بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا التاسع والعشرين في مجالس شرح كتاب «دلائل الإعجاز» للإمام شيخ البلاغيين، أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجاني رحمه الله تعالى، المتوفى في القرن الخامس. وقفنا في الصفحة الأولى بعد الـ 202 عند الفقرة الثالثة بعد الـ 202، إذ يقول الإمام عبد القاهر: «واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة، أنت تقول فيه إنه خفي، غامض، ودقيق، صعب، إلا وعلم هذا الباب الذي هو الفصل والوصل أغمض وأخفى، وأدق وأصعب. وقد قنع الناس فيه بأن يقولوا -إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف- إن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله، لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك، ولقد غفلوا غفلة شديدة».
نلاحظ هنا أيها الإخوة -رحمه الله ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين- نلاحظ أنه يلوم ويشتد على من يقفون على قولهم إن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله، وهذا توصيف نحوي. وليس معنى كلام الإمام عبد القاهر أنه يدخل علوم البلاغة في النحو، وأنه يلزم النحاة بأن يقولوا ما يقوله البلاغيون. فقد بدأ قطعته بقوله: «واعلم أنه ما من علم من علوم البلاغة...»، فهو إذاً يتكلم في سياق البلاغة، ويلوم على النقاد، أو على البلاغيين، أو على الذين يرومون تأويل البيان في قصيدة، أن يقولوا إن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله؛ فهذا توصيف نحوي، ولكن له بعد ذلك ما وراءه من الصفة البيانية البلاغية.
وقبل محاضرتين تقريباً عرجنا على قول بعض الأساتذة المعاصرين، وهو الدكتور محمد حماسة رحمه الله، إذ دعا إلى أن يكون علم البيان -بالمعنى العام لا بالمعنى الاصطلاحي الذي هو قسم من أقسام علوم البلاغة التقريرية- من عناية النحاة. وقال إن النحاة قد ركنوا إلى الكسل في هذا، إما اختاروا أو تركوا مختارين؛ حيث تركوا الكلام فيما يدهش والكلام في كسر المألوف إلى البلاغيين. وله في ذلك كلام حين ارتجلت الأمر قبل ذلك، أنا لم أتعرض له أو لم أوثقه توثيقاً كاملاً إلا على التقريب والاحتمال، ولكن أرى أن هذا موضعه بعد أن تكلم عبد القاهر عن علوم البلاغة، وعن أنه لا يصح أن نقف فقط على قولنا إن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله.
الدكتور محمد حماسة له كتاب اسمه «الجملة في الشعر العربي»، وهو هذا الكتاب المطبوع في دار غريب بمصر بالفجالة. له في المقدمة دعوة غريبة إلى حد بعيد، دعا فيها إلى أن يكون علم البلاغة أو تكون علوم البلاغة من عناية النحاة، ورأى أن النحاة قد قصروا شديداً وتهاونوا مختارين لما تركوا ذلك للبلاغيين. دعونا نقرأ كلامه، ثم نبدأ بالتعليق عليه ونبين الوجه والأصل في ذلك.
في هذا الكتاب، كان يتكلم عن مكونات الشعر، أنه يتكون من التركيب النحوي من ألفاظ العربي على طريقة العربي، وعلى اشتقاق الكلمة على طريقة الصرف العربي، إلى آخره. ثم تكلم كذلك على العروض، وأن البحر العروضي يؤثر في المعنى الشعري، وأن القافية تؤثر في المعنى الشعري. يقول في الصفحة السادسة: «على حين يقوم الوزن والقافية بدور عظيم في جعل الشعر شعراً من جانب، ويتدخلان في بناء الجملة الشعرية من جانب آخر». يعني هو لا يفصل الأثر العروضي الوزني عن الجملة التركيبية، وهذا إلى هذا الحد كلام جيد جداً ولا بأس فيه.
لكن يقول عقب هذه العبارة مباشرة في الصفحة السادسة، وأنا أقرأ لكم من الصفحة السادسة مروراً بالسابعة ونختم في أول الثامنة من هذا الكتاب: «إن مثل العروضيين في هذه الحال -يعني الذين عنوا بالعروض استقلالاً ولم يهتموا لدراسة أثر الأوزان في المعاني كما اهتم مثلاً بها الدكتور عبد الله الطيب، وكما اهتم بها من قبله حازم القرطاجني، وكما اهتم بها الأستاذ محمود شاكر- كمثل النحويين الذين يعنيهم مثلاً أن الفاعل مرفوع، وأنه هو الذي فعل الفعل أو اتصف به، وأنه لا يتقدم على فعله، وأن الفعل تتصل به علامة التأنيث وجوباً إذا كان الفعل مؤنثاً حقيقياً، غير مفصول من الفعل، ولا يعنيهم بعد ذلك شيء آخر؛ لكن الانكسار في القوانين الاختيارية الذي يحدث عند إسناد بعض الأفعال لبعض الأسماء، فيحقق دهشة معينة أو خروجاً عن المألوف، لم يكن يعنيهم، مع أنه من صميم النظرية النحوية».
نعم، هو قال قبل ذلك بين العبارتين: «ويتحقق لهم ما يريدون في مثالهم الأثير: ضرب زيدٌ عمراً»، ثم قال: «لكن الانكسار في القوانين الاختيارية...»، فيقول: «مثالهم الأثير: ضرب زيدٌ عمراً»، يعني كأنه يعرج بشيء من صبغة التهكم على ما يأتي به النحاة. قال: «ففي قول المتنبي مثلاً: ﴿فَلَمْ أَرَ قَبْلِي مَنْ مَشَى الْبَحْرُ نَحْوَهُ * وَلَا رَجُلاً قَامَتْ تُعَانِقُهُ الأُسْدُ﴾، أو قول أبي العلاء المعري: ﴿فَعَشِقَتْهُ الْبَابِلِيَّةُ حِقْبَةً * فَلَمْ يَشْفِهَا مِنْهُ بِرَشْفٍ وَلَا لَثْمِ﴾». يقول: نجد البحر يمشي، والأسود تعانق الرجال، والبابلية الخمر تعشق الفتيان، وهذا كسر لقوانين الاختيار في هذه الكلمات؛ فمشي البحر، ومعانقة الأسد، وعشق البابلية، بما تحمله من عناصر المفاجأة والإدهاش والمشابهة الخفية التي يكشفها التركيب الشعري بين عناصر ليس بينها تشابه في الظاهر الملموس، برغم عدم تلاؤم المشي للبحر والمعانقة للأسد والعشق للخمر، كل هذا لم يشغل به النحويون.
النحويون إلا في إشارات عابرة، قال: مع أن فيها من صور مختلفة لم يقم إلا على الإسناد النحوي، مع أن ما فيها من صور مختلفة لم يقم إلا على الإسناد النحوي الذي أسند أشياء لأشياء لا يصح أن يكون بينها في الواقع المألوف إسناد؛ يعني يقول: هذا الإسناد عمل نحوي، هذا الإدهاش حصل بسبب إسناد نحوي.
كل أنا الآن أقرأ كلامه يا إخوة حتى أكون عارضا للمسألة مناقشا لها أصبت أو أخطأت، والذي يعنينا هنا ويعني أي باحث أن يققدم عذره فيما انتهى إليه، وليس أن يصيب؛ طبعا أن يصيب هذه الغاية، ولكن الأساس والخطر الحقيقي في الجدال بدون علم، فلا بد حتى لمن أخطأ ولم يصب أن يكون قدم نقاشا يمكن اعتباره في ذاته، هذا هو، ولذلك نعرض كلامه كاملا أولا حتى لا نكون قد اقتطعنا أو عرضناه عرضا مشوها لا يفي.
قال: مع أن ما فيها من صور مختلفة لم يقم إلا على الإسناد النحوي الذي أسند أشياء لأشياء لا يصح أن يكون بينها في الواقع المألوف إسناد، فالبحر لا يمشي كما يمشي الإنسان، والتركيب الشعري يجعل هنا من البحر انسانا ومن الإنسان بحرا زاخرا بعطائه وجلاله، وبيت المتنبي يقيم تنسيقا وعلاقة، وبيت المتنبي يقيم تنسيقا وعلاقة بين الانسان والبحر والاسد والماء، وهو أصل كل شيء حي، وبذلك يوقظ فينا الحنين الفطري للنظام والتناسق عن طريق الاستعارة المنسوقة في هذا البيت الموزون، عن طريق الاستعارة المنسوقة في هذا البيت الموزون.
وسواء أكان هذا ادعاء أم نقلا فقد حدثت هذه المشابهة، فقد حدثت هذه المشابهة عندما تم الإسناد النحوي؛ يقول: وسواء أكان هذا ادعاء أم نقلا، يعني أكان ذلك ادعاء في ذلك أم نقل الاستعمال يعني يقول لك هذا لا علاقة لنا به.
نعم هل هو يقول حتى هنا في الحاشية يحاول عبد القاهر الدفاع ضد النظرية القائلة بأن الاستعارة نقل الاسم عن الشيء، فيقول: قد تبين إلى آخره؛ يقول: يعني ليس ذلك موضوعا، الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف يقول: هذا ليس موضوعنا.
يقول: فقد حدثت هذه المشابهة عندما تم الإسناد النحوي، هذا ما يريده، لانه في الاخير يدعو صراحة إلى وجود أو إلى إدخال علم البلاغة في النحو، أن يكون من عناية النحاة، فهذه حجته، هذا الكلام حجته، يقول: فقد حدثت هذه المشابهة عندما تم الإسناد النحوي بين عناصر لا يكون بينها إسناد في عرف الواقع.
ثم يقول: عندما تخلى ما هو معنى تخلى؟ يعني كان ينبغي ألا يكون الأمر كذلك، أن ذلك أصلا داخل في عنايتهم، قال: عندما تخلى النحويون طائعين عن الاهتمام بما يترتب على الإسناد النحوي وغيره من العلاقات النحوية التي تحقق كسرا لقوانين الاختيار كالإضافة، كالإضافة والنعت والحالية والتمييز والعطف وغيرها، تركوا ذلك للبلاغيين الذين اكتفوا كذلك بالإشارة إلى ما أحدثه التركيب من مشابهة ظاهرية تمثلت في إجراء الاستعارة، هذا هو القدر الذي قاله الدكتور.
لما سألني بعض إخوانكم قبل محاضرتين تقريبا عن الموضع الذي قال فيه الدكتور محمد هذا الكلام، أنا أشرت إلى كتابين احتمالا ولم وهو دار حول هذا الأمر أيضا، لكن لم يكن في صلبه بهذه المصارحة، الكتاب هناك كتابان آخران، منهما كتاب الابداع الموازي وكتاب آخر ليس في هذين الكتابين على هذا التفصيل، وإنما هو كتاب الجمله في الشعر العربي كما قرات لكم وذكرت أن الأمر كان يعني كنت بعيدا قرأته منذ زمان بعيد فلم أتذكر الموضع في الحال ارتجالا في المحاضرة.
هذا كلامه وحتى نجيب عن هذا أيها الإخوة لا بد أن نؤصل شيئا وسناؤصله من كلام عبد القاهر نفسه رحمه الله، سناؤصله من كلام عبد القاهر نفسه ابتداء لا بد أن نعرف ما هو النظم، أن نعرف ما هو النظم.
هل النظم هو هيئة التركيب النحوي من حيث كونه تركيبا نحويا؟ لا هذا غلط، هذا معناه أن النظم موحد ومشترك بين كل الكلام ولا يؤثر فيه ما تملاه من الكلام، خلاص.
هل النحو هل النحو هو الكلمات المضمومة ضما مطلقا؟ كذلك أيضا الكلمات في صورة ضمها ضما مطلقا على أي وجه كان، الجواب أيضا لا، وإنما النظم يتكون، نعم صارت حداثة هكذا، نعم وإنما النظم يتكون من مجموع المعاني الخاصة، التعلقات بين الألفاظ والشكل النحوي، يعني الشكل النحوي فقط، وإنما هو النظم النظم هو تعلق المعاني الخاصة، التعلقات الخاصة في الشكل النحوي الخاص.
وهذا المجموع كله في الأخير يؤدي صورة عن المعاني الصدرية، يعني تشكل المعاني داخل النفس، وكل هذا قاله عبد القاهر، عبد القاهر لما عرف النظم ماذا قال؟ قال: هو توخي معاني النحو بحسب ما يؤم من الأغراض، كما عرفنا مرة أخرى، انتبهوا ركزوا في كل كلمة، كل كلمة مقصودة، كل كلمة مقصودة.
قال: هو توخي معاني النحو بحسب ما يؤم من الأغراض، بحسب ما يؤم من الأغراض، خلاص.
طيب إذا قوله بحسب ما يؤم من الأغراض ماذا يعني؟ يعني أن النظم لا يكون إلا إذا كان هناك غرض خاص في النص الخاص، لأن الأغراض لا تتناهى، كل نص له غرضه، صح؟ كل نص له غرضه.
فلما يقول: النظم هو توخي معاني النحو بحسب ما يؤم من الأغراض، معنى ذلك أنه لا يتحقق النظم إلا بالعلاقة الخاصة بين ألفاظ خاصة في نص مع التشكيل النحوي، وهذا ركزوا الآن، هذا المسمى بالغرض هو الذي بعد ذلك في علوم البلاغة اصطلح عليه بمقتضى الحال، لما عرفوا البلاغة بمطابقه الكلام لمقتضى الحال، صح؟ مطابقه الكلام لمقتضاه الحال، ركزوا في كل كلمة.
ومن هنا تفهمون خطأ من يظن أن مقتضى الحال هو الأحوال المحيطة بإنشاد القصيدة، لا هذا يتعلق بالحكمة، ويطتعلق بالبلاغة بمعناها العام وليس بالمعنى الاصطلاحي في نظرية النظم.
يعني مثلا لما يذهب واحد إلى عزاء وينشد قصيدة في الغزل، يكون قد خالف الحكمة وخالف البلاغة في نفسه، ولا يعني ذلك أن أجزاء القصيدة ليست بليغة، لأن أجزاء القصيدة وافقت الغرض الذي هو غرض القصيدة غير الحكمة، هنا هو إنشاد القصيدة في عزاء، إنشاد القصيدة في عزاء، خلاص.
أو العكس يذهب إلى عرس فتاة ويرثي أباها، يرثي أباها ويظن أنه يكرمها، هذا غبي وخالف البلاغة والحكمة، ليس خالف البلاغة بالمعنى النظمي لأن أجزاء الكلام وافقت غرض القصيدة.
فمقتضى الحال في أصل اصطلاح عبد القاهر الذي وضع بعد ذلك في البلاغة، هذا المقتضى لما عرفوا البلاغة بأنها مطابقه الكلام لمقتضى الحال، الحال هو الغرض، يعني الحال التي تقتضي أن يكون الكلام على هيئة معينة، أن يكون الكلام قدمت وأخرت لماذا؟ لأن الغرض كذا، لأن الحالة كذا.
فالتقديم أو التأخير أو الحذف أو الإثبات أو الإتيان بمجاز مكان الحقيقة أو الإتيان باستعارة مكان التشبيه أو الإتيان بكناية مكان التصريح أو الإتيان بمجاز مرسل أو المبالغة أو كذا أو المجاز الحكمي أو العقلي، كل هذا كل هذا يطابق مقتضى الحال ليكون الكلام صحيحا رفيعا بينا يطابق مقتضى الحال، مقتضى الحال يعني الغرض من الكلام، أما مقتضى الحال أو الأحوال في موضع إنشاد القصيدة في هذا غلط، هذا ليس مرادا هنا.
يذهب شخص إلى عرس ويقول أقول الآيات التي فيها التهديد والوعيد أو الآيات التي فيها ذكر النار أو الآيات التي تذكر بالموت في العرس، هو غبي، هو غير حكيم، ولكن القرآن معجز في بلاغته، فانتبهوا لما قال عبد القاهر: توخي معاني النحو بحسب ما يؤم من الأغراض، هذه الأغراض هي ما عرف بعد ذلك في البلاغة بمقتضى الحال، وهذا نبه إليه الدكتور محمد أبو موسى في صدر كتابه مدخل إلى كتابي عبد القاهر، يعني هذا ليس شيئا غريبا أو انتباهة، لا هذا علم موجود.
خلاص إذا يا إخوة ما هو النظم؟ النظم هو مجموع مجموع الألفاظ على الهيئة النحوية والتي التي يدخل فيها الصرف طبعا، لما نقول نحو يعني صرف، هذا اصطلاح القدماء كذلك، لأنه لا معنى لفصله في هذا المقام.
خلاص مجموع الهيئة النحوية بالألفاظ الخاصة في الغرض الخاص، إذا هل يمكننا في النظم أن نفصل التركيب النحوي عن غرض في الكلام في كل كلام بحسبه؟ هل يمكننا أن نفصله عن كل كلام بحسبه؟ هل يمكن؟ أجيبوه، لا يمكن صح، لا يمكن.
وهذا هو ما سيفسر لنا -أنا ساتي إليكم بالترتيب إن شاء الله- لماذا اجمع العقلاء الفاهمون على أن علم البيان علم مستقل بذاته؟ وساقرا لكم مجموعا من نصوصهم عجيبا في هذا، أقرأ لكم مجموعة من نصوصهم في هذا عجيبا.
طيب ناتي الآن بعد هذا التأصيل إلى كلام الدكتور محمد حماسة رحمه الله، إذا النظم لا يمكن أن يفارق مقتضى الحال، لو استعملت الآن اصطلاح البلاغة التقريرية مطابقه الكلام لمقتضى الحال، إذا أنا في كل نص أنظر إلى اللغة من حيث دلالتها في هذا النص خاصة.
لا يوجد التفات حلو وجميل على طول الخط، لا يوجد استعارة، توجد استعارة صحيحة على طول الخط، لا يوجد تقديم وتاخير مصيب على طول الخط، لا يوجد مجاز حكمي أفضل من الحقيقة على طول خط، لا يوجد إنشاء يراد به كذا أو كذا يراد به كذا على طول الخط يكون أجود في بعض المواضع.
التشبيه ليس حسنا، الوصف هو الحسن في بعض المواضع، الكناية ليست حسنة، التصريح هو الحسن، ولو كان المراد من البيان التركيب النحوي من حيث هو تركيب لحسن الكلام وتساوى في التراكيب التي توازنت أي تناظرت وتطابقت في الهيئة النحوية.
يعني مثلا لما تاتي إلى بيت عنتره وهو يقول ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم، فقط ساطبق فكرة النظم على البيت الأول: ولقد ذكرتك، أسمع، أكد لك باللام وبقد واستعمل صيغة الماضي المنجزة للفعل: ولقد ذكرتك ولقد ذكرتك.
ثم أتى بواو الحال: والرماح نواهل مني، قال: نواهل ولم يقل تعل مني أو تنهل مني، لا، نواهل بناها على فواعل ليستقر لك الهيئة، لتستقر لك الهيئة وترى الرماح وهي تنغرز فيه.
ولكن الأخطر من ذلك هو اختياره لمادة النهل دون العلل، لمادة النهل أو النهل دون العلل، لماذا؟ النهل هو الشرب مرة واحدة، نهل نهلة ينهل يعني يشرب شربة وربما يعود ينهل نهلة أخرى، أما العلل فهو الشرب بعد الشرب، يعني إذا تكرر الشرب مرتين فأكثر، يعني إذا جاء شرب مرة فجاء بالثانية فأكثر هنا يقال علل، هنا يقال علل، خلاص.
يعني يشرب الثانية والثالثة يكرر الشربة، فالنهل الشرب مرة والعلل الشرب مرات، فهو قال الرماح نواهل مني، لانه لم يرد أن يصور لك المجموع الذي يحصل من الرماح فتكون الرماح تشرب منه ووصف المجموع لا، وإنما أراد أن تقف على أفعالها التي حدثت مرة بعد مرة أو تحدث لأنه قال فواعل.
على صيغة قال نواهل على صيغة فواعل تشرب المرة بعد المرة، فأراد أن يصور لك الرماح حوله وهي تنغرز فيه، فينغرز فيه الرمح فيدخل حتى يخالط الدم، لأنه قال نواهل مني، فلا بد أن تكون الطعنة أن تكون الطعنة خارقة لجلده منغمسة بدمائه، أو من حيث الدماء التي يمكن أن تنهل منها الرماح، بحيث تنهل لا مجرد أنها تصيب دما، والرماح نواهل مني.
فيصور لك الرماح وهي تنغرز، أنظر وانا أشرح لك واو الحال وصيغة فواعل، أذكر الأسماء بأعيانها نواهل، لم أقل فواعل، استعملت فواعل توظيفها في نواهل صح، واستعملت النهل لتوضيحه في المعنى في الصورة.
لماذا هنا قال نواهل؟ واستعملت واو الحال لإحضار صورة النواه وهي تفعل هذا به، فلم أقل لك واو الحال رائعة، واو الحال جميلة، وإنما قلت لك واو الحال أتت لتصور النواهل وهي تفعل كذا، فنحن ركبنا التركيب لنحمل عليه، حملنا الألفاظ على التركيب، ولكن بدون هذه الألفاظ لا فائدة من التركيب، وساضرب لكم مثالا الآن يوضح هذا.
فيقول: والرماح نواهل منه، تنغرس فيه وأتى بواو الحال ليربطها بتذكرها الذي أكده باللام وقد، ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني، ثم قال: وبيض الهند تقطر من دمي، ما معنى وبيض الهند تقطر من دمي؟ بيض الهند ذكر الحديدة البيضاء ليمزج البياض بالحمرة ولياتي بها قاطعة.
ثم قال: تقطر من دمي، ليس المراد مشهد القطر فقط أو نزول قطرات الدم من السيوف، وإنما عطف الجملة على الجملة على النواهل: وبيض الهند تقطر من دمي، ليشير إلى أنها سبقت النواهل بالضرب وصارت بعيدة، ابتعدت وأسلمته للرماح: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي.
ليس بيض الهند تشرب من دمي فتشتجر عليه الرماح والسيوف، قال: تقطر يعني وقفت بعيدة بيد أصحابها، تقطر من دمه يعني أصحاب السيوف انتهوا من الضرب، ثم جاء أصحاب الرماح ليبدأوا في الطعن، فهذه تقطر من دمه وهذه تنهل من دمه.
جئت إلى هذا التركيب بالبديهة بالمناسبة، هذان البيتان هذا والذي بعده: فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم، رواه يعقوب ابن السكيت، رواه ابن السكيت لعنترة ليس من رواية الأصمعي، ولكنني أراه للأصمعي أو أراهما للأصمعي، لأنهما من الجودة بحيث يكون عنترة أولى بإلحاق البيتين به وبأن ينتحلهما، يعني أن ينسبا إليه ورواهما له ابن السكيت.
طيب جئت أنا وقلت مجربا، قلت: لو كان التركيب هو النظم، لو كان التركيب هو النظم سيكون في نفس درجة الجودة أن أقول: ولقد رايتك والزهور نواضر عندي وحلو الشعر يقطر من فمي، إيه رأيك في الجمال ده؟ حاجة.
خالفني التركيب النحوي، نفس التركيب، اه اختلفت الأغراض، اختلفت. وسنك يا محمد، وسنك يا حبيبي، أضحك الله سنك. واختلفت الأغراض، صح هو ليس فقط توخي معاني النحو، افهموا هذا يا إخوة، خطير جدا هذا المعنى، لأن البعض كان يقول: يتصل بيقول يا أبا قيس بعض شعرائنا من أحبابنا من دول الخليج العربي نحن نلوم عليك، كنا في اجتماع أمس واجتمعنا على أن أبا قيس مخطئ في اعتبار أن التركيب النحوي هو الذي يصنع الشعر، لا الألفاظ والكلمات واختيار الكلمات وكلمة بدل كلمة.
قلت له: أنت تتكلم في عين النظم، هل تحسب أنني أرجح تراكيب نحوية على تراكيب؟ لا، ايت ببيت من مبتدأ وخبر وفعل وفاعل ومفعول بالترتيب العياري أو المعياري النحوي، وسيكون بيتا رائعا جدا بما حصل من إسناد المعاني وطبيعتها، طيب. فيفهمون أن التركيب هو النحو، أن النظم هو النحو؛ لا، التركيب النحوي شق أو شرط، التركيب النحوي شق والصواب شرط، انتبهوا إلى هذا، هذا كلام خطير ودقيق ويخطئ الناس فيه. عبد القاهر يقول في النظم: هو توخي معاني النحو خلاص حلو بحسب ما يؤم من الأغراض، يعني في نصوص خاصة بألفاظ خاصة، هذا هو التركيب.
فلو قلت: ولقد ذكرتك والزروع نواضر، وحلو الشعر يقطر من فمي. ما أنا جيت نوادر فواعيت بواو الحال، وأتيت ولقد ذكرتك صح، ولقد ذكرتك وكما قال الرماح، قلت الزهور جمع كما قال نواهل، قلت فنواضر وهذه مناسبة لهذه، صح نواهل مناسبة الرماح، ونواضر أو نوادر نعم أي مناسبة للزهور أو الزروع. وأتي بواو الحال وقال بيض الهند، قلت حلو الشعر أضاف الصفة إلى الموصوف أو استعمل الصفة، وأنا كذلك قلت حلو الشعر أضفت الصفة إلى الموصوف هنا، هناك أتى ببيض الهند يعني بالسيوف البيض، خلاص أتى بالصفة أنها بيض مكان السيوف، وأنا أتيت بالصفة كذلك حلو الشعر، قال تقطر من دمي، وأنا قلت يقطر من فمي، تختلف معاني الحروف قليلة، التركيب يكاد يتطابق أو يتطابق.
لماذا سقط؟ ما الذي توخيته من الأغراض؟ هذا هو، الآن تعالوا إلى قراءة كلام الدكتور محمد حماسة رحمه الله، إحنا قرأناه ولكن ساقفكم إذن على مواضع. هو يقول: إن مثل العروضيين في هذه الحال كمثل النحويين، أن مثل العروضيين في هذه الحال، يعني في كونهم يدرسون العروض بمعزل عن المعاني وعن أثرها أو عن أثر العروض في الشعر الأثر الشعري، أن مثل العروضيين في هذه الحال، يعني في كونهم يدرسون العروض من حيث مجرد الأوزان والبحور والقوافي والأحوال والمسائل بمعزل عن المعاني وعن أثرها في الشعر أو عن أثر مسائل العروض في الشعر، قال: إن مثل العروضيين في هذه الحال كمثل النحويين الذين يعنيهم مثلا أن الفاعل مرفوع وأنه هو الذي فعل الفعل أو اتصف به، وأنه لا يتقدم على فعله، وأن الفعل يتصل به علامة التأنيث وجوبا إذا كان مؤنثا حقيقيا غير مفصول من الفعل، ولا يعنيهم بعد ذلك شيء آخر، ويتحقق لهم ما يريدون في مثالهم الأثير ضرب زيد عمرا، طيب.
هذا طبيعي يا إخوة، لماذا؟ لأن كلامهم هو في توخي معاني النحو فقط لأجل الصحة، لم يقل الأغراض المختلفة التي تجعل لكل نص حالة. هذا طبيعي لأن كلامهم هو في القدر المشترك الذي تتحقق به استقامة المعنى، كلامهم في القدر المشترك وهو صورة التركيب، يعني عند النحاة بيت عنترة كالبيت الذي جئت عليه فيه يعني بالنفس الوزن الوزن النحوي. صورة التركيب هو يعني النحوي لن يضره أن يقول أن يمثل بي ولقد ذكرتك والرماح أو لقد ذكرتك والزهور أو الزروع نواضر عندي وحلو الشعر يكثر من فمه، لا يضره، لا يضره اه التركيب صحيح، أفاد خلاص صدق عليه تعريف الكلام نحويا، فلذلك لا إشكال على النحاة في ذلك، وبالمناسبة هناك مغالطة كبيرة ساقولها بعد أن ننتهي من الكلام من التعليق.
ثم قال: لكن الانكسار في القوانين الاختيارية الذي يحدث عند إسناد بعض الأفعال لبعض الأسماء فيحقق دهشة معينة أو خروجا عن المألوف لم يكن يعنيهم، مع أنه صميم النظرية النحوية. لم يكن يعنيهم لأن الذي ركزوا هنا في الكلام، لأن الذي انكسر ليس هو صفة الإسناد، وإنما هو خصوص معنى أسند نحويا إلى معنى، ركزوا في الكلام جيدا. يقول: الانكسار في القوانين الاختيارية هو، ما الذي انكسر؟ هل انكسر الإسناد النحوي؟ الذي انكسر خصوص إسناد شيء إلى شيء، يعني مات زيد، يقولون زيد فاعل الموت، طب هو زيد فاعل الموت أم وقع عليه الموت في الواقع في المعنى؟ هل زيد فعل الموت؟ هذا فاعل نحويا أسند إليه الفعل نحويا، إنما زيد وقع عليه الموت مات زيد وقع عليه الموت، ليس أنه فاعل الموت.
فالذي انكسر هو، يتكلم كأنه حصل انكسار في الإسناد، الذي انكسر ليس هو الإسناد وليس شيئا في صفة الإسناد، وإنما الذي انكسر هو خصوص معنى أسند نحويا إلى معنى آخر. أما الإسناد النحوي فهو باق على صفته النحوية لم يحصل فيه انكسار، كما يقول الدكتور رحمه الله، يعني الإسناد واحد في أرذل كلام وفي القرآن، أرذل الكلام إذا صح نحويا هو في هذا الإسناد النحوي كالكلام المعجز في أصل الإسناد.
إنما الانكسار حصل في شيء آخر، بل خذوا هذا: بقاؤه شرط لحصول الانكسار، يعني لا يصح أن يكون الانكسار في الإسناد النحوي، بقاء الإسناد مع حصول الانكسار وحصول غير المألوف فيما أسند إسنادا صحيحا. بقاء الإسناد شرط لحصول البلاغة أصلا والدهشة، يعني حتى يحصل الانكسار لابد من ثبات الأصل النحوي، لو انكسر الأصل النحوي ذهبت الغرابة من جذورها، الغرابة هي في أن تفاجئ بغير المألوف تبنيه على المألوف. الغرابة هي أن تفاجئ بغير المألوف تبنيه على المألوف، لا يمكن أن يحصل الانكسار في التركيب النحوي، لو حصل هنا سيكون أصلا نحويا جديدا.
وإنما الذي بهرنا والذي أدهشنا والذي حصل به هذا الانكسار للمألوف فذهبنا إلى دهشة غير المألوف، هو أنه بنى لك غير المألوف على المألوف، ولو انكسر الأصل النحوي ذهب سبب الدهشة. نعم، يقول بعد ذلك: انظر إلى هذه العبارة مع أن ما فيها من صور مختلفة لم يقم إلا على الإسناد النحوي، صح الذي أسند أشياء لأشياء لا يصح أن يكون بينها في الواقع المألوف إسناد، وقد تم الإسناد أو حصل الإسناد وقد وقع الإسناد. وحتى يحصل غير المألوف لابد أن يظل الإسناد المألوف؛ لأن الغرابة هنا تأتي عن طريق ماذا؟ المفاجأة بغير العادي بعد التقديم بالعادي الذي يجعلك تتوقع العادي، المفاجأة في أن يعطيك العادي ثم يخرج عليه غير العادي، لو كسر لك التركيبة النحوية من الأول صار عاديا.
نعم، يقول عن المشابهات والصصور التي وقعت، يقول: فقد حدثت هذه المشابهة عندما تم الإسناد النحوي بين عناصر لا يكون بينها إسناد في عرف الواقع، أقول: ولكن بقي الإسناد إسنادا في النحو. يقول: حدثت هذه المشابهة عندما تم الإسناد النحوي بين عناصر لا يكون بينها إسناد في عرف الواقع، أقول: ولكن بقي الإسناد إسنادا في النحو. بقي الإسناد إسنادا في النحو، هل سيتغير في النحو حال الإسناد ووصفه النحوي إذا ما كان غير مألوف؟ ونحن نعرب ونحن نبين الصفة النحوية هل سيتغير حال الإسناد؟ هل سيتغير وصفه النحوي في الأمثلة غير المألوفة البحر يمشي الأسد تعانق الرجال؟
هل سننفي خبرية يمشي؟ هل سننفي خبرية يمشي وتعانق؟ هل سننفي أو سنغير ابتدائية، يعني كونها مبتدئة مبتدأ؟ هل سنغير ابتدائية البحر وأسد أو الأسد؟ البحر يمشي البحر مبتدأ ويمشي الخبر، الأسد تعانق الرجال نفس الإعراب لن يتغير الابتداء في الأسد وفي البحر، ولن تتغير الخبرية في يمشي وتعانق، وإنما توخينا معاني النحو لوجود أغراض أردناها في جعل البحر يمشي وفي جعل الأسد تعانق الرجال.
فهذا داخل في القسم الآخر وهو ما نتوقى لأجله معاني النحو. الدهشة حصلت في أنك جيت لشيئين غريبين عن بعضهما وألفت بينهما عادي كزيد يكتب، قلت البحر يمشي، هنا حصلت الدهشة، فحتى تحصل الدهشة لابد أن يظل النحو نحوا لا ينكسر، وأن يظل مألوفا تقليديا لا ينكسر النحو في ذاته. النحو في ذاته لو تغير التقعيد النحوي زالت الدهشة، لأنه سيصير أصلا أو كالأصل، سيصير أصلا أو كالأصل أصلي نعم وسيصير أقل شאنا من الوجوه النحوية الخاصة بالشعر التي تدخل فيما يعرف بالضرورات الشعرية.
ثم أقول: لقد تخلى النحويون طائعين عن الاهتمام بما يترتب على الإسناد النحوي وغيره من العلاقات النحوية التي تحقق كسرا لقوانين الاختيار. هنا يقول: عندما تخلى النحويون طائعين عن الاهتمام بما يترتب على الإسناد النحوي وغيره من العلاقات النحوية، هو يؤكد يقول لك علاقات نحوية، علاقات نحوية نعم علاقات نحوية لكن خاصة بالمواضع، والعلاقات صورتها لا تتغير من حيث كونها نحوا ومن حيث كونها علاقات وإنما تتشكل في وظائف مختلفة وفي أغراض مختلفة في بكل نص بحسبه.
يقول: عندما تخلى النحويون طائعين عن الاهتمام بما يترتب على الإسناد وغيره من العلاقات النحوية التي تحقق كسرا لقوانين الاختيار، هم طبيعي تخلوا لم يتبنوا أصلا، لماذا؟ لأن الكسر لا يحصل بنفس الإسناد مرة أخرى وثالثة ورابعة. الكسر لا يحصل بنفس الإسناد وإنما بطبيعة في المسند والمسند إليه بشرط الإسناد مرة أخرى. الكسر لا يحصل بنفس الإسناد وإنما بطبيعة في المسند والمسند إليه بشرط الإسناد أو في خصوص هذا الإسناد، بطبيعة في المسند والمسند إليه بشرط الإسناد أو في خصوص هذا الإسناد ويبقى الإسناد، ويبقى الإسناد من حيث نفسه على حاله، بل بقاؤه على حاله شرط لتحقيق الكسر البلاغي، بقاؤه على حاله شرط لتحقيق الكسر البلاغي.
قال: كالإضافة والنعت والحالية والتمييز والعطف وغيرها، تركوا ذلك للبلاغيين الذين اكتفوا كذلك بالاشارة إلى ما أحدثه التركيب من مشابهة ظاهرية تمثلت في إجراء الاستعارة. هذا ربما يصح الاعتراض عليه هنا، ربما يصح الاعتراض لكن ليس موضوع له، ليس موضوعنا طيب. تلاحظون شيئا أيها الإخوة، ما هو؟ تلاحظون أن هذا الكلام اعترض فيه على النحويين صح، واعترض فيه على العروضيين، وهذا يعني أنه يطالب من يعرفون بالعروضيين ومن يعرفون بالنحويين بأن يكونوا جميعا نقادا للشعر، بأن يكونوا جميعا نقادا للشعر.
وقد أجمع الفاهمون على أن علم النقد وعلم تمييز الشعر علم قائم بذاته، علم قائم بذاته. وسأقرأ لكم الآن بعض النصوص التي جمعتها في هذا المعنى، هذه يا إخوة بعض نصوص للعلماء يصرحون فيها بأن علم معرفة الشعر وأن علم تمييز الشعر، يعني نقد النصوص الأدبية، هذه العلوم أو هذه المعارف تستقل بذاتها ولا تسلس لأحد، وهذا فرع عن ماذا يا إخوة؟ هذا فرع عما ذكرناه من أن النظم إنما هو توخي معاني النحو بحسب ما يؤم من الأغراض.
فنحن نعمل بشرط النظم أو في خصوص نظم أو في خصوص هيئة تركيبية وإسناد معين بشكل معين يحقق علاقة معينة بين ألفاظ معينة في غرض معين، فلذلك كان ميراث الشعر من حيث هو شعر ومن حيث العلاقات الشعرية شيئا آخر تماما. ولذلك كان ذلك أصعب من سائر العلوم؛ لأنك في سائر العلوم تحصل معارف واضحة وقاطعة وكذا، أما هنا فأنت تحتاج إلى ميراث؛ لأن عملك في علاقات بيانية وليس علاقات معنوية مطلقة في الصحة، لا في علاقات معنوي في علاقات معنوية تحقق شرف المعنى والتخييل، وهذا ما تحتاج فيه إلى عقود.
يقول حازم القرطاجني الناقد المتوفى في العام أي 683: وكيف يظن انسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب؟ ألا ترى أن كثيرا من العلوم قد نفذ فيها قوم في أزمنة لا تستغرق إلا جزءا يسيرا من العمر؟ هذه الصناعة تتشعب وجوه النظر فيها إلى ما لا يحصى كثرة، فقلما يتأتى تحصيلها، فقلما يتأتى تحصيلها بأسرها، والعلم بجميع قوانينها وسائرها من العلوم ممكن أن يتحصل كله أو جله. فلو قدرنا إنسانا ذكيا ينظر في علم من العلوم شهرا أو عاما لتحصلت له من ذلك العلم مسائل محققة لا يحصل له في هذا القدر من الزمان من هذه الصناعة الشعرية، يعني شيء يعتد به.
فلو قدرنا إنسانا ذكيا ينظر في علم من العلوم شهرا أو عاما لتحصلت له من ذلك العلم مسائل محققة لا يحصل له في هذا القدر من الزمان من هذه الصناعة شيء يعتد به؛ إذ أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له اعتبارات شتى بحسب المواضع، فقد يحسن في موضع ما يقبح في موضع، ويقبح في موضع ما يحسن في موضع، ولا يقف الإنسان على تلك المواضع إلا بطول المزاولة، ولا يشرف الإنسان على جمل من تلك المواضع يمكنه أن يستنبط بها أحكام ما سواها إلا بكثره الفحص والتنقيب عما يجب اعتماد مادة في جميع أحوال الصناعة من إيثار ما يجب أن يؤثر وترجيح ما يجب أن يرجح بالنظر إلى الشيء في نفسه أو النظر إلى ما يقترن به أو إلى ما هو خارج عن ذلك، باب مفتوح.
ويقول في نفس الكتاب منهاج البلغاء: وما أكثر ما يقع الغلط للناس في هذه الصنعة من هذا الباب؛ لأن وجوه النظر فيما يحسن ويقبح في هذه الصنعة لا تحصى كثرة، فيطالع بعض من لم يتفرغ لهذه الصنعة، هذا الخطر دائما أقول لكم تفرغوا لها لا تجعلوها على هامشكم، يقول فيطالع بعض من لم يتفرغ لهذه الصنعة يعد ينيط الغلط في الصنعة بعدم التفرغ عليها. يقول: فيطالع بعض من لم يتفرغ لهذه الصنعة ولا في طبعه أن يعلمها لو تفرغ لها الشيء التافه من الأقاويل في هذه الصناعة، فيبني نظره فيها.
على ذلك وهو قد حفظ شيئا وغابت عنه أشياؤه. وهذا النقد كثير تجد يريدون نقدا للجاهليين يقول قال كذا ف حفظ شيئا وغابت عنه أشياؤه.
ويقول أبو طاهر محمد بن حيدر البغدادي المتوفى في العام 507 من الهجرة يقول والنقد والعيار غامضان وهما صناعة برأسها وهي غير العلم بغريب الشعر ولغاته ومعانيه وإعرابه وهي غير الشعر. دكتور محمد حمادة هكذا قال لك النحاة تخلوا والموضوع انتهى، النحاة لا عمل لهم في هذا أصلا من حيث كونهم نحاة، قال والنقد والعيار غامضان وهما صناعة برأسها وهي غير العلم بغريب الشعر ولغاته ومعانيه وإعرابه وقوافيه وأوزانه، وهي ممتنعة إلا على أهلها الذين صحت طباعهم وصفت قرائحهم واتقدت أذهانهم وأفنوا أعمارهم في خدمتها وفرغوا أنفسهم لتحصيلها.
إياك وعدم التفرغ لن تحصل شيئا لا هنا ولا هنا، وأفنوا أعمارهم في خدمتها وهي ممتنعة إلا على أهلها الذين صحت طباعهم وصفت قرائحهم واتقدت أذهانهم وأفنوا أعمارهم في خدمتها وفرغوا أنفسهم لتحصيلها، فحصلت لهم الرواية والدراية وراضوا الكلام ومارسوا قول الشعر وخدموا علمه ولزموا أهله ودفعوا إلى مضايقته وكشفوا عن حقائقه ولاقوا فيه فرسانه وأمراءه وميلوا حروف الالفاظ وقابلوا صنوف المعاني.
ويقول ابن رشيق في العمدة: وأهل صناعة الشعر أبصر بها من العلماء بالآلة من نحو، إذا انفصل بين الشعر والنحو، وأهل صناعة الشعر أبصر بها من العلماء بالآلة من نحو وغريب ومثل وخبر وما أشبه ذلك، ولو كانوا دونهم بدرجات يعني في هذه العلوم، يعني ناقد الشعر ولو كان أقل من النحوي في العلم النحوي بدرجات هو أبصر بالشعر من النحوي، هذا نص كلام ابن رشيق.
يقول: وأهل صناعة الشعر أبصر بها من العلماء بالآلة من نحو وغريب ومثل وخبر وما أشبه ذلك، ولو كانوا دونهم بدرجات فكيف لمن قاربوهم أو كانوا منهم بسبب، يعني كيف بمن حصلوا النحو وكانوا على طبقة من الدراية والتحصيل فيه، كيف هم أولى أن يكونوا مقدمين في فهم الشعر على غيرهم.
وقال محمد بن سلام الجُمحي المتوفى في العام 232: إن كثرة المدارسة لتعدي على العلم به، فكذلك الشعر يعلمه أهل العلم به مش أهل العربية النحو، أهل العلم به. وقال أيضا محمد بن سلام: وجدنا رواة العلم يغلطون في الشعر ولا يضبط الشعر إلا أهله، وجدنا رواة العلم يغلطون في الشعر ولا يضبط الشعر إلا أهله.
ويقول الناقد الكبير أبو بكر محمد بن يحيى الصولي المتوفى في العام 335 من الهجرة: أتراهم يظنون هذه كلمة خطيرة جدا وصريحة جدا، وهذا ناقد فذ بالمناسبة ومحمود شاكر حفي به جدا أبو بكر الصولي خطير، يقول: أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدة أو أقام إعرابها أحسن أن يختار جيدها ويعرف الوسط والدون منها ويميز ألفاظها؟
أعرف أحد الأعاجم سمعته مرة يقول والله من يعرب المعلقات هذا أعلم الناس بالشعر خلاص انتهى، ماذا يحتاج من يعرب المعلقات بعد ذلك؟ هكذا يقول تخيلوا، أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدة، كان ينتقد على بعض أهل العربية والنحو واللغة الذين انتقدوا على أبي تمام يقول لهم من يفعل هذا مع أبي تمام أنتم أتراهم يظنون أن من فسر غريب قصيدة أو أقام إعرابها أحسن أن يختار جيدها ويعرف الوسط والدون منها ويميز ألفاظها يعني يعرف وجوه الاختيار فيها في ألفاظ الشعر من حيث كونه شعرا.
وقال علي بن العباس النوبختي حين قال له البحتري في أبي العباس ثعلب: ما رأيته ناقدا للشعر ولا مميزا لألفاظه ورايته يستحسن شيئا وينشده وما ذلك استجادة بأحسن الشعر ولا بأفضله، قال له النوبختي: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى ولكن هو أعرف الناس بإعراب الشعر وغريبه.
صراحة هذه القصة كان أن البحتري لقي علي بن العباس النوبختي، أين تذهب؟ إلى ثعلب، إلى أبي العباس ثعلب إمام الكوفيين، فقال له البحتري: ما رأيته ناقدا للشعر ولا مميزا لألفاظه ورايته يستحسن شيئا وينشده وما ذلك استجادة بأحسن الشعر ولا بأفضله يقول له لما تذهب إليه ليس عالما بالشعر؟ فقال له النوبختي: أما نقده وتمييزه فهذه صناعة أخرى ولكن هو أعرف الناس بإعراب الشعر وغريبه، أنا ذاهب آخذ منه لغة وإعرابا.
وقال وفي الخبر ذاته ينقله أبو بكر الصولي عن النوبختي يقول أو يقول عن النوبختي يعني قال لي علي بن العباس يعني النوبختي، أبو بكر الصولي يقول قال لي علي بن العباس بعقب هذا الخبر ونقد الشعر وترتيب الكلام ووضعه مواضعه والاستعاره ونفي المستكره والجاسي صنعة بنفسها، يعني هذه العبارة قالها النوبختي لما حكى الخبر لأبي بكر الصولي وحكاه لنا أبو بكر الصولي في كتابه فيقول قال لي النوبختي بعد هذا الحدث بعد رواية الخبر له مع البحتري: نقد الشعر وترتيب الكلام ووضعه مواضعه والاستعارة ونفي المستكره والجاسي صنعة بنفسها يعني هذه عبارة علم آخر ليس هو الذي أذهب لأجله إلى أبي العباس ثعلب.
وهذا يعقوب بن السكيت يقول: أنا أعلم من أبي في النحو وأبي أعلم مني في الشعر، هذا يعقوب بن السكيت المتوفى في العام 244 يقول: أنا أعلم من أبي في النحو وأبي أعلم مني في الشعر.
هذا القاضي الجرجاني أبو الحسن علي بن عبد العزيز القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني المتوفى في العام 366 صاحب كتاب الوساطة يقول في الكتاب في المعترضين على المتنبي: فإن المعترضين عليه أحد رجلين، إما نحوي لغوي لا بصر له بصناعة الشعر فهو يتعرض من انتقاد المعاني لما يدل على نقصه ويكشف عن استحكام جهله، فأثبت العلم بالنحو واللغة لبعض المتعرضين بل وصفه بالنحوي واللغوي ثم أثبت له مع ذلك استحكام جهله بالشعر استحكام الجهل.
أما نحوي أو لغوي، تخيل الآن في زماننا لا يوجد من يقال فيه نحوي أو لغوي، أما نحوي لغوي لا بصر له بصناعة الشعر فهو يتعرض من انتقاد المعاني لما يدل على نقصه اللي يسمعه من علماء الشعر هذا ناقص في هذه الصناعة لما يدل على نقصه ويكشف عن استحكام جهله، هذا كلام القاضي الجرجاني.
وهذا أبو هلال العسكري المتوفى في العام 395 يقول وقد انتبه إلى كثرة أغلاط علماء العربية النحاة واللغويين في فهم الشعر، يقول: وما أكثر من وقع من علماء العربية في هذه الرذيلة يعني يريد سوء الاختيار في الشعر، وما أكثر من وقع من علماء العربية في هذه الرذيلة، وكان كثير من علماء العربية يقولون ما سمعنا بأحسن ولا أفصح من قول ذي الرمة: رمتني مي بالهوى رمي ممضعي * من الوحش لوط لم تعقه الأوانس * بعينين نجلاوين لم يجر فيهما * ضِمان وجيد حُلي الدر شامس. وهذا كما ترى كلام فج غليظ ووخم ثقيل لا حظ له من الاختيار.
وهذا ضياء الدين بن الأثير صاحب المثل السائر يقول صراحة: النحاة لا فتيا لهم في مواقع الفصاحة والبلاغة ولا عندهم معرفة بأسرارهما من حيث أنهم نحاة. وقال بعد أن بين أسرار بعض التراكيب: وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة لأنها ليست من شأنهم، وكأنه بالضبط يقابل كلام الدكتور محمد حمادة.
هذا دقائق يقول له يا دكتور هذا الانكسار في الإسناد في المعنى هذا الجمع بين هذا إسناد فعل إلى اسم لا يصح ليس من المألوف إسناده كذا، يقول له هذا ليس من شأن النحاة، قال وهذه دقائق ورموز لا تؤخذ من النحاة لأنها ليست من شأنهم، هذا ابن الأثير في كتابه المثل السائر.
وقال في بعض ما قراه من تفضيلات علماء النحو والإعراب لمواضع شعرية مروية عن بعض القائلين: وقرات في كتاب الأغاني لأبي الفرج في تفضيل الشعر أشياء تتضمن خبطا كثيرا، وهو مروي عن علماء العربية لكن عادتهم في ذلك، فإن معرفة الفصاحة والبلاغة شيء خلاف معرفة النحو والإعراب.
وقال أبو بكر عاصم بن أيوب البطليوسي المتوفى في العام 494 من الهجرة يعني من القرن الخامس، قال: أعلم أبقاك الله أن للشعر أغراضاً تزل عنها العلماء وتعرفها لمناوله أمثالها الشعراء، وليس هذا قدحا في عالم ولا مدحا لناثر وناظم، ولكن مناهل الشعر مقصوره على معانيه، وليس يكفي في الشعر مجرد العلم حتى ينضاف إلى طبع ثاقب الفهم فلذلك توعر سهله وقل أهلها.
وحتى قال الأصمعي: فرسان اهل العلم بالشعر أقل من فرسان الحرب. وقال أبو عمرو بن العلاء: العلماء بالشعر أقل من الكبريت الأحمر.
وهذا أبو البركات كمال الدين ابن الأنباري هذا أبو البركات كمال الدين ابن الأنباري المتوفى في العام 577 من الهجرة في ترجمته لأبي الطيب المتنبي يحكي حكاية يكشف بها الفرق بين العالم بالشعر والعالم باللغة فيقول: ويحكى أنه لما أنشد المتنبي سيف الدولة بن حمدان قوله في مطلع بعض قصائده وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه، كان هناك ابن خالويه فقال له يا أبا الطيب إنما يقال شجاه توهمه فعلا ماضيا، فقال أبو الطيب: اسكت فما وصل الأمر إليك. قلت أي ابن الأنباري: إنما قصد أبو الطيب بقوله أشجاه أكثره شجا الفعل الماضي.
طبعا المقصود هنا أيها الإخوة هو أن هذه لما قال له اسكت فما وصل الأمر إليك هو لا يخطئه في أن شجاه لو كان ماضيا كذا، هو يخطئه في شيء آخر أنه لم يفهم أن أشجاه أراد أن يأتي بها على أفعل التفضيل، وانه لو قال شجاه لما كان للشعر موضع وللكلام موضع وفاؤكما كالربع شجاه طاسمه لا وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه أفعل التفضيل نعم.
وهذا الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد علق على هذا الخبر فقال وهو نحوي مصر الكبير: وبعض المآخذ التي اخذها عليه النحاة تافه أو لا وجه له كالذي حدثه أن ابن خالويه وذكر الحدث.
وهذه قصة غريبة، هذا أبو سعيد السيرافي أيها الإخوة الإمام الكبير العلم المعروف إمام عربية وقراءة وغيرها، أبو سعيد السيرافي المتوفى في العام 368 وهو من هو في علوم العربية، قال عنه الذهبي العلامة هذا في سير أعلام النبلاء قال عنه العلامة إمام النحو أبو سعيد وعرف به ثم قال صاحب التصانيف ونحوي بغداد، قال صاحب التصانيف ونحوي بغداد وكان أبو سعيد صاحب فنون من أعيان الحنفية راسا في نحو البصريين تصدر لإقراء القراءات واللغة والفقه والفرائض والعربية، وتصدر لإقراء القراءات واللغة والفقه والفرائض والعربية والعروض، وقرأ القرآن على ابن مجاهد وأخذ اللغة عن ابن دريد والنحو عن أبي بكر بن السراج، وقد جود شرح كتاب سيبويه، وكان إماما في العربية صاحب تصانيف هذا كله نص من سير أعلام النبلاء للذهبي.
سير أعلام النبلاء ورد قوله صراحه ولم يقبل من أهل العلم بالشعر حين تكلم بالقصيدة أو تكلم في قصيدة، وذلك أن أبا الحسين محمد بن أحمد بن محمد المغربي، هذا أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد المغربي كان راوية للمتنبي وكان أحد الأئمة الأدباء والأعيان الشعراء في بلاط سيف الدولة الحمداني، كان راوية للمتنبي وكان أحد الأئمة الأدباء والأعيان الشعراء في بلاط سيف الدولة الحمداني يعني إذا كان يلتقي به عند سيف الدولة خلاص وكان راوية للمتنبى يعني كان مقدرا له ويروي شعره ألف كتابا يدافع فيه عن المتنبي ورد في هذا الكتاب على شخص صنع قصيدة يعارض بها قصيدة للمتنبي ويزعم أن قصيدته أجود من قصيدة المتنبي.
خلاص هذا الشخص صنع قصيدة يعارض بها المتنبي وزعم أن قصيدته أجود من قصيدة المتنبي، فقال أبو الحسين راوية المتنبي ورايته هذه القصة طبعا اين هذا الخبر في ترجمة أبي سعيد السيرافي من معجم الأدباء لياقوت الحموي، هذه القصة في ترجمة أبي سعيد السيرافي من معجم الأدباء لياقوت الحموي.
يقول أبو الحسين راوية المتنبي يرد على من قال قصيدة وزعم يعارض المتنبي وزعم أنها أجود من قصيدة المتنبي يقول: ورايته وقد استشهد بأبي سعيد السيرافي مؤدب الأمير أبي إسحاق بن معز الدولة أبي الحسين بنوية وذكر أنه أعطاه خط السرافي الذي ذكرناه الآن وذكر أنه أعطاه خطه بأن قصيدته خير من قصيدة أبي الطيب، ومن جعل الحكم في هذا إلى أبي سعيد، يعني هو إمام لكن لا علاقة لنا هنا بالإمامة.
الحكم في هذا إلى أبي سعيد. رأيتم الخطورة، ومن جعل الحكم في هذا إلى أبي سعيد إنما يحكم حكم في الشعر الشعراء للمؤدبة، وبمثل هذا جرت سنة العرب في القديم، ولو كان أعلم الناس بالنحو أشعرهم لكان أبو علي الفسوي أشعر الناس، وما عرف له نظم بيت ولا أبيات ولا سمع منه ذلك.
وهذا نص ابن جني يذكر من يتسرعون يذهبون يقرؤون قليلا في الأدب ويأتون يتكلمون فيه، يقول: وإنما غلط في هذا فظن أن الأقاويل الشعرية لا تكون إلا كاذبة قوم من المتكلمين، جعلهم من المتكلمين يعني هذا اصطلاح علماء الكلام، قوم من المتكلمين لم يكن لهم علم بالشعر لا من جهة مزاولته يعني ليسوا شعراء، ولا من جهة الطرق الموصلة إلى معرفته ليسوا نقادا، يعني ابن جني مثلا كان يصاحب المتنبي ويدرس الشعراء ويعرف الطرق وكذا فكان عالما بالشعر ولم يكن شاعرا.
لا، مثلا عندك بعض، كالأمدي صاحب الموازنة لا يعرف أنه شاعر لكنه ناقد كبير، أبو بكر الصولي ربما يكون له صفة شعرية أو شاعرية لكنه كذلك عالم ناقد. يقول: لا من جهة مزاولته، والأصمعي، لا من جهة كما قالوا عنه، لا من جهة مزاولته ولا من جهة الطرق الموصلة إلى معرفته، يعني لا هم شعراء فزاولوه فعرفوا الشعر والصول، ولا هم عرفوا الطرق الموصلة إليه، يعني خالطوا الشعراء ودرسوا وكذا فصاروا على فهم لهذا، لا هذا ولا ذاك، إنما هم قوم من المتكلمين، ولا معرج على ما يقوله في الشيء من لا يعرفه، ولا التفات إلى رأيه فيه، فإنما يطلب الشيء من أهله، وإنما يقبل رأي المرء فيما يعرفه، وليس هذا جرحا للمتكلمين ولا قدحا في صناعتهم، فإن تكليفهم أن يعلموا من طريقتهم ما ليس منها شطط، فإن تكليفهم أن يعلموا من طريقتهم ما ليس منها شطط.
والذي يورطهم في هذا، اسمع، والذي يورطهم في هذا أنهم يحتاجون إلى الكلام في إعجاز القرآن، فيحتاجون إلى معرفة ماهية الفصاحة والبلاغة من غير أن يتقدم لهم علم بذلك، فيفزعون إلى مطالعه ما تيسر لهم من كتب هذه الصناعه، فاذا فرّق أحدهم بين التجنيس والترديد والاستعارة من الأرداف ظن أنه قد حصل على شيء من هذا العلم، فأخذ يتكلم في الفصاحة بما هو محض الجهل بها. يعني وصفهم بأنهم قوم متكلمون علماء كبار يتكلمون في إعجاز القرآن، ثم وصفهم بأنما يتكلمون بمحض الجهل لأن ذلك لم يكن علمهم، وقد رأيتم النص على ضرورة أن يكونوا متفرغين فيه. نعم هذا قدر صالح وكبير في الكشف عن أن علم الفصاحة والبلاغة علم قائم بذاته.
فإذا ما رجعنا في الحقيقة إلى كلام الدكتور محمد حماسة رحمه الله، وهو رجل أحسبه من الصالحين من العلماء المهتمين والمشتغلين، إذا ما راجعنا إلى كلامه وجدنا الثغرات فيه شديدة جدا وغريبة، غريبة على ما يرومه محقق أكاديمي، غريبة على ما يرومه أو يدعيه الأكاديميون، لكن هي غريبة وهي عندي ربما جاءت من التحمس إلى هذه المساله، أو جاءت ربما لأنه كما يظهر في ثقافته العلمية شديد الارتباط بالمذاهب اللسانية الغربية، فربما أراد أن يعطي النحو العربي قدرا عظيما جدا كما المذاهب الغربية تفعله، المذاهب الغربية تلوذ إلى نحوها وإلى محاولة ايجاد شيء في العلاقات النحوية وفي كل شيء عندها، لأن مساحات البيان عندها والعلاقات بين اللغة من حيث كونها مبينة ومن حيث خصائص اللغة هذا عندها ضئيل جدا، فلذلك تحاول البحث في كل شيء عندها، فالامر عندنا مختلف عنهم، الأمر عندنا مختلف عنهم، فليبقى النحو نحوا وليبقى العروض عروضا، وكذلك ليبقى التجويد تجويدا، ويبقى الإحسان والإتقان بعد ذلك في أداء التلاوة.
كثير من العلوم هي في حجمها، حتى علم النقد هو في حجمه لن يكون كممارسة الأدب نفسه أو ميراث النقد في القصائد، لن يكون ذلك مهما تضخم وتفرع وكذا، إنما أن تمكث الأعوام وأنت متفرغ على هذا أفرغت له بالك، أفرغت له بالك. فهمتم؟ هذا هو، وأظن يناسب أن نجعل هذه المحاضرة خاصة بهذا الكلام، صح؟ يعني خاصة بهذه المسالة، ما ترون؟ أرى ذلك، يعني تكون خاصة بالمسألة، لا تاخذ صفحات، لأن لو اخذت صفحات قليلة ستبدو من الخارج مبتسرة، تبدو مبتسرة. نعم هي تكون في مناقشة هذا الأمر، فشكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد