دخولتسجيل الدخول

الدرس 31 - من صفحة 238 إلى صفحة 243

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا مجلسنا الأول بعد الين من مجالسنا في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للإمام شيخ البلاغيين أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين.

أيها الإخوة، ما زلنا في باب الفصل والوصل، الذي قال البعض إنه البلاغة، وقلنا لماذا قالوا إنه البلاغة؟ وما زلنا في الحديث عن وجه يتحقق به عدم الوصل، ويتحقق به الفصل، وهو أن تكون مستأنفة على معنى جعل الكلام جواباً في التقدير.

آخر ما قرأناه كان الفقرة التاسعة بعد الستين، أو الفقرة السبع بعد المئين. نرجع قليلاً حتى نحدث لحمة للكلام إلى الفقرة التاسعة بعد المئتين، قال: «ومن اللطيف في الاستئناف على معنى جعل الكلام جواباً في التقدير...». وطبعاً سأقرأها دون شرح لأنني شرحتها في المرة الماضية، وأبدأ الشرح من الفقرة الأولى بعد المئتين.

قال: «ومن اللطيف في الاستئناف على معنى جعل الكلام جواباً في التقدير قول اليزيدي: ملكتُهُ حُبلي ولكنهُ ... ألقاهُ من زهدٍ على غاربي وقالَ إني في الهوى كاذبٌ ... انتقمَ اللهُ من الكاذبِ».

طبعاً هذا بحر السريع، السريع بحر لذيذ: «مَلَكْتَهُ حُبْلِي وَلَكِنَّهُ» (مستفعلن مستفعلن فاعلن)، «أَلْقَاهُ مِنْ زَهْدٍ عَلَى غَارِبِي» (مستفعلن مستفعلن فاعلن)، «وَقَالَ إِنِّي فِي الْهَوَى كَاذِبٌ» (مستفعلن مستفعلن فاعلن)، «انْتَقَمَ اللهُ مِنَ الْكَاذِبِ» (مستفعلن مستفعلن فاعلن).

وأظن من الأبيات المشهورة لطرفة بن العبد من هذا البحر: «أسلمني قومي ولم يغضبوا ... لسوءه حلت بهم فادحة» «كل خليٍ كنتَ خا... كل خليٍ لن كنتَ خا... كل خليتَ خلتُهُ... لا ترك الله له...» «أروغُ من أروغُ ثعلبِ...»

ما أشبه المستفعل! بعض البحور لا تشتهر بيننا كالبحور الأربعة: الطويل، والوافر، والمبسوط، والكامل. سأكررها كثيراً حتى تعرفوا نغمها. «ملكتُهُ حُبلي ولكنهُ»؛ هذا السريع، وأنت تشعر فيه بالسرعة.

استأنف قوله: «انتقم الله من الكاذبين»، الله يرضى عليكم يا حبيبي، يقول: لا يعكر مزاحكم مزاجي، رضي الله عنكم يا سيدي. استأنف قوله «انتقم الله من الكاذبين» لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلاً؛ قال له: فما تقول فيما اتهمك به من أنك كاذب؟ فقال: أقول «انتقم الله من الكاذبين». ها، يتهمه بالكذب، لعنة الله على الكاذب، ها، ردي ما أقول: لعنة الله على الكاذب.

ومن النادر أيضاً في ذلك قول الآخر: «قال لي كيف أنت؟ قلتُ: عليلٌ، سهرٌ دائمٌ وحزنٌ طويلٌ». لما كان في العادة إذا قيل للرجل: كيف أنت؟ فقال: عليلٌ، يصح أن يسأل: لماذا؟ ارجع الأمر إلى العادة؛ كل هذا يا إخوة انتبهوا يرجع إلى العادة. تعلق المعاني يرجع إلى العادة، والنحو يأتي على كونه مقعداً، يأتي للعادة، يأتي للربط، يأتي لإقامة المعنى وليس أنه يخلقه إلا من حيث الدلالة بشرط صحة هذه الدلالة، وإلا لو ركبت أي كلام على تركيب نحوي صحيح ستخرج حداثة.

وحتى سترى هنا عبد القاهر يفرق في هذا بين طبقتين، كما سيأتي معنا. يفرق -وطبعاً هو لم يصرح، أنا أقول استنباطاً من كلامه في شرحي لكم- سيفرق بين طبقة الإحالة وطبقة الفساد؛ يعني هناك معانٍ ليس فيها إحالة لكنها فاسدة، مستحيل تكون مقصودة في العادة، لكن ليست فاسدة متصورة، إنما المحال طبقة أخرى، ليس هناك معنى يصح أصلاً، لا يستقيم، لا يخرج في الوجود أصلاً.

قال: «لما كان في العادة». إذا قيل لك، مثلاً، لا يمكنك أن تنقض شعر شاعر بأن تقول: والله البيت نحوياً يحتمل معنيين. لا، أنت ترى عبد القاهر في كتابه يقول لك: «ولا يتأتى أن يريد كذا لأنه يؤول إلى فساد، أو لأن ذلك لا يعبر عنه بهذا، أو لأنه لم تجرِ العادة بالتعبير الفلاني».

وقد مر معنا، لو تذكرون، أنه أخذ بعض العبارات؛ هنا في صفحة مئتين وثلاثين لما قال: «والوجه الثاني أن الجاري في العرف والعادة أنه إذا قيل: ما هذا بشر؟ وما هذا بادمي؟ والحال حال تعظم وتعجب مما يشاهد في الإنسان من حسن خلق، أن يكون الغرض والمراد من الكلام أن يقال إنه ملك، أنظر، وأنه يكنى به عن ذلك، حتى إنه يكون مفهوم اللفظ».

وإذا كان مفهوماً من اللفظ قبل أن يذكر، كان ذكره إذاً تأكيداً لا محالة؛ أي جعل ورود المعنى الأول بحكم التداول والعرف، جعل فعله من مفهوم اللفظ، فلما ذكر بعد ذلك كان تأكيداً. ولهذا دافعت عن قول أبي تمام: «قبل نضج التين والعنب»، بأن ليس شرطاً أن أبحث عن سبب في صلب الكلام في تقديم التين على العنب، إذا كان ذلك تهكماً من أبي تمام، أو حكاية لما تطلقه العامة على لسانها، لأن التين وارد على أذهان العرب أكثر؛ ربما التين والعنب.

التين والعنب، فتفاهة العبارة أوحت بسياق التهكم. وقبل نضج التين والعنب، أوحت ربما بأن ذلك مما يجري على السنة العامة. وأظن بعض الشراح ذكر هذا، أنه يجري على أن الناس تقول: "التين والعنب، التين والعنب"، فهو أجراها بحكاية الكلام العامة، وهنا تكون تلك الحكاية مقصودة ولا يكون ذلك مذموماً منه أو مدفوعاً.

ولهذا، متى يعد احتمال اللفظ اشتراكاً معيباً؟ إذا كان النص يقتضيه معيباً. إلى هذا، لأنه ما من نص في العربية إلا وربما تراه يحتمل معنى آخر، لكن يترجح واحد على آخر بماذا؟ بأن الآخر فاسد، وبأن المعنى لا يحتمله، وبأنه أكيد أقصد كذا، أو بأن يكون المعنى الذي تفكر أنت فيه بعيداً عن عرف المعنى، يكون هذا اختلاقاً للكلام، يعني اختلاقاً لصورة غير موجودة، وهذا يفعله الحداثيون بالضبط.

ومثل هذا تردون به على هذا الكلام؛ لما أقول: «أقرة عين لي ولك لا تقتلوه»، أنت متكلف لأن الكلام لا يجري بذلك. وهكذا أيضاً: «يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم»، لو النبي ﷺ يحلف لك ويقدم القسم بالله أن الشرك لظلم عظيم، فتقول: «يا بني لا تشرك بالشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم». هو يصح لغة، لكن عادة الكلام وتحقيق الأغراض لا يقتضيه.

محمد، لو أردنا أن نرد على هذا سهل، افتح الباب واعمل عصفاً ذهنياً كما يسمونه. القضية هنا يا إخوة قضية عرف ومعانٍ. انظر، عبد القاهر إلى أي شيء يعيد الكلام يرجعه؟ يقول: «لما كان في العادة إذا قيل للرجل كيف أنت؟ فقال عليل، أن يسأل ثانية فيقال ما بك وما علتك، قدر كأنه قد قيل له ذلك، فأتى بقوله سهر دائم جواباً عن هذا السؤال المفهوم من فحوى الحال، فاعرفه».

انظر، بعد ذلك يقول: ومن الحسن البين في ذلك قول المتنبي: وما عفت الرياح له محلاً ... عفاه من حدى بهم وساقا

قال: لما نفى أن يكون ذا الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح، وأن تكون التي فعلت ذلك، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل لم يفعله فلان، أن يقال فمن فعله قدر كان قائلاً: «قال قد زعمت أن الرياح لم تعفُ له محلاً، فما عفاه إذاً؟»، فقال مجيباً: «عفاه».

طبعاً هنا عندكم أوقعت الهاء مفتوحة يا إخوة، للأسف طبع الأستاذ محمود شاكر فيه أخطاء ليست قليلة، هي على طول الكتاب، وفي التفقير كذلك. في تقسيم الكلام هناك عجلة في التفقير حصلت من الأستاذ محمود شاكر رحمه الله وجزاه خيراً، عجلة وقعت في التفقير، وجل من لا يزل، وجل من لا يسهو، وجل من لا يخطئ، وجل من لا يضعف في جانبه. فالأستاذ محمود شاكر عجل جداً في تفقير الكتاب، وهناك فقرات لو أنه تركها كان أحسن، يعني تركها دون التفقير وأدخلها في غيرها، وسياتي ذلك كما مر معنا.

يقيناً تجزمون به لو لم تتكلفوا، ولو تكلفتم أيضاً مما يقرب من أن يكون خطأ محضاً. قال: «لما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح وأن تكون التي فعلت ذلك، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل عن واحد فقيل لم يفعله فلان، أن يقال فمن فعله قدر كان قائلاً: قد زعمت أن الرياح لم تعفُ له محلاً، فما عفاه إذاً؟ فقال مجيباً: عفاه من حدى بهم وساقا».

ومثله قول الوليد بن يزيد: عرفت المنزل الخالي ... عفاه من بعد أحوالي عفاه كل حنان عسوف ... الوبل لهطالي

هذا يا إخوة هزج أم مجزوء الوافر؟ هذا من الهزج، لا يعلم. أحسنت يا مشعشعي، أحسنت. لا يعلم لماذا؟ لأنني حتى أعلم أنه الوافر، ربما انتظر إذا طال الكلام أن يأتي بيت غير معصوب. وإذا كان هزجاً انتظر أن يأتي الكف، لأن الكف موجود في الهزج كثيراً، هو موجود في الطويل وموجود في تفعيلته، الهزج: مفاعيلن تتن تصير مفاعيلتن، خلاص وهو حذف هذا السابع الساكن.

عرفت المنزل الخالي، عفاه من بعد أحوالي، عفاه كل حنان عسوف الوبل لهطالي، فوقع العصب في الجميع، وهذه ترجح أن يكون هزجاً، لا سماً، والوليد بن يزيد يأتي بهذا كثيراً، وهذه بحوره في الكثرة وطريقته.

وكان هناك شيء آخر أريد قوله، كنت أقول وقد عرفتم كذلك من مجالس العروض أن عبد الله الطيب يرى الهزجة من مجزوء الوافر أصلاً، يعني يراه نوعاً من مجزوء الوافر، وفي الأخير الأمر في ذلك قريب ويرجع إلى الأذواق والأسماع.

قال: «لما قال عفى من بعد أحوالي، قدر كأنه قيل له فما عفاه، فقال عفاه كل حنان»، أهو عرفت المنزل الخالي، عفاه من بعد أحوالي، عفاه كله، فاجاب بدأ الكلام بالفصل دون الوصل. قال: «واعلم أن السؤال إذا كان ظاهراً -وهنا نقطة مهمة- السؤال إذا كان ظاهراً مذكوراً، في مثل هذا كان الأكثر ألا يذكر الفعل في الجواب، ويقتصر...».

يجوز الوجهان، يعني كان الأكثر ألا يذكر، وأن يقتصر، أو كأنك تأتي بالكلام الجديد ويقتصر على الاسم وحده، فأما مع الإضمار فلا يجوز إلا أن يذكر الفعل. طيب ما تفسير هذا؟ قال تفسير هذا -وطبعاً ترون عبد القاهر يخرج من رحم مسألة إلى مسألة، يولد مسألة من بطن مسألة ومن رحم مسألة- هو كان يتكلم عن الفصل والوصل، وقال من صور الفصل أن يأتي بتقدير جواب. ثم أقول لك: وهذا الفعل في تقدير الجواب له أحوال؛ السؤال إذا كان ظاهراً مذكوراً، في مثل هذا كان الأكثر ألا يذكر الفعل في الجواب ويقتصر.

على الاسم وحده، فأما مع الإضمار، فالأجدى هنا والأحسن حتى لا توجد مشكلة، أن يكون ويقتصر؛ يعني كأنك تبدأ بالكلام الجديد حتى لا يُفهم إلا أن يذكر ويقتصر، فتنفي الاقتصار أيضًا.

قال: «ويقتصر على الاسم وحده، فأما مع الإضمار»، يعني إذا أُضمر السؤال كما في الحالة التي مرت معنا، فلا يجوز إلا أن يذكر الفعل. وتفسير هذا أنه يجوز لك إذا قيل: «إن كانت الرياح لم تعفه فما عفاه»، أن تقول: «من حدى بهم وساق». وطبعًا وقعت «حدى بهم» كأنها كلمة واحدة، لا «حدى بهم حدى بهم» خلاص، لكن وقعت هنا دون مسافة فكأنها صارت كلمة واحدة، أن تقول: «من حدى بهم وساق»، ولا تقول: «عفاه من حدى»؛ كما تقول في جواب من يقول: «من فعل هذا زيد؟»، ولا يجب أن تقول: «فعله زيد» إلا لغاية، لكن الأصل والأكثر غلبة ألا تذكر كرر الفعل.

أما إذا لم يكن السؤال مذكورًا، كالذي عليه البيت: «وما عفت الرياح له محلاً»، فإنه لا يأتِ السؤال؛ لو قال: «من عفاه؟» أو «ما عفاه؟»، لن يقول «عفاه»، سيقول: «من حدى بهم» كما قال. قال: «وأما إذا لم يكن السؤال مذكورًا كالذي عليه البيت، فإنه لا يجوز أن يترك ذكر الفعل».

فلو قلت مثلا: «وما عفت الرياح له محلاً من حدى بهم وساقه»، فليس هناك سؤال مقدر، ليس هناك إظهار للسؤال، السؤال مقدر ولم يظهر، فلو قلت: «من حدى بهم وساقه»، يقول: تزعم أنك أردت «عفاه من حدى بهم وساقه» ثم تركت ذكر الفعل، فقد أحلت؛ أي صار محالًا تقدير المعنى هنا. لماذا؟ لأن السؤال مقدر، ويدل على تقديره إخراج الجواب؛ فإخراج الجواب يدل على التقدير.

فإذا قلت: «وما عفت الرياح له محلاً من حدى بهم وساقه»، فأين الدليل على التقدير؟ أصلًا أنت لم تدل على أنك تجيب سؤالًا قدرته، ستقول لي: «العادة تقتضي»، والعادة تقتضي؟ الكلام يأتي ليقول: هل اعتبرت العادة أو لا؟ نحن نقول العادة تقتضي لما نجد الكلام جاء على وفقها، فإذا لم يأتِ الكلام فلا عادة هنا، ليس هناك كلام مقدر، أي لا عادة تعتبر. هذه نقطة لم يذكرها عبد القاهر، أنبهكم إليها؛ فبعضهم قد يقول: «نجري نفس القاعدة، العادة تقتضي وجود السؤال وفيه الفعل»، فنقول له: العادة يظهر أثرها لما يأتي الجواب وفاقًا لها، ويدل على ذلك أنه لو تعددت العادات بين هذا الكلام جاز لك الوقوف ولا تجيب، والذي يرجح واحدة من هذه العادات هو الكلام الذي أتى؛ فالعادة ينظر إليها لما يأتي الكلام لتصحح السياق، فإذا لم يكن هناك سياق، فالعادة هنا لا تعتبر.

يعني لو قال المتنبي: «وما عفت الرياح له محلاً» ووقف بالكلام، هل تلزمه العادة أن يجيب؟ «وما عفت الرياح له محلاً» بس خلاص، الرياح ليست ظالمة، الرياح لم تظلم؛ افهم من أي وجه آخر، لكن لما قال: «عفاه من حدى به وسقى»، ظهر هنا اعتباره للسؤال، وظهر هنا أنه اعتبر السؤال المقدر. فإذا جاء بصيغة لا تدل على اعتباره للسؤال المقدر وقفنا، لأنه ربما كنت تشرع في كلام جديد. نحن قلنا قدرنا السؤال واحترمنا تقدير السؤال واعتبرناه لما قلت: «عفاه»، فدل على السؤال المقدر.

انتبهوا، هذا ما لم يذكره عبد القاهر هنا؛ لأن ربما يأتي السؤال في ذهنك الآن، ما هو؟ قالوا السؤال مقدر، ما يقدر معه الفعل؟ لا، السؤال مقدر لما جاء الكلام على وفقه، ويدلك على هذا أنه ربما تقدر عدة عادات، ولا تعتبر إلا العادة التي جاء الكلام على وفقها والتي تناسب سياق الكلام، فإذا جئت بكلام لا يدلني على ترجيح عادة قدرتها وعلى اعتبار هذه العادة، فربما كنت تشرع في كلام جديد فوقعت في إحالة. طبعًا هذا عند العقلاء، أما الحداثيون فليس عندهم هذا؛ أنت يمكنك أن تجرد كتاب عبد القاهر كاملاً بنية استنباط مخالفات الحداثيين للمنطق اللغوي، لا تكاد تخلو صفحة من هذا. عبد القاهر يقول: من قال: «وما عفت الرياح له محلاً من حدى بهم وساقه»، هذا أحلت، دخلت حتى في المحال الحداثي، لا، يمكن يقول لك: «وما عفت الرياح له محلاً من حدى بهم وساق»، وعمال يقدر حاجات في بطنه.

قال: لأنه إنما يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكورًا، هذا مفهوم، لكن لماذا؟ لأنه إنما يجوز تركه حيث يكون السؤال مذكورًا لأن ذكره فيه يدل على إرادته في الجواب، فإذا لم يؤتَ بالسؤال لم يكن إلى العلم به سبيل فاعرف ذلك.

قال: «واعلم أن الذي تراه في التنزيل من لفظ قال مفصولًا غير معطوف، هذا هو التقدير فيه، والله أعلم». سترى عبد القاهر يكثر وهو يتكلم في القرآن من قوله: «والله أعلم»، لماذا؟ لأنه يخاف، هذا كتاب الله، هذا كلام في كتاب الله، يخاف، فيظل يقول: «والله أعلم».

قال: «واعلم أن الذي تراه في التنزيل»، مع أنه قال «اعلم»، هذه لا يقولها العالم إلا إذا كانت تذكر؛ حتى ترونها تذكر في بدايات العلوم، المتون يأتون بالقواعد التي لا كلام فيها ولا خلاف فيها في الغالب، يقول: «اعلم أن أوزان الأفعال كذا»، «اعلم أن في العربية إذا جاء كذا فهو كذا»، «اعلم» بمعنى استيقن، ومع ذلك يقول: «والله أعلم».

قال: «واعلم أن الذي تراه في التنزيل من لفظ قال مفصولًا غير معطوف، هذا هو التقدير فيه، والله أعلم». أعني مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ [الذاريات: 24-27].

منهم خيفة، قالوا: «لا تخف». جاء هذا على ما يقع في أنفس المخاطبين بالقرآن من السؤال. فلما كان في العرف والعادة -انظروا يا إخوة في العرف والعادة، خذوا هذه الفائدة- إذا سألكم أحد: من أين يخطئ النحوي وهو يعلم النحو في تفسير الشعر؟ قل له: إذا كان تعلق الكلمات أو الألفاظ في التركيب بالمعاني النحوية على اعتبار العرف والعادة، وإذا كان المؤثر فيها العرف والعادة، فكان للشعر عرف وعادة يعرفها الشاعر وعالم الشعر وناقد الشعر، وربما غفل عنها النحوي.

هذا هو النحوي؛ سينظر إلى العرف والعادة في طبقة ليست العرف والعادة في طبقة الشاعر. والحادثة التي ذكرتها تكررت كثيراً، عشرات المرات، حادثة ابن خالويه مع المتنبي التي ذكرها ابن الأنباري في كتابه «نزهة الألباء في ترجمة المتنبي». لما أنشد المتنبي في سيف الدولة: وفاؤكما كالربع أشجاه طامسه ... بأن تسع والدمع أشجاه ساجمه

فقال له ابن خالويه: «ما هكذا يا أبا الطيب، وإنما هي شجاه فعلاً ماضياً»، والمتنبي أراد أفعل التفضيل. فقال له: «اصمت، فما وصل الأمر إليك». فماذا قصد المتنبي بذلك؟ ما وصل لك؟ العرف الكلام هنا؛ إن أنت طبقته وجعلته «أشجاه» بمعنى «شجاه»، المعنى هنا سيضعف وسينزل جداً وسيخرج عن الرتبة الشعرية. لم يبلغ كما تعارف عليه الشعراء.

والشريف المرتضى ذكر في أماليه أن الشعراء لهم لغة، وأنهم يُفهم عنهم من يفهمهم، وأنهم لا يريدون التحقيق؛ لأن كثيراً من الأشياء تؤخذ عليهم بالمنطق على باب التحقيق. قال: هم لا يريدون التحقيق، وإنما يصلون بالمعنى إلى رتب يعلم المخاطب -إذا كان ممن يخاطب بالشعر- ماذا يريدون. ولهذا حاول البعض، كقدام بن جعفر، أن يضع لذلك قواعد؛ قاعدة لما قال الشاعر حينما يذكر الاستحالة أو يدخل في الاستحالة، فإنه يريد أقصى المراد أو أقصى الممكن.

لماذا ذهب بعيداً؟ ذهب بعيداً ليصل بك إلى أقصى الممكن، والباقي هدر، عادي لا مشكلة، الباقي هدر، هذه طريقة الشاعر. ولهذا المتنبي أفسد هذا التحليل؛ فساد المبالغات عند المتنبي أنه لم يطلق الاستحالة لنأخذ منها أقصى الممكن بأريحية، بل حاول أن يجعل الاستحالة في الممكن. ركزوا في الكلام: حاول أن يجعل الاستحالة في الممكن.

«كفى بجسمي نحولاً إنني رجل»؛ خلاص، اختفيت، كونك اختفيت وأنا سآخذ أقصى الممكن، أبعد حد يمكن أن يحصل حتى يكون هناك معنى صحيح، لكن هو أراد الاستحالة أن يمنطقها وأن يجعلها عقلية، أراد أن يعقلن الاستحالة. والقاعدة: أطلق الاستحالة وسنأخذ أقصى الممكن من المبالغة؛ كأن أقول: "أنا أجيب لك النجوم"، "أنا أهد الدنيا"، "أنا أكسر وأضرب وأعمل"، "أنا أموت نفسي أبكي حتى أخاف الهلاك".

فالمتنبي ماذا فعل؟ ذهب إلى أقصى الممكن أو ذهب إلى أسف الاستحالة وحاول أن يجعلها في الممكن، فقال: «كفى بجسمي نحولاً إنني رجل»، لولا مخاطبتي إياك لم ترني. وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه تميم البرغوثي لما قال: «الخصر وهم»، طب خلاص يا سيدي، تكاد العين تخطئه، خلصنا، ما ينفع الخصر، كفاية كدة، لا، «الخصر وهم تكاد العين تخطئه»؛ وجوده بقى بشك بعد ما حسم، باخت، أفسدت تماماً.

فالشعراء لهم لغة وليس كل أحد يفهم عنهم، ومشكله من يظن نفسه ناقداً وهو ربما عالم أو نحوي أو لغوي أنه لا يعرف العرف والعادة الذي يكون بحسب جنس الكلام. العرف والعادة عند الشعراء شيء، والعرف والعادة في كلام الناثرين الفنيين شيء، والعرف والعادة في الكلام المحكي المتداول شيء آخر. يأتي شخص ويأخذ هذا خطأ لأنه كذا؛ هذا العرف والعدل لو كنت أنت القائل أو لو كان في كلامك أنت، أما عند الشاعر فهذا صحيح تماماً. وعندنا قواعد أصلاً في هذا، كقاعدة إطلاق الاستحالة وإرادة أقصى الممكن.

وفي هذا الموضع، الشريف المرتضى بمناسبة هذه الاستراحة -لكنها مفيدة لأنها نقدية وهذا عملكم بوصفكم نقاداً وشعراء- في هذه القاعدة أن الشاعر لا يريد التحقيق، دافع الشريف المرتضى عن بيت البحتري في قصيدته اللامية: «ذيلٌ كما سُحب الرداءِ». فهذا البيت عيب على البحتري بأن هذا السحب وهذا الإرخاء أن يمس الذيل الأرض، هذا معيب في وصف الفرس، وإنما الصواب أن يكون غزيراً سابغاً، لكن فوق الأرض كما قال امرؤ القيس.

دفع عن ذلك الشريف المرتضى في أماليه وقال: لا، هو أراد المبالغة، لأن الشعراء لا يريدون تحقيق الكلام، وإنما يُفهم عنهم من يفهم الشعر، وهو أنهم يطلقون الاستحالات والمجازات وهم لا يريدون التحقيق بل التقريب، يعني أن تأخذ ما يمكن. وهذا التعليل أو هذا التقعيد في التعليل صواب، أما سقوطه على بيت البحتري هذا الذي فيه شيء.

كنت قديماً أقول بهذا، والإنسان مراتب ومراحل في حياته في العلم وفي الوعي؛ قديماً لم أجد عقلاً سوى كلام الشريف المرتضى، وأن كلامه صحيح والشعراء لا، لكن ظل في نفسي حرج. بعد سنوات لما عدت إلى هذه القصيدة وأخذت أرددها وأتذوقها، قابلتني مرة أخرى صخرة هذا البيت، أشعر أنه ليس صحيحاً. فلما قابلتني انتبهت، أعدت النظر والتعليل فانتبهت، قلت: نعم، علة الشريف المرتضى.. أحسنت يا عقيل.

المشكلة أن ذلك ممكن؛ ولهذا أتى بالتشبيه «ذيل كما سحب الرداء»، ما هو سحب الرداء ممكن وسحب الذيل ممكن متصور، فهذا ممكن، فشبهه بصورة ممكنة الوقوع في الحصان، من هنا دخل في القبيح. لو أطلقه، لو تصورنا لو جاز في هذا الموضع أن يذكر الاستحالة، ماذا سنفعل؟ سنترك الاستحالة ونأخذ أقصى الممكن بالفطرة وبالعادة، سنترك الاستحالة ونأخذ أقصى الممكن الذي يحقق الغاية والوصف الجميل والمزية التي تحصل بطول الذيل بتلقائية، سنفعل هذا لأنك أطلقت.

ولم ترد، لم تحدد، فأطلقت؛ فسنحملها على القدر الصواب الممكن الذي تتحقق به الغاية في أعلى صورها. هذا حق، أنت معك بطاقة أطلقتها في السماء، صح؟ لكن أنت حددت لي خلاص الباسبور بتاعك، وهذا ممكن للأسف. من هنا أقرر علميًا عيب البيت الذي أشعر به منذ أول لحظة قرأت فيها القصيدة، على شغفي بهذه القصيدة وتعلقي بها، وأنها أثيرة إلى نفسي.

قال: «واعلم أن الذي تراه في التنزيل...» جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال. فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين، إذا قيل لهم دخل قوم على فلان فقالوا كذا، أن يقولوا فما قاله، ويقول المجيب قال كذا؛ أخرج الكلام ذلك المخرج، لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه، وسلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه.

ولهذا يا إخوة، ينبغي أن نراعي في بناء القصيدة: أنت تبنيها على عرف القدماء أم عرف المحدثين؟ هل يمنع أن تبني القصيدة على عرف المحدثين؟ لا، بالمناسبة حتى لا نتهم بأننا نحجل واسعًا، لا أمنعك من استعمال أسماء، كما قال حبيبنا الآن حسن في قصيدته «بالفور»، قال بالفور أو وعد بالفور، وقاله الجواهري، لكن لا أمثل بالجواهري؛ يعني هو أصلاً مطلق، لكن أقول أخونا ذكر بالفور، وليست بالعكس، وقعت في موقعها خلاص.

ولا أمنعك من استعمال أسماء فتيات معاصرات أو أسماء متأخرة في أعرافنا بدلاً من سعاد وسلمى ولبنى وليلى وفاطمة، هذا لا يمتنع. أن تستعمل دلالات شائعة متأخرة، دلالات في التراكيب، بشرط ألا تقع في الابتذال والسخف والخفة؛ لأن كلام القدماء تراكيبهم مظنة إبعاد المرمى والثقل والفصاحة وبعد البلاغة، وتراكيب المعاصرين المتأخرين مظنة الضعف والركاكة. لكن لو وجد منها ما هو حسن، لو أقر أهل اللغة تركيبًا وقاسوه على تراكيب متقدمة، كما يحدث في بعض المجامع، وأقر تركيبًا فصيحًا وأدى معناه بطريقة توازي طريقة العرب وقيس عليه، هذا لا بأس فيه إن شاء الله، فلا يقال: ما المشكلة؟ حاول أن تبين صبغة قصيدتك.

وهنا أحضر لكم حادثة بشار بن برد مع أبي عمرو بن العلاء، تعرفون هذه القصة يا إخوة؟ قصيدة بشار مع أبي عمرو بن العلاء هنا في معنى في الدلائل، ستأتي قريبًا، معنا هي في صفحة 272. روي عن الأصمعي أنه قال: «كنت أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكانا يأتيان بشارًا فيسلّمان عليه بغاية الإعظام». يعرفون قدر الشعر، يقول لك الشاعر هذا فاسق، الشاعر هذا بشار كذا، وكان يتعرض لإعراض الناس، ما لهم علاقة، أنت عندك شيء عظيم وانتهى.

ثم يقولان: «يا أبا معاذ، ما أحدثت؟» جاء في العمدة في شرح العمدة، فيخبرهما وينشدهما ويسألانه، ويكتبان عنه متواضعين له حتى يأتي وقت الزوال، من الصباح إلى الزوال، ربما من صلاة الفجر مثلاً إلى الظهيرة، ثم ينصرفان. وأتياه يومًا فقال: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتم. قالوا: بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم، بلغني أن سلمى بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف.

قالوا: فأنشدنا يا أبا معاذ. فأنشدهما: «بكرًا صاحبي قبل الهجير، إن ذاك النجاح في التبكير». حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إن ذاك النجاح في التبكير» كان أحسن: «بكرًا فالنجاح في التبكير». فقال بشار: إنما بنيتها إعرابية وحشية، فقلت: «إن ذاك النجاح في التبكير» كما يقول الأعراب البدويون، مش «بكرًا فالنجاح»، لو قلت «بكرًا فالنجاح» كان هذا من كلام المولدين ولا يشبه ذاك الكلام ولا يدخل في معنى القصيدة.

سمى بشار، وأقره عبد القاهر هنا، وعبد القاهر يسميان الغرض، صحيح، يسميان المنهج الذي بنيت عليه القصيدة في الدلالة، «معنى ولا يدخل في معنى القصيدة»، فقام خلف فقبل بين عينيه، يا سلام، أنا عارف طعم القبلة دي، على فكرة قبلة الفهم في الشعر. خلاص، الشاهد هنا يا إخوة أنك لابد أن تحدد العرف الذي بنيت عليه كلامك، في أي طبقة اعتمدت العرف والعادة في الدلالة؟ ما هي طبقة الجاهليين التي تريد بكم الوصول إليها؟

طبقة الجاهليين الآن لن يعبها الناس دون شرح، وهذا ما قلت لكم من ضرورة وجود طبقة جمهورية في الشعر، جمهورية يعني مثل المتنبي؛ المتنبي على فكرة جنس آخر غير المتقدمين تمامًا. الذي يقول لك المتنبي وأشعر، أتنيّل على عينك، مش فاهم حاجة. المتنبي، والله صدقت يا عقيل، والله صدقت، المتنبي حتى ماذا سأقول، والله وأنا أقسم لا يرقى لبشار بن برد؛ اقرأ باقي بشار، بشار بديوان المتنبي، تراكيب بشار ليست من ماء...

المتنبي أجنبي عنها أصلاً، نحن نتكلم بحق كلام بشار من جنس المتنبي، أجنبي عنه أصلاً. أنا قرأت أمس دالية له يمدح بها كافوراً، استمعوا إليها واستمعوا، وهناك أبيات علقت بأنها نثرية وأنها رديئة، وهي من عوالي شعره.

لذلك أقول لكم قضية القصيدة الفحلة والقصيدة الجمهوريه. القصيدة الفحلة نحن فيما بيننا سندرسها، العامة لن تفرح بها إلا بالشرح؛ يعني أن يأتي لك عالم بالشعر أو ناقد، أو أنت، لكنك ستكون محرجاً بعض الشيء. المتنبي كان يشرح شعره عادي، لكن محرجاً بعض الشيء، أو كان يروي شعره ويعلمه، لكن محرجاً بعض الشيء؛ لأن إحساس الشاعر وكذا يقول لك أنت متهم هنا، هذه المشكلة الوحيدة.

لكن أن تشرح القصيدة، بالضبط الأحسن أن يشرح غيره؛ سيسعدون بها، ولكن أيضاً مع سعادتهم بها والانبهار، سينبهرون في لحظة الشرح لن يستطيع أن يستعيدها على قلبه وذهنه ليشعر بروعتها من القراءة الأولى كما يفعل ناقد الكلام وذواقه الكلام. ستظل القصائد العالية ذات هذا النمط في رتبة أخرى بعيدة.

ما الذي يحدد هذا؟ أنا تعمدت أن أقفك على قضية العرف والعادة، لأن هذه تتباين وتتفاوت. خذ عندك: القدرة على مكافحة المعنى داخل القصيدة متعددة الموضوعات دون انقطاع للكلام، وأن تختار أدوات توحي لك بالسابق وتحدث لك اللحمة، مع كون يمكنك أن تبدأ بها الكلام مثل «واو رب».

يمكنك أن تبدأ القصيدة بـ «واو رب»، بل بالعكس أقول لك شيئاً، ستكون فصيحة، تعرف لماذا؟ لأن الواو تعطف على كلام لا محذوف في النفس، فتكون «واو رب» قد أحضرت معنى آخر وكثفت دلالة الحرف؛ لما تبدأ بـ «واو رب» تأخذ الواو و«رب» وما بعدها فتشعر بطبيعة المعنى الذي عطف عليه وآثاره، فجاء يتكلم وبدأ بـ «واو رب» ولم يصرح بهذا المعنى، فتكون قد كثفت من دلالة «واو رب» ودخلت في شرف المعنى.

شوف بقى لما تأتي بـ «واو رب» وتبدأ بها الموضوعات مكافحة داخل القصيدة ويكون فيها مع دلالتها الذاتية ارتباط بما قبلها، هذا نوع من العرف والعادة في الكلام، ولهذا الجاهليون لهم عرف وعادة كثيرة. قراءتكم للجاهليين وللإسلاميين ستحدث عندكم هذا النوع من العرف والعادة الذي ستؤول به تراكيب القصيدة.

أظن المتنبي له قصيدة بدأ بها أوروبا، رأيتم العرف والعادة هما اللذان سيحكمان. طيب لو قابلك ناقد وأنت تقول قصيدتك على النمط الجاهلي، وقابلك ناقد لا يعرف هذه العلق المعنوية أو هذه الأعراف والعادات عند هذه الطبقة، سيظلم قصيدتك. ولهذا من الأشياء التي في نيتي غرسها في قلوبكم وفي نفوسكم، أنك إذا صنعت قصيدة ثقيلة واعتقدت بأنها ثقيلة وأنت عالم بالشعر، ثم لم تقابل بالحفاوة المطلوبة حتى ممن يزعم له النقد والعلم، فأقول لك: إن تجربتي في معرفة القراءات التي لا تحصى من قديم في مجالات الأدب والتاريخ وكذا، أن هناك قصائد تبيت لسنين، تبيت لدهور، ثم تنفجر على يد فاهم، وهذا في الشرق والغرب. فلا تهمل ما قلت، فربما لم يلاقِ من يوعبه ويقدره، ويوشك أن يلاقيه.

لقد خوطب الناس بما يتعارفون عليه؛ لا نمنع أن تخاطب المعاصرين بقصائد يفهمونها، لكن أنتم يا رواد القصيد -وهذه صفة ليست مدرسة، أنتم الطليعة التي تحيي هذا الشعر- لا ينبغي لكم أن تقتصروا على هذا النوع، وإنما عليكم أن تصنعوا القصائد التي تبزون بها القدماء. نحن عالة عليهم، والشعراء عالة على بعض، وقد يتفوق البعض على معيله وعلى صاحب الفضل عليه، هذا حصل في التاريخ. وقد يحصل العكس أن يظل تابعاً، مثلاً في كثير من الذين فضلوا أبو تمام، هم جميعاً يقولون أبو تمام فوقنا. البحتري ربما بز أبا تمام، صحيح، لكن جمهوره لم يبزوا أبا تمام والجميع اعترف له، وأنا مائل إلى البحتري ولست أميل إلى أبي تمام، لكن أميل إلى البحتري، أما أبو تمام فعظيم.

قال: لأن الناس خوطبوا بما يتعارفون، وسلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه. وكذلك قوله: «ألا تأكلون»، وذلك أن قوله: ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ فقربه إليهم يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقوله «فكأنه قيل»، والله أعلم، فما قال حين وضع الطعام بين أيديهم، فأتى قوله: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ جواباً عن ذلك. وكذا قالوا: «لا تخف»، لأن قوله: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ يقتضي أن يكون من الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره، فكأنه قيل، فما قالوا حين رأوه وقد تغير ودخلته الخيفة فقيل: ﴿لَا تَخَفْ﴾، وذلك والله أعلم.

«والله أعلم»؛ وذلك هو خائف يتكلم في القرآن، وذلك والله أعلم. المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته، كالذي يجيء في قصة فرعون عليه اللعنة، كالذي يجيء في رد موسى عليه السلام، كقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ * قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ * قَالُوا رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ * قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ * قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: 23-28].

جاء ذلك كله «والله أعلم» على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين؛ فلما كان السامع منا إذا سمع الخبر عن فرعون أنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ...﴾.

العالمين وقع في نفسه أن يقوله فما قال، موسى له: {قَالَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. أتى الجواب مبتدئًا مفصولًا غير معطوف، أو مبتدأ مفصولًا غير معطوف. وهكذا التقدير والتفسير أبدًا في كل ما جاء فيه لفظ «قال».

هذا المجيء وقد يكون الأمر في بعض ذلك أشد وضوحًا، فمما هو في غاية الوضوح قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [يس: 13-14]. وذلك أنه لا يخفى على عاقل أنه جاء على معنى الجواب، وعلى أن نزل السامعون كأنهم قالوا.

فما قال له الملائكة، فقيل: «قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين». وكذلك قوله عز وجل في سورة يس: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: 13-17].

التقدير الذي قدرناه من معنى السؤال والجواب بين ظاهر في ذلك كله، ونسأل الله التوفيق للصواب والعصمة من الزلل، آمين آمين.

فصل، هذا الفصل يلخص لك صفحة واحدة، واعتمدوه في البلاغة، في شروح البلاغة. فصل: «وإذ قد عرفت». لكن فيها ملمح سنقف عنده، سنبينه إن شاء الله. فصل: «وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها، فاعلم أن قد حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب».

مؤسس البلاغة رحمه الله قال: «ونحن لن نطيل في هذا المجلس إن شاء الله، وإذ قد عرفت هذه الأصول والقوانين في شأن فصل الجمل ووصلها، فاعلم أن قد حصلنا من ذلك على أن الجمل على ثلاثة أضرب: جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف، والتأكيد مع المؤكد».

فلا يكون فيها العطف البتة؛ لشبه العطف فيها لو عُطفت بعطف الشيء على نفسه. جملة حالها مع التي قبلها حال الصفة مع الموصوف هي نفس الشيء، والتأكيد مع المؤكد نفس الشيء، ليس من كل الجهات. أنتم خلاص تجاوزتم هذه المرحلة، فلا يكون فيها العطف البتة، وإلا لذكر السبب: «لشبه العطف فيها لو عُطفت بعطف الشيء على نفسه»، يعني هذا تقارب شديد أدى إلى منع العطف. خلاص، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين.

الكلام على نفس الكتاب: «وإذ تتلى عليه آياتنا ولا مستكبر، كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقراً». وجملة حالها مع التي قبلها حال الاسم يكون غير الذي قبله، إلا أنه يشاركه في حكم ويدخل معه في معنى. طبعًا لو قلت هنا الدخول في المعنى هذا عام، يشاركه في حكم، ربما تقول يدخل في هذا الحكم الإعرابي، وطبيعي هنا ستحتاج إلى الحرف الذي ينقل الإعراب، مفهوم. لكن كلامنا هنا على عطف الكلام على الكلام، ليس بينهما اشتراك في الإعراب كما عرفت.

قال: «مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه، فيكون حقها العطف». يعني هذه مرحلة هي بين «جملة وجملة حالها مع التي قبلها تشبه ماذا؟» قال: «حال الاسم يكون غير الذي قبله هو اسم آخر، إلا أنه يشاركه في حكم ويدخل معه في معنى، مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً إليه». اشتركوا، لكن كلاهما اسم، فيكون حقهما العطف: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: 13-14]. إذاً الأبرار والفجار، الأبرار في نعيم والفجار في جحيم، مختلفان في حكم اسمين مختلفين، لكن اشتركا في معنى، وهو السؤال أو الجواب عن حال، أو الإفادة بحال أهل الدنيا في الآخرة.

قال: «وجملة ليست في شيء من الحالين، بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع الاسم، لا يكون منه في شيء حكم ثاني خالص». هو هل الحكم الآخر هذا ليس له أي علاقة؟ ما هو لو ليست له علاقة لما أتى في الكلام أصلاً. وجملة ليست في شيء من الحالين، بل سبيلها مع التي قبلها سبيل الاسم مع الاسم، لا يكون منه في شيء؛ فلا يكون إياه. هذه العلاقة بين الجملة والجملة، الجملتان أجانب عن بعضهما، لكن اشتركا تحت معنى عام طُلب في سياق، وهذه الأجنبية هي التي جمعتهم أصلاً.

سأوضح هذا الآن، وأقرأ من كلام الدكتور محمد إبراهيم شادي لأنه نبه أيضًا إلى هذا، قال: «فلا يكون إياه ولا الكلام عن خصوص العلاقة بين المعنى الداخلي للجملتين، وليس في إحداث علاقة بين المعنيين في سياق الكلام، هذا شيء آخر، جهة أخرى؛ فلا يكون إياه ولا مشاركًا له في معنى، بل هو شيء إن ذُكر لم يُذكر إلا ينفرد به، ويكون ذكر الذي قبله وترك الذكر، سواء في حاله لعدم التعلق بينه وبين ما قبله، وحق هذا ترك العطف البتة».

مثال ذلك يا إخوة في آيات سورة يس من صفحة 241: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: 13-18]. لا علاقة بين المعنيين من جهة مادة المعنى؛ يعني شوف، قال: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾، ليس لها علاقة بـ ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾، يعني لا تشترك الجملتان في المعنى، ليس كـ ﴿وَلَا مُسْتَكْبِرٌ * كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾، الاثنين أصلاً من إناء واحد.

﴿الْفُجَّارُ لَفِي جَحِيمٍ﴾، هنا يوجد اشتراك في المعنى، فالأول تقارب شديد، هذا تقارب بين هذا الأخير لا يوجد، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ [يس: 18-19].

وجاء: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 20]. هذه عبارة أخرى، وقوله كلام فعل مستقل لا علاقة له بـ "وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى".

الدكتور محمد إبراهيم شادي له تنبيه مهم جدا في شرحه "على الدلائل" صفحة 329، الحاشية الثانية على هذا النوع الأخير، قال: «هذا ما يسمى بكمال الانقطاع»، مفهوم؟ قال: «انظر، وهو لا يعني انتفاء العلاقة تماما، ولكن يريد استقلال الجملة الثانية تماما بحيث لا يصبح معناها متعلقا بما قبلها، وذلك عندما يكون المتكلم بصدد معنى فيفرغ منه ويشرع في معنى آخر، فلا يعطف هذا على ذاك، لكن هذا لا يمنع من وجود صلة ما بين الجملتين وإن دقت، وهي التي سوغت مجيء المعنى اللاحق بعد السابق مفصولا عنه».

هذا يا إخوة فيه إشكال، ويحتاج إلى توضيح واضح. أقول أزيد عليكم: بل الفصل نفسه علاقة بين جملتين وإن تباعدتا. الفصل علاقة بين جملتين، الفصل وليس الوصل، لا أقول وليس فقط، بل هناك علاقة خفية، بل الفصل علاقة بين جملتين وإن تباعدتا.

مستحيل لغير مرهف الحس، طويل النفس، أن يفهم شعر امرئ القيس وأن يقرأه. تعرفون ماذا يقول؟ يقول: فشبهتهم في الآل حين زهاهم ... حدائق دوم أو سفنا مقيربات من نخيل بـيمن ها فشبهتهم... في "الآل حين زهاهم" أول تشبيه "حدائق دوم"، ثاني تشبيه "سفينا مقيربات". هنا طبعا وصل بماذا؟ بحرف الواو، يعني وصل الكلام بالواو؛ لماذا؟ شبهتهم كذا أو كذا، وهذا حكم إعرابي، فشبهتهم في الآل حين زهاهم حدائق دوم أو سفينا كلاهما منصوب، فهناك مشاركة في الإعراب، أو "المقيربات" أيضا معطوف.

ثم يقول: من نخيل بيمنا من الدفين الصفى ... اللائي يلين المشقرا سوامق جبار اثيث فروعه ... وعين قنوانا من البسر احمرا حمته بنو الربداء واعتم زهوه ... واكمامه حتى إذا ما تهصر أطافت به جيلان عند قطاعه ... تردد فيه العين حتى تحير كها

خلص، انظر للجديد: كأن دما سقف على ظهر مرمر ... كسى مزبد الساجوم وشيا مصورا هذا تشبيه جديد، هو لم يترك التشبيه، هذا رابع مشبه به فقط. لذلك قلت إن مستحيلا لغير مرهف الحس طويل النفس أن يقرأ امرئ القيس. الشخص الصغير أو المبتدئ ربما يفهم قوله "كأن دما سقف" فيظنه جزءا من التشبيه السابق المفصل، هو يبدأ تشبيها جديدا، كأنه قال: فشبهتهم في الآل حين زهاهم حدائق دوم أو سفينا مقيربات، ثم "كأن دما سقف" استأنف تشبيها جديدا، وفصل.

هذه جملة تشبيه، و"شبهتهم" أداة تشبيه، و"كأن" أداة تشبيه وابتداء كلام جديد. وإذا لم تقرأ "كأن" على أنها جملة منفصلة ولكنها مرتبطة بعلاقة بينها وبين التشبيه الأول، لم تستطع أن تفهم بناء القصيدة وتركيب القصيدة وقوة السبك أو الحبك في القصيدة. فنفس الفصل علاقة بين الجملتين وإن تباعدت.

بل أقول: انظر كمان الاتصال يا عقيل مع افتراق الأبيات، بل أقول: خذها عندك العجب، وهذا ما لم يقل، بل أقول: الفصل لشدة التقارب مع بعد الموضع علاقة قوية، الفصل لشدة التقارب مع بعد الموضع، بعد المفصول مع كونه من جنسه لشدة التقارب، هو في نفس الباب، هذا نوع من إسر القصيدة.

هذه مراحل يا إخوة ساقني للحديث فيها عبد القاهر. هذه أشياء أنا بعد لم أتحدث معكم فيها. هناك زعم أن الشيئين هو شيء واحد وليس في هذا، أحسنت. هذا من الأشياء التي جمعتها مما يعرف به قوة إسر القصيدة وامتدادها، أجمعها منذ سنين من القصيدة العربية.

القاعدة في هذا ما يسمى بالجملة النحوية، صارت كما يقولون التعبير الذي لا أحبه، صارت معرفة كلاسيكية. يقول لك: تباعد أو امتداد مكونات الجملة، مثل ابن حجر: أيتها النفس أجملي جزع إن الذي ... تحذرين قد وقع إن الذي جمع السماحة والندى ... وكذا كذا جمع الألمعي الذي يظن لك كان قد رأى ... وقد سمع كذا يأتي بعد تسعة أبيات، في البيت العاشر يأتي بخبر "إن" جملة فعلية، ويقول: أودى بعد امتداد جملة الصلة من البيت الثاني للبيت التاسع، جملة الصلة، جملة صلة الاسم الموصول "الذي إن الذي تحذرين قد وقع"، "الألمعي الذي كذا كذا"، كلها توابع، قل نعوت، قل امتداد الجملة، ثم يأتي الخبر بخبر "إن" المذكورة في البيت الثاني في البيت العاشر. فهذا من المعروف لظهوره، لكن هناك أشياء لم تعرف منها الجمل المفصول التي فصلت للتقارب إذا طال بينها الكلام. هذا من دقائق ما جمعته في شد رباط القصيدة.

مما يشبه أو مما هو من قضية البناء النحوي في الجملة، ما جاء في معلقة النابغة الذبياني لما قال: أعطى لفارته ماذا قال؟ «أعطى لفارته»، قالوا: بماذا ارتبطت؟ شوف ماذا قال: «ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه»، ثم استثنى بجملة اعتراضية قال: «فتلك تبلغني النعمان أن له فضلا على الناس في الأدنى وفي البعد»، ولا أرى... فكرة هذا الحديث من حديث الفصل والوصل مهمة. «ولا أرى فاعلا في...» هو لب الشعر في الحقيقة، ممكن واحد يدرس عبد القاهر وأما تطبيق الشعر لا علاقة له، هذا في الكلام، أما الشعر فهو فن وتطبيق.

شيء آخر يقول، بعد أن ذكر فصل الناقة بعد الطلل: «فتلك تبلغني النعمان أن له فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعد، ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه، ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه، ولا أحاشي من الأقوام من أحد، إلا سليمان إذ قال الإله: قم في البرية، فآخذها عن الفند، وخيس الجن إني قد أذنت، هم يبدون تدمر بالصفاح والعمد، فمن أطاعك فأنفعه بطاعته كما أطاعك وأدلله على الرشد، ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم، ولا تقعد على ضمد إلا لمثلك أو من أنت سابقه، سبق الجواد إذا استولى على الأمد ألا أعطى لفارهه».

ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه، أعطى لفارهه. هكذا قالوا، وهذا وصل عجيب وغريب. هذا يطالبك بأنه إذا قيل «أعطى لفارهه» أن تكون ذاكرتك تستحضر «ولا أرى فاعلاً» لتأتي لتميز بهذا العطاء، «ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه ولا أحاشي من الأقوام من أحد»، ثم ذكر عطاءات سليمان وأفعاله في البرية، ثم قال «أعطى لفارهته»، رجع إلى الواقع بعد التمثيل بأفعال سليمان على وجه المبالغة، أو بعطاءات سليمان النبي عليه السلام.

يُذكرون امتداد التعلقات النحوية وإنه مما يحدث به شد بناء القصيدة، أو بنية القصيدة كما يعبرون. أنا أحب أن أسميها أسر القصيدة، لأنها مصطلح مستعمل: فلان أشد أسر قصيد من فلان، يقول البيت وأخاه، وأما فلان يقول البيت وابن عمه، أو شعره كأبناء علة، أو أبياته كأبناء ضرائر. فأحب كلمة أسر القصيدة، تشد الأسر البناء. ومن وجوه ذلك الجمل المفصولة من جنس التقارب الشديد التي هي من جنس المتقارب الشديد إذا طال الفصل بينها، وهذا ما جاء هنا في هذه القصيدة.

وأنا أكتب شرح امرئ القيس منذ مدة وأوظف فيها هذه المعارف. فشبهتهم في الكل كذا وكذا. امرؤ القيس لم ينسَ التشبيه المفصل، لم ينسَ أنه ما زال يشبه، وأتى على طريقته في تكرار التشبيه أو في تعدد التشبيه، والتشبيه الطويل لم ينسه أن يشبه تشبيهاً آخر أقصر في بيت واحد: «كان دماً سقف على ظهر مرمر، كسى مزبد السجوم وشيئاً مصوراً». ثم استفاض في وصفهن ولو بدون تشبيه: «غرائر في كن وصون ونعمة، يحلين ياقوتاً وشذراً مفقراً»، وهكذا. فرأيتم ما فيش حاجة اسمها انفصال تام.

قال: فترك العطف يكون إما للاتصال إلى الغاية، أو الانفصال إلى الغاية، والعطف لما هو واسطة بين الأمرين، وكان له حال بين حالين. لنختم بهذا المثال، امرؤ القيس يقول: «سمى لك شوق بعدما كان أقصر، وحلت سليمة بطن قو فعرا». لو قلت إنها استئنافية: «سمى لك شوق بعدما كان أقصر، وحلت سليمة بطن قو فعرا»، لماذا؟ لكون كل شطر منهما يؤول إلى حاجته إلى رواء هذا الشوق. لو قلت إن الواو هنا استئنافية: «سمى لك شوق بعدما كان أقصر، وحلت سليمة بطن قو فعرا»، سمى الشوق بعد الذي كان ذهب وذهبت، أو ذهب ما يروي به هذا الشوق.

طبعاً التفصيل في هذه الأشياء دقيق ومعقد، وفي الأخير سيرجع إلى مدى ذوقك وحسك، سيظل يسبق عقلك، وسيظل العقل يحاول إدراك القريحة. وهذا ما أرضى به، أنني أنصر القريحة على العقل؛ العقل ليس هو الذي يفعل، العقل يحاول التعليل، ومهما علل تبقى القريحة.

شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.