دخولتسجيل الدخول

الدرس 33 - من صفحة 249 إلى صفحة 254

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو المجلس الثالث من مجالسنا المباركة إن شاء الله تعالى في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للإمام الشيخ، شيخ البلاغيين، أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى، وجزاه عنا خيراً ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.

انتهينا إلى الصفحة الثامنة بعد الأربعين، وأتممناها، ونشرع في فصل جديد في الصفحة التاسعة بعد الأربعين، يقول: «هذه فصول شتى في أمر اللفظ والنظم، فيها فضل شحذ للبصيرة وزيادة كشف عما فيها من السريره».

هذه فصول شتى، يعني متفرقة؛ عبد القاهر كما علمتم متكلم، وكان يحيط بالأمر من كل جوانبه، وكأنه يرتجل ذلك بذهنه، فأراد أن يجمع هذه الفصول فقال: «فصول شتى في أمر اللفظ والنظم، فيها فضل شحذ للبصيرة وزيادة كشف عما فيها من السريره».

هناك شيء أقف عنده في لفظ «اللفظ والنظم» في قوله: «في أمر اللفظ والنظم»؛ لأنه قد يقصد بذلك الترادف، أن اللفظ هو النظم، وله شواهد في كتابه كله. وقد يقصد بذلك ما أقام كتابه لأجله، وما سيظهر شديداً معنا في القادم من الكتاب إن شاء الله من أول هذه الصفحات إلى آخر الكتاب، سيظهر هذا شديداً، وهو قضية اللفظ عند المعتزلة الذين قالوا باللفظ، وهو يقول: بل النظم.

والنظم يعني من حيث تعلقات الكلم ببعضها ومعانيها، والمعاني النحوية الحاصلة؛ لأنه قال: «إن النظم ما هو إلا أن تتوخى معاني النحو بحسب ما تؤم من الغرض». فهذه هي النظرية التي طرحها أو ذكرها القاضي عبد الجبار الهمذاني في هذا السياق، أن البلاغة حاصلة بالنظم أو باللفظ من حيث نفسه، فيعطون لهيئة اللفظ خاصة دون كلام أو دون تعرض لتعلقات المعاني، وأن القضية بالمعاني، وقال هذه الكلمة: «المعاني لا تتزايد، وإنما تتزايد الألفاظ»، وهذه قضية أصلاً في تصورها إشكال من الأول، ولهذا عجب عبد القاهر من انتشارها جداً من ظهور خفتها وسفهها.

أردت بالسفه هنا المعنى اللغوي من رقتها وخفتها الشديدة، فيحتمل أن اللفظ والنظم هنا على الترادف، وإنما ذكر ما يتداوله الناس، وربما ذكر اللفظ والنظم وأراد اللفظ الذي اعتمد عليه عبد الجبار الهمذاني والمعتزلة ومن تبعهم في هذا الوقت، ثم أراد بالنظم نظرية النظم وتعلقات المعاني من جهة النحو ووجود علاقات بين المعاني، وأن المعاني تتزايد كما تتزايد الألفاظ.

يقول: «فصل؛ هذا الفصل في نفي أن يكون التفاضل بعلم أوضاع اللغة، أو لأجل ذات المعاني بعلم أوضاع اللغة». ويقول: «وغلط الناس في هذا الباب كثير»، فمن ذلك أنك تجد كثيراً ممن يتكلم في شأن البلاغة، إذا ذكر أن للعرب الفضل والمزية في حسن النظم والتأليف، وأن لها في ذلك شأواً لا يبلغه الدخلاء في كلامهم والمولدون، جعل يعلل ذلك بأن يقول: «لا غروه»، يعني لا عجب، «فإن اللغة لها بالطبع ولنا بالتكلف».

الآن تقول له: أحسن هؤلاء الجاهليون في الشعر؟ هل هذا كان كلام من في الشارع مثلاً يمشي في الطريق؟ ليس كل الجاهليين من يقول أبياتاً أو قصيدة، وإنما قد يقول البيت والبيتين وربما يسيء، فيقول: «لا غروه فإن اللغة لها بالطبع ولن يبلغ الدخيل في اللغات والألسنة مبلغ من نشأ عليها وبدئ من أول خلقه بها»، وأشباه هذا مما يوهم أن المزية أتتها من جانب العلم باللغة، وهو خطأ عظيم وغلط منكر يفضي بقائله إلى رفع الإعجاز من حيث لا يعلم.

وذلك أنه لا يثبت إعجاز حتى تثبت مزايا تفوق علوم البشر، وتقصر قوى نظرهم عنها ومعلومات ليس في منن أفكارهم وخواطرهم أن تفضي بهم إليها وأن تطلعهم عليها، وذلك محال فيما كان علماً باللغة؛ لأنه يؤدي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليه أهل اللغة.

لو قلت إن القرآن تفوق كلام العرب باللغة، معناه أنه فيه من دلالات اللغة ما ليس في كلام العرب، وهذا يناقض أصلاً كونه بلغة العرب هو نزل على لغتهم، يعني لم يحدث دلالات جديدة. الحمد لله رب العالمين؛ «الحمد» معناه في اللغة، و«ال» في «الحمد» هي العهدية، ومعناها في اللغة، و«ال» في «لله» معناها في اللغة، و«بسم الله الرحمن الرحيم»، الباء إذا كانت للاستعانة أو المصاحبة هي معناها في اللغة، لا نفسر إلا باللغة. لم ينشئ القرآن معاني جديدة في أوضاع اللغة، يعني في الدلالات الأولى اللغوية للكلمات، فلو قلت إن القرآن تفوق من هذه الجهة معناه أنه أحدث لغة جديدة، وهذا لم يحصل.

وليس صحيحًا، قال: «وذلك محال فيما كان علمًا باللغة»؛ إذا أخذت الأمر باعتبار علم اللغة، لأنه يؤدي إلى أن يحدث في دلائل اللغة ما لم يتواضع عليه أهل اللغة، وذلك ما لا يخفى امتناعه على عاقل.

خلاصة هذا الدليل أو هذه القضية أنه لا يمكن أن يكون الإعجاز حاصلًا من جهة نفس أصول علم اللغة، يعني من جهة معرفة الناس أو معرفة أصحاب كل لغة بأصول لسانهم وبوجوهه؛ لأن الاشتراك في أصول اللغة متفق لا يتفاوت في نفسه، والتفاوت فيه تفاوت بين صحيح وسقيم، تفاوت كما سيأتي، تفاوت بين من أصاب ومن أخطأ، وليس تفاوتًا في نفس المعرفة. فالاشتراك في أصول اللغة متفق لا يتفاوت، فإن حصل فيه تفاوت كان بالخروج عن ذات الأصول.

قال: «واعلم»، واعلم أننا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه. قد يقول شخص مثلاً: أنت قلت يا عبد القاهر لماذا قال «واعلم»؟ هذا يفترض افتراضًا، لابد أن تعيه وتفهم لماذا قال عبد القاهر هذا؛ فربما هناك مناطق برزخية، كما نقول مناطق بين بينية تشتبه عليك، تقول: النظم هو توخي معاني النحو. إذا كنت تعتبر المزية بعلم وجوه النحو، فأنت قلت توخي معاني النحو، إذن هو عن طريق علم النحو، وعن طريق علم الدلالات والتعلقات.

يقول عبد القاهر: «واعلم أنا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق»، يعني بذواتها بأنفس الفروق والوجوه، فنستند إلى اللغة لغةً، وإلا كان النحاة واللغويون هم الفصحاء هم الشعراء هم الأدباء لو كان كذلك. «واعلم أنا لم نوجب المزية من أجل العلم بأنفس الفروق والوجوه فنستند إلى اللغة، ولكن أوجبناها»؛ انظر إلى هذه العبارة الجميلة، لابد أن تضيئها كما أضاءها، أنا منذ سنين وهي مضاءة. «ولكن أوجبناها للعلم بمواضعها وما ينبغي أن يصنع فيها»، ليس بالعلم بذواتها بأنفسها كما قال عبد القاهر، ليس بأنفس الفروق، يعني ليس بأعينها، ليس بذواتها، ولكن للعلم بمواضعها وما ينبغي أن يصنع فيها أيضًا على أي مقياس بحسب ما يؤم من الأغراض.

هذا الذي تشكل بعد ذلك وترسب في التعريف: «مطابقة الكلام لمقتضى الحال»، مطابقة الكلام لمقتضى الحال، يعني ما يقتضيه حال الكلام، يعني غرض الكلام، وهذا هو، وهذا نص عليها الدكتور محمد أبو موسى منبهًا أيضًا، قال: هذا الكلام لعبد القاهر هو الذي قضية التوخي معاني النحو بحسب ما يؤم من الأغراض، قال: هذا الذي تحول بعد ذلك في علم البلاغة التقريرية إلى قولهم: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.

فالغرض الذي يؤم هو مقتضى الحال؛ لأنه كما نبهتم من قبل، لا يوجد عاقل -أظن لا أذكر أني نبهت- يقول إن مقتضى الحال الموقف الحاصل أو الحالة التي تحيط بالمتكلم حينما يأتي بالقصيدة مثلاً؛ كمن يذهب إلى عزاء فيلقي قصيدة في الغزل، أو يذهب إلى حبيبته فيلقي قصيدة في الزهد، فهذا غباء المتكلم، وهذا كلام لا علاقة له بالنص، له علاقة بالاجتماع وبالناس وبالفطنة، ليس من البلاغة. وإن كنا وجدنا في كلامهم القديم كلامًا في البلاغة من حيث الافتراض الأدبي فيها، حتى جعلوا بلاغة في السكوت، فأين السكوت مما نحن فيه؟ نحن علم الكلام نفسه علم القول، فالقول لا يظهر إلا بقول. هذه أمور أُطرِدَت في كتب قديمة ككتاب «البيان والتبيين»، عرضت لذلك بعضهم من باب النقل عن بعضهم والاستفاضة في الثقافة والبيان، لكن بدهي أنك إذا تكلمت في فن القول لن تعتمد تعريف البلاغة الذي هو السكوت، بل هو فنون القول.

فالبلاغة، مقتضى الحال الذي يُعرف في البلاغة هو مقتضى الحال، يعني ما اقتضته الحال، والحال هنا هو حال الغرض، حال الكلام، وليس ما يحيط بالمتكلم من مواقف يلقي فيها النص أو نحو ذلك. قال: «للعلم بمواضعها وما ينبغي أن يصنع فيها»، يعني ليس بمعرفة معاني النحو هذه الوجوه، وإنما بأن تعلم متى تأتي، أين تأتي، كيف تصنع بها. يقول: «فليس الفضل للعلم بأن الواو للجمع»، الواو للجمع، «والفاء للتعقيب بغير تراخٍ، وثم لشرط التراخي، وإن لكذا، وإذا لكذا»، ولكن لأن يتأتى لك، إذا نظمت شعرًا وألفت رسالة، أن تحسن التخير. أنا أيضًا أضيئت لي هذه من أول العبارة: «أن تحسن التخير، وأن تعرف لكل من ذلك موضعه». لم يقل لك تتخير، فما أنت ممكن تتخير وتجيب كلامًا عاديًا في جريدة أو في نشرة أخبار، لكن «أن تحسن التخير، وأن تعرف لكل من ذلك موضعه».

قال: «وأمر آخر»، وأمر آخر إذا تأمله الإنسان أنف من حكاية هذا القول، وهو أن المزية لو كانت تجب من أجل اللغة والعلم بأوضاعها وما أراده الواضع فيها، لكان ينبغي ألا تجب إلا بمثل الفرق بين الفاء وثم، وإن وإذا وما أشبه ذلك مما يعبر عنه بوضع لغوي، فكانت لا تجب بالفصل وترك العطف. هذا يعني لو كانت بأوضاع اللغة لكانت بمعاني الألفاظ المفردة، ولكننا نقول إنها بكيفية استعمالها، وبالتراكيب، والمعاني التي تنشأ بالتراكيب.

يعني لما شخص يقول: «قفي يا أميمة القلب»، أميمة القلب، هذا اسمها خلاص، والقلب هذا قلبه، أضافها إلى قلبه، فخصها لأن الإضافة تفيد الاختصاص؛ صلاة العصر صلاة خاصة بوقت العصر، فهي أميمة خاصة بالقلب. لا، ثمة شيء آخر وهو الذي تتحدث عنه من جهة اللغة وهو الترخيم؛ لم يقل «يا أميمة القلب»، وإنما قال «يا أميمة» القلب، فرخم وقرب وتودد وأضافها إلى القلب، هذه لا تتعدى سوى في النحو إضافة وترخيم، لكن تستطيع أن تشرح كلامًا أكثر من ذلك بكثير من أثر ذلك في النفس، فهذه إضافة، وهذه ليست من أوضاع اللغة التي يتحدث عنها بمعنى المعاني اللغوية للكلمات.

ذلك مما يعبر عنه وضع لغوي، فكانت لا تجب بالفصل وترك العطف. أنت فصلت، هذا الفصل عدم، أنت لم تأتِ بواو، لم تعطف جملة على جملة، أنت فصلت. هذا الفصل يحتاج إلى شرح وإلى أن تعلل لماذا فصلت في كلام بليغ، لماذا لم تصل؟ لماذا كان الفصل هو المختار وليس الوصل؟

يقول: «وبالحذف والتكرار»، لماذا حذفت؟ لماذا كررت؟ ما هو الحذف؟ أين وضع اللغة؟ لا يوجد وضع لغة. يعني كأنه يقول: العمل النقدي في الفن القولي فيه أشياء أوسع مما يحضر في ذهن من يقول: «نعم، هذه اللغة سليقتهم». ما هو «اللغة سليقتهم»؟ يعني يستعملون ألفاظها استعمالا صحيحا، لكن اللغة سليقتهم لا يدخل فيها هذه التصرفات، هذه التصرفات لا تتعلق باللغة من حيث كونها لغة وأوضاعا لغوية، هذه تتعلق من حيث تراكيب معنوية.

وإذا دخلت في هذا الحد، دخلت في تفاوت الناس والأفراد، ودخلت وخرجت من حد قاعدة اللغة إلى حد تفاوت البراعات والقرائح والملكات. أول ما تتكلم في التكرار والحذف وكذا، لا تتكلم الآن في لغة سليقتهم؛ هذه سليقة هو، سليقتهم يعني يصيب لا يخطئ. أما سليقتهم فلان أثبت ولم يحذف، فلان لم يكرر، أما فلان في نفس المعنى فحذف أو كرر، هذا ليس في سلائق اللغة.

سلائق اللغة كلاهما قد تساويا فيها، كلاهما قد تساوى في اللغة مع الآخر. لماذا جاء الكلام صحيحا؟ حذف الذي حذف فلان، كرر الذي كرر فلان، ليس مشكلة. أول ما تتكلم في هذا: حذف وهذا لم يحذف، هذا كرر هذا لم يكرر، هذا فصل هذا وصل، دخلت في تفاوتات أخرى بعد اتفاقهم في أصل الوضع اللغوي، وهي تفاوتات لابد أن تربطها بذواتهم، بملكاتهم الفنية، بقرائحهم، وبخبراتهم الفنية. لا تربطها بالسليقة التي يتفقون فيها.

- قل يا محمد. - نعم مولانا، بالنسبة لهذا، إذا كانت كما تقولون مولانا السليقة، أو تلقيهم اللغة بالطبع، لا يؤثر نهائيا، فلماذا نجد جملة القدماء أرفع بالمستوى من جملة المولدين؟

أقصد كجملة. شوف، أقول لك شيئا، لم نقل إنها لا تؤثر إطلاقا، إنما هي تجعلهم على حد الاستعداد؛ لأنه لا يوجد عاقل ينكر أن الذي ابتعد عن السليقة اللغوية قطعا ابتعد عن الإجادة الفنية. الذي ابتعد عن السليقة اللغوية الأصلية قطعا ابتعد عن الإجازة الفنية. إنما الذي يقوله عبد القاهر: ليس هذا هو ما يتفاوتون به. لا شك أنهم بذلك مؤهلون، ولكن ليس شرطا أن يكونوا، وهذا ما يريده عبد القاهر؛ القدر الزائد. ولا شك أن غيرهم ممن فقد هذه السلائق والقرائح الأولى لا شك أنه بعيد عن التأهيل بالضبط، ولكن أستطيع أن أضع قبل كلام أسامة هذه العبارة: «ولكن لو كانت بالسلائق لتساووا بالبلاغة».

لا شك أن قوة سلائقهم من حزمة من شواهد تقدمهم الجملي، لكن لماذا تقدموا في الشعر شيء آخر. وقطعا من تأخر في سليقة اللغة سيتاخر في الشعر، لكن من تقدم فيها ليس شرطا أن يتقدم في الشعر. من تقدم في سليقة اللغة ليس شرطا أن يتقدم في الشعر، ولكن من تأخر في سليقة اللغة هذا شرط، سيتاخر في الشعر.

- قل يا أسامة. - نعم، مرّة فقط أن أضيف أنه إذا كانت للسليقة أيضا، أو للخصائص اللفظية اللغوية، لكان من المستحيل عقلا أن يتفوق القرآن عليهم إلا إذا جاء بلغة غير لغة.

هذا تقريبا سيأتي أصلا. نعم، هو أخوكم يقول: لو كانت القضية بالسليقة بأصل اللغة، مستحيل أن يتفاوتوا عنهم أو أن يعلوهم القرآن؛ لأنه حينئذ لن يتقدم، هي نفس السليقة، يعني هي نفس الدلالات والوضع اللغوي.

هذا أصلا يدور كلام عبد القاهر عليه، يقول: «لكان ينبغي ألا تجب إلا بمثل الفرق بين الفاء وثم، وإن وإذا وما أشبه ذلك مما يعبر عنه وضع لغوي، فكانت لا تجب بالفصل وترك العطف وبالحذف والتكرار والتقديم والتأخير، وسائر ما هو هيئة يحدثها لك التأليف، ويقتضيها الغرض الذي تؤمه، والمعنى الذي تقصد».

هناك هيئة للكلام أحدثها لك تأليف الكلام، واقتضاها الغرض الذي تؤمه والمعنى الذي تقصد. رأيت؟ لأن هذه يا إخوة هذه الوجوه هي تصرفات في الهيئة، وليست تغييرا لأوضاع اللغة ومعاني الألفاظ والحروف. خلاصة هذا الدليل عند عبد القاهر أن هذه الوجوه تصرفات في الهيئة لا تكون إلا من النفس التي تتفاوت كثيرا من إنسان عن آخر، وفي أصحاب السلائق الذين يتساوون في وجود هذه السلائق. ليست تغييرا لأوضاع اللغة ومعاني الألفاظ والحروف، هي وجوه لاستعمال أوضاع اللغة، هي هيئات لاستعمال أوضاع اللغة وليست هي بعينها أوضاع اللغة.

قال: «وكان ينبغي ألا تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ للشيء لم يستعر له». وانتبهوا من هذا يا إخوة، ربما تقعون في هذا؛ أن مثلا يقول لك: «هذه استعارة لا نعرفها عن العرب»، هذا ليس مقياسا. المقياس هو: هل أصابت هذه الاستعارة أو لا؟ هل أدت المعنى وأتمت أو لا؟ ما زالت المعاني منفتحة للناس، وإذا أصاب شيئا في النفس، وأصاب معنى ورفعه بهذا المجاز أو هذه الاستعارة عن حد المعنى الغفل المحض إلى المعنى الفني، وأثر في النفس، فهذه من الاستعارة الحسنة التي يمدح عليها الرجل، وتمدح قدرته بأنه أتى بها على غير مثال سابق.

قال: «وكان ينبغي ألا تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه». انتبهوا، لأن البعض قد يظن أنك لابد تستعمل مجازا استعملته العرب، هذا غلط جدا؛ لأن المجاز أصلا من اختراع المعاني، والاستعارات من اختراعات المعاني التي ستحتاج المعاني دائما إليها. لن يعيبها القدماء ولن يوعب أحد ذلك؛ لأن هذا يتعلق بالمعاني الخاصة في كل حالة، فلا يمكن أن يوعب. قال: «وكان ينبغي ألا تجب المزية بما يبتدئه الشاعر والخطيب في كلامه من استعارة اللفظ للشيء لم يستعر له، وأن تكون الفضيلة إلا في استعارة قد...»

«تعورفت في كلام العرب وكفى بذلك جهلاً». شوف الكلام، يعني لا تستحسن إلا باستعارة استعملت من قبل، وكفى بذلك جهلاً.

عبد القاهر يقول: «وأن تكون الفضيلة إلا في استعارة تعورفت في كلام العرب وكفى بذلك جهلاً»؛ لأن يا إخوة ما يخترعه الشاعر هنا سيكون خارجاً عن اللغة، انتبه. لماذا هنا؟ لماذا عبد القاهر ضرب مثالاً باختراع المعاني؟ فيجي واحد يقول لك: أهو عبد القاهر ذكر اختراع المعاني، إذاً هو يعتبر المعاني في ذاتها؟ أقول له: لم تفهم.

اختراع الشاعر هنا للاستعارة أو المجاز سيكون خارجاً عن اللغة؛ لأنه سيكون شيئاً حادثاً جديداً بتأليف جديد، مثل: «بيضة الخضر»، وكذا «قيد الأوابد»، و«كميمة القلب»، و«أخو ثقة». هذه الاستعارات كما درستم وعرفتم في صدر الكتاب، وستعرفون أكثر في أسرار البلاغة، هذه الاستعارات لم تقع هذا الموقع إلا في تركيب.

أسألكم سؤالاً: هل يصلح لك أن تأتي باللفظة وتثبت لها مجازاً خارج التركيب؟ هذا سؤال جيد، هل يمكن للفظة أن تثبت لها مجاز خارج التركيب؟ فالمجاز إذاً تركيب، هل يمكنك أن تأتي باستعارة للفظة دون أن تكون في تركيب؟ طبعاً لا، هذا سيكون معناه ماذا؟ هذا يلزم منه ماذا؟

أفضل يا حمير، مولانا، يلزم منه أن الفضل في صياغة المعنى الجديد هو في القدرة على صياغة المعنى الجديد. لا، لا، لا. إذا أثبتت للفظة استعارة خارج تركيب، دون أن تكون في تركيب، يلزم من فعلك هذا ماذا؟

قل يا مشعشعي، عفواً، أستاذ صوتي مسموع؟ أيوه نعم. إنه هذه اللفظة قد تؤدي أكثر من معنى بحد ذاتها؛ لأن مثلاً «أسد»، أحسنت، أحسنت، أحسنت. عرفت ماذا تريد أن تقول، أحسنت، أن هذه اللفظة صار معناها الحقيقي هو هذا، يعني صار هذا من معناها الحقيقي. وهذا هو ما رد به عبد القاهر على مثل ما سيقوله بعده ابن تيمية، وهذا سيأتي هنا وسأفصله.

لكن إجمالاً، عبد القاهر لا يثبت مجازاً للفظة إلا في تركيب، ويثبت أن هذا المعنى المجازي قد تجوز به عن معنى آخر يستحضره قبله للفظة هذه. ولولا هذا التجاوز، ولولا هذا المجاز، ولولا هذا العبور، ما أدت اللفظة معنى أصلاً؛ لأنه سيكون المعنى الذي نسميه مجازاً أو استعارة من جسم الكلمة.

هذه حجة الذين ينكرون المجاز، يقولون لك: اسمع ماذا يقولون، يقولون لك اللفظة حين وقعت في هذا السياق يراد بها المعنى الآخر مباشرة؛ يعني لا يراد بها... رأيت أسداً على المنبر، «أسد» هنا يعني شجاع. وهنا عبد القاهر يقول لهم: فما الفرق بين أسد وشجاع؟

يعني إذا لم نتجاوز من أسد، الذي هو الحيوان المعروف، إلى صفة بارزة فيه هي الشجاعة، فما الفائدة من ترك كلمة «شجاع» إلى كلمة «أسد»؟ هم يقولون كلمة «أسد» هنا يعني «شجاع»، طيب إذا كانت أسد يعني شجاع فما في مجاز، ما هي دي اسمها سوفسطائية.

ويلزم من ذلك أن كلمة «أسد» وضعت للشجاعة ابتداءً، فأنت خالفت واقع اللغة. فإذا قلت: لا، هي هنا معناها كذا، أقول: كلمة هنا معناها أنك نقلتها في نص معين، فإذا أثبتت لها حالاً أصلية وحالاً في نص معين، فقد نقلت المعنى فيها من كذا إلى كذا. وإلا جاز لكل كلمة أي شيء يأتي في مكانها وتقول: تجوز، أنت جئت بهذه الكلمة في هذا الموضع لتنقلها إلى معنى آخر. كيف بعد ذلك تقول هو معناها هنا؟ ولماذا إذاً هذه الكلمة بعينها؟ ولماذا إذا كان ذلك معناها هنا؟ لماذا لا يكون معناها في الخارج؟ وما معنى كونه هنا حتى يتغير المعنى هنا؟ لماذا جعلت الكلمة في البيت أو في العبارة وضعاً جديداً؟ هذا غلط، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله في كلام عبد القاهر، وسنفصل لكم مدى الخفة الشديدة والسفاهة في القول في هذا المذهب.

سفاهة بمعنى خفة شديدة؛ لا يثبت في القول بعدم المجاز، أو بأن اللفظة التي نقول فيها إنها مجاز يكون هذا هو معناها في هذا المقام، هو الغرض منها في هذا المقام، لكن معناها يظل كما هو. لولا معناها ما أدت وظيفتها أصلاً؛ يعني لولا أن الأسد هو الحيوان المعروف ما أدى معنى الشجاعة. رأيت زجاجة على المنبر، وأنا أريد الشجاعة، لكن رأيت أسداً؛ ستضحكون، لكن رأيت أسداً على المنبر لم تضحكوا واستراحت له نفوسكم. لماذا؟ لأنك وجدت علاقة بين الأسد الذي هو الحيوان، والشجاعة التي أثبتت، فالمجاز حاصل. لكن لو قلت وجدت زجاجة وقلت مجاز عن الشجاعة، وقلت الزجاجة يعني شجاعة، سترى ذلك تخلفاً عقلياً ولغوياً.

إذاً الشاعر في المجاز يأتي بتركيب، ومن هنا إذا أتى الشاعر بتركيب أو بمجاز غير مسبوق إليه، فيُحسن، وكلمتكم من قبل قضية مدح اختراع المعاني: من أي باب كان، إنك تحسن في تركيب على غير مثال سابق، هذا معنى أن يمدح الشاعر بالمعنى الجديد؛ لأن المعنى الجديد أو المعنى المجازي الجديد هو معنى تركيبي. وإذا أحسنت على غير مثال سابق، معناه أنك أخذت قياسات الفحول وطبقتها في أرض جديدة، بخلاف ما لو استعنت بما هو موجود.

وهذا هو الفرق بين انتشاء الناقد للمعنى الجديد وانتشاء العام للمعنى الجديد. الشخص العامي الجاهل سينتشي للجديد لأنه جديد؛ قول لها يا «جورب القلب» ممكن تتبسط لو كان جديداً. يا «جورب القلب» هيتبسط لأنه جديد، أما الناقد فيلذ له الجديد لأنه لاحظ فيه إحساناً جديداً، وأنك أخرجت من الغيب معنى كان ينتظره عن طريق التركيب والعمل والإبداع الجديد.

بأعمال طرائقهم استنبطت معنى جديداً كان في الغيب، كان مستوراً، وأخرجه الله على يديك. يعني هو جميل هذا التركيب في ذاته، وأنت اهتديت إلى هذا التركيب. شوف الكلام، من هنا يلذ العالم بالشعر، والناقد ناقد الكلام يلذ له المعنى الجديد لما ركب تركيباً صحيحاً على غرار المعاني التي كانت قديماً، والتي أتى بها الفحول، فهمت؟ أما أن يلذ الجديد لأنه جديد، فهذا العامي، فالناقد والعام كلاهما يلذ له المعنى الجديد، لكن الناقد من جهة، والعام من جهة أخرى، ولهذا يخفت المعنى عند العام بعد وقت.

عرفنا أن الناقد يظل يلذ له إلى الأبد؛ لأن مناط اللذة هنا هو هذا التركيب الذي أتى به على غير مثال سابق. ولهذا ظلت الدنيا تلذ ببيض الخدر، وظلت تلذ بقيد الأوابد، وظل التلذ بأميمة القلب، وظل التلذ بأخوثقة وإن خفتت فكرة أنه جديد، هذه لا تشغل النقاد أصلاً.

عندكم مثلاً أخونا الكريم جاسم الصحيح عنده جديد دائماً، لكن لا أرى شعراً، أرى أفكاراً، أرى ذكاءً. سأسميك فيلسوفاً، سأسميك حكيماً، سأسميك الماعيا، لن أسميك شاعراً. هذا كلام الآمدي في الموازنة لمن احتج بالمعاني في ذاتها، قال: «ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط...».

انتبهوا لقضية المعاني يا إخوة؛ لأن البعض -مثل أخونا الداعية السعودي محمد صالح المغامسي- يفضل شوقي على المتنبي لأن شوقي يقول عرف من الثقافة ومن العلوم ومن الفلسفات ما لم يعرفها المتنبي. شكراً، عرفه، سمه فيلسوفاً، سمه كذا، لكن لا تسميه شاعراً إذا كان كذلك، لا ترفعه بهذا، لكن شوقي شاعر من جهة كونه شاعراً لا من جهة كونه مثقفاً وإن نفعت الثقافة في شعره من جهة أخرى. ولو كانت القضية بالفلسفة لكان أبو العلاء المعري فوق المتنبي، ولا أحسب أحداً في الدنيا عاقلاً يحترم نفسه وذاته ويحترم سمعته العلمية يرفع أبا العلاء المعري في الشعر على المتنبي، وهو أصلاً تابع له. قال: «وكفى بذلك جهله».

«ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط إلا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات أغرب مذهباً في الغموض، ولا أعجب شأناً من هذه التي نحن بصددها، ولا أكثر تفلتاً من الفهم وانسلالاً منها، وإن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها والإخبار عنها رموز لا يفهمها إلا من هو في مثل حالهم».

هذه العبارة من أول ما أثر علي يا إخوة، أول ما بدأت أدرس كنت أقول لكم إن عبد القاهر شكا كأنهم تواصوا على الرمز وعلى الإشارة. يقول لك شعر ذي الرمة كأنه نقط عروس وبعر ثور. طبعاً واحد يسمع الآن يقول لك: إيش يعني؟ يقول لك نقط عروس، يعني زينة العروس ليست حسنة حقيقية ولا شامة حقيقية، هي نقط عروس من أول ليلة، ثاني ليلة تذهب. ويقول لك وابع ثور، أي أن الثيران الوحشية البرية التي تأكل القيصومة والشيحة وتأكل النباتات العطرية وكذا وكذا، إذا بعرت يكون لبعرها في الأول مشم، يكون له ريح طيبة ثم يزول ويرجع إلى حال الروث، لكن أول ما ينزل لما يكون طازجاً يدخن له ريح طيبة لأنه يأكل النباتات الصحراوية العطرية، ولكنه يذهب.

فتذهب أنت تحللها حتى تفهم، مع أنها كلمة نقدية. تخيل هم يستعينون بهذا على وصف أشعارهم، ونحن نستعين بالعلم والبلاغة واللغة لنفهمه. أما أنت يا فلان فشعرك كلحم ما ترك نيئاً لينتفع به ولا أكمل نضجه فيؤكل، لحم نص سوا، لا أنت أكملته فيؤكل ولا تركته لينتفع به، حرقت لنا المعاني وحرقت لنا الجمال. هكذا لهم تعبير في هذه الأشياء ولهم تعبيرات غريبة؛ فلان لشعره ديباجة.

يقول عبد القاهر: «ولم يكن هذا الاشتباه وهذا الغلط إلا لأنه ليس في جملة الخفايا والمشكلات أغرب مذهباً من هذا الغموض، ولا أعجب شأناً من هذه التي نحن بصددها، ولا أكثر تفلتاً من الفهم وانسلالاً منها... وإن الذي قاله العلماء والبلغاء في صفتها والإخبار عنها رموز لا يفهمها إلا من هو في مثل حالهم من لطف الطبع، ومن هو مهيأ لفهم تلك الإشارات، حتى كأن الطباع اللطيفة وتلك القرائح والأذهان قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة، يتواطأ عليها قوم فلا تعدوهم، ولا يعرفها من ليس منهم».

حتى كان تلك الطباعة اللطيفة وتلك القرائح والأذهان قد تواضعت فيما بينها على ما سبيله سبيل الترجمة، يتواطأ عليها، يعني يتداولها يحكيها أناس فيما بينهم، يتواطأ عليها قوم فلا تعدوهم ولا يعرفها من ليس منهم. ثم ترى في الأخير بعد كل هذا من يستهين بالشعر من أهل عصرنا ويقول... وهذا شيء غير شرح الشعر. كان أحدهم، وهو من أقراننا في الدراسة الأزهرية القديمة، قال لبعضهم: «أنا والله أنا حزين على فلان، لأنه كان مخولاً لأن يكون عالماً في هذه العلوم في الفقه والأصول وكذا، الآن هو ماذا يفعل؟ يشرح الشعر». وهكذا فعل استهانة، ماذا يفعل؟ يشرح الشعر.

طيب تعال افهم صفحة واحدة بالله تعالى وافهم صفحة واحدة من هذا الذي تستهين به، تعال أرنا البحر كيف تقوضه. الشعر كالبحر؛ أهون ما يكون على الجاهل، أهول ما يكون على العالم. وإن أشد الناس شقاءً به من عرفه حق معرفته، وإن أتعب الناس به قلباً كما قال ابن رشيق ونقله في العمدة: «وإن أتعب الناس به قلباً من عرفه حق معرفته».

فترى من يستعين يقول لك الشعر ماذا يفعل؟ فلان يشرح الشعر. قال في صفحة ١٨٧، يعني هو عرفها. نعم، صفحة ١٨٧، وأتعب الناس به قلباً من عرفه حق معرفته. يستهين به ويراه نفلًا وترفهاً من القول، هذا لأنه لا يفهم الشعر. هذا ممن تراه يقول: هذه منظومة شعرية في الفقه، يقول لك: أنا سأحفظ متناً في الفقه، شعر؟ تقصد نظم، ولو كان على الرجز فأرجوزة، لكن سأحفظ شعر.

فكثير من أهل العلوم الشرعية والمشايخ الذين لهم قدم في الناس، هم عامة في الحقيقة. الواقع كما هو، هم عامة يتكلمون كلام العام، وهذا وجدته بالمناسبة في كل رجال الدين تقريباً. من يعرفون برجال الدين -وهذا مصطلح البعض- رجال الشريعة، العلم الشرعي عامة جداً يا إخوة لا يفهمون إطلاقاً في هذا العلم.

وكلام عبد القاهر هذا يثبت لك أن كثيرًا من رجال الشريعة في عصرنا هم من العوام في فهم حقائق العلوم.

قال: «وليت شعري، وليت شعري من أين لمن لم يتعب في هذا الشأن، ولم يمارسه، ولم يوفر عنايته عليه، أن ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر إعجاز القرآن».

هذه عبارة الجاحظ من كتاب "حجج النبوة": «ولو أن رجلًا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة قصيرة أو طويلة، لتبين له في نظامها ومخرجها ومن لفظها وطابعها أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدي بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها».

وقوله وهو يذكر رواية الأخبار: «ورأيت عامتهم -وقد طالت مشاهدتي لهم- وهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيره، والمعاني المنتخبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق».

وقوله في بيت الحطيئة: «متى تأتِه تعشُ إلى ضوء ناره.. تجد خير نارٍ عندها خيرُ موقدِ».

وهناك خطأ في الترتيب في النسختين جميعًا، حيث وُضع النص متصلًا: «وما كان ينبغي إلى كثير من أهله»، وكان يجب أن يكون هناك تنصيص من الأول ثم قوس في الآخر عند نهاية الفقرة، لأن هذا يدل على أن الجميع من قول الجاحظ، وهذا غلط في الترقيم هنا في نسخة شاكر.

عند التنصيص ينتهي عند «وسبكه»، وهذا هو الصواب. لأن الجاحظ ينتهي نصه عند قوله «وسبكه»، وسائر الفقرة هو تعليق عبد القاهر، والتئام كلامه مع الأول هو معطوف على «أن ينظر» المنصوب في أول الصفحة.

دعونا نقرأ: «وليت شعري من أين لمن لم يتعب في هذا الشأن، ولم يمارسه، ولم يوفر عنايته عليه، أن ينظر إلى قول الجاحظ وهو يذكر إعجاز القرآن: ولو أن رجلًا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة قصيرة أو طويلة، لتبين له في نظامها ومخرجها ومن لفظها وطابعها أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدي بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها. وقوله وهو يذكر رواية الأخبار: ورأيت عامتهم -وقد طالت مشاهدتي لهم- وهم لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيره، والمعاني المنتخبه، والمخارج السهله، والديباجة الكريمه، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق. وقوله من بيت الحطيئة: متى تأتِه تعشُ إلى ضوء ناره، تجد خير نارٍ عندها خيرُ موقدِ. وما كان ينبغي -ويقول في بيت الحطيئة- وما كان ينبغي أن يمدح بهذا البيت إلا من هو خير أهل الأرض، على أني لم أعجب بمعناه أكثر من عجبي بلفظه وطبعه ونحته وسبكه، فيفهم منه شيئًا».

إذن يُغلق القوس على كلام الجاحظ عند قوله «ونحته وسبكه»، أو يقف عند الطابع والنظام والنحت والسبك والمخارج السهلة على معنى، أو يحلى منه بشيء، وكيف بأن يعرفه؟ ولربما خفي على كثير من أهله.

واعلم أن الداء الدوي -والذي يقال له أرض دوية أي ذات أمراض- الداء الدوي الممرض، أعيا أمره في هذا الباب: غلط من قدم الشعر بمعناه وأقل الاحتفال باللفظ.

واللفظ عند عبد القاهر هنا هو النظم، الذي هو الصياغة المعنوية الخاصة للنص بعينه أو للشاعر كما يعرف ذلك دارس الكتاب.

يقول: «واعلم أن الداء الدوي والذي أعيا أمره في هذا الباب، غلط من قدم الشعر بمعناه وأقل الاحتفال باللفظ، وجعل لا يعطيه من المزية إلا ما فضل عن المعنى، يقول: ما في اللفظ لولا المعنى، وهل الكلام إلا بمعناه».

والله يبدو أن العامة في كل زمان هم العامة، كأني أرى بعضهم في زماننا أمامي يقول هذا الكلام.

المعنى، يا سلام! وهل الكلام إلا بمعناه؟ يا سلام، ما في اللفظ لذا المعنى، وهذا الكلام إلا بمعناه. فأنت تراه لا يقدم شعراً حتى يكون أودع حكمه وأدباً، واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر.

أحدهم مرة قال لي: «أنا أخالفك شديداً في فلان الشاعر، لا أراه شاعراً كما تراه». كان يقصد محمد الحرزي، يعني قال أنا محمد الحرزي أخالفك في أنه شاعر. قلت له: كيف؟ لماذا؟ كيف تخالفني في أنه شاعر؟ هو شاعر! فقال لي: لا أخالفك في هذا، الشاعر لابد وأن يكون ضمير الأمة، ولا بد وأن يكون شعره يمس الأمة، وليس أنه يقول كلاماً بينه وبين أناس فقط معينين، ويعجب أناسًا دون أن يخلد الشعر، والشاعر الذي يخلد هو الذي تطلبه الأمة في كذا.

طبعاً هذا كلام له علاقة بالشعر ولا بالفن، يعني هو ضمير الأمة. كان «تعلق بخدر عنيزة» هو ضمير الأمة، يعني أنا نفسي أعرف ما العلاقة بين ضمير الأمة وخدر عنيزة؟ ما العلاقة بين ضمير الأمة وبيض الخدر؟ فين ضمير الأمة في الموضوع؟ ما العلاقة بين ضمير الأمة ووصف الصيد؟ ما العلاقة بين ضمير الأمة «وتتبع السحاب البارق»؟ ما العلاقة بين ضمير الأمة وخمريات أبي نواس؟

وتجد نفسك في كثير من الأحيان ذوقياً مضطراً إلى السماع، وأنا يبدو على وجهك من الملامح ما يعكس حقيقة هذه المعاني، أو ما تستحقه هذه المعاني من التعبير، مضطر إلى أن تكون هادئاً لطيفاً، وهذا والله كالجبل يا إخوة على النفس. لا، أنا أختلف، أنه تشترك فيه الأمة خدر عنيزة وكذا. طيب، سبحان الله، وهل سننفي أشعار الطوائف؟ هناك كتب مصنفة في أشعار الطوائف، أشعار الخوارج، وأشعار الزبيريين.

يقول لك: «فأنت تراه لا يقدم شعراً حتى يكون أودع حكمه وأدباً واشتمل على تشبيه غريب ومعنى نادر، فإن مال إلى اللفظ شيئاً ورأى أن ينحله، يعني يعطيه بعض الفضيلة، لم يعرف غير الاستعارة، ثم لا ينظر في حال تلك الاستعارة، بمجرد كونها استعارة أم من أجل فرق ووجه أم للأمرين؟ لا يحفل بهذا، وشبهه قد قنع بظواهر الأمور وبالجمل، قد قنع». طبعاً الجمل هنا يا إخوة على الميم وليس على اللام، الفتحة: «قد قنع بظواهر الأمور وبالجمل»، وبأن يكون كمن يجلب المتاع للبيت، إنما همه أن يروج عنه.

يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة وأحسن أن يقول: «أخذه من فلان وألمح فيه بقول كذا»، فقد استكمل الفضل وبلغ أقصى ما يراد. تعرفون «أخذه وفعل»؟ ترى الصغيرة هكذا يبدأ، يقول لك: «فلان أخذ هذا البيت من...». يا سيدي، يا شملول، أخذه، نظر إليه، اشرح أيهما أجود ولماذا؟ ولا يعرف شيئاً، إنما فقط ذاكرتك نبهتك إلى أن هذا المعنى موجود هناك، ماشي، ثم ماذا؟ هذا المعنى موجود، ثم ماذا؟ يعني أخبرني ما الفكرة؟ ما الجديد؟ ماذا عندك؟

يرى أنه إذا تكلم في الأخذ والسرقة وأحسن أن يقول: «أخذه من فلان وألمح فيه بقول كذا»، فقد استكمل الفضل وبلغ أقصى ما يراد. واعلم، شوف الكلمة التي جاءت: «واعلم أننا وإن كنا إذا اتبعنا العرف والعادة وما يهجس في الضمير وما عليه العامة، أرانا ذلك أن الصواب معهم، وأن التعويل ينبغي أن يكون على المعنى، وأنه الذي لا يسوغ القول بخلافه، فإن الأمر بالضد إذا جئنا إلى الحقائق وإلى ما عليه المحصلون».

لا نرى متقدماً في علم البلاغة مبرزاً في شواهده إلا وهو ينكر هذا الرأي، ويعيبه، ويزري على القائل به، ويغض منه. هذا كلام خطير، هذا ليس كلامي، هذا كلام عبد القاهر، يقول: «لا نرى متقدماً في علم البلاغة مبرزاً في شواهده إلا وهو ينكر هذا الرأي ويعيبه ويزري على القائل به ويغض منه»، يستنقصه، هذا ناقص، هذا ليس له في هذا العلم نصيب.

ومن ذلك ما روي عن البحتري؛ روي أن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر سُئل عن مسلم وأبي نواس، «صريع الغواني» مسلم بن الوليد وأبي نواس، أيهما أشعر؟ فقال: «أبو نواس». قال البحتري: «إن أبا العباس ثعلباً لا يوافقك على هذا»، فقال: «ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله». يعني لعلمه دون علم عمله. علم الشعر معروف يا إخوة، في اصطلاح القدماء يقولون علوم الشعر، كما قال ابن رشيق: «العلوم التي هي من آلات الشعر: النحو والصرف وكذا»، خلاص، إنما هذه علوم الشعر، إنما عمل الشعر يعني علوم عمله، أي فيما يتعلق بنقده وتذوقه. هذا الناقد أيضاً يمارس عمله هنا، يمارس ما عمل من الشعر.

قال: «لأن ثعلباً ما كان مشتغلاً بالنقد وبتفسير الشعر بغير الإعراب واللغة»، قال: «ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون عمله، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته»، وهذا يصدق على الشاعر وعلى عالم الشعر جميعاً. فالذي يمارس، كما قال الجاحظ وللرافعي كلمة جميلة: «الناقد شاعر مع وقف التنفيذ»، الشاعر ناقد، والناقد شاعر مع وقف التنفيذ؛ يعني هو يفهم دروبه ويفهم كذا، لكن لا يمارسه، هذا شيء آخر. فكذلك علماء الشعر كابن جني مثلاً ليس كغيره كثعلب.

وعن بعضهم، هذا علي بن العباس النوبختي يا إخوة، والقصة موجودة في «حلية المحاضرين» للآمدي، هذه القصة موجودة في «حلية المحاضرين»، قال: «وعن بعضهم»، هذا لتعرفوه اكتبوه عندكم، علي بن العباس النوبختي، قال: «رأى البحتري ومعي دفتر شعر»، رأى البحتري، طب أنا من أين عرفت أنه علي بن العباس النوبختي؟ إنما كذلك قرأت «حلية المحاضرين» ودرستها للآمدي.

وكنت قد درست هذا، فالمفيدة هنا أن هذا علي بن العباس النوبختي، والقصة معروفة واردة؛ رآني البحتري ومعي دفتر شعر، فقال: ما هذا؟ فقلت: شعر الشنفري. فقال: وإلى أين تمضي؟ يعني هذا في يدي شعر الشنفري، فقال: وإلى أين تمضي؟ فقلت: إلى أبي العباس أقرأه عليه.

فقال: قد رأيت أبا العباس هذا منذ أيام عند ابن ثوابة، فما رأيته ناقداً للشعر، ولا مميزاً للألفاظ، ورأيته يستجيب شيئاً وينشده وما هو بأفضل الشعر. فقلت له: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى، ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه. شوف يا أخي، الناس الذين يفهمون يميزون هذا من هذا؛ الآن يقول لك الذي يفهم النحو يفهم كل شيء، الذي يفهم النحو يفهم كل شيء، عجيب!

فقال: قد رأيت أبا العباس، أنت تكلم شاعراً وعالماً في الشعر ناقداً، رأيت أبا عباس هذا منذ أيام عند ابن ثوابة، فما رأيته ناقداً للشعر. شوف الكلمة: «فما رأيته ناقداً»، مأخوذة من ممارسة النقد يا إخوة؛ ففي نقد الذهب والفضة أنك تميز، «فما رأيته ناقداً للشعر ولا مميزاً للألفاظ، ورأيته يستجيب شيئاً وينشده وما هو بأفضل الشعر». فقلت: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى، ولكنه أعرف الناس بإعرابه وغريبه.

فما كان ينشد علي بن العباس النوبختي حين يسأل البحتري؟ فما كان ينشد هذا الذي أخبرت عنه؟ كان ينشد قول الحارث بن حلزة:

قَوْمِي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَةَ أَخِي ... إِذَا رَمَيْتُ يُصِيبُنِي سَهْمِي فَلَئِنْ عَفَوْتُ لَأَعْفُوَنَّ جَلَلًا ... وَلَئِنْ سَطَوْتُ لَأُوهِنَنَّ عَظْمِي

فقلت: والله ما أنشد إلا أحسن شعر في أحسن معنى ولفظ. طبعاً هذه المبالغة في الاستحسان تنبهك إلى الفرق بين شاعر عالم كالبحتري، وبين النوبخت الذي هو لا شك دونه.

وقد كان في ظني في مقدور البحتري أن يرد عليه هذا الاستحسان، لكنه سلك المسلك الأقرب بأن وضعه أمام الشعر، فقال: أين الشعر الذي فيه عروق الذهب؟ فقلت: مثل ماذا؟ فقال: مثل قول أبي ذؤيب. تلاحظ هنا أنه أتاه بأبيات في نفس المعنى ليتسنى النظر والموازنة.

أرى أنه لو أطلق الاختيار لارتفع فوق هذا الارتفاع؛ قال: «أن يقتلوك فقد ثللت عروشهم»، بعتيبة بن الحارث بن شهاب، أشدهم كلباً على أعدائه، وأعزهم فقداً على الأصحاب. وفي مثل هذا قال الشاعر مروان بن أبي حفصة على بحر الطويل:

زَوَامِلُ لِلأَشْعَارِ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ ... بِجِيدِهَا إِلَّا كَعِلْمِ الأَبَاعِرِ لَعَمْرُكَ مَا يَدْرِي الْبَعِيرُ إِذَا غَدَا ... بِأَوْسَاقِهِ أَوْرَاحَ مَا فِي الْغَرَائِرِ

هذا الذي هم الذين يقولون في المعاني وهم جهلة بالشعر، هو خرج الآن مثل هذا؛ ليس المعاني التي في الأبيات التي قالها ثعلب أو أعجبت ثعلب، والأبيات التي أعجبت البحتري، هو خرج في مثل هذا الموضوع الذي نحن فيه. قد يغرك المجيء بالبيتين بعد البيتين فتحسب أنه في نفس الكلام، وأنه يستطرد في المعاني التي أتى بها في الأبيات التي أعجبت ثعلباً والأبيات التي أعجبت البحتري، لا، خلاص هو انتهت قصة البحتري مع علي بن العباس النوبختي.

وفي مثل هذا قال الشاعر: هكذا هو يطبق ما طبقوه من الغض والإزراء بمن فضلوا الشعر بمعناه، قالها هؤلاء جهلة، يصدق عليهم قول مروان بن أبي حفصة. وقال الآخر، طبعاً هذا لم أعرفه ولم يعرفه شاكر، لم يكتب عنه شيئاً ولم أصل لقائله، وفيه المشعث، طبعاً البحر الخفيف: فاعلات مستفعلن فاعلات.

في الحاشية عندي ذكر أن هذه الأبيات هي لأبي أحمد يحيى بن علي المنجم، وأيضاً أضاف عليها أبياتاً، وهذا تعليق الدكتور إبراهيم بن أحمد الوافي، جميل هذه فائدة نكتبها؛ هذا الشاعر عباسي منجم.

يا أبا جعفر تحكم في الشعر وما في كاله الحكام، إن نقد الدينار إلا على الصيفي صعب، فكيف نقد الكلام؟ قد رأيناك لست تفرق في الأشعار بين الأرواح والأجسام. والتشعيث هو حذف أحد متحركي الوتد في فاعلات.

واعلموا أننا نتوقف هنا إن شاء الله، لأني أريد أن أقف قليلاً. هنا سيضع عبد القاهر قضية كلية عقلية لا تقبل الجدال، سواء احترم أو لا يحترم؛ سيضع قضية، سيفلسف فكرة نقد الأشياء ونقد الفنون بما لا يترك مجالاً. هذه الفقرة السادسة بعد التسعين من كتاب عبد القاهر جوهرية وقطبية جداً وخطيرة، حاول أن تثبتها وأن تجعلها قطباً ومحوراً. تتذكر عادة من كلام عبد القاهر يقول: «واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدباً وحكمة وكان غريباً».

نادراً، فهو أشرف مما ليس كذلك. واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدباً وحكمة وكان غريباً نادراً فهو أشرف مما ليس كذلك. يقول لك هم لم ينكروا أن المعنى الشريف، ديناً أو أخلاقاً أو حكمة، هو من حيث كونه معنى في ذاته يكون أشرف مما ليس كذلك.

لا يمكن ذلك؛ إذا جربت المعاني هم لا يقولون لك هذا المعنى أفضل من هذا المعنى إذا جردت المعنى من حيث المعنى بعيداً عن الجنس الذي تمثل به. فهم لا يجادلونك في هذا، لا يقولون إن المعاني الدينية ليست أشرف في ذاتها من معاني الخمر والخلاعة، لا يقولون هذا أصلاً. بالضبط، هذه بالفعل نظرة الدين، هذا الدين يرفع المعاني الشريفة ويضع المعاني غير الشريفة.

يقول: «واعلم أنهم لم يعيبوا تقديم الكلام بمعناه من حيث جهلوا أن المعنى إذا كان أدباً وحكمة وكان غريباً نادراً فهو أشرف مما ليس كذلك»، بل عابوه من حيث كان من حكم من قضى. من قضى في جنس من الأجناس؟ أي جنس؛ جنس الطباعة، جنس التصوير، جنس الصياغة، جنس الفيزياء وعلوم الطبيعة، جنس الرياضيات، جنس النحت، أي جنس من الفنون أو العلوم.

أي شخص قضى من حكم في جنس من الأجناس بفضل أو نقص، ألا يعتبر في قضيته تلك الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته، أي ماهيته، ولا ينظر فيها إلى جنس آخر وإن كان من الأول بسبيل أو متصلاً به اتصالاً ما لا ينفك عنه؟

مهم، يقول لك: ألا يعتبر في قضيته تلك الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إليه؟ أنت تتكلم في جنس فضلاً ونقصاً، تفضيلاً وانتقاصاً في جنس، إذاً لا يمكنك أن تفضل أو أن تنقص، أن تمدح أو أن تذم في جنس من حيث كونه هذا الجنس إلا بما بالأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته ولا ينظر فيها إلى جنس آخر، وإن كان من الأول بسبيل أو متصلاً به اتصال ما لا ينفك عنه.

عبد القاهر، ها هو لما عملنا كده كفرونا! ما هو، علماني؟ والجرجاني علماني وأبو بكر الصولي علماني؟ لا، هم علماء، هم فاهمون. شوف الدقة في الكلام: من حكم من قضى في جنس من الأجناس بفضل أو نقص، ألا يعتبر في قضيته تلك التفضيل والانتقاص في هذا الجنس إلا الأوصاف التي تخص ذلك الجنس بالضبط؟ الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى ماذا؟ إلى حقيقته.

هل المعاني المجردة من حيث نفسها هي حقيقة جنس الشعر؟ هل المعاني المجردة هي حقيقة جنس الشعر؟ لا، لأن المعاني المجردة هي تصورات مجردة حاصلة في أشياء كثيرة مشتركة بينها. الدين له حكمه من حيث إنه يحكم عليها من جهة كونها تتعلق بالمكلفين وأفعال المكلفين، سواء أفعال قلوب أو أفعال جوارح أو اعتقادات، طبعاً الاعتقادات تدخل في أفعال القلوب.

أما جنس القول أو جنس الشعر فهو فن قولي، القول على هيئة معينة، فلا ينظر فيه إلا إلى هذه الهيئة. لا تحكم في الشعر بفضل أو انتقاص، بتفضيل أو نقص إلا من حيث حقيقته التي هي مادته التي هي القول والتركيب، أي من حيث كونه قولاً. الشعر قول، قول ماذا؟ قول مخيل. فلا ينظر في الشعر من جهة أنه صادق، لا، هو قول مخيل، تنظر إلى الأوصاف التي تخص حقيقته؛ ما حقيقته؟ القول المخيل الموزون المقفى.

انظر في الشعر وجدتَه قولاً موزوناً مقفى مخيلاً فأخذ رتبة في الجودة، فهو شعر رفيع وممدوح. طيب، وجدتَ صاحبه كاذباً لا يصدق، ليس من مادة هذا الجنس، ليس من أوصاف هذا الجنس. طيب، وجدتَه ضعيف التخييل أو اختل وزنه وقافيته ولكن صاحبه صادق، فهو ناقص، لماذا؟ لأننا قومناه من حيث الأوصاف التي تتعلق بهذا الجنس فوجدناه ناقصاً، كونه صادقاً هذا في جنس آخر ليس في هذا الجنس.

وهنا قال كلمة جميلة: «وإن كان من الأول»، أي وإن كان من الجنس الأول الذي هو الشعر متصلاً به اتصال ما لا ينفك. يعني شخص سيأتي ويقول لك: لحظة، المعنى لا ينفك عن الشعر، المعنى المجرد لا ينفك عن الشعر. نقول له: نعم، ولكنه لا يختص بالشعر وليس به، كأن الشعر هو وجوده لازم لأنه سيزاد عليه، لكن وجوده لم يجعل هذا الشعر شعراً. وجوده مشترك بينه وبين غيره، وجوده مشترك بينه وبين أجناس أخرى، فهو لا يكون به وإن كان لا ينفك عنه لضرورة أخرى، غير أنه يكون مادته. نعم، بالضبط، هو شرط وجوده، وهو وحده لا يكون حقيقة الشعر، ثم هو يتفق مع غيره من الأجناس في الوجود، قد يوجد دون الشعر، إذاً هو لا يختص بالشعر، ليس من الأوصاف التي تخص ذلك الجنس وترجع إلى حقيقته.

هذا معيار عقلي منطقي وقياس فلسفي جميل يمكنك أن تستعمله له، وأن تقول له: لأي إنسان أنت تحكم؟ لحظة، أنت تحكم في شعر أم في رياضيات أم في دين؟ يقول لك: الدين يعم كل شيء. قل له: أحسنت، الدين يعم كل شيء في أفعال المكلفين، الشعر ليس من المكلفين، الشعر بذاته ليس من المكلفين.

أنا لو أنني وقعت في عرض أحد في قصيدة سآثم، هذا حكم الدين وهو يعم كل شيء، لكن حكم الفن أن هذه القصيدة جيدة أو رديئة بحسب الأوصاف التي تتعلق بهذا الجنس دون غيره. هذا هو. فالي يقول لك: هذا شعر جميل من حيث كونه شعر هو جميل لأنه في معاني روحانية جميلة، قل له: لا، مالهاش علاقة، أنت كده تتكلم في تصوف. ماذا لو أتيت لك بقصيدة في الفسق والفجور وأحسن صاحبها البيان؟ ستقول: ليست جميلة شعرياً، ليست جميلة. لا، جميلة طبعاً.

شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.