دخولتسجيل الدخول

الدرس 36 - من صفحة 259 إلى صفحة 263

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد؛ أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا السادس من مجالسنا في شرح كتاب "دلائل الإعجاز" للإمام الشيخ، إمام البلاغيين أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.

انتهينا أيها الإخوة من الفصل الذي جاء في فقرة واحدة، هي الفقرة التي قال في أولها: «لا يكون لأحد العبارتين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها». وفصل جاء في صفحة واحدة وفقرة واحدة، وهي الفقرة الثلاثمائة، وهذا فصل كان في التفريق بين المعنى المجرد والمعنى الفني.

بعد ذلك يشرع في فصل يقول: «فصل هو فن آخر يرجع إلى هذا الكلام». والشيخ من هنا أيها الإخوة سيتمادى ويأتي بوجوه كثيرة، يظل هكذا تقريبًا إلى آخر الكتاب؛ ليثبت لك بها أن كل أوصاف الفصاحة والبلاغة التي يذكرونها في وصف الألفاظ إنما هي أوصاف معاني هذه الألفاظ، وليست أوصافًا لعين الألفاظ. الكتاب كله يقوم على هذا، من هنا ومن قبله، وتجني في أثناء ذلك فوائد جليلة، وإن كان الشيخ أسهب شديدًا في بيان هذا الأمر وفصله بما ربما تقول معه لا نحتاج إلى كل هذا، لكنه بين في ذلك فوائد جليلة.

هناك أمور يا إخوة تعنّ لي في أثناء البحث والنظر، ومنها هذه القضية التي شغلتني مدة في كتاب "فحول الشعراء" للأصمعي، الذي هو تدوين لأجوبة الأصمعي عن أسئلة تلميذه أبي حاتم السجستاني. وكان هذا السؤال له علاقة بالمنشور الذي نشرته اليوم في "نصيحة الشعراء" تحت عنوان: «أيها الشاعر»، الذي جعلته بداية لكل نصيحة. فكان من هذه النصائح قلت له: «أيها الشاعر، تكفيك ثلاث قصائد طويلة جيدة فحلة حتى تجلسك على عرش الشعر في تاريخ الشعر والأدب».

فهنا تذكرت مسألة من المسائل التي دونتها لبيانها في مقدمات بعض المجالس، كمجالس "الدلائل" أو في مجالس مستقلة. وبعض المسائل كنت أعقد لها مجالس مستقلة وتبقى مسجلة في محاضرة مستقلة، لكن وجدت من المفيد أن بعض المسائل يمكن أن تكون في مقدمات بعض الحلقات من مجالس الكتب، ومنها هذه المسألة، لاسيما وأنها قصيرة منجزة، وبعد ذلك قد نتحدث فيها بنوع من التفصيل والاستشهاد.

السؤال: هل يمكن الاستدلال على فحولة الشاعر، أو على شاعرية الشاعر، من خلال قصيدة واحدة؟ هل يمكن أن يكون هذا بواسطة قصيدة واحدة؟ اعلموا طبعًا أن الضبط بقصيدة هو ضبط أغلب لما يذكرون القصائد، وعدد القصائد هو ضبط أغلب. المقصود في الأخير أيها الإخوة أن تتكرر البلاغة وتتكرر أفعال ووجوه من التصرف من هذا الإنسان، نجزم معها بأنه شاعر.

يعني إذا أتى إنسان بقصيدة مرة واحدة، ووجدنا أنها فيها جودة وفيها كثير، لاسيما إذا طالت وفيها نزول وفيها خروج وصعود، هل يمكن أن نقول هذا إنسان شاعر أو شاعر مجيد؟ والله إذا ستقول شاعر بالمعنى العام الذي فيه تسامح، ممكن؛ أما إذا تقول شاعر بالمعنى الذي عنده الملكة مستقرة، كما قال البلاغيون: «البليغ هو الذي عنده ملكة». تكرار البلاغة يعني ليس أنها جاءت منه هكذا، لكن هذا التكرار قد يكون في قصيدة واحدة، في قصيدتين، في ثلاث، فمثل هذا قد نعم.

لكن إذا كان المعيار الذي نرنو إليه هو معيار الشاعرية، لما نتكلم عن جرير والفرزدق والأخطل، ونتكلم عن بشار بن برد وعن أبي تمام وهؤلاء، نقول: لا. مثال على ذلك، وهذا قد يستنكره البعض، يقول مثلًا الطحلاوي قال إنه شاعر، والطحلاوي كان نحويا، كان شيخًا أزهريًا نحويا، فلما يتكلم عن هذا شاعر مجيد وانه كذا في دائرته ممكن نتسامح معه ونفهم كيف يتكلم، فكثير من الأزهريين يقول على المنظومات العلمية "شعر"، يسميها شعر، هذا ليس معيارًا.

لكن مثلاً أقول مثالًا على ذلك: ابن زريق العيني، قصيدة ابن زريق جميلة شجية، فيها إجادة وفيها نزول عن الإجادة. وإذا جئنا إلى المعيار الحقيقي الذي نتعامل به، القصيدة لا تأتي في الصف الأول ولا الثاني، وأكثر ما يعجب الناس ويشيع في العامة لا يأتي في الصف الأول ولا الثاني. أخونا محمد الحميري يقول: سبحان الله، وأنت تتكلم كانت هذه القصيدة في رأسي، توفر فيها وفي صاحبها كل ما أقول. فالله تعالى التوفيق.

كابن زريق، لكن تعالى إذا نظرت مثلا في الجاهليين، سترى بعضهم من المقلين، بل سترى بعضهم ممن يقال فيه صاحب واحدة، كطرفة بن العبد، مع كونه من الفحول. لماذا؟ كما قلت الآن، ليست القضية أن أبدأ من قصيدتين من ثلاثة، لا، هي القضية كما قلت قالوا بالقصائد تغليبًا وإنما ضبطًا، وإنما العلة فيها تكرار البلاغة. المقصود في القصائد هو تكرار البلاغة، يعني أن تظهر القصيدة قدرتك على هذا البيان، هذا النوع.

يعني مثلا لو أن امرأ القيس لم يقل إلا "قفا نبكي"، ليس هناك مجال لأن تقول قيلت معه هكذا، ولا يستطيع الرجل، ليس عنده ملكة. والله لو هذا ليس عنده ملكة الشاعر، فلم يخلق الله الشعر. فالقضية ليست قضية عدد قصائد، طيب ممكن واحد عنده خمس قصائد وتسمى قصائد، وهذه الخمسة مجموعها لا يبلغ مثلاً قصيدة طرفة بن العبد، سواء في موضوعاتها أو في تعدد الموضوعات، طرف أكثر بياناته وأكثر بيانه ووجوه التصرف عنده أعلى في قصيدة واحدة.

إذًا ليست قصيدة واحدة إذاً؟ هل يمكن أن قصيدة واحدة طويلة فحلة تثبت بها فحولة الشاعر؟ نعم، ولكن هذا على قلة. مرة أخرى، نعم ولكن هذا على قلة، يقع مع الأفذاذ. يعني هل يمكن لإنسان أن يعكف على ثلاث قصائد، أربع قصائد في عمره، جياد فحلة تخلده في التاريخ تخليد امرئ القيس؟ نعم، ممكن هو.

امرؤ القيس، فعلاً، أصل قصائده التي خلدته في الحقيقة هي هذه الثلاث الطوال. أنت حتى لما تنظر في مكانة امرئ القيس في الأدب وما يستشهد به من شعره وروائعه، سترى: "قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل"، "ألا عم صباحاً"، "أسمك شوق"، ومع ذلك كانت نبراساً وإنجيلاً وهادياً، أي مصباحاً وهادياً لكل من جاء بعده من الشعراء؛ فتح بها أبواباً لم تكن مفتوحة، أتى فيها بتشبيهات فتقت أذهانهم على عبقرية التراكيب وكيفية التشبيه، أتى فيها باستعارات.

حتى لما قالوا: «أول من قيد الأوابد»، وشبه الخيل بالعصي، فما معنى شبه الخيل بالعصي؟ يعني هو لاحظ هذه الصفة التي في الجذع الأسطواني للفرس مع كونه مصقولاً وشبهه بكذا، فهو فتح أبواباً وفتح طرقاً وفتح معاني وفتح طرائق في التشبيه، وهذا كله جاء في ثلاث قصائد طوال تظل تشرح على الدهر.

هل يمكن أن نتصور أن يكون شاعر منكم الآن يخرج في حياته بأربع أو خمس أو ست أو سبع قصائد، وتكون هذه القصائد دالة على فحولته؟ نعم ممكن، بشرط أن تكون عالية جداً، وأن تكون مميزة، وأن تكون الطاقة الشعرية فيها بلغت مبلغاً عظيماً، وأن تكون -لا أقول غالباً بل لابد- من الطوال الفحلة المتعددة الأبواب التي رمى فيها في كل واد ولم تنبتر أوصالها، وظلت تحت مرماه وتحت غايته، وظلت تحت نفس الروح مع أنه عدد فيها الموضوعات والمشاعر، فضحك وبكى، ومجن وتخشع، ومارس الصبابة ومارس شتى العقل والشيب، كل شيء، ومع ذلك لم تنقطع أوصال القصيدة وأحسن في كل جزء فيها، وطالت القصيدة على هذا.

طبعاً هذه تدل على شعريته وعلى فحولته، ولهذا لما قال جرير بن عطية في امرئ القيس: «اتخذ الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء»، أنت هنا ربما تتوهم للوهلة الأولى، وهذا الأصل، أنه إذا كان عنده قصائد كثيرة حتى يكون اتخذ الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء، أي كلما عنى له شيء قال شعراً؛ لا، هو اتخذ الشعر نعلين يطؤهما كيف شاء، وهذا وصف يصدق على القصيدة الواحدة، اتخذ الشعر فيها نعلين يطؤهما كيف شاء، وهذا ما وقع في "قفا نبكي"، وهذا ما وقع أكثر ما وقع في "قفا نبكي"، ثم في "ألا عم صباحاً"، ثم في "أسمك شوق".

هذه الصفة على التخصيص، أي أكثر ما وقعت كانت في "قفا نبكي"، ظهرت فيها شديداً جداً الإحسان مع التباين الشديد مع الإغراق في كل واحدة دون أن تنبتر الأوصال، كان إنساناً عجيباً في هذه القصيدة، فلو لم تكن له إلا هذه القصيدة لثبتت بها الفحولة، وكما قلت ممن يقال فيه "أصحاب الواحدة"، وقد عرفتم ما معنى أصحاب الواحدة. طرفة بن العبد وهو معدود في الفحول، يمكن أن تعده في المجيدين أو في الفحول عن طريق هذه الواحدة التي قوموه بها، وإن كان البعض يقول لو كان ما في أيدينا من شعر طرفة بن العبد فقط ما حصل هذه المكانة التي على أفواه الناس، لكن هذا كلام ابن سلام، أما أكثر العلماء من غير ابن سلام فقد قوموه من خلال هذه القصائد الموجودة فيما هو ظاهر، وعدوها من القصائد الفحول العالية.

وواقع العلم بالشعر يشهد بأن هذه القصيدة يقطع لصاحبها بالشاعرية الفحلة، هذه المعلقة، طرفة بن العبد يقطع لصاحبها بعد عدة أبيات -لا أقول بعد نصف القصيدة بل بعد عدة أبيات- بأنه شاعر عظيم فحل، هذه فائدة أردت أن أثبتها في أول المجلس لتكون مسموعة لكل من يسمع إلى الشرح وحتى لا تنقطع عن عناية بعضكم.

قال: فصل، أصل هو فن آخر يرجع إلى هذا الكلام، يعني كما قلت لكم من هنا الشيخ سيتمادى في بيان وجوه كثيرة يثبت بها أن كل أوصاف الفصاحة والبلاغة التي يذكرونها في وصف الألفاظ إنما هي أوصاف لمعاني هذه الألفاظ وليست لعين الألفاظ من حيث كونها أصواتاً.

نعم، قال: «قد علم أن المعارض للكلام كلام معارض له من الجهة التي منها يوصف بأنه فصيح وبليغ». كلمة "المعارض للكلام" يا إخوة، الدكتور محمد إبراهيم شادي لم يصب في تفسيرها، أو تعريفها بأنها تلك المعارضة المعروفة في باب الشعر. نقرأ ما قاله في الصفحة 345 من شرحه على كتاب دلائل الإعجاز، في الحاشية الثالثة يقول: «يقصد بالمعارض هنا الذي يأتي بالمعارضة، وهي أن ينظم شاعر لاحق على منوال شاعر سابق في قصيدة بعينها بحيث تتفق القصيدتان وزنا وقافية وموضوعاً مع الاختلاف في تفصيلات المعاني وفي التعبير على أن يتفوق اللاحق على السابق ويزيد عليه».

هذا الكلام غير صحيح، فسرها بالمعارضة الاصطلاحية في فن الشعر عند المتأخرين، فهذا لم يصب فيه الدكتور محمد إبراهيم شادي حفظه الله وأطال عمره بالخير، بل هذا غريب؛ لأن هذا المعنى الاصطلاحي الخاص ليس هو الوارد في كلام عبد القاهر من أوله إلى آخره، وقد أقامه على المفاضلة والمعارضة في مطلق الإجادة دون النظر إلى المعارضة الخاصة في اصطلاح الفن الشعري.

فانتبهوا إليها، لأن المقصود هنا من المعارضة هو من يعارض كلاماً ليتفوق عليه، وقد علم أن المعارض للكلام معارض له، حتى الكلام سيظهر جداً أنه في النثر والشعر جميعاً وأنه يقصد به كذا وكذا، لا شيء يخص ذلك بالمعارضة الاصطلاحية في فن الشعر عند المتأخرين، كأن يأتي كما مثلاً البارودي يعارض أبا نواس وأبا فراس، أو أن أحمد شوقي عارض البحتري في السينية وعارض ابن زيدون في النونية، وهكذا.

يقول: «قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي منها يوصف بأنه فصيح وبليغ». شوف، الشيخ يريد أن يقول لك في الأخير: القضية ليست قضية ألفاظ وأصوات وكلمات جُمعت، وإنما معاني هذه الألفاظ من حيث مواقعها في التركيب من الجهة التي منها يوصف بأنه فصيح وبليغ، ومتخير اللفظ، وجيد السبك، ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى اللفظ.

اللفظ، وهذه المشكلة التي يقول عبد القاهر إنها وقعت للناس، وإذا كان الأمر هكذا فبنا جدير أن ننظر فيما إذا أتى به كان معارضًا، ما هو؟

فجدير بنا إذا كان قد علم أن المعارض للكلام معارض له من الجهة التي يوصف بها بأنه فصيح، بليغ، متخير اللفظ، جيد السبك، ونحو ذلك من الأوصاف التي نسبوها إلى اللفظ؛ كلامهم واضح: لفظ فصيح، لفظ رقيق، لفظ نابض، لفظ قلق، لفظ متمكن. يقول لك: لفظ كذا، لفظ كذا، فيقول: فبنا جدير بنا أن ننظر فيما إذا أتى به كان معارضًا، ما هو؟ أهو أن يجيء بلفظ فيضعه مكان لفظ آخر؟ نحو أن يقول بدل «أسد» «ليث»؛ يعني إذا أراد أن يعارض سيزيل كلمة «أسد» ويضع مكانها مرادفًا فقط.

«وبدل نأى ومكان قرب دنى، أم ذلك ما لا يذهب إليه عاقل، ولا يقوله من به طرق». يقصد بطرق: بقية من قوة في عقل، كما قالوا أصلها السمن والقوة والشحم. كيف ولو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة؟

الترجمة المقصود بها هنا يا إخوة الشرح؛ لأن من معاني الترجمة الأصيلة الشرح والتفسير، ومنه وصف عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنه «ترجمان القرآن». والغريب من الدكتور محمد إبراهيم شادي هو أنه فسره بتكلف، فسر الترجمة بالنقل من لغة إلى أخرى، وهذا غريب؛ أن يفوت من هو في مقامه أن الترجمة معناها الشرح، كما أن معناها العنوان مثلاً، لها معانٍ عدة من معانيها الأصيلة الشرح والتفسير.

هذا غريب في هذا المقام لأنه غير مطلوب ولا مقصود، إنما يقصد عبد القاهر يقول لك: لو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة؛ لأن الذي يشرح ماذا يقول؟ يقول لك إذا رأى كلمة «الليث» أو «الغضنفر» يقول لك: الأسد. فأنت ربما لا تعرف معنى كلمة «غضنفر» مثلاً، فيقول لك: الأسد، أو لا تعرف معنى «رئبال» وهو الأسد، فتشرحه وتترجمها بالأسد، وهذه ليست معارضة.

لذلك يقول لك عبد القاهر: لو كانت المعارضة أن آتي إلى اللفظة أضع مكانها لفظة أخرى مرادفة لها، إذاً هذا شرح، فلا فرق بين المعارضة البليغة التي تقصد المناهضة والمنازحة في البلاغة، وبين الشرح الذي يبين الكلام الذي لا يظهر لكل الناس. وهذا غريب حقيقة من الدكتور، أنه تكلف حمله على معنى النقل من لغة إلى أخرى، وهذا في الصفحة السادسة بعد الأربعمائة من شرحه في الحاشية الثانية.

وهو تكلف ذلك لأنه خالف بها ظاهر كلام عبد القاهر، دون فائدة من ذلك، فضلاً عن أصالة الكلمة في التفسير، وفضلاً عن دلالة ما بعده من كلام عبد القاهر على عدم صحة معنى النقل من لغة إلى أخرى وأنه الشرح فقط. فهذا غريب في الحقيقة، تعجبت من تفسيره الترجمة بأنها النقل من لغة إلى لغة أخرى، يعني أن يأتي إلى هذه اللفظة ويجعلها -مثلاً في الإنجليزية- ويترجم العبارة إلى لغة أخرى؛ هذا غريب لا يدعمه سياق، ولا أصل معنى، ولا المعنى الشائع في اللغة لكلمة ترجمة، ولا شيء.

قال عبد القاهر: «ولو كان ذلك معارضة أن تأتي بالليث مكان أسد أو أسد مكان ليث، وتأتي بنأى مكان بعد ودنى مكان قرب، لو كان ذلك صحيحًا لو كان ذلك معارضة لكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة».

والأدب بنص فصيح، تعرفون يا إخوة؟ أقول لكم شيئًا ليس بسر، الحداثيون كذلك تتخيلون. هل تعلمون أن الحداثيين الغربيين، هروبًا من موضوع القراءة والتفسير، وهروبًا من إثبات وجود مترجم -يعني شارح وناقد- يعدون ما يعرف بالنقد أو الشرح الشعري إحداثًا لنظم، أو إحداثًا لعمل أدبي آخر؟ يقول لك المبدع الجديد!

تتخيلون عبد القاهر يعتبرها بديهية، ويقول: كيف؟ يعني لو كان كذلك ما فرقوا بين المعارضة والترجمة؟ يعني التفريق بين المعارضة والترجمة أمر بديهي يحتكم إليه عبد القاهر. تخيل أن الحداثي الآن سيأتي ويقول: أوه، هي المعارضة، والترجمة التي هي الشرح هي أيضًا عمل أدبي أصلاً. ولما قالوا ذلك واجهوا مشكلة: كيف عمل أدبي وهو كان ينظر إلى قصيدة فلان مثلاً؟ يعني ينظر إلى قصيدة تي إس إليوت أو إزرا باوند، خلاص، كيف نقول هذا وهو نظر إليها وأعاد صياغتها من أولها إلى آخرها بنفس العناصر وتوضيحات أكثر؟ فإذا بالبعض منهم يقول: هو عمل أدبي من المقام الثاني.

هم يهربون من هذا التفصيل، والله يا إخوة هذا لا أفترى عليهم، هذا عندهم قالوا: إذاً هو عمل أدبي دون العمل الأول، وليس في رتبة المبدع الأول. ولماذا يكون عملاً أدبيًا أصلاً؟ اللغة ليست كذلك، هذه هي المغالطات الشنيعة التي وقعت فيها الحداثة اللسانية الغربية، ولذلك حصل عليها انقلاب سريع؛ بعضهم ينقلب إلى العودة إلى الوراء، وبعضهم ينقلب بما في الحداثة وما بعد الحداثة من مشكلات كبيرة وقعوا فيها، وكلها مشكلات فكرية لا لغوية، وخلل فكري وليس له علاقة باللغة من حيث كونها لغة.

يقول مولانا: هم هكذا فعلاً، حتى البديهيات عندهم فاسدة، ليس فقط في الأدب بل في أصل الفكر. نعم، صحيح، ما بالك بقوم يؤمنون بصحة النسبية؟ يعني يؤمن بأنك إذا اعتقدت شيئًا فهو حقيقة، وليس بأن الحقيقة هي حقيقة في ذاتها. وإذا كانت غير حقيقة فهي في ذاتها غير حقيقة، هو عنده النسبية؛ يقول لك طالما الدين الذي تعتقده هو دين يريحك نفسيًا ويؤدي وظيفة التعطش إلى الدين، فهذا دين صحيح! يا رجل، كيف صحيح؟ أنا أقول الله واحد وأنت تقول ثلاثة!

هذا بيني وبين أحد الأصدقاء البريطانيين؛ فعلاً قلت له: كيف أنا أقول واحد، وأنت تقول ثلاثة، وأنا صح وأنت صحيح؟ فكان يقف ويقول: رأيت كيف أن الكلام في الدين يوغر الصدور! قلت له: لا والله، أنا أسألك أنت، ما زلت صديقي، وأنا أسألك أنت تقول أنا صواب وأنت صواب، طالما أنا مرتاح وأنت مرتاح. طيب، أيها الصواب؟ أنت تقول ثلاثة وأنا أقول من قال ثلاثة كفر، هو واحد، فكيف أنت صحيح وأنا صحيح؟

طبعاً تقريباً كان هذا آخر حوار بيننا ولم يكلمني بعد ذلك، لماذا؟ لأنك وضعته أمام نفسه وأمام عقله، سيبحث بخلقته وفطرته عن الصواب. فانظروا إلى أي حد وصل عندهم الخلل النفسي والعقلي في هذه الأمور، أو في التفكير بعامة، فلا تنبهروا بالغرب، الغرب يا إخوة لا تنبهروا بالغرب. والله هم فقط عندهم صناعات تتفوق عليهم، اليابان والصين بالمناسبة تتفوق عليهم، لكن هم عندهم قوة وعندهم غشم يستطيعون، وعندهم إدارة استطاعوا بها أن يجلبوا قوى العالم إليهم.

هات النازية التي دمرت العلماء في ألمانيا، هات علماء ألمانيا، عندنا ما هو ترامب؟ ألماني بالمناسبة، خلاص فتي بالألمان، أتي بعلماء العرب يقيمون عندنا ونعطيهم الجنسيات وكذا، أتي بالهنود، أتي بالعلماء المميزين من كل مكان، عندهم برامج في هذا؛ أن يستجلبوا وأن يبتلعوا الكفاءات، هذا ما أقام دولتهم. بعد ذلك هم عندهم كل مقومات الفناء أصلاً.

لا عليك، نرجع. قال: «ولكان الناس لا يفصلون بين الترجمة والمعارضة، ولكان كل من فسر كلاماً معارضاً له». شوف، قال: فسر كلاماً، ومع ذلك الدكتور محمد إبراهيم شادي يصر على أنها الترجمة من لغة إلى لغة، معناها لا حاجة إليها أصلاً في الكلام، ليس لها مدخل في الكلام. ولكان كل من فسر كلاماً معارضاً له، وإذا بطل أن يكون جهة للمعارضة، إذا بطل هذا أن يكون جهة للمعارضة، وأن يكون الواضع نفسه -الواضع نفسه هنا مفعول للواضع، خلاص اسم الفاعل الذي قام مقام الفعل فعمل في المفعول وهو نفسه- وأن يكون الواضع نفسه في هذه المنزلة معارضاً على وجه من الوجوه.

علمت أن هذه العبارة -السطر والنصف الذي يلي الشرطة- هذه مهمة جداً: «علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني، وإلى ما يدل عليه الألفاظ، دون الألفاظ أنفسها». كيف؟ لماذا؟ الذي يعارض يعارض في الفصاحة والبلاغة. طيب، الذي يأتي بمرادف لم يفعل شيئاً، لأنك لم تغير المعنى؛ الذي جاء بـ «ليث» مكان «أسد» في نفس الكلام لم يفعل شيئاً، ما أنت غيرت اللفظ ولم تفعل شيئاً، لأن المعنى واحد، ولا يسمى معارضاً.

إذاً الفصاحة والمعارضة بالفصاحة والبلاغة موضعها المعاني للألفاظ، لو كانت بالألفاظ فقد أتيت بلفظ آخر. كل هذا عبد القاهر يصل بك إلى هنا: أنت تقول الفصاحة والبلاغة في الألفاظ، تقع المعارضة في الفصاحة والبلاغة، طيب لو كانت في الألفاظ لكان من قال «دنا» مكان «قرب»، ومن قال «ليث» مكان «أسد»، قد أتى بفصاحة معارضة. ولكن من فعل ذلك، أو من شرح نصاً أدبياً، نقول له: لم تأتِ بشيء فصيح، أنت شرحت فقط، إذاً مع أن الألفاظ تغيرت، والترجمة -يعني ليث جعلناها أسد- الترجمة لم تؤدِ إلى فصاحة. إذاً الفصاحة موقعها المعاني في الألفاظ وليس أعين الألفاظ، أحسنت.

ولكان تفسير القرآن معجزاً، بالمناسبة سيأتي هذا بتفصيل كبير في الكتاب؛ قضية الشرح. أنا سأقفكم في الكتاب وعبد القاهر سيقف بنا على تفصيل في هذا، وأنا سأقف عنده وأبين وأشرح قضية الشرح، هل الشرح -لأنهم سيستشكلون بالشرح أو هو سيفترض مستشكلاً يستشكل بالشرح- هل الشرح في بلاغة المشروح؟ لماذا لا يكون الشرح في بلاغة المشرح؟ ها هو قد جاء بالمعنى.

ترى كلام عبد القاهر كما قلت تجاوزته، ولكن سيأتي في غضون هذا أشياء ستنفعك في مناظرة الضالين في هذه المسائل. سيأتي في غضون كلام عبد القاهر لأنه رجل متكلم، ثم هو رجل أديب ناقد؛ فمتكلم يعني علم الكلام والجدل والعقائد، ثم هو رجل أديب وناقد، فلما سلط هذا على هذا، سيأتي في ثنايا كلامه بقضايا سترى أنك الآن تستعملها مع الحداثيين وكثير من أصحاب المذاهب الضالة.

قال: «الفصاحة علمت أن الفصاحة والبلاغة وسائر ما يجري في طريقهما أوصاف راجعة إلى المعاني وإلى ما يدل عليه بالألفاظ دون الألفاظ أنفسها». لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ -وهذه طريقة الكلام، القسمة محصورة في كذا ليس في القسمة إلا كذا- طريقة علم الكلام والجدل والمناظرة. المتكلم في الأخير هو متكلم، لأنه إذا لم يكن في القسمة إلا المعاني والألفاظ، وكان لا يعقل تعارض في الألفاظ المجردة إلا ما ذكرت، يعني وجه الترادف والفروق الطفيفة، لم يبق إلا أن تكون المعارضة معارضة من جهة ترجع إلى معاني الكلام المعقولة دون ألفاظه المسموعة.

ليس عندنا إلا الألفاظ والمعاني، لم تجز المعارضة بمجرد الألفاظ؛ لأن الوجه الذي في الترادف لا يؤدي إلى فصاحة جديدة، فلم تبق المعارضة إلا في المعاني. وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ، حصل من ذلك أن الفصاحة والبلاغة... ها يقول لك: طب إذا كانت الفصاحة يرمي في الأخير إلى النظم، وإذا كانت الفصاحة تحصل بالمعاني، ما الذي يجعل نصاً بمعانٍ يترجح على نص بمعانٍ مع كونهما مشتركين؟

شوف، هو نفذ بعد ما قال لك رمى خلاص موضوع الألفاظ المجردة لا تصلح، وقال لك العبرة بالمعاني. قال لك: بس المعاني. شوف، المعاني شاملة، المعاني تشمل أصول المعاني والمعاني الشعرية الخاصة أو المعاني النصية الخاصة. ليس استطراداً، عبد القاهر هنا عبقري؛ عبد القاهر قال لك الفصاحة ليست في الألفاظ، انتهينا خلاص، الفصاحة ليست في الألفاظ.

من القضية الفصاحة في المعاني، إذا كانت الفصاحة في المعاني والنظم، يقال إنهما في نفس المعنى، فكيف تبقى الفصاحة في المعاني ويبقى التفاضل في المعاني؟ فيحيل أو يحايل في ذلك ليوصلك إلى التفريق بين المعنى المجرد والمعنى الخاص الذي يكون بزيادات مخصوصة كما سيأتي الكلام.

اسمع، إذا عادت المعارضة، هذه ينبغي أن يكون تحتها خط أحمر إلى تمام الفقرة في الصفحة الثانية. قال: «وإذا عادت المعارضة إلى جهة المعنى، وكان الكلام يعارض من حيث هو فصيح وبليغ ومتخير اللفظ، حصل من ذلك أن الفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها، وعن زيادات تحدث في أصول المعاني».

يبقى، شوف، نحن عندنا عبارتين، تأمل هذه العبارات واعتمدها: خصائص ووجوه، وزيادات تحدث في أصول المعاني. خصائص ووجوه جديدة، زيادات تحصل في أصول المعاني؛ يعني النص الذي هو أفضل من نص، لأنه زاد ما لم يزده الآخر في أصل المعنى، أو زاد خصائص أكثر مما زاده، هذا لو كان الآخر أيضاً بليغاً ولم يعبر عن المعنى المجرد محضاً.

حصل من ذلك أن الفصاحة والبلاغة وتخير اللفظ عبارة عن خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها؛ المعنى الأصلي جاء على وجه كذا، وعن زيادات تحدث في أصول المعاني. تعال نطبق كما طبقنا من قبل على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. حتى استعمل كلمة «وجوه»، أن ترى المعنى يأتي على أو اللفظ يمكن أن يأتي على وجوه أخرى، المعنى يعبر به أو عنه بوجوه أخرى.

إذاً التعبير بقولنا: «وجعلوا الجن شركاء لله»، هذا وجه وله خاصة معينة أو جاء على الأصل، ثم آتي به بوجه آخر. ما الوجه الآخر؟ يجوز لك في النحو أن تقدم وأن تؤخر في كل مكونات الجملة، أن تقدم المفعول الثاني على المفعول الأول، وأن تجعل متعلق المفعول الثاني مقدماً على المفعول الأول، يعني قلبت الكلام كله، فهذا اسمه وجه.

ثم قال: «وعن زيادات تحدث في أصول المعاني». ما الزيادة التي حصلت في أصول المعاني بهذا الوجه في الآية الكريمة؟ التبشيع والتفضيع. التفضيع من أن يكون لله شركاء بقطع النظر أكانوا الجن أم غيرهم.

يخطر في بالي الآن سؤال مر علي عندما درسنا هذا أول مرة، وهو: أليس هناك أيضاً، فضلاً عن هذا المعنى، معنى آخر هو الاستنقاص مما جاءوا به، يعني الازدراء؟ يعني أول المعنى هو المعنى العام، المعنى المجرد، المعنى الغفل، وهو التبشيع أو الاستنكار على جعل شركاء لله، ثم المعنى الثاني هو الاستنقاص من كل شريك لله، الإنكار على جعل شريك لله أساساً، ثم بعد ذلك بجعله الجن في الأخير هو الازدراء؛ يعني «وجعلوا لله شركاء الجن»، كأنما فيه ازراء للجن.

أنا أرى أن غرض الآية الرئيسي هو استبشاع ما جاءوا به، وكأنه يقول: وجعلوا لله شركاء، لا يهم أن يكون هؤلاء الشركاء، يعني كان تقدير الكلام كأنه لم يذكر الجن، وجعلوا لله شركاء؛ هذا هو المهم، هذه هي المشكلة، ثم بعد ذلك ذكر الجن كأخر تكملة للجملة.

أرى أن كلام حسن ينطبق إذا قلنا إن الجن بدل «وجعلوا لله شركاء»، هذا قد يكون يعطي معنى الازدراء إذا قلنا بذلك. وأرى أن في وجه هو الذي أصاب هنا حقيقة، وهو أخوكم محمد. لماذا؟ كنت أريد أن يذكر القاعدة، هو ذكر التطبيق مباشرة. أنا كنت سأقول لحسن: كلامك سيكون صحيحاً لو أن المقام اقتضى ذلك.

تحديد الوجه من تأخير الجن، أو تحديد الزيادات المخصوصة الحاصلة في أصول المعاني، يحدده سياق الكلام. فلو كان الكلام جاء ابتداءً دون سياق الحديث عن الجن وفعل الكافرين، نقول هنا: ممكن فيه زيادة على العناية بقضية التقديم أو التفضيع من اتخاذ الشريك، ولكن إذا كان الكلام من الأول في سياق هذا، وكان هناك غرض في الإخبار وهو التبشيع وليس التحقير لزاماً؛ يعني ليس لزاماً أن يحقر، وإنما أراد سبحانه وتعالى التبشيع من فعلهم، لا أن الجن ليسوا ممن يحقر تماماً، لا الجن ولا الكواكب.

الذي يحدد الوجه هو هذا، ومحمد لم يرَ في السياق أنه سياق تحقير. ما أنه أصلاً لا مجال للتحقير هنا، يعني هم أصلاً مقرون بالله، مهما كان الذي يعبدونه عظيماً، لا يصلح أن يتخذ شريكاً. هو الحسن نظر إلى الطريقة في الكلام، وما قاله أخي محمد هو عين ما كنت أقوله؛ أي شريك يجعل لله، حتى سياق الآية يقول ذلك، أصل التقديم أنه لا يجوز لك جعل الشريك، لا يصح بعقلك أن تجعل شريكاً لله؛ «وجعلوا لله شركاء»، التقديم بذاته يذكر ما تقول، ولكن أيضاً كأني أقول: وجعلوا لله شركاء وبئس ما جعلوا، وجعلوا الجن.

إذا نحن لو اتفقنا الآن على وجود خصائص زائدة على أصول المعاني، ولو أخذنا في هذا التمثيل نتكلم ونحصي ونحاور، سننفرط عن الأصول عن متن الكتاب.

قال: «وعن زيادات تحدث في أصول المعاني كالذي أريتك فيما بين زيد كالأسد وكان زيداً الأسد». هذه حصلت في أصول المعاني، وهو شرح، وبان لا نصيب للألفاظ من حيث هي ألفاظ بوجه من الوجوه. هذه إشارة يا إخوة خفية من عبد القاهر إلى أنه حتى الألفاظ التي فيها نوع ثقل، يكون لها استعمال بحسب هذه السياقات، يقول: ليس للألفاظ في ذاتها من كلام في البلاغة، وإن كان استُحسن هو في جهات أخرى أو في مواضع أخرى من الكتاب استُحسن. ألا تتعقد الكلمات وأن تكون الكلمات سهلة عليك؟ ولكنه قال هذا مبذول سهل، يعني عند العرب.

نعم، قال: «واعلم أنك لا تشفي العلة، ولا تنتهي إلى ثلج اليقين، حتى تتجاوز حد العلم بالشيء مجملاً إلى العلم به مفصلاً، وحتى لا يقنعك إلا النظر في زواياه والتغلغل في مكامنه». إلى الآن علم النقد وعلم الشعر لا يخاض فيه تفصيلاً، للأسف يقول لك: له رونق جميل، والله شعر لين حلو له روح، كذا! طب ماشي، اشرح الروح، اشرح هذا، ما تقولش كل الروح من أمر! خلاص، دي روح؟ دي مش روح الشعر، كده دي روح حاجة ثانية. فلا اشرح: ما معنى ما الذي تجده؟ يعني الشعر هذا سلس، هذا الشعر أسلم بعضه إلى بعض، هذا الشعر صفته كذا، هذه لفظة نابية، لماذا نابية؟ كيف صارت نابية؟ اشرح ولو في صفحات، اشرح.

نعم، قال: «وحتى تكون كمن تتبع الماء حتى عرف منبعه، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يصنع منه عود العطر والبخور إلى أن يعرف منبته، ومجرى عروق الشجر الذي هو منه». وأنا لنراهم يقيسون الكلام في معنى المعارضة على الأعمال الصناعية، كنسيج الديباج، وصوغ الشنف والسوار، وأنواع ما يصاغ. والشنف هو القرط الذي يُلبس في أعلى الأذن، أو القرط بعامة، الحلق بعامة الذي نسميه نحن حلق مدلدل، وجمعه شنوف وأشناف.

قال: «وكل ما هو صنعة وعمل يد بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت، ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون». هو ده، لازم تتميز وتظل تحاول في صنعتك وتبرز فيها وتبز غيرك وتتمكن وتكون لك خصائص عالية، حتى يعجز عن رتبتك الأكثرون. وكلما علوت قل المنافسون، يعني صار الذي ينافسك قلة، وهنا سترى أنك تحترم هذه القلة التي تنافسك وترمقها بعينك؛ جرير كان يرمق الفرزدق، والفرزدق كان يرمق جريراً، وكلاهما كان يرمق الأخطل، والأخطل يرمقهما، إنما هذا الجمع العالي لا يرمق غيرهما من أصحاب الرتب النازلة.

عجب جابتني هذه الكلمة: «بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه». هتقول لي يعني إيه يقع التفاضل فيه؟ لماذا قال يقع التفاضل فيه؟ هو في مبلغ لا يقع التفاضل فيه؟ ما هو كل الذي يقال الآن لا يكاد التفاضل فيه يعتبر، ما فيش تفاضل معتبر، لكن يقع التفاضل فيه. بدأنا بقى: فلان قال قصيدة عالية، معذرة، هذا كله شيء، وكل ما على السوشيال ميديا شيء، كل ما على مواقع التواصل شيء. «بعد أن يبلغ مبلغاً يقع التفاضل فيه، ثم يعظم حتى يزيد فيه الصانع على الصانع زيادة يكون له بها صيت». يا سلام، عبد القاهر يغريك بالشهرة: «يكون له بها صيت ويدخل في حد ما يعجز عنه الأكثرون».

وهذا القياس، انتبهوا من أول هنا كلام خطير، عبد القاهر يضيف إلى ما استعمله الشارحون والبلاغيون من قياس الفن النظمي في اللغة على الصناعات اليدوية، كنسج الثوب، والتمثيل، والتصوير سواء رسم الصورة أو صناعة التمثال، أو صوغ الجواهر، يقول يضيف إليهم على هذا التمثيل وهذا القياس شيئاً يجعل فن اللغة مستثنى من بعض الوجوه، يعني يضيف قيداً، يقول هو هنا ليس كهذا.

يقول: «وهذا القياس، وإن كان قياساً ظاهراً معلوماً وكالشيء المركوز في الطباع، حتى ترى العامة فيه كالخاصة، فإن فيه أمراً يجب العلم به». أي حد هيحاول يضرب لك مثل، تقول له يعني الشاعر بيعمل إيه كالصائغ أو كالصباغ أو كالذي عنده الأثواب والخيوط بألوانها المختلفة؟ هو أمامه الكلام والمعاني ومعاني الألفاظ يصوغ منها بيته وقصيدته، كالآخر أيضاً يأخذ الخيوط بالألوان، بالذهب ومن الفضة ومن كذا ومن الصوف، ويدخل بينها على هيئة وكيفية معينة. أي واحد يمكنه أن يشرح بهذه الطريقة، وأي إنسان قادر على الشرح والتوضيح.

قال: «وهذا القياس، وإن كان قياساً ظاهراً معلوماً وكالشيء المركوز في الطباع، حتى ترى العامة فيه كالخاصة، فإن فيه أمراً يجب العلم به»، وهو أنه يتصور أن يبدأ هذا فيعمل ديباجاً ويبدع في نقشه وتصويره، فيجيء آخر يعمل ديباجاً آخر مثله في نقشه وهيئته وجملة صفته، «حتى لا يفصل الرائي بينهما، ولا يقع لمن لم يعرف القصة إلا أنهما صنعة رجل واحد وخارجان من تحت يد واحدة». هذا مفهوم، وهكذا الحكم في سائر المصنوعات كالسوار، يسوغه هذا ويجيء ذاك فيعمل سواراً مثله.

ويؤدي صفته كما هي حتى لا يغادر منها شيئًا البتة إطلاقًا. وليس يتصور مثل ذلك في الكلام؛ لماذا قال وليس يتصور مثل ذلك في الكلام؟ لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر أو فصل من النثر فتؤديه بعينه وعلى خاصيته، لا يخالفه في صفة ولا وجه ولا أمر من الأمور.

يعني لا ينفع أن تأتي ببيت آخر، وإذا جئت به بنفس الكلام فأنت ناسخ البيت؛ أنت لم تصنع البيت. لو جئت وقلت مثلًا: «أجار بيتينا أبوك غيور»، ستقول هذه الصنعة صنعها أبو نواس؛ لأنه ناداها بالهمزة، وقال: «أجار بيتينا»، ووحد الجار وثنى البيت، وانتهى الكلام وقطع قطعة واستأنف خبرًا: «أبوك غيور»، هذه صنعة أبي نواس. لو جاء شخص وقال: «أجار بيتينا أبوك غيور»، هو لم يصنع، هو حكى الأول فقط.

أما الآخر في المصنوعات، فحتى لو حاكى الأول هو بذل جهدًا وماثله الآخر، وحتى يبذل جهدًا لابد أن يخالف الصنعة، وإذا خالف الصنع اختلف المعنى. وسيأتي الآن عبد القاهر ويفصل لك بين المعنيين، والله بعد هذا الكتاب لن تبقى حجة، لا أقول لمن يخالف، بل لن تبقى حجة لكم في عدم القدرة على مجادلة من يخالفكم في العلة في إحسان الشعر أو النص، وأن العلة في ذلك هي الصياغة الخاصة للكلام والتخليق للمعنى، والوجوه التي يأتي عليها المعنى والكلام.

تحدث على أصول المعاني زيادات وخصائص؛ كما قال في هذه الصفحة 60، والصفحة التي قبلها: «خصائص ووجوه تكون معاني الكلام عليها، وزيادات تحدث في أصول المعاني». خلاص، أنتم هذه هي القضية، زيادات تحصل في أصول المعاني بكيفية الصياغة، لن يبقى لكم عذر في عدم القدرة على النقاش، وحاشاكم أن يكون أحدكم بليدًا لم يحصل الكتاب، وحاشاكم ليس فيكم واحد هكذا.

ولذلك هذا الكتاب بعد هذا الشرح لن تنتهي رحلتكم معه، أنا لن تنتهي رحلتي مع الكتاب منذ قبل أن أشرحه لكم؛ كانت لي دراسة جديدة له، دراسة أخيرة له، أحدث دراسة وقراءة كاملة لهذا الكتاب حرفًا حرفًا، قرأتها لأجل أن أشرح لكم هذا الكتاب. نفس الكلام قيل في آثار البلاغة وكذا، ولن تنتهي رحلتي معه ولن تنتهي رحلتكم معه، بما أنكم في أول رحلة مع الكتاب.

وسيحدث لكم علم متين جدًا ومتشعب جدًا، ستلاحظونه في الأمور التي تحدث هكذا بالمنثورة تقع اتفاقًا؛ أحدهم يناقش في كذا، تقول له: والله عبد القاهر في الموضع الفلاني عندنا قال كذا، فما خطر عندك موضع عبد القاهر إلا لما فلان مسه مسًا؛ فلان حداثي قال شيء معين، فلان رومانسي قال شيء معين، فلان ما بعد حداثي قال شيء معين. تفهم؟ هذه استثناءات، لكن قوة تحصيلك للكتاب سترى خيرها في هذه الأمور المتناثرة، فضلاً عن العلم النظامي الكثيف القاعدي.

قال: «وليس يتصور مثل ذلك في الكلام؛ لأنه لا سبيل إلى أن تجيء إلى معنى بيت من الشعر أو فصل من النثر فتؤديه بعينه وعلى خاصيته». أي المعاني المخصوصة؟ يعني ما المعنى الشعري؟ هل يتكلم عن المعنى الشعري أم المعنى الأصلي؟ عبد القاهر يتكلم عن المعنى الشعري طبعًا. فتؤديه بعينه وعلى خاصيته، بعبارة أخرى: حتى يكون المفهوم من هذه هو المفهوم من تلك، ولا يخالفه في صفة ولا وجه ولا أمر من الأمور.

ولا يغرنك قول الناس: «قد أتى بالمعنى بعينه وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه»، فإنه تسامح منهم، والمراد أنه أدى الغرض. لاحظوا هنا يا إخوة، جاء هنا لفظ الغرض مرادًا به أصل المعنى. ارجعوا إلى صفحة 258، يقول: «قيل لك إن قولنا المعنى في مثل هذا يراد به الغرض». إذاً هنا الغرض، وهنا كذلك الغرض.

هناك موضع آخر، افتحوا صفحة 339، قال: «وهذا المعنى وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [النساء: 76]، فليس هو الغرض في الآية». الغرض هنا يا إخوة، المعنى الأصلي أم المعنى الخاص بالآية؟ يقول لك هذا المعنى جاء في التنزيل في غير هذه الآية، لكن ليس هو الغرض في هذه الآية، إذاً هو المعنى الخاص. يبقى في هذا الموضع استعمل كلمة الغرض بالمعنى الخاص، وهنا في صفحة 582 وصفحة 612 استعمل الغرض بمعنى أصل المعنى.

أنا نبهتكم من قبل في المحاضرة الماضية إلى أنه يجعل كلمة الغرض ما يقصد إليه المتكلم؛ فأحيانًا يوردها وهو يريد أصل المعنى، وأحيانًا يريدها وهو يريد المعنى الخاص والصياغة والزيادات المخصوصة، وهذا لا إشكال فيه؛ لأنه في كل سياق ستكون هناك القرائن على المعنى، والكلمة واسعة، مرة تأتي في أصل المعنى ومرة تأتي في المعنى الخاص.

انظر، قال في موضعنا هذا (261): «ولا يغرنك قول الناس قد أتى بالمعنى بعينه وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه، فإنه تسامح منهم والمراد أنه أدى الغرض». فاسمع الجمال، أنا أطرب لعبد القاهر؛ لأنه واضح وصريح واتخذ الأمر قضية عنده. «فأما أن يؤدي المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول، حتى لا تُعقل هنا إلا ما عُقلت هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في عينك كالسوارين والشنفين»، ففي غاية الإحالة؛ يعني أما أن يؤدي المعنى بعينه إلى آخره ففي غاية الإحالة، مستحيل يحصل إلا إذا نسخ الكلام، فليس بصانع؛ إنما هناك في السوار والشنف كذا لا يمكن، لأنه هناك بذل للجهد، وإن أدى إلى نفس الإبداع لكن هناك بذل للجهد، أما هنا لن يبذل الجهد لأنها تكونت وصارت كلامًا فصرت ناقلاً.

لا صانعًا هناك، أنت بقيت صانعًا هنا صرت ناقلًا. افهموا هذه القطعة جيدًا؛ لأن المبتدئ إذا قرأ الكتاب وحده سيستشكل في الأول: ما الفرق بين هذا وذاك؟

هذا هو الشرح: «فأما أن يؤدي المعنى بعينه على الوجه الذي يكون عليه في كلام الأول، حتى لا تعقل إلا ما عقلته هناك، وحتى يكون حالهما في نفسك حال الصورتين المشتبهتين في عينك، كالسوارين والشنفين، ففي غاية الإحالة، وظن يفضي بصاحبه إلى جهالة عظيمة، وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت، ومتفقة إذا جمعت، وألف منها كلام».

يقول لك: إذا نظرت إلى معاني الألفاظ وهي مفرقة في الخارج مختلفة، فكيف تجمع منها صيغة بيت غير صيغة صاحبك وتكون في نفس المعاني؟ هي مختلفة في الخارج في معانيها، هنا مثلا ليث وهنا ذئب، هنا إنسان هنا حيوان، فكيف تضع إنسانًا في عبارة مكان حيوان ويكون البيت مطابقًا في حين أن اللفظ المفرد مختلف في خارج الكلام؟ فإذا اختلف وهو في الصورة المعجمية مفردة، فإن يختلف في التركيب من باب أولى؛ لأن ما يتفق في الصورة أصلًا قابل أن يختلف في التركيب باختلاف المواقع.

إذا اختلفت صيغة البيت، اختلفت بالحتم صورة معناه؛ أي المعنى الفني الذي هو حاصل بعين صيغة الشاعر. وأما قول الناس: «البيتان في معنى واحد»، فهذا تسامح منهم؛ لأنهم إنما يريدون هنا المشترك المجرد غير الفني، أي غير اللصيق بصيغة الشعر نفسها، وإنما كان ذلك كما قال الشيخ تسامحًا.

ربما يقول أحدكم: لما قال الشيخ «تسامح»، هل أخبروني من ورد هذا الاستشكال عنده؟ وكأنك تريد أن تقول: لماذا يا شيخ؟ وهل الأصل عند العامة أن يعبروا عن المعنى الفني حتى يكون ذلك هو التسامح؟ هذا هو الأصل عند الناس؛ أن تعبر عن أصل المعنى فتقول: البيتان في نفس المعنى. لماذا اعتبرت استعمالهم لهذه العبارات تسامحًا؟

أخونا الحميري يقول: فكرت بهذا صراحة، قلت هل يدرك الناس أصلاً ما هو المعنى الفني؟ أحسنت. وأنا أقول لك الآن لماذا قال الشيخ هذا تسامحًا: لأن المعنى الذي يقصد حين يكون الكلام في الشعر هو المعنى الملاصق للصيغة، لا المعنى المجرد. يعني لما تقول: سأقول شعرًا في رثاء فلان، وقد رثاه قبل قبلك الآلاف أو المئات، إذا أنت جئت بنفس المعاني ولكن بصياغات جديدة، فالذي يراد في الشعر هو الصيغة الشعرية، ولهذا اعتبر الكلام في غيره تسامحًا.

وبمناسبة عبد القاهر، كأنه لا يقصد العامة في الشعر، بل يقصد ما تقرؤونه في كتب النقد في الكلام عن السرقات؛ لذلك عبد القاهر يتخذ منها موقفًا سلبيًا. هذا الكلام موجود أصلاً في كتب النقد.

لعل الإجابة الثانية هي الأصوب، وهي التي فكرت بها: أنه لم يكن أصلاً يتكلم عن الناس، بل كأنه يقول للقارئ: لا يغرنك ما يقوله العلماء مثلاً في كتبهم النقدية عندما يقولون: «هذا تعرف، وهذا تعرف». ما الذي يؤيد هذا؟ ارجع إلى الكلمة التي نقلها عنهم وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه. هذه عبارة تجد أمثالها في الوساطة، وفي الصناعتين، وفي الموازنة، وفي الكتب التي هُوجِم فيها المتنبي، وفي العمدة؛ مليئة بكل كتب النقد. «وأخذ معنى كلامه فأداه على وجهه» ليست عبارة العامة الذين في الشارع، بل هي عبارة المتكلمين في النقد، فكان ذلك تسامحًا.

لأن المعنى الذي يقصد حين يكون الكلام في الشعر هو المعنى الفني الملاصق للصيغة، لا المعنى المجرد الذي يعنى به الناس والفلاسفة، لا الشعراء ولا علماء الشعر. وكان ذلك مستحيلاً أن تصنع نفس المعنى في النفس بصيغة أخرى وبكلام آخر؛ لماذا؟ لأن الألفاظ تختلف دلالاتها المعجمية مفردة، فإذا كانت تختلف مفردة فهي تختلف أكثر وهي مركبة. وأنت لو قلت: «البيتان متطابقان في المعنى» على هذه الحرفية، لزم من ذلك باطل، وهو اختلاف الألفاظ مفردة واتفاقها مركبة، وهذا أبطل الباطل. هذا ما أراد عبد القاهر أن يقوله.

قال: «وهي أن تكون الألفاظ مختلفة المعاني إذا فرقت، ومتفقة إذا جمعت، وألف منها كلام». هل هناك إشكال في كل ما سبق؟ هل هناك أي أمر غير واضح؟ أنت حاضر هنا ليُوضح لك، فهل كل شيء واضح؟ حسن، واضح.

قال: «وذلك أن ليس كلامنا فيما يفهم من لفظتين مفردتين، نحو قعد وجلس، ولكن فيما فُهم من مجموع كلام ومجموع كلام آخر». يعني نحن لم نفهم، أنت لم تأتِ وتقول قعد، فجاء شخص وقال...

لك جلس، والعبارة في اختلاف طفيف قالوه في الفروق، لكن يصدق على هذا وعلى هذا، قعد وجلس فخلاص؛ قد أديت نفس الشيء على التقريب على الأقل، أديت نفس الشيء ولم يختلف المعنى، واختلف اللفظ.

فهو يقول: لا، ليس كلامنا فيما يفهم من لفظتين مفردتين نحو قعد وجلس، ولكن فيما يفهم من مجموع كلام ومجموع كلام آخر؛ نحو أن تنظر في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، وقول الناس: قتل البعض أحياء للجميع. فإنه وإن كان قد جرت عادة الناس بأن يقولوا في مثل هذا إنهما عبارتان معبرهما واحد، أي المعنى المحصل منهما واحد، أصل المعنى واحد، المعنى المجرد واحد، المعنى المحض واحد، فليس هذا القول قولاً يمكن الأخذ بظاهره، أو يقع لعاقل شك في أن المفهوم من أحد الكلامين ليس هو المفهوم من الآخر.

السؤال يا إخوة، لو تكلمنا عن العامة، جرت عادة العامة على إطلاق المعنى في أصل المعنى؛ افهموا هذا حتى تفهموا سيكولوجية العامة، نفسية العامة، الفلسفة النفسية للعامة. جرت عادة العامة على إطلاق المعنى في أصل المعنى، يقول لك البيتان في معنى واحد، ثم يقولون فيما يجدونه من الفرق بين الصيغتين. يعني قطعاً حتى العامة عندهم مرتبة من الذوق، فهم يجدون فروقات في أنفسهم من صيغة بيتين في معنى واحد، يقول لك: والله البيتان في معنى واحد، والله البيتان في الأخير حاجة واحدة، هكذا بالتعبير المصري.

لكن في فرق، فتراهم يقولون: لكن هذا أجمل، هذا أخف على النفس، هكذا يقولون، هذا أخف على النفس، والله هذا فيه شيء مختلف، هذا فيه شيء ثاني، روح ثانية لم أشعر بها في الأول، ونحو ذلك. لماذا؟ أحسنتِ يا أختنا الكريمة، تقول: يعجزون عن تفسيره، يشعرون به. لكن من الذي يجعلهم يقولون المعنى واحد ولا يقولون المعنى هو هذا الآخر الذي يصفونه بالشعور؟ لأنهم يملكون استعادة المعنى الأصلي، الفكرة العامة.

العامة تملك استعادة المعنى الأصلي الذي هو الفكرة، ولا تستطيع العامة استعادة ما يفعله النظم ليحكموا التعبير عنه من حيث كونه زيادات تحصل في أصول المعاني مرة أخرى. وهذا الكلام ينبغي أن تحفظوه وتنقشوه في عقولكم وعظامكم. لماذا نراهم دائماً يعبرون عن أصل المعنى ويقولون المعنى كذا واحد، ولا يعبرون عن المعنى الشعري الذي هو المقصود بذاته؟

لأن العامة تملك استحضار واستعادة المعنى الأصلي الذي هو الفكرة، ولا تملك استحضار واستعادة ما يفعله النظم في النفس ليحكم التعبير عنه، من حيث كونه -كما عرفنا في الصفحة السابقة- زيادات تحدث في أصول المعاني. وإنما يرون هذه الزيادات التي تحصل في أصول المعاني شيئاً غير ملموس؛ لأنهم لا يستطيعون لمسه من خلال تحليل النظم أو مفهمة معرفة أسبابه، ولا يستطيعون أن يقولوا ما موقع النظم، وإنما هو شعور محض، فيظنون أن الأمر شعور محض فيقولون: المعنى واحد والشعور مختلف.

وسقط من المنتصف النظم! أحسنتِ، يقولون: الأسلوب أجمل، الطريقة أقرب لي، خلاص ويعبرون بمشاعر، فيحسبون أن الأمر مقتصر على المشاعر، لكن لما يريدون إمساك شيء يقولون: المعنى واحد، المعنى هو الممسك، هو الجرم الواضح.

خلاص، تم لنا هذا الفصل. ثم قال: فصل، انتبهوا، كل ما سيأتي في هذا الفصل من الكلام على تمييز معنى المعنى على المعنى، هو هذا الفصل فيما يعرف بمعنى المعنى. هذا فصل ليس قصيراً، انتبهوا؛ سيتكلم عن الكناية والاستعارة والتمثيل.

وسيقول لك الكلام على ضربين؛ كل ما سيأتي في هذا الفصل من الكلام على تمييز معنى المعنى على المعنى إنما هو عند الموازنة بين كلامين لم يختلف نظامهما. لأن عبد القاهر يريد أن يثبت لك اختلاف رتبة الدلالة في الكلام الواحد بحسب ما يقصد منه، وسياتي تصريحه بذلك في الفقرة الثامنة بعد الثلاثمئة.

ستقول لي: طب هذا ما علاقته بقضية أن الفصاحة في اللفظ؟ خذ عندك، قلت لك سنستفيد ونحن في غضون هذه القضية. صح، عبد القاهر جاء بقضية معنى المعنى ومعنى معنى المعنى ليثبت لك أن الفصاحة ليست في عين اللفظ، وإنما في المعنى؛ بدليل أنك تجاوزت حتى المعنى الذي وضع له في اللغة إلى المعنى المراد، فكيف تقول إن الفصاحة في عين الألفاظ وأنت قد تجاوزته بمرتبتين؟ الكلام ما زال في إثبات أن الفصاحة في معاني الألفاظ لا في أعين الألفاظ، فاتى بمسألة معنى المعنى ليثبت لك أن الفصاحة في معاني الألفاظ؛ لأن المعنى الأخير المأخوذ من الشاعر متفرع عن معنى آخر لا يمكن أن يتفرع عن اللفظة مباشرة.

كما يقول أخوكم الحميري: أظهر شيء لإثبات المعنى الفني هو الأساليب البيانية. هو أظهر شيء، أحسنت التعبير، نريد أن نضع لك كنية وناديك بها حين أفخمك، نضع لك كنية إن شاء الله غداً يا حميري. أحسنت التعبير أنك قلت أظهر شيء لإثبات المعنى الفني، قلت الأظهر لأنه أسهل في الشرح. يعني لما تأتي وتقول لي فلان مهزول الفصيل، ما الذي جعل هذه فصيحة؟ إنها لأن هزال الفصيل، أو فلان كثير الرماد، وكثرة الرماد دلت على الطبخ، والطبخ دل على الكرم. فأين الفصاحة في الألفاظ؟ كذلك الاستعارة ليست في الألفاظ، وكذلك في التمثيل.

يقول الكلام على ضربين؛ هكذا حتى تتذكر، لما ندخل في كتاب حازم القرطاجني، قال الكلام على ضربين. هذه المسألة عند القرطاجني هي مسألة المحاكاة بواسطة والمحاكاة من غير واسطة، وتسمى عند القرطاجني: المحاكاة بواسطة، والمحاكاة بغير واسطة، أو تخييل الشيء بأوصاف نفسه وتخييل الشيء في غيره.

ترونه في النسخة التي اعتمدتها في الشرح في الصفحة الثالثة بعد المئة عند القرطاجني، هذه المسألة، المعنى ومعنى المعنى، هي مسألة المحاكاة بواسطة والمحاكاة بدون واسطة، أو التخييل بأوصاف الشيء؛ تخييل الشيء بأوصاف نفسه وتخييل الشيء في غيره. خلاص، هذه هي مسألة معنى المعنى والمعنى عند عبد القاهر؛ المعنى عند عبد القاهر هو المحاكاة من غير واسطة وتخييل الشيء بأوصاف نفسه، ومعنى المعنى...

هو عند عبد القاهر المحاكاة بواسطة وتخييل الشيء في غيره أو بأوصافه، كما قال في غيره.

قال: "الكلام على ضربين: ضرب أنت تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، وذلك إذا قصدت أن تخبر عن زيد مثلا بالخروج على الحقيقة، فقلت: خرج زيد، وبالانطلاق تخبر عن عمرو فقلت: عمرو منطلق، وعلى هذا القياس. وضرب آخر أنت لا تصل منه إلى الغرض بدلالة اللفظ وحده، ولكن يدلك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، لا يكون هو المراد في نص بعينه، وإنما يراد في هذا النص بعينه شيء آخر سيؤول إليه المعنى الأول بالقرائن".

الدلالة التي تفهم من اللفظ بحسب وضعه في اللغة، لكن لا يكون هذا هو المراد في نص بعينه، وإنما يراد في هذا النص شيء آخر سيؤول إليه المعنى الأول بالقرائن، لا لدلالته في الوضع اللغوي. أول شيء اللفظ سيدلني على المعنى في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض.

ومدار ذلك الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل، وقد مضت الأمثلة فيها مشروحة مستقصاة. مثلا: "رأيت أسداً على المنبر"، لفظ الأسد دل أولاً على ما وضع له في اللغة وهو الحيوان الكاسر السبع المعروف، ثم هذا المعنى الثاني لما قال: "على المنبر" بدلالة القرائن، انتقلت منه إلى معنى آخر، وهو الرجل الشجاع بدلالة السياق الخاص، فصار ذلك يعرف بمعنى المعنى؛ الأسد هو الرجل الشجاع في هذا الكلام، والأسد هو معنى لفظ الأسد. فاللفظ يدل على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم وجدت لذلك المعنى دلالة ثانية نصل بها إلى الغرض.

نبه محمود شاكر في الحاشية إلى أنه من أول الفقرة السابعة بعد الخمس، رددنا به على ابن تيمية الذي قال: "إن اللفظ الذي تسمونه مجازاً يصير حقيقة"، فنقول: لا يصير حقيقة، نحن نعبره مجازاً فعلاً، ولولا هذا العبور ما حَسُن. هذا ما رددنا به على ابن تيمية الذي أنكر المجاز.

حتى قال عبد القاهر: «لو أن أسد يساوي رجل شجاع، أين البلاغة؟ إذا لم نتجاوز الحيوان إلى صفته، أو بصفته إلى الرجل الشجاع، أين البلاغة في الموضوع؟». وهذه الزلة الكبيرة التي وقع فيها ابن تيمية وتسرع، يتكلم فيها بكلام كثير الذي لا يفهم البلاغة وحركة المعاني في العقل كما شرحها عبد القاهر، ربما يغتر بكلامه يقول: "ما المشكلة؟ هذا المعنى الذي تسمونه مجازاً صار هو معنى هذه اللفظة هنا". هذا كلام فارغ، لو كان كما تقول لضاع سبب البلاغة! أحسنت يا حميري، الحميري يقول: "بل سيكون الأبلغ التعبير باللفظ الأصلي". لا، ليس كذلك، الأسد هو الحيوان وأخذت منه الصفة بهذه الواسطة المعنوية، وانتقلت إلى الرجل الشجاع، وهذه بلاغة المجاز وبلاغة الاستعارة.

قال: «أولاً ترى أنك إذا قلت: هو كثير رماد القدر، أو قلت: طويل النجاد، أو قلت في المرأة: نؤوم الضحى، فإنك في جميع ذلك لا تفيد غرضك الذي تعنيه من مجرد اللفظ، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال معنى ثانياً هو غرضك».

يا سلام على الجمال! يعني أنك تستدل عليه من أحوال في النص المعين، فلكل نص أحواله وأدلته. وهذا العقل أيها الإخوة هو ما يختلف به المجاز العربي والتمثيل عن تعقيد الحدث. هذا العقل المنتقل، انظر العبارة مرة أخرى: «ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال معنى ثانياً هو غرضك». لابد أن تنور هذه العبارة، لابد أن تُضاء. هناك عبارات في الكتاب لابد أن تُجمع، هذه العبارات تكون كالقنابل مع المخالفين، وكالقنابل في تفكيك المسائل المشكلة. عبد القاهر له عبارات تحل من على حبل المشنقة.

قال: «خصائص ووجوه وزيادات تحدث في أصول المعاني»، بهذه الخصائص والوجوه شرحتها لك.

الآية الكريمة التي شرحناها من قبل، فهذه عبارات تستل من الكتاب، ومنها هذه العبارة: «ولكن يدل اللفظ على معناه». أنت تواجه الحداثة بهذه العبارة، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال.

معنى ثانيا هو غرضك، هذا العقل الذي يستدل به المتلقي، هو ما يختلف به المجاز العربي والتمثيل عن تعقيد الحداثة؛ لأن الوسائط المحذوفة في المنهج الحداثي، كالذي شرحه شكري، تجعل تعقل المعنى ممتنعا، تجعل أن تعقل المعنى شيئا ممتنعا؛ لأنه يحذف أشياء من الوسط، ثم يربط لك بين شيئين كانا في ذهنه فقط، ويقول لك فسر! فلما لم تفسر؟ قل لك اختلاف القراءة، وأنت مبدع جديد يخرب بيوتكم، على بيت مذهبكم، على بيت المبدع الجديد.

لكن هنا كما قال عبد القاهر: يدل اللفظ على معنى، هذا هو لب الفكرة. لما قال البحتري: وركبنا اللفظ القريب فأدركنا ... به غاية المراد البعيد نفي التعقيد وأثبت المراد البعيد. أنا أقدس هذين البيتين للبحتري، لا من حيث كونهما شعرا، من حيث كونهما علما. قال: «حزن مستعمل الكلام اختيارا وتجنبن ظلمه التعقيد»، يبقى ما فيش تعقيد. «وركبن اللفظ القريب فأدركنا به غاية المراد البعيد»، يبقى في مراد بعيد، لا تعقيد ولكن مراد بعيد، ففرق بين التعقيد والمراد البعيد. هذا هو المراد البعيد، ولكن يدل اللفظ على معناه الذي يوجبه ظاهره، ثم يعقل السامع من ذلك المعنى على سبيل الاستدلال.

معنى ثانيا هو غرضك: «من كثير الرماد كثير رماد القدر أنه مضياف»، «ومن طول النجاد أنه طويل القامة»، «ومن نؤوم الضحى أنها مترفة مخدومة لها من يكفيها أمرها». وكذا إذا قال: «رأيت أسدا»، ودلك الحال على أنه لم يرد السبع، علمت أنه أراد التشبيه. طبعا التشبيه الذي صار استعارة، اتفقنا استعارة، أصلها التشبيه. انتبه، يقول لك تشبيه؟ أي استعارة، خلاص «رأيت أسدا» استعارة. عبد القاهر يتوسع في التعبير، تعبير قديم عادي، الاستعارة أصلها تشبيه، خلاص قال علمت أنه أراد التشبيه إلا أنه بالغ فجعل الذي رآه بحيث لا يتميز عن الأسد في شجاعته.

وكذلك تعلم من قوله: «بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى» أنه أراد التردد في أمر البيعة، وأراد اختلاف العزم. يعني أراد اختلاف العزم في الفعل وتركه على ما مضى، الشرح فيه. وستلاحظون هنا أن القرينة مأخوذة من ذات عرف المعاني. القرينة مأخوذة من ذات عرف المعاني، فلا يقال: «بلغني» بهذه اللفظة الفخمة: «بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى» على ظاهرها، «بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى»، طيب فين القرينة في المعنى؟

واحد يجي إنسان تافه، وأهمس التاء والفاء، إنسان تافه يقول لك: ما الذي يمنع في العربية أن نقول: «بلغني أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى» أنه يكون حقيقة، قد بلغه أنه يعمل كذا وكذا؟ خلك بالك، لا يقال «بلغني» بهذه، شوف القرائن المعنوية من الصياغة وفخامة الألفاظ. «بلغني» شيء يبلغه، خبر أنك تقدم رجلا وتؤخر أخرى على ظاهره لا يمكن أن يكون على ظاهره بدون المجاز.

انتبه إلى هذا مع ظهوره؛ لأنه ربما يأتي أعجمي العقل، وربما أعجمي اللسان، يقول لك: ما المانع أن يحمل على الحقيقة؟ كمن يقرأ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، يقول: أليس التركيب صحيحا؟ ما الذي يمنع أن يحمل على هذا؟ يمنع أن المستمعين عرب، يمنع أن المستمعين بشر وليسوا حميرا. هذا هو، شكرا لكم وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.