دخولتسجيل الدخول

الدرس 28 - من صفحة 225 إلى صفحة 231

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الثامن والعشرون من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام شيخ البلاغيين أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى، ورضي عنه، ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين. توقفنا في الصفحة الثانية والخمسين بعد المائتين، عند الفقرة الثانية والخمسين بعد المائتين. وفي الفقرة الأولى بعد الخمسين والمائتين وقفنا على تلاؤم المعاني، وعلى طلب بعضها بعضاً، وعلى كونها متناسبة في الحدث القولي الواحد، وإن استقلت العبارات، وإن انفصلت بذاتها عن بعضها.

فنقرأ بسرعة ما قاله لنصل ذلك بالفقرة الجديدة، قال: ثم إن الذي يوجبه النظر والتأمل أن يقال في ذلك: أنا وإن كنا إذا قلنا زيد قائم وعمرو قاعد فإنا لا نرى هاهنا حكماً نزعم أن الواو جاءت للجمع بين الجملتين فيه، فإنا نرى أمراً آخر نحصل معه على معنى الجمع. انظر، يقول: نحصل معه على معنى الجمع؛ يعني لابد أن يكون للجمع معنى. هذه العبارة خطيرة يا إخوة، لابد أن تضيء في كلام عبد القاهر، يقول: فإنا نرى أمراً آخر نحصل معه على معنى الجمع؛ يعني وجود معنى للجمع ضروري. هو يتكلم عن أن هناك معنى للجمع، ولا يمكن أن يتجاور الكلام في نص واحد، أو باللغة اللسانية الحديثة في حدث قولي واحد، دون أن تكون هناك علاقة بين الكلام.

ولذلك وقع عيب التثبيج في القصيدة العربية، وقع عيب التثبيج عند نقاد العرب، تكلموا فيه عند الذي يأتي بالبيت وابن عمه، أو يأتي بالأبيات كأنها أبعار شا تنفصل عن بعضها. الذي يأتي بقصيدة في الحكمة، تقول: سأقول قصيدة في الحكمة، إذاً هذا درس وليس قصيدة، لابد وأن تكون هناك علق في المعاني ومناسبات، ومعنى للجمع كما قال عبد القاهر. انظر، هذه لابد أن تكونوا منها على ذكر برقم الصفحة وبالموضع؛ لماذا؟ لأن الذين يتهمون عبد القاهر، هو يقول بالبداهة: نرى أمراً آخر نحصل معه على معنى الجمع؛ يعني يتكلم على أن وجود معنى للجمع هو أمر بدهي.

يقول: فإنا نرى أمراً آخر نحصل معه على معنى الجمع، وذلك أن لا نقول: زيد قائم وعمرو قاعد، حتى يكون عمرو بسبب من زيد، وحتى يكونا كالنظيرين والشريكين، وبحيث إذا عرف السامع حال الأول أعانه أن يعرف حال الثاني. يدلك على ذلك أنك إن جئت فعطفت على الأول شيئاً ليس منه بسبب، ولا هو مما يذكر بذكره ويتصل حديثه بحديثه، لم يستقم؛ فلو قلت: خرجت اليوم من داري، ثم قلت: وأحسن الذي يقول بيت كذا، قلت ما يضحك منه. ومن هنا عابوا أبا تمام في قوله: لا والذي هو عالم أن النوى صبر، وأن أبا الحسين كريم. وذلك لأنه لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر، وليس يقتضي الحديث بهذا الحديث بذاك. وقلت إنني أرى أن الذي أوقع أبا تمام في هذا الغلط هو انصراف انتباهه كاملاً إلى التخلص وتكلف التخلص.

قال: واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث عنه في الأخرى، كذلك ينبغي أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض. هذا الكلام خطير يا إخوة، انتبهوا لما تدرسون، إن شاء الله كتاب القرطاجني ستقفون على ما يعرف بالعلق التناسبية؛ هناك ما يعرف بالمناسبات الإسنادية، وهناك ما يعرف بالعلق التناسبية. العلق التناسبية تدور حول ثلاثة أشياء أو ثلاثة أغراض: التماثل، والتشابه، والتخالف، وهذا ما قصد هنا بالشبيه والنظير أو النقيض كالأمثال.

ما الفرق بين المناسبة الإسنادية وبين العلق التناسبية؟ المناسبة الإسنادية هي الغايات أو الأنواع التي تتحقق بإسناد لفظة إلى أخرى، وهذا في كل تركيب أصلاً؛ يعني ما الذي يجعلك تقول: زيد مجتهد؟ مجتهد كانت وحدها، وزيد كانت وحدها، لما ضممت وأسندت الاجتهاد إلى زيد قلت: زيد مجتهد، سترى أنك تقصد إلى البيان عن زيد بأنه مجتهد، ويقع شكل آخر تريد به المبالغة، ويقع شكل آخر تريد به التشبيه، وهكذا. أما في العلق أو ما يعرف بالعلق التناسبية فتكون بين المعاني لا بين الألفاظ.

يعني لما يقول أبو فراس مثلاً: يقولون جُنبٌ عادَةً ما عَرفْتَها، شَدِيدٌ عَلى الإِنسانِ ما لَمْ يُعَوَّدِ. هنا هل هو التماثل؟ هل هو التشابه؟ هل هو التخالف؟ سترون أن مجيء الحكمة أو مجيء الأمثال في عقب الأحداث يأتي على أنه مثال لها، ويراد إلحاق جزئي بكلي، والعلاقة بينهما من هذه الجهة التماثل. فهناك إذاً ما يعرف بالعلق التناسبية أو النسب الإسنادية.

إذا أردت التدقيق في العبارة، العلق التناسبية أو النسب الإسنادية، النسب الإسنادية هي الغايات أو الأغراض التي لأجلها يكون الإسناد النحوي أو نسند اللفظ إلى اللفظ، وقالوا له في ذلك أربعة أغراض: البيان، والمبالغة، والمناسبة، والمشاكلة. أما العلق التناسبية فتكون علاقات بين مجموع المعنى ومجموع المعنى، كما في التشبيه، كما في الاستعارة، وهكذا؛ كما في الحكمة، كما قلنا الآن: يقولون جُنبٌ عادَةً ما عَرفْتَها، شَدِيدٌ عَلى الإِنسانِ ما لَمْ يُعَوَّدِ. ما علاقة الأول بالثاني؟ وبمناسبة نرى هنا أبا فراس قد فصل الكلام؛ يقولون جُنبٌ عادَةً ما عَرفْتَها، ثم شديد على الإنسان ما لم يعود، فصل بين ثلاث جمل في البيت الواحد، ومع ذلك ارتبطت بوجه المعنى شديداً. العلق التناسبية تكون لأجل المماثلة أو المشابهة أو التخالف، هذا إن شاء الله سندرسه تفصيلاً في القرطاجني.

الجميل هنا أنه أتى لك به عبد القاهر كما هو، قال: واعلم أنه كما يجب أن يكون المحدث عنه في إحدى الجملتين بسبب من المحدث عنه في الأخرى، يعني تقول زيد أ... كما قال هنا، أين زيد قائم وعمرو قاعد؟ كما أنه لابد من علاقة تربط زيداً بعمرو، يقول: كذلك ينبغي أن يكون الخبر الذي هو قاعد وقائم، أن يكون الخبر عن الثاني مما يجري مجرى الشبيه والنظير أو النقيض للخبر عن الأول. شوف الكلام، هذه هي العلق التناسبية في اصطلاح القرطاجني كما ذكرت، وسندرسها إن شاء الله تعالى بتفصيل وتوسع في المنهاج.

تعالوا مثلاً إلى قول طرفة بن العبد: وَما كُلُّ ذِي غِشٍّ يَضُرُّكَ غِشُّهُ، وَما كُلُّ مَن تَهوى كَرامَتُهُ تَرْضي. ليس كل ذي غش سيضرك غشه، وليس كل من تريد إرضاءه سترضيه، هذا على وجه الشبيه أم النقيض أم النظير؟ أحسنتم، النقيض أو المخالف؛ خلينا أوسع كلمة مخالف أحسن، التخالف في اصطلاح القرطاجني. التخالف يقول لك التخالف هذا أفضل، وكذلك أحسنتم ما شاء الله جميعاً، طيب وكذلك قول تميم البرغوثي: وما كل نفس حين تلقى حبيبها تسر، وما كل الغياب يضيرها. أيضاً وقع التخالف، رأيتم؟ هو أضاف كلاماً جديداً ومعنى جديداً، ولكن هذا الكلام والمعنى الجديد مشدود إلى الأول.

ولهذا ربما أبدي لكم لأول مرة أنه لا يروقني بيت أو أستشكله في الضادية المنسوبة إلى طرفة بن العبد، في القصيدة الضادية المنسوبة إلى طرفة بن العبد، هذه التي منها هذا البيت الذي قلناه الآن، أحاول أن أتذكر البيت؛ يقول: ولستُ بذي وجهين فيمن عرفتهُ، ولا البخلُ فاعلم من سمائي ولا أرضي. استضعفت بمعنى وجدته ضعيفاً نوعاً أو شيئاً ما قضية أنه ليس بذي وجهين فيمن عرفه، وأن البخل ليس من سمائه ولا أرضه، ليس بخيلاً؛ كأنه يقول: لست بخيلاً، لست بذي وجهين ولست بخيلاً. يجمعهما أنهما من المعاني المذمومة، لكن لو كان نفى عن نفسه الجبن ربما كان أقرب، لو كان نفى عن نفسه الخور أو النقوص عن المجالس كان أقرب لذي الوجهين، لكن نفى عن نفسه النفاق؛ أنه ليس بذي وجهين، ثم نفى عن نفسه البخل. وربما لو قدم البخل كان أجود، لأن البخل ربما يسوق إلى أن يكون صاحب وجهين، ولكن هل يسوق أن يكون الرجل ذا وجهين إلى البخل؟ لا، هو قد يكون من خلق المنافق أن يكون بخيلاً لكن ليس شرطاً، وجدنا منافقين كثر يبذلون؛ بالعكس المنافق يبذل على نفاقه ليرضي الناس. فشعرت بنوع من الفجوة بين الشطرين في هذا البيت، والله تعالى أعلم.

قال: فلو قلت: زيد طويل القامة وعمر شاعر، كان خَلَفاً؛ يعني رديئاً شيئاً لا معنى له، لا شرعية لوجوده، كان خَلَفاً؛ لأنه لا مشاكلة ولا تعلق مطلق التعلق بين طول القامة وبين الشعر، وإنما الواجب أن يقال: زيد كاتب وعمرو شاعر. شوف عبد القاهر ينظر إلى اتصال الكلام في الحدث القولي الواحد، لو قلت: خرجت اليوم من داري، وأحسن الذي يقول بيت كذا، قلت ما يضحك منه، كما قال في أول الصفحة. وإنما الواجب أن يقال: زيد كاتب وعمرو شاعر، وزيد طويل القامة وعمر قصير، وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقاً لمعنى في الأخرى ومضاماً له.

يا سلام، وجملة الأمر أنها لا تجيء حتى يكون المعنى في هذه الجملة لفقاً لمعنى في الأخرى ومضاماً له، مثل أن زيداً وعمراً إذا كانا أخوين أو نظيرين أو مشتبكي الأحوال على الجملة، كانت الحال التي يكون عليها أحدهما من قيام أو قعود أو ما شاكل ذلك مضمومة في النفس -انظر، مضمومة في النفس- إلى الحال التي عليها الآخر من غير شك. قال: وكذا السبيل أبداً، وهذا يا إخوة في الجمل التي عطفت بالواو، والتي لم تعطف بالواو؛ لمناسبة الكلام ولحمة الكلام في الحدث القولي الواحد، يعني هذا عين المعنى الذي يمكنك أن تطرده في القصيدة كلها بين معانيها في البيت الواحد وبين أبياتها، لأن العلاقة بين الجملة التامة والجملة التامة في البيت لا تختلف عن العلاقة بين البيت والبيت إذا تواليا في قصيدة واحدة، لأن القصيدة حدث قولي واحد. فالذي يقول لك عبد القاهر لم يتكلم عن نحو النص، لم يتكلم عن اتصال الأبيات في نسق واحد وكذا، وإنما كان يتكلم عن فقه الجملة، هذا كله كلام غير صحيح وغير دقيق، ولا يقوله من دقق كتابه.

قال: وكذا السبيل أبداً، والمعاني في ذلك كالأشخاص. اسمع، قال: والمعاني في ذلك كالأشخاص، فإنما قلت مثلاً: العلم حسن والجهل قبيح؛ لأن كون العلم حسناً مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحاً. يا سلام يا سلام! مضموم في العقول، هذا الأصل في التعلق المعنوي أيها الإخوة، هذا هو الأصل في التعلق المعنوي، وهو مما تسقط به الحداثة من أول أمرها، لماذا؟ شوف شوف، هذا أصل كلمة "مضموم في العقول" هذه تكتب هكذا، تُنقش، تخرج، جمعت من كتاب عبد القاهر جمعاً كبيراً، صنعت فهرساً في كتاب عبد القاهر للعبارات التي تسقط بها الحداثة، وكذلك فعلته في القرطاجني.

من هذه العبارات هذه العبارة، يقول: مضموم في العقول؛ لأن كون العلم حسناً مضموم في العقول إلى كون الجهل قبيحاً، فهذا الأصل الذي هو التعلق المعنوي هو مما تسقط به الحداثة من أول أمرها، لماذا؟ لأن أصلهم الذي يبنون عليه ما يظنونه إبعاداً وتعميقاً للمعنى هو انقطاع هذا الانضمام بين المعاني في العقول. فلان عاجز عن اختراع صفة أشد لزوجة من فخذ الحبيبة، يعني إيش هذا؟ كيف يخترع صفة؟ ثم يعلل ذلك، يقول: إن الحب لم يكن مهنتي مثلاً. فالأصل الذي يبنون عليه يخالف هذا الأصل، الأصل الذي يبنون عليه هو انقطاع هذا الانضمام بين المعاني داخل العقول، انقطاع هذا الانضمام بين المعاني داخل العقول؛ إحنا لما بنهاجم الحداثة يا إخوة.

لا نهاجمهم على غير قاعدة وغير فهم، كما يحسبون أن هجومنا عليهم لأنهم حداثة وضد التراث، ولأنهم يقولون أشياء يوسعون فيها الخيال؛ هذا كلام الأطفال وحجة الأطفال. بل نناقشهم على أصول فلسفية في قاعدة البيان، ومنها هذه القاعدة؛ نحن نعرف أين مشكلتكم، مشكلتكم أن الأصل عندكم هو انقطاع هذا الانضمام بين المعاني في العقول، هذا الذي ذكره عبد القاهر، هذا الانضمام منقطع في عقولكم أصلاً، وتعتمدون في الكشف عن المعنى على أحد الوجوه التي ذكرها عبد الرحمن شكري، تتوقعون وسائط وتعملون كذا.

ولذلك وقع ما يعرف عندهم بتعدد القراءة، من أين وقع عندهم تعدد القراءة كما يأتون بها في المشهد العربي؟ أحد الشعراء قريباً بلغني عنه كلام أنه أراد أن يهرب من كلام ناقد أو من كلام النقاد عموماً فقال ماذا؟ قال: والله أنا لا يعنيني كلام النقاد كثيراً لأن كلام الناقد ما هو إلا إبداعه الذي أبدعه هو في فهم النص، وهذا يقبل التعدد. يا سلام، يا حلاوة! فكل تفسير للقرآن صحيح، إذاً كل تفسير للقرآن صحيح، كل تفسير وضد هذا التفسير صحيح، كله صحيح لأنه فهمك. فرق بين إبراء الذمة بعد الاجتهاد وبين أن يكون صحيحاً في نفسه، وهو بهذا الكلام الجاهل يسقط فكرة النقد أصلاً، يسقط فكرة النقد من الأساس.

هذه هي النتيجة التي يريدونها عندما تكون كل التفسيرات تقف على حد واحد، يموت النص. لا يمكنك الاحتجاج به، وفي الشعر لا يمكن الاحتجاج به ولا يمكن الرد به، يكون مجرد نص عام، ويبقى نصاً ميتاً في حقيقة أمره، وهكذا كل نص تتعدد قراءته ولا يقال فيه بصحة وبخطأ هو نص ميت، يبقى ألفاظاً، والشيء الوحيد الصواب فيه الألفاظ المجردة، والشيء الثابت فيه.

انظر إلى العبارة لأن كون العلم حسناً مضموم في العقول، أي هناك له قاعدة في العقول، إلى كون الجهل قبيحاً، واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحداً كقولنا: هو يقول ويفعل ويضر وينفع. طبعاً ما ذكره عبد الرحمن شكري، هل نمر عليه الآن طراداً لهذه القضية فكرة الضم في العقول وكيف خالفت الحداثة هذا الأمر؟ هل نقرأ كلام عبد الرحمن شكري لتكونوا على بينة من الأمر؟ نقرأه، مناسب جداً وهذا موضعه؛ مضموم في العقول، حاضر في العقول.

إذن عكس ذلك كيف يعتبرون كلامهم كلاماً سنرى هذا. أيها الإخوة، كتاب دراسات في الشعر العربي، وهي مجموعة بحوث نشرت بالرسالة والثقافة والمقتطف والهلال وغيرها، تأليف عبد الرحمن شكري، جمعها وحققها وقدم لها الدكتور محمد رجب البيومي؛ هذه مقالات نقدية وأدبية وفنية في الشعر العربي، كتبها عبد الرحمن شكري أحد أفراد جماعة الديوان كما تعلمون، وهو ناقد مثقف في الحقيقة؛ له مقالة كتبها في شهر يونيو عام 1933م، يعني قاربت على 100 عام الآن، تسعة عقود كتبها بعنوان: نقد الطريقة الرمزية وشرح أثرها في أساليب الشعر ومعانيه.

تعالوا الآن إلى صدر كلامه، صدر المقالة خطير ومهم جداً، يقول لك على أي أساس يبني الرمزي كلامه المشكل؟ يقول: مذهب الرمزيين كما أعتقد يشمل أموراً منها: إحلال المشبه به مكان المشبه وحذف المشبه في كثير من المواضع. يعني هو يجري التشبيه في ذهنه ثم تراه يستعمل كلمة أنت لا تفهمها. تقول استعارة، ما الاستعارة؟ الاستعارة اللغوية أو المجاز اللغوي تأتي كلمة في مكانها تدل قرينة عليها، إنما تشبيه تعمل تشبيه وتأتي بشيء آخر ليس على وجه الاستعارة، يعني أنك شبهت إلى حد المبالغة وشهد المقام في ذلك فالسياق معك، لا، هو شبّه في شيء أنت لم تره، لما شبّه كنت أنت في بيتك وكان هو في بيته فلم تعرف ما الذي حصل، فأتى بالتشبيه في رأسه وحذف المشبه وأخذ يستعمل المشبه به مكانه، تبقى أنت لست فاهماً. في واحد ينام على الزيت العجوز، طب هو الزيت العجوز ده إيه؟ هذا تشبيه هو أجراه وانتهى. أو الزيت الذي وصفته بالعجوز، ما موضوع الزيت؟ هو هذا مشبه به، طيب ما هو أنت قلت زيت عجوز، ما الذي شبهته بالزيت؟ أنت لا تعرف، كان في بيته وأنت في بيتك.

ومنها إدخال تشبيه في تشبيه واستعارة في استعارة وخيال في خيال، يعني هو شبّه شيئاً وشبّه الشيء بشيء أو استعارة واستعار، أدخل استعارة في استعارة وصار يستعمل الأخيرة. قال: وثالثها الاسترسال في وصف الهواجس النفسية من غير تمهيد أو شرح، ويرمز لهذه الهواجس بأشياء تذكرهم بها. يعني أنت عندك هواجس نفسية محضة، السريالية بقى، عندك كرسي لما كنت تتذكر شيئاً معيناً كنت تنظر إلى الكرسي، مش احنا بيحصل لنا كده؟ أنت كنت بتفكر في شيء في مسألة في البلاغة في الرياضيات في الفلسفة في مشروب في مشكلة عائلية وكنت تسرح في كرسي أمام عينك أو في لوحة على الحائط، إذا أردت إحضار الأجواء لتعيد التذكر فإنك تنظر إلى نفس الأشياء لأنها مرتبطة في ذهنك بها فقط، فتجيء أنت بقى على المسرح تتكلم بهذه الرموز التي رأيتها، وقد أحزنني الكرسي! أيوه، اللي هو إيه بقى؟ إيه علاقته بموضوعك؟ هو مرتبط. هذه القصة هواجس نفسية، عبد الرحمن شكري حلل هذا جيداً جداً أيها الإخوة، حلله جيداً جداً.

قال ثالثها: الاسترسال في وصف الهواجس النفسية من غير تمهيد، أنت لم تحكِ لي أن الكرسي يرمز لمشكلة عائلية عندك، من غير تمهيد أو شرح، ويرمز لهذه الهواجس بأشياء تذكرهم بها، بس هو الكرسي كان يذكرني بكذا، هذه الساعة التي على طرف المكتب كانت لما غضبت مني حبيبتي وأني أحن إلى الساعة على طرف المكتب، آه من لحظة الساعة، آه من لحظة الساعة على طرف المكتب، وأمشي فوق أحلام ساعة على طرف المكتب، ما هو بقى خلاص شغال بقى، وأنا لا شفت ساعة ولا هو بيفكر على طرف المكتب ولا أي شيء.

ورابعها اسمع اسمع، أنهم قد يشبهون شيئاً بشيء آخر وهذا الشيء الثاني يشبهونه بثالث والثالث برابع إلى آخره، ثم يحذفون كل هذه الأشياء ما عدا المشبه به الرابع أو الأخير، يعني فإنهم يبقون لفظة كي يكون رمزاً للمشبه الأول، يشبه حياته كالقلم الذي يكتب، حياتي في نفسه كقلم يكتب سطوراً، وقلمي كذا وقلمي كالريشة في كذا، والريشة كسعف النخيل يرسم الحياة، وسعف النخيل كذا، حياتي كسعف نخيل. طيب ما الذي أدراني بسعف النخيل؟ ما أنت مش عارف، أنا شبّهت بالقلم والقلم بالريشة والريشة بسعف النخيل، فحياتي كسعف النخيل. رأيتم! وما حياتي كسعف نخيل ماذا تقصد؟ ما هو عايز يعمق، ماذا تقصد؟ يقول لك كسعف نخيل لأن سعف النخيل كالريشة تكتب، والريشة كقلمي، وحياتي كقلم يكتب تاريخي.

الذي يجمع يا إخوة بين كل هذه الوجوه هو إضمار شيء في النفس دون أن يتحرك إلى أي مستوى من مستويات الدلالة اللغوية، فيبقى انتظار فهمه من أدبية النص لغواً وعبثاً. الشيء الوحيد الذي يجمع بين هذه الصور كلها هو إضمار شيء في النفس، أضمرته في النفس دون أن يتحرك هذا المضمر في النفس إلى أي مستوى من مستويات الدلالة اللغوية، فيبقى المتلقي في انتظار الفهم لا يعرف، فيكون انتظارك لفهمه من أدبية النص، من لغة النص، لغواً وعبثاً، وهذا هو الذي جعلهم يقولون بتعدد التأويل وإبداعية القارئ، هو نوع من الهروب ومن بناء الغلط على الغلط بدلاً من الإصلاح. هذا نوع من الهروب والمكابرة وبناء الغلط على الغلط بدلاً من الإصلاح، أو يشتمون أبا قيس هذا الذي هذا الجامد التراثي الذي كذا، طيب رد على ما أقول، وهل فعلت إلا أن نقلت لك الكلام وفصلته وشرحته، وها هو رد على عبد الرحمن شكري.

أما عبد القاهر هنا فيقول: قول مضموم في العقول، يعني هو من الأول مفعول حاصل، مضموم في العقول، ونستطيع أن نناقشهم على مستويات أو على أنماط النسب الإسنادية، أنماط النسب الإسنادية يعني نقول لهم: أنت يا من قلت مثلاً الزيت العجوز ما نسبتك الإسنادية؟ العجوز للزيت؛ إما بيان أو مبالغة أو مناسبة أو مشاكلة، هي علاقة من هذه العلاقات الأربع لابد، لما تقول زيد مجتهد فأنت أبنت عنه، لما تقول كتاب زيد أبنت عن ملكية الكتاب لزيد، وهكذا. وفي كل شيء ستراه إسناداً في العربية في تكوين أصل الكلام والدلالة بين الألفاظ، أن تحولها من ألفاظ مفردة إلى ألفاظ مركبة كما يقول النحاة، هي هذه الأربعة من الأنماط أو هذه الأربع من الصور أو الأربع أغراض التي يؤتى بها ليُشكل بها الكلام من ألفاظ إلى تركيب ليتحقق بذلك أصل البيان.

فعلمياً الحداثي الذي يناقشك في شيء كهذا قل له: تعال إلى أية قاعدة معنوية في الإبانة يستند هذا الإسناد عندك، أو ينسب هذا الإسناد عندك؟ هل هو البيان؟ هل هو للمبالغة؟ هل هي المناسبة؟ هل هي المشاكلة؟ لازم واحد من أربعة، وإذا أتى لك بمثال كهذا الذي يقول: يا سيناء يا سيناء؛ لابد من مماثلة، هذه علاقة تناسبية بين المعاني، ما هو سيناء دي معنى والمعنى الذي أتى به معنى، فإذاً هناك علاقة بين جملتي المعنى، فإما مماثلة أو مشابهة أو تخالف، تماثل تشابه تخالف، لابد من واحدة من هذه الثلاثة، وبذلك تناقش علمياً. لما أقول لك: لا، أنا أبين أن العجوز أبان عن نوع خاص من الزيت، أقول له: أنت مقتنع؟ يعني أنت بالفعل ترى أن العجوز أبان عن زيت؟ أترى أحداً من العقلاء يرى زيتاً عجوزاً ويفهم من ذلك معنى أن هناك زيتاً أصابه الكبر، وليس أنه تلف أو قدماً أو كذا، لا أصابه الكبر والشيخوخة؟ نعم.

قال: واعلم أنه إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحداً كقولنا: هو يقول ويفعل ويضر وينفع. انتبه هنا، من كان منكم متيقظاً انتبه إلى الإشكال في هذا المثال: هو يقول ويفعل ويضر وينفع ويسيء ويحسن. قل يا مولانا: إن هذا من النمط الأول، هذا هناك علاقة إعرابية، هذا التمثيل لا يصح على هذا الظاهر إلا على تقدير "هو" في كل جملة حتى تكون عطفاً على ما لا محل له من الإعراب، وإلا صار عطفاً على الخبر، يعني هو يخبر عنه بأنه هو مبتدأ، يخبر عنه بأنه يقول ويفعل، وتعطف بعد ذلك خبراً آخر على ما له محل من الإعراب، فتقول ويضر وينفع؛ فهذا كله عطف على محل من الإعراب موجودة.

ولهذا نبّه الدكتور محمد إبراهيم شادي إلى هذا في الصفحة 310 من شرحه على الدلائل، نقرا كلامه: ها هو يقول في الحاشية الأولى قول الشيخ: "إن المخبر عنه في الجملتين واحد يستلزم تقديره في الجملة المعطوفة، أي هو يقول وهو يفعل، فيكون من العطف على الجملة الابتدائية كاملة، ويكون هذا العطف بين جملتين لا محل لهما من الإعراب. ويحتمل أن يكون من عطف فعل على فعل، ولكل منهما موقع إعرابي، فيكون العطف للمشاركة في الحكم الإعرابي وما يترتب عليه من مشاركة معنوية".

يعني كأنه يقول: نعم، قد يكون فقط عبد القاهر يمثل لك بما يصلح، أي نعم هو عطف على ما له محل من الإعراب ولكنه يمثل لك للعلاقة بين الجمل، وبعد ذلك أنت اطرد ذلك فيما يعطف فيه جملة الكلام على جملة الكلام، وليس فيما يشرك في الإعراب، قد يكون على بعد وقد يكون لا يمتنع من كل وجه أن يكون قلم عبد القاهر استرسل وخرج من الحديث في الجملة التي لا محل لها إلى الجملة التي لها محل دون انتباه إليها، يعني وارد لأنها جملة وكذا ولها معنى يستقل وفيها هذا العطف، أيضاً محتمل أن يكون استرسل هكذا، ولو كان انتبه إلى ذلك لأتى بالجمل التي لا محل لها من الإعراب، ربما يحصل هذا كثيراً مع من لهم قلم سيال. تفضل يا محمد.

أنا الكتاب الآن ليس أمامي في مكان، لكن هل صرح بذلك قال: ومن هذا الذي هو عطف جملة لا محل لها من الإعراب على جملة لا محل لها؟ ولكن لا يحتاج إلى تصريح لأن الكلام كله أصلاً في هذا باب الفصل والوصل، أصلاً كله في هذا، يعني الفصل والوصل يكون بين الجمل التي لا محل لها من الإعراب، الأول ليس بابنا أصلاً. لأني الآن نظرت، هو حسب ما سمعت يقول إنه مما يسهل الأمر، كانما عاد قال إن تلك أسهل من هذه، أو أكد على فكرته الأولى لعله هو الأصل أن يظل في ذلك لأن الباب كله في.

هذا أصلاً الباب كله في هذا، لكن أنا أقول الأمر محتمل، ويحتمل أنه اعتمد على المتلقي أنني سأقدر الكلام؛ لكن على هذا الظاهر هذا عطف جمل لها محل من الإعراب، ونبه إلى هذا الدكتور محمد إبراهيم شادي، وسيأتي أصلاً ما سيأتي سيكون من هذا الباب أصلاً، من هذا النوع؛ يقول: هو يقول ويفعل ويضر وينفع ويسيء ويحسن ويأمر وينهى ويحل ويعقد. ربما يكون يمثل للعلاقات بين المعاني المركبة، ولم يهتم أن يذكرها من العبارات التي لا محل لها من الإعراب، صح يحتمل عادي لا إشكال، ويحل ويعقد ويأخذ ويعطي، ويبيع ويشتري ويأكل ويشرب وأشباه ذلك؛ ازداد معنى الجمع في الواو قوة وظهوراً، وكان الأمر حينئذ صريحاً.

يقول: إذا كان المخبر عنه في الجملتين واحداً، فربما تفهم من هذا أنه كما قال الدكتور محمد إبراهيم شادي، إذا قال في الجملتين يبقى لابد أن تقدر "هو" مرة أخرى، يعني: هو يقول ويفعل، وهو يضر وينفع، وهكذا؛ أو هو يقول وهو يفعل، لأن يقول جملة، هو يقول وهو يفعل وهو يضر وهو ينفع، أو هو يقول ويفعل وهو يضر وينفع وتربطه. خلاص إذا كان كذلك ازداد معنى الجمع في الواو قوة وظهوراً؛ لأنك تخبر بالجمل عن واحد، تخبر عن واحد، وكان الأمر حينئذ صريحاً، وذلك أنك إذا قلت هو يضر وينفع، كنت قد أفدت بالواو أنك أوجبت له الفعلين جميعاً وجعلته يفعلهما معاً، ولو قلت يضر وينفع، يضر وينفع دون الواو، من غير واو، لم يجب ذلك، بل يجوز أن يكون قولك ينفع رجوعاً عن قولك يضر وإبطالاً له.

قال في الفقرة التالية: وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة ازداد الاشتباك والاقتران. قوله: في مثل هذا في الصلة، يقول الدكتور محمد إبراهيم شادي: المقصود بالصلة هنا الكلام الموصول بكلام آخر، فالمعطوف والمعطوف عليه موصولان بكلام قبلهما، في الصلة يعني جاء الكلام في صلة كلام سبقهما، خلاص؛ يعني ليس فقط أنهما خبران عن مخبر عنه واحد وكذا. يقول: إذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة ازداد الاشتباك والاقتران، يعني إذا وقع الكلام في عقب كلام جاء، أو جاءت الجملتان في سياقه، ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر، وذلك في مثل قولك: العجب من أني أحسنت وأسأت.

الإخبار عن واحد سيجعل كل جملة مستقلة لكن الخبر فيها واحد، هذا ما مر؛ أما هنا فحصل شيء آخر خارج، وهو أن الكلام له صدر أوقع الجملتين في سياقه، هنا ترى أنك لا يمكن أن تفصل الكلامين كأنهما لم يقع قبلهما كلام. يقول: وإذا وقع الفعلان في مثل هذا في الصلة ازداد الاشتباك والاقتران حتى لا يتصور تقدير إفراد في أحدهما عن الآخر، وذلك يقول: وذلك في مثل قولك: العجب من أني أحسنت وأسأت. ويكفيك ما قلت وسمعت: أيحسن أن تنهى عن شيء وتأتي مثله؟ وذلك أنه لا يشتبه على عاقل أن المعنى على جعل الفعلين في حكم فعل واحد.

ومن البين في ذلك قوله: لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم، وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونه. لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم، وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا. نعم، هذا التمثيل أيها الإخوة أقول فيه ما قلت هناك أيضاً، وما قاله الدكتور محمد إبراهيم شادي، هذا التمثيل إما أنه تمثيل في غير الباب لبيان المعنى لغير الباب الأصلي في هذا الفصل الذي هو فصل الفصل والوصل، وإما على قصد إعادة العوامل، وهذا فيه بعض تأويل، وأما الشطر الثاني فكونه عطف جملة على جملة لا محل لها من الإعراب أيسر. نعم، لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم، ولا تطمعوا أن نكف الأذى عنكم وتؤذونا.

خلاص أيضاً الدكتور إبراهيم شادي له كلام هنا في صفحة 310 دعونا ننظر، نعم، يقول الدكتور محمد إبراهيم شادي صفحة 311: وإذا كان في كل شطر عطف بين جملتين لهما موقع إعرابي. يعني من البيتين؛ خلاص لا عذره لا هذا على بيت آخر، نفس الكلام هنا يقول: وأما العطف بين شطري البيت فهو عطف بين جملتين لا محل لهما من الإعراب على تقدير إعادة النهي مع الواو مرة أخرى، يقول: وأما العطف بين شطري البيت فهو عطف بين جملتين لا محل لهما من الإعراب على تقدير النهي مع الواو أو إعادة النهي مع الواو: لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم، ولا تطمعوا أن نكف الأذى عنكم وتؤذونا. يعني كان الدكتور محمد إبراهيم شادي يقول لك لابد أن تقدر ذلك حتى يصح التمثيل للباب الذي نحن فيه، وهو الجمل التي لا محل لها من الإعراب. قال: المعنى لا تطمعوا أن تروا إكرامنا قد وجد مع إهانتكم وجامعها في الحصول. نعم، طبعاً عبد القاهر ظاهر كلامه أنه يتكلم عن الجملتين في كل شطر: تهينون نكرمكم أو أن تهينونا ونكرمكم، نكف الأذى وتؤذوا، نعم، فالله أعلم ماذا قصد عبد القاهر، هل أراد أن نتكلف التأويل؟ هل أراد أن يمثل وإن كان بجمل لها موقع من الإعراب؟ الله تعالى أعلم.

قل يا حميري.

نعم مولانا، فقط أنا أريد أن أفهم يعني هذه الآن الفقرات، يعني هو على ماذا يعني؟ أقصد بأي سياق ربطها بالضبط، هل هو يتكلم مثلاً عن مناسبة المعاني وكذا ثم أتى بهذه الجمل يعني وإن كانت عطفاً إعرابياً؟

أبو طاهر ما زال في سياق البيان، ما زال في سياق البيان عن أن الجمل لها علاقات، ولكن المشكلة هنا أنه حتى يصح التمثيل لابد أن تكون بين عبارات لا محل لها من الإعراب، لأن التي لها محل من الإعراب هذا إشراك لها في المعنى وإشراك لها في الحكم بالضبط؛ فلذلك وهذا الموضع فيه إشكال، ولهذا أقول محتمل أيضاً لا يمنع أن يكون عبد القاهر استرسل قلمه وخرج إلى هذا النوع من التمثيل وهو ليس صحيحاً في ذاته، هناك علماء كبار وقعوا فيما هو أجل من هذا، وقعوا فيما هو أجل من هذا، سهل يعني.

طيب مولانا، هناك سؤال آخر فقط في قولك أن هاتين الجملتين لا محل لهما من الإعراب التي هي أن تهينونا ونكرمكم وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا. لا هو طبعاً أنا حتى قلت قبل قليل: هنا تقدر بأنها في محل مفعول لفعل يعني تطمعوا؛ يعني هو ولذلك أنا قبل أن أقرأ كلام الدكتور محمد إبراهيم شادي وقبل أن أقول هذا الوجه، أنا ماذا قلت؟ وهذا فيه بعض تأويل، صح، وقلت ظاهر كلام عبد القاهر لما قال: المعنى لا تطمعوا أن تروا إكرامنا قد وجد مع إهانتكم، أيضاً هذا الظاهر أنه يقصد الجملتين في الشطر الواحد، فهمت؟ الدكتور محمد إبراهيم شادي حاول أن يوجد وجهاً للتمثيل بالجمل التي لا محل لها من الإعراب، فقال لك هذا بين الشطرين، مع أن عبد القاهر لم يذكر الشطرين بعد أن شرح الكلام، لا كلامه في الشطر الواحد الأول، صح؛ فنعم نعم مولانا صحيح، هو أنا أفهم هذا، لكن على افتراض العطف شطرين، افتراض العطف نعم مع شيء من التكلف.

ولهذا ترى الدكتور لأن سيظل حتى لو افترضنا هذا يظل لها موقع إعرابي الجملتين تظل، الدكتور إبراهيم شادي حتى تراه اختزل الكلام، قال يعني على تقديري كذا نبهك؛ لكن ما مدى صحة هذا التقدير أولاً من جهة التقدير في البيت نفسه وأنه تكلف أن تقول ولا تطمعوا أن نكف الأذى، يعني كأنك أبديت كلاماً جديداً؛ لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم، وأن نكف، يعني أصل الكلام: لا تطمعوا في إهانتنا ولا تطمعوا في إكرامكم، وفي كف الأذى وفي إيذائنا. المفترض أن كل هذا متعاطف صح على العطف الذي يشرك في الحكم.

الدكتور محمد إبراهيم شادي قال لما وجد أن من الصعب أن يوجد استقلال العبارات وأن تكون الواو للاستئناف أو الواو لكلام جديد في الشطر الواحد قال هي في الشطر الثاني، ولكنه سكت عن شيئين لو لاحظت، أنجز الكلام شديداً وسكت عن شيئين: الشيء الأول مدى ما قد يكون تكلفاً لو قدرنا إعادة النهي والفعل في الثاني، الشيء الثاني أن عبد القاهر نفسه لما شرح شرح بالشطر الواحد وهو الأول ولم يتعرض للشطر الثاني، فهذا غريب، فهناك احتمال لم يتعرض له الدكتور محمد إبراهيم شادي وهو أن يكون قلم عبد القاهر جرى بذلك، ما المشكلة؟ حصل حصل مع ابن هشام، حصل مع كثيرين كتبوا أشياء تعجب كيف وقعت هكذا وهي خطأ ظاهر جداً. بالضبط، جل من لا يزل ومن لا يسهو، هذا طبيعي، فقلم عبد القاهر جرى بذلك، لا أرى في ذلك إشكالاً أن يقال لا في مقام عبد القاهر ولا في مقام العلم والمسائل، لأن الأمر ظاهر والله تعالى أعلم. نعم، وطالب العلم ينبغي أن يظل يفكر حتى ترتاح نفسه وحتى يقتنع، لا أن يقنع نفسه أن يلوي عنق المسألة ليا حتى لا يكون ذلك حصل أو حتى لا يقول قولاً لا يحب أن يقوله.

قال: ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام: لهان علينا أن نقول وتفعلا، ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا. تعالوا نرى ما قاله الدكتور إبراهيم عبد الرحمن في الصفحة الحادية عشرة بعد الثلاثمائة، قال: وإذا كان في كل شطر عطف بين جملتين لهما موقع إعرابي فيكون العطف للصلة الإعرابية، فإن العطف بين الشطرين هو عطف بين جملتين لا محل لهما من الإعراب، وقد توفرت المناسبة بينهما لأن كلاً منهما كانت إنشائية، وذلك على تقدير إعادة القسم في الجملة الثانية، أي ولهان أن نذكر بعض الفضل، وهذا يقرب يا إخوة في البيت الأول؛ خلاص هذا يقرب في البيت الأول بيت الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، يقرب أن يعيد في الثاني لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم، ولا تطمعوا أن نكف الأذى عنكم وتؤذونا؛ يعني لا تطمعوا في هذا ولا هذا، وأن نقدره كلاماً جديداً والله أعلم، كذلك هنا: لهان علينا أن نقول وتفعلا، ونذكر بعض الفضل منك وتفضلا، أي وهان علينا أن نذكر بعض الفضل منك وتفضل، والله تعالى أعلم.

قال: واعلم، هنا يبدأ الكلام على الفصل، الكلام في الماضي كان على الوصل، هنا الكلام على الفصل، وسيقيسه أيضاً على المفرد كما قاس الوصل على المفرد. قال: واعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله فيستغني بصلة معناه له عن واصل يصلة ورابط يربطه، وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد، كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها.

بدأ يبحث يا إخوة هنا عن الجمل التي لا تتصل بالواو؛ يعني يقول لك ما سبق كان جملاً تتصل بالواو وتكلمنا في المعاني، تكلمنا في مناسبات بين المعاني وكذا فالعطف عطف معنى على معنى، وهذا العطف أعطانا شيئاً من القرابة، صح ولا لا؟ يعني زيد قائم وعمرو قاعد، العلاقة واضحة بين عمرو وزيد البشريين وبين قاعد وقائم على التناقض، زيد شاعر وعمرو كاتب، واضحة العلاقة. كذلك واضحة والأمثال التي ذكرها على كونها كثير منها جاء كما رأينا الإشكال الآن في أنه جمل متعاطفة على محل من الإعراب، لكن يقول لك هذه الواو فهمنا أنها أشركت في معنى، وهذا المعنى نرجع فيه إلى العقل، لا إشكال نفهم هناك مناسبات، هناك الشبيه والنظير والنقيض كما ذكرهما، بالضبط هكذا الشبيه والنظير والنقيض مفهوم حلو، لكن ماذا لو وجدنا جملة وراءها جملة بدون واو؟ يلا تقف أنت بقى في الصحراء مش عارف تعمل إيه، جملة وراءها جملة بالواو فين الواو؟ أنا عايز الواو عشان عايز أفهم، أريد الواو، أريد زيد قائم وعمرو قاعد، زيد شاعر وعمرو كاتب، أريد شيئاً، لا، ولكن الأمر كذلك يسير، اصبر كل شيء له مدخل وحل.

يقول لك عبد القاهر: لما تقول زيد المجتهد قد حضر، زيد اسم صح مش زيد اسم؟ المجتهد اسم، ولا تتردد في أن تقول المجتهد نعت لزيد، من أين يعني؟ طب ما المجتهد مفصول أصلاً صح هي فيها واو ولا حاجة، لا أنت قلت زيد وقلت المجتهد، جئت وقلت رجل عالم، أتى عندنا رجل عالم، لماذا لا تكون لاغياً بالكلام، لماذا لا تكون ببغاء يكرر؟ قلت رجل عالم، لماذا لا تكون رجل وحدها عالم وحدها؟ مع أنه لا لم تقل رجل ذو علم ولا رجل بعلم ولا رجل بالعلم، رجل عالم، رجل كلمة، عالم كلمة، ما الذي جعلك تقول الثانية نعت للأولى بدون صلة من الصلات؟ وعلى ما يظهر من افتراق اللفظتين، وأنك يمكنك أن تنطق بكل كلمة منها وحدها، وأن تدخلها في جملة أخرى دون إشكال، ووارد أنك قد تقولها مقطعاً الكلام لا تقصد الربط، وارد أن تقول رجل، عالم، شيء.

في طبيعة الكلمة، وأنها بمنطق العقول صالحة لأن تكون نعتاً لغيرها؛ يعني إذا كانت هناك علاقة بين اللفظة واللفظة، هذه العلاقة في المنطق في العقل جعلتك تقول هذه اللفظة صفة لهذه اللفظة، أو لصاحب اللفظة الأولى.

توجد علاقات بين الجمل كما توجد علاقات بين المفردات، توجد علاقات بين الجمل، وحلها بالراحة وبالعلم وبالتقعيد يلين كل شيء إن شاء الله. كيف أفعل جملة وراءها جملة؟ لِمَ توجع نفسك؟ عادي كلمة وراءها كلمة بدون رابط، بدون حروف، جعلناها نعتاً خلاص. جاء الناس كلهم، جاء الناس جميعاً. لماذا؟ ما الذي جعل هذه تابعة لهذه؟ ما الذي جعل كذا مع صلاح كل كلمة أن تدخل في غيرها أو في غير الكلمة التي جاءت وراءها؟ قال لك معنى التوكيد، إذ يمكن أن تكون جملة بنفس هذا المعنى لجملة أخرى، فاربط بينهما بهذا.

الآن يقول: «واعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله معناه بالاسم قبله...». ما الذي وصله هنا؟ المعنى فقط، معنى الاسم هو الذي وصله، لا يوجد لفظ آخر وصله، هو المعنى. رجل عالم؛ المعنى في «عالم» صالح أن يكون نعتاً للرجل، فصارت: رجل عالم. «عالم» نعت للرجل. ما يصله معناه بالاسم قبله فيستغني بصلة معناه له عن واصل يصله ورابط يربطه، يعني لا تحتاج إلى رابط حرفي مثلاً؛ وذلك كالصفة التي لا تحتاج في اتصالها بالموصوف إلى شيء يصلها به، وكالتأكيد الذي لا يفتقر كذلك إلى ما يصله بالمؤكد.

كذلك الجواب؛ أهو خلاص؟ يعني «واعلم أنه كما كان في الأسماء ما يصله كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها». يعني ربط عن طريق الحبك لا عن طريق السبك، بل بلغة اللسانيات المترجمة الحديثة: ربط بالحبك لا بالسبك. بالحبك يعني بالمعنى لا بالسبك، لا بالرابط النحوي، لا بوجه الإعراب، لا بصفة إعرابية، ليس باللغة بمعنى الكلام.

كذلك يكون في الجمل ما تتصل من ذات نفسها بالتي قبلها، وتستغني بربط معناها لها عن حرف عطف يربطها، وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها، وكانت إذا حصلت -يعني إذا جئت بحاصل معنى الجملة الثانية حصلت، تركت التفصيل ونظرت للتحصيل- إذا حصلت.

لماذا قال عبد القاهر هذا الكلام الخطير؟ من يعرف لماذا قال عبد القاهر هذا؟ لماذا قال: «فإذا حصلت»؟ عبد القاهر يقول إذا حصلت -أي إذا جئت بحاصل معنى الجملة الثانية- وكانت إذا حصلت قلت لم تكن شيئاً سواها، كما لا تكون الصفة غير الموصوف. لماذا قال إذا حصلت؟ لأن الرابط الأساسي هو المعنى، فأنت إذا حصلت معناها وربطتها بوجه، تجد معناها هو معناها.

لماذا قال «حصلت»؟ لأن كلامك لم يأتِ بجديد. مع الجملة لا يكون لها معنى كالمفردة تدل عليه، بل تؤدي إلى معنى تتداعى إليه، ما معنى هذا؟ فتحصله من سياق الكلام. هو يقول: إذا حصلت الثانية وجدتها في معنى الأولى؛ قال «حصلت» لأن الثانية مستحيل أن تكون كالاولى من كل وجه، وإلا كانت لغواً. هي في محصها: جاء رجل عالم، «عالم» هو الرجل والرجل هو «العالم»، لكن «عالم» فيه معنى، فيه صفة ليست موجودة في الرجل.

إذا حصلت -يعني إذا جئت بحاصل معناها- كانت عين الأولى، لو قلت وكانت إذا نظرت في معناها وجدته عيناً الأولى، سيكون الكلام لغواً، ستكون الجملة الثانية حشواً بالكامل. كونها مؤكدة يقتضي أن يكون في الثاني معنى جديداً، وكونها مبينة يقتضي أن يكون في الثاني معنى جديداً. كونك قلت: جاء رجل عالم، يقتضي أن يكون في «عالم» معنى جديداً. لكن لو حصل المراد من «العالم» هو عين الرجل، لو كانت كذلك لكانت لغواً.

قال: «وهي كل جملة كانت مؤكدة للتي قبلها ومبينة لها، وكانت إذا حصلت -يعني جئت بحاصل معنى من الجملة الثانية- لم تكن شيئاً سواها كما لا تكون الصفة غير الموصوف». الصفة هي الموصوف، فيها معنى، لكن إذا حصلت الصفة «عالم» هو الرجل، أو «زيد العالم» هو زيد، وكانت إذا حصلت لم تكن شيئاً سواها، كما لا تكون الصفة غير الموصوف والتوكيد غير المؤكد. فإذا قلت: «جاءني زيد الظريف»، و«جاءني القوم كلهم»، لم يكن الظريف وكلهم غير زيد وغير القوم.

ومثال ما هو في الجمل كذلك، على هذه الحال التي تكون في معنى المؤكد أو في معنى المبين، قوله تعالى: ﴿الٓمٓ * ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ [البقرة: 1-2]. قال قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، طبعاً هذا ليس على تفسير الزمخشري، ولهذا وصلتها في الكلام، فالزمخشري يرجح هكذا: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ رَيْبٌ فِيهِ﴾، وكلام عبد القاهر سيمشي على الوجهين.

قال قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ بيان وتوكيد وتحقيق لقوله: ﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَٰبُ﴾، وزيادة تثبيت له، وبمنزلة أن تقول: هو ذلك الكتاب، هو ذلك الكتاب؛ فتعيده مرة ثانية لتثبته. وليس يثبت الخبر غير الخبر، ولا شيء يتميز به عنه، فيحتاج إلى ضام يضمه إليه وعاطف يعطفه عليه. معناه أن الذي يجعله محتاجاً إلى رابط لغوي ظاهر محسوس هو أن تتميز الجملة الثانية عن الجملة الأولى، بحيث لولا الرابط لاستقلت بنفسها. لكن لما كانت هي الجملة المؤكدة، لما كانت تتميز بشيء تستقل به عنها، ارتبطت.

بالأولى بهيئتها، دون رابط، دون حرف عطف، هذا هو. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 6-7].

قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾. وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾، انتبهوا للتشكيل يا إخوة، قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تأكيد لقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾، وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ تأكيد ثاني أبلغ من الأول.

انتبهوا، يريد أبلغ في هذا المعنى بخصوصه، وليس أن بعض القرآن أبلغ من بعض. ليس أنه تأكيد أبلغ، بل هو تأكيد أبلغ في المعنى، كأنه جاء باستعارة بعد الوصف الحقيقي فزاد في المعنى بعينه. ليس معناه أن هذا النص أبلغ من هذا النص، وهذا معنى قولهم: المجاز أبلغ من الحقيقة، والكناية أبلغ من التصريح، والاستعارة أبلغ من التشبيه؛ المراد أنها تظهر المعنى أكثر، تبلغه أكثر.

ثم البلاغة بعد ذلك لها حكمها؛ هل نأتي بالمعنى الأبلغ أو الأقل بلاغة؟ في علم المعاني وعلم البيان، هو علم يعرف به مجيء التعبير عن المعنى الواحد بوجوه مختلفة في وضوح الدلالة، يعني التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية تختلف في رتبها في وضوح الدلالة.

إذا قلنا إن الاستعارة أبلغ، هل معناه أننا بقدر الإمكان نجعل كل كلامنا استعارة؟ لا، لأنه قد يكون الأوفق للبلاغة أن تأتي بما هو أقل في الوضوح، وقد يفسد النص إن أتيت بما هو أعلى في الوضوح. أنت هنا لا تحتاج إلى العالي، أنت هنا تحتاج إلى تشبيه، لا تحتاج إلى استعارة، بل تحتاج حتى إلى تشبيه ليس بليغاً، لو أتيت بتشبيه بليغ أفست.

مثلاً، عندك مشبه ومشبه به وتريد أن تأخذ من المشبه به للمشبه وجوهاً معينة، هنا التشبيه، وقد يكون التشبيه التمثيلي أو التشبيه المركب بالتفصيل. ولو أتيت باستعارة وجعلت المشبه أحد أفراد المشبه به فحذفت المشبه واستعملت المستعار مباشرة، هكذا تكون قد أفسدت الكلام ولم يبلغ. هذا معنى أن الحقيقة والمجاز، والمجاز أبلغ، وربما لو أتيت بالأكثر وضوحاً هنا أفسدت الكلام، فنحتاج الأقل بلاغة هنا، بلاغة تبلغ هذا المعنى. وهذا معنى قوله هنا: تأكيد، وسيأتي من الأمثلة ما يوضح ذلك إن شاء الله.

قال وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ تأكيد ثاني أبلغ من الأول؛ لأن من كان حاله إذا أُنذر مثل حاله إذا لم يُنذر، كان في غاية الجهل وكان مطبوعاً على قلبه لا محالة.

وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: 8-9]. قال: «يُخَادِعُونَ» ولم يقل «وَيُخَادِعُونَ»، لأن هذه المخادعة ليست شيئاً غير قولهم آمنا من غير أن يكونوا مؤمنين. فهو إذاً كلام أكد به كلاماً آخر، هو في معناه وليس شيئاً سواه، لذلك لم يأتِ بالواو.

وكذلك قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14]. انتبهوا إلى العبارتين بمجموعهما: «إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ». وجملة العبارتين ليس موضوع كلامنا، وإنما موضوع كلامنا هو عبارة القوم: «قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ». هل الثانية لها صفة إعرابية من الأولى؟ لا، هل هي موصول بها؟ لا، هل تحتاج إلى إضافة بالواو؟ لا، انتبه.

هي مفصولة، وذلك لأن معنى قولهم «إنا معكم» أي: أنا لم نؤمن بالنبي ولم نترك اليهودية، وقولهم «إنما نحن مستهزئون» خبر بهذا المعنى بعينه؛ لأنه لا فرق بين أن يقولوا: أنا لم نقل ما قلناه من أننا آمنا إلا استهزاءً، وبين أن يقولوا: أنا لم نخرج من دينكم ونحن معكم، بل هما في حكم الشيء الواحد، فصار كأنهم قالوا: «إنا معكم» لم نفارقكم، فكما لا يكون «إنا معكم» شيئاً غيره، كذلك لا يكون «إنما نحن مستهزئون» غيره.

لقد نبهتكم مبكراً إلى قضية تحصيل المعنى؛ لأن الجملة الثانية قطعاً لها معنى آخر، وهي تؤول إلى الأولى بالتأكيد أو بالبيان، ولكن لها في الحقيقة معنى يخصها. الدكتور إبراهيم شادي هنا رأى أن عبد القاهر دار كثيراً في الكلام، ولذلك عبر تعبيراً أو نبه إلى هذا، فقال في صفحة ١٣٣٠: «كل هذا تعليل لوقوع الجملة الثانية أو التالية (إنما نحن مستهزئون) تأكيداً لما قبلها (إنا معكم)».

ولكن الشيخ زاد وأعاد في هذا؛ لأنه كان يشعر بإمكان أن يُجادل في هذا، لأن في الجملة التالية معنى ليس موجوداً في الأولى، وهو الاستهزاء الذي ذكروه لأوليائهم على سبيل التبرير لقولهم للمؤمنين «إنا معكم» من غير أن يكونوا معهم. وهذا ما يجعل الصلة أقرب إلى الاستئناف البياني.

لكن لا ينبغي أن يغيب عنا أن الشيخ لم يمنع اجتماع التوكيد والبيان، وهذا هو المخرج من كل مثال ذكره عبد القاهر للتوكيد وهو أشبه بالاستئناف البياني.

التوكيد وهو أشبه بالاستئناف البياني، هو يقول لك: نعم ستجد كلامًا أشبه بأن يكون استئنافًا بيانيًا، كلامًا جديدًا يبين به عن المعنى، وكذا هو لم يمنع اجتماع التوكيد والبيان؛ فهما يفترقان في الصفة النحوية ويجتمعان في الموضع الواحد في النص.

قال: ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَا مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَن فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [فصلت: 5]. لم يأتِ معطوفًا نحو «وكان في أذنيه وقر»، لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمعها، إلا أن الثاني أبلغ.

رأيت أبلغ في كونه كالشرح بعد الإجمال: «كأن لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرًا». شوف أبلغ إزاي؟ أبلغ يعني زاد في المعنى، وليس معناه أن الجملة الثانية أفصح من الأولى؛ فالقرآن يتساوى في فصاحته، إلا أن الثانية أبلغ وأكد في الذي أريد. وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعًا هو نفي أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من الآيات فائدة معه، ويكون لها تأثير فيه، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتلى. ولا شبهة في أن التشبيه بمن في أذنيه وقر أبلغ وأكد في جعله كذلك، في خصوص المعنى من حيث كان من لا يصح منه السمع -وإن أراد ذلك- أبعد من أن يكون لتلاوة ما يتلى عليه فائدة ممن يصح منه السمع، إلا أنه لا يسمع إما اتفاقًا وإما قصدًا. فاعرفه وأحسن تدبره.

قال: ومن اللطيف في ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: 31]. هنا عبد القاهر سيطوف بك طوافًا رائقًا وصبورًا عجيبًا. قال: ومن اللطيف في ذلك قوله تعالى: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، وذلك أن قوله: ﴿إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ مشابك لقوله: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا﴾، ومداخل في ضمنه من ثلاثة أوجه؛ وجهان هو فيهما شبيه بالتوكيد، ووجه هو فيه شبيه بالصفة.

فأحد وجهي كونه شبيها بالتوكيد هو أنه إذا كان ملكًا لم يكن بشرًا، وإذا كان كذلك كان إثبات كونه ملكًا تحقيقًا لا محالة وتأكيدًا لنفي أن يكون بشرًا. مرة أخرى: إذا كان ملكًا لم يكن بشرًا، كما قال: ﴿مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.

والوجه الثاني -اسمع أن السطر هذا خطير، وكما قلت لكم دونوا العبارة التي هي في صفحة ٢٢٦- الوجه الثاني: أن الجاري في العرف والعادة، إذا قيل جملة: «ما هذا بشر» وما هذا بآدمي، والحال حال تعظيم وتعجب مما يشاهد في الإنسان من حسن خلق، أن يكون الغرض والمراد من الكلام أن يقال إنه ملك، وأن يكنى به عن ذلك، حتى إنه يكون مفهوم اللفظ -وهذه أخطر عبارة في الدنيا، يجب أن تربطوا هذه العبارة في الصفحة الثانية حتى أن يكون مفهوم اللفظ بقوله: "الجاري في العرف والعادة"- يصل ربما إلى أن يكون مفهوم اللفظ.

تأمل كيف أن ارتباط بعض المعاني بالعرف والعادة في المعنى يجعل هذه المعاني هي المفهومة من اللفظ دون سواه. ومن هنا كان مداعبة لعقيل؛ من هنا كان فهمي لقول عقيل: «خليلي جدّا بِيَ يَكُن فِيكُمَا ذُخْرِي»، هو يعلم طبعًا أنني أنقض عليه هذا الموضع؛ لأنني أقول: «خليلي جدّا» أي الجد بالمسير عن الأطلال والتعجيل، لأنه قد جرى العرف والعادة الأكيدة في مخاطبة الخليلين -وكل هذه قيود في مخاطبة الخليلين في مطلع القصائد العربية- أن يكون على الأطلال وأن يكون بطلب الأسعاد، فلما قال: «خليلي جدا بما حضر»، فبِحكم العرف والعادة الذي صار، أو كاد بل صار، أن يكون مفهوم اللفظ بنص كلام عبد القاهر.

وهل مخاطبة الخليلين في مطالع القصائد أضعف من قولهم: «ما هذا بشر»؟ يعني إذا كان هذا ملكًا، فوالله عرف القصائد أقوى بكثير، عرف خاص وتقوى، وهو بتثنية الخليلين، إذ ما نعرف تثنية للخليلين إلا في مطالع القصائد أو في أثنائها أحيانًا في قصائد العرب.

اختلفوا: هل يخاطب صاحبين؟ هل يراد بهما التأكيد؟ هل كذا التقوية؟ ومنه قوله تعالى: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [ص: 63]، وإنما هو خازن النار، واحد. هل هو تثنية للفعل إذا ثني الفعل؟ كذا، فكل هذه جعلت عرفًا خاصًا أقوى من العرف العام.

ولذلك صار من الصعب لمن سمع "خليلي جِدَّ بي" أن يفهم أنه الجد من باب الجد الذي هو عكس الهزل. التغير يكون بتساوي المعاني في الدلالة والقوة، بحيث تتدافع. ما أقوله هو فهمي، فلذلك قلت هنا "خليلي جِدَّ بي"؛ بادر العقل فيها، عقل المتلقي للشعر العربي، بخطاب الخليلين في مطلع قصيدة عربية و"جِدَّ بي"، والعادة طلب الإسعاد، فبمراعاة ما سماه الجاري في العرف والعادة الذي يكون مفهومًا للفظ، يعني كأنه هو المعنى اللغوي للفظ، هذا جعلني أقول "جِدَّ بي" من على الطلب، وجاز هذا الوجه.

ولذلك يسرت في أمره، يعني لما قال قصدت كذا قلت له ولكن هو عندي كذا، فهو قال قصدت كذا، هذه مرحلة نقد القصيدة. ومن حمله على ذلك لن يعترض. قال: وأنه يكنى به عن ذلك حتى إنه يكون مفهوم اللفظ، وإذا كان مفهومًا من اللفظ قبل أن يذكر، كان ذكره إذا ذكر تأكيدًا لا محالة؛ لأن هذا وجه التأكيد. لأنه قال: «ما هذا ببشر»، ثم «إن هذا إلا ملك كريم»، كان تأكيدًا للمفهوم من اللفظ من الأول، كأنه قال: «ما هذا»، كأنه قال: «إن هذا إلا ملك»، لأن قوله: «ما هذا بشر» فُهم منه أنه ملك، فلما قيل: «إن هذا إلا ملك كريم» كان تأكيدًا للأول.

وإذا كان مفهومًا من اللفظ قبل أن يذكر المعنى المؤكد الثاني، كان ذكره إذا ذكر تأكيدًا لا محالة، هو صار مفهوم اللفظ. حتى قال محمود شاكر عند هذا الموضع في حاشيته على مخطوطة، نصها معناه: أنه إذا كان الحال حالة تعظيم، لم يحتمل قولك: «ما هو بإنسان» وما هو ببشر، إلا أن تقول إنه ملك.

مفهوم اللفظ يعني يُفهم من اللفظ، إما أنه هو المفهوم منه أو المفهوم الذي يقابل المنطق، كان ذكره إذا ذكر تأكيدًا لا محالة؛ لأن حد التأكيد أن يحقق باللفظ معنى قد فُهم من لفظ آخر قد سبق منك. أفلا ترى أنه إنما كان في قولك: «جاءني القوم كلهم» تأكيدًا من حيث كان الذي فُهم منه وهو الشمول، قد فُهم بدءًا من ظاهر لفظ القوم. وهذا يشرح لك لماذا التأكيد: إن تحقق باللفظ معنى قد فُهم من لفظ آخر قد سبق منك.

يقول: لما تقول «جاءني القوم كلهم» يكون ذلك تأكيدًا من حيث كان الذي فُهم منه وهو الشمول، قد فُهم بدءًا من ظاهر لفظ القوم. ولو أنه لم يكن فُهم الشمول من لفظ القوم، ولا كان هو من موجباته، لم يكن "كل" تأكيدًا، ولكان الشمول مستفادًا من "كل" ابتداءً، وهذا غير صحيح.

أما الوجه الثالث الذي هو فيه شبيه بالصفة، وهذا آخر الوجوه، وهي أن تكون العبارة الثانية شبيهة بالصفة؛ التي هي «إن هذا إلا ملك كريم». فهو أنه إذا نفي أن يكون بشرًا، فقد أثبت له جنسًا سواه، إذ من المحال أن يخرج من جنس البشر ثم لا يدخل في جنس آخر. وإذا كان الأمر كذلك، كان إثباته ملكًا تبيينًا وتعيينًا لذلك الجنس الذي أريد إدخاله فيه، وإغناءً عن أن تحتاج إلى أن تسأل: «فإن لم يكن بشرًا فما هو وما جنسه؟». كما أنك إذا قلت: «مررت بزيد الظريف»، كان "الظريف" تبيينًا وتعيينًا للذي أردت من بين من له هذا الاسم، وكنت قد أغنيت المخاطب عن الحاجة إلى أن يقول: "أي الزيدين أردت؟".

ومما جاء فيه الإثبات بـ «إلا»، «إلا أن هذا إلا ملك»، فهو استطرد من هنا قال: ومما جاء فيه الإثبات بـ «إلا» على هذا الحد قول الله عز وجل: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس: 69]، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. أفلا ترى أن الإثبات في الآيتين جميعًا تأكيد وتثبيت لنفي ما نُفي؟ الإثبات الذي هو في الجملة الثانية تأكيد وتثبيت لنفي ما نُفي؛ فأثبت ما علمه النبي ﷺ وأوحي إليه: ﴿ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، يقول: تأكيد وتثبيت لنفي أن يكون قد علم الشعر الذي ذُكر في الأول، فصار ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ يؤكده ويثبته ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾. وكذلك إثبات ما يتلوه عليهم وحيًا من الله في قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، تأكيد وتقرير لنفي أن يكون نطق به عن هوى الذي هو في الجملة: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾، أكده وثبته: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾.

نكتفي يا إخوة بهذا القدر، شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.