الحمد لله، ثم الحمد لله، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الخامس عشر من مجالسنا المباركة إن شاء الله تعالى في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني. توقفنا في المجلس الماضي بعد نهاية الفقرة الرابعة والعشرين. وفي كل ما مضى أيها الإخوة، كان عبد القاهر يدور حول الكلام على المعاني التي تحتاج إلى صناعة وتركيب حتى يتحقق فيها شرف المعنى؛ كان يتكلم عن صورة النظم التي تتحقق بتأليف الكلام وبتعلق بعضه ببعض، لأن هذا هو الذي يحصل به أصلاً شرف المعنى، وهذا الذي يجود به الكلام؛ لأنه أدار القضية كلها على النظم، وأنه هو الذي يتحقق به شرف المعنى في الكلام العالي.
الآن يأتي على الكلام في المعاني التي لا تحتاج إلى صناعة في التركيب وفي التأليف وفي النظم وفي الضم، وفي تعلق بعضها ببعض. قال: "واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرت أن لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم". هنا يذكر لك نقيض ما سبق بيانه ونقيض آخر نمط تكلم فيه من صور التراكيب التي تواشجت وتشابكت وتداخلت حتى صارت قطعة واحدة؛ هذا على العكس تماماً، هذا ينفك من كل الصور السابقة.
يقول: "واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرت أن لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لآلٍ فنظمها في سلك". تعرفون عقد اللؤلؤ؛ عقد من اللؤلؤ فقط، الحبات متشابهة، الحبات واحدة في اللون، الحبات واحدة في البريق، يعني لون واحد، شكل واحد، حجم واحد، ثم نظمت في عقد في سلك؛ إذا قدمت وأخرت لا يختلف شيء، وإنما الجمال في مطلق الضم، أنك تراه عقداً ثميناً.
أنت إذا رأيت عقداً من اللؤلؤ لا ترى فيه الجمال بقدر ما ترى فيه الثروة في ذات الحبات. حبات اللؤلؤ إذا رأيت قطعاً من الذهب مستديرة هكذا أو مربعة في عنق ولا تفاوت ولا فن ولا شيء، أنت تقول هذه المرأة أو أهل هذه المرأة يدخرون الذهب في هذه الهيئة، يدخرونها كذلك، ما يصنعونه على هيئة الكعبة وهيئة المصحف وهيئة الكذا، نعرف هذا في مصر، لا أدري إذا كان عندكم كذلك، هذه أشياء تختزن فيها القيمة الذاتية.
أنت لا تشتري هذه القطعة مثلاً من مئة جرام من الذهب على هيئة الكعبة لأن شكل الكعبة رائع فيها وفيها فن زخرفي خطير، أنت لا ترى فيها فناً أصلاً، وتراها غير متساوية، مربع هكذا سموه الكعبة، أنت تختزن قيمة من الذهب. كذلك عقد اللؤلؤ الذي تنظم فيه الكلام، قيمته في كثرته وحجمه لا في كيفيته.
انظر، قال: وهذا عكس كل ما سبق، وأتى به بعد أن بلغ ذروة الصورة في النوع السابق، النمط الذي تكلم عنه الذي ذكر فيه المشابك والمداخلة. قال: "واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرت أنه لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لآلٍ فنظمها في سلك؛ لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق، وكمن نضد أشياء بعضها على بعض، لا يريد في نضد ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين".
وذلك إذا كان معناك مما لا تحتاج أن تصنع فيه شيئاً غير أن تعطف لفظاً على مثله. يعني يا إخوة، الغرض من الكلام نفسه، نفس الغرض، لا يحثك على ذلك، لا يؤول بك إلى ذلك، خلاص، لا يعوزك إلى ذلك، ولا يعسر عليك هنا أن تعلم بأن هذا لا يكون في الشعر، هذا النمط لأنه لا مرتبة شعرية؛ لا توجد مرتبة شعرية يكون الغرض فيها حصول المجموع في العين دون الكيفية، لا يوجد كلام هكذا أصلاً، حتى هذا خلاف مقتضى الوزن، إلا في المتون العلمية أصلاً.
خلاص، فلا يعسر عليك أن تعلم بأن هذا لا يكون في الشعر؛ لأنه كما قلت، لا مرتبة شعرية يكون الغرض فيها حصول المجموع في العين دون الكيفية. هذا يناقض شرف المعنى الذي يكون فيه كل شيء في النص مقصوداً، هذا يناقض شرف المعنى الذي يكون كل شيء في نصه -يعني في النص الذي أريد به شرف المعنى- مقصوداً.
قال: "كقول الجاحظ". ستلاحظ هنا أن كل ما ذكره عبد القاهر مثالاً على هذا النوع هو من النثر، هو من النثر نعم، لأن الشعر قول كما سيأتي الآن تفصيله، الشعر قول لا يكتفى فيه بأن يكون خالياً من الغلط.
اسأل يا محمد بسرعة، لا أدري ماذا يسأل هنا، آه لا هو فقط سؤال بسيط، أنا هل يدخل الشعر الذي يكون فيه تثبيت، الشعر المثبت، يدخل في هذا؟ الشعر الذي فيه تثبيت، هذا سؤال مهم وجيد أنك سألته، هل الشعر الذي فيه تثبيت يكون من هذا الباب؟ الواقع أنه يكون ولكن بالقدر، اسمع هذا خفي، لأنه يكون بالقدر الذي يحسن به الكلام إذا كان ماذا متصلاً مبنياً بعضه على بعض.
يعني نحن لما ترى مثل ابن رشيق يثني على أبيات أبي ذؤيب: فشربن في حجرات عذبٍ باردٍ فوردن والعيون الظماء فوق النجم لا تتلمذُ بارد، حصب البطاح تغيب فيه الأكرعُ فشربن ثم سمعن حساً دونه ستر الحجاب وريب قرع يقرعُ ونميمة من قانص متلببٍ في كفه جشأ أجشُّ وأقطعُ فنكرن منه فنفرن، وأمتر به عوجاء هادية وهادٍ جرشعُ فرمى فأنفذ عائذٍ سهماً فخرّ وويحَ هِمة مُصمعُ فبدا له أقراءُ، هذا رائغٌ عجلاً، فعاث في الكنانة يرجعُ فرمى فألحق صاعديَّ محرّباً بالكشح فانتصبت عليه الأضلعُ فدهنّ حتفهنّ، فهبَّ بمائه أو باركٌ مُتجعجعُ ثم كسر هذا التتابع: يعثرن في علق النجيع كأنما كُسيت برود بني تزيد الأذرعُ
رأيت هذا القدر يعجب به وقد انبهر به ابن رشيق وأستاذه. هل يلزم البناء النحوي الصريح بين كل الأبيات؟ لا، لكن تلزم المناسبة، وبقدر ما يختل ذلك يصدق ذلك هنا، فنعم، يصدق هذا على الأبيات التي فيها تثبيت. لكن أنا قصدت هنا أن عبد القاهر جرت عادته أن يمثل على طول الكتاب بالشعر، هنا لم يمثل بالشعر، لأنك -حتى اسمع- لأنك حتى إذا قلت أنه يحصل الغرض في القصيدة على مستوى التثبيت في القصيدة، ليس الأصل، لأنك سترى في البيت الواحد الذي ثبج في مكانه، أو جرى به التثبيت في مكانه، سترى في هذا البيت الواحد سترى الكلام منسبكاً وسترى بعضه يطلب بعضاً، وهكذا، فلهذا لن يمثل بالشعر.
والتمثيل بالتثبيت في الشعر بعيد وغير حسن في المقام التعليمي، ولذلك لا يصدق عليه، أو لا يصلح أن نمثل به هنا؛ لأن عبد القاهر يؤسس للفكرة، فهذا يكون على مستوى العبارة والجملة والبيت والآية، أن نخرج إلى التمثيل بالقصيدة وبين الأبيات سنحتاج أصلاً إلى مقدمات أخرى نشرح بها ماذا؟ نشرح بها ما التثبيت وما ينبغي أن تكون عليه القصيدة من حيث كونها نصاً، وهذا ليس شأن المثال، فهمتها؟
ما أنا قلت هذا، يقول: أليس هذا البيت منظوماً على شرف المعنى؟ نعم، منظوم على شرف المعنى، هو يتكلم عن مرتبة أخرى من الشرف بالصلة بين الأبيات، ولهذا أنا قلت الآن، ولو نظرت في البيت قلت هذا بعينه، قلت: لو نظرت في البيت وجدته مشدوداً إلى بعضه، منظوماً لأجل شرف المعنى، ولكن التثبيت هو الذي أخلّ بهذا الشرف، ولذلك التمثيل بعين التثبيت يصح، لكن لا يستقيم في باب التعليم، يعني نحن الآن نؤسس القاعدة ونذهب نتكلم في ارتباط الجملة على مستوى القصيدة، يعني ارتباط المعاني على مستوى القصيدة.
عبد القاهر نفسه قليلاً ما يتناول الارتباط، وجعله في نوع خاص من الشعر كما ذكر عند البحتري، فليس في هذا المقام، نحن لما نتكلم بعد ذلك في مستوى آخر عن التثبيت، وسنتكلم عنه أكثر في كتاب (القرطجني)؛ هنا سنستعمل هذه الفلسفة في هذا الكتاب في هذه المسألة المتقدمة هناك. لا يصح أن أنزل هذه المسألة في تقعيد عبد القاهر، عبد القاهر يقول لك: "بزيد منطلق"، وأنا أتكلم عن تثبيت بين الأبيات، وأنه يخل بالفائدة الزائدة فوق الصواب في المعنى، كما سيأتي الآن لماذا؟
لأنك إذا هذا حقيقي، أنت إذا ناقشت الشخص الذي ثبج في قصيدته يقول لك: طيب ما هو الترتيب صواب، ما المشكلة؟ ستقول له: اه، الترتيب صواب، بالمناسبة من شك في وقوع التثبيت فلينظر في مؤنسة المجنون، من شك في أن التثبيت واقع في الشعر مع جودة الأبيات في ذاتها فلينظر إلى مؤنسة المجنون. ستقول طيب وكيف وقعت جودة الأبيات مع كون البيت ليس في مكانه؟ وقلنا البيت يتأثر بمكانه، آه، البيت يتأثر بمكانه بقيمة زائدة، لم ننفِ قيمته في ذاته من حيث كونه بيتاً، بدليل أنه توجد أبيات مفردة يحيطها غرض، يعني إذا تحقق غرض ببيت واحد، تحقق في المؤنسة، تحقق غرض المتألم بالأبيات مفردة.
طيب لماذا قلت نزلت قيمة القصيدة من هذه الجهة أنها قصيدة، لم يفردها أبياتاً يعني فيما نراه، وإلا فأنا لي مذهب في هذا قلته خلاص، المهم أنها قصيدة، أنا رأيت أنها ليست قصيدة أصلاً، هو سرد لأبيات نظمها، وعندي شواهد على ذلك من تاريخها ومن روايات الأبيات فيها وكذا، المهم لكن من حيث كونها قصيدة نزلت، هل يوجد عاقل ينفي القيمة عن الأبيات المفردة؟ لا، هل ينفي القيمة عن الأبيات مفردة داخل القصيدة؟ لا، هل ننفي القيمة عن الأبيات مجتمعة داخل القصيدة من حيث ما كان ينبغي أن تؤدي إليه في مكانها في القصيدة؟ نعم، يعني تضع الأبيات المفردة في قصيدة ثم لا تزيد فائدة ولا تؤدي لحمة في نص واحد يؤول بعضه إلى بعض ويلتئم ويلتحم ويتدرج في المعاني، آه، هذا معين.
لكن انظر ماذا حصل الآن، تكلمنا في مستوى آخر تماماً، ليس ما نحن بصدده، نعم. قال: آه، أنا كنت أقول هنا، سنلاحظ هنا أن كل ما ذكره عبد القاهر في هذه الأمثلة في هذا النوع هو من ماذا؟ من النثر، لأن الشعر قول لا يكتفى فيه بأن يكون خالياً من الغلط، وإنما الشرط فيه أن تكون في كل تصرف علة للإيجاب، خلاص، والقافية التي تتساوى مكانها ومكان غيرها هي قافية قلقة باردة أيضاً، وسياتي الآن تفصيل ذلك، وستعرف تماماً أن الجيد في النثر يكون عيباً في الشعر وغلطاً غريباً.
آه، صح، ستعجبون من هذا، وستعلمون قيمة الشعر، هذه القيمة التي ألقيت في نفسي في وقت مبكر في هذا الطريق أو كما نقول المشوار، وحسبني الناس أبالغ، والآن بحمد لله المئات بل الآلاف يرون ذلك ويؤمنون به، والحمد لله، كنت حينها أتكلم في هذا والناس تتعجب، حتى كان والله يتصل بي أصدقاء دكاترة من كليات لغة عربية في الجامعات الرسمية، وبالنص هكذا أذكر -أنا لا أذكر اسم الشخص لأنه مشهور- لكن بالنص هكذا قال لي: يا أبا قيس، لماذا تأخذ قضية الشعر على صدرك؟ أو باللغة المصرية: يا أبو قيس أنت مالك واخد الشعر كده ليه؟ بسيطة يعني عدّيها، أنت واخد الشعر على صدرك كده ليه؟ هذا أستاذ دكتور أكاديمي في اللغة العربية في جامعة في كلية رسمية عالمية عربية، أنت واخد الشعر على صدرك ليه؟
الآن الحمد لله توجد شرائح كبيرة من الشباب وغير الشباب في المجتمع تحمل الشعر على نفس المحمل. فقوله: "القافية التي يتساوى مكانها أو تتساوى في مكانها مع غيرها، هذه يقال فيها باردة أو غير متمكنة"، وسياتي كلامه إن شاء الله تعالى في أن مجرد الصواب وعدم الغلط لا يكفي في كون الكلام فاضلاً.
نعم، ودليل هذا -يعني تسبيب في الكلام أو مسابقة للكلام- دليل هذا أن القرآن لا تقدر على تغيير موضع فيه، ولا يمكنك أن تدعي التساوي بين الأول والثاني، وهكذا الشعر العالي الصحيح وإن لم يبلغ مرتبة الإعجاز كالقرآن.
يقول كقول الجاحظ: "جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق سبباً، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقكم حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة". هذه القطعة للجاحظ يا إخوة، لا شك أنها معدودة، ركزوا في هذه.
الفائدة مهمة، كل هذا ستختبرون به. بالمناسبة كل ما أقوله تعليقاً زائداً على متن الكتاب ستختبرون به كله، لا أقول ستختبرون احتمالاً؛ يعني لا أضع أخباراً في بعض الكتاب موزعة عينة عشوائية، لا، ستختبرون في كل الكتاب. ستحدد الصفحات من صفحة كذا إلى كذا أو اختبار كامل تأخذه هكذا؛ أسئلة تشمل الكتاب من أوله إلى آخره، ولن تستطيع أن تخرجها من الكتاب مباشرة، لن تخرجها من الكتاب مباشرة هذا من تعليقي كهذه القطعة التي علقت عليها.
فأقول: الجاحظ في هذه القطعة أو قطعة الجاحظ هذه لا شك أنها معدودة في الجياد من النثر. وهذه الفائدة الآن هذا معلم كبير فارق يثبت به فضل الشعر على النثر وإن كان فنياً؛ وهو أنك ربما تأتي بالمقام الفني الرفيع كمقام الحريري أو على هيئتها، ثم لا تقصد فيها الترتيب، على الرغم من سجعها وجودة عباراتها. بالمناسبة، لاحظ على رؤوس الأدباء سجع أو ترسله هو من النمط العالي الذي فيه الترسل والذي ذهب عن التكلف. يقولون هناك مذهبان: المذهب الذي عليه الجاحظ وهو النثر المترسل الجميل كهذا، والمذهب الذي عليه الحريري أو نموذجه الحريري في المقامات، وهذا النثر الفني الذي دخلته فنيات وقيود، دخل السجع وقيود أخرى كثيرة، فهذان نوعان من النثر، وعلى الأول جاءت طريقة الخطب كما تعلمون، والبعض يفضل النوع الأول.
فالجاحظ ناثر فني كبير، ناثر فني كبير حتى إن الأستاذ محمود شاكر يمدحونه بأن نثره كالجاحظ وأنه جاحظ، بقطع النظر هذا صواب أو لا، بقطع النظر قد يكون أو لا يكون، لكن أقول انظر هذا كله ثناء على النثر، ومع ذلك ومع رفعة هذه القطعة في كلامه لا يقصد فيها الترتيب، وأتى بها عبد القاهر مثالاً على الكلام الذي ضم بعضه إلى بعض دون قصد ترتيب، وأن الترتيب لا يؤثر، وأن تغيير المواضع لا يؤثر بل القصد هو الضم، نعم على الرغم من سجعها وعلى الرغم من جودة عباراتها، نفس العبارة فيها جودة؛ يعني فيها إجادة نظم، لكن التئام العبارة بالعبارة لا. وهنا يمكن أن نتطرق شيئاً ما، اقتربت المسافة قليلاً، قطعنا مساحة نحو الكلام عن البيت والبيت، لكن التفريع في هذا غلط الآن لأنه سيأتي مكانه إن شاء الله في دراسة قر تجني، فعلى الرغم من السجع وجودة العبارات أو وجود الفنيات عموماً، قد يقل السجع هنا لكن يقع، مع ذلك عُدت قطعة فنية عالية ومع هذا لم يعتبر فيها الترتيب.
الشعر مستحيل أن يحصل فيه هذا، فهذا معلم فارق كبير تعرفونه بين النثر -وإن عُد فنياً- والشعر؛ أن قضية الترتيب وتناسق المعاني وتأليف بعضها إلى بعض على بعض الهيئات في استقلال العبارات، ممكن بقى الآن ببعض التفكير زائد نعرف الصور في ذلك؛ لأنه لا يصلح على طول الخط، لكن نقول في استقلال العبارات في المعاني المكتملة التي بينها مناسبات في الشعر -حتى لو بينها مناسبات- ستُعاب بالتثبيت إذا لم يكن هناك علة لوضع هذا هنا وهذا هنا؛ لأن شرف المعنى في الشعر وكثافته وقوة دلالته وقوة إشارته تقتضي أن تجعل غاية للترتيب. لا يمكن أن تقع هذه الفجوة العقلية بين البيتين، ركز في الكلام: لا يمكن أن تقع هذه الفجوة العقلية بين البيتين. قلت مراراً القصيدة الجيدة هي التي تبدأ في أول بيت فيها وتظل ممسكاً بزمامها أو تظل هي ممسكة بزمامك إلى آخر كلمة فيها، هذا النوع من عدم الترتيب يحدث فجوة تناقض هذا الذي قلته في القصيدة العالية.
طيب وهذا الذي قلته، قلته من جعبة أبي؟ لا، قلته من جعبة شرف المعنى الشعري ومن واقع الشعر العالي ومن تنسيق الأبيات على بعضها ومن كلام العلماء كابن رشيق وغيره في هذا، حتى انبهروا من ماذا؟ انبهروا من أبيات أبي ذؤيب الهذلي التي رأيناها الآن، التي كثرت فيها الفاءات والواوات وثم، ولم تشعر بذلك أنت، مسحوب، عبد للمعنى، عبد للصورة التي يمشي فيها. رأيت الشعر مستحيل يحصل فيه هذا، النثر الفني قد يقع فيه هذا وتحصل فيه الفجوة، ويراد فيه مجرد الضم لهذه المعاني التي هي عيب تفكك في القصيدة، لفرق مستوى شرف المعنى في كل والمطلوب في كل، وهذه علامة فارقة بين الشعر والنثر. هذا من شرف الشعر.
الأستاذة صفاء سؤالك له علاقة بالموضوع؟ شعرت كأنه بعيد لما ظهر أمامي لحظة. هذا شيء آخر، يعني أختنا تسأل على أي أساس يعيد الناقد أو الراوي أو عالم الشعر ترتيب الأبيات في داخل القصيدة؟ سنتعرض لهذا إن شاء الله لأنه تكلم عنه الأستاذ محمود شاكر، هو في نفس السياق تكلم عنه محمود شاكر في صدر كتابه «نمط صعب ونمط مخيف»، لما ذكر آفات الرواية التي عرضت للرواية، وذكر أن الرواة توقفوا على مجرد الرواية، ولما كانوا علموا من أنفسهم عدم الانخراط في علم الشعر وعدم الإبحار فيه ومدح صنعهم هذا، بمناسبة قال: حفظوا مقام أنفسهم ومقام العلم وتوقفوا عند الرواية. قال: ولكن ينبغي أن يأتي هؤلاء الذين يعيشون دهراً مع الشعر ويصلحون هذه الآفات، ويرتبون القصيدة الواحدة بعد جمع رواياتها، وترتيبها على وفق ما ذكره هو في المنهج كذا وكذا، قال: حتى تستقيم القصيدة عروساً بين يديه هكذا، تستقيم ماثلة بين يديه صحيحة سالمة من آفات الرواية، فهذا يؤول إلى نفس الشيء، لكن بالنظر إلى أنه وقعت آفات في الرواية لا بالنظر إلى أنه يغير شيئاً حصل؛ هذا ليس استحساناً منه شخصياً، هذه محاولة لإرجاع القصيدة إلى الهيئة التي قالها عليها الشاعر، هي محاولة لنفي آفات الرواية عن القصيدة. هل هذا ممكن؟ نعم ممكن، بل قدر عظيم من الشعر الجاهلي كما قال محمود شاكر سلم من هذه الآفات.
نعم، قال: وكقول بعضهم: «لله در خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين، ما أفصح لسانه، وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقه». ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع: «أيفا أخرك الملك اللخمي؟ فوالله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه». أنت تقول هنا: كيف هذا للنابغة؟ هذا نثر، قلنا الآن هذا نثر. أو أتظن النابغة يمشي حتى لو قال نثراً عالياً؟ لكن أتظن النابغة يمشي يقول الشعر أو الكلام العالي في أعلى مراتبه في كل حين؟ أو تظن أن امرأ القيس كان يحدث صويحباتي كحديثه في الشعر؟ كهذا الغبي المعروف برشيد حمامي هذا المغربي الذي قال: يهودي قالوا، ملحد قالوا، نص، لا يهمني ما كان خارج الإسلام. فواحد المهم، فهذا الغبي رشيد حمامي ينقل من القرآن نصوصاً تكلم بها أو حكيت على لسان الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ [الجن: 1-2] فقال: طيب ما هو كلام الجن؟ ها هو كلام الجن، الغبي قال: ها هو كلام الجن. فيقول: ولو قلت لي هذه حكاية وكذا، قلنا لا، ما هو الجن كانت تتكلم اللغة العربية لماذا تحورها لو لم تكن عربية؟ إذا كانت عربية لماذا بالضبط اختنا زينب؟ هذا الرجل لا يفهم، هذا هو يظن أن عمر بن أبي ربيعة في كل شعره تكلم مع الحبيب هكذا، هذا غبي ثقيل الفهم جداً، هذا أحمق، هذا أحمق مخمر يعني معتق الحمق في الذهن، ثقيل جداً. لا هو سيقول فرعون كان يتحدث لغة أخرى فرعونية وكذا، في يعني ممكن تنقل عنه، إنما الجن كانت تتكلم العربية، تعيش بين العرب تتكلم العربية، لماذا تحور كلامها؟ الحكاية للعربية وغير العربية يا غبي يا أحمق.
طيب قال: ومثل قول النابغة في الثناء المسجوع: «أيفا أخرك الملك اللخمي، فوالله لقفاك خير من وجهه، ولشمالك خير من يمينه، ولأخمصك خير من رأسه، ولخطاك خير من صوابه، ولوعيك خير من كلامه، ولخدمك خير من قومه». وكقول بعض البلغاء في وصف اللسان: «اللسان أداة يظهر بها حسن البيان، وظاهر يخبر عن الضمير، وشاهد ينبئك عن غائب، وحاكم يفصل به الخطاب، وواعظ ينهى عن القبيح، ومزين يدعو إلى الحسن، وزارع يحرث المودة، وحاصد يحصد الضغينة، ومله يونق الأسماع، ليس وراء ذلك إلا الضم». قال: فما كان من هذا وشبهه لم يجب به فضل إلا بمعناه أو بمتون ألفاظه، ركزوا على متون الألفاظ، يريد الألفاظ المفردة أو الجمل القصيرة دون مجموع النظم. يعني يصدق هذا لأنك تتكلم عن نص، النص الذي هو قطعة متصلة، فدونه متون الألفاظ التي هي الألفاظ المفردة أو الجمل القصيرة؛ لأنه كما رأينا قد يثبت لها فضل في ذاتها، يعني جمال داخل، لكن هي بالنظر إلى كونها نوعاً في جنس أعم أو فصل في جنس، وهو ماذا؟ المعنى الأكبر، فهذه متون. فيقول: إلا بمعناه؛ يعني بأصل المعنى المجرد، أو بمتون ألفاظه؛ يعني الألفاظ المفردة أو الجمل القصيرة المسجوعة دون النظم. وفي هذا يا إخوة لو تأملت دلالة على أن عبد القاهر لا ينكر ما في الألفاظ من حسن ذاتي على قدر ما، كما قد تفهم من ظاهر كلام آخر له، لا ينكر ما في الألفاظ من حسن ذاتي على قدر ما، ولا ما في العبارات غير الفنية أيضاً من نوع حسن. وحسبك شطر المتنبي.
كتاب الأسرار، صفحة 265 يقول: وكذلك قوله قول المتنبي: «وكل امرئ يولي الجميل محبب»، قال صريح منه ليس للشعر في جوهره وذاته نصيب، وإنما له ما يلبسه من لفظ، شفت المعنى واحد، هو صدر عبد القاهر، اللفظ ما يلبسه من اللفظ ويكسوه من العبارة وكيفية التأدية من الاختصار وخلافه، هذه الأشياء أليست توصف بالحسن يا إخوة؟ أجيبوا، هذه الأشياء توصف بالحسن أو لا؟ حسن، حسن في اللفظ طبعاً. نعم، هذه أشياء توصف بالحسن، ولكن قال ليس للشعر في جوهرها وذاتها نصيب؛ يعني هناك حسن وأثبته عبد القاهر، وهنا يثبته كذلك إلا بمعناه أو متون ألفاظه، خلاص لكن هذا حسن غير حسن الشعر. قال: فان قلت، ما زلنا، قال: أو بمتون ألفاظه دون نظمه وتأليفه؛ وذلك لأنه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعاً -يعني شيئاً قد صنع- وحتى تجد إلى التخير سبيلاً -يعني ترى مصنعاً؛ يعني ترى مكاناً للصناعة، ترى موقعاً وموضعاً للصناعة- وحتى تكون قد استدركت صواباً؛ يعني تجاوزت الصواب إلى ما هو فوقه، ليس أنك لحقت صواباً، لا استدركت صواباً يعني أنك تجاوزت الصواب الأصلي إلى ما هو فوقه.
قال: فان قلت، فان قلت: أفليس هو كلاماً، أفليس هو كلاماً، بالضبط أختنا زينب، الحسن النسبي، أختنا زينب ما شاء الله تعبر بتعبيرات تصيب، يعني يمكن أن يعلق بها على المواضع تعيد صياغتها، هي تعمل على هذا، تعيد صياغة العبارات بطريقة تيسر دون أن تخل بالفصاحة، قال: فان قلت أفليس هو كلاماً؟ كأنه يتحدث عن أهل عصرنا أيضاً، فإن إذا لهم سلف، لا تقل يعني إذا لهم سلف والكفار لهم سلف؛ أبو جهل وأبو لهب وهو سلف، مين سلف؟ سلف قوي يعني. فان قلت: أفليس هو كلام من قد اطرد على الصواب وسلم من العيب؟ أفما يكون في كثرة الصواب فضيلة؟ يا سلام، والله أهل عصرنا أهل عصرنا، أفليس أفما يكون في كثرة الصواب فضيلة؟ قيل: أما والصواب كما ترى فلا. الله الله، أما والصواب كما ترى فلا، اسمع، اسمع قف على كلمة ترى، كما ترى الصواب مقيداً بكونه ما ترى، أما والصواب كما ترى فلا، أما والصواب كما ترى فلا؛ يعني الصواب في الشعر صواب آخر، هو صواب أيضاً لكن هو الذي سيبينه بعد قليل.
أما والصواب كما ترى فلا، لأن لسنا في ذكر تقويم اللسان والتحرز من اللحن وزيغ الإعراب، الذي يحصل به الغلط أيضاً على مستوى التركيب، لسنا في ذكر تقويم اللسان والتحرز من اللحن وزيغ الإعراب، فنعته بمثل هذا الصواب، وإنما نحن في أمور تدرك بالفكر اللطيفة ودقائق؛ أي وفي دقائق نحن في دقائق، وإنما نحن في أمور تدرك بالفكر اللطيفة ودقائق يوصل إليها بثاقب الفهم، فليس درك صواب دركاً فيما نحن فيه، فليس درك ليس تحقيق الصواب المحض دركاً فيما نحن فيه، حتى يشرف موضعه، ولذلك قلنا شرف المعنى وصحته، الصحة وحدها لا بشرف المعنى، الصحة الصحة وحدها لا، وإنما بشرف المعنى أول باب من أبواب عمود الشعر شرف المعنى وصحته، قال: طب وما شأن الصحة في نفسها؟ لا.
هو يقول فليس درك صواب دركا فيما نحن فيه حتى يشرف موضعه ويصعب الوصول إليه. انظر إلى هذه اللفتة الآتية: وكذلك لا يكون ترك خطأ تركاً حتى يحتاج في التحفظ منه من الخطأ إلى لطف نظر وفضل روية وقوة ذهن وشدة تيقظ. أي إن خطأ الشعر ليس هو حتى هذا الخطأ الذي يقع في كلام الناس، لا، خطأ الشعر هو الذي يقع في الكلام الدقيق، هو الخطأ الذي تحتاج إلى خلاف الأصل، تحتاج إلى التروي والفكر حتى لا تقع فيه. هذا الخطأ الذي يكون في الكلام، هذا الخطأ الذي يكون في الشعر العالي قد يكون هو الصواب والجمال في النثر، على هذا الكلام؛ لأنه قال لك: هو خطأ تحتاج فيه إلى ماذا؟ إلى لطف نظر حتى تتجنبه، حتى تتحفظ منه، تحتاج إلى لطف نظر وفضل روية وقوة ذهن. يعني هذا الخطأ الذي لو وقع في كلام الناس كان بلاغة، ولو وقع ربما في النثر كان بلاغة، أنا لا أبالغ، ستقول في الشعر هذا خطأ، وهو في النثر حلو وجائز في النثر الفني، وفي النثر الفني حلو وجائز. نعم، وهذا النثر الفني العربي رفعه بعض النقاد كعبد الله الطيب على أشعار الأوروبيين وعلى أشعار شيكسبير، ومن هنا قال الجاحظ في كتاب الحيوان: ليس لغير العرب شعر أصلاً، ليس لغير العرب شعر، يعني شعر غير العرب تحت مستوى نثر العرب الفني.
نعم يا محمد؟
أريد أن أسألك على التفاوت بين الكتاب، هل يكون فقط من هذه الأبواب التي ذكرها بالمعنى أو بمتون الألفاظ؟
لا، لا، طبعاً كل كلامنا على جواز الوقوع وأن يظل عالياً مطلوباً مع الوقوع كما في قطعة الجاحظ، لكن لا شك أنه سيعلو وسيظل نثراً مع الملاءمة بين الكلام، لكن الذي يقع من ذلك في الكلام الأديب لا أراه في الشعر من على مستوى الجمل. وضحت؟ يعني هناك فرق بين أن تقع في الشعر وأن تقع في النثر ويظل نثراً جيداً من حيث قانون النثر، وبين أنه لا يعلو النثر فوق هذا، لا يعلو، ولكن لا يثبت على هذا، ولكن إذا نزلت إلى ذلك في النثر لا يعيبك. فهمت؟ يعني هل أحد سيعيب من قال لك قطعة الجاحظ هذه؟ هل أحد نثرياً سيعيب قطعة النابغة الذبياني من حيث كونها نثراً؟ لا طبعاً، لا طبعاً، لا طبعاً.
طيب، مولانا عندما قال في البداية: وحتى تجد إلى التخيل سبيلاً، ما يريد بلفظ التخيل؟ أين؟ عندما قال: وذلك لأنه لا فضيلة حتى ترى في الأمر مصنعاً وحتى تجد إلى التخيل سبيلاً. التخيل يعني وحتى تجد سبيلاً لسلوكه، لكونه تخير أن وضع هذه في مكانها وهذه في مكانها، أو أنه لم يأتِ بشيء قبل شيء. وضحت؟ يعني التخيل يعني هو اختار، فكان للتخيل سبيلاً ولم يجرِ هكذا كما في السابق، السابق جرى هكذا بسيلان الذهن، أما هنا وضع هذه هنا لوجود؛ لأنها ينبغي أن تقع هنا، وسياتي لك هذا في أول ما يأتي معنا مثال ابن المعتز إن شاء الله. قال: وهذا باب ينبغي أن تراعيه وأن تعنى به حتى إذا وازنت بين كلام وكلام دريت كيف تصنع، فضممتها وقابلتها بما هو نظير له، وميزت ما الصنعة منه في لفظه، كما رأينا في النثر المنقول آنفاً، أي الألفاظ نفسها جميلة مع ما حسن المعنى المجرد، وميزت ما الصنعة منه في لفظه مما هي منه في نظمه.
واعلم أن هذا، أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ وبين أن تكون في النظم، باب يكثر فيه الغلط، فلا تزال ترى مستحسناً قد أخطأ بالاستحسان موضعه، وبعد قليل سيذكر ما سبب وقوع الخطأ، سيقطع خطوة في التحليل والتعليل، ما سبب وقوع الخطأ؟ يقول: واعلم أن هذا أعني الفرق بين أن تكون المزية في اللفظ وبين أن تكون في النظم باب يكثر فيه الغلط، فلا تزال ترى مستحسناً قد أخطأ بالاستحسان موضعه، فينتحل اللفظ ما ليس له. ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام، فيحل اللفظ ما ليس له؛ فلا تزال ترى مستحسناً قد أخطأ بالاستحسان موضعه، فينتحل اللفظ ما ليس له، يعني يعطيه مزية ولم تحصل المزية من قيمة اللفظ أو لم تحصل على الدقة، لم تحصل المزية وحدها من قيمة اللفظ. ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام، قد حسن من لفظه ونظمه، ما اللفظ والنظم هنا؟ اللفظ المفردات.
إياك أن ينقطع خط ذهنك وأنت تقرأ الكتاب، هذا كتاب يا إخوة، تأخذ فيه هذه الخلاصة الآن في التنبيهات، وهي أصلاً أحيط بها في سنين من القراءة الكثيرة لهذا الكتاب؛ لأنك لا تحتاج أكثر من الوقوف على الألفاظ، أن تعرف سياقات الكتاب، وحتى ترد أول الكتاب على آخره، وحتى تفهم طريقة عبد القاهر. ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام قد حسن من لفظه ونظمه، فظننت أن حسنه ذلك كله للفظ منه دون النظم، وأنت عرفت في مواضع أخرى أنه يستعمل اللفظ مكان النظم، فتصير في حيص بيص، ويأتي الحداثي يقرأ يقول: ما اللفظ وما النظم وما الموضوع؟ الدنيا دخلت في بعضها، تحتاج إلى أن تكون متعلقاً بسياق عبد القاهر. وهذا من الأسباب بالمناسبة، ربما غفلت أن أخبركم عن هذا، هذا من الأسباب التي جعلتني أكثف هذه المجالس وراء بعضها هكذا، وأؤجل الكتب الأخرى بعض الشيء، وألا يكون مجلساً أسبوعياً كما اتفقنا عليه في الأول، حتى تأخذ طلعة تفهم منها اتجاه عبد القاهر، وتأخذ قطعة من الكتاب كبيرة، ربما نصل إلى أقل من ثلثه حتى تفهم، خلاص تضع قدمك على أرض صلبة، وحتى تفهم أين تمشي وكيف تسير، تفهم كل فلسفة عبد القاهر إن شاء الله.
قال: ولا تزال ترى الشبهة قد دخلت عليك في الكلام قد حسن من لفظه ونظمه، ما لفظه؟ الألفاظ المفردة والمجازات المفردة والمعاني المجردة. الصفحة التي قبلها مباشرة ذكر لك القطعة النثرية التي تشرح هذا، فظننت أن حسنه ذلك كله للفظ منه دون النظم. مثال ذلك تنظر إلى قول ابن المعتز: وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة ثم أطرقُ سلام يا عيني، يا عيني يا حبيبي، والله صعب عليّ! وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة ثم أطرق، يعني على خوف عيني من العدا تجمح مني نظرة ثم أخفق. فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف، الظرف مش يعني خفة الدم، جمال المعنى وجدته وخفته وطرافتها، فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف، يعني الجمال وخفة الروح، إنما هو لأن جعل النظر يجمح. أنت تقول: آه، وجعل النظر يجمح، هذا هو، وليس هو لذلك. وقلت لكم من قبل هذا ما يلهج به حتى المحسوبون على العلم بالشعر في زماننا، يقولون: إنما الشعر بالمجاز والتشبيه وكذا، ولأجل ذلك تراهم كثيراً إذا تكلم الشاعر منهم وسقط في بيت أو كذا، يرفض التنبيه ويرفض النقد بحجة جمال التشبيه أو المجاز، كما ترون في بعض الأبيات، أو جمال أصل المعنى أو رقة الألفاظ. يقول يا أخي في أي ما الذي تقول؟ انظر إلى كذا، آه، لأنه جهل من الأول، وقلنا إن شعراء زماننا، وسيشهد التاريخ أننا قلنا، إن شعراء زماننا محدود العلم، يعتمد على قرائح وبعض ثقافة، ولكن سقفه محدود قريب.
نعم، قال: فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف إنما هو لأجل، إنما هو لأن جعل النظر يجمح، وليس هو لذلك. ونكمل بعد الأذان إن شاء الله.
نرجع، قال: فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف إنما هو جعل النظر يجمح، وليس هو لذلك، أمال لأي شيء؟ قال: بل لأن قال في أول البيت: وإني، حتى دخل اللام في قوله لتجمح، شوف التعبير، وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح، هذا هو، إن قال في أول البيت: وإني، وظل معلقاً الكلام حتى قال: لتجمح، يعني اعترض بكلام، أو اعترض به بالمعنى العام، يعني علق الكلام وعلق تمامه إلى أن جاء به في آخر أو في أول الشطر الأول بقوله لتجمح، وكان ممكن أن يقول: وإني لتجمح مني نظرة على إشفاق عيني من العدا، لكن وإني على إشفاق عيني من العدا، وأخر الخبر حتى قال لتجمح. قال: بل لأن قال في أول البيت: وإني، حتى دخل اللام في قوله لتجمح، يعني حتى جاءت اللام ودخلت في الخبر تجمح، وإني تجمح، حتى جاءت اللام ودخلت. ما العلاقة بين اللام والاستعارة من حيث نفسها؟ هل اللام داخلة في نفس الاستعارة؟ جموح النظرة، هل لها علاقة بذات جموح النظرة؟ اللام لا، بالضبط لتجمح، حتى دخل اللام، طبعاً لك أن تقول دخل اللام -أي حرف اللام- ودخلت اللام، الحروف تؤنث وتذكر، حتى دخل اللام في قوله لتجمح، ثم قوله مني لتجمح مني، ثم قوله مني، لو استغنى عنها سيفهم الكلام لكن تجمح مني، ثم لأن قال نظرة ولم يقل النظر مثلاً، ثم لأن قال نظرة ولم يقل النظر، لو قال لتجمح مني النظر يصح، وتعبير عن كما عرفنا في لما كان يتكلم عن الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100]، خلاص، إنك قد تعبر بوجه آخر عن نفس المعنى، عن ذات المعنى، أصل المعنى المعنى المحض المتجرد.
فكذلك هنا لو قال: يجمح مني النظر، يصح، لكن نظرة أعطتك شيئاً جديداً، هو هذه السرعة وهذا التقليل الذي لم ينص عليه، رأيت تقليل لم ينص عليه، تقليل جاء عن طريق التنكير هكذا، اختلاسه بالضبط يا أسامة، اختلاسه هكذا: لتجمح مني نظرة. قال: ولم يقل النظر مثلاً، ثم لمكان ثم في قوله ثم أطرق مكان ثم في ثم أطرق، قال شيخ، شوف هذا هو الكلام، هذا الذي جعل المجاز حسناً. طيب، أنا أسأل هنا سؤالاً: وما الذي أصلاً، ولا من أجله سيأتي مكان أكثر تتكرر فيه هذه القضية، ويأتي موضع مناسب أكثر للسؤال في الصفحات الآتية إن شاء الله، كنت سأسأل حتى تجهزوا الجواب، لكن دون الانشغال، ما الذي يجعل العامة تقول المجاز هو الذي أثر فقط؟ هذا هو، انظر: وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة ثم أطرق، هذا هو الذي جعل أصلاً للمجاز قيمة، إن وقع في هذا الموقع هو الذي نبهك إلى جماله، فحسبت أنه هو الفاعل وحده.
قال: ولطيفة أخرى نصرت هذه اللطائف وهي اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله على إشفاق عيني من العدا، ربما تقول: طيب ما هو قاله في الأول، هو أراد في الأول فقط تأخير الكلام بشيء، تأخير الخبر لأنه قال: بل لأن قال في أول البيت: وإني حتى دخل، ها مساحة، حتى هذه التي تدخل في معنى حتى، هو أن قال على إشفاق عيني من العدا، وأيضاً يمكنك أن تشرح مجازاً داخل هذه العبارة على إشفاق عيني من العدا، مجازاً في على، أي مع إشفاق عيني من العدا، شفت التداخل والتعقيد في الشعر هذا، تصوير اعتلاج المعاني في نفس الشاعر، فإذا اعتلج وكان مكيناً من اللغة صور لنا هذا الاعتلاج في هذا النص، صور لنا الاعتلاج في هذا النص، كيف رتبه مع غيره، مع الاعتراض للتشويق بالضبط، البيت قصة وحده.
قال: وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك، وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك، يعني أن الشبهة قد دخلت عليك في كذا، وجاء الحسن من جهة ترتيب الكلام وكذا، وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك فانظر إلى قوله، وقد تقدم إنشاده قبل: سألت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير فإنك ترى هذه الاستعارة، طبعاً عبارة الأستاذ محمود شاكر قال: وهذا والذي هنا يوهم أن الشعر لابن المعتز، هو قال فانظر إلى قوله يعني قول الشاعر، خلاص يعني هو تعرفون العادة وجريان العادة في الكلام، سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير، فإنك ترى هذه الاستعارة على لطفها وغرابتها إنما تم لها الحسن وانتهى إلى حيث انتهى بما توخى في وضع الكلام من التقديم والتأخير، بما توخى في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرتها لها.
انظروا يا إخوة، هذا كلام صريح في أن الاستعارة مع حسنها في ذاتها، لم تحسن في الكلام أو لم يحسن الكلام بها إلا بحسب.
موضعها من النظم؛ نعم، قد تكون الاستعارة في ذاتها عبقرية لكنها قبيحة في كلام مخصوص بعينه. وهل كل معنى عبقري يوضع في كل كلام؟ هل كل معنى عبقري يوضع في كل كلام؟
قال: فإنك ترى هذه الاستعارة على لطفها وغرابتها إنما تم لها الحسن وانتهى إلى حيث انتهى بما توخى في وضع الكلام من التقديم والتأخير، وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك وزارته. وإن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف، اعمد أي اذهب واقصد إلى الجارين والظرف: «سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير». أين الجارين؟ أين الجارين؟ «بوجوه كالدنانير» جاران، خلاص. والظرف أين الظرف؟ «حين دعا». فاعمد إلى الجارين والظرف فأزل كلاً منهما عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه، فقل: «سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره». هل سالت تغير المجاز فيها؟ لم يتغير المجاز فيها؛ انتبهوا، «سالت عليه شعاب الحي» هذا من المجاز اللغوي وليس الحكمي، ليس الحكمي ليس العقلي الإسنادي، وهو أتى بها هنا لأنها استعارة مكنية. هل حسنت لأجل؟ طبعاً هنا دخل تشبيه في البيت أزال الاستعارة، خلاص. هل حسنت لأجل الاستعارة؟ أنت تحسب هذا؛ هو عبد القاهر يقول لك كما في بيت ابن المعتز، يقول لك هنا أنت أيضاً تحسب هذا ليس لأجل هذا، بدليل أبقِ على الاستعارة وغير مكان الجارين والظرف وستظل الاستعارة استعارة، سيظل المجاز مجازاً، وغير مكان شيئين لا علاقة لهما بالاستعارات، وهما أو بثلاثة أشياء: الجاران «بوجوه كالدنانير»، الجاران والظرف «حين دعا»، وسترى أن الكلام يهبط مع بقاء الاستعارة كما هي في سالت. قال: فقل سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره. ثم انظر، ثم انظر -يا سلام أنا أحب أقف بعد عبد القاهر- ثم انظر استعد، ثم انظر كيف يكون الحال؟ إيه أخبارك؟ أنت تمام مبسوط سعيد بالاستعارات؟ والله هكذا أتخيل عبد القاهر، إيه أخبارك أنت سعيد؟ الآن تقول الاستعارة الاستعارة، أنا كنت هكذا أقرأ عبد القاهر في أول المرات وما زلت، خلاص، يعني أنت تقول الاستعارة الاستعارة، طيب، ها شو أخبارك؟ وقد أبقينا لك الاستعارة، فقل سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره.
ثم انظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن والحلاوة، ثم انظر -طبعاً أنا مثلت في الأداء وإلا فالصواب- ثم انظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن والحلاوة، وكيف تعدم، وكيف تعدم أريحيتك التي كانت، وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها. وجملة الأمر هاهنا -سيبدأ بالتصريح بأسباب حسن الكلام وسيبدأ بالكلام على أقسام من الكلام، ركزوا الآن يا إخوة- وجملة الأمر أنها هاهنا كلاماً حسنه للفظ دون النظم كالذي مر في كلام الجاحظ وكلام النابغة الذبياني -كان نهاري أسود في جريمة بعملها، أقول وكلام النابغة الذبياني النثري معهود، النثري معهود هني في الكلام النثري الذي مر الذي قاله وهو واقف غير الموزون، سامحنا أيها النابغة لم نقصد، لا بد أن نتأدب في العبارة، نعم المعجم المناهي اللفظية-. قال: وجملة الأمر أنها هاهنا كلاماً حسنه للفظ دون النظم كالذي مر، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ سيأتي بمثال له في الأخير من المتنبي ولكن سيؤسس بشرح طويل للمشكل، وهو النوع الثالث، قال: وثالثاً قد أتاه الحسن من الجهتين.
وجملة الأمر أنها هاهنا كلاماً حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، يعني الألفاظ لا جديد فيها، خلاص في الأول يعني معذرة الألفاظ هي الجديدة وفيها حسن لكن النظم لا شيء فيه، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ نعم يعني اللفظ لا شيء فيه النظم هو الذي خلق منه شيئاً، وثالثاً حصل البراعة من ناحيتين قد أتاه الحسن من الجهتين ووجبت له المزية بكلا الأمرين. اسمع، والإشكال في هذا الثالث، يعني لو كانت الألفاظ في ذاتها ليست مميزة بشيء من إضافة أو استعارة ونحو ذلك ومعنى جديد جميل وحلاوة إضافة ونحو ذلك، فالإشكال أن الحسن بسبب النظم قريب، المشكلة في هذا الثالث، طيب والنوع الأول الذي الحسن فيه بسبب الألفاظ لا إشكال فيه؛ لأنه سيحسب أن سيقول الحسن فيه بسبب الألفاظ مصيب، صح أنت صح، يعني الذي يسمع قطعة الجاحظ والقطعة التي تكلم بها النابغة الذبياني في كلامه العادي خلاص من يسمعها سيعلم أن الحسن في الألفاظ وهو مصيب وفعلاً الحسن في الألفاظ ولا زيادة على ذلك.
طيب ومن سمع شعراً جيداً لم يرَ حسناً في الألفاظ إطلاقاً يعني من حيث براعة في معانٍ جديدة في كذا في كذا لم يأتِ بمعانٍ غير مطروقة بإضافات جديدة باختراعات جديدة لم يقل «يا أميمة القلب» وهذه الأشياء التي فيها حلاوة في ذاتها لم يفعل هذا، ولكن حلا البيت لم يأتِ بمعنى غريب كالذي قال: «ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى لما كنت أدري علة للتيمم»، إذا إذا لم يأتِ -طبعاً أنا أمثل للمعنى الغريب للشعر- إذا لم يأتِ بذلك وأتى بنظم جميل أيضاً سهل أو قريب، أن يدرك المتلقي أن الحسن بسبب النظم، صح أنت قلبت الدنيا وشقلبت الشغل وعملت حركات، حليت المألوف جعلته غير مألوف. المشكلة أين؟ إذا وقعت البراعة في الاثنين، يعني كان الشاعر يأتي بالبراعة في نفسه لأسباب ما تتعلق بشخصيته بجدته طرافته بظرافته بكذا بذكائه وعبقريته في نواحٍ معينة أخرى غير الشعر، وأتى بذلك في الشعر وأحسن في النظم، هذا ما يحصل بالإشكال.
قال: والإشكال في هذا الثالث وهو الذي لا تزال ترى الغلط قد عارضك فيه، وتراك قد حِفْتَ فيه على النظم -يعني ظلمت النظم- فتركته وطمحت ببصرك إلى اللفظ، وقدرت في حسن كان به وباللفظ أنه للفظ خاصة، وقدرت في حسن كان به -يعني بالنظم- وباللفظ أنه للفظ خاصة، انخدعت بحسن اللفظ، يعني طبعاً اللفظ هنا أيضاً يعني التشبيه، الاستعارة، الكلام الجميل، سيأتي أن اللفظ استعارة أيضاً، مش التلاؤم والحلاوة بتاعة الألفاظ والفصاحة الذاتية لا ليس فقط، كل هذا كل ما سوى النظم مما يتعلق بالألفاظ أراد باللفظ هنا كل ما سوى النظم مما يتعلق بالألفاظ، أراد بالنظم هنا حتى لو إضافة جميلة «أميمة القلب» مثلاً، و«بيضة الخدر» تعلق بهذا، لو قلت فقط بيضة الخدر فقط هكذا جميلة واستعارة خطيرة وجديدة وبارعة وتظل بارعة، لكن هل هي حسنة لأنه قال بيضة الخدر؟ ابحث عن شاعر آخر قال بيضة الخدر في بيت وانظر لتعلم أنه ليس لأنه قال بيضة الخدر، وليس لعين الاستعارة. قال: وقدرت في حسن كان به وباللفظ أنه للفظ خاصة. وهذا هو الذي أردت حين قلت لك أن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته، أي على المراد من النظم ولأي شيء يساق.
إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه إلا من بعد -وهو حسن- هو يتكلم الآن عن الحسن في اللفظ ومع ذلك، اسمع، كويس أني انتبهت، ربما يقول بعضكم الآن: طيب ما هذا الحسن؟ إذاً الشعر الذي فيه الاثنان هو أضعاف الحسن الذي في الشعر الذي لم يحسن إلا بالنظم، أقول له لا، عبد القاهر قال حسن بالنظم وحسن باللفظ، كأنك تقول مثلاً شرف المعنى وصحته، خلاص، وهو يريد أن يقول إن الحسن الذي في اللفظ حاصل له حتى خارج الشعر، ولكن إذا دخل في النظم سيوظف هذا الحسن في النظم، وقد يتفوق عليه مجموعاً بيت آخر أو قصيدة أخرى لم تأتِ بهذه البارعات الأشياء البارعة، وإنما أجاد بالنظم ورفع شرف المعنى فوق الذي استعمل أشياء فيها براعة في نفس الكلام. قصار ما يريده عبد القاهر أن يقول لك إنه ثبت له حسن في لفظه وحسن في نظمه، دليل كلامي أنه يقول: وهذا -يعني الذي قاله حالاً- هو الذي أردت حين قلت لك إن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه، مع أنه يتكلم عن الاستعارة التي هي اللفظة الحسنة التي فيها براعة، إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته، يعني حتى يصرح لك الآن الحسن الذي في ذات الاستعارة لن تكون له فائدة بذاته إلا إذا ظهر في النظم؛ فلا تقل هو حسن بالنظم وحسن باللفظ، فلو ذهب حسن النظم بقي حسن اللفظ، لا في نظم ما في النظم نفسه، إذا لم يكن على هذا التفريق لن يظهر له أثر، أفصله حتى يظهر له أثر.
عبارة خطيرة؛ لأنه لما قال الاستعارة لما قال لك هذا هو الذي أردت ثم قال الاستعارة جعلها مثالاً للفظ، هو من الأول قال الاستعارة اللفظ وتكلم في الاستعارة تحت اللفظ يطلق ويراد به غيره، وتكلم وقال ليس مقصوداً، لا يحسن به النص بذاته، ثم قال الآن بعد أن قال لك هناك حسن لفظ وحسن نظم وهذا هو الذي أردت حين قلت لك إن في الاستعارة، إن في الاستعارة يعني اللفظ، ما لا يمكن بيانه يعني بيان أثره، إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته، يعني حتى حسنه لن يتوظف ولن يكون النص حسناً بين في نصوص تلائم، ولا بد أن يكون للحسن في ذاته وظيفة، يعني لو قلت: و«بيضة خدر»، أنت تظن أن الجمال في بيضة خدر، غلط، عايز دليل؟ تعال قف على بيضة خدر ولا تأتِ بجواب رُبَّ، ولا بـ«من عواتي مخفوض رُبَّ»، كل سنة وأنت طيب، كيف الحال؟ و«بيضة خدر» آه مالها؟ كمل، أنا أنتظر، طيب ولو لم أكمل كفاية عليك شوية السعادة دول؟ غلط، أنت آذيت النفس، آذيت النفس، و«بيضة خدر» ما بها ما بها؟
أيوه أنا سعدت من بيضة خدر لتكمل المشكلة بقى أنك الجحود أنه لما يكمل تظن أن الجمال في بيضة خدر بس، مع أنه لو وقف عند بيضة خدر أنت ارتبكت، واجعلوا هذا دليلاً أيضاً فوق كلام عبد القاهر، أنك تتشوق وبعد أن تثور تظل منتظراً ولو لم يكمل أصابك الغم، إذاً كان إعجابك بالجزء مرهوناً بتمامه بتمام الكلام، بدليل أنه لو وقف ولم يتم الكلام انقلب انقلبت سعادتك المبنية على التوقع غماً، و«بيضة خدر» إيه مالها؟ آه حرام عليك يا أخي نكدت علي، طب فين بقى الجمال؟ كنت ستسعد بها لو أكمل الكلام، فهي جزء من نظم، مع حلاوتها في ذاتها عايزها تحلو انزعها من النظم، ضاع في نظم آخر ولو كان نثراً عادياً، هذه بيضة خدر، اطمأنت نفسي، رأيت روعة البيت، لم تأتِ من بيضة خدر بل من بقيته، وإلا لو قلت هذه بيضة، أو أحببت بيضة خدر وظيفتها تضاءلت، إنما وظيفة بيضة الخدر هذه الاستعارة عظمت في مكان آخر وهو بيت امرئ القيس.
قال: ومن دقيق ذلك وخفيه، ومن دقيق ذلك وخفيه، آه تعالوا بقى تعالوا وأشحذوا ذهنكم هذا سيحتاج إلى بعض شرح وتوضيح، انتبهوا جيداً ولا تقطعوا الكلام حتى يتم لأنني سأوضح إن شاء الله. قال: ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4] لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة، ياه، افتح كتب التفسير البلاغي وكذا يقول لك استعارة وكذا، عبد القاهر ينعى عليهم، لا تقفوا على الاستعارة لم تحسن لأجل الاستعارة، هناك شيء فوق المجاز الذي هو الاستعارة هنا. قال: ومن دقيق ذلك وخفيه أنك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ لم يزيدوا فيه على ذكر الاستعارة ولم ينسبوا الشرف إلا إليها ولم يروا للمزية موجباً سواها، يا أخي سبحان الله العوام حتى في هذا الباب حتى في أهل العلم والتفسير، ولم يروا للمزية موجباً سواها، هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك ولا هـ، هو كأنه يقول لك والله أنا لا أتهمهم، أنا هكذا أراهم هكذا يفعلون، هذا ظاهر كلامهم، ماذا أفعل أنا؟ كأنها أقول لك يحترز أنا لا أطعن في أهل العلم لكن هكذا كلامهم، يقول: هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك ولا هذا الشرف العظيم ولا هذه المزية الجليلة وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة، يا سلام على الصراحة والوضوح، وليس الأمر على ذلك ولا هذا الشرف العظيم ولا هذه المزية الجليلة وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرد الاستعارة.
ولكن لأن سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء وهو لما هو من سببه فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوباً بعده، مبيناً أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني.
ولما بينه وبينه من الاتصال والملابس، أقرأ لكم القطعة مرة أخرى ثم أشرحها على مثال الآية: ولكن لأن سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لما هو من سببه، فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له في المعنى منصوباً بعده، مبيناً أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني ولما بينه وبينه من الاتصال والملابس.
يعني نترجم هذا الكلام على الآية: الآية أسندت الفعل إلى الرأس، أسند الفعل إلى الشيء، وهو الفعل لما هو من سببه، يعني أسند الفعل وهو الاشتعال إلى الرأس؛ لأنه سبب الفاعل الذي هو الشيب. علاقته بالشيب واضحة، الرأس أصل للشيب. الآية أسندت الفعل إلى الرأس، وهو الفعل للشيب، ثم أتت بالفاعل الأصلي الذي هو الشيب منصوباً في الأخير: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]، دلالة على أن الإسناد إليه أصلاً من الأول، لكن أسند الفعل إلى الرأس لما بينهما من الملابس.
تعالوا نترجم على النص: ولكن لأن سلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه -الذي هو الاشتعال- إلى الشيء -الذي هو الرأس-، وهو -أي الفعل- لما هو من سببه، وهو الاشتعال لما هو من سبب الشيء الأول الذي هو الرأس، فالشيب من سبب الرأس، فيرفع به ما يسند إليه وهو الرأس، اشتعل الرأس، رفع باشتعل، فيرفع به ما يسند إليه، ويؤتى بالذي الفعل له -الذي هو الشيب؛ لأن الذي يشتعل هو الشيب وليس الرأس، الشيب الذي هو الشعر من الرأس-، ولكن اشتعل الرأس، الرأس أكبر من الشيب ويحيط بالشيب.
ركز معي، لماذا فعل ذلك؟ إلى الآن لم يذكر، هو يقول هذا هو الذي حصل، هذا الآن توصيف؛ إخواننا البنيوية الذين يوصفون يسيبوننا ويمشون، يفكك الميت على الترابيزة ويمشون، هو سيذكر ذلك عبد القاهر الآن، يفصل ثم سيحصل في الصفحة التالية، تذكرون التفصيل والتحصيل؟ لابد أن تحصل بعد أن تفصل، تفصل وتمشي ما بتفهمش حاجة، لا تفهم شيئاً بتفكك وتمشي.
ثم ماذا الآن حصل؟ أرني ما الذي حصل بعد أن فصلت وفسرت وقلت وقع كذا، بناءً عليه فذلك كيف آل إلى هذه البراعة وهذه الصورة؟ لابد أن تحصل بعد أن تفصل، هذا تعبير عبد القاهر: التحصيل والتفصيل.
قال: وهو أي الفعل لما هو من سببه الذي هو الرأس، فيرفع ما يسند إليه، يعني يرفع به ما يسند إليه، الفعل أسند إلى الرأس، فالفعل رفع الرأس كان عاملاً فيه، والفاعل الأصلي الذي هو الشيب الذي أخره وجعله منصوباً، ويؤتى بالذي الفعل له أصلاً -يعني في المعنى- منصوباً بعده: واشتعل الرأس شيباً، جاء به تمييزاً، لماذا؟ مبيناً بهذا التمييز أن ذلك الإسناد وتلك النسبة إلى ذلك الأول إنما كان من أجل هذا الثاني أصلاً، لما بينه -يعني الذي لك أن تفعل هذا- وبينه من الاتصال والملابس.
يوجد إشكال في توزيع الضمائر وفهم مضامين هذه القطعة؛ لأنك لو قرأتها وحدك أول مرة تظل تضرب أخماساً في أسداس، يوجد إشكال في فهم هذه القطعة، وضحت عندك؟ الحمد لله. طيب من قال: إذا قال واحد عندي سأعيد شرحها، لا يخجل، ليس سؤالاً. الآن لحظة، عندي، عندك؟ قل لا عندي، عندي يعني لم تتضح عندي، لم تتضح عندك.
عبد القاهر يقول الناس يظنون أن قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ البراعة فيه بسبب الاستعارة في ذاتها، اشتعال الرأس. يقول لك إنك يمكنك أن تعبر نفس هذا التعبير بطريقة أخرى وتسقط العبارة الجديدة، أن تقول: اشتعل شيب الرأس. كن معي، أنا أخاطب محمداً فقط، يا محمد لو قلت الآن: اشتعل شيب الرأس، هل أقلت بالاستعارات في الاشتعال؟ لا، لم نخل بالاستعارة، صحيح.
إذاً عبد القاهر يقول لك الذي حصل هو شيء آخر، الاستعارة هي هي الاشتعال، وأن الاشتعال واقع في الشيب، هو حاصل في العبارتين جميعاً، ولكن الذي جعل الاستعارة موظفة في الآية حتى وصلت إلى هذه البلاغة فيها هو شيء آخر، ما هو هذا الآخر؟ يقول: إنك سلكت بالكلام طريقاً آخر، ما هو؟ قال: طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، الفعل الاشتعال، لازم تتجاوب معي، تقول لي تمام، في مشكلة قل لي ليس تمام.
يسند الفعل فيه الاشتعال إلى الشيء الذي هو الرأس، تمام؟ نعم. وهو يعني الفعل في الحقيقة أو في الأصل -أقول في الحقيقة؛ لأن أصلاً الاشتعال للشيب أصلاً، مجاز، أنت واخذ بالك-، وهو يعني في الأصل لما هو من سببه، من سبب ماذا؟ لما هو من سبب الأول، من سبب الشيء، يسند الفعل إلى الشيء، يسند الفعل إلى الرأس، وهو والفعل لما هو من سبب الشيء الذي أسند إليه الفعل، يعني الرأس يشمل الشيب طبعاً، فيه توسع في استعمال البلاغة حتى يقولون لك في الاستعارة أن تذكر شيئاً من لوازمه وهو من صفاته، في الكناية الاستعارة المكنية يقولون لك أن تستعير الشيء ولا تذكره ولكن تكني عنه بشيء من لوازمه، يعني من صفاته من ملحقاته عادة إلى آخره.
هم يقولون هنا الرأس منه الشيب، يعني لو أنك قلت الرأس يمكنك تصور الشيب أو الشعر الذي يشيب، فأنت هنا أسندت الفعل إلى الرأس، والفعل للشيب الذي هو من سبب الرأس، فرفعت الراس، فيرفع به ما يسند إليه، فرفعت الرأس الذي أسندت إليه الفعل، وأتيت بالذي الفعل له أصلاً الذي هو الشيب منصوباً على التمييز، الذي هو الشيب الذي الفعل له؛ لأن الفعل للشيء الذي هو من سبب الرأس، فأنت رفعت ما أسندت الفعل إليه، وهذا الذي الفعل له أصلاً جئت به منصوباً بعده لتبين أن ذلك الإسناد وتلك النسبة في الأول إلى الرأس إنما كان هذا الإسناد والنسبة إنما كان من أجل هذا الثاني الذي جئت به منصوباً، ولما بينه وبينه من الاتصال والملابس، هو الآن يشرح لك ما الذي حصل، وما الذي سمح لك أن يحصل، شروط لماذا حصل، سيذكره.
كقولهم: طاب زيد نفساً، وقر عمرو عيناً، وتصبب عرقاً، وكرم أصلاً، وحسن وجهاً، وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولاً عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه، منقول عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه؛ يعني انتبه، هذا شيء إذاً فوق المجاز الحاصل بالطريقتين؛ يعني هو شيء فوق المجاز الذي يقع في العبارتين جميعاً، نعم، إضافة شيء خاص جديد، ما هو؟ سيأتي إن شاء الله.
قال وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولاً عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه، إلى ما ذلك الشيء من سببه، يعني قر عمرو عيناً، قرت عين عمرو. قر عمرو عيناً. تعالوا نطبق قر عشان تتأكد وقلبك يطمئن: قر عمرو عيناً، أصلها قرت عين عمرو، ما الذي قر؟ الأصل عين عمرو، لكن نقل الفعل عن العين إلى عمرو؛ لأن العين متسببة عن عمرو، من سبب عمرو، يعني وجود عمرو فيه سبب لتخيل العين يشتمل عليها، لذلك قلت فيه توسع في العبارة عند القدماء، لهم أسلوب في التعبير، ولا تنسوا أن الطريقة الكلامية وسعت هذا وتداخلت مع البلاغة؛ يعني الاصطلاح الكلامي كان غالباً عليهم أكثر، وبالمناسبة ظل هذا الاصطلاح في علوم البلاغة التقريرية.
فالأصل قرت عين عمرو، نقل فعل القرار إلى ما عمرو سبب فيه، نقل الفعل إلى عمرو نفسه، ثم ذكر الأصلي الذي يسند إليه الفعل في الأساس وهو العين، جعلها منصوبة على التمييز، قل كذلك كرم عمرو أصلاً، كرم أصل عمرو، حسن زيد وجهاً، حسن وجه زيد، وهكذا.
قال وأشباه ذلك مما تجد الفعل فيه منقولاً عن الشيء إلى ما ذلك الشيء من سببه، نعم، إلى الشيء الذي ذلك الشيء الفاعل الأصلي الذي هو العين من سببه؛ فالعين من سبب عمرو، كما أن الذراع من سببه، الوجه من سببه، الصدر من سببه، القدم من سببه.
قال يبدأ الشرح الآن: وذلك أنا نعلم أن اشتعل للشيب في المعنى، اشتعل للشيب في المعنى؛ يعني أصلها اشتعل شيب الرأس، وإن كان هو للرأس في اللفظ؛ يعني في اللفظ اه في الإعراب الاشتعال للرأس، الرأس فاعل، أما في المعنى الفاعل الشيب، وإن كان هو للرأس في اللفظ، كما أن طاب للنفس، وقر للعين، وتصبب للعرق، أظن صار واضحاً صح؟ وتصبب للعرق، وإن أسند إلى ما أسند إليه، وان أسند إلى ما أسند إليه؛ تمام يا أيوب؟ جميل، أسند إلى ما أسند إليه، يعني وإن أسند إلى ما الفاعل الأصلي سبب عنه.
طيب كل هذا لم يبين لماذا حصل هذا، قال: وذلك أن نعلم أن اشتعل للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ، كما أن طاب للنفس، وقر للعين، وتصبب للعرق، وإن أسند إلى ما أسند إليه، قال: يبين أن الشرف كان لأن سلك فيه هذا المسلك، وتوخي به هذا المذهب، أن تدعى هذا الطريق فيه، يقول لك: تذكرون لما قدمت لكم من مكان في وسط الكتاب: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100]، أن تترك الوجه وتعبر عن وجه آخر عن أصل المعنى ليتبين لك شرف الأول، فإذا تبين لك أنه لا شرف، أو أن الثاني كان أجود، فالأول هو النازل وهو المباشر، الآن يقول هذا هنا، ولذلك قدمت لكم بهناك بالتي كانت هناك، لماذا هي أصل لكل هذا؟
قال: ويبين أن الشرف كان لأجله، كان لأن سلك فيه هذا المسلك وتوخي به هذا المذهب، أن تدع هذا الطريق فيه، الطريق الذي جاء عليه القرآن وكلام البلغاء، وتأخذ اللفظة فتسندها إلى الشيب صريحاً، فتقول اشتعل شيب الرأس، انظر، قال صريحاً مع أن اشتعل شيب الرأس هو نفسه مجاز، لكن بالنسبة إلى الذي حصل أكثر، فتقول اشتعل شيب الرأس، يعني هذا أسلوب الذي أتى بالقرآن، الأصل فيه مع كونه مجازاً اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس، ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة؟ ثم تنظر هل تجد ذلك الحسن وتلك الفخامة، وهل ترى الروعة التي كنت تراها؟
فإن قلت: فما السبب؟ بدأنا نفهم السبب، فإن قلت: فما السبب في أن كان اشتعل إذا استعير للشيب على هذا الوجه، كان له الفضل لما بان بالمز من الوجه الآخر هذه البينونة، ولما بان بالمز من الوجه الآخر هذه البينونة؟ لماذا سقطت المزية في الوجه الآخر؟ أو ولما اختصت المزية بالوجه الآخر، ولما بان بالمز من الوجه الآخر هذه البينونة؟
قال: فإن السبب أنه يفيد مع معاني الشيب في الرأس، الذي هو أصل المعنى -أهو كلمة أصل المعنى عشان ما حدش يقول من أين أتيتم بكلمة أصل المعنى؟ أصل المعنى وهذه عبارات محدثة، هذه عبارات عبد القاهر: أصل المعنى ومحض المعنى، هذا استعمله، وكما قلت جمعت أنا هذه العبارات: أصل المعنى، ومحض المعنى، وجملة المعنى، ومحصول المعنى، والمعنى الغفل، هذه كلها تعبيرات عبد القاهر عن المعنى الأصلي المجرد من الفن-، فإن السبب أنه يفيد مع معاني الشيب في الرأس الذي هو أصل المعنى الشمول، الشمول كيف؟ وانه قد شاع فيه وأخذ في نواحيه، وأنه قد استغرقه وعم جملته، كيف؟ حتى لم يبق، كيف يا عبد القاهر؟ حتى لم يبق من السواد شيء، أو لم يبق منه إلا ما لا يعتد به، وهذا ما لا يكون إذا قيل اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس.
لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة الذي هو المعنى المجرد نفسه، حتى لو كان يعجب في نفسه يا إخوة، فلم يزد باشتعال أو النار للشيء شيئاً، لم يزد الشيء الذي نريده في النص العالي خلاص، أو الذي نتصوره في القرآن؛ يعني كلامي دارج على الشعر دائماً. فقال: لا يوجب اللفظ حينئذ أكثر من ظهوره فيه على الجملة. ووزان هذا أنك تقول؛ وزان هذا يا إخوة ركزوا في هذه الكلمة لأنها حلوة مهمة ووراءها فكرة، قال: ووزان هذا؛ يعني مثاله على ذات وزن الكلام، يعني هيئته. كما قيل في درستم في العمدة الموازنة، وهي أن تقتبس الهيئة النحوية للكلام مع تغيير الألفاظ خلاص، الموازنة كما عرفتم أن تقتبس الهيئة النحوية للكلام كما هي مع تغيير الألفاظ فقط أو ما حوته من المعاني. فتأخذ القوالب النحوية، وعبد القاهر هنا قال: ووزان ذلك، تجنباً أن يقول المثل في القرآن، قال: وزانه فقط، وزانه النحوي ولم يقل مثله، لم يقل ومثله أو ومثله؛ فتجنب أن يذكر المثل مع القرآن وهذا من دقائق الأدب، لم يقل ومثل الذي في القرآن، قال: وزانه يعني النحو.
أؤكد لكم هذا ما عرفتموه من الموازنة التي هي اقتباس هيئة التركيب النحوي، وعادي تتفق هيئات التركيب النحوي، مع أقول لك شيئاً: ائتِ بكتاب هكذا بأوراق كثيرة واكتب وزان القرآن من أوله إلى آخره خلاص، واذهب بها إلى الكنيف أنت وهي، اكتب الوزان كاملاً، الهيئة النحوية ستخرج بكلام فارغ مثل عقل الذي حثك على هذا الخرف. وهذا يؤكد لكم ما قررته لكم مراراً وأكدت في المجالس الماضية، وهو أن -وألححت عليه في تقريري- أن النظم هو مجموع اللفظ والمعاني، مجموع النحو والتركيب والمعاني، مجموع الوزن النحوي والمعاني، وليس الوزن النحوي فقط. رأيتم الكلام؟ الوزان لا يجعلك تحاكي الكلام؛ لأن النظم مجموع الهيئة مع العلاقات، بل العلاقات هي التي صنعت الهيئة النحوية. العلاقات بوقوعها في النفس هي التي جلبت العلاقات النحوية، نحن نفسر عن طريق العلاقات النحوية، لكن خلق العلاقات النحوية صورة تعلقات المعاني ببعضها في النفس، وكون بعضها بسبب من بعض؛ هذا ما أدى في الصناعة الشعرية أو النصية الأدبية إلى وجود الهيئة النحوية. فخذ الهيئة النحوية دون أن تنطلق من العلاقات المعنوية لم تأتِ بشيء يظل فيك، فالنظم مجموع الوزن النحوي والمعاني الجزئية الخاصة للشاعر. فالنظم لا يطلق إلا على نص بعينه بمعانيه وتعلقاته وهيئاته النحوية وصور هذه التعلقات، وأنت تفسره من جهة النحو، لكن يُخلق من جهة المعنى.
ولذلك الشاعر وهو يصنع لحظة تولد المعنى لا تكون عينه على الهيئة النحوية، بل على الجواز، فإذا راجع شعره سواء في الأثناء بعد الخلق بلحظة أو بعد تمام الكلام هو يكون متلبساً بحالة أخرى، هي حالة التي زل على النص من جهة الهيئة النحوية للمراجعة، أما لحظة الإبداع لحظة تولد يغفل بها عن، أو لا يكون منتبهاً فيها إلا إلى روح العلاقة الإبداعية، ذهنه مشغول عن العلاقة النحوية، ولكنه يأتي بالعلاقة النحوية ثم يحاكم الكلام إلى العلاقة، أو يحكم في الكلام بالرجوع وبمقابل العلاقة النحوية. كلام خطير انتبهوا إليه، قال: ووزان هذا أنك تقول: اشتعل البيت ناراً، أعوذ بالله! "جاي مع غزة" الله أكبر، اشتعل البيت ناراً؛ فيكون المعنى أن النار قد وقعت فيه وقوع الشمول، وأنها قد استولت عليه وأخذت من طرفيه ووسطه. وتقول: اشتعلت النار في البيت؛ فلا يفيد ذلك بل لا يقتضي أكثر، هو يشرح كيف لكن أيضاً سأوضح كيف، بل لا يقتضي أكثر من وقوعها فيه وإصابتها جانباً منه، فأما الشمول وأن تكون قد استولت على البيت وابتز، فلا يعقل من اللفظ ألبتة، يعني لا تعقل من ذات ألفاظ العبارة، بل من ترتيب العبارة، ليس من ذات اللفظة المستعارة. والسبب في ذلك أيها الإخوة ها هو ما قاله قبل قليل لما قال: الشيب من سبب الرأس، الرأس أشمل من الشيب.
طب تعال أشرحها لك، يعني فوق ما ذكره عبد القاهر حتى تفهم، هو قال شرحها إلى حد قال لا تفيد الشمول، تعالوا الآن نفهم أولاً كيف أفادت الشمول وثانياً لماذا لم أفهمها على الشمول كاملة؟ مرة أخرى: كيف أفادت الشمول؟ ولماذا لم أفهمها على حقيقة الشمول وفهمتها في الشيب فقط؟ أولاً: من أين أفادت الشمول؟ لو قال اشتعل، لو كان النص اشتعل شيب الرأس، فكما قال عبد القاهر سيصدق على البعض وعلى الأكثر وعلى كذا، وسيصدقون على الرأس شيباً، اشتعل الرأس شيباً، فالرأس من سببه، ها كلمة من سببه التي كررها كثيراً وكررنا من سببه الشيب، فلما يقول الرأس الذي هو منه الشيب والجبهة والوجه واللحيتين وكل شيء، لما أقول اشتعل الرأس؛ فأنت الآن ستبدأ في تعميم الاشتعال على الرأس، فقال شيباً؛ فاقتصرت على موضع الشيب وأخذت من التعميم أنك أخذت كل الشيب؛ لأنك أخذت من الشمول، أخذت من المبالغة باشتعال الرأس الكثرة التي عمت الشيب كله. فستسمع لما قال شيبة ستمحو كل شيء لا يصح أن يكون داخلاً في التمييز، وستبقي من هذا الاشتعال المبالغ فيه كل ما يصلح أن يشتعل، وهو كل الشيب، ولهذا قال: وأما المنصوب فستأخذ منه أن الفعل مسند إليه، فاستفدت الشمول في كل الشيب. إذاً، إذا جئتها مباشرة، جئت البيت من بابه وقلت اشتعل شيب الرأس؛ خلاص اشتعل في خطين بيض هنا كذا ماشي في شوية، إنما اشتعل الرأس، ينهر الرأس شيبة؛ يبقى أنت ستبقي كل الاشتعال في الشيب الذي يجعلك تقرب من اشتعل الرأس، فتحس أنه مجاز داخل المجاز، وتركيب المجازين بهذه الطريقة في النظم وليس في عين المجاز، كما أن بوجوه كالدنانير، جار ومجرور وجار ومجرور، هذا التشبيه، هذا التشبيه دخل في ماذا؟ رأى في الاستعارة نفسها، فالفكر بتداخل الاستعارات والتشبيهات والأوصاف والتقديم والتأخير كل هذا هو النظم.
ونظير هذا التنزيل ونظير هذا في التنزيل قوله عز وجل: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12]، التفجير للعيون في المعنى يعني الذي حصل في المعنى لا في الإسناد النحوي للعيون، وأوقع على الأرض في اللفظ كما اشتعل الرأس شيباً، كما أسند هناك الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك من معنى الشمول هاهنا مثل الذي حصل هناك، جميل! وذلك أنه قد أفاد أن الأرض قد كانت صارت عيوناً كلها، وأن الماء قد كان يفور من كل مكان منها، ولو أجري اللفظ على ظاهره -فاكرين هناك الاحتمال هذا الاحتمال ها ما يحتمله الكلام يعني من التعبير- ولو أجري اللفظ على ظاهره فقيل: وفجرنا عيون الأرض أو العيون في الأرض، وفجرنا عيون الأرض أو وفجرنا العيون في الأرض؛ لم يفد ذلك ولم يدل عليه يعني ذلك الشمول، وأن الأرض صارت كأنها عيون، لم يفد ذلك ولم يدل عليه، ولا كان المفهوم منه أن الماء قد كان فار من عيون متفرقة في الأرض وتجس من أماكن منها. طيب هنا يا إخوة سؤال، يأتي شخص متذلل متحذلق ويقول لك: وماذا لو قلنا وفجرنا عيون الأرض كلها؟ قلنا: طيب، وهذا الكل ما هو؟
قد نتصور أن الأرض فيها ثلاث عيون فقط، لم يفد شيئاً، طيب احكِ بقى في المحكي يا أستاذ! قل ها أو مثلاً يقول وفجرنا الأرض كلها عيوناً، ها ما رأيكم في هذا؟ يقول لك طيب لا تعال على الصيغة الأخرى: فجرنا العيون في الأرض، وفجرنا العيون في الأرض كلها، أو وفجرنا الأرض كلها بالعيون؛ ما رأيك فجرنا الأرض كلها بالعيون؟ إذاً صار غرضاً آخر في الكلام، صار هذا غرضاً آخر في الكلام، أنت تتكلم عن الأرض كلها أنك فجرتها، لا ندري ما العيون فيها، لن تعبر عنها هذه الصيغة إلا بكلام طويل ساق بلاغياً يفتقد أقل شيء إلى ركن الاختصار، وفجرنا الأرض بالعيون وقد كانت العيون تملأ الأرض كلها، وقلاً بلا يا أخي! وفجرنا الأرض عيوناً يا مغفل، وفجرنا الأرض عيوناً، قل وفجرنا الأرض بالعيون التي كانت تملأ الأرض كلها وكان الأرض عيون وليست هناك أرض، وفجرنا الأرض عيوناً، شفت وفجرنا شفت حلاوتها بعد السخف، وفجرنا الأرض عيوناً، وأنا بتعصب على مين مش عارف أنا، بتخيل دائماً عدو بتكلم مع معرفش فيه إيه، سامح الله المتكلمين.
واعلم أن في الآية الأولى شيئاً آخر من جنس النظم، يعني فائدة حاصلة بسبب النظم في الآية اشتعل الرأس خلاص، لا بسبب الألفاظ ولا أصل المعنى؛ ماذا تقول يا اه لا مش بلوم عبد القاهر، العصيبة! واعلم أن في الآية الأولى شيئاً آخر من جنس النظم وهو تعريف الرأس بالألف واللام، يا سلام! تعريف الرأس بالألف واللام ها وهو تعريف الرأس بالألف واللام وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة؛ استن بس وإفادة معنى الإضافة من غير إضافة، وهو أحد ما أوجب المزية، ولو قيل واشتعل رأسي بالإضافة، طبعاً المعنيان صحيحان، ولو قيل واشتعل رأسي فصرح بالإضافة، لذهب بعض الحسن. فعرفه؛ يعني يقول مثلاً كالذي عند امرئ القيس: ففاضت دموع العين، فجاء بالعين بالألف واللام مكان الإضافة مكان التعريف بالإضافة. اه لما قال دموع العين، ما الحسن الذي أضافه؟ الكلام هنا أن عرف العين بالإضافة بالألف واللام ولم يعرفها بالإضافة، لم يقل دموع عيني، ما الحسن الذي ذهب؟ هو ذلك الإغلاق، ذلك الرفع للمكان والاحتفاء بالعين، حتى أنه صار يقول إنها العين إذا أطلقت العين فهي هذه. ومثلها في قول امرئ كذلك: أغرك مني أن حبك قاتلي، وأنك مهما تأمري القلب تفعلي، لم يقل تأمري قلبك تفعلي، والمعنى صحيح وواحد في الأصل، المعنى في الأصل صحيح وواحد، لكن وأنك مهما تأمري القلب هذا القلب هنا معنى آخر، وهو ماذا؟ هذا القلب الذي عرفه بالألف واللام هذا القلب تستشف منه القسوة، هذا القلب الذي امتثل لك وتأمر منه.
وكذلك مثلاً قوله: كنانة بانت وفي الصدر ودها، لم يقل وفي صدري ودها، وفي الصدر لأن الألف واللام هذا التعريف في هذا العهد يشير به إلى أن الصدر هو الذي يحوي أو الذي يحتبس فيه الود ولا يخرج، وفي الصدر الصدر الذي تعرفونه الذي يحوي، ولذلك قدم الجار والمجرور على اللذان هما الخبر على المبتدأ، لأن أصل الكلام وودها في الصدر، قال وفي الصدر ودها، تخيلوا يا إخوة، الصدر يعني تشعر كده بريح الجنس، ريح الصدور جميعاً، في الصدر الذي لم يقل في صدري بل في الصدر الذي يحتفظ بذلك. أذكر أيضاً بيتاً لي فيه هذه النكتة، بيت مفرد، قلت لا تهجري عاشقاً صحت صبابته، لأن البعض ناقشني في سبب الألف واللام، لا تهجري عاشقاً صحت صبابته، فهو الحبيب وإن زلت به قدمه؛ يعتذر إليها عن أنها أنه يعني فيه صبابة ومتفرق الهوى وكذا لا، فهجرته لأجل ذلك؛ فيقول لها لا تهجري عاشقاً صحت صبابته فهو الحبيب وإن زلت به قدمه. أحد الإخوة مال على الفيسبوك يقول: أظنني بدأت أفهم الشعر، أنت تقول فهو الحبيب، يعني الحبيب الحق، يعني الحبيب الذي هو دوناً عن كل الأحباب الآخرين هو الصواب، وقلت له ليه؟ هي مشاعة هي دكان هناك حبيب حق بالباطل وحبيب حق، فهو الحبيب يعني هو حبيبك؛ لأن المرأة تتوحد في الحبيب، فهو الحبيب وإن زلت به قدمه، قد تقول الكلام هنا على الكمال، كما هذا هو الشعر الشاعر أو فلان هو الشاعر من باب الكمال، أقول هنا لا يتوجه، لماذا لماذا المقام في الأصل يصح فهو الحبيب، لكن أنت لما قلت عاشقاً صحت صبابته أنت تقصد أن ذلك في حقها ومقام الكلام مقام الكلام في سبيل تخصيصها، فهو هو الحبيب يعني هو حبيبك وإن زلت به قدمه، فكذلك من هذا الباب والله تعالى أعلم.
قال فصرح، إذاً قال واشتعل رأسي فصرح بالإضافة لذهب بعض الحسن، شرحت لكم بعض وجوه الحسن لم يذكرها عبد القاهر، فاعرفه كما في دموع العين وفي الصدر ودها، وتأمري القلب تفعلي، وكذلك فهو الحبيب نعم.
قال وأنا أكتب لك شيئاً سلام على الإخلاص في العلم وأنا أكتب لك شيئاً مما سبيل الاستعارة فيه هذا السبيل، ليستحم هذا الباب في نفسك وأنا أكتب لك شيئاً مما سبيل الاستعارة فيه هذا السبيل ليستحم هذا الباب في نفسك ولتأنس به، فمن جيد ذلك قول بعض الأعراب: الليل داجن كنف جلبابه، والبين محجور على غرابه، ما هذا البحر يا إخوة؟ الليل داجن كنف جلبابه، والبين محجور على غرابه، ما هذا البحر؟ الرجز أحسنتم. قال ليس كل ما ترى من الملاحة لأن جعل لليل جلبابه وحجر على الغراب، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى فجعل يعني هذا النص الذي تراه، ولكن في أن وضع الكلام الذي ترى، فجعل الليل مبتدأ وجعل داجن خبراً له وفعلاً لما بعده وهو الكنفان، الليل داجن كنف جلبابه، وجعل داجن خبراً له وفعلاً لما بعده وهو الكنفان وأضاف الجلباب إلى ضمير الليل جلبابه، ولأن جعل كذلك البين مبتدأ في الشطر الثاني وأجرى محجوراً خبراً عنه، البين محجور مع كون المحجور هو الغراب، المحجور هو الغراب، لكن جعل محجوراً خبراً عن البين.
والبين محجور، قال: وأجرى محجورًا خبرًا عنه، وإن أخرج اللفظ على مفعول محجور. إذا يا إخوة، صيغ الصرف نفسها تكون في النظم أو تكون من النظم، وربما يحسن بها الكلام وحدها ولو لم يحصل في هيئة الإعراب شيء، وذلك إذا خالفت هذه الصياغات أو بهذه الصياغات الجديدة في النص خالفت ما يقتضيه التعبير عن المعنى الغفل المحض.
يعني تأتي بالكلمة لا حذف في العبارة لا حذف فيها، لا تقديم لا تأخير، لا تعريف لا تنكير، لا إسناد مجازي أو عقلي، لا مجاز إطلاقًا، ولكن تبنيها على صيغ صرفية هي على خلاف الأصل، فيحصل بذلك النظم إذا اقتضاه المقام. قال: يبين ذلك أنك لو قلت وغراب البين محجور عليه، أو قد حجر على غراب البين، لم تجد له هذه الملاحة. وكذلك لو قلت قد دجا كنف جلباب الليل، يعني حققت أصل التشبيه خلاص، قد دجا كنف جلباب الليل، لم يكن شيئًا رغم وجود الاستعارة.
سؤال الآن وأنا أجيبكم مباشرة: ما الذي يجعل الناس يظنون أن هذا أو يأتي ناتي نقرأه ويأتي مكانه إن شاء الله؟ قال: ومن النادر فيه قول المتنبي: غصب الدهر والملوك عليها فبناها في وجنة الدهر خالا. انظر إلى تعبير عبد القاهر الذي أرجأت إليه السؤال، قال: قد ترى في أول الأمر، السؤال الآن لماذا يا إخوة، لماذا لا ننتبه من أول الأمر إلى أن المزية في النظم؟ لماذا نرى في أول الأمر أن حسنه كما يقول: قد ترى في أول الأمر أن حسنه أجمع في أن جعل للدهر وجنة وجعل البينة حالا في الوجنة.
السبب أيها الإخوة هو أن المجاز تغيير ظاهر، لأن المجاز تغيير في الوضع اللغوي للكلمة، أما التركيب فهو تراكب للمعاني تخفى أسراره، ولذلك لا ترى العامة إلا الشيء الظاهر. هذا مجاز، هذا مجاز فقط، بوجوه كالدنانير وقبلها سألت عليه، آه هو سألت بيضة الخدر، آه هي بيضة الخدر، لكن استجلاء روعتها في التركيب فيه دقائق ولطائف وأسرار تنسرب في النفس دون شعور.
فأنت تروغ إلى الشيء الظاهر تعلل به الكلام، هذا هو. ولأجل أن المعنى الذي هو أصل المعنى يحصل بالنص مندمجًا مشاعًا، بل متماهيًا شريف مع أصل المعنى، فأنت هنا تحسب أن المزية ليست في النظم؛ لأن أصل المعنى يحصل ضمنًا بالتهويل مع شرف المعنى. أصل اللي بيحصل بالنظم هو المعنى الشريف، المعنى الآخر حاصل ضمنًا مش متشاف لوحده. تريد أن تراه وحده؟ عايز تشوفه لوحده؟ عبر عنه بطريقة غفل مباشرة بوجه آخر كما سماه عبد القاهر عند الكلام عن الآية التي عجلنا بها، عبر عنه بوجه مباشر. هكذا أنت ترى المعنى المجرد أسلخ من أي قيمة، لكن لو عبرت عن المعنى الشريف بنص عالٍ، انتبه، أنت لا ترى أمامك المعنى الأصلي ثم الزيادة.
هذا في التقسيم العقلي في الفهم والشرح الذي يحصل، فقط هو شرف المعنى، المعنى الشريف، المعنى الآخر هو الشريف الزائد عليه، يعني هو داخل في الداخل جوه، يعني لا تتمايز، الزوائد حاصلة في الذهن فقط، أنت لا ترى إلا الزوائد؛ لأن الآخر هو داخل في تكوينه مشاع فيه. فاهمين ولا أنا أيأس من الكلام ده؟
أحسنت يا أسامة، لحظة إدراك المعنيين واحدة، أصلاً أنت تدرك المعنى الشريف، يعني هقولك حاجة، شرف المعنى وصحته هو أنت بتدرك صحة وزيادة في لحظة الإدراك، أنت تدرك الشرف يلزم منه الصحة، انقسام تمايز الصحة عن الشرف هذا في الشرح فقط في دماغنا في الشرح وليس في لحظة التلقي. أدركوا هذا يا إخوة، انتبهوا، هو أنت لما تقول قرأ زيد القرآن، لما تقول قرأ زيد القرآن، هو أنت تتخيل أن زيدًا فاعل، أن في فاعل مرفوع ثم كون الفاعل زيدًا، تتخيل فاعل مباشر مرفوع مباشرة؟ لا، لا تتخيل قاعدة نحوية وزيادة، ذلك أنا قلت من قبل يا إخوة لا توجد قاعدة نحوية إلا في الذهن، لا توجد قاعدة نحوية لأنها تتمثل في فعل في قول، لا توجد أحكام تجويدية إلا في الذهن لأن تمثلها في الواقع في التلاوة.
قال قد ترى في أول الأمر أن حسنه أجمع في أن جعل للدهر وجنة وجعل البينة خالا في الوجنة، وليس الأمر على ذلك؛ فإن موضع الأعجوبة في أن أخرج الكلام مخرجه الذي تراه، وإن أتى بالخال منصوبًا على الحال من قوله فبناها، يعني فبناها في وجنة الدهر خالا. أفلا ترى أنك لو قلت وهي خال في وجنة الدهر، انظر هذا بنفسه سيبهر كثيرًا من أهل زماننا، هي خال في وجنة الدهر، نعم وربما يقرون به، يقرون به بأن القائل شاعر، هذا يتكرر به الذكاء والفطنة، أما الشاعرية فشيء زائد آخر، أفلا ترى أنك لو قلت وهي خال في وجنة الدهر، لوجدت الصورة غير ما ترى.
وشبيه بذلك أن ابن المعتز قال: يا مسكة العطار وخال وجه النهار، وكانت الملاحة في الإضافة بعد الإضافة، لا في استعارة لفظة الخال؛ إذ معلوم أنه لو قال يا خالا في وجه النهار، أو يا من هو خال في وجه النهار، لم يكن شيئًا، وإنما في الإضافة بعد الإضافة. ثم نبه إلى قضية الإضافة بعد الإضافة استرسل على طريقته رحمه الله ورضي عنه وجزاه خيرًا.
قال: ومن شأن هذا الضرب الذي هو تتابع الإضافات، ومن شأن هذا الضرب أن يدخله الاستكراه، قال الصاحب: إياك والإضافات المداخلة، فإن ذلك لا يحسن. وهذا يا إخوة يهدم طريقة الحداثيين؛ لأنهم يداخل حتى يلغوا، بل إنهم يداخل بين الإضافات ثم يحذفون الإضافات الوسيطة ويبقون المضاف الأول والمضاف إليه الأخير، وافهم أنت والبطن، والمعنى في بطن الشاعر وأحشاء الشاعر والمعنى في أحشاء الشاعر. فإذا اختلفت القراءات وخاف أحدهم أن يقال النص غير مبين قال تعدد القراءات، وكلكم صواب يا رجال، كيف صواب؟ وفسروا نصك فأين إبداعك؟ كيف أعرف أنا إبداعك أنت إذا كان كل واحد منهم أبدع إبداعًا جديدًا ولا يوجد ناقد ولا مفسر؟ لا يوجد ناقد ولا مفسر يوجد مبدع جديد، طب ما أنا أروح أبدع بنصي، أبدع بنصك ليه؟ لماذا آتي وأفسر نصك وأكون مبدعًا جديدًا من أبدع بنصي أنا؟
قال وذكر أنه يستعمل في الهجاء كقول القائل: يا علي بن حمزة بن عمارة، أنت والله ثلجة في خيارة، ولا شبهة في ثقل ذلك في الأكثر، ولكنه إذا سلم من الاستكراه لطف وملح، يعني تتابع الإضافات إذا سلم من الاستكراه لطف وملح. وذكر أمثلة، قال: ومما حسن فيه قول ابن المعتز أيضًا، ومما جاء منه حسنًا جميلًا قول الخالدي في صفة غلام له: ويعرف الشعر مثل معرفة وهو على أن يزيد مجتهد وصير في القريض وزان دينار المعاني الدقاق منتقد، انظر وصيفي القريض وزان دينار المعاني الدقاق منتقد. ومنه قول أبي تمام: خذ أهبة الفكر المهذب في الدجى، والليل أسود رقعة الجلباب، جميل نعم.
ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم قول المتنبي، إذا هذا حسن من النوع الثاني، ارجعوا إلى صفحة 99، قال وجملة الأمر أنها هنا كلامًا حسنه للفظ دون النظم هذا الأول، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، خلاص هذا المثال عند المتنبي الآن، والثالث قد استفاض فيه، كنا طول هذا الوقت في الثالث، طب والأول؟ طيب ما واضح كلام الجاحظ وكلام النابغة في كلامه العادي الذي لم يقصد به شيئًا، هذا النابغة أنت عايز نلعن ولا إيه؟ نلعن هذا النابغة يا رجل.
ومما أكثر الحسن فيه بسبب النظم قول المتنبي: وقيدت نفسي في ذراك محبة، ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا، الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، يريد أن ابتذال المعنى سهل علينا، انظر يريد أن ابتذال المعنى سهل علينا إدراك أن الفضل حاصل بالنظم؛ لأن التقييد هنا هذه استعارة، فالفضل هنا حاصل بالنظم، وإدراكه سهل؛ لأن العسر كل العسر يا إخوة على المبتدئ في إدراك أن الفضل للنظم كذلك، بل هو الأساس كما صرح في غير موضع من الكتاب قبل هذا وبعده؛ لأنه هنا لما قال الفضل للفظ يعني يوجد في ذاته لكن لا شيء بدون النظم، هو موظف في النظم وصرح بأنه لا يدرك إلا بالنظم.
أقول العسر كل العسر على المبتدئ في إدراك أن الفضل للنظم، كذلك في المعاني الجديدة المبتدعة الباهرة في ذاتها والاستعارات البعيدة الخطيرة في ذاتها والتشبيهات النادرة والإضافات الشاج، كل هذا الفضل فيه للنظم لكن يشكل على المبتدئ أو غير المنتبه لأنه يذهب إلى الظاهر ويخفى عليه المنسر الخفي، أما إذا لم يكن هناك ظاهر وكانت الألفاظ والاستعارات مبتذلة، خلاص هي اللفظ الاستعارة هنا هي اللفظ، يعني الاستعارة لغوية ليست المجاز العقلي أو الإسنادي الحكمي كما سماه، أقول هنا لما خفت هذا الجمال الذاتي للاستعارات أو الألفاظ وكانت مبتذلة شائعة، لم يجد القارئ أو المتلقي السامع للبراعة سببًا إلا ترتيب الكلام، لم يجد سببًا إلا ترتيب الكلام.
قال: وقيدت نفسي في ذراك محبة، ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا، الاستعارة في أصلها مبتذلة معروفة، فإنك ترى العامي يقول للرجل يكثر إحسانه إليه وبره له حتى يألفه ويختار المقام عنده: قد قيدني بكثرة إحسانه إلي وجميل فعله معي حتى صارت نفسي لا تطاوعني على الخروج من عنده. وانما ما ترى من الحسن بالمسلك الذي سلك في النظم والتأليف. وقد أحسن يا إخوة أخونا الشاعر المعاصر بدر الدريع جدًا في تجديد معنى القيد في الأبيات التي واصلني بها في أول تعارفنا إذ قال: حسب الكرام بأني ملء أعينكم إذا العزيز بهذا الناس قد هانا، وإن أعيش على أرض ولي عنق له بأخرى وثاق شد إحسانا، وما عجيب أبا قيس جميلكم ولا اشتياقي وما وصل لنا كان، فالقطر يحيي بلادًا ليس يعرفها، والأذن تعشق قبل العين أحيانا. فهذا الشاعر المجيد يقول وإن أعيش على أرض ولي عنق له بأخرى وثاق شد إحسانا، كان يمكن أن أقول شد عنقي بعنق آخر لأجل إحسانه وأنا بأرض وهو بأرض وهذا كلام ساقط لا اعتبار له، ولكن قال وإن أعيش وإن جعل ما بعد الواو عبارة معطوفة على ما قبلها لأنه قال حسب الكرام بأني ملء أعينكم إذا العزيز بهذا الناس قد هانا، وإن أعيش على أرض ولي عنق له بأخرى وثاق، كان يمكن أن يقول وله بأخرى وثاق، أو أن يقول وإن أعيش على أرض وقد شد عنقي بأخرى بوثاق، وأخر الوثاق والمعنى أو المجاز في الجميع واحد، لكن إن قال له بأخرى وثاق وقدم الوثاق قبل أن يذكر شأنه شد إحسانا، وإن جعل الإحسان مفسرًا للشد خلاص، جاء كالعلم أشد حال كونه للإحسان، له بأخرى وثاق شد إحسانه، فهو أحسن في تجديد هذا المعنى لله دره، وشكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد