بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله، حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، هذا هو المجلس السادس عشر من مجالسنا في شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام المبارك العظيم الشيخ أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي البلاغي رحمه الله تعالى. أعجبني كثيراً ما قلته لكم من قبل من أن الأستاذ محمود شاكر يقول: إن علمه بالبيان صقل علمه بالنحو. لا تنسوا أيها الإخوة أن الإمام عبد القاهر ثبت في الأول نظرية النظم، وقال: إن هذا هو المعيار الذي به يكون التفاضل بين كلام وكلام. ثم طرح تساؤلاً على لسان مستشكل وأقر له بذلك، وجعل الكتاب جواباً لهذا السؤال أو الاستشكال؛ قال: إذا كان الأمر يعود إلى تعلقات النحو، وكان ذلك مما هو شائع مشترك معروف بين كل العرب، فمن حيث أصل تعلقات النحو لا يتمايز الكلام عن الكلام، الكلام كله يتعلق بما أجازه العرب من هذه الوجوه، فكيف تفاضل كلام وكلام؟ وكيف بلغ هذا التفاضل أو هذا التفاوت إلى أن ارتقى جمع من الكلام إلى أن صار معجزاً وهو القرآن العظيم؟ قال: فذلك لخصائص ولطائف نحن نجتهد في بيانها في هذا الكتاب.
حتى تعلم كيف يسير الكتاب، فذكر قضية النظم وفرع عليها، وبدأ باللفظ يطلق ويراد به غيره، وكل ما فات إلى الصفحة الخامسة بعد المئة، إلى الفقرة السابعة بعد التسعين، كل ما فات كان في بيان اللفظ الذي يطلق ويراد به غيره. وقال: وذلك مجاله واسع، لكن أبرز ما فيه الاستعارة والكناية، وشرح ذلك، وهو في أثناء ذلك قال: إنما ذلك يكون بالغرض. لو قال أحدكم مثلاً: ولماذا لم يبين هذا في الأول؟ قال: إن هذا يؤم عن طريق الغرض. ثم يبدأ في الشرح، لماذا لم يجعل ذلك فصلاً مستقلاً، ويجعل كل الفصول بعد ذلك في الكتاب أمثلة له؟ لماذا لا يبين ذلك في أثناء شرح كل فصل وفي الأخير يجمل ذلك؟ أسئلة كلها منطقية، والجواب عنها منطقي كذلك.
ما قاله محمود شاكر في البداية قال: عبد القاهر كان كأنه يسابق نفسه ويسابق الزمن وهو يكتب، وكأن أحداً يلاحقه، وكأن شيئاً هناك، فجاء الكتاب غير مرتب. ثم بعد ذلك استشهد محمود شاكر بهذه البحوث أو الكتابات التي وجدت خارج الكتاب، وواضح أنها كانت تدرج في الكتاب، ملتحمة في الكتاب ليست رسائل مستقلة. قال: وهذا يشهد على أن عبد القاهر كان يؤلف هذا الكتاب بطريقة تبدو وكأنها عشوائية، أو كأنه يلاحق شيئاً من البيان أو أحد يلاحقه، وكأنه كان متسارع الذهن إلى وضع الأصول، ولو أن الزمن أمهله، أو لو أن العمر أمهله لكان قد رتب الكتاب؛ لأنه أبقى ورقات أو بحوث فصول خارج الكتاب كان سيدخلها في الكتاب، هي التي تأتي معنا في الأخير، لها تعلق بالكتاب كان سيدخلها. قال: وهذا شاهد على أن عمله في الكتاب كان لم ينتهِ بعد.
فهذا الفصل الآتي أيها الإخوة، القول في التقديم والتأخير، هنا ينتقل بكم إلى هيئة جديدة، وحال من أحوال تصرف النظم، بعد أن كان كل ما فات إنما هو في مجيء اللفظ على غير ظاهره؛ كان يقول لك: اللفظ قد يطلق ويراد به غيره، فكان تغيراً في ذات معنى اللفظة بحسب موقعها من الكلام، وجاء لك بأمثلة كثيرة على أن هذه لو وضعت هذه اللفظة المستعارة أو هذه الكناية في موضع آخر ما صلحت. فالآن يعرض تغيراً آخر، لا في ذات اللفظ وإنما في مكانها، فكان حسناً من هذه الجهة أن يردف التقديم والتأخير بالاستعارات.
انتبه حتى ذهن العلماء وهو يمشي، كما يظهر ولذلك قلت دقيقاً، يبدو أنه يأتي عشوائياً يلاحق، لكن حتى وهو كذلك هناك علة في ذهنه، لا ينتقل غالباً انتقالاً هكذا طفرة دون مناسبة، بل هناك مناسبة لو دققت، وأنت لا ترى مثل هذا في كتب البلاغة التقريرية؛ لأن الاستعارة والكناية في علوم البلاغة التقريرية في علوم البيان، أما التقديم والتأخير فباب مستقل في علوم المعاني، أما الاستعارة والكناية فباب من أبواب علوم البيان، هذا قسم وهذا قسم. في كتاب عبد القاهر أتى بهما تحت مظلة النظم. اسمع شوف العبقرية والجمال، انتبه إياك أن يقول لك أحد أن عبد القاهر اختصر علمه في علوم البلاغة التقريرية وانتهى، أو يقول لك إنه كتاب غير مرتب؛ لأنه فرق بين أن نقول إنه كتاب غير مرتب على طريقة التعليم المحضة التقعيدية التقريرية، وبين أن نقول غير مرتب على الطريقة الأدبية. هذا الكتاب البلاغة الأدبية مرتب عليها.
في اللا ترتيب الذي عند عبد القاهر فائدة، لماذا؟ أخبرني أين تأخذ هذه الفائدة؟ يأت لك بباب التقديم والتأخير بعد باب الاستعارة والكناية بجامع ماذا؟ ما العلاقة؟ والله كان هذا غالباً في عقل عبد القاهر؛ لأنه بدأ بماذا؟ بالتقديم والتأخير بعد اللفظة تطلق والمراد منها غير معناها الظاهر، ومثل لك بأبرز ذلك الاستعارة والكناية، ثم جاء لك بشيء آخر على الاختلاف تماماً، وهو أن اللفظة لا يتغير معناها، ولكن يحصل التجديد والتغيير باختلاف موقعها، فكأنه يضم لك النظم أو يغلق لك قضية النظم من ألفها إلى يائها، ويقول لك: إما أن تكون لفظة يتغير معناها بحسب الموقع، أو أن تغير في الأجرام تغييراً ظاهراً صريحاً صارخاً، تغيير سافر أن تقدم وتؤخر، خلاص هذه أظهر صور النظم وأفصحها.
أخفاها أن تغير معنى اللفظة، ومع ذلك جاء لك من هذا الجنس بالظاهر وهو الاستعارة والمجاز، لأنك سترى بين ذلك وذلك أشياء كثيرة جداً، منها اختيار بناء اللفظة إذا جاءت في موقعها النحوي، فغيرت البناء من الماضي إلى المضارع، أو ما أوقعت فيه المفعول المكان الفاعل، وبنيت لما لم يسمَّ فاعله، وقع فيه هذا وهذا. فكأنه يقول لك: إما أن تغير تغييراً صريحاً بتغيير الأماكن، أو أن تغير في معنى الكلمة بحسب موقعها، يقول لك: النظم كله بين هذين، والعمل كله في أن تغير الأماكن وفي أن تغير المعاني، إذا غيرت الأماكن غيرت المعاني. وإذا غيرت المعاني ليس داعياً إلى أن تغير الأماكن، لكن سيكون كأنك غيرت الأماكن، وتغيير اللفظة في معناها بحسب موقعها تجديد كتغيير في مكانها؛ لأنك إذا أردت أن تعبر عن ذلك بغير هذا البناء في اللفظة، ستأتي بصيغة أخرى تغير فيها الأماكن لتوازي بقدر ما تستطيع ذلك، ولن توازي، يخلق على هيئته ويؤدي وظيفته بهيئته.
ولذلك سيقولون لك ترتيبه كان عشوائياً، وقد يتأي هذا بكلام الأستاذ محمود شاكر، لكن أنا من قديم أرى في ترتيب عبد القاهر سراً وشيئاً يجعل الكتاب نعم عشوائياً من حيث كونه كتاباً أكاديمياً علمياً متونياً، ولكنه يظل ترتيباً أدبياً وراءه غاية، كما أن القصائد مشتتة متشعبة متداخلة غير بينة في حكم المتون العلمية، مستحيل، القصيدة شيء متداخل يتماهى عند أصحاب المتون. ولذلك في الأخير أقول: ما تزال كتب عبد القاهر قائمة بفائدة لا تتحقق في غيرها من كتب البلاغة التقريرية بعدها، وما زال كتاب عبد القاهر لا يغني عنهما كتاب آخر، ويظل هذان الكتابان مدرسة مستقلة، وفي بعض فائدة الكتابين تفرع البلاغة التقريرية، لكن لا يقال أنها لخصت الكتابين بحيث نفت الفائدة من أصلها، حتى أصل الفائدة لا، هناك فوائد أصول في الكتابين لن تحصلهما إلا من الكتابين. رحم الله عبد القاهر ورضي عنه وجزاه عنا خير الجزاء.
فصل القول في التقديم والتأخير. نفس الكلام يا إخوة، يقولون لك البيضاوي، تفسير البيضاوي وتفسير النسفي فرعان عن الزمخشري ولا يغنيان عن الزمخشري؛ لأنهما أيضاً إلى صورة البلاغة، عن صورة الأدب في الصورة الأولى. فصل القول في التقديم والتأخير هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية، لا يزال يفتر لك عن بديعة ويفضي بك إلى لطيفة، ولا تزال ترى شعراً يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان، يا سلام، وحول اللفظ عن مكان إلى مكان.
يقول: ولا تزال ترى شعراً يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه، ثم تنظر فتجد سبب راقك ولطف عندك، ثم تنظر فتجد سبب راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيء وحول اللفظ عن مكان إلى مكان، هو هو نفس اللفظ حول عن مكان إلى مكان. ثم يقول: واعلم أن تقديم الشيء على وجهين، واعلم أن تقديم الشيء على وجهين.
أسألكم الآن سؤالاً أختبر به يقظتكم ونحن في صدر المجلس، السؤال: لماذا ذكر التقديم دون التأخير مع كون كل منهما مقصوداً وخلاف الأصل، ويحصل هذا في وقت حصول هذا، ويلزم أحدهما عن الآخر؟ لماذا قال التقديم؟ من يعرف؟
قل يا حماري.
مولانا، لعله لأن التقديم يعني كيف أصوغها؟ يعني أقصد أن التقديم يكون فيه الفائدة ويكون فيه الشرف، يعني اللفظة التي تقدم في العادة هي التي يلتفت إليها السبب أصلاً في تغيير الجملة، والتقديم أحسنت جداً، أحسنت جداً؛ لأن التقديم هو الأصل في هذا الإجراء. أحسنت أختنا زينب، والعرب ما كانت تقدم إلا لشيء، وسيأتي كلام سيبويه في الصفحة التالية، انظر ماذا يقول، قال: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم. يعني إذا عند التقديم أنت ستكون مقدماً لتبني ما بعده عليه، والتقديم غاية وتأخير الآخر غاية، ولكن كون ذلك فرعاً وكون ذلك أصلاً، أو كون المقدم أصلاً بني عليه ما بعده هو الذي منح الفرعية للثاني، وجعل له هذا الغرض الذي هو في الحقيقة في ضمن غرض التقديم، هذا هو في ضمن غرض التقديم.
لكن لو قلت مثلاً لماذا أخر كذا؟ أنت لم تنبهني إلا إلى أنه أخر شيئاً، ولم تنبهني في المقام الأول إلى العناية بالشيء، العناية التي كانت سبباً في إهمال الثاني، وهذا الإهمال جزء من الأدب مطلوب حتى لا يشكل، يقال طيب وإذا كان يهمله ما يحذفه بالمرة وخلاص؟ لا، هو أراد أن يقول لك: أنا من غرضه جعلت هذا في المقام الثاني، جعلت هذا في المقام الثاني، واضح. فإذا قال لك: أخر كذا لأجل كذا، ترك الأصل الذي كان الفرع سبباً عنه، فأنت اهتممت للشيء فأهملت الذي يقع.
نعم، قال: واعلم أن تقديم الشيء على وجهين، ركزوا في الآتي لأن كل واحد له معيار. هو يتكلم عن متى تقول قد قدم كذا على كذا؟ لها حالان يا إخوة، لها حالان، ألخص لكم ذلك قبل البدء، لها حال داخل الكلام، يعني أنت تعلم وقوع التقديم والتأخير في نفس الكلام، وذلك حين لا يتغير الإعراب، لكن وقع التقديم والتأخير مع ثبات الإعراب. خلاص، "يضيء الفراش وجهها" أصلها "يضيء وجهها الفراش"، "أصبي على المرء عرسه" أصله "أصبي عرس المرء عليه"، لكن قال: "أصبي على المرء عرسه" فهو قدم الجار والمجرور وأخر المفعول وكان ألصق بالفعل "أصبي العرس"، خلاص، ثم يأتي بالجار والمجرور في الترتيب، لكن لم يتغير الإعراب، كذلك "يضيء الفراش وجهها" طيب.
والآخر، الآخر يكون من الخارج، يعني تأتي بشيء مرجعه في الذهن في العادي إذا عبر الإنسان عنه أن يقدم الألف على الباء، فإذا أنت تبدأ الكلام تقدم باء على ألف بالاعراب كانه الأصل، فهنا يقولون خالفت الأصل في التعبير لكن الإعراب لم يأتِ كذلك، الإعراب جاء مرتباً ترتيباً أصلياً. يقول: واعلم أن تقديم الشيء على وجهين، تقديم يقال إنه على نية التأخير، والثاني تقديم لا على نية التأخير، النية. طيب، قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100] تقديم من أي نوع من هذين النوعين؟ ها من أي نوع؟ الحمياري قال الأول، ها يا إخوة، الباقي الأول، أستاذة صفاء، أسامة الأول، ها أختنا زينب الأول تمام ما شاء الله جميل. طيب، قال: تقديم يقال إنه على نية التأخير. كلمة يقال يعني كأنها إشارة إلى أن ذلك مستعمل في كلامهم قديماً، تقديم على نية التأخير يستعمل بهذا التعبير: تقديم يقال إنه على نية التأخير، وذلك في كل شيء أقررت.
مع التقديم على حكمه؛ اجعل -مع التقديم- بين شرطتين حتى لا تفهم أن على حكمه متعلق بالتقديم، خلاص، اجعل مع التقديم بين شرطتين؛ يعني وذلك في كل شيء أقررت على حكمه مع التقديم، يعني مع وقوع التقديم، فاجعل مع التقديم على شرطتين. وهذه نصيحة أيها الإخوة في كل كتاب تقرؤونه، إذا وقع لكم نوع من الإشكال أو الألغاز ثم عنَّ لكم المعنى، يعني أو فتح عليكم بفهم صياغة الكلام، ضعوا علامات الترقيم التي تساعدكم بعد ذلك في قراءته دون إشكال ودون تعثر، هذه قاعدة اجعلوها في قراءتكم.
ضعوا علامات التعبير، يعني مثلا ربما أول مرة أنا قرأته: "وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه"؛ مع التقديم على حكمه، التقديم على الحكم! ما هذا؟ أقررته رغم التقديم على حكمه، خلاص، فوضعت "مع التقديم" بين شرطتين. أحيانا فاصلة كما وقع كثيرا في هذا الكتاب، ويأتي معنا اليوم أيضا، غالبا في كل صفحة تقريبا أو في عدة صفحات المهم تأتي فاصلة تشكل عليك، تأتي فاصلة تدمر لك السياق، لا تدري لماذا وضعت! لو حذفت الفاصلة وواصلت القراءة اتضح المعنى واستنار، فأنتم عليكم بهذا في القراءة لتسهل الكتاب بعد ذلك على أنفسكم إذا قرأتم مع أحد؛ لأن ليس معنى أنك فهمت أنك إذا أردت قراءته مرة أخرى لا تتلعثم، انتبهوا إلى هذا أيضا.
أنت ربما تقرأ الكتاب مئة مرة وأوعبته وشربته وصار في مخ عظامك، ولكن تأتي في القراءة يسبق عليك، العين تسبق عليك الرؤية، فتقرأ على غير المعنى ثم تتذكر فتصحح، فأنت أعمل القلم دائما في الكتاب ولا تتساهل في هذا، لا تتساهل في هذا، نعم إذا قرأت كتابا استعمل فيه علامات ترقيم لتسهل على نفسك أولا.
الذي كان عليه: وذلك في كل شيء أقررته مع التقديم على حكمه الذي كان عليه، وفي جنسه الذي كان فيه، كخبر المبتدأ إذا قدمته على المبتدأ، والمفعول إذا قدمته على الفاعل، كقولك: "زيدٌ منطلقٌ" أو أسف، "منطلقٌ زيدٌ"، أين الخبر هنا وأين المبتدأ؟ الخبر "منطلقٌ" مقدم، والمبتدأ "زيدٌ" مؤخر. لماذا قلت إن المبتدأ هو زيد وأن الخبر هو منطلق؟ لأنك أسندت المعنى إلى من يُسند إليه، وأنت لا تسند زيدا إلى الانطلاق، أنت لا تسند زيدا إلى الانطلاق، لا تخبر عن منطلق أنه زيد، أنت تخبر عن زيد بأنه منطلق، فتقول: منطلقٌ زيدٌ.
قال: و"ضرب عمرا زيدٌ"، معلوم أن "منطلق" و"عمرا" لم يخرجا بالتقديم عما كان عليه من كون هذا خبرا للمبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا ومنصوبا من أجله. يعني من كون هذا الذي هو ماذا؟ من كون هذا خبرا للمبتدأ ومرفوعا بذلك، وكون ذلك مفعولا، ذلك الذي هو عمرا مفعولا ومنصوبا من أجله كما يكون إذا أخرت.
نعم طيب قال: وتقديم النوع الثاني، وتقديم على نية التأخير. طبعا كلمة "من أجله" مفعولا ومنصوبا من أجله، ما معنى من أجله؟ يعني من أجل كونه مفعولا، وإن كان تقدم في الكلام.
قال: وتقديم لا على نية التأخير، ولكن على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم وتجعل له بابا غير بابه. مرة أخرى، على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم؛ يعني أنت عملك كان في المعنى قبل الصياغة وليس في الصياغة، لما جئت وقلت "زيد منطلق" فجعلتها "منطلق زيد" قدمت وأخرت وغيرت في صياغة موجودة، فعملت ذلك على نية قدمت على نية التأخير. كذلك لما قلت: "ضرب عمرا زيدٌ"، قدمت عمرا على نية التأخير، لماذا على النية؟ لأن أصل هذه الصياغة نفسها هي "ضرب زيد عمرا". أما هنا فأنت تعمل في الخارج قبل الدخول في النص على أن تنقل الشيء عن حكم إلى حكم، يعني قبل صياغة الكلام، وتجعل له بابا غير بابه، وإعرابا غير إعرابه؛ يعني جعلت له في الكلام في هذا النص على التخصيص بابا غير بابه، فأعطيته إعرابا غير إعرابه.
قال: وذلك أن تجيء إلى اسمين يحتمل كل واحد منهما أن يكون مبتدأ ويكون الآخر خبرا له، فتقدم تارة هذا على ذاك وأخرى ذاك على هذا. ومثاله ما تصنعه بـ"زيد" و"المنطلق"، حيث تقول مرة: "زيدٌ المنطلقُ"، انتبه "زيدٌ المنطلقُ" وليس منطلق، فرق، في منطلق لا يصلح أن تقول منطلق هكذا وتخبر عن ذلك أو ما سيقابلك، أن منطلق نكرة ومعنى لا يصلح أن تسند إليه لتقول زيد، وإنما تخبر عن زيد بأنه منطلق، لأنك قد يمكنك أن تعبر أو تسند في الخبر النكرة إلى المعرفة وليس العكس. قال: طبعا هناك شروط معروفة في هذا، قال: أما هنا فـ"زيدٌ" و"المنطلق"، لأن كلمة المنطلق بهذا التعريف بالالف واللام أصبحت صالحة لأن يُسند إليها ولو أسندت إليها زيدا على أنه الخبر. نعم، وذلك حين تدير الكلام على المنطلق، أنت تريد أن تبين المنطلق، يقول حيث تقول مرة: "زيدٌ المنطلقُ"، وأخرى: "المنطلقُ زيدٌ".
هل وقع سؤالنا الآن هل وقع اختلاف في الترتيب؟ يعني هل هما عبارة أصلية وأخرى فرعية؟ وقع الاختلاف في ترتيبها؛ يعني لما تسمع "المنطلق زيدٌ" تقول قدم الخبر على المبتدأ، لا، بل على الترتيب أن المنطلق مبتدأ وزيد خبر، فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكا على حكمه الذي كان عليه مع التأخير فيكون خبر مبتدأ كما كان، لا، لم يحصل هذا. يقول: فأنت في هذا لم تقدم المنطلق في العبارة الثانية على أن يكون متروكا على حكمه الذي هو أنه خبر في العبارة الأولى الذي كان عليه مع التأخير، يعني في العبارة الأولى "زيد المنطلق" فيكون خبرا مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله، يعني أنت أصلا نويت معنى آخر من الأول قبل أن تصوغ الكلام، بل على أن أنقله عن كونه خبرا إلى كونه مبتدأ، وكذلك لم تؤخر زيدا -طبعا زيد هو أوقعها هنا في الإعراب، ولك أن تقول لم تؤخر "زيدٌ" على الحكاية- خلاص على الحكاية.
فهمتم هذا يا إخوة؟ يجوز هذا وهذا، زيدا هنا ليس موجودا في الكلام، هو زيد في الموضعين مرفوع مرة بالخبر ومرة بالمبتدأ، لكن هنا أجراه على ظهر الإعراب وكان يمكن أن يأتي به حكاية أن يقول: "ولم تؤخر زيدٌ"، فهمتم؟ فالعلماء يفعلون هذا وهذا في الكلام، مرة يجرون الإعراب على ظاهره ومرة على الحكاية. نعم، ولهذا لا تقفوا لمن يرفع الأسماء يتحدث عنها في كل المواضع على الرفع لأن هذا هو الشائع الكثير، لأنه ينوي الحكاية في كثير من المواضع، ينوي الإنسان الحكاية؛ "كلمت أبا قيس فقال لي كذا كذا أبو قيس"، كأنه أوقعه في اسم العلم في موضع العلم، كأنه كله اسمه "أبو قيس" هكذا، خلاص يعني هذا يجري في ألسنة الناس كثيرا وليس مما يوقف لهم عليه أو يدقق لهم عليه، وإن كان طبعا له حكم إعراب وله كذا وكذا. نعم طيب قال: وكذلك لم تؤخر زيدا يعني في الثاني على أن يكون مبتدأ كما كان فيصير مبتدأ مؤخرا، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبرا من الأول، كما قلت لك ولخصت لك في البداية، أنت من الأول تصوغ على خلاف معهود مثلا.
وانتهينا، وبعد ذلك تأتي بالترتيب على حالته. طيب، أين يظهر هذا الكلام يا إخوة في لسان النقاد؟ في ألسنة النقاد يقول لك: "انظر، قدم كذا على كذا"، فانت تقول: أين التقديم؟ يعني ما الإعراب هو هو، وهذا إعراب للشيء في مكانه. أين إذا هذا؟ فانت ربما تقول لم؟ لا هو قال قدم؛ لأنه يقول لك كان يمكنه في العادة أن يقدم شيئا آخر أو أن يقدم هذا المؤخر.
قل يا أسامة مولانا لماذا قسم عبد القاهر هذا التقسيم؟ يعني ما الذي ينبني عليه عند الحديث عن النظم الذي ينبني على هذا التقسيم؟ أخوكم أسامة يسأل يقول: لماذا قسم عبد القاهر هذا التقسيم؟ ما الذي ينبني على هذا التقسيم؟ أولا طبعا هو لن يظهر ذلك معنى هنا شديدا، ولكن سيظهر متى أن هذا الترتيب جاء على خلاف أو هذا المعنى جاء على خلاف المعهود الذي كان سيعبر به، فداخل في النظم من هذه الجهة. ألم نقل في المرات الماضية إن النظم يشمل الصورة النحوية وترتيب المعاني في ذلك الترتيب، أو في هذه الصورة حتى المجاز، حتى المجاز؟ يعني "تعالى زيدٌ المنطلقُ"، معهود "المنطلق زيدٌ"، لو جئت وقلت ركز معي الآن: هذا مبتدأ، المنطلق مبتدأ، زيد خبر، لم يأتِ بشيء، نقول لك من قال لك لك هذا الكلام؟ لم ي... رأيتم يا إخوة الباب أوسع بكثير في النقد وفي باب النظم، نحن فقط اعتدنا أن نقف على التغيير الجرمي الظاهر. أنت ستقول هنا اسمع، أنت ستقول هنا لا، الناقد الصواب يقول له الصحيح الحق يقول له لا، تعالى كان الأصل أن يقول "زيد المنطلق" ولكنه جاء لك بما عهدته أنت غير ذلك وجاء لك به مبتدأ، مجيء المبتدأ، مجيء المعنى مبتدأ والمعهود المباشر شوف المباشر، يعني انتقلنا عن المباشر والمعهود المباشر أن يأتي به خبرا هذا من النظم.
ولذلك من أي باب ستفهم الروعة في أول شطر في معلقة امرئ القيس؟ ليس من الترتيب الصريح، بل من باب الترتيب المعهود الذي وقع فيه منا وإسناد غير معهود؛ يعني الجميع يستسهل يعني يجد سهلا الشطر الأول من معلقة امرئ القيس ويرى أنه لا شيء فيه: "قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ"، الترتيب النحوي لم يحصل فيه شيء إطلاقا، ولا ذرة، ولا يعني موضع قدم نملة لم يحصل فيه أي شيء، قف نبكي من ذكرى حبيب ومنزل، لا تقديم ولا تأخير ولا كذا ولا كذا، خلاص. ولا أقول حذف ولا إثبات؛ لأن الفراء يقول تقدير الكلام... يعني هناك طائفة من النحويين يقولون الجزم هنا لم يقع بفعل الأمر بل بفعل مقدر، البعض يقول يعبر يقول "قفا نبكي" مجزوم بفعل الأمر، وبعض الكوفيين أو الفراء يقول لا، تقدير الكلام "قف، فإن تقف نبكِ"، ليس قضيتنا الآن، لكن الترتيب في الكلام لم يحصل فيه شيء. أين وقعت البراعة؟ أنه أضمر، كتم على رأي محمود شاكر، كتم معاني كثيرة في لفظة "نبكِ"، كيف؟ لأنه قال "نبكي" وجعل البكاء حاصلا من الجميع، وجاء بالباء السببية "من ذكرى حبيب ومنزل"، وأنت لو كنت مرهف الحس كيف يبكون من حبيبته ومن ذكرياته هو وذكريات حبيبته هو، ذكريات الديار التي لحبيبته هو، يعني هو صاحب الذكريات، كيف نبكي من ذلك؟ هو كتم في هذه اللفظة، انظر هذا مثال على أنه يحصل بسبب نوع المعنى في الإسناد وليس بحركة في الإسناد.
ولذلك حذرتكم منذ وقت طويل قلت إياكم أن تظنوا أن النظم تقديم وتأخير، فتشكل هذا وجه من الوجوه يقتضيه المقام أو لا يقتضيه المقام. امرؤ القيس قال "قف نبكي من ذكرى حبيب ومنزل"، "نبكي" هذه تضمنت أنه سيبكي ويذكر الذكريات ويحكيها ويبكيه، فصاروا جميعا وقوفا باكين، قفا نقيم مناحة ومأتما على هذه الذكريات، لأنه لن يكون ذكريات إلا وماذا؟ إلا إذا حكاها لهم، وهذا ما يحتاج متذوق الشعر أن يدركه ويرهق الحس إليه بسرعة، وهو في المقام وهو يقرأ الشعر. خلاص، ولذلك التمت معها قوله "ذكرى" ولم يأتِ وليقول "لذكرى نبكي"، لـ "ذكرى" ستكون أبعد، تعرفون لماذا هنا أقف وقفة؟ إذا قال "نبكِ لذكرى" هل ابتعد عن الصواب؟ يعني خالف الصواب أم سيمشي الكلام؟ انتبهوا، تمسون الكلام مسا وتمر، لا لحظة، الكلام العالي يسمعه مرهف الحس نعم، هو لا يحتاج إلى الفجوة الفكرية والإعمال، يحتاج إلى رهافة الحس، ولهذا كما قال الجاحظ: الكلام العالي أشرف من أن يدركه كل الناس، لكن مرهف الحس يدركه من السماع الأول، العرب في الجاهلية من السماع الأول علموا... ماذا هناك؟ الصوت انقطع يا إخوة والآن؟ انقطع عند ماذا؟ عاد؟ طيب فاتكم كثير إرهاف السمع منذ قلت الفرق بين ذكرى... طيب أنا أقول ما الفرق بين ذكرى "قف نبكي من ذكرى" ونبكي "لذكرى"؟ أنا وقفت هنا يا إخوة، انظروا أنا سبب هذا الكلام أسامة أنه جرنا إلى الكلام عن الفرق بين أو الفرق بين دلالة الكلمة على ترتيب ودلالتها في ترتيب آخر، لكن بالإضافة إلى حرف آخر على الرغم من أن الترتيب لم يختلف، لأظهر لكم قيمة هذه الكلمة لما التمت مع هذا الحرف على الخصوص، طبعا كل العالم يسمع "قف نبكِ من ذكرى حبيب".
لا يوجد شيء، لا يوجد جرم واضح ظاهر تغيير حاد ممسوك، لا يوجد هذا، وأصلاً شعر امرئ القيس لا يوجد فيه هذا، لا يكثر فيه، عنده تقديم وتأخير كثير لكن لا يكثر الكثرة التي تغلب على شعره.
نكمل بعد الأذان إن شاء الله.
نرجع، كنت أقول لو أنكم نظرتم إلى أثر كلمة نبكي التي كتم فيها، معذرة، كنتم أغلقت عليكم، نعم أقول نرجع، كنت بصدد البيان عن أثر كلمة نبكي على الرغم من أنها وقعت في مكانها من غير تغيير في الترتيب ومن غير خروج عن الأصل، ولكن وقع معناها عن طريق إذا وقعت بهذا المعنى في هذا الترتيب الأصلي، أقول وقع فيها كثافة من المعنى، وكتم فيها من المعنى ما لا يشرح إلا بعبارة طويلة أو عبارتين ربما. كيف قلت نبكي؟ يعني نبكي جميعاً، ولا يتصور إسناد البكاء الحاصل من ذكرى الحبيب والمنزل إلى جميعهم؛ لأن الحبيب يتعلق بواحد منهم فقط، أحد الباكين هو الذي استوقف، والمنزل هو منزل الحبيب الذي فيه ذكريات هذا الذي استوقف، فلما قال نبكي ضمن ذلك معنى وقوفاً، معنى وقوف طويل فيه القص والحكاية والتأثير في الأصحاب حتى يصدق عليهم ما صدق عليه أنهم كون من هذه الذكرى التي للحبيب والمنزل.
طيب، قلت لكم يلتئم ذلك مع استعمال من السببية دون غير ذلك من الألفاظ، كيف؟ ماذا لو قال نبكي لذكرى حبيب ومنزله؟ سنقول ربما نعم يصح، ولكن أشعر بوجود شيء من التباين النفرة الخفيفة، الانزلاق، ركزوا معي أرهف حسكم الآن شديداً، نوع من الانزلاق بين المعنى المكتوم في نبكي الذي هو المأتم والمناحة الذي يفعل، وبين أن يكون لأجل كذا، لكن لما استعمل من التي فيها الابتداء فيها ريح الابتداء وفيها ريح التعدية، فمن أعطت طولاً للفعل، ركزوا معي، لفظ من استشعر هكذا، ما الفرق بين أبكِ لكذا وأبكِ من كذا؟ فيها معنى المجاوزة فيها التعدية فيها الابتداء، فيها أشياء هكذا فيها ريح من حروف أخرى، فيها ريح من حروف أخرى من وعن وغير عن فيها ريح هكذا، من فيها المعاني التي ذكرت في من وغير من، فيها ريح انتقال المعنى المشترك، فلان ما شأنه؟ مريض من الهموم، يعني هو يجلس وتأتيه الهموم، مريض من الهموم، حزين من الهموم، وليس حزين للهموم، شوفوا ها هو بدأتم تعبرون بما تشعرون، ها هو أختنا زينب تقول السببية، أخونا أيوب يقول أختنا زينب أيضاً تقول كأنه المجاوزة مع اللام، أخونا أيوب يقول من كأنها تفيد الاستغراق في السبب هي تفيد الطول، تفيد أنه واقف والأسباب تأتيه من الذكريات، واختنا تقول ابتداء الغاية الزمانية، شوفوا بدأتم تعبرون بفرق شعرتم به، هل شعرتم بالفرق بين نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل وبين نبكي لذكرى حبيب ومنزل؟
قلت من قبل نبكي لذكرى أنت المتحكم في البكاء، نبكي من ذكرى مع أن اللام سببية ومن سببية، لكن نبكي من أسباب البكاء تأتيك من الشيء، وهذا التئام مع ماذا؟ نبكي جميعاً ونطيل الوقوف، التئام معها ليس هذا فقط، بعد أن قال بسقط اللواء لأنها كما علقها أبو جعفر النحاس، علقها بكون المنزل يعني منزل بسقط اللواء، رجع وعلق بين الدخول فحومل بالوقوف أو البكاء، وأنا أعلقها بالوقوف؛ لأن الوقوف متكرر ليس وقوفاً ثباتاً هكذا نبكي قفاً، أي بين الدخول فحومل، وكلامي الآن على التئامها مع مدلول نبكي ومن ذكرى؛ لأنه قال بين الدخول فحومل أي قفاً بين الدخول فحومل.
طيب ما معنى بين الدخول فحومل؟ وهذا الجدال الذي وقع، الأصمعي خالف الجمهور بمناسبة وقال: لا يصح أن يقف بين كذا فكذا، كيف يجمع بين فاء التعقيب وبينه؟ كيف يجمع بين بين وفاء التعقيب؟ يقف بين كذا وكذا، لا يصح بين كذا فكذا، فالأصمعي عد الفعل واحداً ولهذا استشكل، ولهذا غير روايته، وأنبه رواية الأصمعي التي هي بين الدخول وحومل ليست رواية منقولة، وإنما تغيير منه؛ لأنه يرى أن العرب لا تقول ذلك، لكن جميع الرواة وفيهم علماء الشعر واللغة يروونها فحومل، هو علل وحومل بذلك، يعني هو لم يقل رويتها هكذا عنهم، وإنما علل وحومل الواو بأن هذا خطأ من الرواة وينبغي أن يكون بالواو لا بالفاء، وإذا رجعت إلى شرح أبي جعفر النحاس على معلقة امرئ القيس في ضمن شرحه للديوان وجدته يقول: إنما تجوز الفاء مع بين في كل شيء يتصل طرفاه بالموضع، هذا نص كلامه، قال: إنما يجوز الفاء مع بين في كل شيء يتصل طرفاه بالموضع نحو المطر والملك وما أشبههما، نقول مطرنا ما بين بغداد فالكوفة، وملكت ما بين بغداد فالكوفة، فأما ما ينقطع فلا يجوز فيه الفاء مع البين، خلاص، هذا نص كلام أبي جعفر النحاس، فمعنى قول امرئ القيس بين الدخول فحومل أي أننا سنستمر بالوقوف بين رمال الدخول فرمال حومل فتوضح فالمقراة، ولهذا قفز لك بالعبارة قال: لم يعف رسمها، والشراح يقولون الهاء الضمير في رسمها يعود على المواضع، يعني لم يعف رسم هذه المواضع الكثيرة، فانظر إلى استغراق الوقوف بين الدخول فحومل فتوضح، يعني يستغرق، يقف بين كل هذا ويقف على الآثار أو الرسم الذي لم يعف، انظر إلى استغراق ذلك مع قوله ماذا؟ مع قوله نبكي نقف مناحة من ذكرى، كيف نبقى نقف نبكي من ذكرى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة؟ يبين لك أنه بكاء على الديار وأنه مشؤوم بها.
ولهذا قال له أصحابه لما وقفوا عليه: كدين، كدين يعني كالالتزامك كعهدك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بماس، وبماس عندي لا ترتبط بجارتها، هذا معنى يفسد الكلام، وإنما بماس مرتبط بدينك؛ لأن قرب هذه الفتاة الثانية بالأولى مفهوم من جارتها، فيقولون له دينك أي فعلت نفس الشيء، نفس البكاء نفس إهلاك النفس بأم الحويرث أي بديار أم الحويرث، كدين من أم الحويرث قبلها قبل هذه مباشرة، وجارتها أي جارة أم الحويرث بماس بمكان قريب يعني كدين كبماس القريب من أم الحويرث قبلها مباشرة، وبجوار أم الحويرث، يعني تبكي نفس البكاء وكذا، هذا كله يلتئم مع المعنى المضمن في نبكي، رأيتم كيف أنني سلسلت لكم الكلام من المعنى المضمن في نبكي فقط، والتأم مع الجميع ومع المناحة ومع طول ومع كثرة الآثار ومع طول المكان الذي يبكي فيه ومع كلامهم ولومهم له ورده عليهم، وهل عند رسم دارس من معول؟
وفي الأخير ففاضت دموع العين مني صبابة على النحر حتى بل دمعي محملي، ثم هذا الفصل كله الذي هو إغراق في الحزن والبؤس والفقد يقابله بينه وبين فصل آخر تال فيه شدة اللهو وكثرة الفتيات، رأيتم كيف أنني حللت لكم إلى نبكي، وأن السر بدأ من نبكي، رأيتم هذا هو التحليل الحقيقي للقصائد، وأقول لكم من هنا يبدأ التحليل الحقيقي للقصائد وهذا هو المعنى الذي قال صديقي الدكتور عبد القدوس: لو حللنا قصائد العباسيين بهذه الطريقة أو على ما تحلل به قصائد امرئ القيس لن تصمد، لن تصمد قصائد العباسيين، نعم لأنها تبني على اطراد المناسبة العامة وعلى الملائمة المقبولة بوجه، وليس إلى هذا الحد من الذي يحتاج فيه إلى أن ترهف الحس، وما قلته لكم الآن هو طرف وأنموذج مما أرشد إليه ابن رشيق حينما قال: التفتيش والبحث يزيدان شعر امرئ القيس جلالة ويثبتان له مزية على غيره من الشعراء، لما أشار إلى أن الخلاف في تقديمه على كل الشعراء وإن كان خلافاً قليلاً، خلاف للجمهور، هو غير معتبر، أشار إلى أنه غير معتبر.
نعم، تمام يا أسامة، طيب، قال: ومثاله ما تصنعه بزيد والمنطلق، أنت تخبر هذه المرة عن المنطلق بزيد حيث تقول مرة زيد المنطلق وأخرى المنطلق زيد، فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكاً، إذاً الخلاصة يا إخوة، شيء جديد تعلمونه، وهذا السبب فيه سؤال أسامة، والحمد لله، مجرد أن يأتي الكلام على خلاف المعهود ويوضع اللفظ في غير ترتيبه النحوي الذي يأتي فيه، هنا إشارة إلى أن تقف على شرف المعنى فيه قريب منه أو من جنسه، في حيث عدم اختلاف، في حيث عدم اختلاف الترتيب، ما وقفنا عليه في نبكي، جاءت في غير موضعها، كيف نبكي وتسند البكاء إلى ضمير الجمع، نبكي نحن والبكاء في أصل الكلام يتعلق بكلامهم، فهذا يقتضي لتصحيح الكلام أن تحضر معنى آخر كتم في اللفظة، فنبكي هذه تحتها أشياء كثيرة.
نعم قال حيث تقول مرة زيد المنطلق وأخرى المنطلق زيد، فأنت في هذا لم تقدم المنطلق على أن يكون متروكاً على حكمه الذي كان عليه مع التأخير، يعني ليس على هذه النية فيكون خبر مبتدأ كما كان، بل على أن تنقله عن كونه خبراً إلى كونه مبتدأ نقلته، أين؟ خارج الكلام، نقلته خارج الكلام، وكذلك لم تؤخر زيداً على أن يكون مبتدأ كما كان، بل على أن تخرجه عن كونه مبتدأ إلى كونه خبراً، وأظهر من هذا قولنا ضربت زيداً وزيد ضربته، إياك أن يقول شخص زيد هنا انظر كيف قدم زيد، تقول له ها ها، زيد مبتدأ لم يقدم، لا هو قدم لأن الأصل ضربت زيداً، لكن لماذا أطال العبارة زيد ضربته؟
لها علة ولها مقام وغرض يقتضيها، وأظهر من هذا قولنا ضربت زيداً وزيد ضربته، لم تقدم زيداً على أن يكون مفعولاً منصوباً بالفعل كما كان، ولكن على أن ترفعه بالابتداء، وتشغل الفعل بضميره وتجعله في موضع الخبر، ها ولكن أن ترفع زيداً طبعاً زيد أيضاً على الإعراب أن ترفع زيد يعني بالابتداء خلاص، زيد وتشغل الفعل بضميره لا تقول زيداً ضربت، لا، ضربته، تشغل الفعل بضميره وتجعله في موضع الخبر له، يعني الفعل الذي شغلته بضميره تجعله في موضع الخبر له، حتى لو قلت زيداً ضربت، يقدر فيه الضمير، وإذ قد عرفت هذا التقسيم، فإني أتبعه بجملة من الشرح، إذاً الخلاصة: الفرق بينهما أنك تقيس في المعنى الأول إلى مكانه من الجملة، يعني تنظر إلى مكان الشيء في الجملة وتأخذ قياسه على حاله وتذهب به إلى مكان آخر، خلاص، فتبحث أنت إذا نظرت في العبارة وأنت تتأمل فيها وتحللها، ستقيس العبارة الحاصلة في الترتيب على ما ينبغي أن تكون عليه العبارة في النية وليس في الفعل، فتبحث عن السر في تغير المكان فقط، يعني امرؤ القيس يقول: يضيء الفراش وجهها لضجيج، أنا وقفت هنا على أن الفراش قدم فأقيسه على الأول يضيء وجهها الفراش وأبدأ في استنباط الفرق وفهم المزية التي وقعت لهذا التقديم في هذا النص بعينه، أما الثاني فأنت تقيس المعنى البلاغي إلى المعنى الحاصل الأصلي في الخارج، تقيس المعنى البلاغي إلى المعنى الحاصل الأصلي في الخارج، خلاص، يعني هناك معنى في الخارج ومعنى في الداخل.
ونظيره مثلاً في هذا بناء الأفعال على صيغة فاعل التي تسند إلى واحد في الإعراب واحد خلاص، وفي الخارج تعني وقوع الفعل من اثنين، أنت تقول ضرب زيد عمراً وضارب زيد عمراً، وقعت في المعنى الاشتراك، لكن من الفاعل في الكلام ضرب زيد عمراً؟ من الفاعل في الكلام ضرب زيد عمراً؟ ضارب زيد عمراً، من الفاعل في الكلام؟ الفاعل زيد، لكن في المعنى الضارب كلاهما والمضروب كلاهما، لأن هذه الصيغة تفيد الاشتراك.
نعم، قال: وعلى أنا لم نجدهم اعتمدوا، اسمع واعلم، أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئاً يجري مجرى الأصل، يعني المعنى الشامل والعلة الجامعة، لا يوجد شيء أصلي هكذا يقدمون لأجل كذا، كل موضع له علته غير العناية والاهتمام، الاشتراك العام، كلمة العناية والاهتمام هل هذه تجدي مع عبد القاهر؟ يقول لك لا، يقول: واعلم أنا لم نجدهم اعتمدوا فيه شيئاً يجري مجرى الأصل غير العناية والاهتمام، قال صاحب الكتاب -ما الكتاب؟ كتاب سيبويه- قال صاحب الكتاب وهو يذكر الفاعل والمفعول: كأنهم يقدمون الذي بيانه أهم لهم، وهم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعاً يهمان، ولا يذكر يقول عبد القاهر عن سيبويه ولم يذكر في ذلك مثالاً، وقال النحويون الذين عبد القاهر منهم: وقال النحويون إن معنى ذلك أنه قد يكون من أغراض الناس في فعل ما أن يقع بإنسان بعينه ولا يبالون من أوقعه، كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي، الناس قديماً كانوا يكرهون الخوارج، لا يتفاعلون معهم عادي، الآن هكذا شخص يكفر ويقول نعم نقتل المسلمين وكذا ويعيش معهم عادي، هكذا كمثل ما يعلم من حالهم في حال الخارجي يخرج فيعي ويفسد ويكثر به الأذى، أنهم يريدون قتله ولا يبالون من كان القتل منه، ولا يعنيهم منه شيء، فإذا قتل وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي فيقول: قتل الخارجي.
أو قتل الخارجي، قتل الخارجي معذرة، أنا أقول هذا لأنني سأعلق على هذا الآن. قتل الخارجي زيد؛ ها، فإذا قتل وأراد مريد الإخبار بذلك فإنه يقدم ذكر الخارجي، فيقول: قتل الخارجي زيدٌ، ولا يقول: قتل زيدٌ الخارجي؛ لأن أنّه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له زيدٌ جدوى وفائدة، فيعنيه ذكره ويهمهم، ويتصل بمسرتهم وقوع القتل بالخارجي المفسد، وأنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه. وأنا أقول هنا يا إخوة: هذا لعله مثال للتوضيح فقط، أو يقوله جرياً على طرائق الناس في قلة البلاغة في الشيء أو المعنى والوجه، وإلا فالحال التي شرحها الآن هكذا تقضي بأن يكون القول: قتل الخارجي، وذلك حتى تلقائياً أول شيء قلته: قتل الخارجي. وصلكم هذا يا إخوة؟
نعم، هو ينقل كلام النحويين ولكن الصورة المشروحة يعني هو لم يخطئه، ولذلك قلت الكلام فيه اتساع؛ لأنه إذا كان على هذا الظاهر أن القاتل له زيدٌ، أنه يعلم أن ليس للناس في أن يعلموا أن القاتل له زيدٌ جدوى وفائدة، فيعنيه ذكره ويهمهم ويتصل بمسراتهم، ويعلم من حالهم أن الذي هم متوقعون له ومتطلعون إليه، متى يكون وقوع القتل بالخارجي المفسد؟ وأنهم قد كفوا شره وتخلصوا منه، هذا يقتضي قتل الخارجي، إلا إذا أراد أن يثبت شيئاً، لكن هذا الشيء له أيضاً أهمية لم يذكرها؛ لذلك قلت هناك نوع من التوسع في العبارة، والله تعالى أعلم.
شوف، هو عقيل نفس ما قلته الآن، عقيل يقول هناك اهتمام بزيد أيضاً، لكن دون الاهتمام بالخارجي، هكذا فهمته، هكذا فهمت من الموضوع. تحاول تقريب الأمر، هل هو ظاهر في كلامه؟ إذا أراد تدقيق المسألة، يعني إذا أراد تدقيقاً في المسألة، هل سيقول لا يهمهم سوى كذا وكذا وليس هناك من جدوى وفائدة إطلاقاً؟ لا، ولهذا أنا قلت هناك توسع في العبارة، وجرى على طرائق الناس في التعبير فقط. قلت جرى على طرائق الناس، لكن لو أراد أن يدقق كما دقق في كلامه هو في الأمثلة الأخرى، لن يقول هذا؛ لأن الذي يقتضيه هذا الظاهر من التحقيق هو أن يكون ماذا: قتل الخارجي، بس، خلاص، قتل الخارجي. هذه الصورة التي وصلوا إليها: قتل الخارجي.
ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له باس ولا يقدر فيه أنه يقتل، رجل غلبان لا ينتظرون منه أن يقتل، ثم قالوا: فإن كان رجل ليس له باس ولا يقدر فيه أنه يقتل فقتل رجلاً، وأراد المخبر أن يخبر بذلك فإنه يقدم ذكر القاتل، فيقول: قتل زيدٌ الرجل. المشكلة ليست في قتل الرجل، ما كل يوم ناس تُقتل، زيدٌ قتل رجلاً، هكذا تؤدى يا إخوة: قتل زيدٌ الرجل، قتل زيدٌ الرجل، قتل زيدٌ الرجل. وذلك لأن الذي يعنيه ويعني الناس من شأن هذا القتل طرافته وموضع الندرة فيه، وبعده كان من الظن، ومعلوم أنه لم يكن نادراً وبعيداً من حيث كان واقعاً بالذي وقع به، خلاص يعني المقتول الذي وقع به الفعل وهو المقتول عادي، قتل الرجل عادي، لكن قتل زيدٌ الرجل.
هناك فيلم مصري اسمه الجزيرة، يقوم على أهل الصعيد، وتعلمون أن أهل الصعيد في مصر عندنا أكثرهم من العرب، فيهم عرب وفيهم هوارة، وهم أعلموا أنهم من الأمازيغ ليسوا من أصول عربية، ولكن هم الهواريين مثل العرب في حمية الطبع وكذا. فعلى كل حال أهل الصعيد، أشراف الصعيد الكبار الذين هم العرب والأشراف وكذا، عندهم حمية، ومصطلح الأشراف يطلق على الذين هم من آل البيت عليهم السلام. المهم، فأهل الصعيد من العرب على التخصيص فيهم حمية شديدة جداً، فهناك فيلم مصري يمثلهم شديداً، ففيه أن الكبير، كبير الجزيرة، ولى ابنه، أعطاه الولاية، فجاءوا بأحد أهل الصعيد وهو يتعجب، كيف يكون الكبير؟ تعرفون أهل الصعيد كيف يكون الكبير؟ يا أبوي ده عمره ما طخ واحد، عمره ما طخ واحد، حتى يكون الكبير.
فشوف: عمره ما طخ واحد، عمره ما قتل واحد، فكلمة واحد ذكرتني هنا بكلمة رجل، ذكرتني واحد، أي واحد، عمره ما طخ واحد، وقدموا الكلام عليه. فهذا مثله: زيدٌ قتل رجلاً. قال: ومعلوم أنه لم يكن نادراً يعني القتل، وبعيداً من حيث كان واقعاً بالذي وقع به، يعني من حيث وقوعه في رجل، قتل رجل، معلوم، ولكن من حيث كان واقعاً من الذي وقع منه الذي هو القاتل زيدٌ، كان متعجباً، خلاص يعني ليس له باس ولا يقدر فيه أنه يقتل. قال: فهذا جيد بالغ، إلا أن الشأن في أنه.. ما الذي ما الجيد البالغ هذا الذي هو ماذا يا إخوة؟ يقول: فهذا جيد بالغ، الذي هو ماذا؟ يعني الذي قاله النحاة جيد بالغ، أن يقول للأهمية وكذا، إلا أن الشأن عبد القاهر لا يقتنع بهذا، من أول الكتاب هو من أول الكتاب لا يقتنع بهذا، يقول: إلا أن الشأن في أنه، يعني الشأن الذي هو الشأن في أنه ينبغي أن يعرف في كل شيء قدم في موضع من الكلام مثل هذا المعنى، ويفسر وجه العناية فيه هذا التفسير.
يقول: هذا الكلام صحيح، لكن هل نكتفي بأن نقف على قولهم الأهمية وعلى تفسير جزء أو مثال واحد؟ لا، ينبغي أن نقف في كل موضع على هذه الأمثلة. انظر، انظر، وقد وقع في ظنون الناس، هو يقول لك الأهمية والعناية لا تكفي، التعليل بهذا لا يكفي. وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال إنه قدم للعناية ولأن ذكره أهم، ظنوا أنه يجوز. طيب ما المشكلة يا عبد القاهر؟ سيذكر لك ما هي المشكلة. المشكلة أنهم ابتدوا هذا الباب وأمثاله أصلاً من البلاغة بهذه التعليلات العامية أو العمومية المجملة، وهي عامية وعمومية؛ لأن العامي لا يتعذر عليه أن يعلل بالمعنى المجمل: قدموا للعناية، حلو، قدموا للاهتمام، ماشي، هل تشرح لي كما شرح النحاة في هذه الأمثلة؟ كما قالوا: يقدر في رجل أنه لا يقتل وليس له باس فقتل، فقدموا في الكلام وكذا، وكما شرحوا في قتل الخارجي: قتل الخارجي زيدٌ أو قتل الخارجي.
هذا هو يقول عبد القاهر: وقد وقع في ظنون الناس أنه يكفي أن يقال إنه قدم للعناية ولأن ذكره أهم، من غير أن يذكر من حين كانت تلك العناية وبما كان أهم، ولتخدمنك للاقناع بقيمة الوجه وقيمة الإجراء البلاغي لا تكفي. وخلاص، وبهذا تميز كتاب عبد القاهر، قلنا كتاب عبد القاهر ما يزال فيه من الميزات ما يتفوق به على غيره وليس أنه أولها فقط، منها مراقبة علة الانتقال من فصل إلى فصل، كما ربط لك بين الاستعارة والكناية، وبين التقديم والتأخير. وهذا في باب في العلوم وهذا في باب في علوم البلاغة، لكن الاستعارة والكناية تغيير في اللفظة وهي في مكانها بحسب موقعها، والتقديم والتأخير تغيير في اللفظة لا بحسب ذات معناها وإنما بحسب موقعها من الكلام، فأعطى لها تأثيراً ومعنى شعرياً جديداً.
كذلك هنا هو خاض بك التدريب لينشئ فيك الدرب على أن تتذوق وتحلل وتنتقل من خطوة التعليل الاهتمام والعناية، هذا التعليل المجمل إلى التعليل الخاص، هذا ما تجده عند عبد القاهر. أما إذا اكتفيت، يعني كم من إنسان درس من طلاب العلم الشرعي والمشايخ درسوا البلاغة، كلهم درسوا البلاغة، كل الجيل الذي أنا منه، كل الجيل الذي الدفعة التي أنا منها كلها درست البلاغة، كلها بلا استثناء درست البلاغة وحضرت لمشايخ يشرحون البلاغة، وفي الأخير فكره في الشعر عامي جداً، لماذا؟ اه، يقدمون للاهتمام للعناية، أي كلام، أي كلام. طيب، قال: انظر تجد مشايخ درسوا البلاغة يستهلون بالشعر، عبد القاهر يتحدث عنهم من قديم قبل قرون يقول: ولتخف بقولك قدم للعناية ولأن ذكره أهم، ولتخدمنك التأخير في نفوسهم، وهون الخطب به حتى إنك لترى أكثرهم يرى تتبعه والنظر فيه ضرباً من التكلف.
يا عم الكلام حلو وخلاص، ولم ترَ ظناً أزرى على صاحبه من هذا وشبهه، ولم ترَ ظناً أزرى على صاحبه، يعني مهين مقبح لصاحبه من هذا وشأنه، ولم ترَ ظناً أزرى على صاحبه من هذا وشبهه. وكذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار، في كل الأبواب، فجعلوا يقفون يا إخوة، طالب البلاغة التقريرية يدرسها لينتقل وليحلل وليعرف، ينبغي للأستاذ الذي يشرح له أن يقول له هذه مجرد أمثلة لا تقف عند مطلق العناية والاهتمام، لا ليذهب هذا المذهب، ولذلك بعد درسهم للبلاغة ينحط الشعر والنص العالي في عيونهم لأنهم لم يدرسوه بطريقة صحيحة.
وكذلك صنعوا في سائر الأبواب، هذا ليس كلامي، هذا كلام عبد القاهر: وكذلك صنعوا في هذه الأبواب بالضبط يا محمد، وكذلك صنعوا في سائر الأبواب، فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار والإظهار والإضمار والفصل والوصل، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه إلا نظرك فيما غيره أهم لك، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك. شوف: فجعلوا لا ينظرون في الحذف والتكرار والإظهار والإضمار والفصل والوصل، ولا في نوع من أنواع الفروق والوجوه إلا نظرك فيما غيره أهم لك، بل فيما إن لم تعلمه لم يضرك. وأنا يا إخوة ما زلت أتعجب كيف كانت هذه نظرة جمهور في القرن الخامس، يعني أهلنا معذورون، إذا أهل عصرنا قال: لا جرم، لا جرمه لا غرابة لا لا عجب، لا جرم أن ذلك قد ذهب بهم عن معرفة البلاغة، ومنعهم أن يعرفوا مقاديرها وصد بأوجه، إيه ده؟ مع أنه علم مجمل بس مجمل لا يكفي، وصد بأوجه عن الجهة التي هي فيها والشق الذي يحويها.
ولهذا يا إخوة ينبغي على الدارس الواعي ألا ينبهر بكل ما هو من الماضي وألا يظن أن كل من تقدم هو عالم، خلاص، هذه صورة طفولية جداً مستحكمة فينا للأسف الشديد، صورة مستحكمة فينا: كل من تقدم عالم، لا والله، تقابل فيلسوفاً ولا يعرف الفروق بين إن زيد منطلق، وزيد منطلق، وزيد والله المنطلق، لا يعرف الفروق، وليت شعري، بل تقابل مشايخ، بل تقابل نحاة، وعبد القاهر نعى على كل هؤلاء الذين يقفون عند هذا أو لا يعلمون أصلاً. قال انظر هنا موعظة الجرجاني، موعظة عبد القاهر لمن يهونون شأن أحوال النظم التي بها جودته، لك أن تقول جودته ولك أن تقول جودته بفتح الجيم وضمها، وليت شعري.
وليت شعري، إن كانت هذه أموراً هينة، اه يا أبو قيس، أنت واخد الشعر على صدرك ليه؟ بتقعد بالأيام في بيت، تقعد بالسنين في قصيدة، يقال لي هذا والله قيلت لي من أستاذ جامعي في جامعة مرموقة، يا أبو قيس أنت واخد الشعر على صدرك، يعني كلمة على صدرك في مصر تعني أنك مهتم به، حطه على رأسك، مهتم اهتماماً كبيراً والأمر لا يستحق، عندنا في العامية نقول هكذا، نقول يا فلان ما تخدش الموضوع على صدرك، ذهبت مثلاً إلى موظف عام في مؤسسة حكومية وعاملني معاملة سيئة، فصديق يقول: ما تخدش الموضوع على صدرك، يعني هو لا يقصدك، خلقه هكذا مع كل الناس، لا تأخذه محمل شخصي، لو جاءه أي أحد هو في هذا اليوم عامل مية مواطن بهذه الطريقة، فما تخدش الموضوع على صدرك، ما تنتقم، هو عاملك مش لوحدك يعني هو لا يخصك، فما تخدش الموضوع على صدرك، يعني ما تهتمش، ما تاخدش أنه شيء كبير عظيم.
فكذلك هنا كان يقال، أحدهم قال لي: والله أنت ليه واخد الشعر على صدرك يا أبوق؟ مش واخده على صدري، هو على صدري فعلاً، أصلاً مكانه أن يكون على صدري وعلى رأسي، وليس أنني أخذته على صدري، ومكانه في موضع آخر، لا هو على صدري فعلاً، مكانه على صدر الأمة كلها وعلى رأسها. عبد القاهر: وليت شعري، طبعاً تعلمون أسلوب وليت شعري، ها، وليت شعري هذا أسلوب من أساليب العرب، يقول وليت شعري يعني ليت علمي حاضر، ليت شعري أي ليت علمي، والشعر هو العلم ولكنّه بالأشياء الخفية الدقيقة، ليت شعري يعني ليت علمي حاضر. ثم إن كانت كذا وكذا، تعلمون الشاعر لما قال: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة، يعني ألا ليت علمي حاضر، هنا الخبر محذوف: ألا ليت شعري، ألا ليت علمي، ألا ليت علمي حاضر بكذا وكذا.
نعم، كذلك هنا ليت شعري، يعني ليت علمي حاضر متحقق، بماذا؟ إن كانت هذه أموراً هينة وكان المدى فيها قريباً والجدى يسيراً، من أين كان نظم أشرف من نظم؟ تفضل يا فوتنا سطرين والله اه، اه معذرة أنا آسف فوتّ سطرين. نعم قال: والمداخل التي تدخل منها الآفة على الناس في شأن العلم ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصد عن طلبه وإحراز فضيلته كثيرة، وهذه من أعجبها إن وجدت.
متعجبا، القاهر كان يائسا من عصره، قد رحمه الله من عصرنا، رحمه الله من رؤية عصرنا. قال: والمداخل التي تدخل منها الآفة، شوف اعتبر التقصير في العلم من أفعال الشيطان، واعتبر الشبهات في الاستهانة بأمر التفصيل في العلم، اعتبر ذلك مداخل الشيطان وخطوات الشيطان.
شوف يا أخي أدب أخينا أسامة، قال مولانا: كانك، أو الحميري كلاهما قال كانك، وأسامة يقول كانكم. رايتم كانك هذه؟ هذان يدرسان على مؤدبين نعم، قال: اعرف هذه، رضي الله عنكم، اعرف هذه الطريقة أنا، قطعًا فوته، ليس كأني، أنا قطعًا فوته، ولا حتى تجيء الاستعارة، يجدي الوصف بالأخبار المباشر مبتدأ وخبرًا، أنت فوتت.
وليت شعري، قال: والمداخل التي تدخل منها الآفة على الناس في شأن العلم، ويبلغ الشيطان مراده منهم في الصد عن طلبه وإحراز فضيلته كثيرة، وهذه من أعجبها، أن وجدت متعجبًا، يعني يا رب تجد متعجبًا، وليت شعري، ليت علمي حاضر، وليت شعري إن كانت هذه أمورًا هينة، وكان المدى فيها قريبًا، والجدى -الجدى يعني النفع- يسيرًا، من أين كان نظم أشرف من نظم؟ وبما عظم التفاوت واشتد التباين، وترقى الأمر إلى الإعجاز، وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة؟ طبعًا من الجبابرة الفحول من الشعراء هم الجبابرة، هنا يمكن أن نصنف هذه الطبقة في الفحول الجبابرة الذين أعجزهم القرآن، الجبابرة، وإلى أن يقهر أعناق الجبابرة، أوها هنا انتبهوا، لا تفصله، أوها هنا لا، أوها هنا لأنه فصل، هنا الذي صف الكتاب صنع مسافة بين الواو والهاء، والصواب أن تكون منحوتة كلمة واحدة، أوها هنا أوها هنا نعم، فلا تفصل، يعني إذا قلت لشخص أتذهبين، الهمزة وتذهب الفعل لا، أو وها هنا أمور أخرى نحيل في المزية عليها، ونجعل الإعجاز كان بها، فتكون تلك الحوالة لنا عذرًا في ترك النظر في هذه التي معنا، والإعراض عنها، وقلة المبالاة بها.
أوليس هذا التهاون أيضًا -أوليس كلمة واحدة منحوتة كلمة واحدة- أوليس، اصنعوا هكذا سهمًا تحت الواو صغيرًا، وسهمًا تحت اللام صغيرًا، السهم تحت الواو يتحرك من اليمين إلى اليسار، والسهم تحت اللام من اليسار إلى اليمين، اجعلوا هذه إشارة إلى أنه ينبغي أن يحذف هذا الفراغ نعم، أوليس هذا التهاون أن نظر العاقل خيانة منه لعقله ودينه؟ يقول لك أبو قيس حد في ألفاظه، أها هذا عبد القاهر في نفس الأبواب التي نتكلم فيها، ونقول ينبغي أن نكون فيها على منهج العرب والعلم، أوليس هذا التهاون أن نظر العاقل خيانة منه لعقله ودينه ودخولًا؟
هذا كلام يزري بصاحبه، وكذلك تجد إمامًا فقيهًا كذا كذا كذا، ثم يأتي عند الفقه، يأتي عند فقه الشعر، ويأتي عند النقد وكذا والمعرفة بالشعراء وبالشعر عاميًا، تراه عاميًا. يحكي لي اليوم، اليوم كان هناك نقاش بيني وبين الحبيب الصديق الدكتور عبد القدوس، فيحكي لي عن والده رحمه الله الذي تلقى العلم على المدرسة الشامية في دمشق، يعني ذهب إليها وتلقى على أهلها وكذا وكذا، فيقول: كانت لهم عناية بالشعر وكذا، يقول لكن وجد عنايتهم أكثر بالمتنبي، وقال: وجدهم عاكفين مدمنين لشعر المتنبي، فقال لهم: نعم المتنبي شاعر فحل، ولكن أين أنتم من القدماء؟ أين أنتم من الإسلاميين؟ بل ماذا يكون المتنبي في الجاهليين أصلاً؟
يقول لي اليوم، اليوم يا إخوة، يقول لي الشيخ عبد القدوس القضاة: وكانوا يتعجبون منه جدًا ويستنكرون هذا الكلام، كيف هذا؟ هم العلماء الكبار الذين جمع منهم من الأزهر وعلى المنهج الأزهري الأصيل، ويمكث بالأيام في دراسة المتون ويواصلون الدراسة وكذا، هذا الجيل الشامي المعروف في دمشق، أعاد الله إلى سابق عهدها آمين، تعرفون هذه المدرسة، مدرسة الشيخ حسن حبنكة الميداني في الغوطة دمشق، ومنهم الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني الذي وضع تفسيره "معارج التدبر" تقريبًا. فالمهم يقول ويحكي يقول: وجد أبي الشيخ محمد علي سلمان القضاة، يقول وجدهم عاكفين على المتنبي، فاستغربوا منه في الأول لما يدعوهم إلى شعر أوسع وأنه كذا، والشيخ رحمه الله كانت له نظرات في الشعر والأدب، حتى له كلمات يقول: لم يقترب الشعراء من عرش امرئ القيس، وليس فقط أنهم لم يهزوه، هم لم يلمسوا العرش أصلاً، وكذلك يقول المراتب أو المراحل، الطبقات العشر بعد امرئ القيس محجوبة، يعني أول واحد يأتي بعد امرئ القيس بعده بعشر طبقات، فيقول المراتب التي بعده هناك عشر مراتب بين امرئ القيس ومن يليه محجوبة. ويقول الذي يقارن المتنبي بامرئ القيس هو تمامًا كالذي يقارن نزار قباني بالمتنبي، يقول إذا استنكرت الموازنة بين نزار قباني والمتنبي، فهذا بالضبط الاستنكار الذي ينبغي أن يكون لو وازنت بين المتنبي وامرئ القيس، ويقولون المسافة بين المتنبي وامرئ القيس كالمسافة التي بين نزار قباني والمتنبي، فهذا كله يدل على معرفة وكذا، لكن انظروا، أنا الآن في عندي في زملائي من الأزهر الذين كانوا زملائي في طلب العلم الشرعي وكذا، نظرتهم إلى الأدب والشعر والنقد عامية جدًا جدًا، لا تختلف عن كلام رجل الشارع.
قال: انظر هذه خطيرة، يقول لك هذا يزري بالإنسان، هذا يحط منه يحط منه نعم. قال: أوليس هذا التهاون أن نظر العاقل خيانة منه لعقله ودينه ودخولًا؟ وهل يكون أضعف رأيًا وأبعد من حسن التدبر منك إذا أهمك أن تعرف الوجوه في "أأنذرتهم"، والإمالة في "رأى القمر"، وتعرف الصراط والزراق، طبعًا وجوه القراءات وأشباه ذلك، مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت؟ ماذا تقول "أأنذرتهم"؟ نعم، في تسهيل الهمزات مفهوم، وفي "رأى القمر" فيها وجهان صح، "رأى القمر" فيها وجهان غير الفتح الاعتدال صحيح، فيها الإمالة والتقليل نعم، فيها الفتح الذي هو الاعتدال والإمالة والتقليل، وهذه مشكلة في الإمالة التقليل فيها صعبة، نعم، في الوقف والتقليل فيها صعب، أليس كذلك؟ التقليل فيها صعب، ليس الإمالة، الإمالة أسهل، لكن الصعب فيها التقليل، أذكر أنني وقفت عندها لما كنت أتلقى القراءات، وأخذت أسمع فيها إلى الشيخ عبد الرشيد صوفي، ولا أذكر إذا كان أتقنها، هذا كان منذ 15 عامًا، أذكر غالب ظني أنني استمعت فيها إلى الشيخ عبد الرشيد صوفي ولم يتقنها، لم يأت بها على وجهها، ضبطها الشيخ عبد الرشيد صوفي؟ ضبطها يعني ضبطها بعد ذلك، أم هو يضبطها من الأول في التقليل؟ ضبطها.
أه، تفضلي تفضلي كما تشائين، هي مسألة التقليل أصلاً فيها مذاهب، في بعض المدارس تجعل التقليل يجنح أو يقترب من الفتح، وبعضهم يجعله يقترب من الإمالة أكثر، يعني مثلاً كلمة مثل "رأى"، مثلاً في التقليل "رأى" أو "رأى"، أقرب إلى هذا أو إلى ذاك، فهي فيها أصلاً مذاهب، فالمدارس كلها مقروء بها صحيحة، ولكن ضبط التقليل أصعب وأعسر من ضبط الإمالة؛ لأن الإمالة هي منتهى النحو بالألف نحو الياء أو الاقتراب منها، أما التقليل فهي بين البينين، فعشان كده هي صعبة الضبط. أيوه هذا الموضع أنا أذكره يعني لعلي أذكره أنه أصعب المواضع التي قابلتني في القراءات أو من أصعبها على الأقل.
صح، هو في مسألة أنا أقصد هذا الوجوه في هذا الموضع، نعم نعم، في بقى في الاختلاسات بقى حاجات كلمات معينة برضه فيها نسبة صعوبة في الأداء، زي "يخصمون" و"نعم ما يعظكم" وكده، لا نعم دي هذه أصعبها على الإطلاق، أنا أذكر هذه أصعبها على الإطلاق صح، صحيح نعم تشعرين كأن فيه في وقف ولا وقف، نعم لأن فيه التقاء ساكنين، نعم، "ما يعظكم" بالإسكان، و"نعم" بالاختلاس صح صحيح. فيه بقى أصعب منها في قراءة ورش من طريق الأزرق، اللي هي "يخصمون" بالسكون، وكذلك "وقيل لهم لا تعدوا في السبت" بسكون العين مع تشديد الدال بعدها، فكل دي مواضع صعبة، لا تعدوا في السبت، لا تعدوا في السبت لا تعدوا، يعني نحتاج إلى أن نسكن العين وأن نأتي بالشدة في الدال، نعم يعني أيضًا التقاء الساكنين، الدال الأول مع العين، نعم ما هي دي تعتبر أصعب موضع من ناحية الأداء، لكن غير كده المسائل إن شاء الله سهلة.
ما شاء الله رضي الله عنك، هذه المواضع التي تدخل فيما يعرف بالفرش ليس الأصول. نعم الله المعينة الاختبار يا إخوة، دائمًا يختبر طالب القراءات بالفرش وليس بالأصول، الأصول يعني الكلمة في هذه القراءة مضطردة على طول المصحف باستثناء ممكن موضع، لكن على كل هي مضطردة على هذا النطق زي "البيوت" و"البيوت"، "العيون" و"العيون"، فتراها في قراءة هكذا وفي قراءة هكذا خلاص، إنما المشكلة في المواضع التي فيها أحكام خاصة تخصها، ثم تتفاوت في صعوبتها وسهولتها، في مواطن تحتاج فقط إلى ضبط الموضع زي "يجمعون وتجمع"، "يعلمون وتعلمون"، وفي مواضع تحتاج أصلاً إلى النطق كهذه المواضع. نعم هي لهجات عرب، كلها لهجات عرب طبعًا، ولذلك أنا يعني بخلاف تلقي القراءات لا يحتاج الإنسان الذي ضرب لسانه على قراءة أن يتبنى قراءة، لا سيما بين أناس يستغربون، يتبنى قراءة تصعب على لسانه؛ لأن أصلاً تعدد القراءات جاء للتيسير على اللهجات العربية، أهل اللهجات المختلفة خلاص، فهناك من لا يستسيغ الإمالة يعني نفسه تهرب منها إلا إذا قرأ أبنية التعبد شيء آخر، لكن هو نفسه ليست هكذا، طيب هذا لا يقال أيهما أحسن؟
لأن هذه الأمور هي النسبية، هي النسبية خلاص، بالضبط فطر طباع، هذه الأمور اعتياد، هي النسبية يا إخوة هي النسبية، يعني هي التي يقال هذا حسن بالنسبة إلى الفلاني وهذا حسن بالنسبة إلى الفلاني، طيب أيهما حسن؟ لا هذا كله قرآن فكله حسن، لكن هذا الحسن لم يلائمك، لاءمك منه حسن آخر، هذا التعبير الذي ينبغي أن نستعمله. فهمتم؟ يعني أنا مثلاً كان لي صديق مغربي من المغرب نفسها الجمهورية والمملكة المغربية، كنت أقول له ويقول لي، أقول له يا أخي كيف لا تهمز؟ كيف تقول المؤمنون؟ فيقول لي يا أخي كيف تهمز؟ كيف تقول المؤمنون وتقطع الكلمة بالهمزة؟ وأنا أقول له كيف لا تقطعها وترتاح في المنتصف؟ كيف لا تقول المؤمنون؟ فيقول لي بل كيف تقولون كيف لا تقولون المؤمنون؟ أهي المؤمنون، قلت له عشان فيه همزة في النص، هي كلها قراءة وكلها لهجة نعم واعتياد.
قال: وهل يكون أضعف رأيًا وأبعد من حسن التدبر منك إذا أهمك أن تعرف الوجوه في "أأنذرتهم"، والإمالة في "رأى القمر" "رأى القمر" إذا قرأنا على الأصل، وتعرف الصراط والزراق وأشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ وجرس الصوت، ولا يمنعك إن لم تعلمه بلاغة -يعني أن هذا الذي أهمك أن تعرفه لا يمنعك بلاغة، إلى آخر الكلام يعني لا يمنعك عدم معرفته- لا يمنعك بلاغة، وأشباه ذلك مما لا يعدو علمك فيه اللفظ، ولا يمنعك إن لم تعلمه بلاغة، ولا يدفعك عن بيان، ولا يدخل عليك شكًا، ولا يغلق دونك باب معرفة، ولا يفضي بك إلى تحريف وتبديل، وإلى الخطأ في التأويل -أو في تأويل، انظر ولا يفضي بك إلى تحريف وتبديل وإلى الخطأ في تأويل، وإلى ما يعظم فيه المعاب عليك- يعني إذا لم تعرف القراءات عادي، تكفيك قراءة واحدة وأن تقيم التجويد، وإلى ما يعظم فيه المعاب عليك ويطيل لسان القادح فيك، ولا يعني، انظر ولا يعني هذا معطوف يعني إذ أهمك يعني يقول ها وهل يكون أضعف رأيًا وأبعد من حسن التدبر منك إذ أهمك؟
وهنا يقول ولا يعني، ولا يهمك أن تعرف ما إذا جهلته عرضت نفسك لكل ذلك، وحصلت فيما هنالك، يعني تلبست بالمعائب المذكورة، وكان أكثر كلامك في التفسير وحيث تخوض في التأويل كلام من لا يبني الشيء على أصله، وكان أكثر كلامك في التفسير وحيث تخوض في التأويل كلام من لا يبني الشيء على أصله، ولا يأخذه من مأخذه، ومن ربما وقع في الفاحش من الخطأ الذي يبقى عاره وتشن آثاره. انظر وهذا هو الحاصل يا إخوة، والله إن كتب التفسير مليئة بهذا، إن كتب التفسير مليئة بهذا، وفي نفسي أشياء كثيرة من بعض ذلك لكني عادة أحترز من العجلة ومن الكلام، لكنني أجد في كتب التفسير مثل هذا الذي ينعى عليه أو ينعى عليهم عبد القاهر، هل كان يتكلم عن أهل زماننا الذين يتكلمون في التفسير على الفيسبوك؟ كان يتكلم في القرن الخامس، كان يتكلم في القرن الخامس.
ها قال: وكان أكثر كلامك في التفسير وحيث تخوض في التأويل كلام من لا يبني الشيء على أصله، ولهذا شغفني الزمخشري في التفسير، رجل يفهم البيان والبلاغة، لا يأتي ويقول ويجوز من الإعراب كذا وكذا ويحصي كل ما يجوز على قانون النحو، وبعض هذه الوجوه لا يجوز في شاعر متوسط، لا يجوز في شاعر متوسط فضلاً عن شاعر فحل، فضلاً عن القرآن، فأحببت جدًا الزمخشري عنه، أو كان في حكم ما تفرع عنه كتفسير النسفي والبيضاوي، وكذلك أحببت كثيرًا تفسير الطاهر بن عاشور، لكن الذي هو "التحرير والتنوير".
لكن لا شيء يوازي الزمخشري عندي على كثافته وثقله. انظر حيث تخوض، وكان أكثر كلامك في التفسير وحيث تخوض في التأويل كلام من لا يبني الشيء على أصله ولا يأخذه من مأخذه، وربما وقع في الفاحش من الخطأ هذا في القرن الرابع الذي يبقى عاره وتشن آثاره، ونسأل الله العصمة من الزلل والتوفيق لما هو أقرب إلى رضاه من القول والعمل.
واعلم أن من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين، فيجعل مفيدًا في بعض الكلام وغير مفيد في بعض، وأن يعلل تارة بالعناية وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب. انتبهوا هو يمنع أن يكون هناك شيء يعلل فقط بالتوسع والأمر سيان، غلط. هذا موجود في بعض الكتب، قال: واعلم أن من الخطأ أن يقسم الأمر في تقديم الشيء وتأخيره قسمين، فيجعل مفيدًا في بعض الكلام وغير مفيد في بعض، وأن يعلل تارة بالعناية وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب إذا كان هناك في عصره من يفعل هذا وكلام بعضهم باقٍ بيننا وهو خطأ، فاحترس.
في بعض الكتب: هارون وموسى، وموسى وهارون، لماذا؟ لمكان الفاصلة، والله فقط هكذا لمكان الفاصلة، هذا موجود في بعض كتب التفسير، هارون وموسى وموسى وهارون ما الفرق؟ فقط لأجل الفاصلة. وفي كتب النحو يقولون لأجل الفاصلة. عبد القاهر يسقط هذه الدعوة ويفندها ويجعلها عين البطلان، لا يا أختنا زينب، لا يعلقون الأمر بالمعنى، يقولون الأمر واسع وهذه لأجل الفاصلة. انظر سيقول عبد القاهر هذا، سيوضح الأمر، يقول وأخرى بأنه توسعة على الشاعر والكاتب، حتى تطرد لهذا الذي هو الشاعر قوافيه، ولذاك الذي هو الكاتب سجعه، نعم، قال حتى تطرد لهذا قوافيه ولهذا سجعه.
ذاك لأن من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى. إذاً يا إخوة، القضية قضية اختلاف دلالة، قدمت أخرت وقع اختلاف في الدلالة، هناك دلالة سبق دلالة، وللمجموع أخير دلالة لمجموع هذا الترتيب دلالة، فالقضية قضية اختلاف الدلالة. وإذا كان الأمر كذلك، وجب أن نبحث عن العلة التي لأجلها اختار الشاعر دلالة دون أخرى. يعني هو يقول لأن من البعيد أن يكون في جملة النظم ما يدل تارة ولا يدل أخرى، يعني أن يكون في جملة وجوه النظم ما يمكن أن يدل تارة ولا يدل أخرى، لا، ما هو لما التقديم والتأخير يدل، إذاً يلزم أنه يدل بإطلاق، لا يدل إذاً يلزم أنه لا يدل.
يقول فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلًا على الفعل في كثير من الكلام أنه قد اختص بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال. ما معنى قضية؟ يعني قاعدة، يعني قانون، يعني مفهوم، ترون في بعض الكتب: قضيته كذا، يعني أصله الذي يرجع إليه، علته العامة، كليته، علته الكلية، قانونه، قاعدته، هذا معنى قضية. يقول فمتى ثبت في تقديم المفعول مثلًا على الفاعل في كثير من الكلام أنه قد اختص بفائدة لا تكون تلك الفائدة مع التأخير، فقد وجب أن تكون تلك قضية في كل شيء وكل حال، ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء أن يدعي أنه كذلك في عموم الأحوال، خلاص.
ومن سبيل من يجعل التقديم وترك التقديم سواء أن يدعي أنه كذلك في عموم الأحوال، يعني يقول الذي يقول هذا يجعله كذلك في عموم الأحوال، يلزمه أن يقول هو هكذا في كل الأحوال، في عموم الأحوال، يعني في كل الأحوال، أما فإما أن يجعله على لونين مختلفين، فإما أن يجعله شريج فيزعم أنه للفائدة في بعضها، ولغير معنى في بعض، فمما ينبغي أن يرغب عن القول به. وهذا النص يا إخوة مرة أخرى حتى نتم هذا الكلام، هذا النص من عبد القاهر صريح في منع تعليل تقديم الشاعر وتأخيره لمجرد القافية أو مراعاة القافية، وأن يقدم اسم على اسم أو لفظ على لفظ في آية من القرآن لمجرد الفاصلة.
وإذا كان ذلك، نختبر ذاكرتكم ومذاكرتكم، إذا كان ذلك في النثر، النثر ليس القرآني وليس الشعر، إذا كان ذلك في النثر أن تراعى القافية فقط أو السجع، يحصل، يحصل، لكن انظر هنا عبد القاهر نفاه في السجع أيضًا، انظر الشاعر والكاتب إذا يتكلم عن طبقة عالية من الكتابة. هو يتكلم عن أصل البلاغة والنظم، يعني كون أنه يغفر للكاتب إذا أتى بالسجع لا يعني ذلك أن السجع الذي... أحسنت، ألا تراه في المجلس الماضي لما تكلم عن النصوص التي ليس في لا يراعى فيها الترتيب ولا يراعى إلا مجرد السجع وكذا، أنه تكلم عنها وهو ينزل من شأنها، صحيح بالب. نعم، لكن هو لما أراد التمثيل لها لم يجد إلا ماذا؟ لم يجد إلا النثر، لكن نبهت في المرة الماضية ليس معناه أن النثر العالي لا يراعى فيه الترتيب، والقرآن نثر وهو معجز ولا يقع فيه مثل هذا، لكن قد يقع في النثر النازل.
يعني إذا يا إخوة، يمكنك بعد ذلك الآن أن تنتقل إلى بعض ما تجده في كتب التفسير، حين يعلل الترتيب بمراعاة الحرف في الفاصلة فقط، وأن تدون على ذلك بأن هذا تفسير هكذا على هذا الوجه من الاختصار لا يصلح، وتحيل إلى كلام عبد القاهر هنا لأنه صريح في رفض هذا، صريح. قال: وهذه مسائل لا يستطيع أحد أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها وترك تقديمه. يعني بما أنه هو كانه متكلم، انتبه، والمتكلم أحيانًا يضمر في كلامه الكثير، لن يقول لك مقدمات ونتائج مقدمة أولى مقدمة ثانية إذاً فالنتيجة، لا يفعلون هذا.
يعني عبد القاهر هنا يقول لك ماذا؟ هو قدم لك بالكلام، قال لك لا يصح أن يكون بعض الوجوه أو الوجوه في بعض المواضع مؤثره وفي بعضها غير مؤثرة، أي جملة هكذا أن يكون الوجه ممتنعًا من التأثير، فإما أن تجعلها مؤثرة في بعض، فيلزمك أن تجعلها إذاً مؤثرة في العموم في الجميع، وإما أن تقول أنها ليست مؤثرة في البعض هنا، يلزمك أن تجعلها غير مؤثرة في الجميع، هو سلم بهذا والآن يقول لك سأثبت لك أنها مؤثرة في البعض ولا يمكن دفع هذه الجملة، هذه الطائفة التي يأتي بها لا يمكن دفعها أنها مؤثرة في الجميع، لا يمكن أنها مؤثرة في هذا البعض، نحن والآخرون سنتفق على أنها مؤثرة، وإذا اتفقنا على ذلك رجعنا إلى المقدمة الأولى، إذاً يلزمكم القول بأنها مؤثرة في الجميع، هذا ما أراد بقوله: وهذه مسائل لا يستطيع أحد منا أو من الذين يقولون تؤثر ولا تؤثر في بعض وبعض أن يمتنع من التفرقة بين تقديم ما قدم فيها وترك تقديمه.
يقول: ومن أبين شيء في ذلك الاستفهام بالهمزة، فإن موضع الكلام على أنك إذا قلت أفعلت، فبدأت بالفعل، كان الشك في الفعل نفسه، وكان غرضك من استفهامك أن تعلم وجوده. وإذا قلت أأنت فعلت، فبدأت بالاسم، كان الشك في الفاعل من هو، وكان التردد فيه، ومثال ذلك أنك تقول أَبَنَيْتَ كُنْتَ على أن تبنيها؟ هكذا يا إخوة في هذا المثال وما بعده، هل هي التي كنت عزمت على أن تبنيها؟ الله أعلم، لكن هكذا جاءت أيضًا في الصفحات التالية، فالله تعالى أعلم. أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أيضًا فالله أعلم، أأنت أو أَبَنَيْتَهُ؟ تقول أَبَنَيْتَ كُنْتَ على أن تبنيها؟ أَقُلْتَ الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أَفَرَغْتَ من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ تبدأ في هذا ونحوه بالفعل، لأن السؤال عن الفعل نفسه والشك فيه، لأنك في جميع ذلك متردد في وجود الفعل وانتفائه، متجوز أن يكون قد كان وأن يكون لم يكن.
وتقول أأنت بنيت هذه الدار؟ أأنت قلت هذا الشعر؟ أأنت كتبت هذا الكتاب؟ فتبدأ في ذلك كله بالاسم، ذاك لأنك لم تشك في الفعل أنه كان، كيف وقد أشرت إلى الدار مبنية، والشعر مقولًا، والكتاب مكتوبًا، وإنما شككت في الفاعل من هو، فهذا من الفرق لا يدفعه دافع، ولا يشك فيه شاك، ولا يخفى فساد أحدهما في موضع الآخر، لو استعملت واحدًا في موضع الآخر يفسد الكلام.
فلو قلت أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أنت بس مستغرب مني ولا مستغرب من الشعر؟ أنت تعجب مني أم من الشعر؟ أنت مستغرب من إيه؟ هو أنا كلي عجب عندك ليه؟ أأنت قلت الشعر الذي كنت تريد أن تقوله؟ هذا كلام فاسد، انظر أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ هذا كلام ساقط، أنت تسأل عن الفاعل مع إقرار الفعل أم تسأل عن وقوع الفعل وقع أو لا؟ أتعجب من الفاعل أم تعجب من الفعل؟ لا يصح أن تجمع بين الاثنين، حتى نحن في العامية المصرية نقول ضاحكين مازحين مين راح فين؟ مين راح فين؟
نعم، فلو قلت أأنت بنيت الدار التي كنت على أن تبنيها؟ أأنت قلت الشعر الذي كان في نفسك أن تقوله؟ أأنت فرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه؟ خرجت من كلام الناس، وكذلك لو قلت أَبَنَيْتَهُ الدار؟ أَقُلْتَ هذا الشعر؟ أَكَتَبْتَ هذا الكتاب؟ قلت ما ليس بقول، ذاك لفساد أن تقول في الشيء المشاهد الذي هو نصب عينيك أَمُوجَدٌ أم لا؟ وجود أم لا؟ هناك استشكال سيرده الآن ربما أتى في أذهان بعضكم، اصبروا.
قال: ومما يعلم به ضرورة أنه لا تكون البداية بالفعل كالبداية بالاسم، أنك تقول أَقُلْتَ شعرًا قط؟ أَرَأَيْتَ اليوم إنسانًا؟ فيكون كلامًا مستقيمًا، ولو قلت أأنت قلت شعرًا قط؟ أأنت رأيت إنسانًا؟ أُحِلْتَ، وذاك أنه لا معنى للسؤال عن الفاعل من هو في مثل هذا، لأن ذلك إنما يتصور إذا كانت الإشارة إلى فعل مخصوص، نحو أن تقول: من قال هذا الشعر؟ ومن بنى هذه الدار؟ ومن أتاك اليوم؟ ومن أذن لك في الذي فعلت؟ وما أشبه ذلك مما يمكن أن ينص فيه على معين.
فأما قيل شعر على الجملة ورؤية إنسان على الإطلاق، فمحال ذلك فيه، يعني في هذه العبارة أن تسأل عن الاسم، خلاص، أن تقول أأنت قلت شعرًا قط؟ يعني أنت تسأل عن الشعر الذي قيل أم تعجب من أنه القائل أم ماذا؟ طبعًا ترون هذا يا إخوة في ألسنة الأعاجم جدًا، ألسنة الإخوة من غير العرب الذين اللغة العربية هي الثالثة أو الثانية عندهم وتعلموها، يقع هذا كثيرًا في كلامهم إذا أرادوا أن يظهروا بلاغة في الكلام ونحو ذلك.
نعم قال: فمحال ذلك فيه، لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله، نعم قال: وما أشبه ذلك مما يمكن أن ينص فيه على معين، فأما قيل شعر على الجملة ورؤية إنسان على الإطلاق فمحال ذلك فيه، لأنه ليس مما يختص بهذا دون ذاك حتى يسأل عن عين فاعله، يعني أنت تسأل عن شيء هل حصل أصلًا، هل حصل قط؟ هذا محال من.
الكلام، ثم تسأل أكان من فلان أم من فلان؟ لا لحظة، أخوكم عقيل يقول: مولانا ألا يختص قول الشعر بأحد دون آخر؟ تحتاج إلى تركيز. يقول: أقلت شعراً قط؟ هذا يصح، أما لو قال: أأنت قلت شعراً قط؟ هذا لا يسأل عنه؛ لأن كلمة «أأنت قلت» سؤالك يدور عن الفاعل، ثم تسأل «قط» هل قلت شعراً قط؟ لكن لو علقته بالفعل «أقلت شعراً قط؟» تسأل عن الفعل لا عن الفاعل؛ يعني أنشأت قلت شعراً؟ نعم.
طيب، ولو كان تقديم الاسم لا يوجب ما ذكرنا من أن يكون السؤال عن الفاعل من هو، وكان يصح أن يكون سؤالاً عن الفعل أكان أم لم يكن، لكان ينبغي أن يستقيم ذلك. انظر، عبد القاهر هنا يحيلك على ما تجده في نفسك. تأمل هنا شيئاً مهماً؛ عبد القاهر يستدل على القضية بما تجده بالفعل في بعض الجمل، مما يدل على أن كثيراً من هذه الدلالات تحصل فعلاً في بعض كلامنا، ولكن نحتج بذلك على الأصل والقاعدة لنشر هذا في الكلام البليغ. أنت تراه يتكلم عن «زيد منطلق»، «أنت قلت شعراً»، هذه أصول موجودة في أصل الكلام، ولكن نستثمر بعد ذلك. التمثيل هنا يكون بالأمثلة اليسيرة والكلام اليومي الجاري، ولا يعني أنه لا يكون مثله في طبقة أخرى من الكلام العالي، حتى لو كان القرآن العظيم.
يقول: واعلم أن هذا الذي ذكرت لك في الهمزة وهي للاستفهام، قائم فيها إذا هي كانت للتقرير. فإذا قلت: «أأنت فعلت ذاك؟» كان غرضك أن تقرره بأنه الفاعل. «أأنت فعلت ذاك؟» يبين ذلك قوله تعالى حكاية عن قول نمرود: ﴿أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 62]. لا شبهة في أنهم لم يقولوا ذلك له عليه السلام وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر بأنه منه كان، وكيف وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم: «أأنت فعلت هذا؟» وقال هو عليه السلام في الجواب: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُم﴾ [الأنبياء: 63]. لو كان التقرير بالفعل لكان الجواب: فعلت أو لم أفعل.
نعم، قال: فإن قلت: أوليس إذ قال «أفعلت»؟ ضموا هذه يا إخوة، أأوليس، لا أدري لماذا يفرقون بينها هكذا في الطباعة. نعم، فإن قلت: أوليس إذ قال «أفعلت» فهو يريد أيضاً أن يقرره بأن الفعل كان منه، لا بأنه كان على الجملة؟ فأي فرق بين الحالين؟ يعني لو تصورنا أن الآية جاءت: «أفعلت هذا يا إبراهيم؟» يصح هذا، والفعل قائم. ابنك كسر شيئاً ثميناً والشيء مكسور أمام عينيك، «أكسرت هذا يا ولدي؟» الفعل ليس على الكلام، يصح على أن تقرره على أنه كان منه. أنت قدمت الفعل، يعني هذا اعتراض يرده عبد القاهر، يفترضه من شخص يفكر. أنت تقول: «أفعلت هذا؟» فأنت تقرره بأن الفعل كان منه، كأن تقول له: «أأنت فعلت هذا؟».
يعني خلاصة هذه الشبهة يقول: أنت الآن ابنك كسر شيئاً ثميناً، كنت قد حذرته من كسره، فإذا به مكسور إلى نصفين، فناديت ولدك وقلت له: «أكسرت هذا؟» هو مكسور، فأنت تسأله عن الفعل، هل أنت كسرته؟ فتردد الفعل بينه وبين غيره من الفاعلين المتصورين. لكن يقولون: لو قلت له أيضاً: «أكسرت هذا؟» صح، فكيف يا عبد القاهر؟ فأي فرق بين الحالين؟
شوف جواب المتذوق الفاهم، قال: فانه، هذا هو الجواب، فإنه إذا قال «أفعلت» فهو يقرره بالفعل من غير أن يردد الفعل بينه وبين غيره، يعني صح هو يقرره بالفعل من غير أن يردد الفعل بينه وبين غيره. «أفعلت»؛ يعني صح وكان كلامه، هذه الفكرة، وكان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة، يعني أنا أوهم أن الشيء قد حصل أصلاً. «أكسرت؟» يعني أنا أوهم أنني لا أصدق أنها كسرت. لكن «أأنت كسرتها؟» خلاص، أنا سلمت وبرد قلبي بالكسر، لكن الآن مشكلتي في من كسرها. لكن «أكسرتها؟» صار للكلام غاية أخرى، أنا أوهم أنني لا أصدق أن الكسر قد وقع.
هم قالوا له ما الفرق، الذين لا يدرون ما الفرق، فقال لهم: هو يريد أيضاً أن قلت، هو يقول: فإن قلت: أوليس إذ قال «أفعلت» فهو يريد أيضاً أن يقرره بأن الفعل كان منه، لا بأنه كان على الجملة؟ فأي فرق بين الحالين؟ يقول: هو يقرره بالفعل من غير أن يردده بينه وبين غيره، يعني هو نعم يقرره بالفعل، لكن لا يردد الفعل بينه وبين غيره. طيب السؤال الآن لماذا إذا قال هذا، لماذا استعمل الفعل؟ قال لنكتة لم تنتبهوا إليها، قال: وكان كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أن ذلك الفعل كان على الحقيقة، وإذا قال «أأنت فعلت» كان قد ردد الفعل بينه وبين غيره، ولم يكن منه في نفس الفعل تردد، ولم يكن كلامه كلام من يوهم أنه لا يدري أكان الفعل أم لم يكن. يعني الفرق قائم ما زال قائماً بدلالة أنك تقول ذلك والفعل ظاهر موجود مشار إليه، كما رأيت في الآية. إذا قال «أأنت فعلت هذا» يعني يريد أنك في موضع تسليم وقوع الفعل، إذا قدم الفعل وكان الاستفهام عنه كان ذلك خروجاً عن مقتضى الظاهر إلى مقتضى الحال، وكان إيهاماً بإنكار وقوع الفعل لشدة فضاعته. فهمتم هذا يا إخوة؟ وضح، وضح؟ «أكسرت؟» مثل «أكسرت؟»، «أكسرت؟» ما هي كسرت قدامك.
«أكسرت هذا؟» هذا هو. واعلم أن الهمزة فيما ذكرنا تقرير لفعل قد كان، وإنكار له لمكان وتوبيخ لفاعله عليه، مفهوم؟ ولها مذهب آخر، الهمزة لها مذهب آخر، يطرد الكلام فيها ليثبت لك أنه إذا سلمت بأن هذا مما يقع به التغيير في التقديم والتأخير وحتماً ستسلم، يقول يلزمك أن تسلم في الجميع. ولها مذهب آخر وهو أن يكون الإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله، مرة أخرى يقول: ولها مذهب آخر وهو أن يكون الإنكار أن يكون الفعل قد كان من أصله، ومثاله قوله تعالى، يعني ليس كما مر، الفعل وقع، فمرة تسأل عن الفعل تردد نفسك في الفعل، مرة تردد نفسك في الفاعل، لا، يعني هنا فيما مضى أما أنك تنكر الفاعل أو تنكر الفعل إيهاماً بإنكار الفعل، أما هنا فأنت تنكر أن يكون الفعل قد كان من أصله. ومثاله قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ۚ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ [الإسراء: 40]. وقوله عز وجل: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: 153]. فهذا رد على المشركين وتكذيب لهم في قولهم ما يؤدي إلى هذا الجهل العظيم. وإذا قدم الاسم في هذا صار الإنكار في الفاعل، ومثاله قولك للرجل قد انتحل شعراً: «أأنت قلت هذا الشعر؟» كذبت، لست ممن يحسن مثله، أنكر أن يكون القائل، ولم تنكر الشعر. هذا هو، هذا لو قدم الاسم على الفعل.
نعم، وقد يكون، نكتفي يا إخوة اليوم، نكتفي اليوم، تجاوزنا ساعتين وثلثاً، ونكمل هذا على الأقل، يعني نكمل هذه الصفحة أيضاً على الأقل أو صفحتين، نكمل قليلاً نعم. قال: وقد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله، ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل، هذه نقطة أخرى في الكلام دقيقة. وقد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله، أولاً ما سبق، فهم ما سبق فهم أن يكون إنكاراً للفعل لا للفاعل. نعم، طيب، يعني في الآية مثلاً «أفأصفاكم ربكم بالبنين»، لو قدم الاسم «أربكم أصفى بالبنين؟». طيب، تذكرون لما قلت لكم لما أخونا أسامة سألني قال: لماذا ذكر هذين النوعين من التقديم والتأخير؟ جل ما مر معنا الآن في هذه المسائل هو من النوع الثاني، لاحظتم أو لا؟ يعني «أفأصفاكم ربكم»، «أربكم أصفى؟»، صح، هذا تغيير في جملة المعنى قبل الصياغة، وليس تغييراً مع الحفاظ أو مع الاحتفاظ بالعلامة الإعرابية، لاحظتم هذا؟ الأمثلة كلها في التقديم والتأخير أكثرها من النوع الثاني أصلاً.
قال: وهذا في عين البلاغة يا إخوة، عين البلاغة؛ لأن الحداثي، لو قدر له، والحمد لله أن لم يقدر له الحداثي، لو قدر له أن يتجرأ وأن يقول رأيه صراحة في القرآن بما يقتضيه مذهبه، سيقول كلام القرآن مباشر جداً؛ لأنه بعيد عن شوارب الحداثي أن يدرك هذه الأبواب التي نتكلم عنها، أن يدرك هذا النوع من التقديم والتأخير. التقديم والتأخير يا إخوة من النوع الأول الذي هو على نية، أو التقديم على نية التأخير، على نية الصورة الأولى، هذا أيسر وأقرب. الآخر هو المعقد، هذا الثاني هو الأصعب؛ لأنه يجعلك تتخيل أصولاً أخرى وصياغات أخرى لا تدعمها علامة إعرابية. أما التقديم والتأخير من النوع الأول الذي على نية الصورة الأولى، هذه تبقى معها العلامة الإعرابية، فإعرابك أنت قد تحسب أن هذه جاءت عشواء هكذا من عبد القاهر. لحظة، لابد أن أفتح وأضع حاجزا للهواء، لكن لا بد أن أفتح يا إخوة، لحظة واحدة.
طيب، انظر هنا، قد تحسب أن عبد القاهر يرتجل الكلام، وتعال نتوقع فقط كيف أتى عبد القاهر بهذا المثال الثاني أو هذه الصورة والحالة الثانية في أول صفحة 115، وقد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله، ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل، هو في المثال السابق «أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثاً»، قال: لو قدم الاسم في هذا صار الإنكار في الفاعل، صح، لو قدم الاسم في هذا صار الإنكار في الفاعل. وكان عبد القاهر جرب ماذا لو قيل: «أفرب أصفى بالبنين؟» فأورى ذلك إلى ذهنه صورة أخرى؛ لأنه لو قال «أفرب أصفى بالبنين» لن يكون سؤالاً عن الفاعل مع وقوع الفعل، بل سيكون هذه المسألة، هذه المسألة الجديدة، سيكون سؤالاً عن الفاعل مع إنكار الفعل من أصله؛ لأنه لا يجوز أن يفعل هذا إلا الله. رايتم هذا؟ هذا يكون فيما لا يجوز فيه إلا أن يكون من الله، فإذا كان الله لم يفعل فغيره لم يفعل من باب أولى. هذه الصورة التجريبية التي لم يجر فيها على عادته أن يذكر مثالاً لما ذكر المثال في ذهنه، رحمه الله ورضي عنه، وجد أنه سيأخذ طريقاً آخر، فابتدأ الطريق الآخر بصورة أخرى. وقد يكون الذي أوحى له بهذا «أأصفى ربكم، اصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون، الله اصطفى البنات على البنين؟»، فإذا وجد أنها لن تكون سؤالاً عن الفاعل مع وقوع الفعل، وجد ذلك نوعاً آخر، فابتدأ نوعاً آخر. فالأمثلة التي أتى بها في أول الفقرة أوحت إليه بصورة جديدة. فهمتم هذا يا إخوة؟ أو عيتم الذي أقول؟ أو عيتم كيف تولدت الفكرة من الأمثلة، الوجه الجديد؟ أوضحت؟ نعم.
قال: وقد يكون أن يراد إنكار الفعل من أصله، ثم يخرج اللفظ مخرجه إذا كان الإنكار في الفاعل، هو ينكر الفعل كله أصلاً، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: 59]. قال: الإذن راجع إلى قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾، «أرأيتم بتجريد القول أو المقول، أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً، الله أذن لكم؟» قال: ومعلوم أن المعنى على إنكار أن يكون قد كان من الله إذن فيما قالوه من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله. فإضافته كذلك على أنه كذلك؛ لماذا قال: إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك، لأن يجعلوا في صورة من غلط، فإضافة الله لكم، لكن هذا على أصل تسليمهم، لكن قبح الله هذا، فقال: «الله أذن لكم»؛ يعني كأنكم أخرجتم الكلام مخرج أن يكونوا يجعلون ذلك لغير الله، ولكن الله.
يسألهم: أأنا أذنت لكم؟ ولكن هذا ليس من شأن أن يقع من غير الله فيضيفه إلى الله، فأنزل الله تعالى أو أنزل النص القرآني الكلام، كلام منزله إجرام أكبر، بالضبط كأنه سبحانه وتعالى يقول لهم: أخذتم الإذن من غيري فأضفتموه إلي؟ أنا أذنت لكم؟ وأصلاً هذا لا يؤذن به من غير الله، لا يؤذن به من غير الله.
رأيت هناك فائدة قالها الشيخ كامل الخولي، الأستاذ الدكتور محمد إبراهيم شادي حفظه الله ورحم الله الدكتور كامل الخولي. يقول في صفحة 187، الدكتور محمد إبراهيم شادي في شرحه في صفحة 187 الحاشية الثانية، يقول: وكان شيخنا الدكتور كامل الخولي رحمه الله يقول في تعليل هذا: إن إنكار الفاعل الذي لا فاعل للفعل سواه يؤدي إلى إنكار الفعل بطريق اللزوم، أي بطريق الكناية، فيكون إنكار الفعل مؤكداً بالدليل. هذا الفعل الذي ينكر، والذي لا يفعله إلا من أنكر وقوعه، وقع منه إنكار الوقوع، هذا الفعل إذا سئل فيه عن الفاعل: أهو الذي فعل؟ فقط مع استصحاب علمهم أنه لا يكون إلا منه، هذا تأكيد لإنكار الفعل نفسه.
تقول لابنك مثلاً في شأن لا يسمع فيه كلام غيرك، أنت فقط الذي يجوز له أن يفعل: أأنا أذنت؟ وأنت معلوم أنك لا تأذن بهذا. أأنا أذنت لك بهذا؟ وكأنك تسأل: أتكذب علي في الإذن الذي أذن لك به غيري؟ وهو أصلاً لا يجوز من غيرك، فإن تساؤلك هذا فيه تأكيد وفيه ترهيب، وتفضح لاعتقادهم لهذا الفعل، وفيه تأكيد لنفي هذا الفعل. طبعاً هذه أمور دقيقة تحتاج أولاً إلى حس مرهف للإدراك، ثم تحتاج إلى حس آخر للتعليل.
قال: ومثال ذلك قولك للرجل يدعي أن قولاً كان ممن تعلم أنه لا يقوله: أهو قال ذاك بالحقيقة أم أنت تغلط؟ تضع الكلام موضعه إذا كنت علمت أن ذلك القول قد كان من قائل، لينصرف الإنكار إلى الفاعل فيكون أشد لنفي ذلك وإبطاله. ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام: 143]. أخرج اللفظ مخرجه كأنه قد ثبت تحريم في أحد هذه الأشياء، ثم أريد معرفة عين المحرم، وذلك أن الكلام وضع على أن يجعل التحريم كأنه قد كان، ثم يقال لهم: أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم، فيم هو؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث؟ ليتبين بطلان قولهم.
انظر، وذلك أن الكلام وضع النظم على أن يجعل التحريم كأنه قد كان، ثم يقال لهم: أخبرونا عن هذا التحريم الذي زعمتم فيم هو؟ أفي هذا أم ذاك أم في الثالث؟ ليتبين بطلان قولهم ويظهر مكان الفرية منهم على الله تعالى. هذا واقع أيضاً في كلامنا أيها الإخوة، ومثل ذلك قولك للرجل يدعي أمراً وأنت تنكره: متى كان هذا؟ أفي ليل أم نهار؟ تضع الكلام وضع من سلّم أن ذلك قد كان، ثم تطالبه ببيان وقته لكي يتبين كذبه إذا لم يقدر أن يذكر له وقتاً ويفتضح.
ومثله قولك: من أمركم بهذا منا؟ وأينا أذن لكم فيه؟ وأنت لا تعني أن أمراً قد كان بذلك من واحد منهم، ها أنت تقول للشخص: من أمرك بهذا منا؟ وأينا أذن لك فيه؟ وأنت لا تعني أن أمراً قد كان بذلك من واحد منهم، إلا أنك تضع الكلام هذا الوضع لكي تضيق عليه وليظهر كذبه حين لا يستطيع أن يقول: فلان، وأن يحيل على واحد. وهذا يا إخوة معروف، هذا من جنس ما يعرف في البلاغة التقريرية.
هو لم يحط باللازم، فلم يحط بالأصل. حتى أنا علقت هنا تعليقاً، هذا التعليق كتبته منذ عقد من الزمان تقريباً، قلت: ليظهر كذبه، قلت: بعدم الإحاطة باللازم، يعني بلازم الفعل، يعني إذا كان وقع أمر ونحن ننكر الأمر، فمن أمرك؟ قطعاً واحد منا أمرك، وهكذا، فلما يفتضح أمرك باللازم، إذاً الملزوم الذي هو الأصل غير واقع.
وهذا كما كنت أقول الآن يشبه ما يعرف في البلاغة التقريرية بجواب الحكيم، من خروج الكلام عن مقتضى الظاهر إلى مقتضى الحال. لما جاء هذا الذي قتل مائة نفس، وقتل من قال له: ليست لك توبة، فجاء إلى العالم دون العابد، فقال له: هل لي توبة؟ لم يقل له: نعم، قال: من يمنعك منها؟ يعني هو سلّم بوجودها ثم أجاب عن سؤال آخر: من يمنعك منها؟ رأيتم؟ فهذا اختصر الجواب وضمنه، وسأل عن اللازم ليثبت الملزوم. وشكراً لكم وجزاكم الله خيراً ووفقكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد