بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا الرابع من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز، تأليف إمام البلاغيين الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين. انتهينا أيها الإخوة من الفقرة السادسة بعد المائتين، والتي هي الفقرة التي وضع فيها ضابطا فلسفيا منطقيا عقليا في ضرورة استقلال علم النقد بما يتعلق بالشعر، لا بما يتعلق بالمعنى، أعيد قراءتها ثم نبدأ من بعدها إن شاء الله الشرح.
قال: «واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا فهو أشرف مما ليس كذلك». هم لم يعيبوا من قدم الكلام بمعناه من جهة أنهم يرفضون -وهذا أمر بدهي- من جهة أن المعاني الدينية في ذاتها أشرف من معاني المجون والخمرية إلى آخره.
«واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا فهو أشرف مما ليس كذلك، بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص، ألا يعتبر في قضيته تلك التي هي الحكم بالفضل أو النقص بعينها الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته، ولا ينظر إلى جنس آخر وإن كان من الأول بسبيل أو متصل به اتصال ما لا ينفك عنه».
خلاص، هذا وضح وشرحناه. ثم أقول: ومعلوم أن سبيل الكلام يشرح هنا الأوصاف التي تتعلق بجنس الشعر من حيث كونه جنسا من الكلام، سيشرح هنا ما يتعلق بجنس الكلام من حيث كونه جنسا مستقلا، ويشرح الأوصاف التي تتعلق بالمعنى ويجعلهما في مثال تشبيهي واحد، ولا يخفى هنا استلهام الجاحظ يا إخوة، سترون هذا.
قال: «ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وإن سبيل المعنى الذي يعبر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه كالفضة والذهب». هذا أصل المعنى، المادة الخام. كالفضة والذهب؛ عندك المفتوح يا عقيل كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار. فكما أنه محال إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة، كذلك محال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه.
أنت الآن لو ذهبت إلى صائغين كلاهما يصوغ الذهب والفضة، وأردت أن توازن بينهما من حيث كونهما صائغين، هل ستنظر وتوازن بينهما من حيث الذهب نفسه والفضة نفسها من حيث كونهما نقدا؟ هذا يرجع إلى أي تاجر، ولا يتفاضل فيه شخص عن شخص إلا أن يكون أحدهما غشاشا رديئا. لكن إذا نظرت إلى الصياغة ونظرت إلى الصنعة مع اتحاد المادة، فأنت ترجح صائغا على صائغ في تشكيل هذه المادة وفي صناعة هذه المادة.
يقول: «فكما أنه محال إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفضة الحاملة لتلك الصورة أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل وتلك الصنعة، كذلك محال أن إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزية في الكلام أن تنظر في مجرد معناه». انظر إلى مجرد المعنى؛ المعنى المجرد.
«وكما أنه لو فضلنا خاتما على خاتم بأن تكون فضته أجود أو فصه أنفس لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم، بل من حيث هو ذهب أو فضة». يعني لو أخذته وعجنته هكذا ولم يصر خاتما، لم يصبح خاتما، هو جيد أيضا في ذاته. يقول: «وكما أنه لو فضلنا خاتما على خاتم بأن تكون فضته أجود أو فصه أنفس لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه ألا يكون تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام».
البيت ما أصله؟ لابد أن يكون معناه. لا تقل إذا: من حيث كونه بيتا، بل قل: من حيث كونه معنى؛ لأن هذا المعنى الذي فضلته بذاته موجود في البيت، موجود في النثر، موجود في الإنجليزية، موجود في الفرنسية، المعنى موجود في الذهن بدون نطق، موجود بدون نظم كلام، موجود كما هو. فهذا المعنى موجود، إذا لابد أن تنظر في أمور من حيث كونه بيتا، أي شعرا.
قال: «كذلك ينبغي إذا فضلنا بيتا على بيت من أجل معناه ألا يكون تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام». وهذا قاطع، فاعرفه قاعدة. انتهى وهذا قاطع فاعرفه. يعني عبد القاهر يتكلم في أمور بداهية، لكن سبحان الله، واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة، وكلام جاء عن القدماء، إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب، ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه، والعيب به صريح.
يقول: «واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة». لماذا يفتح فمه ويقول: «أقول يقول له أهل الشأن: قالوا إنك غير معتبر هنا». بعضهم يفضل الكلام بالمعنى، أحد الأعاجم مرة نشر بيتا لأبي فراس وهو قوله: «معذبتي بالوصل والموت دونه.. إذا مت ظمانا أو سقيت».
معللتي بالوصل والموت دونه إذا مت ضمانا. فلا نزل القطر فكتبه، وكتب عليه بعض الذم. وكأنه استلهمه من كلام بعضهم فكتب له.
أيه هذا، ليس البيت يعاب هكذا، والبيت جميل من جهة كذا وكذا، وكان محقًا. فكتب له ناشر البيت وناشر الإعابة، أو أنا علقت على كلام هذا المعلق قلت له: الذي نشر هو يقصد المعيار الأخلاقي لا يقصد الفن. فتعلق على كلام هذا الناشر قال: بل أقصد صلب الفن، إنه يعاب من هذه الآثرة بصلب الفن. فعلمت أنه لا كلام معه، أو كما اعتاد عبد القاهر أن يقول: لا يكلم. عبد القاهر يقول هذا كثيرًا في الكتاب هنا، فإن قال كذا لا يكلم، يعني خلاص لا يصح أن يكلم، هذا كثير في كتابه. فعلمت أنه لا يكلم.
انظر عبد القاهر ماذا يقول: «واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنف في شأن البلاغة وكلام جاء عن القدماء، إلا -طبعًا عبد القاهر وقع في يده من المصنفات ما لم يقع في يدنا- إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب، ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه، والعيب به. وإذا نظرت في كتب الجاحظ وجدته يبلغ في ذلك كل مبلغ، ويتشدد غاية التشدد، وقد انتهى في ذلك إلى أن جعل العلم بالمعاني مشتركًا، وسوى فيه بين الخاصة والعامة».
فقال: «ورأيت ناسًا يبهرجون أشعار المولدين ويستسقطون من رواها، ولم أر ذلك قط إلا في رواية غير بصير بجوهر ما يروي، ولو كان له بصر لعرف موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان كان». وهذا حق طبعًا.
قال: «وأنا سمعت أبا عمرو الشيباني وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين -ونحن في المسجد الجامع يوم الجمعة - أن كلف رجلًا حتى أحضره قرطاسًا ودواة حتى كتبهما». قال الجاحظ: «وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرًا أبدًا، ولولا أن أدخل في الحكومة بعض الغيب -طبعًا هناك في نسخ أخرى مختلفة أدخل فيها بعض الفتك في كتاب الحيوان- ولولا أن أدخل في الحكومة بعض الغيب لزعمت أن ابنه لا يقول الشعر أيضًا»، وهما قوله.
طبعًا هذا سريع مطوي موقوف، ميزان السريع ماذا؟ مستفعلن مستفعلن فاعل. لا، مستفعلن مستفعلن فاعل. نعم، مستفعل فعل مستفعلن فاعل. فقلت لماذا توقفت لحظة؟ لأنني أتعامل مع فاعل لا مع مفعولاته، لأن أصله مفعولات، طوي فصار مفعلات، هذا لما يطوى يصير مفعلات، خلاص مفعولات يحذف الرابع والساكن فيصير مفعلات، ثم يكشف يدخله الكشف فيحذف متحرك وتده المفروق فيصير فاعل، فمن مفعولاته يصير فاعل، وهذا كله قالوه ليراعوا ما فرضته دائرة الخليل.
هذا في عقل العروضي بالضبط، هذا كله قالوه ليراعوا دائرة الخليل، وإلا فلك أن تقول في السريع من جهة علاقة الضرب بالعروض أن يكون العروض فاعل والضرب فاعلان، وأن يكون العروض فاعل والضرب فاعل كما هو الأكثر، أن تكون العروض فاعل والضرب فاعل، هذا الكثير المألوف والأصل المستمر. فهذه معنى هنا حتى تصير فاعل، خلاص هذا يقال فيه: مطوي موقوف.
كما قلت، هذا كله قالوه ليراعوا دائرة الخليل. «لا تحسبن الموت موت البلا، وإنما الموت سؤا للرجال». لا تحسبن الموت مستفعلن مستفعل، وإنما الموت سؤا مستفعلن، الأولى مخبونة والثانية مطوية، وإنما الموت سؤا للرجال فاعلان. سموه هنا ماذا؟ سموه موقوفًا، وهو في الحقيقة فاعل. وأضفت لك أن تقول مذال وخلاص، يا سيدي لا تقل هذا حتى لا تخطئ علميًا، قل هذا فاعلان وهذا فاعل، فاعل فاعلان فاعل، فاعل فاعل فاعل، إنما مفعولات، وكذا هذا في الدائرة العروضية.
«لا تحسبن الموت موت البلا، وإنما الموت سؤا للرجال»، كلاهما موت ولكن ذا أشد من ذاك على كل حال. نرى ما قال أخوكم عقيل، يقول هو علم مولد وأدب مستبرد.
هذا قول الجاحظ في العروض، معروف قول الجاحظ في العروض: «هو علم مولد وأدب مستبرد ومذهب مرفوض، تستنكره العقول مستفعلن فعول، من غير فائدة ولا محصول». ماشي، حلو، طريف.
طبعًا يعني حزن من هذا، رحمه الله الحساني، عبد الله الحساني الذي حقق كتاب الكافي للتبريزي في علمي العروض والقوافي، وقال في المقدمة: الجاحظ قال هذا بسبب الخلاف المذهبي، أن هذا معتزلي والخليل أشعري أو سني، فيقول لك خلاف مذهبي بينهما، والجاحظ كان متعصبًا للاعتزال، ولا أرى ذلك.
نحن قرأناها كثيرًا جدًا في كتاب الحيوان، ينبهكم يقول: قد مدح أيضًا مولانا ولكنني نقلت لك الذم فقط، نعم صحيح، عشان يوافق هواك. ثم قال وذهب الشيخ -وهذا كلام الجاحظ في الحيوان ونحن قرأناه كثيرًا جدًا- وذهب الشيخ إلى استحسان المعاني، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وصحة الطبع وكثرة الماء وجودة السبك، وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير.
لذلك قلت لكم: عبد القاهر اعتمد على الجاحظ في هذا النوع من التمثيل: الصياغة والتصوير. التصوير يا إخوة هو ماذا؟ الرسم والنحت، والصياغة صياغة الذهب والفضة، الخاتم والسوار، ويذكرون أيضًا النسج وهو الوشي والغزل. وهذه صناعات: الصياغة، والتصوير، والنسج، والغزل.
صريحة تماما، فقد تراه كيف أسقط أمر المعاني وأبى أن يجب لها فضل، بل انتهى في جنس الشعر. ما هو؟ قال لك في الأول لم يعيبوا تقديم الكلام بمعنى معناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدبا وحكمة وكان غريبا نادرا فهو أشرف مما ليس كذلك في نفسه، لكن هنا في الشعر أسقطوه، لا اعتبار له؛ فقد تراه كيف أسقط أمر المعاني وأبى أن يجب لها فضل، فقال: «وهي مطروحة في الطريق».
ثم قال: «وأنا أزعم أن ابن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا»، فاعلمك أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه. يا سلام! هذا هو. فاعلمك؛ تخيلوا يا إخوة أن بعد كل هذا، بعض المعاصرين ينقل هذه العبارة عن عبد القاهر ويقول إن عبد القاهر والجاحظ يهتمون بزينة الألفاظ دون حقيقة المعاني. تتخيلون؟
أعتقد أن محمود شاكر وضع «ابن» بين قوسين، وهذا قد نقله شاكر في ما مر، يعني بعينه مثلا مستغرب، وضع «ابن» بين قوسين زيادة، لكن فوق هو نقل عن الجاحظ أن ابنه لا يقول شعرا، قال: «لزعمت أني...» ولكن قال قبلها: «وأنا أزعم أن صاحب هذا يقول...». فمفهوم أن عبد القاهر أنتج للمعنى.
أنا أتكلم عن ضبط محمد شاكر، ومحمود شاكر هو وضع «ابن» بين قوسين، أتوقع زائد، معناه أن هناك مخطوطة، وأنا أجمع أن صاحب هذين البيتين، من باب الدقة فقط، هذا أقرب. محمود شاكر ربما وضعها بين قوسين لاختلاف المخطوطات، فهو كأنه يصوبها، لا أدري، الأقرب الأول. لحظة، الذي قال: «وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شيئا أبدا»، شوف، عبد القاهر قال: «فاعلمك»، ثم قال: «وأنا أزعم».
تقصد أن عبد القاهر يريد أن ينقل كلامه الأول عن صاحب البيتين ولم يتطرق لابنه، وكان محمود شاكر يصحح «الابن»؟ أي نعم، وهذا ما تفعلونه في تصحيح المكتوب، نفس الباب. نرى النسخ الأخرى، لو النسخ الأخرى بدون «ابن» فسيوافق نفس الجاحظ، وسيكون عبد القاهر لا يقصد الابن، بل يذكر عبارة الجاحظ الأولى: «فاعلمك أن فضل الشعر بلفظه أيضا». هنا «ابن»، ثم قال: «وأنا أزعم أن ابن صاحب هذين البيتين». النسخ المطبوعة فيها «ابن» أيضا لأن نسخة الدكتور محمد إبراهيم شادي تعتمد على النسخة التي هي غير نسخة شاكر، على كل هذا غير جوهري، لا هو ولا ابنه.
المهم ثم قال: «وأنا أزعم»، وهو صحيح، ملاحظتك في مكانها، أن الصيغة المنقولة بتمامها هكذا عن صاحب البيتين لا عن ابنه؛ قال: «فاعلمك أن فضل الشعر»، ثم أيضا لا فائدة من الانتقال عن صاحب البيتين إلى الابن مباشرة، ممكن الله أعلم. «فاعلمك أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه، وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه لم يستحق هذا الاسم بالحقيقة».
تخيلوا يا إخوة، كما قلت لكم، أن هناك من يظن أن المقصود من اللفظ هنا الزينة اللفظية لا الصياغة المعنوية، فيقول لا يهتمون بالمعاني والمهم الزخارف. وجدت هذا عند معاصرين وكأنهم قفزوا على العبارة بالباراشوت كما نقول، ولكن لم يقرأوا الكتاب. أعجب من هذا جدا جدا. وهذا فيه تحذير لكم من أن تعتمدوا كثيرا على كلام المعاصرين أصحاب المذاهب والتوجهات المعينة، لا سيما الحداثية أو المتأثرين بالحداثة على مختلف طبقاتها، إذا عرضوا كلام القدماء وأنت لست على علم به وإحاطة به.
يقول أخونا: «وهناك من يرى أن عبد القاهر على مذهب ابن قتيبة وأنه يعترض على الجاحظ». عجيب! قال: «فاعلمك أن فضل الشعر بلفظه لا بمعناه، وأنه إذا عدم الحسن في لفظه ونظمه لم يستحق هذا الاسم بالحقيقة». وأعاد طرفا من هذا الحديث في البيان فقال: «ولقد رأيت أبا عمرو الشيباني يكتتب أشعارا من أفواه جلسائه ليدخلها في باب التحفظ والتذكر، وربما خيل إلي أن أبناء هؤلاء أو أبناء أولئك الشعراء لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا جيدا»، يعني هو يقول وجدتهم من فقدهم القريحة الشعرية كأنهم مستحيل أن يورثوا أبناءهم شيئا من هذا.
مستحيل! كيف يخرج من ظهره شاعر؟ وربما خيل إلي أن أبناء أولئك الشعراء... يا سيدة، لا توجد الجينات أصلا تتعلق بالشعر. «لا يستطيعون أبدا أن يقولوا شعرا جيدا لمكان أعراقهم من هؤلاء الآباء». من فضاعة ما يقوله الآباء، لا نتخيل بمكان هؤلاء الأبناء من أعراقهم، لا نتخيل أن يقولوا شعرا، نحتاج إلى أن تمر أجيال وتدخل فيك جينات أخرى حتى نصدق أنك تقول الشعر، لكن أنت ابنه المباشر لا، لمكان أعراقهم من أولئك الآباء.
ثم قال: «ولولا أن أكون عيابا، ثم للعلماء خاصة، لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة مع عمر بن المثنى». «صورت لك» يعني خيلته لك، لذكرت لك، جعلتك تتصور هذا في ذهنك حتى ترى الفضاعة. «لصورت لك بعض ما سمعت من أبي عبيدة، ومن هو أبعد في وهمك من أبي عبيدة». طبعا، واحد تخيل شخص الجاحظ يقول فيه: «ومن هو أبعد في وهمك منه»، يعني أبو عبيدة عالم كبير.
وهذا يا إخوة فيه ما يشبه التصريح من الجاحظ مباشر بأن هناك علماء كبارا في العلوم، هم كبار في العلوم، فإذا ما جاؤوا إلى علم تمييز الشعر كانوا فيه كالعوام. وهذا ما نبه إليه كثيرون من علماء الشعر كابن سلام، وهذا في حق علماء في علوم هي من علوم العربية كالنحو واللغة، فكيف بمن كانوا علماء في علم الكلام أو الفقه مثلا؟ لهذا أيها الإخوة لا نعجب حين نجد فقهاء ومتكلمين الآن، وأنا أعتقد حتى أن عقيلا رأى كما رأيت من هذا الصنف، أن نرى فقهاء ومتكلمين في زماننا يشار إليهم بالبنان وتعظمهم الناس، ثم كلامهم كلام...
العوام كأنهم منهم، إذا ما جئنا إلى هذا الباب كلامهم كلام العوام كأنهم منهم، فهم في الحق منهم، في باب العلم بالشعر هم منهم. لماذا نفزع؟ هم منهم، طبيعي هم منهم.
قال: «واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه عظيم، وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر». واعلم أنهم لم يبلغوا في إنكار هذا المذهب ما بلغوه إلا لأن الخطأ فيه عظيم؛ هم العلماء أنكروا بشدة، وأنه يفضي بصاحبه إلى أن ينكر الإعجاز ويبطل التحدي من حيث لا يشعر.
ثم لا نقول عوام، وذلك أنه إن كان العمل على ما يذهبون إليه في أمر المعاني لا يجب فيه فضل ومزية إلا من جانب المعنى، وحتى يكون قد قال حكمة أو أدبًا واستخرج معنى غريبًا أو تشبيهًا نادرًا، فقد وجب اضطرارًا جميع ما قاله الناس في الفصاحة والبلاغة وفي شأن النظم والتأليف، وبطل أن يجب بالنظم فضل وإن تدخله المزية، وبطل أن تتفاوت فيه المنازل. وإذا بطل هذا، فقد بطل أن يكون في الكلام معجز، وصار الأمر إلى ما يقوله اليهود ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب، ودخل في مثل تلك الجهالات، ونعوذ بالله من العمى بعد الإبصار.
هذا يحتاج إلى التأمل يا إخوة؛ لأنني مكثت مدة في قراءات الأولى للكتاب أبحث في أمر هذا التشبيه أو هذا الإلحاق. الجهالات، تحمست، فقد بطل أن يكون في الكلام معجز، وصار الأمر إلى ما يقوله اليهود ومن قال بمثل مقالهم في هذا الباب، ودخل في مثل تلك الجهالات، ونعوذ بالله من العمى بعد الإبصار. كما قلت، هذا الكلام يحتاج إلى تأمل يا إخوة، لأنه تكلم عن حال ومقال مصحوب عن اليهود، في قضية الاتكاء على المعنى دون اللفظ.
كان ينبغي بيانه، ولا أدري إذا كان واضحًا ظاهرًا في عصر عبد القاهر أم لا. الأمر يرجع إلى أن عبد القاهر استرسل وجاءته الفكرة فمر عليها سريعًا دون توضيح، والله أعلم. حتى أنا أستغرق الغريب هو عدم تعرض أي من الشراح أو المعلقين على الكتاب إلى بيان ذلك؛ لا محمود شاكر تعرض لهذا، ولا محمد إبراهيم شادي تعرض لهذا، ولم أجد من المعاصرين من تعرض لهذا. لماذا قال: «وصار الأمر إلى ما يقوله اليهود»؟
ويمكن تقريب ذلك أيها الإخوة؛ قل يا عقيل، لو عندك فكرة، أو أول خاطرة بادرت عند قراءة الكلام، هي القول بأن النبي محمد ﷺ كان يختلي إلى بعض أهل الكتاب ويسمع منهم، فأخذ المعاني -وحاشاه، تراها على الله سبحانه وتعالى- أنه أخذ معاني أهل الكتاب وصاغها بالعربية. هم قالوا ذلك لأن القرآن أتى مصدقًا لما معهم.
وهناك وجه آخر قد يكون أظهر من جهة قاعدة عند اليهود، لا حادثة وتهمة؛ لأن حتى عبد القاهر مر على الأمر مرورا، وصار الأمر إلى ما يقوله اليهود. كلامك محتمل، هناك شيء آخر دونته على هذا الكلام وقلت: اليهود لهم تاريخ في تحريف الكتاب، قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 79]. وقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78]. ومعلوم أن كتاب يهود إنما هو ترجمات عن ترجمات وتفسير عن تفسير، فهذا من قديم أصلاً.
فهو يشير بأن اليهود قالت: إنما العبرة بالمعنى ولا اعتبار بعين النص ما دام لم تختلف المعاني في النصوص المتباينة. من هنا كان من جعل العبرة بأصل المعنى لا بخصوص المعنى عن طريق النص، صائرًا إلى ما يقوله اليهود، والله تعالى أعلم. معكم ما قلته وما قاله عقيل، اقلبوا رؤوسكم فيها، وعلى كل حال عبد القاهر أجمل.
أنا أرى سياق كلام عبد القاهر هو يتكلم عن الإعجاز خصوصًا، وبالتالي الكلام عنده ليس على التعامل مع النص أو النقل بالمعنى أو بالترجمات كما قلت، بل هو في إثبات إعجاز القرآن. ما فهمته أنه يقول لهم: إذا كان الإعجاز من جهة المعنى كما تقولون، فالقرآن أتى بمعانٍ موجودة في كتب التوراة وفي كتب الإنجيل، فهذا ينفي الإعجاز. بالضبط، إذا كان الإعجاز من حيث المعنى فالمعاني نفسها موجودة في الكتب السابقة، فهذا ينفي الإعجاز.
أنا فقط بينت أن السياق مع هذا، إذا قلبوا النظر في ذلك، هو على كل حال عبد القاهر أجمل. المشكلة أيضًا أن هذا قاله حتى بعض المرتدين ممن كانوا يوصفون بالصحبة أصلاً، فكان يمكن أن يقول عبد القاهر: «ما قاله المرتدون» بدل «ما قاله اليهود»، لكن لا يلزمه أيضًا. الكلام قريب، جزاك الله خيرًا.
ثم قال: «فصل». هذا فصل أيها الإخوة في التفريق بين المعنى المجرد والمعنى الفني. هذا الفصل الذي سبق يقول لك ليس بالمعنى وإنما بالنظم، ولكن هو أيضًا يقول إن النظم معانٍ، والقول فيه يأتي تابعًا للمعاني التي في النفس التي تنحت في النفس أولًا ثم يصدقها اللفظ الذي هو التركيب. فالآن كأنه احتاج إلى أن يفرق لك بين أصل المعنى المجرد والمعنى الذي يكون من خلال النص.
مزيه على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها، حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها. إذاً المعنى هنا الأصلي أم المجرد؟ الأصلي المجرد؟ أسف، أم الفني؟ ها، أكيد النظم.
هو يقول: لا يكون لأحد النظمين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى تأثير لا يكون لصاحبتها في المعنى، يبقى النظمي ولا المجرد؟ مولانا هو يقول هنا إن موضع المزية هو أن لها في المعنى تأثيراً أكثر من صاحبتها، فبالتالي يتكلم عن المعنى. هو من أول الكتاب وهو يقول لك: خصائص ولطائف زوائد على المعاني؛ زوائد على المعاني الأصلية، زوائد على المحصول.
ركز في العبارة، يقول: «لا يكون لأحدى العبارتين مزية على الأخرى»، لم يقل لك حتى يكون للعبارة معنى ليس لصاحبتها، لم يقل حتى يكون للعبارة معنى ليس عند صاحبتها، قال: «حتى يكون لها» يعني للعبارة في المعنى تأثيراً، يعني يكون لها تأثير في المعنى لا يكون هذا التأثير لصاحبتها في المعنى. ركزوا يا إخوة.
يعني يقول هو: لو كانت عبارتان بنفس المعنى، فالأكثر تأثيراً هي صاحبة المزية، فهو هنا التأثير هو المعنى النظمي؛ المعنى نفسه هو مجموع الأصل مع التأثير، هو النظمي أو التمثيل في المعنى الجديد الزائد، هو النظمي. هو يقول لك: «لا يكون لأحد العبارتين مزية على الأخرى»، مزية يعني زيادة، حتى يكون لها في المعنى تأثير. يبقى هو فرق بين الأثر وبين المعنى؛ حتى يكون لها تأثير في المعنى.
حاضر يا عقيل؟ لحظة، حتى يكون لها تأثير في المعنى، لا يكون هذا التأثير لصاحبتها في المعنى. تفضل يا عقيل. فهمت أنه هذا التأثير يقع بالمعنى؟ يعني حتى يكون لها تأثير، هذا التأثير حاصل في المعنى؛ فإن كان كذلك على فهمي، يكون لا يكون المعنى النظمي، لأن التأثير يحصل فيه، المعاني المجردة لا يكون فيها تأثير، هذا مجازي.
لاحظ أن عبد القاهر ما زال يشرح، هو يتحدث عن العبارتين ليفصل فصلاً شديداً بين الأمرين، وحتى سيأتي ما يقوله يفصل هذا. هو الآن يتكلم، لاحظ أنه كان ما زال يتكلم عن النظم واللفظ، فهو الآن يقول لك: اللفظ سيكون له في المعنى، وهو الذي لسه منفتل منه حالا؛ هو كان يتكلم عن المعنى المجرد، ولما قال لك: «مجرد المعنى»، وانفتلت والمعنى الذي هو حكمه وأدب أو غير حكمه وغير أدب، فالآن يقول: «ولا تكون لأحد العبارتين» يعني النظمين اللفظين مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى، يعني ما زال يتحدث عن ماهيتين: ماهية اللفظ وماهية المعنى.
كلامكم صحيح وقريب، لو كنا في سياق استحضار المعاني النظمية ويكون لها بالمعنى كذا، بقية السياق يثبت كلامكم. أنا فاهم، أنا بس عايزك أول ما يوصل كلمة المعنى في الأول حتى لا تفصله عن السابق، الفصل هذا متصل بما سبق. هو يشرح الآن لماذا قلنا النظم؟ لماذا قلنا ضرب من الصياغة والتصوير؟ الصياغة والتصوير هو العبارة، فيقول لك: «لا يكون لأحد العبارتين» يعني صياغتين، تصويرين، نسجين، مزية على الأخرى حتى يكون لها في المعنى المجرد الذي تحدثنا فيه تأثير لا يكون لصاحبتها. هذا التأثير هو اللطائف والخصائص والقدر الزائد الذي تحدث عنه عبد القاهر.
وإلا ففي العبارة تصح لو حملناها على التسليم، وأن الأمر صار واضحاً وليس في معرض الشرح، قال: «فإن قلت: فإذا أفادت هذه ما لا تفيده تلك، فليست عبارتين عن معنى واحد، بل هما عبارتان عن معنيين اثنين»، قيل لك إن قولنا المعنى هنا، المعنى الأصل في مثل هذا يراد به الغرض.
تعالوا هنا أنبهكم إلى شيء خطير، انتبهوا إليه، انتبهوا هنا شديداً؛ عبد القاهر يستعمل كلمة الغرض مع المعنى في الشعر في الكتاب. انتبهوا، عبد القاهر يستعمل كلمة الغرض كثيراً، يجعلها دائماً ما يقصد إليه المتكلم، غرضه كذا. إذا أورد لفظ الغرض في مقابل الخصائص التركيبية فهو يريد بها ماذا؟ أصل المعنى. وإذا أوردها وهو يشرح ما حصل بالتركيب فهو يريد به ماذا؟ المعنى النظمي أو الفني.
تعالوا أقفكم بسرعة على نماذج، نرجع إلى صفحة ٣٣٩، أو نذهب معكم، نذهب معلش، افتح صفحة ٣٣٩. قال: «وهذا المعنى، لما شرحته لكم، تذكرون؟» ها، ولا لا؟ لم نشرح هذا، نعم. «وهذا المعنى، وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، فليس هو الغرض في الآية. وهذا المعنى، وإن كان جاء في التنزيل في غير هذه الآية، فليس هو الغرض في الآية». إذاً الغرض هنا المعنى الفني أم المعنى الأصلي؟ الأصلي؟ الغرض؟ الفني؟ الفني، الفني، الفني. مولانا، أحسنت، أنت الفني. يقول: «وهذا المعنى، وإن كان قد جاء في التنزيل في غير هذه الآية، فليس هو الغرض في هذه الآية»، إذاً الغرض هنا المعنى الفني. خلاص، لما كانت الآية اختلفت عن الآية الأخرى وأدت أصل المعنى، صار أصل المعنى معبراً عنه بالمعنى، وصارت الآية لها غرض آخر لما اختلف اللفظ، فالغرض هنا المعنى الفني.
طيب، تعال إلى صفحة ٣٠٤، نرجع ٣٠٤، يقول: «فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب)، فالبعض يقول القلب هو العقل». ماشي، طبعاً عبد القاهر كما سيأتي سيحط على من يقول هذا هكذا، وسينسبه إلى الحشوية الذين لا يعرفون البلاغة والبيان. قال: «فأما تفسيره» يعني في الفصل سيستطرد في هذا، يعني لما يقول: «ومن عادة قوم ممن يتعاطى التفسير بغير علم أن يوهموا أبداً في الألفاظ الموضوعة على المجاز والتمثيل أنها على ظواهرها، فيفسد المعنى بذلك ويبطل الغرض». الغرض هنا ماذا؟ فني أيضاً؛ صح، أنها على ظواهرها فيفسد المعنى بذلك ويبطل الغرض. الغرض هنا ماذا؟ الفني، الفني، الفني.
طيب، ارجع للصفحة، هذا في الصفحة ٣٠٥، في الصفحة ٣٠٤ يقول: «فأما تفسير من يفسره على أنه بمعنى (من كان له عقل)، فإنه إنما يصح أن يكون قد أراد الدلالة على الغرض على الجملة». يبقى الغرض على الجملة هنا يراد به ماذا؟ أصل المعنى. «فأما أن يؤخذ به على هذا الظاهر، كان القلب اسماً للعقل كما يتوهمه الحشو ومن لا يعرف مخارج الكلام، فمحال باطل؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الغرض من الآية».
نعم. طيب، ارجعوا إلى صفحة ١٨٧، هي، يقول في أولها: «فمتى رأيت اسم فاعل أو صفة...»
من الصفات قد بدئ به فجعل مبتدأ، وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرًا. فمتى رأيت اسم الفاعل أو صفة من الصفات قد بدئ بها فجعلت مبتدأ وجعل الذي هو صاحب الصفة في المعنى خبرًا، فاعلم أن الغرض هناك غير الغرض إذا كان اسم الفاعل أو الصفة خبرًا.
اذهب إلى صفحة 262، هذا آخر ما نقف عليه. يتكلم عن الدلالة بالكناية والاستعارة والتمثيل، فيقول: كيف هذا النوع من الكلام ما الذي يحصل فيه؟ قال: يدلّك اللفظ على معناه الذي يقتضيه موضوعه في اللغة، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض، المعنى الفني. ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل؛ معانٍ فنية، ثم تجد لذلك المعنى دلالة ثانية تصل بها إلى الغرض.
فانتبهوا، هو مرة يقصد بالغرض، ومرة يقصد بالغرض أصل المعنى. وهو في كل مرة يورد لفظ "الغرض" إذا كان يتكلم عن قصد المتكلم، وهو ليس مصطلحًا، لكن لماذا نبهته؟ لأجل المقطع الذي قال فيه: «وهذا المعنى وإن كان جاء في غير هذه الآية بأصله فليس هو الغرض». فيخشى أن تعمم الغرض في المعنى النظمي.
ما معنى أن تشرح الكتاب؟ أن تأخذ فيه تجارب سابقة، ربما تقرأ الكتاب مرة أو مرتين. فهذا التقسيم في مجاورة المعنى للغرض، لما يقول: «وهذا المعنى وإن كان حاصلاً في آيات أخرى، لكنه ليس الغرض في هذه الآية بهذه الصورة من التركيب»، تفهم أن الغرض لصيق بالمعنى النظمي، وأن المعنى وارد في المعنى الأصلي المجرد، محض المعنى.
وهذا يشكل عليك في دراسة الكتاب إذا عممت هذا؛ فبعض المواطن يغري بهذا الاصطلاح بالتقعيد، لكن عبد القاهر لم يقصد الاصطلاح. لم تستقرئ الكتاب كثيراً وتدور فيه وتختبر اللفظ على الكتاب؟ انتبه إلى أنه لم يقصد الاصطلاح، وإنما الذي استقرأته من الكتاب أنه جعل لفظ "الغرض" لصيقًا بقصد المتكلم؛ فإذا جاء وهو يحلل التركيب قصد بها المعنى الفني، وإذا جاء بأصل المعنى لا بالتركيب، إذا جاء وهو يتكلم عن المعنى الذي هو خارج التركيب، المعنى في نفسه، وقال الغرض، فهذا ليس المعنى الفني، ويكون المعنى المجرد.
قيل لك: إن قولنا "المعنى" في مثل هذا يراد به الغرض، والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه، نحو أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد فتقول: «زيد كالأَسد»، ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: «كان زيدٌ الأسد»، فتفيد تشبيهه أيضًا بالأسد، إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه زيادة لم تكن في الأول؛ وهي أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه، وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد ولا يقصر عنه، حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي.
مرة أخرى قيل لك: إن قولنا "المعنى" في مثل هذا يراد به الغرض، والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه. الغرض هنا هو الأصل؛ أن قولنا "المعنى" هنا، لما قال لك: "لا يكون لأحد العبارتين مزية على الأخرى"، هو الذي جعل أخانا الحِميري يقول: كون هذا المعنى هو الأصل يؤيده السياق.
لاحظ، بل السابق أيضًا يؤيده؛ لأنه كان يتكلم عن الفصل بين المعنى وبين الصنعة، فقال: "لا يكون لأحد العبارتين مزية على الأخرى". ركز يا عقيل، لم يقل حتى يكون في معنى العبارة أثر، فيكون المعنى الفني أثرًا زائدًا، بل قال حتى يكون للعبارة، للصياغة الخاصة، أثر في المعنى؛ المعنى الذي هو الأصلي المجرد، تأثير لا يكون لصاحبتها.
ثم قال: «فإن قلت»، فإذا أفادت هذه ما لا تفيده تلك. ركزوا معي يا إخوة، يقول عبد القاهر هنا يستشكل. سيأتي شخص يقول بالمناسبة: "أنا بعضهم استشكل علي هذا لما أوردت له بعض الأبيات عن امرئ القيس، فقال: معلش، أنا أرى هنا أن الجمال في المعنى". فقلت له، وهو دكتور أكاديمي كبير مكرم: "معلش، أنا أرى هنا ليس في النظم بل في المعنى"، فقلت له: "هذا المعنى حاصل بهذا النظم لا بذاته"، وحكيت له المعنى ولم أنقصه شيئًا في أصله، فقلت له: "هل أنقصتك شيئًا؟" قال: لا. قلت: "هل نفس الأثر في نفسك؟" قال: لا. قلت: "هذه زيادات أخذتها من النص على أصل المعنى، زيادات لفظية كيفية تعكس انفعال المتكلم مع نفس المعنى".
ولهذا يا إخوة، أصل المعنى أمر تجريدي في الذهن، أما التعبير عنه، حتى لو كان يثير في نفسه من حيث كونه معنى، أما التأثير الخاص بالنظم فهو يعكس لك انفعال المتكلم خاصة مع هذا المعنى.
شوف: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾، و﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾، أصل المعنى واحد. الغاية الجديدة في الكلام مأخوذة من التقديم والتأخير. أنت مشكلتك ستظن أن هذه الغاية هي أصل المعنى، ليست أصل المعنى؛ بدليل ثبات الإعراب، الإعراب ثابت، والتقديم والتأخير الذي حصل وجاز في النحو هذا لم يغير أصل المعنى.
أكبر دليل قلت لكم دائمًا: اتخذوا هذا معيارًا، أثبت للشخص بما يقال فيه تقديم على نية التأخير. هذا الذي ينكشف له به، مش الذي تخالف به أصل المعاني وأصل الوقوع. أثبت له بتقديم على نية التأخير، يعني لم يتغير الإعراب، الإعراب كما هو أو أثبته حتى يكون على نية التأخير. فمما يدل على أن المعنى لم يتغير أن الإعراب واحد.
طيب، وما الذي حصل من تقديم وتأخير؟ معنى آخر يدل على غاية في المتكلم مختلفة. إذا جئت بتفاعلاتنا نحن البشر، أقول: تقديم حصل بانفعال خاص في نفس المتكلم، فحتى يكشف لك عن ضيقه من شيء معين في هذا المعنى، قدمه لك وحكى أصل المعنى مرة ثانية، ولكن حتى يكشف لك، كأنه عجل إليك بشيء رتبه في نفسه، فقال هذا، لا يلحق بأصل المعنى؛ بدليل أن أصل المعنى ثابت كما هو بالإعراب ويمكنك فصله وحكايته من غير هذا الانفعال. فكل ما يمكنك تحميله إلى معنى أقل مشترك بين الناس فهو المعنى الفني؛ فإنه لما قدم، مع أن الإعراب يشير إلى تأخيره، فهو عجل إليك كأنه...
يقول: أنا لم أخطئ، أنا لم أخالف، حكيت لك الشيء وتركت لك الإعراب كما هو، لكن أنا مستعجل، موجوع، عايز أقول لك ده في الأول. أو سعيد مهتم: «يضيء الفراش وجهها لضجيعها»، يضيء الفراش وجهها لضجيعها، خلاص وهكذا.
فلما تنازعنا الحديث، وأسمحت هصرت بغسل ذيش فص، وصلنا إلى الحسنى، ورد كلامنا وردت فذلت صعبة، أي إذلال، أصل الكلام «وردت صعبة» أي إذلال، فذلت ووردت فذلت؛ مستعجل متعجل بالتقديم، مهتم، هذا قدر زائد على أصل المعنى. لو قال: «وردت صعبة أي إذلال فذلت»، صحيح، ولم يتغير وصف الجملة، ولم يتغير التعقيب بها، ولم يتغير ترتبها في أصل المعاني، ولكنك عجلت بها اهتمامًا وولعًا. وبهذه اللطيفة والخاصة، اللطائف والخصائص، دللت على شيء في نفسك؛ هذا هو الفرق بين الاثنين.
فهنا عبد القاهر يقول لك، فأنت ستقلت لي: ها؟ فإن قلت: «شوف بعد هذا كتاب، إذا سمعت أن أحدًا منكم لم يستطع أن يجادل أحدًا في المعنى وأصل المعنى، سأتبرأ منه»، ما فيش كلام، أظن صارت مجسمة أمام عينيك ملموسة بيديك، حتى مثلتها لك بضوابط أخرى ليست حتى عند عبد القاهر موجودة. فإن قلت: «فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين عن معنى واحد، بل هما عبارتان عن معنيين اثنين».
إذن عبد القاهر هنا يتكلم عن شخص يختلط عليه أصل المعنى بالمعنى الفني، صح ولا لا؟ مش ده اللي حصل؟ عبد القاهر يتحدث هنا عن شخص اختلط عليه المعنى الفني، المعنى الصياغي الزائد بالمعنى المجرد؛ لأنه قال له: يا عبد القاهر، إذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين عن معنى واحد، بل هما عبارتان عن معنيين مختلفين أو معنيين اثنين. فعبد القاهر هنا يقول لك: لا، تعال هنا، هذا شيء وهناك شيء، هناك معنيان، هناك نوعان من المعنى.
قيل لك: إذا قلت إن قولنا «المعنى» في هذا يراد به الغرض، أهو المعنى الأصلي والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه بعبارته؟ نحو أن تقصد تشبيه الرجل. يحكي لك عبد القاهر: ما الذي أراده المتكلم؟ سيأتي لك أولًا بأصل المعنى المجرد، ثم يقول لك ما الذي أراده الآخر. اسمع: «والذي أراد المتكلم أن يثبته أو ينفيه نحو أن تقصد تشبيه الرجل بالأسد»، فتقول: «زيد كالأسد».
ثم تريد هذا المعنى بعينه فتقول: «كان زيدًا الأسد»، أردت هذا المعنى الغرض الأصلي، فتفيد تشبيهه أيضًا بالأسد، أفدت المعنى الأصلي أيضًا، ولكن ماذا يا عبد القاهر؟ قل: «إلا أنك تزيد»، يبدأ يشد الخط الأحمر: «إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه»، زيادة لم تكن في الأول، حتى يكون لها في المعنى تأثير، لا يكون لصاحبتها تأثير. «إلا أنك تزيد في معنى تشبيهه بالأسد»، يعني زيادة لم تكن في الأول، وهي أن تجعله من فرط شجاعته وقوة قلبه وأنه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الأسد ولا يقصر عنه حتى يتوهم أنه أسد في صورة آدمي. هذا كان بماذا؟ كان «زيدًا الأسد»، ولم يتحقق فيه «زيد كالأسد» العادي، بل كان «زيدًا الأسد».
شوف ماذا يقول: «وإذا كان هذا كذلك، فاعلم يا أخوة، لابد معكم من اللون المضيء الفسفوري والقلم الأحمر والمسطرة، فانظر هل كانت هذه الزيادة وهذا الفرق إلا بما توخي في نظم اللفظ وترتيبه، حتى قدم الكاف إلى صدر الكلام وركبت مع "إن"، وإذا لم يكن إلى الشك سبيل أن ذلك كان بالنظم فاجعله العبرة في الكلام كله». يعني إذا خلصت واطمأننت فاجعله العبرة في الكلام كله، ورض نفسك على تفهم ذلك وتتبعه، واجعل فيها أنك تزاول منها أمرًا عظيمًا لا يقدر قدره، وتدخل في بحر عميق لا يدرك قعره. هذا هو الذي قاله.
هذا المعقد الصعب، هذه الصفحة فيها خلاصة ما نفعله الآن، ما نمارسه الآن في نقد الشعر، وفي فهم كل كلام رفيع وفي تقديره، وهذا هو ما نكشف به عن القيمة الحقيقية للنصوص التي ظلمت، ظلمت بالمدح في غير موضعه أو بالذم في غير موضعه حين استعملت فيها موازين غير هذا الميزان الحق. فهذا ما عرفنا به أيها الإخوة أن أشعار العرب ليست مباشرة ساذجة كما يقول الأميون في الفن، الحداثيون -بين قوسين- كما يقول الأميون في الفن: يقول لك الشعر العربي ساذج. وأين هذه المعاني وتداعيات المعاني؟ بالضبط.
هذا تلخيص، أحسنت يا حمياري، هذا تلخيص لكل المعيار ولجملة علم النقد. أقول: هذا ما عرفنا به أن أشعار العرب ليست مباشرة ساذجة كما يقول الأميون في الفن، وهم الحداثيون حين فقدوا الميزان الذي به يدرك بعد غور الكلام، وهو هذا الميزان. وهذا الميزان هو الذي شرحنا به كيف كان يتلفظ، كيف كان ما يتلفظ به الحداثيون لا علاقة له بفن الكلام، وربما كان كلامًا أصلًا في عرف النحاة لأنه فاقد أصل الصحة الدلالية، فضلًا عن الزوائد الصياغية التي يتحدث عنها في هذه الصفحة.
خلاص، وبهذا الميزان عرفنا أنه ليس كل كلام عاطفي يؤثر في النفس ويمس القلب لأجل معانيه يكون كلامًا فنيًا رفيعًا كما يظن ذلك الرومانسيون والسطحيون والنزاريون مثل نزار قباني. وعرفنا أنه ليس كل كلام فيه قيمة دينية أو أخلاقية يكون فنًا جيدًا كما يحلو للشيوخ ويستهويهم. عندنا ميزان، هذا هو عندنا ميزان.
إذن يا إخوة، لما قال عبد القاهر: «العبارة أثرت في المعنى»، كان ينظر إلى المعنى المجرد قبل أن يدخل عليه أثر العبارة الخاصة. ولما لاحظ الآخر اختلافًا، ركزوا ما الفرق بين نظرة عبد القاهر ونظرة غيره الذي اشتبه عليه؟ فإن قلت: «فإذا أفادت هذه ما لا تفيد تلك، فليستا عبارتين عن معنى واحد»، فقد خلط بين المعنيين. عبد القاهر لما قال: «العبارة أثرت في المعنى»، كان ينظر أولًا إلى المعنى المجرد قبل أن يدخل عليه أثر العبارة.
العبارة الخاصة، ولما الآخر الذي دخلت عليه الشبهة، الآخر هذا؛ لاحظ اختلافا بين العبارتين. كان ينظر إلى المعنى؛ الجملة المأخوذة من العبارة بعد حصول أثر العبارة، وبعد اختلاطها وشيوعها في أصل المعنى بعد تشكل المعنى الأصلي بالزيادة. ما هو الأصل؟ أنت مش هينفع تنظر للذهب دون الصياغة التي في السوار أو الخاتم، لن تنظر إلى الفضة دون الشغل. فأنت هو جميل على بعضه، هكذا قطعة فضة مشغولة جميلة، قطعة ذهب مشغولة جميلة مصاغة، فأنت لا تنتبه إلى الفرق بين الاثنين؛ لأن الشكل حاصل في عين الأول أصلاً. فهو نظر إلى العبارة بعد حصول الأثر الخاص بالنظم فيها.
نعم، كما في ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، أنت تقول هي على بعضها، وخلق الإنسان صحيح، لكنك لا تنتبه إلى أن أصلها: وخلق الله الإنسان ضعيفًا. بدليل لو سألتك الآن: "وخلق الله الإنسان ضعيفًا" صح أم خطأ؟ ستقول صح. أقول لك: هل تتعارض مع هذه؟ ستقول لا. هل المعنى مختلف؟ لا. إذاً ناقضت نفسك.
وقيل: «يا أرضُ ابلعي ما عليكِ». هذه قطعة من كلام الجرجاني رحمه الله مهمة جدا؛ لأن المعاصرين يخلطون نفس هذا الخلط عن صاحب الشبهة التي افترضها عبد القاهر. المعاصرون يخلطون نفس هذا الخلط فيتعذر عليهم فهم القضية؛ يرون البيت يدل على هذا المعنى، فيقول: هو خلاص هذا هو المعنى. لا، هذا فن المعنى، هذا معنى فني أنت الذي لم تنتبه. تقول: ما هو أصل المعنى هكذا؟ لا، هذا ليس أصل المعنى.
أصل المعنى ما يمكنني، كما عرفنا من قبل، أن أعبر لك به أو عنه بجملة أخرى؛ كما في ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، و"خلق الله الإنسان ضعيفًا"، كما في ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ و"جعل الجن شركاء لله"، ولم يختلف الإعراب في الثانية. إذاً هناك وجه آخر يعبر به؛ هناك معنى مجرد محض أصل، وهناك المعنى الذي يتعلق بالعبارة بعينها، وفيه من الزوائد واللطائف والخصائص وتصرفات التراكيب من حذف وإثبات وتقديم وتأخير بنوعيه، ما يدل على انفعال خاص عند المتكلم يزيد على أصل المعنى، وهذا هو الفن.
ومن هنا لم تمل العرب منذ قالوا الشعر إلى يومنا هذا المطالع الطلالية؛ لأنهم في كل مرة يأتون بأصل المعنى ويزيدون عليهم فعلاً خاصاً، فالانفعال الخاص جديد، وهذه الجدة هي المطلوبة هنا وهي الشرعية. ولما كان الرومانتيكيون والسطحيون المعاصرون لا ينظرون نظراً بعيداً في الزيادات والخصائص، كان تعلقهم على قدر وطاقة أصول المعاني؛ فلو جئتهم بنفس الأصول هم لا يرون الخصائص، يرون الأصول فيملون. هو كله هكذا، كلهم يبكون، كلهم واقفون على الطلل، يقولون: عايزين جديد. طيب، سآتيك بجديد ساذج سيسعد به والله سيفرح به، ثم يمل، يريد جديداً.
أنا أتممت العبارة، خلاص نقف عند هذا الفصل؛ لأن هذا الفصل صفحة واحدة، وهذه الصفحة محورية يا إخوة في تاريخ هذا الفن والفهم. هذه الصفحة فرق فيها عبد القاهر شديداً بين المعنى والمعنى. هذه النواة، هذه الصفحة، ثبتوها في صفحة 258، كما أن الفقرة السادسة بعد 92 في صفحة 254 فيها القاعدة المنطقية في استقلال الميزان النقدي بفنونه عن سائر الموازين الأخرى.
وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد