دخولتسجيل الدخول

الدرس 35 - شرح مسألة مهمة في ترجيح ما يقتضيه المعنى والعادة

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، هذا لقاؤنا الخامس من سلسلة لقاءاتنا ومجالسنا في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للإمام شيخ البلاغيين أبي بكر عبد القاهر ابن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.

قبل أن أخوض، أيها الإخوة، فقد انتهينا من الفصل الذي جاء في الصفحة الثامنة بعد الخمسين بعد المئة. قبل ذلك أيها الإخوة، قرأت مسألة طالما حدثتكم فيها ونبهتكم حول ممارستها، لكن وقفت فيها على نص لها في هذه الأيام، أن أوضحها لكم وأن أغلقها لكم نوع تغليق.

هذه المسألة أيها الإخوة تتعلق بقضية ترجيح المعنى الشعري أو اختيار المعنى الشعري، وفهم الكلام على الوجه الذي ينبغي أن يفهم عنه. ربما يختلف اثنان أحيانا في معنى بيت، فيقول أحدهم: لم يرد الشاعر ذلك وإنما أراد كذا، ويقول البعض الآخر: لا، هو أراد هذا، الظاهر. والمشكلة أننا قد يختلط علينا المعنى الشعري بين الظاهر القريب والمرمى البعيد، لأن كلينا يهرب من الدلالة على شيء غير موجود.

هذه النقطة كانت دائما تراودني وفي ذهني، وأحاول أن آتي بكم أو آتي إليكم بها من عدة نواح ومن تنبيهات في ثنايا الكلام. انتبهوا، هذه ليست في موضوعنا في «دلائل الإعجاز»، لكنني قلتها في هذا المكان لتكون واضحة، ولأتأكد من أن سمعها الجميع.

جميعنا يهرب من التفسير الحداثي، أو من التعقيد، أو من الدلالة على شيء غير موجود، وهنا يحصل اختلاف وتفاوت بيننا في الفهم. بعضنا سيذهب إلى سجية النفس في التعامل مع النص، وتسمح نفسه بالنظر، وبأن تتداعى المعاني، وبأن يخرج من المعنى إلى معنى المعنى، وبأن يراعي الإشارات والأعراف. والبعض الآخر قد يتحسس، يقول لك: لحظة، لم أرَ هذا دل عليه الكلام، وإنما الكلام تلقائيا دل على كذا. فنقول له: لكن هذا شعر، والإشارات ينبغي أن تكون ظاهرة.

هنا ستحصل أشياء وتحصل أمور تتعلق في الأخير بالنظر الذي تنظره في الشعر؛ هل أعطيت هذا النص حقه من حيث كونه شعرا أم قرأته على طريقة أصحاب الظاهر؟ وهل علمت ما قد يتعلق به؟ وإذا بعد أن تعلم ما قد يتعلق به، هل اطمأنت نفسك إلى أن هذا يستعمل من دلالات النص، أم ستخشى أن يكون من خارج النص؟ ما هو قد يحصل للنفس انقباض عن أن تحمل النص ما لا يحتمل، لا سيما ونحن في زمان يحصل فيه هذا في نفخ كلام الحداثيين.

لكن الحقيقة أنك إذا أرسلت النفس على سجيتها -انتبهوا، أحاول الآن منذ عدة سنوات أن أصوغ المسألة في ذهني وأوضحها، لكن الآن أشعر بتوفيق إن شاء الله في هذا- فسأخبركم لماذا وقفت على بعض نصوص جديدة أقرأ في كلام النقاد وفي تفسير الشعر وفي الجدال والموازنات، فأرى اعتبار هذه الأمور، ولكن خشيتنا من الحداثة تجعلنا ننقبض أحيانا عن إرسال النفس على سجيتها للدلالة؛ لأن ما تدل عليه الدلالة بالعرف يكون من مقصود الشعر.

عمر بن أبي ربيعة حينما قال: «لك من ليل تقاصر طوله ... وما كان ليلي قبل ذلك يقصر»

لا شك أنه يحضر هنا قول امرئ القيس: «فيك من ليل كان نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بذيبل»

وإنه في نصه هذا يخبرك بأنه يقلب المعنى، وأنه يمارس نوعا من المجون بقلب معنى امرئ القيس؛ فإذا كان طال ليله حزين، فإنه هنا يقول قصر ليلي، وإذا كان طال ليله وقصر ليلي واستعملت نفس صيغته، فهناك شيء من الهزلية، ليس المجون أقصد، بل مسحة هزلية استعملها عمر بن أبي ربيعة. والذي ينكر هذا يقول: لا، سأفسر النص كما هو: «فيا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي»، فهو يعجب وسعيد، ولا أشعر بمعنى التهكم أو معنى الهزء أو معنى اللعب أو معنى الهزلية الذي فعله بالتناص مع امرئ القيس. إذا فعل هذا، نقول له: بل ربما تركت أهم ما في البيت أصلا؛ هذه المعاني كلها محملة على بيت الشعر، وكلها مما يحسب لبيت الشعر حين نزنه بميزان الشعر.

فهذه أشياء مهمة جدا؛ لما شخص يقول لامرأة: «أنا مجنونك يا ليلاي»، لا شك أنه يستحضر كل حال مجنون ليلى. ولما طرف بن العبد يقول: «وقوفا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسنا وتجلدي»

لا شك فوق المعنى المباشر لمدلولات البيت أنه يشير به ويلمح به إلى بيت امرئ القيس. وهذا باب بنيت عليه الأمثال؛ الأمثال لا يعرفها إلا من يعرف قصصها، ولهذا ألفت العرب في الأمثال، وصحوا وقالوا: الأمثال باب عظيم للشعر، طبعا غير الحكم؛ فالحكم شيء آخر، الحكم صريحة في المعنى، أما الأمثال فينوردون لك لفظة أو لفظتين أو جملة من ثلاثة ألفاظ تذكرك بقصة كاملة تذهب في كتب الأمثال تقرأها في عشر صفحات مثلا أو أقل أو أكثر، المهم قصة طويلة تختصر قيل فيها كلمة في آخرها غالبا، «خلاص، أخنى عليها الذي أخنى على لبد». يختصر كلمة تختصر هكذا، فتحضر لك قصة كاملة.

فما الذي يحصل؟ يحصل هنا أحيانا تفاوت الأنظار في الكلام. ما معنى أن نقول هناك من ينظرون إلى الشعر نظرا ظاهرا ولا ينتبهون إلى التحقيق وشرف المعنى والجودة؟ يعني الذين غرهم ظاهر من الكلام ولم ينتبهوا إلى بلاغته وشرف معناه ومرماه، فمكوثهم على الظاهر أغراهم بوجه ما سواء كان وجها صحيحا أم لا، وقفوا عنده. ركزوا في الكلام جيدا، ولو كتبتموه -هذا كلام والله يكتب بالذهب، هو كلامي ولا أخجل لأن أقول هذا تحقيق يكتب بهذه الصيغة بالذهب- انتبهوا له جيدا.

أهل الظاهر، وسأقول لكم لماذا اسميهم الآن أصحاب الظاهر، يتقاطعون مع الظاهر الفقهي لكن ليست قضيتنا الآن معهم، خلاص أصحاب الظاهر سنستعملهم أو سنصطلح عليهم بأصحاب الظاهر. وسأقول لكم الآن لماذا سميناهم بأصحاب الظاهر؛ أصحاب الظاهر يقفون على طبقة من الكلام لا تتجاوز الظاهر إلى غير الظاهر.

الذي يبدأ من عنده شرف المعنى، أو الذي يزيد من عنده شرف المعنى، قد يكون ظاهراً وفيه شرف معنى، وسواء، وهذه خطيرة: سواء، سواء؛ وقفوا على حد صحيح ولم يكملوا إلى الحد البعيد الذي هو فضل الكلام، أو وقفوا على حد غير صحيح بسبب الظاهر، يعني حتى الظاهر لم يكن صحيحاً.

دعونا نضرب مثالاً على ذلك؛ لما دخل الأصمعي على طلابه وقال لهم: ما تقولون في قول الخنساء: «يذكرني طلوع الشمس صخراً، وأذكره لكل غروب شمس»؟ ما تقولون في هذا؟ قالوا: نقول إنها تذكره في الليل والنهار، تذكره في الليل والنهار. إذاً، ماذا فعلوا؟ جعلوا طلوع الشمس كناية أو سبباً عن النهار، وجعلوا غروب الشمس كناية أو سبباً عن الليل، إذاً المعنى: أذكره في ليلي ونهاري. فقال لهم: ليس المعنى هكذا، وليس المعنى هكذا.

إنما كانت العرب تغزو إذا طلعت الشمس، وتُشعل وتطبخ وتنصب القدور في الفلوات، أو على أطراف الأحياء للناس وللمارين والأغراب إذا غربت الشمس. فقولها: «طلوع الشمس يذكرني» يذكرها بغزوه وبسالته، و«غروب الشمس يذكرني» يذكرها بعطائه وسخائه، وهاتان الصفتان أبرز صفتين عند العرب: البسالة والحماية، والعطاء والإيثار. في رواية هذه القصة، فقاموا وقبلوا قدميه من سعادتهم بالفائدة.

الأصمعي رحمه الله، ما الذي حصل هنا؟ ما الفرق بين فهم الأصمعي وفهم هؤلاء؟ فهم تلاميذه لم يكن خطأً، لكن نقصهم شيء؛ فمن عرف الكلام أن يدل عليه مرة أخرى. كلامهم ليس خطأً من حيث اللغة، لكن فاتهم شيء من عرف الكلام أن يدل عليه حتى صار من معناه.

وهذا مر معنا في كتاب عبد القاهر في صفحة 229 و230، لما تكلم عن أن الجملة قد تجري على معنى معروف في العرف والعادة، فتحمل عليه لا على مطلق الدلالة اللغوية. نرى ماذا قال، انظر؛ قال: الجاري في العرف والعادة أنه إذا قيل: «ما هذا ببشر»، و«ما هذا بآدمي»، والحال حال تعظيم وتعجب مما يشاهد في الإنسان من حسن خلق وخلق، أن يكون الغرض والمراد من الكلام أن يقال إنه ملك. فهل «ما هذا بشر» فيه دلالة على أنه ملك؟ لا، بالعرف والعادة صار، فمن أتى به في شعر دل على هذا.

قال: وإنه يكنى به عن ذلك حتى إنه يكون مفهوم اللفظ. وإذا كان مفهوماً من اللفظ قبل أن يذكر، كان ذكره إذا ذكر بعد ذلك تأكيداً لا محال. حتى إذا قلت بعد ذلك: «ما هذا بشر، إن هذا إلا ملك»، قولك الثاني تأكيد ليس تأسيساً؛ لماذا؟ لأنه من العرف والعادة لو قلت في إنسان، أنت فعلاً قلت إنه ملك. طبعاً بعيد عن القرآن، أنا لم أقل إنه ملك، أنت قلت «ما هذا بشر»، وهذه عبارة تستعمل في حسن الخلق في سياق التعجيب والاستحسان. فلما قلت بعد ذلك «إن هذا إلا ملك» صرت مؤكداً لا مؤسساً.

شوف الكلام، بنى عليه صفة للكلام، التصريح الذي بعده عجيب ومهم جداً. فالكلام أحياناً يكون له عرف، فالذي غاب عن تلاميذ الأصمعي -انتبهوا يا إخوة هذا تحرير مهم جداً- الذي غاب عن تلاميذ الأصمعي عرف الكلام، فماذا فعلوا؟ ماذا فعلوا؟ وقفوا به عند الظاهر.

والحقيقة أن كلام الأصمعي رفع البيت في الثرية؛ لماذا؟ لأنها لما أرادت أن تقول إنني أبكيه في ليلي ونهاري، فقالت بدلاً من ذلك -بنية الشعر والبلاغة- «يذكرني طلوع الشمس صخراً، وأذكره لكل غروب شمس». هذا ليس بكبير شيء في الشعر؛ لأن طلوع الشمس سبب أو كناية، أو هو عين النهار، وغروب الشمس سبب في الليل أو هو عين الليل، فالنهار ما هو إلا الطلوع، والليل ما هو إلا الغروب، فهي بنية السبب أو بنية أنها العين، وتجعل كناية أو أنها الجزء، وهكذا.

لكن لما كان الطلوع يلزم عنه في الذهن -في عرف الكلام- خروج الناس ووقوفهم للقتال والاصطفاف، فإذا جاء الليل لزم عنه في عرف العرب وفي معرض الثناء -كما في «ما هذا إلا ما هذا بشر» في معرض الثناء- هنا تذكر الغروب، يكون هذا الكرم والعطاء ونصب القدور وكذا وإشعال النيران للمارة. ابن السبيب لما كان الأمر كذلك، كان إضافة كبيرة في المعنى، ولهذا انفعلوا وقاموا قبلوا قدميه؛ لأنه لم يؤلف لهم قصصاً، وإنما أدخل في دلالة البيت كناية قوية جداً.

فأنتم ترون هنا الوقوف عند معنى معين، والوقوف على ظاهر، سواء كان هذا الظاهر صحيحاً أو لم يكن صحيحاً. فعند مثلاً عمر بن أبي ربيعة، لو وقفت على: «فياك من ليل تقاصر طوله، وما كان ليلي قبل ذلك يقصر»، وقلت فقط يعجب من تقاصر الليل وأنه ما تقاصر من قبله، هذا صحيح أم خطأ؟ هذا التعجيب بهذا الحد صواب، لكن ليس أقصى المراد، وليس الذي يريده من الشعر.

أحياناً إذا الكلام يتساوى في الظاهر، ولكن أن تقرأه بنية كونه شعراً ينبهك، هذه القراءة تنبهك إلى ما فيه من دلالات. يعني كأنه كان ينبغي لتلاميذ الأصمعي أن يشعروا بخفة البيت، ليس «طلوع الشمس وغروبها»، الليل والنهار؛ أنا لما سمعت البيت على هذا التفسير ما شعرت فيه بشيء، «يذكرني طلوع الشمس صخراً، وأذكره لكل غروب شمس»، ليس شيئاً كبيراً، «ليلي ونهاري» وانتهينا، وسيكون أبلغ في الاختصار على الأقل.

لكن على المعنى الآخر هنا يحصل إشكال. أحياناً، ما نحن قلنا لك نحن الآن في أول ممارسة النقد، نحن في هذه المدرسة في أول ممارسة النقد، وواجبي أن أنبهك لما قد يقع من هذه الهنات؛ أن تظن هنا أن هناك سوء اشتراك، فتقول: «ما أنا إذا لم أعرف هذا أو هذا؟». الله يرضى عليك يا سيدي، الله يرضى عليك، ربما تقول أنا لا أعرف، ربما يقع هذا أو هذا، ستقول هذا سوء اشتراك، أقول لك ليس هناك سوء اشتراك، تقول هذا من اشتراك وهذا محتمل.

وهذا أقول لك خطأ، ليس سوء الاشتراك؛ لأن أحدهما سيترجح على آخر من حيث كون هذا نصًا بليغًا والمعنى احتمله ودل عليه. ربما غاب عنك شيء، أنت هنا تعالوا إلى المثال الذي استعمله عبد القاهر، وقال فيه عبارة جميلة جدًا، وهذا مما رقني جدًا في شرحه الذي طبع جديدًا، واكتشف هذا الذي اكتشف وطبع المخطوطة في شرحه على ما وجدوه من شرحه على ديوان المتنبي.

كنت أقرأ شرح بعض القصائد ونويت استقراء هذا الكتاب، هذا الشرح، فكنت في القصيدة الأثيرة إلى قلبي جدًا، وهي: «يا أخت خيرٍ.. يا بنت خيرِ أبي». كناية بهما عن أشرف النسب. بمناسبة أنني أقطع بأن هذا الكتاب شرح عبد القاهر؛ البعض يقول لي أشك فيه، لا، هذا عبد القاهر، وأنا أقطع بأنه عبد القاهر؛ نعم، أنا أقرأ الشرح الآن كاملاً.

جاء عبد القاهر إلى قول المتنبي: طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ، فزعت فيه بأمالي إلى الكذب. يقول وأنا أقرأه وأقطع بأنه، لا سيما إذا كان لك يا محمد تعامل مع الشروح الأخرى، مع شروح الشعر الأخرى؛ لا أحد يشرح الشعر هكذا بهذه الاحتمالات والترجيح من جهة البلاغة، لا أحد يفعل هذا، هذا عبد القاهر نفسه.

المهم أقول لك أيضًا وألفاظه كما سترون باللفظة الواحدة، يقول عبد القاهر في «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»: في الأول، طبعًا لابد أن تفهموا أن «خبر» فاعل، وهذا الفاعل لابد وأن يتعلق بفعل يعمل فيه الفاعلية، وأنت عندك هنا فعلان؛ عندك «طوى» وعندك «جاءني». فإذا علقته بأحدهما قدرت الفاعل في الثاني من تفسيره، أو بتفسيره من الفاعل الظاهر، يقولون هو على شرط التفسير، أو بدلالة المذكور عليه.

فأنت عندك وجهان: الوجه الأول أن تعلق «خبر» بـ«طوى»، «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، يعني «طوى الجزيرة خبرٌ حتى جاءني»، وكلمة «حتى جاءني» جملة اعتراضية في هذا الوجه، فأين الفاعل في «جاءني»؟ مستدل عليه من فاعل «طوى» لاتصال المعنى، فاستغني به عنه.

هناك تفسير آخر ذكره عبد القاهر، أولًا وهو أن تعمل الفعل «جاءني» في «خبر»، وأن تفرغ الفعل «طوى». قال عبد القاهر -وهو ذكر هذا الوجه في الأول ثم ذكر الثاني الذي هو شائع عندنا- ولما ذكر الثاني قال: «وهذا الذي يسبق إلى أفهام الناس أصحاب الظاهر». هذا نفس النص كلامه، الصفحة الثامنة بعد الأربعمائة والخمسين من هذه الطبعة التي تبعت جديدة، الأولى التي هي في مجمع اللغة العربية السعودية.

قال بالنص: «وهذا الذي هو أن تعلقها بطوى، طوى الجزيرة حتى جاءني خبر، يعني طوى الجزيرة خبر حتى جاءني هذا الخبر، وهذا الذي يسبق إلى أفهام الناس أصحاب الظاهر. والأول هو الأجود عند ذوي التحقيق: أن يعلق بجاءني وأن تفرغ طوى». لحظة، أنا متأكد أن أكثرنا أو كلنا سيقرأ الكلام ويقول: الصواب أن تعلقه بـ«طوى»، وهذا السهل المتبادر والذي ينبغي أن تكون عليه السلامة الشعرية. من أين جئت بالثاني؟ انظر: «التفسير بالأجود».

قال: «والأول هو الأجود». إذًا لا فرق بينك وبين الآخر إلا أنك قرأت بنية أن ذلك شعر، كما كان ينبغي لأصحاب الأصمعي أن يستشكلوا المباشرة التي وقعت في فهمهم، وأن يبحثوا عن دلالة أخرى قبل أن يحدثهم عنها. الأصمعي كذلك، هنا عبد القاهر ينبه ويقول: والذي يقرأ الشعر سيعلم الوجه الصحيح في التعلق، ولكن بنية أن يفهم أنه شعر، كأنه يقول: هذا الذي تفهمونه ظاهر قريب ليس هو المراد.

إذًا يرى عبد القاهر أن تقرأ هكذا: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، وتفرغ «طوى»، تستدل عليها من الفاعل المظهر في الفعل «جاءني». «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، فتترك الأول فارغًا مع أن النفوس ستتعلق بانتظار فاعل «طوى». عبد القاهر يقول لك هؤلاء الناس أصحاب الظاهر، بل شرف المعنى الجودة يكون: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، تفرغ «طوى» وتعلق الظاهر بـ«جاءني»، وتترك النفس معلقة فارغة في «طوى» ويشبعها شيء.

«خبر» الذي جاء فاعلًا في «جاءني»، «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، كان فاعل «طوى» شيئًا آخر، لكن في الحقيقة هو فاعل «جاءني»، هو خبر الخبر الذي هو فاعل «جاءني». «خبر»، يقول عبد القاهر: «خبر مرفوع بجاءني وقد أُضمر لطوى فاعلاً على شريطة التفسير، كأنه قال: طوى الجزيرة خبرٌ حتى جاءني»، ثم أضمر الأول الذي هو فاعل «طوى» استغناءً بالثاني، كما تقول: «ضربوني وضربتُ قومك».

«ضربوني وضربتُ قومك»، فإن أعملت -وانتبهوا لأنها وقعت في النسخة «أعلمت» وهي الصواب «أعملت»- فإن أعملت الأول يعني أعملته، جعلت الفاء الفعل «طوى» هو العامل في «خبر» بالرفع، لأن «خبر» فاعل له «طوى»، «خبر طوى الجزيرة»، قال: «فإن أعملت الأول فرفعت خبرًا بطوى، كان في جاءني ضمير وكان طوى فارغًا».

آه، هذه لغة عبد القاهر؛ «وكان طوى فارغًا»، ليست لغة عبد القاهر «أفرغ كذا وفرغ كذا»، لكنه يقول: «كان طوى فارغًا»، حتى كأنك قلت: «طوى الجزيرة خبر حتى جاءني»، ثم قال: «وهذا الذي يسبق إلى أفهام الناس أصحاب الظاهر، والأول هو الأجود عند ذوي التحقيق».

يبدو أنني سأخلص هذه الحلقة لهذه المسألة حتى لو كانت قصيرة، لأنني لا أريد أن آخذ على ذلك صفحات من الكتاب، تكون قصيرة. قل يا محمد.

مولانا، ما السبب في كون هذا الوجه هو الأجود؟ يعني هو نفس السبب في ضمير الحكاية عندما يقول مثلًا إنه ثم يذكر الـ... فيكون في الإضمار الأول وإعمال الفعل الثاني في المسائل، يكون لذلك فضل البلاغة، مثل ما هو ذكره في «الدلائل» عند ضمير الحكاية. مرة أخرى، هل السبب في كون هذا الوجه، الذي هو إعمال «جاءني»، هل الوجه في الجودة هو مثل الوجه في ضمير الحكاية؟ هو كما ذكر عبد القاهر في كتابه الذي يسمى «ضمير القصة».

الذي هو ضمير القصة والحكاية؛ أنه كأنه يمهد أو يضخم المعنى ثم يأتي لك بالمعنى، وذلك وجه لرفعه. هل هو نفس الوجه؟ أخوكم الحميري يقول هو في الحقيقة وجه من وجهين. سأقول لك، لكن اشرح لهم وجهك أولاً. أخوكم يقول: «طوى الجزيرة»، فانت ماذا تعرف؟ فقال لك: «حتى جاءني خبر»، فجاء بعد ذلك التعريف في الأخير؛ هذا وجه عندي.

وجه آخر، طبعاً هو يشبهه بضمير القصة الذي أجمل فشوق ثم شرح أنه كذا. عندي وجه آخر في هذا، وهو أنني أشعر بأن النفس ظلت -لا أقول فارغة، تشبه أن تكون فارغة- كأن الشاعر يوحي بأنه لم يعرف ما الذي طوى، فظلت النفس ناظرة إلى الوراء للفظ «طوى» من الفاعل، ثم تتفاجأ بأن الفاعل هو فاعل «جاءني». تظل النفس هكذا تتردد حول الفاعل: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر».

هو في عنصر مفاجأة. أنت ذكرت التأخير، هناك عنصر المفاجأة والبحث. «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، «حتى» بمعنى «إلى أن» هنا، فانت أوهمتني الآن أن «طوى» فعل لازم، أو فعل لا يحتاج إلى فاعل، وأوهمتني أنك ذكرت الفاعل، لكن أنا للحظة أنتبه: هو فين الفاعل؟ ما هو الفاعل في «جاءني خبر»؟ فاعل «جاءني» هو الخبر، فخبر مشغول بكونه فاعلاً في «جاءني». وأنت لما قلت «طوى الجزيرة» كأنك تقول: «طويتُ الجزيرة»، كأنك قلت: «طويتُ أنا الجزيرة»، فتنتبه لحظة: «طوى» يحتاج إلى فاعل.

فهو ما قلته، لكن هناك شيء آخر زائد وهو الرجوع، أو الرجوع الفجائي، أو الرجوع في سوسته تنطرني كده لورا. هناك انتباه من غفلة، هناك إيهام: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، «حتى» إلى أن، استنى من الذي... خذ بالك: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، مين طوى؟ وصلت، هذا الذي أريد قوله. أخوه معنا، فاهمين القضية هذه؟ لعله في أنفس بعضكم الآن أن تقولوا: الوجه الأول أقرب وصحيح، والثاني عبد القاهر يفخم المتنبي. أنا عارف أن قد يكون الذي ضحك... أيوه، أسام يا الله.

تعالوا، في نفس القصيدة يوجد شيء هو من هذا، درسناه في «الدلائل» صفحة 229 و230، وله دلالة في شرحه. تعالوا الآن نطبق شيئاً قد يكون أصعب بعض الشيء، يقول: غَدَرْتَ يا مَوْتُ كَمْ أَفْنَيْتَ مِنْ عَدَدٍ * بِمَنْ أَصَبْتَ وَكَمْ أَسْكَتَّ مِنْ لَجَبِ وَكَمْ صَحِبْتَ أَخَاهَا فِي مُنَازَلَةٍ * وَكَمْ سَأَلْتَ فَلَمْ يَبْخَلْ وَلَمْ تَخِبِ

يقول: «غدرت يا موت كم أفنيت من عدد بمن أصبت»، طيب من الذي أصابه هنا؟ قال عبد القاهر له وجهان: وجه تدل عليه اللغة، ووجه يدل عليه المعنى. انتبه، هذا من ذاك، أصل له أو ما أخذناه أعم يكون كأصل لهذا، لكنه يتكلم هنا عن معنى لغوي قريب، وعن معنى آخر يرجحه المعنى، فهذا من فروع ما أخذناه.

الآن ماذا أراد من قوله «بمن أصبت»؟ قال هناك احتمال وهو الذي يبادر بسبب اللغة. اللغة تقول لك: «بمن أصبت»، هو الموت أصاب من؟ الموت أصاب من في هذه الرثائية؟ في الحقيقة الموت أصاب أخت سيف الدولة. وهذا يحتاج منا إلى أن نوضح البيت أولاً؛ لو كان «أصاب من عدد» لا يكون القول «غدرت يا موت»، «كم أفنيت من عدد بمن أصبت» يعني بمن أصبتهم من الناس، طيب وما موضع «غدرت يا موت»؟ يعني أنا قديماً لما قرأته، وأنا المتنبي، كنت أستغرب، أشعر البيت مفككاً: «غدرت يا موت كم أفنيت من عدد»، يعني الموت غدار، بمن؟ أين موضع الغدر؟ أين علة الغدر؟ هو أفنى كثيراً.

يقصد: «كم أفنيت من عدد بمن أصبت»، تابع هذا في صفحة 547 في شرح عبد القاهر لـديوان المتنبي. سنبقى نتكلم في شرح عبد القاهر، شيء ملك. أنا سعيد بذلك جداً في الحقيقة، وسأطعم، أنا عندي خطة في هذا إن شاء الله أنني سأدرس هذا الشرح كاملاً، وبعد أن ننتهي من الشرح ومن «الدلائل» وكذا، سأعمل مجالس. ليس عندي تصور، ولكن أذكر لكم تطعيمات وترصيعات كتاب «الدلائل» بهذا الشرح، لأن الشرح جاء بعد أن سننتهي من عبد القاهر، فالشرح طُبع قبل أيام تقريباً، فلم ندركه قبل أن أبدأ معكم الشرح، بل كنت سأستغرق مدة في شرحه ثم في ترصيع الكتاب به، لكن لا بأس، متدارك بعد هذا. إذا كانت هناك ترصيعات كهذه نعمل مجلساً أو مجالس بحسب الأمر، ونعمل هذه الترصيعات والشواهد على طول كتاب عبد القاهر.

في الصفحة السابعة بعد 540 يا محمد، قوله: «غدرت يا موت» لابد أن يكون له موضع، هو يقول له: غدرت بمن أعانك في حصد العدد وفي إفناء الناس، فقال: «غدرت يا موت كم أفنيت من عدد بمن أصبت»، يعني أنت بمن أصبت أيها الموت؟ فقبضت روحه، كم قبضت من أرواح به إعانتك؟

السؤال: «أصبت» هنا على اللغة فقط، يذهب إلى سيف الدولة أم إلى أخته؟ من الذي أصابه الموت؟ إلى أخته. جميل، إذا اللفظة من حيث اللغة... لا، ليس حسب ما قلته، هذا من حيث الواقع هو يرثي أخته. «يا أخت خير أبي...» كناية بهما عن أشرف النسب. «ألا يملك الطرب المحزون منطقه...» غدرت يا موت، هذا البيت الرابع: «غدرت يا موت كم أفنيت من عدد بمن أصبت وكم أسكت من لجب».

إذا اللغة تؤيد أن المقصود «بمن أصبت» أخت سيف الدولة، خولة، اختصاراً صار خولة، وأن الموت أصابها وأن الموت غدر بها. وسنحتاج هنا إلى تأويل؛ لأنه قال: «كم أفنيت من عدد بمن أصبت»، يعني هو يريد أن يقول هنا إن هذه المرأة كانت بمقام الرجال وأمر ناهية.

إلى آخر هذا، كانت هذه المرأة جليلة الرجل والرأي، وأنها كذا وأنها كذا حتى أنت أفنيت من عدد بها. وقد أصبتها، هذا هو.

قال هنا في الرأي: في هذا الرأي كأنه قال بمن أصبتها؛ لأن الإصابة تطلق على الرد، ويكون المعنى أن هذه المرأة كان لها من السياسة والرئاسة والعز والمنعة ما يضاهي الموت على الإلمام بمشارع فعل مهج، ويقويه قوله: «لم تملأ مواكبها» إلى آخره.

والمعنى الثاني الذي جعله أولاً -لا، هذا المعنى الثاني- المعنى الأول: أصبت خولة التي كم أفنيت من عدد بها بقوتها وسياستها ورئاستها وعزها ومنعتها، وقال يؤيده قوله: «كان فعله لم تملأ مواكبها».

التفسير الذي رجحه -وسنذكر الآن في المسألة لماذا رجحه- هو سيف الدولة، وأنه مصاب بأخته. قال إن قوله «بمن أصبت» عائد إلى الممدوح، كما تقول: أصبت زيداً بابنه، ويكون المعنى: أيها الموت، إن الممدوح طالما أغاثك على هلاك النفوس وأخفى الأصوات، ثم تعرضت لمن يتصل به، فأصبت المحسن.

وهناك شيء بعد ذلك في البيت الثاني؛ لأنه لو قلت إن «بمن أصبت» هو خولة، يكون قولك بعدها: «وكم صحبت أخاها في منازل» لا إشكال فيه، جاء الظاهر على ما هو عليه. وكذا لو قلت إن «بمن أصبت» هو سيف الدولة، يكون قولك: «وكم صحبت أخاها في منازل» من باب وضع المظهر موضع المضمر.

نعم، وكم صحبته؛ الأصل أن تقول وكم صحبته، لكنك وضعت المظهر موضع المضمر، لماذا؟ لأن الأصل إذا قلت بمن أصبت وهو سيف الدولة، يكون: «وكم صاحبته في منازله»، و«وكم صحبته في منازلته».

عرض عبد القاهر القولين ثم قال: «والأول أقوى»، الذي هو كونه سيف الدولة. قلت: لماذا؟ قال: «لأن الحرب بالرجال»، والأول أقوى لأن الحرب بالرجال، والثاني أقوى من جهة اللفظ؛ لأن الإصابة المباشرة وقعت لها، الإصابة بالموت، الموت أصاب، من اللغة تقول أصاب فلان فلاناً. لكن الأول أقوى في المعنى لأن الحرب بالرجال بالضبط، والثاني أقوى من جهة اللفظ.

ثم قال عبد القاهر: «وأرجح الجانبين ما نصره المعنى». إذاً فالتفسير الذي يرجحه المعنى ولو ببعض تأويله. وهذه الإصابة غير المباشرة كأنك قلت: أصبت زيداً بثلاث. هذا مقدم على التفسير الذي يرجحه اللفظ المباشر.

ويمكن أن يكون قولك «وكم صحبت أخاها» نوعاً من الاستئناف، أنا أجعله استئنافا؛ عبد القاهر اعتبره وضعاً للمظهر موضع المضمر لأن الكلام متصل، وكم صاحبته. يعني: غدرت يا موت، كم أفنيت من عدد بمن أصبت وهو سيف الدولة، وكم أسكت من لجب، وكم صحبت أخاها.

لو قلت: وكم صحبت أخاها، عبد القاهر قال هذا وضع للمظهر موضع المضمر، أنا أقول هذا انقطاع في الكلام ورجوع إلى ماء القصيدة في أنها مرثية، وكأنه انتهى من الكلام على سيف الدولة: «غدرت يا موت، كم أفنيت من عدد بسيف الدولة، وكم أسكت من لجب»، بعد ذلك كلام جديد عن خولة، فقال: «وكم صحبت أخاها».

يعني الكلام لا يزال على الموقف، هو يقول للموت: وكم صحبت أخاها في منازل، وكم سالت فلم يبخل ولم تخب. نرجع، «وكم صحبت أخاها في منازل» هي أيضاً رجوع إلى الكلام عن خولة، أيها الموت، لكن رجوع إلى سياق خولة. هذا لا يؤثر؛ «وكم صحبت أخاها في منازلته»، غدرت يا موت، كم أفنيت من عدد بسيف الدولة، وكم أسكت من لجب.

إذا كان سيف الدولة، و«كم صحبت أخاها» إذاً رجوع إلى المرثية، يعني هذا كلام صار في المرثية، و«كم صحبت أخاها» إذا كان أخاها هنا شخصية أخرى بعيدة عن سيف الدولة. أنت غادرت لما أصبت سيف الدولة الذي أفنيت به عدداً من الناس، ثم «وكم صحبت أخاها» يبقى الكلام رجع إلى خولة التي أبيتها أيها الموت، فكم صحبت أخاها في منازل، وكم سالت فلم يبخل ولم تخب.

لا، وإن الإظهار في موضع الإضمار هنا ربما لا يظهر منه فائدة والله أعلم، و«كم صحبت أخاها» لأن تراكم الإفادة أفضل أن تقول: «وكم صحبته في منازلته». و«كم صحبته»؛ إن تقول قوله «بمن أصبت» هو خولة هنا لا إشكال فيه، و«كم صحبت أخاها» بالعكس، إذا ترجع الضمير على المذكورة أو على المفهومة من البيت «بمن أصبت» المذكورة، أو ترجعه إذا قلت سيف الدولة ترجعه على الحاضرة بموضوع القصيدة وهي خولة.

فقضية أن الكلام عن سيف الدولة، أو عن الموت، الخطاب إلى الموت، «أصبت» هنا أو «صحبت أخاها»، هذا غير مؤثر في هذه القضية؛ قضية هل حصل إظهار في موضع الإضمار أم حصل ابتداء كلام جديد؟ يظهر لي أنه حصل ابتداء كلام جديد، وأنه رجع عن الحديث في سيف الدولة إلى الحديث في نفسها: «وكم صحبت أخاها»، فذكر أخوها هنا ذكراً جديداً مستقلاً بعيداً عن ذكره لما باشره الموت بالإصابة بأخته. فهمتم الفكرة؟ القضية وضحت؟

لكن كلام متصل، يعني ما أقصده هو ليس كلاماً جديداً من حيث المعنى، حتى على تفسير عبد القاهر هو يقول: غدرت يا موت، ثم يقول: وكم صحبت أخاها، يعني هو يقول له أنت صحبت أخاها وهو أعطاك وفعل مع... لكن ألا تلاحظ أن هذا الكلام سيرجح أن «من أصبت» هو خولة لو تأملت؟

لماذا؟ لأنه سيرجح، يعني يقول: غدرت يا موت، كم أفنيت من عدد بمن أصبت سيف الدولة، يعني بسيف الدولة، وكم أسكت من لجب، وكم صحبت أخاها في منازلته. ما رأيك؟

الأمر يختلف بحسب المعنى المراد؛ لو حملناه على اللفظ فسيكون كما قال عبد القاهر متصلاً، ولو حملناه على المعنى فسيكون استئنافا. هذا ما قلته على اللفظ، يعني على خولة.

ولو على خولة سيكون لذلك، أنا قلت له الآن: ألا ترى أن قولك باتصاله سيرجح أن من أصبت هو خولة وليس سيف الدولة؟ تمامًا، نعم، على اللفظ هو الكلام متصل واضح، أما على المعنى هنا فيفترق، وستشعر بأن الإظهار تكلف نوعًا ما.

نعم، خلاص، إذاً هذه مسألة، وهذا يكون المعنى أيضًا بالضبط. هذه مسألة سيطول فيها النقاش والنظر من حيث كونها تطبيقًا في بيتين، المهم أن أصل المسألة، وهي إنزال المعروف من الكلام منزلة الدلالة اللفظية سواء كانت منطوقة أو مفهومة، هذا شيء ينبغي أن تنظروا إليه، وهذا هو الذي بني عليه، كما قلت، هذا الذي بني عليه باب الأمثال أصلاً.

نعم، هذه مسألة تنتبهون إليها أيها الإخوة في التدقيق في الشعر جدًا، لأن أخطر ما فيها أن الذي سيقطع مراحل -ما لاحظته أن الذي سيقطع مراحل في فهم الشعر وفي نقده في مراحله الأولى ربما يشتبه عليه هذا بسوء الاشتراك، يقول: إذا أنا لم أعرف هذا أو هذا بسرعة يروغ إلى هذا سوء الاشتراك.

لا، لحظة، سوء الاشتراك لا يصار إليه إلا بالفعل عند الإشكال، لما تجد مثلًا كما في "بيضة الحجل" التي عند صريع الغواني، خلاص، الحجل هنا يعني بيضة الحجل كما عند امرئ القيس، يعني بيضة هذا الخدر أو بيضة هذا الخباء، ولا بيضة الحجل التي هي بيضة طائر الحجل؟ يعني هي هذا أم هذا مثلا؟ فأنت سترى أن بالفعل الأمر مشكل والأمر صالح.

لكن أن تقول هذا وأنت في ما زلت في مراحل استكشاف المعنى، ولم تنتهِ بعد إلى الدلالة الصالحة لأن تكون من دلالة البيت أو المعنى الصالح لأن يكون من دلالة البيت، يخشى هنا على المبتدئ في النقد أن يسارع وأن يقول هذا سوء اشتراك احتمل معنيين؛ إذاً ستسقط كل كلام العرب لأنه يظل كله محتملًا للمعاني، ولكن يترجح المعنى على المعنى.

حتى القرآن كذلك، ترى المفسر يقول قولًا، ثم يأتي مفسر آخر ويقول: وإنما كذا، وإنما كذا، رأيتم والدليل على ذلك كذا، ويأتي بشيء في دلالة الكلام وعرفه في كذا وفي كذا.

نحن نخلص المجلس هذا في هذه المسألة أولًا لتكون لها أهميتها، وثانيًا ليكون للصفحات أهميتها، كذلك هكذا سيكون عنوان المجلس صفحتين أو ثلاث صفحات. شكرًا لكم أيها الكرام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.