بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الثلاثون من مجالس شرح كتاب "دلائل الإعجاز" للإمام شيخ البلاغيين أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين آمين. توقفنا أيها الإخوة في الصفحة الثانية بعد المائتين عند الفقرة الثالثة بعد الستين والمائتين. وأخلصنا المحاضرة الماضية، التي هي التاسعة عشرة، في مناقشة ما دعا إليه الدكتور محمد حماسة رحمه الله، الأستاذ الكبير في كلية دار العلوم، حيث دعا إلى أن يكون علم البيان أو أن تكون علوم البلاغة من صلب علم النحو وداخلة في عمل النحاة، ونعى على النحويين أنهم لم يهتموا لذلك، واحتج بأن ذلك الوجه من البيان والبلاغة إنما يحصل بالإسناد، والإسناد من عمل النحاة. وناقشنا كل ذلك واستغرقنا فيه أو لأجله المحاضرة بتمامها، وكان مناسبة ذلك هو قول عبد القاهر: "واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة أنت تقول فيه إنه خفي غامض ودقيق صعب، إلا وعلم هذا الباب الذي هو الفصل والوصل أغمض وأخفى وأدق وأصعب. وقد قنع الناس فيه بأن يقولوا: إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف أن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله، لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك. ولقد غفلوا غفلة شديدة".
قلت إنه يقول ما من علم من علوم البلاغة، ونعى على الناس أنهم قنعوا بأن يقال إن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله فقط هكذا. وقلت إن هذا يقف عنده النحاة، وينبغي للمشتغل بالبيان أن يعلم أنه لا يوقف عنده بحيث لا يتجاوز في البيان. قال: "ومما هو أصل في هذا الباب أنك قد ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله".
هذه الواو في قوله وحالها مع التي قبلها ما نوعها؟ هي حالية. لماذا تتردد؟ ولماذا وصل؟ لماذا جاء بواو الحال هنا، يعني لماذا وصل بواو الحال؟ لأن الموضوع فيه يريد أن يربطها؛ لأنها حالة غريبة، فهو يقول إنك تراها في حال كونها تستحق الواو لا يأتي بالواو، بالضبط لأنها حالة مخصوصة، يعني هو يريد أن يجعلها كأنها حالاً. لو قال هنا: إنك قد ترى الجملة حالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبلها، يصح أو لا يصح؟ يصح طبعاً. يصح لماذا؟ للاستقلال في الجملة الأخرى، لأنه لو قال: ومما هو أصل في هذا الباب إنك قد ترى الجملة حالها مع التي قبلها حال ما يعطف، هناك سببان لترك الواو: السبب الأول الذي تراه في أول لفظة في جملة الحال وجود ضمير، والسبب الثاني كلمة ترى التي تحتمل أن تتضمن معنى الجعل. تذكرون "ترى الجملة حالها كذا"؟ فقال: أشبهت أنك تراها تجعلها حالها كذا. تذكرون لما تكلم عن بعض الأفعال وقال: وهذه تشبه أن تنصب مفعولين؟ ومع ذلك أتى هنا بالواو.
قلنا قد يأتي بالواو لزيادة شيء في الكلام وزيادة عناية، وكأنه يستقل بكلام جديد أو يضيف معنى جديداً. "إنك قد ترى الجملة وحالها كذا وكذا"، يعني إذا هو لو قال: إنك قد ترى الجملة حالها كذا وكذا، يصح. ومما هو أصل في هذا الباب أنك قد ترى الجملة حالها كذا، يعني تراها حال كونها كذا وكذا، هذا سيصح، ولكن لما قال: وحالها كذا وكذا، فهنا أعطى لك عناية زائدة بهذا، ومررنا على مثل ذلك في خضم الأمثلة التي مرت معنا.
يقول: ومما هو أصل في هذا الباب أنك ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف لأمر عرض فيها صارت به أجنبية مما قبله، تترك العطف لماذا؟ انتبهوا، نحن الآن في الفصل والوصل، أنا استحضرت لك الحال فقط استعرته لك هنا للتذكير ولإعمال الذهن. يقول حصل شيء أجنبي منع اتصال الجملتين، ولولا هذا الشيء الأجنبي لاتصلت الجملتان بالواو ولعطفت إحداهما على الأخرى عطف الكلام على الكلام، طبعاً العطف قلنا معنى عام واصطلاح أعم، يعني اصطلاح عام من العطف الذي يشرك في الإعراب، نحن الآن هنا في عدم الإشراك في الإعراب. قال: ومما هو أصل في هذا الباب أنك قد ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف لأمر عرض فيها صارت به أجنبية مما قبلها.
يعني ترك العطف؛ أخونا مش شعشاعي يقول: ومما ينبغي كان أن تكون كذا، لا هو محمود شاكر يعني زاد في الفقرات إذا رأى المعنى يستقل، والأمر في ذلك هين، يعني عبد القاهر لم يصنع فقرات، عبد القاهر لم يصنع فقرات ترقيمية ولم يجعلها فصولاً، هذه فقرات كتابية ترقيمها وترك الترقيم وكذا هذا أمر النقاش فيه سهل. هو أفرد الفقرة الثالثة بعد الستين والمائتين لبيان صعوبة الأمر ولبيان كذا وكذا.
قال: ومما هو أصل في هذا الباب أنك قد ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله، ثم تراها قد وجب فيها ترك العطف لأمر عرض فيها صارت به أجنبية مما قبلها. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15]، الظاهر كما لا يخفى يقتضي أن يعطف على ما قبله من قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]، وذلك أنه ليس بأجنبي منه، بل هو نظير ما جاء معطوفاً من قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ليست أجنبية عنها، المعنى متصل فناسب جداً أن تصل بالواو، ولكن عرض شيء. لماذا لم تجرِ عبارة ﴿يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ مجرى ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾؟ لماذا قال بل هو نظير ما جاء معطوفاً من قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 54]، وما أشبه ذلك مما يرد فيه العجز على الصدر؛ لأن الآية تقول: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]، فقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾.
لماذا ليس والله يستهزئ بهم كما في يخادعون الله وهو خادعهم، ومكروا ومكر الله؟ لماذا تركت الواو هنا كما يقول حصل شيء؟ لامر عرض، يقول لأمر عرض فيها، ما الذي عرض؟ تعالوا قال: وما أشبه ذلك مما يرد فيه العجز على الصدر، ثم إنك تجده قد جاء غير معطوف، وذلك لأمر أوجب ألا يعطف، وهو أن قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ حكاية عنهم أنهم قالوا، وليس بخبر من الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ خبر من الله تعالى أنه يجازيهم على كفرهم واستهزائهم، وإذا كان كذلك كان العطف ممتنعاً لاستحالة أن يكون الذي هو خبر من الله تعالى معطوفاً على ما هو حكاية عنهم. يعني لو قرأت هكذا: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ظن أن ذلك من قولهم. هذه المسألة واضحة يا إخوة، هذا العارض واضح؟
إي أن الله يستهزئ بالمؤمنين، نعم. قال: وإذا كان كذلك كان العطف ممتنعاً، الحمد لله يا ولدي الحمد لله، لاستحالة أن يكون الذي هو خبر من الله تعالى معطوفاً على ما هو حكاية عنهم. وهنا يا إخوة، يكون المرجع هو منطق المعاني من حيث نفسها في الواقع، يعني في واقع نفسها، ما الذي جعلنا ننظر في العلاقة النحوية هنا ونقول يجوز الواو ولا يجوز الواو وينبغي وكان الأصل أن يجوز الواو فامتنع لعارض؟ ما هو العارض؟ شيء في منطق المعاني، وهو أننا لو قلنا كذا لظن أنه من مقول قولهم: قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون والله يستهزئ بهم. فالعلاقات النحوية إنما تكون على تشكل المعاني في النفس، افهموا هذا؛ يعني هذا نص تهدمون به مذهب الحداثة. العلاقات النحوية تكون على تشكل المعاني في النفس، وتشكلها في النفس أساسه طبيعتها في ذاتها، وفي قبولها لهذا التشكل. فمن قال مثلاً إنني أصعد إلى تحت، أو أنزل إلى فوق، أو نحو ذلك دون دلالة واضحة تصرف إلى المجاز، يكون قد أتى بخرف من الألفاظ لعدم إمكان هذه المعاني وبطلان ذلك الإسناد؛ يعني ينبغي أن تقع المعاني الصحيحة الطبيعية في النفس، فإذا أخذت أنت تفكر في الوصلات بدون دلالة عليها بيانية في الكلام، فأخذت تسقط الوسائط وتلحق الأول بالأخير أو الأخير بالأول وتخرجه في نص، نقول هذا ليس بياناً.
ركزتم يعني ما الذي قاله عبد القاهر هنا؟ قال إن هذا الحذف أو عدم الوصل بالواو كان الأصل أن يكون، ولكن لم يكن لأمر عارض. ما الأمر العارض يا أخي؟ شوف الكلام بالله؛ الأمر العارض الذي خالف الأصل في الكلام وهو أن يعطف لاتحاد جنس الكلامين؛ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، كان ينبغي أن تكون في الأصل والله يستهزئ بهم، صح؟ الذي منع هذا أنه سيظن المتلقي أن ذلك من مقول قولهم. إذاً هناك منطق للكلام مشترك. عند الحداثي لتعلم ماذا يقول لك: يقول لك أن تتخيل ما تشاء من الوسائط وكله مراد، طيب هذه ورطة، ماذا نفعل؟ يعني إذا كله مراد ماذا نفعل؟ قال: لا يوجد مفسر أو ناقد، هذا إبداع جديد على فكرة، هذا ليس كلامي، هذا كلامهم حقيقة، أنا لا أفتري عليهم؛ هم يقولون الناقد مبدع جديد، يقولون الناقد مبدع جديد، لا يوجد عند الحداثي مفسر شعر، لا يوجد عند الحداثي مفسر، يوجد قارئ مبدع جديد، تخيلوا! لا يوجد ناقد يعيب، يوجد إلا في أحوال معينة، لكن يوجد قارئ جديد ومبدع جديد لنص جديد، ثم أخذوا يختلفون، هذا المبدع الجديد هل هو كالمبدع الأول؟ وذهب بعضهم هو في خناقة المعتزلة والأشاعرة، هو في يقولون لك هو مبدع أقل درجة، خلاص تشعر أنهم معتزلة، هو مبدع أقل درجة، طبعاً ليس الحداثي العربي، الحداثي العربي يجمع عذره غيره، هذه أما الذي أكل ليهضم فهو الغرب، أنا أتكلم الآن كلام الغربيين.
قالوا مثلاً في أمات كتبهم التي أسست لنظرية الحداثة بالمناسبة يقول مثلاً المبدع الجديد ممكن أن نقول إنه مبدع، نصف مبدع، لأنه لم يبدع النص الأول وإنما أبدع معنى جديداً على نص موجود، فهو مبدع جديد. وليس هناك المعنى الذي للمتكلم، هذا ما هو بني هذه الحداثة يا إخوة صراحة؟ منهم بنيت على أو أسست على ماذا؟ على تدمير، كما قالوا في ترجماتها، تدمير اللغة المبنينة، تدمير البناء اللغوي، يعني نكسر كل المألوف، طيب ما أنت لو كسرت المألوف أنت فقدت صفة لغوية أصلاً! ما هو حتى تكون هناك لغة لابد من متكلم مخاطب ومخاطب ووسيط لغوي، صح؟ وسيط لغوي حتى نفهم، فإذا وضعت الاحتمالات في كل شيء وصار كل قارئ مهما اختلف معك ومع غيرك مبدعاً جديداً، إذا صفة اللغوية ذهبت، صفة نقلية ذهبت.
أما في العربية والمنهج اللغوي الصحيح انظر؛ لم يؤتى بالواو حتى لا يدخل في كلامهم، بل هناك فائدة أخرى عظيمة ستأتي، ليس فقط الاحتراس، ليس فقط عدم الالتباس، لا هناك فائدة أخرى جديدة ستأتي عظيمة جداً، الله عظيمة جداً، لكن اصبروا. إذا طبقنا هذا المنهج الحداثي في اللغة فلكم أن تتخيلوا كيف يمكن إذا استسيغ، إذا شرع في البيئة العربية، كيف يمكن أن يفعل في تزوير معاني القرآن بالضبط، أنا عمال أستثيرك بمعتزلة وأشاعرة لأني أعرف أنك مهتم بهذا الملف، فيقول تفسيرهم سيكون باطنياً. نعم، خلاص كل التفسيرات ستكون صحيحة، وهذا بالمناسبة فعلوه وقال به البعض فعلاً، أن التفسيرات التي تفهمها على بيئتك أنت مخاطب بها وانتهى، فكل إنسان له قرآنه. إذاً فأين كتاب الله الذي نحتكم إليه جميعاً؟ لا يوجد. بماذا يقدر القاضي؟ لا قاضي كما لا ناقد أصلاً، ما هو زي ما ينتفي الناقد ينتفي القاضي، صح؟ كما ينتفي الناقد ينتفي القاضي لأن القاضي يرجع إليه في تفسير كتاب الله وفي الحكم بكتاب الله وسنة النبي ﷺ، فإذا اختلفت الرؤى وما صار هناك مفسر، وصار هناك المبدع الجديد والفاهِم الجديد، فلماذا تحكم عليَّ أيها القاضي؟ أنا سأفهم كما أشاء، وفلان يفهم كما أشاء، وتخرب الدنيا ولا تقوم مصالح الناس؛ لأنه سيكون كل إنسان قاضياً، تظنني أبالغ في هذا الكلام؟
يا أخي منطق الأمر منطقه أدرسه بالمنطق، وعلى أصول الحداثة وافعل شيئاً واحداً: انقل هذه الأصول لنص القرآن بما فيه الأحكام، وأخبرني إذا كنت مبالغاً. انقل هذه الأصول لكتاب الله تعالى ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرني إذا كنت مبالغاً. كيف سنحتكم إلى كتاب وسنة؟ الاحتكام يعني الرجوع إلى المفسر، كما أن الاحتكام في الشعر يعني الرجوع إلى الناقد؛ كما ضربوا أكباد الإبل ليجلسوا بين يدي النابغة الذبياني في سوق عكاظ تحت القبة الحمراء. إذا نفيت التأويل، التفسير، الفهم بدلالات اللغة المشتركة من حيث كونها لغة، نفيت الناقد ونفيت القاضي، وصار كل إنسان قاضي نفسه. تخيلوا أن تنتقل المهزلة النقدية المعاصرة الحداثية في الشريعة، هو ذا الذي سيحصل، أن تنتقل صورة المهزلة الحاصلة في الشعر وفي النقد، أو في فهم الشعر -ليس عندهم نقد- تنتقل إلى الشريعة وفهم القرآن والسنة.
مصيبة، ولهذا لابد وأن ننتصر في هذه المعركة في أرض الشعر لأن خلف ظهورنا -ونحن نواجه العدو في المعركة- أرض القرآن والسنة. المعركة لابد تحسم في أرض الشعر، ولهذا من أسباب أنني أقف فيها بشراسة ألا يتجاوز فيها إلى القرآن والسنة. ما زلنا في الشعر وسنهزمهم في أرض الشعر والنص الأدبي، حتى لا نأتي ونبحث ونحاول أن نخرجهم من الأرض القرآنية وأنت أصلاً لا تعرف الأرض الشعرية، بتحارب إيه؟ خلاص حلاوة روح، هو جهد المقل وتموت مش هتعرف، خلاص تمكنوا. نحاربهم على حدود الأدب ولا نسمح بأن ينتصروا في أرض الشعر، بل يقبرون فيها حتى تظل أرض القرآن طاهرة من هذا. نعم.
شوف، قال: «وإذا كان كذلك كان العطف ممتنعاً لاستحالة أن يكون الذي هو خبر من الله تعالى معطوفاً على ما هو حكاية عنهم، ولايجاب ذلك أن يخرج من كونه خبراً من الله تعالى إلى كونه حكاية عنهم، وإلى أن يكونوا قد شهدوا على أنفسهم بأنهم مؤاخذون، وأن الله تعالى معاقبهم عليه». قال: «وإذا كان كذلك كان العطف ممتنعاً لاستحالة أن يكون الذي هو خبر من الله تعالى معطوفاً على ما هو حكاية عنهم، ولايجاب ذلك أن يخرج من كونه خبراً من الله تعالى إلى كونه حكاية عنهم، وإلى أن يكونوا قد شهدوا على أنفسهم بأنهم مؤاخذون، وأن الله تعالى معاقبهم عليه». طبعاً أنت لك أن تفهم فهماً آخر، هو أصلاً خطأ أن يقال: «والله يستهزئ بهم»، أنت فهمتها -كما رأيتم الآن- أنهم يقولون: الله يستهزئ بالمؤمنين. خلاص، وإذا فهمتها على الكافرين، يكونون قد أوجبوا على أنفسهم أنهم كذلك، وشهدوا على أنفسهم. وهكذا، لا منطق للكلام إلا عند الحداثة، طبعاً يجوز عند الحداثة يجوز كل شيء، نعم، لأنه لا شيء عنده أصلاً.
قال: «وليس كذلك الحال في قوله تعالى ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ومكروا ومكر الله؛ لأن الأول من الكلامين فيهما كالثاني في أنه خبر من الله تعالى وليس بحكاية». يعني لم يدخل تحت مقول قول: قالوا كذا، فتحسب أنه في داخل القول فتحتاج إلى الفصل لتبدأ كلاماً جديداً. لا، ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ كلام من الله، ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ كلام من الله، فلما قوي الاتصال وضع الواو. نعم، قال: «وليس كذلك الحال في قوله تعالى ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ومكروا ومكر الله؛ لأن الأول من الكلامين فيهما كالثاني في أنه خبر من الله تعالى وليس بحكاية». وهذا هو العلة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 11-12]. إنما جاء ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ مستأنفاً مفتتحاً بـ "ألا"؛ لأنه خبر من الله تعالى بأنهم كذلك؛ لأن الذي قبله جاء منقول قول: ﴿قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. ﴿وَأَنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ سيشتبه كالأول، ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾؛ نفس العلة، نفس الشيء.
قال: «إنما جاء ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ مستأنفاً مفتتحاً بـ "ألا" لأنه خبر من الله تعالى بأنهم كذلك، والذي قبله من قوله ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ حكاية عنهم». حكاية يعني حكاية القول عنهم، قالوا. حكاية عنهم، فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدمت ذكره من الدخول في الحكاية، يعني دخول العبارة الجديدة في الحكاية الأولى لو حصل العطف بالواو. يقول: «فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدمت ذكره من الدخول في الحكاية، ولصار خبراً من اليهود ووصفاً منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون، ولصار كأنه قيل: قالوا إنما نحن مصلحون وقالوا إنهم هم المفسدون، وذلك ما لا يشك في فساده». إذاً كما قلت، المرجع هو منطق المعاني، وإذا كان الحداثة لا منطق لها فلا معاني ولا نص ولا شيء.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13]. قال: «ولو عطف ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ على ما قبله، لكان يكون قد أدخل في الحكاية، ولصار حديثاً منهم عن أنفسهم بأنهم هم السفهاء، من بعد أن زعموا أنهم إنما تركوا أن يؤمنوا لئلا يكونوا من السفهاء». على أن في هذا أمراً آخر، يا سلام، ركزوا في الكلام الجميل: على أن في هذا أمراً آخر، وهو أن قوله ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ استفهام، ولا يعطف الخبر على الاستفهام. وقعت هنا الواو يا إخوة قبل "لا"، وهي موجودة في نسخة المراغي صفحة 161، وقعت من نسخة محمود شاكر، للأسف، هذه النسخة لمحمود شاكر مع كونها المعتمدة ليست الأصح من جهة ضبط النص وتنسيقه، وإنما نسخة المراغي أصح منها في كثير من المواضع، نعم. قال: «على أن في هذا أمراً آخر، وهو أن قوله ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ استفهام، ولا يعطف الخبر على الاستفهام».
فإن قلت: هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿قَالُوا﴾ من قوله ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ لا على ما بعده؟ اه، استنى، في كلام هنا دقيق وخطير، ركزوا في الكلام، مسألة دقيقة. يقول: فإن قلت هل كان يجوز أن يعطف قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على ﴿قَالُوا﴾ من قوله ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ يعني لا ندخله في مقول القول، ندخله في القول، لا على ما بعده، يعني لا على المقول. وكذلك كان يفعل في ﴿وَأَنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ و﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾، وكان يكون نظير قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: 8]، وذلك أن قوله ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا﴾ معطوف من غير شك على ﴿قَالُوا﴾ دون ما بعده. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ﴿وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، إذاً الآية الآن صارت على الوجه، على الاحتمال. ليس الآية، المعنى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، يعني قالوا والله يستهزئ بهم، إذاً لا نعطف على ما بعده على مقول القول، نعطف على القول، على ﴿قَالُوا﴾. ﴿قَالُوا وَاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ﴾، أين المشكلة؟ المشكلة كما سيأتي الآن أن ﴿قَالُوا﴾ لها صفة، ولو عطفت ستشرك في الصفة، ستشرك في الصفة.
تعالى قيل: «فإن قلت كذا، قيل: إن حكم العطف على ﴿قَالُوا﴾ فيما نحن فيه -يعني في هذا الموضع على الخصوص- مخالف لحكمه في الآية التي ذكرت، التي هي آية الأنعام ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ﴾. قيل: إن حكم العطف على ﴿قَالُوا﴾ فيما نحن فيه مخالف لحكمه في الآية التي ذكرت، وذلك أن ﴿قَالُوا﴾ هاهنا جواب شرط أو معنى الشرط في "إذا"، فلو عطف قوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ عليه للزم إدخاله في حكمه من كونه جواباً». وذلك لا يصح، وذاك أنه متى عطف على جواب الشرط شيء بالواو، كان ذلك على ضربين: أحدهما أن يكونا شيئين يتصور وجود كل واحد منهما دون الآخر، ومثاله قولك: "إن تأتني أكرمك، أعطك وأكسك"، والثاني أن يكون المعطوف شيئاً لا يكون حتى يكون المعطوف عليه، ويكون الشرط لذلك سبباً فيه بواسطة كونه سبباً للأول. معلش، أنا عارف العبارة متداخلة وفيها مشكلات، سأوضحها الآن بالشرح التفصيلي إن شاء الله.
خلاص، على المثال الذي سيأتي به. قال: «إذاً متى عطف على جواب الشرط شيء بالواو، كان ذلك على ضربين: أحدهما أن يكونا شيئين يتصور وجود كل واحد منهما دون الآخر، ومثاله قولك: إن تأتني أكرمك، أعطك وأكسك. والثاني أن يكون المعطوف الذي عطف بالواو شيئاً لا يكون حتى يكون المعطوف عليه، ويكون الشرط لذلك سبباً فيه بواسطة كونه سبباً للأول». معلش، لا تقلق، سأشرح على المثال تفصيلاً وسأرجع إلى هذه العبارة لتفسر.
ومثال قولك: "إذا رجع الأمير إلى الدار، استأذنته وخرجت". طيب، يقول: فالخروج، ماذا عندنا الآن يا إخوة؟ أو نأتي بكل واحد لوحده. الشرط: إذا رجع الأمير إلى الدار، هذا الشرط. استأذنته وخرجت، رجوع الأمير إلى الدار هذا الشرط. استأذنته المعطوف عليه، وخرجت المعطوف. طيب يقول: والمعطوف والمعطوف عليه، أين المعطوف في هذا المثال؟ المعطوف "خرجت". أين المعطوف عليه؟ "استأذنته". يقول: فالخروج -الذي هو ماذا؟ المعطوف- لا يكون حتى يكون الاستئذان -الذي هو المعطوف عليه-، وقد صار الرجوع -الذي هو الشرط- سبباً في الخروج، يعني سبباً في ماذا؟ سبباً في المعطوف، من أجل كونه سبباً في الاستئذان. فيكون المعنى في مثل هذا على كلامين نحو: إذا رجع الأمير استأذنت، وإذا استأذنت خرجت.
تعالى بقى نرجع للكلام الأول. «والثاني أن يكون المعطوف -الذي هو الخروج- شيئاً لا يكون حتى يكون المعطوف عليه الاستئذان، ويكون الشرط -الذي هو الرجوع- سبباً فيه -في الخروج- بواسطة كونه سبباً في الأول، الذي هو الاستئذان الذي هو المعطوف عليه. الأول هو المعطوف عليه». وضحت؟ هي معلش، عندنا "إذا رجع الأمير"، واضح؟ طيب عشان بس اللي يسمعوا التسجيل من إخوانكم: إذا رجع الأمير إلى الدار هذا الشرط، استأذنته وخرجت. إذاً عندنا الشرط، عندنا الأول وهو المعطوف عليه، والثاني هو المعطوف. عندنا رجوع الأمير، وعندنا الاستئذان، وعندنا الخروج. رجوع الأمير الشرط، الاستئذان المعطوف عليه، الخروج المعطوف.
طيب يقول: والثاني أن يكون المعطوف -في ارتباط غير الأول- شيئاً لا يكون حتى يكون المعطوف عليه، ويكون الشرط -الذي هو رجوع الأمير- سبباً فيه -في الخروج- بواسطة كونه سبباً في الأول. لم يكن رجوع الأمير سبباً في الخروج إلا لما كان سبباً في الاستئذان، لم يكن سبباً في المعطوف إلا لما كان سبباً في المعطوف عليه، لم يكن سبباً في الثاني -الخروج المعطوف- إلا بعد أن كان سبباً في الأول -في المعطوف عليه الاستئذان-. خلاص؟ بواسطة كونه سبباً في الأول. ومثاله قولك: "إذا رجع الأمير إلى الدار استأذنته وخرجت"، فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان، وقد صار الرجوع سبباً في الخروج من أجل كونه سبباً في الاستئذان. فيكون -وقد صار الرجوع سبباً في الخروج من أجل كونه سبباً في الاستئذان في الأول- هذا معنى قوله: «ويكون الشرط لذلك سبباً فيه بواسطة كونه سبباً في الأول أو سبباً للأول». وضحت؟
طيب، كل شيء بالصبر والهدوء والتكرار والتأمل، لكن أول ما تقرأ وتلاقي ما هو -طبعاً واحد يقرأ مثلاً كتاب الأسرار أول مرة أو الدلائل- يلاقي العبارة داخلة، يا عم ده منطق وفلسفة ومش هعرف أفهم، دي لغة صعبة قوي أنا عايز أقرأ كتاب سهل.
لا، كله بالصبر، كله بالصبر. الصبر والله يا إخوة يذيب الجبال ويفتتها.
قال: فيكون المعنى في مثل هذا على قولين. لحظة يا محمد، إذا استأذنت خرجت. قل يا محمد، مولانا فقط أنا أسألك أنت، قبل قليل قلت بأن هناك وجهاً آخر، وهو أن يكون قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ معطوفاً على اسم الشيء، يعني على فعل الشرط. أنا أقصد هل هذا أصلاً يصح؟ هو الآن الوجهان اللذان ذكرهما.
مولانا، أنت على ما فهمت منكم قبل قليل أنك قلت إن هناك وجهاً وهو وجه فاسد أيضاً، وهو أن يكون العطف في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ عائداً على فعل الشرط نفسه. أين هذا؟ الذي هو: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ﴾.
سياتي الآن. قال: وإذ قد عرفت ذلك، فإنه لو عطف قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على «قالوا» كما زعمت، هو ما زال يناقش هذا الخصم المفترض الذي يتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني. لماذا لا يكون من الأول؟ يعني إذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، هل يكون ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ معطوفاً على «قالوا»؟ لا، الاستهزاء ترتب على ماذا؟ على كونهم يستهزئون، على قولهم: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾.
قل يا أسامة، رفعت يدك. مولانا، كان على السؤال الأول لكن انقطع عندي الاتصال. جميل، قال: وإذ قد عرفت ذلك، فإنه لو عطف قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ على «قالوا» كما زعمت، كان الذي يتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني؛ الذي يعلق فيه المعطوف بالمعطوف عليه ويكون الشرط سبباً في هذا المعطوف بواسطة المعطوف عليه.
خلاص، كان الذي يتصور فيه أن يكون من هذا الضرب الثاني، وأن يكون المعنى: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم ومدهم في طغيانهم يعمهون؛ أي علق على القول، وليس على حقيقتهم. علق على القول، أنهم قالوا، وليس أنهم يضمرون ذلك.
وإن كان المعنى: وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، فإذا قالوا ذلك استهزأ الله بهم ومدهم في طغيانهم يعمهون، وهذا وإن كان يرى أنه يستقيم، فليس هو بمستقيم؛ وذلك أن الجزاء إنما هو على نفس الاستهزاء وفعلهم له وإرادتهم إياه، لا على أنهم حدثوا عن أنفسهم بأنهم مستهزئون.
والعطف على «قالوا» يقتضي أن يكون الجزاء من حديثهم عن أنفسهم بالاستهزاء، لا عليه نفسه. ليس المعنى: فإذا خلوا إلى شياطينهم فقالوا -قالوا بس- «إنا معكم إنما نحن مستهزئون»، فهنا الله يستهزئ بهم؛ فقد علق قولهم لا على فعلهم وعلى ما يضمرونه من الاستهزاء في أنفسهم، وعلى حقيقة هذا المعنى في الصدور. وضحت يا إخوة؟ وضحت؟ جميل.
قال: ويبين ما ذكرناه، من أن الجزاء ينبغي أن يكون على قصدهم الاستهزاء، وفعلهم له، لا على حديثهم عن أنفسهم بأنهم مستهزئون. إنهم لو كانوا قالوا لكبرائهم: «إنما نحن مستهزئون»، وهم يريدون بذلك دفعهم عن أنفسهم بهذا الكلام، وأن يسلموا من شرهم، وأن يوهموهم أنهم منهم وإن لم يكونوا كذلك، لكان لا يكون عليهم مؤاخذة فيما قالوه؛ من حيث كانت المؤاخذة تكون على اعتقاد الاستهزاء والخديعة في إظهار الإيمان، لا في قول «إنا مستهزئون» من غير أن يقترن بذلك القول اعتقاد ونية.
طبعاً هذا استطراد من عبد القاهر، يقول: القول نفسه قد يوجد، ليس على القول فقط، قد يوجد القول بدون اعتقاد. ويناقش عبد القاهر في هذا أن الأصل في القول أن يكون عن قناعة واعتقاد إلا بقرينة، ولا توجد قرينة هنا. يعني قد نناقش عبد القاهر في هذا الاستطراد أنه علق على القول، ولكن لا بأس أن يعلق هنا على القول لأجل أن الأصل في القول أن يكون على اعتقاد القائل، وأما ما يكون خلاف ذلك فهو الذي يحتاج إلى الدليل. فيعني نوع من الميل عند عبد القاهر رحمه الله ورضي عنه في الاستيفاء والاستطراد مع الشيء إلى آخر ما فيه، وقد تحصل إصابة وقد يحصل نوع من الميل أو نحو ذلك.
هذا وها هنا أمر سوى ما مضى. قلت لكم هناك سبب آخر في البداية؛ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، ليس فقط لأجل تجنب اللبس، هناك بلاغة فيه. هنا يأتي عمل الكبار، عمل ذواقة الكلام وعمل نقاد الكلام. يقول: «هذا وها هنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف».
كنا نتكلم عن اجتناب الإشكال، وهذا أمر عارض وهو أنه لو وصل بالواو وعطف يمكن أن يستشكل ويُظن أنه من حكاية قولهم، لكن هنا أمر آخر. يقول: وهو أن الحكاية عنهم بأنهم قالوا كيت وكيت، تحرك عندها السامعين لأن يعلموا مصير أمرهم وما يصنع بهم.
قال: لأن الحكاية عنهم بأنهم قالوا كيت وكيت، تحرك السامعين لأن يعلموا مصير أمرهم وما يصنع بهم، أتنزل بهم النقمة عاجلاً أم لا تنزل؟ ويمهلون وتوقع في أنفسهم التمني لأن يتبين لهم ذلك. وإذا كان كذلك، كان هذا الكلام الذي هو قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ في معنى ما صدر جواباً عن هذا المقدر وقوعه في أنفس السامعين.
هذه بلاغة ثانية، بلاغة أخرى؛ كأنه حصل التفات، ليس الالتفات الاصطلاحي الذي نتحدث فيه، هناك التفات بالمعنى العام. تذكرون ما ذكره ابن رشيق، هناك التفات بالمعنى، التفات من جهة في الكلام إلى جهة أخرى. ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، يعني كان حكاية عنهم ثم صار الكلام إخباراً عنهم، تغيرت جهة الكلام، فهذا التفات بمصطلح عام قديم، ليس يُعمل به الآن، لكن دعنا بالتعبير العام نقول: التفت إلينا، وكل هذا مجاز، التفت إلينا وصار الخطاب.
﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ * وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15]. الله يستهزئ بهم، نخبركم أننا نستهزئ بهم جراء فعلهم هذا أو قولهم هذا.
قال: كان هذا الكلام، وهو قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، في معنى ما صدر جوابًا عن هذا المقدر وقوعه في أنفس السامعين. وإذا كان مصدره كذلك، فكان حقه أن يؤتى به مبتدأ غير معطوف؛ ليكون في صورته. إذا قيل: «فإن سألتم قيل لكم: الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون»، فهذا الوجه الذي شرحه عبد القاهر هو عين العمل في الشعر ونقده، وهو عمل الكبار.
تفسير هذا الوجه هو أن ترك الواو يفصل الكلام عن الكلام الأول، ويتجه به في خطاب جديد باهتمام جديد في شأن أناس آخرين، ولهذا يقدر فيه السؤال. وكان هذا الذي حكي آثاره في أنفسهم شيئًا عظيمًا ورهبه، فماذا شأنهم؟ وكيف انتقام الله؟ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ وما وراءها بشع فظيع. وإذا استقرأت وجدت هذا الذي ذكرت لك.
يقول عبد القاهر: «وإذا استقرأت وجدت هذا الذي ذكرت لك من تنزيلهم الكلام إذا جاء بعقب، ما يقتضي سؤالًا، منزلته إذا صرح بذلك السؤال كثيرًا». يعني، إذا استقرأت وجدت هذا كثيرًا.
فمن لطيف ذلك قوله: زعم العواذل أنني في غمرةٍ ... صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي
هذا بحر الكامل. زعم العواذل أنني في غمرة، وما الشأن؟ صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي. لما حكى عن العواذل أنهم قالوا هو في غمرة، وكان ذلك مما يحرك السامع لأن يسأله، فيقول: فما قولك في ذلك؟ وما جوابك عنه؟ أخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له، فصار كأنه قال: أقول صدقوا، أنا كما قالوا، ولكن لا مطمع لهم في فلاحي.
ولو قال: «زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا»، لكان لم يضع في نفسه أنه مسؤول، وأن كلامه كلام مجيب. انظر الفرق: «زعم العواذل أنني في غمرة، صدقوا»، هنا أنت مستغرب، ما الشأن؟ عظم من الفكرة. أما «زعم العواذل أنني في غمرة وصدقوا» فاتصل بالكلام الأول وأفقدنا هذه العناية وهذا الاهتمام الجديد بالمخاطبين.
ومثله قول الآخر في الحماسة، وهذا أيضًا على الكامل: زعم العواذل أن ناقة جندبٍ ... بجنوبٍ خبت عريت وأجمت كذب العواذل لو رأينا مناخنا ... بالقادسية قلنا لجّ وذلتي
وقد زاد هذا الشاعر هنا أمر القطع والاستئناف وتقدير الجواب تأكيدًا بأن وضع الظاهر موضع المضمر؛ فقال: «كذب العواذل» ولم يقل «كذبنا»، وذلك أنه لما أعاد ذكر العواذل ظاهرًا، كان ذلك أبينه وأقوى لكونه كلامًا مستأنفًا.
أما أداء الشعر يا إخوة فهو ركن في فهم الشعر؛ لأن الأداء يدل على فهمك للشعر. هذا النبر والضغط؛ لا تأخذ نغمة واحدة حزينة أو خطابية أو متلاينة أو خشنة، بل كل كلمة لها وضعها. فلو أنها: فلو أنها نفسٌ تموت جميعُه
تلاحظ هنا أن امرأ القيس لم يذكر الشرط، وحذف جواب الشرط لقوة الدلالة عليه، وهذا فن البيت. فلا ينبغي أن تفعل هكذا، فلو أنها نفس تموت جميعُه كان كأنه كلام عادي، خبر لا، وفي هناك جواب مقدر؛ فلا بد أن تظهر الحرقة التي تدل على المحذوف، وهو أصلاً لم يحذف إلا لدلالة الحرقة عليه، الحرقة المأخوذة من تركيب البيت ومعناه.
فيه إلى ما قبله، وأتى به ما ليس قبله. كلام نعم، رأيت وأمر امرؤ القيس هنا في مثل هذا؛ طبعًا هو ذكر أنه زاد شيئًا، ما هو كذب العواذل؟ هو يقول لك لقد أتى بأمر، أتى بالقطع، يعني قطع بدون الواو واستأنف، وقدّر الجواب صح، وقدّر الجواب امرؤ القيس أتى بشيء فوق ذلك.
هذا الشيطان أتى بالمداخلة بين وجهي القطع والالتفات، فضاعف الأثر الذي يتكلم عنه عبد القاهر؛ لأنه قدّر الجواب بالقطع: «ألا زعمت بسباسه اليوم، أنني كبرت وأنا يحسن اللهو أمثالي». طبعًا كان له أن يقول: «كذبتُ لقد أصبي»، فسيكون قد قطع، صح، يقطع ويستأنف، ولكنه أضاف هنا ماذا؟ الالتفات.
شفت، قلنا لك الشعر فيه أشياء ليست في الكتب، ما زال مليئًا بالأشياء وسيظل مليئًا بالأشياء التي لم تعبها الكتب؛ لأنه بحر من البيان. هو هنا ذكر أنه زاد الإظهار في موضع الإضمار، هذا أتى به عبد القاهر من التطبيق، ليس قاعدة في كتب البلاغة لا قبله ولا بعده ولا في عصره. وأقول: امرؤ القيس أتى بشيء اسمه الالتفات، بعيدًا عن شيء اسمه الالتفات الذي يصنف في البديع، وزاد به القوة في الاستقلال بعد القطع والاستئناف وتقدير الجواب.
نعم، فقال: «كذبتُ لقد أصبي على المرء عرسه»، فقدر الجواب بالقطع، ثم اشتد في الاستئناف في الجملة بالالتفات. رأيتم؟ يعني هو أجابنا مع مضاعفة الانفعال بالالتفات؛ يعني سأجيبكم في ضمن ما أكلمها، أنا أكلمها وستأخذون جوابكم هكذا، والأساس أنني الآن أكلمها.
قال: ومما هو على ذلك قول الآخر، هذا مساور بن هند العبسي، والبحر على الوافر: «زعمتم أن إخوتكم قريشٌ، لهم ألفٌ وليس لكم ألفُ». بس يقول محمود شاكر: شعر مساور بن هند بن قيس بن زهير بن جزيمة العبسي يهجو بني أسد، يهجو فيه بني أسد، هذا في شرح ديوان الحماسة للتبريزي وأحال عليه.
نعم، قال: وذلك أن قوله «لهم ألف» تكذيب لدعواهم أنهم من قريش، فهو إذًا بمنزلة أن يقول: كذبتم، لهم ألف وليس لكم ذلك. ولو قال: «زعمتم أن إخوتكم قريش ولهم ألف وليس لكم ألف»، لصار بمنزلة أن يقول: زعمتم أن إخوتكم قريش وكذبتم في أنه كان يخرج عن أن يكون موضوعًا على أنه جواب سائل يقول له: فماذا تقول في زعمهم ذلك وفي دعواهم؟
فاعرفه واعلم أنه لو أظهر «كذبتم» لكان يجوز أن يعطف هذا الكلام الذي هو قوله «لهم ألف» عليه بالفاء، فيقول: «كذبتم فلهم ألف وليس لكم ذلك». أما الآن فلا مساغ لدخول الفاء البته؛ لأنه يصير حينئذ معطوفًا بالفاء على قوله: «زعمتم أن إخوتكم قريش»، وذلك يخرج إلى المحال. يعني: «زعمتم أن إخوتكم قريش فلهم ألف وليس لكم»، لماذا؟ قال من حيث يصير كأنه يستشهد بقوله «لهم ألف» على أن هذا الزعم كان منهم، كما أنك إذا قلت: «كذبتم فلهم ألف» كنت قد استشهدت بذلك على أنهم كذبوا. فاعرف أن ذلك محال.
كلام غلط: «زعمتم أن إخوتكم قريش فلهم ألف»، يعني لأن لهم ألفًا زعمتم، خلاص، أو كذبتم، وهذا غلط. يقول: واعلم أنه لو أظهر «كذبتم» لكان يجوز له أن يعطف هذا الكلام الذي هو قوله «لهم ألف» عليه بالفاء، فيقول: «كذبتم فلهم ألف وليس لكم ذلك»، فأما الآن فلا مساغ لدخول الفاء البته؛ لأنه يصير حينئذ معطوفًا بالفاء على قوله: «زعمتم أن إخوتكم قريش» إلى آخر الكلام. وضحت يا إخوة المسألة؟
تفضل يا محمد. - مولانا، فقط أنا لم أفهم فكرة الواو، يعني لماذا لا تصلح أن يقول: "فلهم ألف"؟ لم فكرة الفاء، ليس الواو؟ - عفواً، الفاء. نعم. هو يقول: واعلم أنه لو أظهر «كذبتم»، لو أظهر «كذبتم» لكان المضمر خرج إلى ماذا؟ إلى التصريح: «كذبتم»، فيجوز أن يعلل بالفاء: «كذبتم فلهم ألف». لو أظهر «كذبتم» كان هناك حاجز عن الابتناء المباشر الذي يعمله الفاء بما بعده على ما قبله؛ "زعمتم أن إخوتكم قريش، كذبتم؛ لماذا كذبنا؟ فلهم ألف وليس لكم ألف".
لكن يقول: اعلم أنه لو أظهر «كذبتم» لكان يجوز أن يعطف هذا الكلام الذي هو قوله «لهم ألف» عليه بالفاء، فيقول: «كذبتم فلهم ألف وليس لكم ذلك». فأما الآن بدون «كذبتم» وبتقدير الكلام، فلا مساغ لدخول الفاء البتة؛ لأنه يصير معطوفًا بالفاء على قوله: «زعمتم أن إخوتكم قريش». تخيل يقول: «زعمتم أن إخوتكم قريش فلهم ألف وليس لكم ألف»، يعني ما هو معنى الفاء هنا؟ لن يصلح لبناء الكلام؛ «زعمتم أن إخوتكم قريش فلهم ألف»، وذلك يخرج إلى المحال.
ما هو المحال؟ من حيث يصير كأنه يستشهد بقوله «لهم ألف» على أن هذا الزعم كان منهم، يعني كأنه يقول: «زعمتم أن إخوتكم قريش فلهم ألف»، يعني علة زعمكم أن لهم ألف، خلاص، علة أنكم زعمتم أن لكم ألف، الدليل على أنكم زعمتم أن لكم ألف يستشهد بقوله «لهم ألف» على أن هذا الزعم كان منهم. كما أنك إذا قلت: «كذبتم فلهم ألف» كنت قد استشهدت بذلك على أنهم كذبوا، يعني أن تقول: «كذبتم فلهم ألف» يعني لأن لهم ألفًا. لكن هنا: «زعمتم فلهم ألف»، يعني زعمتم وسبب هذا الزعم أن لهم ألف، هذا ليس له معنى، يعني لأن لهم ألفًا زعمتم؟ هذا لا يؤدي إلى شيء، محال خلف من القول. كما نقول، وضحت؟ - نعم، وضحت، الحمد لله. - قال: إحنا كم بقي لنا؟ طبعًا الفصل والوصل طويل ما شاء الله.
قال: ومن اللطيف في الاستئناف على معنى جعل الكلام جوابًا في التقدير. شوف يا أخي عبد القاهر، يمشي من مسألة، أنت تحس أنا في أي مسألة، يتسلل من مسألة إلى مسألة، وكذلك تسلل من الأبواب، أو بين الأبواب، من الباب إلى الباب، تسلل من الباب إلى الباب.
قال: ومن اللطيف في الاستئناف على معنى جعل الكلام جوابًا في التقدير قول اليزيدي. هذا على السريع؛ طبعًا السريع مستفعل، مستفعل، فاعل، ويقع فيه أن يكون مستعل، مستعل ماذا؟ يقع فيه الطي، صح، مستعل، مستعل، فاعل. وهذا وقع في الشطر الرابع من البيتين، يقول: «ملكته حبلي ولكنه، ألقاه من زهد على غاربي» «وقال إني في الهوى كاذبٌ، انتقم الله من الكاذبِ»
انظر: «انتقم الـ... انتقم الـ... انتقم الـ...» انتقم الله من الـ... الله لاهٍ من الـ... «الكاذب» فاعل، «مستعل، مستعل، فاعل». «ملكته» مستفعل، «حبلي» ولا... «ملكته» مستفعل، «حبلي» ولا... «كه» فاعل، «ألقاه» من مستفعل، «زهد» على مستفعل، «غاربي» فاعل. «وقال إنـ...» وقال إنـ... «وقال إني في الهوى» مستفعل، «كاذب» فاعل، «متفعل، مستفعل، فاعل». «وقال إني في الهوى كاذب» انتقم مستعل، انتقم الله من... انتقم الله من الـ... انتقم...
انتقم الله من الكاذب، مستعلٍ؛ مستعلٍ فاعل آخر اثنين، مستفعل مطوية، وهو حذف الرابع الساكن، مستعلٍ بحذف الفاء، فيصير مستعلٍ.
نعم، قال استأنف قوله: «انتقم الله من الكاذب»؛ لأنه جعل نفسه كأنه يجيب سائلاً؛ قال له: فما تقول فيما اتهمك به من أنك كاذب؟ فقال: «أقول انتقم الله من الكاذبين».
وقال: ومن النادر أيضًا في ذلك قول الآخر: قال لي كيف أنت؟ قلت: عليلٌ، سهرٌ دائمٌ وحزنٌ طويلُ.
يقول محمود شاكر عن البيت: مشهور غير منسوب. قال لما كان في العادة، اسمع، لما كان في العادة إذا قيل للرجل كيف أنت؟ فقال عليل، أن يسأل ثانية، فيقال: ما بك وما علتك؟ قدر، أهو لما كان في العادة قدر؟ لما كان في العادة إذا قيل للرجل كيف أنت؟ فقال عليل، أن يسأل ثانية، فيقال: ما بك وما علتك؟ قدر، إنه قدر كأنه قد قيل له ذلك، فأتى بقوله: سهر دائم، جوابًا عن هذا السؤال المفهوم من فحوى الحال، فاعرفه.
وهذا يا إخوة المذهب، أو هذه الطريقة ركبتها وبنيت عليها شيئًا تحديت فيه نفسي؛ في الإكثار من دلالات العادة على التقدير في الجواب، وعلى حذف القول. وكان هذا في عام 2019 تقريبًا، في أول 2020، صنعت بيتًا فيه خطاب، فيه أربع جمل وليس فيه إلا واحدة فقط التي تقوم مقام القول، يعني قال قبل الحكاية والباقي كله حكاية، واعتمدت فيه على الإعراب وعلى عادة الكلام في الدلالة بحيث لا يشكل.
فقلت: نادت أبا قيسٍ فديتُ منادياً ... حقَّ الغرامِ وهل له من مغرمِ
كان حوارًا بيني وبين حبيبة في الغزل وكذا، وتلومني على كثرة الصبوه وتقسم القلب أو الفؤاد والهوى. فقلت: «نادت أبا قيس»، وطبعًا في سياق الكلام معروف أن الشاعر هو أبو قيس، من الكلام هو المتكلم، يعني نادت أبا قيس، ليس أنها نادت أبا قيس شخصًا آخر، لا؛ يعني قالت: أبا قيس، هذا من دلالات سياق الكلام، فاعرفه.
«نادت أبا قيس فديت منادياً»، ليس من طبيعة الكلام وعادته واستقامته أن يكون ذلك داخلًا في حكاية القول عنها؛ «نادت أبا قيس فديت منادياً» هذا خلف من القول لا معنى له، وإنما إذا قلت: نادت أبا قيس، ثم العبارة التالية في البيت أو في الشطر الأول: «فديت منادياً»، ففيه يقدر كأنه قيل: وما قلت؟ «فديت منادياً».
ثم جاءت العبارة: «حق الغرام»، وحق هنا منصوب، والناصب أو المنصب لابد له من عامل ناصب، ومن عادة العرب في بليغ كلامها أنها تحذف العاملة، وقد يكون فعلًا. «نادت أبا قيس فديت منادياً حق الغرام»، أي: أدي حق الغرام. وهنا لا يمكن أن يكون «فديت منادياً حق الغرام» يعني لا يشكل الكلام، وهذا مما يرجع الاختيار فيه إلى طبيعة الكلام والتئامه.
«نادت أبا قيس فديت منادياً حق الغرام وهل له من مغرمِ»، وهل له من مغرم؟ يعني هل الغرام إذا أطلقه الإنسان يكون له شيء يغرمه؟ يكون له حق يغرمه؟ «نادت أبا قيس فديت منادياً حق الغرام وهل له من مغرمِ»، فصار كلامًا بيني وبينها؛ لي جملتان ولها جملتان، واختصر على هذا الوجه.
وأردت في ذلك -لما صنعت هذا البيت، وإن كان له موضع في قصيدة- أردت أن أبين فيه عن إمكان الاعتماد على دلالة الكلام، وعرفه على تقدير السؤال والجواب، أو على تقدير قولك: ذكرت أو قلت لها وأجبت. كان هذا من الذي بنيته على ذلك.
- قل يا محمد.
- مولانا بالنسبة للبيت الذي هو: «قال لي كيف أنت؟ قلت عليل، سهر دائم وحزن طويل»، هذا البيت لاحظت أنه ينطبق عليه السببين؛ السبب الذي قاله الآن وهو الاستئناف ثم الجواب، أي القطع والاستئناف، وأيضًا السبب السابق الذي ذكره في الآيات أو في الأمثلة السابقة والذي هو البيان.
- ما هو؟
- الأصل أن يضاف هذا، يعني أنت تقول لو قال: «سهر دائم وحزن طويل»، لا قلت: «عليل وسهر دائم وحزن طويل»، لا، خد بالك الكلام الثاني من كلام الأول، أيضًا هذا كله تمثيل على المبادرة بكلام جديد.
- لا لا مولانا، هو أنا لا أقول بوجود الواو، إنما أقول إن سبب الاستئناف يصدق عليه أيضًا السبب السابق الذي كان في الدرس السابق، الذي هو البيان.
- مثل: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، قالوا: ﴿أَنَا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، هذه الجملة جاءت مبينات لما... هذا الدرس يا ولدي؟
- نعم، نعم.
- إنما أقول هذا البيت يسق عليه الحالتين؛ بأن لا يُفهم أنه من مقول القول، لكنه فعلاً من مقول المتكلم، في الآية لم يكن من مقول القول، هذا تمثيل للثاني فقط، وهو الإضافة في الكلام أو تقدير الجواب، لكن هو فعلاً داخل في كلامه، فهمت الفرق؟
- نعم، نعم. لكن أنا أقول هل ينطبق عليه الحالين؟
- لا ينطبق عليه الحالين، يعني ليس فيه الذي فيه: ﴿وَاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾، فيُفهم أنه داخل في كلامهم وليس من كلامهم، هذا فعلاً من كلامه.
- لا لا مولانا ليس هذا ما عنيته، إنما عنيت الذي في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾، جملة «إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ» جاءت مبينة لما قبلها، لقولهم «إِنَّا مَعَكُمْ».
- تقصد إذاً الدرس قبل السابق؟
- وليس السابق، السابق كان في الدكتور محمد حماسة.
- نعم، بالضبط، السابق هو هذا الذي قصدته.
- يعني أقصد أن هذا البيت يصدق عليه الحالين، يعني يمكن أن تكون هذه الجملة تكون أيضًا موضحة، مفسرة.
- مفسرة، نعم.
- بالضبط، «عليل»، مفسرة، «سهر»، نعم مفسرة، هذا إذاً الدرس قبل السابق.
نعم، قال: ومن الحسن البيني... آه سندخل في أمثلة. نقف هنا يا إخوة، نقف هنا إن شاء الله. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد