وهناك التجريد، وأشياء كثيرة جداً لا تكاد تحصيها، لكنك تألفها من العمل في تأمل نصوص الكلام.
انتبهوا إلى ذلك، وهذا هو الأدق والأخطر: اللوازم. هذه نقطة مهمة يا إخوة أقف عندها قليلاً، هناك اللوازم؛ ما يلزم في تصحيح الكلام. نحن لم يأتِ أحد يضع عنوان "لوازم تصحيح الكلام"، لكن كل هذا يرجع إلى النظم. قد يشرحون لك مثلاً يقول لك: "ولد الهدى"، إذا جعل النبي ﷺ الهدى كلمة "ولد الهدى"، فليست البلاغة فيها أنك عدلت عن البناء للمعلوم إلى البناء لما لم يُسمَّ فاعله، ليس هذا. لو قلت: "ولدت فلانة الهدى" النبي ﷺ ولا شيء، وهو الهدى، ثم قلت: "ولد النبي ﷺ" وهو سبب الهدى، أهو أنت بنيت لما لم يُسمَّ فاعله؟ وإنما في كونك أوقعت المجاز في هذه اللفظة.
فليست القضية أنني كنت كثيراً أمثل بالتقديم والتأخير والحذف والإثبات فقط لأنها أمور ظاهرة، لكن الأمر أدق من هذا بكثير جداً. أنت لا يمكنك أن تقف، مثلاً من قول امرئ القيس: «قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ»، فقط "قفا نبك من ذكرى"، أنت لا يمكنك أن تقف على التخييل المنهض من هذه العبارة، ولا على بلاغتها، ولا على كيفية أدائها وما تلقيه في النفس، إلا من معرفة دقيقة جداً بلوازم الكلام.
أخونا محمد يقول: "مولانا لو تشرح لنا هذا الآن بدلاً من المحاضرة القادمة"، أرى هذا موضعه وهو موضع الفصل، نتوكل على الله. سأبين وأوضح فكرة النظم إن شاء الله تعالى، وكيف أن وقوع المجاز والتشبيه -حتى لو كان مباشراً- يكون من النظم.
أولاً: ما هو النظم؟ ومن أين أخذنا كلمة النظم؟ بعد كل هذه القراءة من أين أخذنا كلمة النظم؟ النظم هو انتظام الكلام. ومن أين أخذها عبد القاهر؟ كلمة النظم نفسها مجاز من النظام النحوي، ومن انتظام حبات العقد. هذا هو النظم؛ أنت تعرفون العقد الذي من اللؤلؤ، هذه الصورة الأولى، هذا العقد اسمه نظم، هذا هو المنظوم؛ هذه اللؤلؤات كانت بكراً ثم ثقبت ونُظمت في هذا النظم.
بعد ذلك تختلف أشكال النظم؛ تخيل هذا العقد، كيف يمكن أن يختلف؟ يمكنك أن تأتي بعقد جميل الحبات تشبه بعضها تماماً، وتنظمها نظماً واحداً لا تختلف الحبات في حجم بعضها ولا في لون بعضها، وهذا هو الأصل وهذا هو النظم المباشر، وهذه هي الاستقامة الجمالية العادية في أداء المعنى وأداء الصورة.
ثم نأتي الآن إلى الاختلاف في كيفيات الحبات؛ تأتي باختلاف في كيفيات الحبات، يعني تأتي بحبة كبيرة مثلاً تجعلها في المنتصف، وبحبتين أصغر عن يمين وشمال، ثم تبدأ في التدرج حتى تنتهي إلى الطرفين خلف العنق، تصغر الحبات بصفة مضطردة. الألفاظ جاءت هكذا، ثم جاءت الحبات كبرت، ثم كبرت فجأة، ثم تدرجت أو رجعت إلى الصورة الأصلية، ثم كبرت واحدة في فجأة هكذا في الأخير في واسطة العقد. ما الذي أدى هذه الهيئة الجمالية؟ كل الحبات من الأولى في اليمين إلى الأخيرة في اليسار، كله أدى لذلك. لا يقال هذا الذي في المنتصف أجمل ما فيه، لو قطعته من العقد ليس إلا لؤلؤة مستقلة.
ثم قد تجعل هذه اللؤلؤة تجعلها ماذا؟ تجعلها حجراً كريماً بلون مختلف، وهذا يشبه الألفاظ التي تفاجئ بها وتأتي في غير ما نتوقعها. تعال أوضح لك المجاز؛ المجاز أصعب، الأصعب أن تضع المجاز في مكانه. نتخيل المجاز أنك نظمت اللؤلؤة بنفس الشكل، بنفس الحجم والحبات، ثم جئت إلى لؤلؤة معينة وموهتها بلون أو بطبقة رقيقة من حجر آخر، رصعتها بطبقة رقيقة من حجر آخر بحيث أول ما ترى يظن لوهلة من الطبقة الحجرية التي عليها أنها غُلفت بالياقوت، ولكن غلافاً رقيقاً جعل اللؤلؤة تظهر عند النظر والتدقيق.
اللؤلؤات الأخرى صريحة، وهذه اللؤلؤة ليست صريحة، ما الذي حصل فيها؟ غلفها بغلاف دقيق بقشرة من الياقوت الأحمر، فلما تأملتها بنت لك أنها ياقوتة وأنها تقع موقعها، وليس هناك شيء جاء مكان شيء في الحقيقة، وعلمت أنه مجاز، ولكن القشرة الياقوتية أعطت قيمة أخرى زائدة لهذه اللفظة في هذا الموضع، وهي تسقط في موضعها الانتظام العادي.
ولو أنك أخذت هذه الحبة المجازية، وتخيلت أنها كانت في مكانها العادي في المنتصف، فأخذتها ووضعتها هنا وحدها، ما رأيكم في الشكل؟ لو أخذت اللؤلؤة وضعتها هنا وهي مجازية كما هي، العقد هكذا جئت إلى لؤلؤة ليست عادية، قبيحة؛ لأنك جئت إلى لؤلؤة مختلفة اللون مشوهة بالضبط، وضعتها في جهة أخرى في مكان آخر. هذا عقد من اللؤلؤ، وجئت إلى لؤلؤة في المنتصف، ولؤلؤة في اليسار، ولؤلؤة في اليمين، ورصعتها بشيء يوهم أن من بعيد لأول وهلة أنها ليست ياقوتة، فإذا بها ياقوتة، أو يهم أنها ليست لؤلؤة، فإذا بها لؤلؤة، لكن رصعت بشيء أعطاها معنى آخر. هل الجمال في هذه اللؤلؤة بذاتها التي رصعت بالياقوت؟ هل الجمال في هذا الحقيقة؟ لا، بل في أنك جعلت ثلاث لآلئ، جئت بواحدة هنا وواحدة هنا وواحدة هنا، والدليل أنك لو...
جمعت الثلاثة في ناحية سيكون المشهد قبيحًا؛ يعني إيه عقد أبيض، أبيض، أبيض ثم ثلاث لآلئ في ناحية واحدة مغلفة بياقوت خلاص، والناحية الأخرى فارغة؟ أو جئت بواحدة واثنتين في المقابل مشوه أكثر، مثل هذه اللؤلؤة التي وقعت في مكانها.
اللفظة الاستعارية التي لم تقع بتقديم ولا تأخير، وقعت في مكانها وأتيت بها مجازًا واستعارة، هي بالضبط لؤلؤة في مكانها ولكن غلفتها بغلاف أحمر؛ هي لؤلؤة في مكانها وغلفتها بغلاف أحمر من الياقوت هي بالضبط هكذا. لو جئت إلى هذه اللفظة الاستعارية وأزلت منها الاستعارة وأرجعتها إلى أصلها قتلت النص، ولو جئت إليها وقلت سأغير مكانها الذي هو المكان التقليدي أو المكان العياري ووضعتها في مكان آخر أيضًا أتلف النص، مع أنك غيرت في التقديم والتأخير لكن أتلف النص.
إذًا أحيانًا يكون النظم هو الإتيان بالكلمة في مكانها من النظم ولكن على هيئة مختلفة وصارت نظمًا، لأن مكانها هنا نظم كتذكرها بالعقد مرة أخرى. أحيانًا يكون النظم بالتقديم والتأخير، وأحيانًا يكون النظم بالإتيان بالشيء في مكانه مع إعطائه صفة معينة، لما أخذ صفة معينة صار مكانه في النظم جديدًا، لأنه أخذ صفة أخرى. مرة أخرى لما جئت به بصفة معينة صار مكانه في النظم جديدًا، وأعطيته صفة معينة جديدة، بدليل لو غيرت مكانه تلف، لو نزعت صفته هبط وسقط، فصار جمال النظم في أن تكون استعارة في نفس المكان.
هذه على عكس اللعب بالترتيب، هذه لعب بماذا؟ لعب بصفة المرتب فأخذ صفة جديدة في الترتيب. لما وضعته كما بالضبط لو جئت إلى لؤلؤة في مكانها ولونتها وكانت هي في المنتصف ولونتها أعطيت صفة جديدة. كذلك لو جئت إلى الجملة وجئت في المنتصف باستعارة مكان جملة عادية؛ أنت تقول في يوم المولد ولد الناس تنتظر النبي، فإذا بك تقول: ﴿الْهُدَىٰ وُلِدَ الْهُدَىٰ﴾، فأنت أسندت الميلاد إلى الهدى، والهدى مجاز. لا تقل الهدى صار هو السبب في الروعة، كلمة الهدى فقط أنك جعلت النبي ﷺ هو الهدى. أقول لك لو قلت تغديت اليوم مع الهدى، لو حد من الصحابة فقلت تحدثت اليوم مع الهدى، كلمت الهدى، زارني الهدى؛ سترى بعضها قبيحًا وبعضها جميلًا، صح؟ لكن «ولد الهدى» أنت غيرت في النظم، أصبح الهدى مسندًا بالعيار النحوي الأصلي إلى ماذا؟ إلى هذا الهدى أو غيره أو الميلاد أو غيره العبارة إذا صارت عيارية، لكن أسندت لمعنى غير عياري، فهذا هنا لأن المجاز ليس عياريًا، فالمجاز ليس عياريًا فلا تعاد المجاز ولا تعاد النظم.
الناس هنا بسبب اختلاف، وهذا من المضحك بسبب اختلاف الموضعين في كتب عبد القاهر، أنه ألف الدلائل في فكرة النظم، وألف الأسرار في مواضع من النظم، فالناس جعلوا الأمر جهتين منفكتين. فالبعض يظن أن النظم يحصل بالجمال الذي يحصل بالمجاز وبالاستعارة وبالتشبيه والكناية، والبعض يقول المهم النظم ليس هذه، غلط، كله غلط. الاستعارة والمجاز والكناية إذا وقعت في موقعها حتى لو كان النظم عياريًا صار الجمال حاصلًا بالنظم؛ لماذا؟ لأنك خرجت عن العيار، لأن العيار ليس هو الترتيب النحوي فقط، العيار أيضًا في اللغة.
وهذه من الخفايا، تكون روعة النظم في اللوازم. أنا جئتك الآن بالمجاز، تعال في اللوازم. كثيرون يقولون: ما هذا المطلع العادي؟ كهذا الولد المغفل الذي قال لك «هذه قف نبك»، يقولها إنسان وهو نائم، كان يقلد أحدهم ممن يقول إن العرب تحدت العرب في القرآن في الشارع، أنا لا أعلم، لم أتخيل كيف لإنسان لم يتكلم في العلوم العربية والعقائد ولم يؤسس بحيث ينجو على الأقل من الوقوع في الكوارث، فيقول لك «هذه قف نبك» القصيدة يقولها الشاعر العباسي وهو نائم! طبعًا لأن هذا وأمثاله نائمون لا يفهمون الكلام.
أنت لو نظرت مثلاً في «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»، يبدو المطلع غاشًا لك مخادعًا. نرى ما يقول قحطاء المطالع الجاهلية، غرار وخداع، صحيح لشدة طبعها. أقول قول امرئ القيس: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل». هذا من أشد، سبحان الله، هذه أعظم قصيدة عربية جاهلية، وهذا المطلع من أكثر المطالع غرورًا وخداعًا؛ لأنه له ظاهر ثم تبحث عن تصحيح المعنى نفسه فترى أنه لا يستقيم على الظاهر دون أن تنتبه، تظن «قفا نبك» يعني اقف نعيط، اقف نبكي وخلاص. لا، لما بدأ كلامه قال «قفا» أولًا.
«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»؛ على العيار النحوي لم يختلف شيء، على الترتيب النحوي لم يختلف شيء، على العيار المجازي لم يأتِ شيء، وإنما أتى بشيء هو أصعب بكثير وهو ما كتمه من الكلام وما ضمنه من الكلام. محمود شاكر يسمي هذا "المعنى المكتوم"، هناك ما يسميه إسباغ وهناك المعنى المكتوم. يقول لك معنى مكتوم فيه، وهو هذا المعنى الذي يلزم إذا أرهفت سمعك للكلام، وحينما تفهمه تقول: كيف لم أفهمه من الأول؟ حق أن يقال لك أنت الذي لم ترهف سمعك لأن ما فهمته خطأ أصلاً.
لما يقول «قفا نبك»، الضمير فيها يعود على من؟ الضمير فيها يعود عليهما، يعني قفا كما قال الراء، فإن تقفا نبك جميعًا. السؤال الساذج الذي يطرح هنا، ومن حق أي أحد أن يطرحه: كيف سنبكي؟ نبكي وهما لا يتحقق لهما سبب البكاء؟ هو يقول: من ذكرى حبيب ومنزل؛ حبيب ومنزل لمن؟ حبيب له ومنزل له، هو فيه شوق، فلما يقول «قفا نبك» ما معنى «قفا نبك»؟ «قفا نبك» يعني كأنه ضمن ذلك حتى يصح المعنى: قفا أبكِ أنا خلاص أبكي أنا، واذكر لكما حول هذه الذكرى، واذكر لكما كذا وكذا ونبكي جميعًا، هما سيبكيان لبكائي وللذكرى وهو سيبكي ويحكي، وإلا لن يتحقق بكاؤهما من غير ذلك، لن يتحقق بكاؤهما من غير ذلك، هو يدعوهما إلى مندبة، هو يدعوهما إلى بكاء جماعي.
قفا نبكي، أنت منطقياً لن تفهمها إلا: «قفا نبكي، واستذكرا، وتبكيان لبكائي ولذكراي». وهذا يصدق عليه في الجملة أنه من ذكرى حبيب ومنزله.
ثم تعال إلى هذا الحرف السهل "من"، هو من السببية، طيب، واللام قد تكون سببية أيضاً؛ يعني لو قال: "قفا نبكي لذكرى حبيب ومنزله"، أولاً انظروا إلى الفرق، اشعروا به ابتداءً قبل أن أشرح السبب.
يا إخوة، سأسألكم سؤالاً وأخبروني: هل شعرتم بالفرق أو لا؟ سأقرأ مرتين بالصيغتين وأنتم أخبروني: "قفا نبكي لذكرى حبيب ومنزله"، "قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزله"، هل هناك فرق؟
زينب تقول: لم تقع موقع من طبع. قحطان يقول: قطعاً. الحميري يقول: اللام جعلت البكاء أخف، يكون بكاءً عادياً، أما "من" فجعلت الذكرى سبباً مباشراً. وحين تقول زينب "من" فيها تهوين. أنا يعجبني الآن أنكم شعرتم بالفرق وتحاولون التعبير.
تعالوا الآن نفسر؛ تعرفون أن الحرف "من" كما يقولون في حرف الواو، أنه فيه معنى العطف العام، كذلك في معنى "من" يذكرون هذا التجاوز أو هذه التعدية من كذا إلى كذا، هذا الانتقال من كذا إلى كذا، هذا المعنى لا يذهب عن "من" حتى في الطب بعيضية.
ترى مثلاً أن المراد في كتاب "الجند الداني" من حروف المعاني، "من" يذكر لها أربعة عشر معنى، يذكر من معانيها ما يعرف بابتداء الغاية في المكان؛ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. ويذكر لها كذلك معنى المجاوزة حين تكون بمعنى "عن"؛ ﴿أَطْعِمْهُم مِّن جُوعٍ﴾. هل لاحظتم هذين المعنيين؟ أو مثلاً معنى التعليل: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ﴾، التعليل "لما يهبط من خشية الله".
كذلك معنى البدل: ﴿أَرْضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾، وكذلك "منها". والمعنى التبعيض: ﴿مِمَّن كَلَّمَ اللَّهُ﴾. هل لاحظتم معنى الانتقال والمسافة المكانية الذهنية أو الحقيقية في كل هذه المعاني؟ هل لاحظتم ابتداء الغاية في المكان، وكذلك معنى التعليل، وكذلك معنى المجاوزة بمعنى "عن"؛ ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾. هل شعرتم بهذا الجذر، وهو معنى الانتقال؟
فلما يقول امرؤ القيس: "قفا نبك من ذكرى"، بالتعليل وبالسببية، فأنت تشعر هنا أن الشاعر ليس هو المتحكم، كما لو قال: "قفا نبكي لذكرى"، لو قال "لذكرى" هو المتحكم في البكاء، هو البادئ بسبب البكاء، هو الصادر بالبكاء، يبكي لأجل كذا وهو الذي يبدأ وهو الذي يقطع. لكن لما يقول: "قفا نبكي من ذكرى"، فأنت ترى هنا الشاعر تنتقل إليه أسباب الذكرى، وهنا سيطول البكاء المضمن في المعنى؛ لأنه ليس متحكماً في الأسباب.
خذ عندك، وسيلتئم هذا الطول في البكاء مع المناحة المضمنة والمكتتمة في قوله "نبكي"، التي فيها إشارة خفية مضمرة إلى أنه هو سيحكي لهم أسباب البكاء، ثم يلتقي كل هذا مع طول الأماكن التي سيقف فيها، مع كونها لم يعفها، مع امتداد مداها: "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزلي، ببسط اللوا في الدخول فحوملي". كما قال أبو جعفر النحاسي: يعني "نملا الطرفين"، يستعمل "بين" مع الفاء في المعنى الذي يملأ ما بين الطرفين.
انظر، لم يعفها، يعني رسومها كثيرة لما نسجتها من جنوب وشمال، ولهذا كان سيهلك. فالتقت المعاني المضمرة في كل هذا مع بعضها، والتأمت على ماء المناحة والإطالة. "قفا نبكي" يعني نقم مناحة، أنا أبكي وأستبكي. تعرفون لو كان قبر أبيهم، ليس قبر حبيب، أقول لك: "قف نبكِ قبر أبي"، مفهوم؟ المعنى هنا فعلاً نبكي؛ لأن كل واحد ممن دخل في مفهوم الضمير "نبكي نحن"، خلاص، ما نبكي هنا الفاعل ضمير تقديره نحن، كل واحد منهما له سبب للبكاء مباشر، فلن تقدر معنى ليصل إلى البكاء، لكن الوصول إلى البكاء الصورة التي اختزلها في لفظه الواحد "نبكي" ضمنت معاني أخرى ستحصل فيها، حتى يصح بكاء أصحابه على ديار حبيبته؛ أنهم سيبكون بواسطته، "قفا نبكي" سأحكي.
من "ذكرى" يبقى سيطيلون المقام، ويبدأ في التذكر الطويل "بين الدخول فحوملي"، فوضح فالمقرة لم يعفِ اسمها. فإذا بهذا النص الذي يبدو سهلاً مطبوعاً سريعاً، إذا به ضمن من المعاني ما تكشف لي بعد سنين من النظر، بعد سنين من النظر والتأمل في النظم، هذا كله في النظم، مع أن المخالفة العيانية النحوية هنا ليست مباشرة، ليست حاصلة وليست ظاهرة، وهذا أصعب.
أقفك على سحر آخر لم أحدثكم فيه من قبل، هذا المطلع ربما حدثتكم فيه من قبل. تعال أقفك على سحر آخر، على هذا الامتزاج العجيب بين "من" بينما تحت السطح، تحت الظاهر عند امرئ القيس، ليس من فراغ. أنا قلت امرؤ القيس يعني سابق بوات ضوئية كل الشعراء، وأنه غالباً، إلا أن يكون في مقدور الله، أنه غالباً ستقوم القيامة وهو أشعر الشعراء.
يقول: «فعاد لنا سرب كأن نعاجه...»، «فعاداً عداءً بين ثور ونعجة». كل الشراح تقريباً خدعوا بقوله "فعاد"، لأنهم لما رجعوا إلى الشعر وجدوا عبارة "عاد" بمعنى "إلى"، يعني وجدوها موجودة بمعنى "إلى" في الصيد، يقول لك: "والى بين كذا وكذا من الطرائد". وظللت مدة أرق حول لفظه "عاده"، لا اقتنعت بها ولا يلتئم عندها الشعر إذا كانت بمعنى...
لماذا أول إشكال؟ فعاد عداء، فآكد بالمصدر "عداء"، والموالاة لا تحتاج إلى تأكيد. هذا أول شيء، "عاد عداء" لا تحتاج إلى تأكيد.
هذا أول إشكال قابلني، لأنني لا أقرأ أنا، أنا أشعر بالبيت في عظامي وأنا أسمع. فإذا حصل شيء، أبدأ في استعمال العقل النحوي في التعليل. أنا لا أبدأ -كما للأسف يبدأ الشراح- بتفسير لغوي هكذا، لا؛ البيت لابد أن ينسرب شعريًا في النفس الذواقة الناقدة، فإذا حصل فيه نتوء أو بثور، يقف المتذوق، وإذا كان من أهل العلم ويفسر ويعرف العربية، يبدأ في التعليل، وهنا يكون الناقد.
فلم ينسرب البيت، على هذا تخيلوا جرحني وهو يدخل بثلاثة نتوءات. النتوء الأول أن كلمة "عداء" تأكيد ليست محتاجة إليها. هل انقطع النتوء يا إخوة؟
- نعم مولانا. - منذ متى؟ - قليلاً مولانا منذ كنت تتكلم عن أن الناقد يتذوق البيت أولًا ثم يفسره. - نعم، الناقد يا إخوة لابد أن ينسرب البيت في صدره، لابد أن ينسرب البيت في عظامه وخلاياه دون نتوء ودون بثور، دون أن يشعر بنتوء ودون أن يشعر بحفر فراغات.
وعلى ما قرأت في كل الشروح تقريبًا حول هذا البيت، لم ينسرب البيت في نفسه. بيت امرئ القيس، هذه القصيدة التي أمكث عليها منذ عشرة أعوام، كل يوم والله، كل يوم والله، كل يوم. فانا لا أقرأ الشعر قراءة فهم المعنى الظاهر، أو للأسف كما يفعل الشراح كما قلت لكم، يأتون ويشرحون المعاني اللغوية وخلاص، المهم المعنى يعدي في الجملة. لا، هذا شعر لابد أن ينسرب في نفس الناقد الذواقة انسرابًا ناعمًا، دون أن يجرحه نتوء ولا أن يقلقه بثور وفراغ. فإذا حصل نتوء أو حصل بثور وفراغ، وكان بعد ذلك ليس ذواقة فقط بل ناقدًا عالمًا عارفًا بالعربية يستطيع أن يعلل، هنا يقف ويبدأ في التعليل.
وقد حاولت أن ينسرب هذا البيت في نفسي، وظللت أجعله ينسرب ولم ينسرب لسنين. لما فسروا "عاد" بمعنى والى، بين ثور ونعجة، "فعاد عداء بين ثور ونعجة دراكا"؛ يعني مداركه تتابعا. لم يقف ولم ينضح بماء فيغسل، يعني ولم يعرق ويرشح بالماء أولًا ثم يعرق، فهنا جرحني والبيت ينسرب، جرحني ثلاثة نتوءات.
النتوء الأول: "عاد عداء"، التوكيد بالمصدر، لماذا؟ والى بمعنى الموالاة، إذا انطلق في طلقة واحدة وصاد كل ذلك في جري واحد، هل يستحق المعنى في الشعر أن يأتي بالموالاة؟ هذا التوكيد ما قيمته؟ أولًا، وثانيًا قوله "دراكا"، أجمع الشراح على أن قوله "دراكا" معناه تتابعا دون انقطاع، فما هي داخلة في "والى"؟ لماذا يأتي بها؟ قالوا: هذه صيغة مصدر وقعت في موقع الحال، يعني هي حال من الفاعل في "عاد"، حال كونه مداهًا دراكا. لماذا "دراكا"؟ لماذا تتابعًا؟ ما هي داخلة في "والى"؟
النتوء الثالث أن قوله "ولم ينضح بماء فيغسل" هاتان مرحلتان. لا، انتظر حتى أنتهي يا محمد، هاتان مرحلتان من العدو الكثير؛ لأن قوله "لم ينضح بماء" يعني لم يعرق، فكان يكفي أن يقول "لم ينضح بماء"، إذا كان المراد أنه لم يعرق إطلاقًا. هو نفى النضح، يعني الرشح، ونفى السيلان، يعني سيلان الماء من على الجسد، خلاص. لأن الغسل هو الإسالة، حتى في الفقه يقولون: المسح الإصابة والغسل الإسالة، فالغسل في العموم هو الإسالة، يعني غسل الفرس يعني عرق حتى تقاطر منه، هذا معنى غسل.
فلو أراد أنه نفى العرق لاكتفى بنفي النضح والرشح، ولزم منه أنه لم يعرق بحيث يتقاطر يسيرًا وخلاص، وانتهينا. فلما قال "ولم ينضح بماء فيغسل" معناه أنه لابد أن يتحقق موضع النضح ثم يتحقق موضع الإسالة، يعني جرى جريًا طويلًا جدًا جدًا، وهذا لا يلتئم مع "والى" في طلقة واحدة وانتهينا. حتى تكلف أحد الشراح، وهذا من الغريب أن يتكلف شرحًا بالخطأ والنفس توقن أنه خطأ، وأنا أوقن أن النفس توقن أنه خطأ، ولكن مرورا من المشكلة وخروجا من الإشكال الظاهر، قال بعض الشراح قدماء: أراد أنه لم يجري طويلًا، يعني لم يتعب نفسه ولم يرهق نفسه بحيث ينضح ثم يعرق ويسيل. طيب، ما يكفي أن يقول "ولم ينضح" وخلاص، وانتهينا.
والمشكلة يا إخوة طبعًا أن البيت أصلا مخلع غير مفهوم، المشكلة كلها في "عاد" التي حملوها على "عاد" بمعنى والى. فرجعت إلى لسان العرب، أنا أعرف أن "عدا" يمكن أن تأتي فيها صيغة المفاعلة، عاد عداء ومعاداة. فرجعت إلى لسان العرب فوجدت عادى وتعادى القوم أو الرجال، يعني تنافسوا في العدو، وعاد بالغ من عدا، فليس شرطًا معنى المشاركة في صيغة المفاعلة يراد منها المشاركة، بل يراد منها التكثير أيضًا. والمعنى المقصود هنا هو التكثير.
فراجعت هكذا البيت بمعنى عدا عداء، أي عدا عدوا بالمبالغة، فلا بد أن يقع في البيت طول. تعرفون، التوكيد بالمصدر ممكن يكون للتوكيد وممكن يكون للصفة، وليس للتوكيد، ولكن الأخفى من الاثنين أن يكون ظاهره التوكيد وأن تدل القرائن على أن المراد الصفة. فأمرئ القيس قال: "فعاد عداء" مبالغة من عدا يعدو، ويكون المراد من "عداء" هنا ليس التوكيد وإنما الوصف بالطول والامتداد.
"فعاد عداء بين ثور ونعجة"، وهنا يصح أن تقول "دراكا" متابعة لم يقف؛ لأنك لو ذكر الطول في العدو والمبالغة فيه تتوقع أن يجري جريًا هادئًا أو يراوغ ويلتقط أنفاسه، كما قال مثلا: "إذا زعته من جانبيه كليهما مشى الهيدبا"، فنقول: مشى الهيدبا قليلاً، "فعاد عداء" جرى جريًا حسنًا طويلاً. ويكون هذا بتمامه "فعاد عداء بين ثور ونعجة"، ومعناها هنا أنه لم يختر ولم يميز، وإنما ظل يضرب هذه ويضرب هذه ويجري جريًا يشبه العشواء، ما تلتقطه عينه، طار إليه "فعاد عداء بين ثور ونعجة".
شوف بقى "دراكا دراكا" تتابعا، وهنا يصح "ولم ينضح بماء فيغسل" كغيره من الخيل، تمضح بالماء في الأول ثم يمتد جريها فيسيل العرق منها. هنا صار لكل كلمة معنى. فانظر كيف أبدع امرؤ القيس هذا البيت الآن.
فعن لنا سرب كان نعاجه عذار دوار في الملاء المذيل، فادبرنا. أنا كنت أفهم هذا يا قحطان في الأول أنه يقصد نفسه والحصان، بعد ذلك بأن "لنا" نون التعظيم أو أنه يعظم نفسه، سأخبرك وأشير لك الآن لماذا.
انظر إلى قوله بعدها: "فعن لنا سرب كان نعاجه عذار دوار في الملاء المذيل فادبرنا، كالجزع المفصل بينه بجيد معم في العشيرة مخول، فالحقنا بالهاديات ودونه جواهرها في صخب لم تزيل". انظر إلى واو "الحقنا"، انظر إلى واو الحال. هذا البيت فيه تهكم عجيب؛ "فالحقنا بالهاديات ودونه جواهرها".
هذا البيت حتى تفهموا القضية، لو أراد فقط كما كنا نظن قديماً أنه الخيل وراءه لم تشعر، الطرائض وراءه لم تشعر به وهو مر لسرعته كما نقول دائماً؛ وصف سرعته هذا خطأ. وكنت أقول به لسنين بالمناسبة، وصف سرعته هذا خطأ، لم يصف السرعة فقط بل استعمل السرعة في وصف شيء آخر وهو كبره. تعرفون لماذا؟ لو وصف سرعته فقط لاكتفى بقوله: «فالحقنا بالهاديات وجواهرها في صخب لم تزيل».
معنى "جواهرها" ليس التوابع فقط، بل جواهرها أن تجحر إليها المتلهفة الجارية نحوها اللاحقة بها. فهو يقول: "فالحقنا بالهاديات" بمنتهى الإنجاز، معناها ادبرت كما قال: "فادبرنا"، "فالحقنا بالهاديات ودونه"، يعني ترك دونه، يعني أغفلها، "ودونه جواهرها في صخب لم تزيل" يعني لم تفرق. لو أراد أن يضرب فيها، أراد أن يصيد ويسقط منها كان أتى بها وانتهى، لكن البيت فيه كبر.
هذا ماء القصيدة يا إخوة، الذي قلت لكم من قبل في آخر محاضرة شيء سأتكلم عنه، وهو قضية ماء الكلام. "فالحقنا بالهاديات ودونه جواهرها" مع أنه أخبر عن شيء ثابت، يعني قال ودونه سائر القطيع أو السرب يجحر إليها، وأنا أصلاً في وسط الهاديات.
«فعاد عداء بين ثور ونعجة دراكا، ولم ينضح بماء فيغسل». وجدت في لسان العرب نصاً على "عاد" مبالغة من "عدا"، نصوا عليها كما قالوا "عاد" بمعنى "والى"، وقالوا في نفس الموضع "عاد" بمعنى بالغ في العدو، "عاد عداءً" أي تنافس في العدو طويلاً، "تعادى القوم" تنافسوا في العدو واجتهدوا فيه. فـ "عاد عداءً بين ثور ونعجة دراكا" يعني على شرط لم يقف، ولما عاد عداءً طويلاً ولم يقف "دراكا" لم يقف أيضاً ولم ينضح بماء فيغسل، كما إذا جرى مثلاً ينضح بماء فيغسل.
ومما يدلك على أنه قصد قصداً إلى الهاديات وتكبر فيها أنه قال بعد ذلك: «كان دماء الهاديات بنحره»، يعني من كثرة ما صاد من الهاديات التي تهدي السرب. فانظروا كيف هنا التركيب، كيف كثف الدلالة على المعاني الكبيرة الطويلة التي تُحكى في صفحة أو صفحتين.
أصلاً بالمناسبة، من أساليب امرئ القيس أنه يذكر لك الكلمة على البديهة، يعني كأنها عادية وهي أصلها خلاف الأصل في النظم. انظر البيت الآتي بعد هذا البيت: «فظل طهات اللحم من بين منضج صفيف شواء يضع الصفيف أو قدير...». "طهات اللحم" هذه هل هي مفرد أم جمع؟ لما يكونوا أصحاب يطهون، في الأصل واحد، لكنه يكثرهم، ولم يقل "وكثر الطها".
وانظر إلى الصورة التي زاحم بها: «فظل طهات اللحم من بين منضج صفيف شواء، يضع الصفيف أو قدير». قال ابن السكيت هنا: من عادَة العرب إذا صادت أن تعجل بالأحشاء، تعجل بالكلى والكبد والقلب بالطبخ، تعجل بها. فانظر كثرة الطها من كثرة اللحم، كثر الطها بين من ينضج شواء ومن يقف يقلب القدير. والقدير بمعنى المقدور، هذا قول ابن السكيت، قال: القدير هنا بمعنى المقدور.
هذا مما حار فيه الشراح، وممن أصاب فيه ابن السكيت قال: القدير بمعنى المقدور، وكانت العرب تعجل بالإتيان بالأحشاء كالكبد والطحال والقلب والكلى وتطبخها في الماء على القدور على الحطب، تعجل بطعامها. فمن كثرة الطعام والطهات، وكثرة الطعام الذي صاده وكثرة الطها، ظلوا طوال اليوم بين من يشوي ومن يعجل، أي أن التعجيل استمر لآخر اليوم، أقام لهم مندباً أو محفلة، كما أقام مندباً في "قفا نبك". فانظر النظم كيف أدى به.
ثم تقول لي أين تقديم وتأخير؟ يا أخي افهم، ليس فقط تقديم وتأخير، هناك ما هو أصعب، هذه المعضلة التي حيرتني مدة: "عاد عداءً" التي كل الشروح يقولون أنها من المواهب، حتى في لسان العرب استشهد بها ولكن حتى في لسان العرب قال: عاد بمعنى بالغ في العداء أو العدو، "عاد عداءً" يعني عدا عدواً لكن على المبالغة.
هذا أيضاً من النظم، ومن أصعب النظم الذي تراه، وهذا تقريباً عند امرئ القيس؛ هو هكذا مثلاً في "قفا نبك" في كل بيت، دون مبالغة في كل بيت. أنت لما تراه مثلاً تقول: «كأن أبانا في أفانين ودقه كبير إناس في بجاد مزمل». تقول ربما هذا تشبيه مباشر، أين المباشر يا رجل؟ تعال أولاً: وضع "أبان" بمحاذاة "الرجل" في التركيب، لأن الكلام بتمامه: «كأن أبانا في أفانين ودقه كبير إناس في بجاد مزمل».
أبان جبل ضخم، فاستعمل معه، لم يقل "كأن أبانا تجري عليه أفانين ودقه"، قال: «في أفانين ودقه»، يعني جعل أفانين الوق هي الأصل وهي الظرف، وجبل أبان مظروفاً، يعني جبل أبان غطته واحتوته أفانين الوق. قال: «كأن أبانا في أفانين ودقه»، وأبان هذا جبل ضخم كبير كما قالوا "صخري"، ليس سهلاً أن يسيل عليه ما يحتويه، جبل منطقة ضخمة، فقال: «كأن أبانا في أفانين ودقه كبير إناس في بجاد مزمل». هذه البساطة في المقابلة هي معجزة البيت أصلاً.
كبير أناس في بجاد مزمل، فهذه البساطة في المقابلة في التركيب هي التي أحدثت هذا. لما قابل أبانا بهذا، وجعل الظرف في أبانا كظرف في كبير الأناس الذي ليس شيئًا أن يكون في بجاد مزمل، فقال كذلك: أبَانَ في أفانين ودقة. أبَانَ صار محاطًا في أفانين ودقة تهويلاً من شدة نزوله وسيلانه وفضاعته، رأيتم؟
وهكذا النظم ليس شيئًا يسيرًا سهلاً. أنا لا أريد أن أقول لكم الآن، لكن يومًا ما سأقول لكم، ويوما ما ستعرفون أن كل ما قرأناه في دلائل الإعجاز، بالنظر إلى ما سنطبقه، كل ما طبقناه في دلائل الإعجاز أمثلة على ما هو أصعب وأبعد. أريتكم شيئًا في عاد عداء، وأريتكم شيئًا في كيف التقت المعاني من تحت المعاني المضمرة في الداخل.
﴿قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ * بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ﴾. حتى تغوص في هذا البيت وحتى تتأثر به حقيقة، لا بد أن تكون مفرطًا جدًا وغارقًا في البيتين. لا تقرأ البيتين ولا تسمع البيتين ولا تنشد البيتين، أنت تعيش البيتين بدلالتهما اللغوية الصحيحة ليس السطحية.
«قفا نبكي من ذكرى»، يعني نجلس والذكرى كثيرة وتترى علينا. «من ذكرى»، وليس لذكر ذكرى. «نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي»، يعني سيذكر، يكرر الحبيب، هناك ذكريات مع الحبيب وذكريات في المنزل نفسه. «بسقط اللوى بين الدخول فحومل»، يعني سنملأ كما قال أبو جعفر النحاس: بين الدخول فحومل.
فوضع المقرات، ثم كأنه يذكر العلة بجملة؛ قيل إنها حالية، يعني نبكي حال كونها لم يعفر اسمها، وقيل -وهذا ما أراه- يقال فيها استئنافية، وأراها استئنافية أجود. ليس مجال الشرح: «لم يعفر اسمها لما نسجتها كما نسج الحصير والصوف». لما نسجتها من جنوب وشمال، وهنا ترى الآثار الكثيرة الباقية تخرج من بين النسج.
«لما نسجتها»، الضمير (ها) يعود على ماذا؟ على الأماكن كلها التي ذكرها، فكلها منسوجه والآثار باقية، رأيتم ما الصورة التي صورها وكيف صورها؟ المهم كيف صورها: «بين الدخول فحومل»، فطوضحه فالمقرات أماكن بعيدة سيملاها بكاء به وبأصحابه.
«لم يعفر اسمها لما نسجتها»، (ها) تعود على كل الأماكن. «لما نسجتها من جنوب وشمال»، من جنوب كثيرة وشمال كثيرة، سنوات مرت يعني ونسجت وبقيت الآثار الكثيرة التي بين الدخول فحومل. «قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي»، هنا رأيتم.
وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد