دخولتسجيل الدخول

الدرس 32 - من صفحة 244 إلى صفحة 248

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الثاني من مجالسنا في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» لإمام البلاغيين الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى. انتهينا من الفصل الذي لخص فيه قضية الفصل والوصل، وانتهى بقوله: «فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية، يعني إلى الذروة، إلى الشدة، أو الانفصال إلى الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين الحالين، أو حال بين حالين، فاعرفه».

ثم قال: «فصل». هذا فصل جميل ودقيق، ومع كونه دقيقا كما قال، هو جميل كذلك. قال: «فصل»، هذا فن من القول. تعجبني هذه الكلمة: «فن من القول»، وفن هنا تعني الدقة والصورة الخاصة، هذا فن من القول خاص دقيق.

اعلم أن مما يقل نظر الناس فيه من أمر العطف أنه قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، ولكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان. مثال ذلك قول المتنبي على الوافر:

تولوا بغتة فكان بيانا تهيبني *** ففاجأني اغتيالا فكان مسير العيس ذميلا *** وسير الدمع أثرا انھالا

وعن طريق المتنبي هذه ربما حاول فيها أن يحاكي أبا تمام، قال: تولوا بغتة فكان بيانا تهيبني ففاجأني اغتيالا. البين تهيبه ففاجأه اغتيالا، أي جاءه على حين أو من حيث لا يحتسب، وفاجأه. فكان مسير العيس ذميلا، نوع من السير، وسير الدمع أثره انھالا.

يقول: قوله «فكان مسير العيس» معطوف على «تولوا بغتة» الأول، يعني: تولوا بغتة فكان مسير العيس ذميلا، دون ما يليه من قوله «ففاجأني»، لأننا إن عطفناه على هذا الذي يليه لأفسدنا المعنى. إذا قال: تولوا بغتة فكان بيانا تهيبني ففاجأني اغتيالا فكان مسير العيس ذميلا، فهذا غير المقصود، لأنه لا يريد التشكيك.

انظر هنا إلى شيء مهم جدا، وهو أنه جعل المرجع في تصحيح الكلام إلى علاقات المعاني؛ فكان المرجع إلى تصحيح الكلام وحمله على الوجه الذي يستقيم به إذا كان الحمل جائزا ومنطقيا في المعاني. إذا كانت المعاني هي الأصل، فالمرجع يكون إلى تصحيح الكلام من حيث معناه، وإلى حمله على الوجه الذي يستقيم به إذا كان هذا الحمل جائزا في النحو واللسان.

فعبد القاهر هنا يعلل الاختيار بعدم الصحة في غيره، يقول: لماذا؟ الشرح يقول: من حيث إنه يدخل في معنى «كأنه»، وذلك يؤدي إلى ألا يكون مسير العيس حقيقة ويكون متوهما، كما كان تهيب البين كذلك. لو قلت فكان مسير، يبقى كأنك قلت: لما تولوا بغتة كان بيانا تهيبني ففاجأني اغتياله وكان مسير العيس ذميلا، وهذا غير المقصود.

قد يقول قائل: وما الذي يمنع؟ هل أنت تقود النحو أم النحو يقودك؟ أنت تقود النحو بشرط عدم الإخلال بما يجوز منه. فمنطق الكلام يقول: لما فاجؤوني وكذا كان مسير العيس ذميلا، ما العلاقة؟ لا توجد علاقة. فتفهم من هذا أن «فكان مسير العيس ذميلا» معطوف بهذه الفاء على «تولوا بغتة»، يعني: تولوا بغتة فكان مسير العيس ذميلا وسير الدمع أثرا انھالا، فكان بيانا تهيبني ففاجأني اغتيالا. هذا جاء في ذيل الكلمة الأولى، ولكنه ما بعده لا يعطف عليه، وإنما يعطف على الأولى.

قال: «وهذا أصل كبير»، والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيرا وبين المعطوف عليها الأولى، ترتبط في معناها بتلك الأولى. تأمل كيف أن علاقات المعاني في نفسها هي التي تصنع التعلق في الكلام المصوغ، وهذا أصل كبير كما قال، قاعدة في البيان.

لأن شخصا يأتي مثلا ويبدأ في نقد الكلام، فيحسب أن كل عبارة في النحو وفي تعلق الكلام يكون فيها اشتراك أو سوء اشتراك، لا، هو فرق بين الاشتراك وسوء الاشتراك، ولا يكون الاشتراك أصلا إذا ترجح أحد المعنيين، وإذا اقتضى منطق الكلام أن يعود بعض الكلام على بعض دون بعض، مع جواز البعض الآخر في أصل هيئة التركيب.

لماذا؟ لأنك لو ظللت تتكلم في الاحتمالات، لو عطفت الجملة على بعضها، فربما تقول: لماذا لا تكون الرابعة معطوفة على الثالثة؟ لماذا تحكم بأنها معطوفة على الأولى؟ المعنى يا رجل، ولو ظللت تقول: لماذا وما يدريك؟ لأفسدت كل الكلام تقريبا، لأن الكلام يظل في أصل صورته النحوية على وجوه الاحتمال ولا تذهب عنه.

قال: «وهذا أصل كبير، والسبب في ذلك أن الجملة المتوسطة بين هذه المعطوفة أخيرا وبين المعطوف عليها الأولى ترتبط في معناها بتلك الأولى». هذا هو، ترتبط في معناها بتلك الأولى، كالذي ترى أن قوله «فكان بيانا تهيبني» مرتبط بقوله «تولوا بغتة»، يعني: تولوا بغتة فكان بيانا تهيبني، ارتبطت بالأولى، فكان مسير العيس ذميلا مرتبط بالأولى أيضا. قال: كالذي ترى أن قوله «فكان بيانا تهيبني» مرتبط بقوله «تولوا بغتة»، وذلك أن الثانية مسبب والأولى سبب. طبعا قوله الأولى والثانية إنما يقصد في ترتيب البيت وليس في ترتيب ذكره، انتبهوا لما قال؛ لأنه قال: فكان بيانا تهيبني مرتبط بقوله تولوا بغتة، وذلك أن...

التي هي ماذا؟ فكان بين تهيبني مسبب، والأولى سبب. الذي هي تولوا بغته على عكس ما ذكره؛ لأنه ذكر الثانية أولًا التي هي فكان بين تهيبني، ثم قال تولوا بغته. فهمتم؟ فقوله هنا: الثانية والأولى؛ الثانية مسبب والأولى سبب، ليس في ذكره، لأن أحدًا يقولون لأن هذا الأخير في الذكر.

فأنت ربما تحسب هنا أن الثانية والأولى في نص كلامه، لا؛ الثانية والأولى في ترتيب البيت، في ترتيب الذكر في البيت، فانتبه إلى هذا وأشر عليه بذلك. يقول: «ألا ترى أن المعنى تولوا بغته، فتوهمت أن بينًا تهيبني». ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كانت تولوا بغته؛ العلاقة واضحة.

كان بينًا تهيب أن ينبهه بالغراب، وأن ينبهه بالمسير، وأن ينبهه بكذا؛ البين تهيبًا. يعني هو متنبي، حتى لما أراد أن يتكلم كالشعراء الآخرين الذين يذكرون الضعنة والرحيل أيضًا، ظهرت طريقته وشخصيته. تلاحظون: «تولوا بغته، فكان بينًا تهيبني». يا عمي، أنت لست في خصومة مع البين الآن!

ولهذا، نقد هذا الكلام من حيث الجودة الشعرية شيء، والشرح الذي يشرحه عبد القاهر من حيث التمثيل لهيئات التركيب شيء آخر. إن هذا البيت ربما لا يسلم من النقد السلبي؛ «تولوا بغته، فكان بينًا»، فين التخييل؟ ما الذي خيل لي هنا؟ ما علاقة المعنى بالباب حتى تستثار النفس تجاه هذا؟ ما أثر جزء المعنى هذا بالباب؟ ما الذي أدى إليه؟ هذا هو: «تولوا بغته، فكان بينًا تهيبني»، ففاجأني اغتياله. ما المؤثر في الحدث؟ ما المؤثر في المعنى؟ تفهمون هذا؟ فربما عند التأمل ننقده، لكن هذا شيء، والتمثيل به لترتيب الجمل شيء آخر.

يقول: «جاء هذا في خاطره»، نعم، شعرت بأنه... ثم ماذا؟ يعني تشعر أنه ظهرت فيه طبيعته أكثر مما ظهر الشعر؛ صح، ظهرت طبيعته أكثر مما ظهر الشعر. ومن هنا يا إخوة، طبعًا هذه استطرادة، يعني من هنا يقولون: ليس كل شاعر يصلح في كل باب. ربما يحسن في أبواب، وربما يحسن في أكثر الأبواب، دون باب معين؛ لا يبز فيه ولا يظهر فيه، لا يبز غيره ولا يظهر ولا ينافس.

ربما لم أجد للمتنبي منافسة في مثل هذه المعاني إطلاقًا، بالعكس، من نسيج شعره في هذه المعاني تشعر بأنه كأنه قتل المعاني، كأنه قتل هذه المعاني، والله تعالى أعلم، وطبعًا تفصيل هذا يحتاج إلى موضع آخر.

قال: «ألا ترى أن المعنى تولوا بغته، فتوهمت أن بينًا تهيبني»، ولا شك أن هذا التوهم كان بسبب أن كانت تولوا بغته. وإذا كان كذلك، كانت مع الأولى كالشيء الواحد، وكانت منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل، مما لا يمكن إفراده عن الجملة وأن يعتد كلامًا على حدة؛ يعني صارت الجملة كأنها من المعمولات التي لا يمكن أن يعتد بها كلامًا على حدة مستقلًا.

إنما كانت بمنزلة ذلك ولم تكن عين ذلك؛ لماذا كانت بمنزلة ذلك ولم تكن عين ذلك؟ لأن الكلام هنا يستقل في عبارة، يستقل على حدة كلامًا، ولم يكن كالمعمولات التي لا يتأتى أن تستقل أصلًا. لكن بالنظر إلى بناء المعنى على المعنى، صارت هذه العبارات التي يمكن أن تستقل في نفسها، صارت في حكم الذي لا يستقل، لكنها تستقل، يمكنك أن تقول: «كان بينًا تهيبني، ففاجأني اغتيال»، عادي. لك أن تقول: «كان مسير عيسهم ذميلًا»، عادي. لكن لا يمكنك أن تأتي بـ «ذميلًا» و«بينًا» وحدها، لا يمكن.

قال: «وإذا كان كذلك كانت مع الأولى كالشيء الواحد، وكانت منزلتها منها منزلة المفعول والظرف وسائر ما يجيء بعد تمام الجملة من معمولات الفعل مما لا يمكن إفراده عن الجملة وأن يعتد كلامًا على حدة». وها هنا شيء آخر دقيق، انتبهوا إلى هذا. وها هنا وجه آخر دقيق، وهو أنك إذا نظرت إلى قوله: «فكان مسير عيسهم ذميلًا»، الذي هو معطوف على «تولوا بغته» في أصل معنى النحو، تعالى اسمع وركز؛ إذا نظرت إلى قوله «فكان مسير عيسهم ذميلًا» وجدت أنه لم يعطف وحده على ما عطف عليه، ولكن تجد العطف قد تناول جملة البيت، مربوطًا آخره بأوله.

بدأ عبد القاهر هنا يدخل معك في هذا الوجه الدقيق، الوجه الشعري؛ هذا وجه شعري في نقد الشعر، هو الآن بدأ يقول لك الحكمة. إذا كانت الجملة معترضة بين كلامين متصلين، تسقط وتقطع فجأة هكذا بين كلامين متصلين، فماذا؟ لا تأتي بالكلام الذي بعدها إلا لحكمة، ولا تصله بالأول إلا لفائدة تحصل بالقطع. كذلك هنا، لا تعطف الجملة على الجملة الأولى دون التي بينهما إلا لفائدة في توسط التي بينهما.

فهمتم هذا يا إخوة؟ هذا فن؛ ما هو؟ أنت لو ستقف على أن هذه الجملة لا تستقيم في العطف إلا على الأولى، فكل النحاة يعرفون هذا، لكن الفكرة في الشعر: لماذا مع كونها عُطفت عليها فصل بينهما بجملة؟ هذا هو الكلام، هذه رتبة العمل الشعري. يقول: «ولكن تجد العطف قد تناول جملة البيت، مربوطًا آخره بأوله». ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل «تولوا بغته» -وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيب- مستدعيا...

بكاءه؛ إيه ده؟ يعني الفصل أثّر في الجملة المعطوفة؛ لأن الفصل كان فيه، فكان بينّا تهيبني، فهذا استدعى بكاءه: «فَكَانَ مَسِيرُ عِيسِهِمْ ذَمِيلاً، وَسَيْرُ الدَّمْعِ أَثَرَهُمْ انْهِمَالاً».

ارتباط الجملة الثالثة التي هي «فَكَانَ مَسِيرُ عِيسِهِمْ ذَمِيلاً» بالجملة الرابعة «وَسَيْرُ الدَّمْعِ أَثَرَهُمْ انْهِمَالاً»، وكان سير الدمع -طبعاً السير هنا جملة- معطوفة على الإعراب، يعني لها وجه إعرابي؛ يعني «كَانَ الْمَسِيرُ» و«كَانَ السَّيْرُ»، والسير هنا معطوف على «مَسِيرُ»، «فَكَانَ مَسِيرُ عِيسِهِمْ ذَمِيلاً وَسَيْرُ الدَّمْعِ أَثَرَهُمْ انْهِمَالاً». هذا وإن كان معطوفاً في النحو على «تَوَلَّوْا بَغْتَةً»، لكن هو أثّر عن «فَكَانَ بَيَّنَا تَهَيُّبِي ففاجأني اغتيالاً».

مرة أخرى يقول عبد القاهر: ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليه بغتة، وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه مستدعياً بكاءه؟ ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم مستدعياً بكاءه؟ المفعول الثاني: أن يجعل توليهم بغتة مستدعياً بكاءه.

التولي بغتة هذا في العبارة الثانية المعطوفة على الأولى، الثانية عطفت على الأولى، والثالثة عطفت على الأولى، ولكن شرطها أن تكون معطوفة على الأولى بعد عطف الثانية على الأولى؛ يعني «فَكَانَ تَهَيُّبِي» معطوف على الأولى، و«فَكَانَ مَسِيرُ عِيسِهِمْ ذَمِيلاً» معطوف على الأولى، ولكن في ظل مجيء الثانية أولاً.

لم تفهم هذه الفقرة؟ شوف يا سيدي، نحن في الشعر تذكر لما قلنا في قول الشاعر: «فَلَمَّا تَنَازَعْنَا الْحَدِيثَ وَأَسْمَحَتْ ... حَصَرْتُ بِغُصْنٍ ذِي شَمَارِيخَ مَيَّالِ»

ما إعراب «ذِي شَمَارِيخَ»؟ نعت للغصن. ما إعراب «مَيَّالِ»؟ أيضاً نعت للغصن. نعم، قلت إعراب «ذِي شَمَارِيخَ» نعت للغصن صواب، وإعراب «مَيَّالِ» أنه أيضاً نعت للغصن، صحيح. يعني «مَيَّال» ارتبط بالغصن ارتباطاً مستقلاً، و«ذِي شَمَارِيخَ» ارتبط بالغصن ارتباطاً مستقلاً، صحيح؟ نعم، والله صحيح.

هل هذا يعني عدم حدوث فرق بهذا الترتيب؟ لا، لابد أن يكون هناك فرق. نرجع للناقط، إذاً هناك فرق؛ يمكنك أن تجعل الثاني نعتاً للأول، يمكنك أن تجعل «مَيَّال» نعتاً للغصن، وتجعل «ذِي شَمَارِيخَ» نعتاً للغصن، ولكن لما تأتي إلى «مَيَّال» ستلاحظ وأنت تنعت الغصن أنك تنعت غصناً مَنعوتاً بكونه ذا شماريخ؛ إذاً يمكنك أن تدخل صورة الشماريخ في الغصن المنعوت.

تعالى هنا يقول: «تَوَلَّوْا بَغْتَةً»، هذا مع كون «المَيَّال» و«ذِي شَمَارِيخَ» يتناظران نحواً في كونهما نعتاً للغصن، ولكن من حيث المعنى، تقدمه واحد على الآخر ستؤثر في فهم الثاني وفي الصورة الحاصلة في المخيلة من الثاني.

يقول: «تَوَلَّوْا بَغْتَةً»، ثم عطف عليها: «فَكَانَ بَيَّنَا تَهَيُّبِي ففاجأني اغتيالاً»، حتى لا نطيل العبارة، أنا أريدك أن تفهم فقط: «تَوَلَّوْا بَغْتَةً، فَكَانَ بَيَّنَا تَهَيُّبِي»، ثم عطف على «تَوَلَّوْا بَغْتَةً»: «فَكَانَ مَسِيرُ عِيسِهِمْ ذَمِيلاً وَسَيْرُ الدَّمْعِ أَثَرَهُمْ انْهِمَالاً».

فعبد القاهر يقول لك إنك عطفت على «تَوَلَّوْا بَغْتَةً» وذكرت بعد أنهم تولوا بغتة أن مسير عيسهم كان كذا وأن سير الدمع كان كذا، ولكن مع كونك عاطفاً على «تَوَلَّوْا بَغْتَةً»، أنت أخذت «تَوَلَّوْا بَغْتَةً» بالعبارة التي عطفت عليها، يعني بما حصل فيها، فصار بكاؤك مسبباً، وسير الدمع صار مسبباً على ما حصل من «فَكَانَ تَهَيُّبِي». فإذاً المعنى حصل في الثاني من جهة الحبك والصورة في الذهن، لا من جهة العطف النحوي، وإنما من جهة النحو عن طريق غير مباشر؛ بأنك عطفت على الأولى شيئاً، فلما عطفت عليها مرة أخرى أخذتها في ظل الصفة التي عطفت عليها.

فهمت الكلام؟ سيوضح هنا، اصبر. يقول: «ألا ترى أن الغرض من هذا الكلام أن يجعل توليهم بغتة، وعلى الوجه الذي توهم من أجله أن البين تهيبه مستدعياً بكاءه وموجباً أن ينهم دمعه؟ فلم يُعنْ أن يذكر ذملان العيس إلا ليذكر همالان الدمع وأن يوفق بينهما».

شوف، هو أصلاً من الناحية الشعرية جاء في الذي عطف على الأول، فلما دخل على الثاني دخل عليه وعطف عليه، في البيت الثاني بدأ بالصورة التي حدثت له بالعطف الأول عليه؛ هذا يا إخوة أصل خطير في نقد الشعر.

ويظهر هذا في عدة أبواب، وليس فقط في باب تعاطف الجمل في الفصل والوصل. أي نوع من الفصل يقع بين شيئين كان الأصل عدم الفصل بينهما، فإنما يراد ألا يأتي الثاني إلا مع مراعاة اتصال المفصول به بالشيء الأول؛ كالتقديم والتأخير مثلاً. أنت لما قدمت وأخرت، ما أردت أن تأخذ الثاني إلا في ظل الأول.

مثلاً: «يُضِيءُ الْفَرَاشُ وَجْهَهَا»، الأصل: «يُضِيءُ وَجْهَهَا الْفَرَاشُ»، ما قدمت المفعول إلا لياتي الفاعل وفي ذهنك عناية معينة، وهذا قاله سيبويه؛ قال ما يعني أنهم لا يدبون ما حقه التأخير إلا لغاية يعالجونها في أنفسهم أو كذا، يبنون الكلام عليها. وهذا تكلم عنه أيضاً القرطاجني، أحسب أنه سماه مدخل الكلام أو مولج الكلام؛ يقول أنت من أي باب ولجت إلى الكلام، هذا الذي ولجت منه تبني ما بعده عليه، أعطيته عناية خلاص.

كالجمل المعترضة، كلام مستقل اعتراضها أدى إلى أثر فيما بعدها. وقريب من هذا في الحكم استطالة جملة الصلة للموصول؛ مع الموصول التي تأتي للموصول تستطيل هذه الجملة، كعينية ابن حجر مثلاً. اجعل ذلك أصلاً، وإياك ألا تقف وأنت تشرح الشعر وتجلي أسراره على أثر هذا الفصل في المفصول. اجعل ذلك أصلاً؛ نعم، ما يحصل تغير وتحرك إلا لأنك ستأخذ الثاني بعد حادثة غير معهودة أو غير منتظرة حصلت في سياق الكلام؛ هذا الانحراف، هذا الانزياح، هذا العدول، أي شيء؛ خذ ما بعدها باعتبار هذا الذي قدم.

تفضل يا محمد. نعم مولانا، الذي أشكل عليه فقط هنا هو: ما الذي يريده عبد القاهر في عبارة «وسير الدمع»؟ هل هي معطوفة على «فكان مسير عيسه ذميلاً» أم لا؟ لا، هو يقول لك لا تنظر إلى الصفة النحوية وأن هذه العبارة معطوفة على ما قبلها فقط أو على «تولوا بغتة»، يقول لك انظر إلى تمام البيت؛ فيه معنى يبين لك لماذا فصل بينه وبين المعطوف عليه، لأنه يريد أن يقول إن البيت بكامله كأنه معطوف على «تولوا بغتة».

هو بالضبط يقول لك، هل هناك شيء جعلنا نحكم هذا الحكم؟ هل هناك شيء جعل الشاعر يأتي به؟ كنت متأكدًا أن هناك شيئًا غاب عنك، وهي هذه الجزئية فقط: المعنى النحوي والمعنى البلاغي.

هو يقول لك: انظر في البيت، لماذا عطف أوله على الأول؟ إذا عطفه عليه، لماذا لم يباشره به؟ لماذا لم يقل: «تولوا بغته فكان مسير عيسهم ذميلا»؟ قال لك: انظر إلى تمام الكلام؛ تمام الكلام يبين لك لماذا فصل، لأن تمام الكلام فيه مسبب عن سبب هو الذي فصل به الجملة الثانية: ﴿لِأَنَّ تَهَيُّبَ الْبَيْنِ لَهُ وَإِنْ فَاجَأَهُ اغْتِيَالًا كَانَ سَبَبًا فِي مَسِيرِ الدَّمْعِ﴾.

وكذلك الحكم في الأول؛ فنحن وإن كنا قلنا إن العطف على «تولوا بغته»، فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوع عما بعده. ما قلناه في الأخير نقوله في الأول؛ نحن لم نعطف على «تولوا بغته» فقط، بل تعطفنا على «تولوا بغته» مع ملاحظة ما عطف عليه فوق.

عبد القاهر هنا يتحدث بنفس ناقد للشعر؛ لأن النحوي من حيث كونه نحويًا لا يزيد على بيان الأصل والقاعدة ببيان المعطوف عليه، بقطع النظر عن حاله بما بعده. كمثال قولهم: «ولأصلبنكم في جذوع النخل»، يقولون لك: «في» بمعنى «على». وهذا من فضل عبد القاهر؛ هم لا يبينون لك لماذا جاءت «في» بمعنى «على»، أما هو فيقول لك: جاءت «في» بمعنى «على» ليصح لك الكلام، لأن النحوي يصحح لك الكلام.

ثم يأتي المفسر المعتني بالبيان أو ناقد الكلام، فيقول لك: ولماذا جاءت «في» بمعنى «على»؟ ما الذي جعل «في» تحل محل «على»؟ ويشرح لك أنه أراد تمكينه في الجذوع وكأنه يدخلهم فيها.

وبمناسبة هذا، أحيانًا لا يكون للنحوي هذا الذوق وهذا الحس الذي يخول له حتى التعليل، فيعلل خطأ. الأصل أن تفهم العلة، كقول بعضهم في قول امرئ القيس: «يطير الغلام الخف عن صهواته»، يقول لك: عدد الصهوات، وهي صهوة واحدة. أقرب شيء يقولون لك: إذا لم يتصوروا المعنى، ما المقصود؟ يكون لك تعظيمًا وتكثيرًا.

لكن «يطير الغلام الخف عن صهواته» هذا بالنظر إلى تكرر ذلك وكثرة حدوثه، فكانت له صهوة في كل مرة يطير من على ظهرها الغلام الخف، فهنا يقال: هذا بالنظر إلى تكرر الحدوث، وليس هناك تعظيم في تكثير الصهوات. فكان كل حادث صهوة مستقلة يحكى عنها: «يطير الغلام الخف عن صهواته»، فهو له صهوات كما له صولات مثلا.

فأحيانًا أيضًا النحوي غير الممارس للنقد والأدب لا يفهم السبب أصلًا، فيفسر أصل التفسير خطأ، وهذا في بعض المواضع التي تشكل أو التي يحتاج فيها إلى أن يكون النحوي أو اللغوي من أهل البيان، وإذا لم يكن كذلك فهو يقيسها على أقرب شيء ويسكت، وأنت تقطع بأنه غير مقتنع، لكنه لم يجد إلا أن يقيسها على قريب لأنه لم يجد غير ذلك.

قال: «وكذلك الحكم في الأول، فنحن وإن كنا قلنا إن العطف على تولوا بغته، فإنا لا نعني أن العطف عليه وحده مقطوع عما بعده»، يعني حال كونه مقطوعًا عما بعده، بل العطف عليه مضموم إليه ما بعده. وإنما أردنا بقولنا إن العطف عليه أن نعلمك فقط أنه الأصل والقاعدة، وأن نصرفك عن أن تطرحه وتجعل العطف على ما يلي الذي تعطفه، نحن بس ننبهك من الغلط، لكن بعد ذلك الموضوع أكبر بكثير.

إنما أردنا بقولنا إن العطف عليه ليس أن هو عطف عليه وخلاص ونتجاهل البعد والفصل الذي حصل بينهما؛ فما الفرق بين المباشرة وعدم المباشرة؟ وعبد القاهر يقول لك: إذا حصل تغير فهناك فرق. هذا ديدن عبد القاهر، أي تغير في اللفظ بأي وجه من الوجوه يساوي تغيرًا في المعنى الفني. ولا بد، ويقول لك: لا يقال هذا البيت في معنى هذا البيت إلا إذا كان بيتين متطابقين.

قال: «وإنما أردنا بقولنا إن العطف عليه أن نعلمك أنه الأصل والقاعدة، وأن نصرفك عن أن تطرحه وتجعل العطف على ما يلي الذي تعطفه، فتزعم أن قولك: "فكان مسير عيسهم" معطوف على "فاجأه"، فتقع في الخطأ الذي أريناك، نحن فقط كنا نصحح لك الخطأ، لكن بعد ذلك هناك كلام آخر في أسرار بيانية وخصائص تتعلق بهذا الفصل، ووراءه نكات بيانية ولطائف كما يعبر عادة».

قال: «فأمر العطف إذاً موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة، وتعد أخرى إلى جملتين أو جمل، فتعطف بعضًا على بعض، ثم تعطف مجموع هذه على مجموع تلك». يعني مجموع هذه الجمل على مجموع تلك الجمل، وأنت تأخذ أول واحدة هنا وأول واحدة هنا، فتكون الأولى المعطوف عليه والثانية المعطوف. كما هنا؛ أول جملة «تولوا بغته» معطوف عليه، «فكان مسير عيسهم مذاملا» معطوف، فما بعد «تولوا بغته» معطوف على الأولى، وما بعد «تولوا» معطوف على الثانية، فالجملة معطوفة على الجملة.

وهذا من أدق العمل في الشعر يا إخوة، وبه ينكشف الصادق في الشعر من المدعي، وما أكثر المدعين! ففي الشعر يأتي ويقول لك: هنا جاءت مصدرًا ولم تأتِ كذا، سهل، تأتي للأفراد، العبارات أو الألفاظ الأفراد.

وتقول هذه كذا وهذه كذا، لكن هل يمكنك أن تشرح جملة الكلام؟ هل يمكنك أن تبين هيكل الكلام كله من الأول، ثم تأخذ تفصل تفصل إلى أدنى ما تقف عنده أو إلى أدق ما تقف عنده؟

قال: «وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء». وينبغي أن يجعل ما يصنع، يعني الذي يصنع هذا المفعول الأول خلاص، أو أن يجعل... وينبغي أن يجعل "ما" هنا الموصولة، وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلاً يعتبر به. إذن الأول هذا النائب عن الفاعل، "ينبغي أن يُعلم ما يُصنع"، هو في الأصل مفعول أول في المعنى، وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلاً يعتبر به.

عبد القاهر هنا أيها الإخوة ينعم في أن يشرح لك دخول الجمل المتعاطفة تحت حكم الجملة الأساس. الفصل أصلاً بناه على ماذا من الأول؟ كما قال في أول فقرة في الفصل: «قد يؤتى بالجملة فلا تعطف على ما يليها، ولكن تعطف على جملة بينها وبين هذه التي تعطف جملة أو جملتان». فهو يقول لك: تعال أعطيك ميزاناً نظيراً تقيس به ما هو الشرط والجزاء.

قال: «وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلاً». يعني نجعل الشرط، نجعل الذي نفعله في الشرط والجزاء أصلاً يعتبر به، يعني نقيس عليه، نزن به القضية في قضية الجمل. يقول طبعاً كما قلت هنا ينعم لك في الشرح في دخول الجمل المتعاطفة تحت حكم الجملة الأساس، وإنما يُبنى على الجميع، وهو ما شرحه في الفقرة السابقة الأولى.

قال: «وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى، ثم جعلتا بمجموعهما شرطاً». طبعاً كتاب عبد القاهر الدلالي يشغل رأسك، تشعر أنه يسخن الدماغ! بعد هذا الشرح، بعد أن ننتهي منه يا إخوة، لكم أن تسمعوه مرة ثانية وتعيشوا معه مرة ثالثة، وتقرأوه أنتم وأن تشرحوه لطلاب جدد من الصغار، ربما يكونون من المنتسبين للمدرسة، أو تكونون مراجعاً في السؤال؛ فبعد عدد من الطبقات سيكون الطلاب كثرًا، ولن يكون متاحاً ولا لائقا أن كل من أراد أن يسأل يسأل أبا قيس، وإنما لا بد أن يرجع إلى أحدكم، وهكذا تكون هناك مدرسة وهناك توسع.

وهكذا تتكونون أنتم، أن توازن بين شخصية المتلقي وشخصية الذي يبدأ بالحركة والدعوة بهذا العلم ونقل هذا العلم. هذا نفسه يعلمك أصلاً، وأنا أرى أن التعليم من وسائل التعلم، هذا أمر عندي مقطوع به؛ التعليم من وسائل التعلم. وكم من إنسان ظل يدرس مع نفسه وكذا، فإذا به إذا أراد أن ينقل شيئاً يكون كما نقول في مصر «خبتها»، يكون لا عارف يشرح ولا عارف يوضح، وإذا جدله أحد لا يستطيع الكلام ولا أي شيء.

يقول: «وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى، ثم جعلتا بمجموعهما شرطاً». جملة وجملة معطوفة الثانية على الأولى وبمجموعهما شرط. قال: «ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 112]». أهو يا حميري! سيشرح لك ما كان مشكلاً عليك في الأول.

هل المقصود: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ هكذا بإطلاق؟ لا، لا بد من جملة الكلام، المعطوف والمعطوف عليه: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾.

قال: «الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين». عبد القاهر يقول -عليه السلام والله أنا أطرب، تنتابني خفة الطرب من لذة المسائل ولذة الفهم، هكذا رعشة إذا نال منها نظره ريع قلبه، أنا يرتع قلبي هنا، إن الكريم تروب- يا سلام ونحن الكرام طبعاً وأنتم.

قال: «الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين، لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة دون الأخرى». ليس المعنى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾، أو: من يرمي بالإثم بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً؛ لا، ليس يرمي به دون أن يكون كسبه، لا، المقصود في هذه الآية بعينها الذي يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرمي به بريئاً، هذا كله جملة واحدة، شرط واحد، فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً.

يأتي شخص ثقيل كثيف يقول لك: وما الذي يمنع «وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا»؟ قُل له: والله القرآن لم ينزل على دين الخوارج، والذنوب على مراتب، ولا نرى هذا التعظيم في «بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا» يصلح فيه «يكسب خطيئة أو إثماً»، فالقرآن لم يأتِ على هوى الخوارج.

قال: «الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين، لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة دون الأخرى؛ لأننا إن قلنا إنه في كل واحدة منهما على الانفراد جعلناهما شرطين، وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزائين وليس معنا إلا جزاء واحد، وإن قلنا إنه في كل واحدة منهما دون الأخرى لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم، وذلك ما لا يخفى فساده».

يعني ليس أن تقول ها هو متعلق، قال: لا يجوز لك أن تعلقه بالاثنين على انفراد، لأن الجزاء هنا جاء مع واحد، وأنا حتى قلت الآن: «من يكسب خطيئة فقد...» ومن كذا فقد، هذا على التنزل وإلا فالنص لا يساعده. ومع ذلك يقول: إذا تعلق بأحدهما احتجنا للآخر إلى متعلق، العبارة الأخرى: احتجنا لأجل الآخر إلى متعلق يتعلق بها، إلى جزاء يتعلق بها.

طيب، هذا لو قلنا إنه تعلق بكل، يتعلق الجزاء بكل واحدة منها. طيب، وإذا قلنا إنه يتعلق بواحدة، أو يتعلق بواحدة منهما دون الأخرى لزم إشراك ما ليس بشرط في الجزم؛ يعني لو قلت هو يتعلق بواحدة، طيب ما وظيفة الثانية؟ جاءت مفرغة من المعنى. يعني لو قلنا إنه في كل واحدة منهما على الانفراد جعلناهما شرطين والذي عندنا شرط واحد، ونحتاج إلى آخر، وإذا جعلناهما شرطين عندنا جزاءان ونحتاج إلى جزائين، والذي عندنا جزاء واحد. وإذا قلنا إنه في واحدة منهما فقط، فسنسأل...

وما فائدة الثانية؟ هذا لغو، لذلك قال: «وذلك ما لا يخفى فساده». تلاحظون عبارة «بالفساد» وليس «بالمحال»؛ لأنه يفرق بين الفاسد والمحال. المحال لا يتصور، يعني يكون كلاماً من الأول غير حاضر ولا مكان له، أما هنا فيكون فاسداً لأنه لغو من الكلام.

تفضل يا أسامة.

- مولانا، فقط أنا لم يتضح لي آخر نقطة، يعني شرحتها؟

هذا لأنك خرجت ودخلت، لا، فقط في آخر نقطة عندما تكلمت على العطف في...

شوف، الله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 112]. عبد القاهر يقول: الشرط هو مجموع الجملتين إلى هنا، والجزاء معلق بمجموع الجملتين، بمجموع المعنى الحاصل من الجملتين.

يقول: يثبت ذلك لك، يقول: لماذا هذا؟ يقول: خذ التالي؛ إننا إذا قلنا إن الجزاء متعلق بكل واحدة دون المجموع، على أن ينفرد بكل جملة وحدها، كان ذلك خطأً. لماذا؟ أنت عندك جزاء واحد، تحتاج إذاً إلى جزائين؛ لأنك تكون قد وظفت جزاءً في جملة: «ومن يكسب خطيئة أو إثماً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً»، و«ومن يرمِ به بريئاً فقد احتمل...»، ما هو هذا؟ كان جزاءً، خلاص استعمل! لا وجه هنا إلا بأن تذكر جزاءً آخر في هذا التركيب؛ تحتاج إلى جزاء آخر، لا يصح أن تطلقه على الاثنين، ستحتاج إلى صيغة أخرى.

ستقول: لا خلاص، سنعلقه بواحد منهما دون الآخر؛ سنعلق الجزاء إما بجملة «ما يكسب خطيئة أو إثماً»، أو بجملة «يرمي به بريئاً». سأقول لك إذاً: أبقيت زيادة في الكلام فاسدة لا فائدة منها. لو قلت: «ومن يكسب خطيئة أو إثماً فقد احتمل بهتاناً»، وعلقته بـ«يكسب خطيئة»، سيقول لك: وما فائدة «ثم يرمِ به بريئاً»؟ لماذا ألحقتها بها ولماذا جئت بها قبل الشرط؟ لم توظفها.

أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110]. أحسنت، هذا أوضح. ولو علقتها بالثانية: «ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرمِ به بريئاً فقد احتمل»، فما فائدة «ومن يكسب خطيئة أو إثماً»؟ فهمت؟

ولهذا قال: «لزم منه إشراك ما ليس بشرط في الجزم بشرط، وذلك ما لا يخفى فساده». ثم أنا نعلم من طريق المعنى -أي بأصل منطق المعنى بقطع النظر عن عين كلام الله تعالى- نعلم من طريق المعنى أن الجزاء، الذي هو «احتمال البهتان والإثم المبين»، أمر يتعلق إيجاباً بمجموع ما حصل من الجملتين؛ فليس هو لاكتساب الخطيئة على الانفراد، ولا لرمي البريء بالخطيئة أو الإثم على الإطلاق، بل لرمي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان من الرامي. هكذا توازي في الفضاعة بين الشرط والجزاء.

قال: «بل لرمي الإنسان البريء بخطيئة أو إثم كان من الرامي»، وكذلك الحكم أبداً. فقوله تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: 100]؛ لم يعلق الحكم فيه -طبعاً عندكم يعلق الحكم، وهو نائب فاعل مرفوع- لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد، بل مقروناً إليها أن يدركه الموت عليها.

إما أن تجعلوا الحكم معلقاً فتضبطوا الميم في «الحكم» بالرفع، أو لم يعلق الحكم وتجعلوا الفاعل هنا قوله، لكن أنا أرى الصواب أنه لم يعلق الحكم؛ لأنه قال: «فيه»، وهذا يبعد معه أن يكون قوله فاعلاً. فقوله تعالى: «لم يعلق الحكم فيه»، هذا يبعد معه علق الحكم في نفسه في القول، فالصواب يعلق، والحكم ينبغي أن يرفع الميم على نائب الفاعل؛ أن الحكم نائب فاعل. لم يعلق الحكم فيه بالهجرة على الانفراد، بل مقروناً إليها أن يدركه الموت عليها. إلى هنا واضح الكلام يا إخوة؟

قال: «واعلم أن سبيل الجملتين في هذا، وجعلهما بمجموعهما بمنزلة الجملة الواحدة، سبيل الجزئين تعقد منهما الجملة، ثم يجعل المجموع خبراً أو صفة أو حالاً». كقولك: «زيد قام غلامه»، فمجموع «قام غلامه» خبر لزيد. ولا تنسَ هو يقول لك علاقات الجمل التي فصل بينها وبين جمل أخرى وكذا، ويعطف المجموع على المجموع.

كقولك: «زيد قام غلامه»، فمجموع «قام غلامه» خبر لزيد. و«زيد أبوه كريم»، مجموع الجزئين «أبوه كريم» خبر لزيد. و«مررت برجل أبوه كريم»، مجموع الجزئين «أبوه كريم» صفة. و«جاءني زيد يعدو به فرسه»، مجموع الكلام «يعدو به فرسه» حال لزيد؛ لأن ما منه الحال هنا معرفة، والجمل بعد المعرفة أحوال. وأما «برجل أبوه كريم» قلنا إنها صفة؛ لأن الجمل بعد النكرات تكون صفات لاتفاقها في التنكير.

قال: «فكما يكون الخبر والصفة والحال لا محالة في مجموع الجزئين لا في أحدهما، كذلك يكون الشرط في مجموع الجملتين لا في أحدهما، فإذا علمت ذلك في الشرط فاحتذه في العطف». فإنك تجده مثله؛ هذا رجوع إلى سياق الكلام لأنه كان يستشهد للباب من الفقرة الثانية، لما قال: «وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء»، إلى آخره. كان يستشهد بهذا؛ فكل ما في الفقرتين الثانية والثالثة بعد الـ 200 في صفحة 245 هو استشهاد وتأصيل لهذا القياس. والآن يعود للأصل وهو العطف في الجمل. فهمتم؟

وإذا علمت ذلك في الشرط فاحتذه في العطف؛ فإنك تجده مثله سواء. أه إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى أصاخت، إلى الواشي فلج بها الهجر.

تحب هذه القصيدة يا حسن، صح؟

قال: ومما لا يكون العطف فيه إلا على هذا الحد قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَٰكِنْ أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا بِأَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِن كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: 57-59].

هنا عبد القاهر، بعد أن وضح لك القضية وشرحها لك، ومثل بمثلٍ قريبة، جاءك بمثال أعلى في الرتبة؛ وسيفصل فيه أشياء، وسيورد عليه احتمالات لم ترد على الأمثلة السابقة التي كانت صريحة ولا مجال فيها للاعتراض.

قال: ولو جُرِّيتَ على الظاهر، فجعلت كل جملة معطوفة على ما يليها، منع منه المعنى. وقوله: «لو جُرِّيت على الظاهر» يعني على ظاهر التركيب، ظاهر الحروف، ظاهر المسموع، ظاهر المقروء والمكتوب، وليس على ما يظهر من المعنى شيء آخر. وكان عبد القاهر يرى هؤلاء الذين لا يجاوزون هذا الظاهر الذي لا يقول به من يفهم المعنى أصلاً.

وبمناسبة أن هؤلاء موجودون في كل عصر ووجودهم قديم، حكيت لكم عن هذا الشخص الذي كان يقول بأقوال فاسدة في القرآن ليمضي أقوال طائفة معينة، فلما استشهدت عليه باللغة يقول: «أنا لا علاقة لي باللغة، أنا علاقتي بالقرآن».

طبعاً هنا يصيبك شيء من الشذل العقلي في التفكير، وكذلك لما قلت له معنى كذا في لسان العرب، قال: «القرآن موجود قبل لسان العرب». هكذا قال بالضبط. وأنت ولسان العرب موجود من قبلك بقرون! لماذا جعلت نفسك والقرآن مكتوباً بلغة؟ نحن نقرأه بلغة، وكُتب بألفاظ عربية، نزل بلسان عربي مبين: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لِّعَلَّهُمْ يَتَّذَكَّرُونَ﴾، نزل بلسان العرب دون الألفاظ الموجودة قبل نزول القرآن، نزل على هذا اللسان المدون في لسان العرب. طبعاً هؤلاء القوم كان عبد القاهر يشعر بهم في كتابه، ويعرج على وجودهم كثيراً.

فقوله: «لو جُرِّيت على الظاهر» يعني ظاهر المكتوب والمسموع في الترتيب، وليس على ظاهر المعنى؛ مستحيل، لأن من يفهم أدنى الفهم لا يذهب إلى هذا الظاهر الحرفي. قال: «لو جُرِّيت على الظاهر فجعلت كل جملة معطوفة على ما يليها منع منه المعنى»، وذلك أنه يلزم منه أن يكون قوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا بِأَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ معطوفاً على قوله: ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾، وذلك يقتضي دخوله في معنى «لكن».

هذا تعبير أيها الإخوة جيد جداً، وينبغي أن تقتنصوا من كتاب عبد القاهر هذه التعبيرات عن هذه المعاني؛ لأننا نواجه مشكلة في التعبير، وربما أنتم في كلامكم لا توصلون ما تريدون من المعنى بسبب هذا. فهذا تعبير جيد يقول: «دخوله في معنى لكن». فلك أن تقول: دخوله في معنى لكن ممتد، أو داخل تحت امتداد لكن، أو داخل تحت أثر لكن، وهكذا.

وذلك يقتضي دخوله في معنى لكن، ويصير كأنه قيل: «ولكنك ما كنت ثاوياً»، وذلك ما لا يخفى فساده. لا يقل محال، لكنه فاسد. يعني كأنك قلت: ﴿وَمَا كُنتُ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ولكنك ما كنت ثاوياً؛ لأنك جعلتها معطوفة على ﴿وَلَٰكِنْ أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾، فكأنك قلت: وما كنت من الشاهدين ولكنك ما كنت ثاوياً، فما في علاقة ولا معنى، ولهذا قال: «وذلك ما لا يخفى فساده».

وإذا كان كذلك، بان منه أنه ينبغي أن يكون قد عطف مجموع ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا بِأَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى ﴿مُرْسِلِينَ﴾، على مجموع قوله: ﴿وَمَا كُنتُ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ﴾ إلى قوله: ﴿الْعُمُرُ﴾.

ويرد هنا الإشكال الآخر، يقول: فإن قلت -لأنه أتى بمثال وفي نفسه أنه سيورد عليه إشكالاً- فإن قلت: فهل لُقِدِرَ أن يكون ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا بِأَهْلِ مَدْيَنَ﴾ معطوفاً على ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ دون أن تزعم أنه معطوف عليه مضموماً إليه ما بعده إلى قوله: ﴿الْعُمُرُ﴾؟

مرة أخرى، فإن قلت: فهلا قُدِّر أن يكون ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا بِأَهْلِ مَدْيَنَ﴾ معطوفاً على ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ يعني لماذا قدرت أنه معطوف على الأول أو على المجموع؟ لماذا لا تقدر أنه معطوف على ﴿وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؟ يعني: وما كنت من الشاهدين وما كنت ثاوياً في أهل مدين، دون أن تزعم أنه معطوف عليه مضموماً إليه ما بعده إلى قوله: ﴿الْعُمُرُ﴾؟ لماذا؟

يقول عبد القاهر: قيل، لأن إن قدرنا ذلك وجب أن ينوى به التقديم على قوله: ﴿وَلَٰكِنْ أَنشَأْنَا قُرُونًا﴾. إذا قلت هذا، سيترتب عليه انزياح في مكان «لكن» وفساد في الكلام؛ لأن إن قدرنا ذلك وجب أن يكون الترتيب: ﴿وَمَا كُنتُ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا بِأَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا لَٰكِنْ أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَلَٰكِن كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾. وفي ذلك إزالة «لكن» عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه، ذاك لأن سبيل «لكن»...

فكما لا يجوز أن تقول: جاءني القوم، وخرج أصحابك إلا زيدا وعمرا؛ بجعل «إلا زيدا» استثناء من «جاءني القوم»، و«عمرا» من «خرج أصحابك». يعني أنت تقول: جاءني القوم إلا زيدا، وخرج أصحابك إلا عمرا. لا تقول: جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيدا، فزيد لم يجيء، وعمرا لم يخرج. لا تقولوا هذا، إلا سبيل «لكن» سبيل «إلا».

فكما لا يجوز أن تقول: جاءني القوم وخرج أصحابك إلا زيدا وعمرا، بجعل «إلا زيدا» استثناء من «جاءني القوم»، و«عمرا» من «خرج أصحابك»، كذلك لا يجوز أن تصنع مثل ذلك بـ«لكن»، فتقول: ما جاءني زيد، وما خرج عمر، ولكن بكرا حاضر، ولكن أخاك خارج. فإذا لم يجز ذلك، وكان تقديرك الذي زعمت يؤدي إليه في الآية، وجب أن تحكم بامتناعه؛ فاعرفه.

قال له أحدهم -وهو طبعاً افتراض ذهني، قال له على عادة عبد القاهر والمتكلمين هكذا يفعلون-: «إذا قلت، فهل لو قدرت أن يكون ﴿وَمَا كُنتُ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدِينَةٍ﴾ معطوفا على ﴿وَمَا كُنتُ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ دون أن يكون معطوفا على المجموع كما تزعم يا عبد القاهر؟». لصح الكلام، لماذا لا تفعل هذا؟ إذا فعلته صح الكلام. قال له: إذا فعلنا هذا، وجب أن تقدمه على ﴿وَلَٰكِنِ اشْتَاقَتْ نَفْسِي﴾، فسيكون ترتيب الكلام هكذا: ﴿وَمَا كُنتُ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدِينَةٍ﴾ إذ قضينا إلى موسى الأمر، ﴿وَمَا كُنتُ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ﴿وَمَا كُنتُ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدِينَةٍ﴾ تتلو عليهم آياتنا، ﴿وَلَٰكِنِ اشْتَاقَتْ نَفْسِي﴾، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾، ﴿وَلَٰكِن كُنَّا مُرْسَلِينَ﴾.

وفي ذلك إزاحة لـ«لكن» عن موضعها الذي ينبغي أن تكون فيه. يعني إذا فعلت هذا، جمعت الكلام الذي يستثنى منه أو يستدرك عليه، وجمعت الاستدراكات، وسبيل «لكن» سبيل «إلا» لا يصلح فيها هذا. وإنما تجوز نية التأخير في شيء معناه يقتضي له هذا التأخير؛ هذه قاعدة جميلة، «وإنما تجوز نية التأخير في شيء معناه يقتضي له ذلك التأخير».

مثل أن يكون الاسم مفعولا يقتضي له أن يكون بعد الفاعل، فإذا قدم على الفاعل نوي به التأخير. تذكرون لما قال: تقديم بنية التأخير وتقديم لا بنية التأخير؟ مثالها الذي خلاص تثبتونه هو: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّةَ﴾؛ فهذا تقديم لـ«شركاء» على نية تأخيرها لأنها مفعول ثان، وتقديم لـ«لله» الجر والمجرور على نية التأخير لأنه متعلق بالمفعول الثاني، وتأخير لـ«الجن» على نية التقديم.

معنى «لكن» في الآية يقتضي أن يكون في موضعها الذي هي فيه. وهذا يرد على من قال له: لماذا لا تعطف على كذا؟ فيقول: فعلك هذا سيولد مشكلة متعلقة بـ«لكن» وما يتعلق بها. فكيف يجوز أن ينوى بها التأخير عن موضعها إلى موضع آخر؟ يقول: ليس لهذا المعنى كما تجد المعنى في تقديم المفعول على الفاعل.

فتلاحظ هنا أن عبد القاهر بين أولاً الوجه النحوي في عدم الجواز، ثم كأنه افترض الجواز والخروج عن هذا الأصل، فبين أن هذا ممتنع، ولهذا قال: «هذا وإنما...». فبين أن هذا ممتنع من جهة المعنى؛ لأن وجه التأخير هنا على خلاف الأصل، وهذا لا بد فيه من علة، كما لا بد في تقديم المفعول وتأخير الفاعل، وهو ما ضربه مثلاً من علة لهذا الوجه يقتضيها الغرض بحسب المراد الخاص للمتكلم.

ونكتفي في هذا اللقاء أيها الإخوة، ونلتقي في اللقاء الثالث بعد اللقاء القادم إن شاء الله، مع فصول شتى في أمر اللفظ والنظم، فيها فضل شحذ للبصيرة وزيادة كشف عما فيها من السريرة. وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.