الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا السابع عشر من مجالس شرح كتاب دلائل الإعجاز للإمام الجليل إمام البيان أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني النحوي البياني الكبير، مؤسس علم البلاغة وواضع نظرية الإعجاز، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين آمين. قال في الفقرة السابعة بعد المئة: وإذ قد بينا الفرق بين تقديم الفعل وتقديم الاسم، والفعل ماضٍ، فينبغي أن ننظر فيه والفعل مضارع حتى نصل الكلام.
نحن في باب التقديم والتأخير، وكان يذكر صوراً من المسائل والأبواب يحصل فيها الاتفاق على حدوث الاختلاف بالتقديم والتأخير، ويقول هذا قدر لا يختلف فيه الناس. وإذا ثبت وجود قدر لا يختلف فيه الناس، فعلى ما عرفناه في المرة الماضية يلزم تعميمه، فهو يلزم من يقول بعدم التأثير في بعض أن يقول كله لا يؤثر، ويلزم من يقول بالتأثير في بعض أن يكون كله يؤثر. لماذا قلنا ذلك؟ لأن القضية قضية دلالة، التقديم والتأخير إذا كان يدل فيدل في الجميع، لا يدل فيدل في الجميع. فإذا قلت إنه يدل فيلزمك أن تعترف بدلالته في الجميع؛ لأن الدلالة وقعت بعين التقديم، فينبغي أن يكون حاصلاً في كل الصور. فيقيم عليك ما يلزمك فيه أو به أن تقول بالتعميم، وأنه يؤثر في كل الكلام، يقيم عليك الحجة بجملة لا يملك إنسان أن ينكر أن التأثير قد وقع فيها.
انتهى من قضية التقديم للاسم أو للفعل وكان الفعل ماضياً، الآن يتكلم كما قال: فينبغي أن ننظر فيه والفعل مضارع. قال: والقول في ذلك أنك إذا قلت: أتفعل، وأنت تفعل، لم يخلُ من أن تريد الحال أو الاستقبال. أتفعل أو أأنت تفعل، مرة قدم الفعل المضارع ومرة قدم الاسم، لم يخلُ من أن تريد الحال أو الاستقبال. فإن أردت الحال كان المعنى شبيهاً بما مضى في الماضي؛ فإن قلت أتفعل كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله، وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن. وإذا قلت أأنت تفعل، يعني إذا كان شيئاً مفعولاً فعلاً، كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعله، يعني إذا كان حاصلاً فعلاً منه، وكنت كمن يوهم، هذه في الشبهة التي أوردها من قالوا لا فرق. لو قالوا ﴿أَتَفْعَلُ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 62]، مر معنى بأنه نزل في هذه الصيغة المفترضة منزلة من يفضح الفعل، حتى نحن في كلامنا أتفعل هذا؟ هل أنت تسأله هل فعله أو لا؟ الحقيقة أنك كأنك لا تصدق أنه حصل من الأصل، فهذا وجه آخر في البلاغة.
قال: هكذا هنا إذا كان مضارعاً، وإذا كان المراد الحال؛ فإن أردت الحال يعني ليس الاستقبال، الاستقبال أن الفعل لم يحصل لأن انتبه، الفعل المضارع يأتي ويراد به الحال، ويأتي ويراد به الاستقبال. الكلام الآن في الحال، وفي الحال ستكون الأحوال فيه كالماضي. قال: فإن أردت الحال كان المعنى شبيهاً بما مضى في الماضي، فإذا قلت أتفعل كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله، وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن. وإذا قلت أأنت تفعل كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل، وكان أمر الفعل في وجوده ظاهراً وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن، أي الفعل من حيث نفسه.
يقول النابغة الذبياني هنا: أتوعِدُ عبداً؟ طبعاً هو توعده، وعيد أبي قابوس في غير كنهه فهو توعده، أتوعِدُ عبداً لم يخنك أمانة؟ لم يقل أأنت توعد عبداً، لو أن النابغة الذبياني قال أأنت توعد عبداً لم يخنك أمانة، كان كأنه يستنكر أن يكون الفعل منه فقط، لكن أتوعِدُ عبداً لم يخنك أمانة؟ فهو يريد استنكار الفعل، ويريد كأن الفعل نفسه لم يحصل مع أنه حصل، لكن يوهم أنه لا يصدق أن يكون ذلك قد حصل، أتوعِدُ عبداً لم يخنك أمانة؟ هو يفض من الفعل نفسه ويستنكر الفعل نفسه إذا ورد هكذا بتقديم المضارع في الكلام العالي. وإذا عكس وقدم الاسم سلم بوقوع الفعل، ولكن كان المراد تقريره بهذا.
قال: وإن أردت بتفعل المستقبل، كان المعنى إذا بدأت بالفعل على أنك تعمد بالإنكار إلى الفعل نفسه، وتزعم أنه لا يكون، أصلاً لا يجوز له أن يكون، أو أنه لا ينبغي له أن يكون. ما الفرق بينهما؟ الأول أنه لا يكون، الأفعال الممتنعة عادةً أو عقلاً، أما الثاني فيمنعه دين أو خلق أو عادة أو شيء من ذلك أو ثقافة وعرف، فأنت تنكر أن يفعله، تنكر إيقاعه مع إمكان الوقوع. قال: فمثال الأول الذي تزعم أنه لا يكون:
أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مَضَاجِعِي ... وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ
فأنت تمنع أن يحصل هذا أصلاً، أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مَضَاجِعِي وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ، فهذا تكذيب منه لإنسان تهدده بالقتل، وإنكار أن يقدر على ذلك ويستطيع. ومثله أن يطمع طامع في أمر لا يكون مثله فتجهل في طمعه، فتقول: أيرضيك فلان وأنت مقيم على ما يكره؟ أتجد عنده ما تحب وقد فعلت وصنعت؟ وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28]. الكلام هنا على الفعل نفسه أنه لا ينبغي أن يكون، ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾.
قال: ومثال الثاني وهو أن الفعل لا ينبغي أن يكون أصلاً، يعني لا ينبغي أن يكون؛ هو يصح له لكن لا، أنت تقول له لا ينبغي لك أن تفعل. ومثال الثاني أن الفعل لا ينبغي أن يكون قولك لرجل يركب الخطر: أتخرج في هذا الوقت؟ هو يعني ذهابه أو خروجه في هذا الوقت يكون، لكن لا ينبغي له أن يكون، لا يصح له أن يكون، ليس أنه أصلاً لا يكون. يعني امرؤ القيس لما قال أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مَضَاجِعِي، قال العادة تمنع ذلك أصلاً، يعني الفعل أصلاً لن يحصل، وليس أنك تنهاه عن شيء لا يليق به، هذا شيء آخر. أتخرج في هذا الوقت؟ أتذهبين؟ هذا لا ينبغي أن يكون. وقولك للرجل يضيع الحق: أَتَنْسَى قَدِيمَ إِحْسَانِ فُلَانٍ؟ أَتَتْرُكُ صُحْبَتَهُ وَتَتَغَيَّرُ عَنْ حَالِكَ مَعَهُ؟ لأن تغير الزمان كما قال:
أَتَرْكُ أَنْ قُلْتَ آلُ دَرَاهِمَ خَالِدٍ زِيَارَتَهُ ... إِنِّي إِذًا لَلَئِيمُ
قال: وجملة الأمر أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل، انتبه نحو هنا ظرف وليس مصدراً، لا تنحو بالإنكار نحو الفعل، يعني تفعل فعل الفعل، لا هذا ظرف ليس مصدراً، فانتبه. يعني أنت تسير بالإنكار تجاه الفعل، إذا قدمت الفعل فأنت تسير بالإنكار نحو الفعل، أنت تتجه للفعل، تنحو نحوه، توجه جهة الفعل إلى الفعل، تتوجه بالإنكار إلى الفعل، تصب الإنكار على الفعل، تعلق الإنكار بالفعل. وضحت، انتبهوا، علم عليها، وجملة الأمر أنك تنحو تتجه تمشي تسير بالإنكار نحو الفعل.
فإن بدأت بالاسم هذه الحالة الثانية، حالة تقديم الاسم، خلاص انتهينا من الحالة الأولى تقديم الفعل في المضارع، الآن نقدم الاسم في المضارع، وجملة الأمر أنك تنحو بالإنكار نحو الفعل، فإن بدأت بالاسم فقلت: أأنت تفعل، أو قلت: أهو يفعل؟ كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور. الميزة معكم أيها الإخوة أنكم شعراء ومتذوقون، وهذا يؤثر معكم شديداً في فهم هذا، الذي وجدته أن طلاب العربية وطلاب العلم الشرعي صرفاً من غير الممارسين من غير المنخرطين في الشعر في ليلهم ونهارهم عملاً أو دراسة ونقداً وكذا، يصعب عليهم فهم هذا جداً، تظل تسير معهم بالحدود والقواعد حتى يفهموا، أنتم تشعرون بالمعنى مباشرة، وفي نفس اللحظة تتبعون ذلك بتأويل ذلك وتشكيله، لكن المعنى وقع في أنفسكم لا تحتاجون إلى رسم مثلاً. أنتم الآن لا تحتاجون إلى رسم خريطة ذهنية بالأسهم كشجرة هكذا أو التشجير للفهم، لا تحتاجون إلى إحصاء هذا، أنتم تفهمون هذا من الكلام وزيادة عليه أيضاً.
يقول: إذا قلت أأنت تفعل أو قلت أهو يفعل، كنت قد وجهت الإنكار إلى نفس المذكور، وأبيت أن تكون، الضمير في تكون نفس المذكور، كنت وجهت الإنكار إلى نفس المذكور، وأبيت أن تكون بموضع أن يجيء منه الفعل، أهو يفعل؟ تتكلم عن نفسه نفس المذكور شخصه، وأبيت أن تكون، يعني نفس المذكور بموضع أن يجيء منه الفعل وممن يجيء منه، وأن يكون، يعني هذا الشخص المذكور بتلك المثابة. واضح الضمائر، واضح ترتيب الكلام وتأليف الكلام، واضح جميل الحمد لله.
طيب قال: تفسير ذلك أنك إذا قلت أأنت تمنعني؟ أأنت تأخذ على يدي؟ صرت كأنك قلت إن غيرك الذي يستطيع منعي والأخذ على يدي ولست بذاك، ولقد وضعت نفسك في غير موضعك. هذا إذا جعلته لا يكون منه الفعل للعجز، ولأنه ليس في وسعه. وقد يكون أن تجعله لا يجيء منه لأنه لا يختاره ولا يرتضيه، وأن نفسه نفسٌ تأبى مثله وتكرهه، انظر إلى اتساع أرجاء الكلام ومعاني النفس الإنسانية، هذه أمور لا تحصى تحت نفس المبدأ، أنت تنكره في ماذا؟ تنكره في الشخص نفسه ولكن ما السبب؟ أنك أنت لا ترضاه لنفسك، والأول أنك أعجز من أن تفعله. مثلكم في الميراث يفهم اللب ويفرع أكثر من هذا، وهذه فقط أمثلة أتى بها عبد القاهر. ولذلك افهموا يا إخوة ترتيب وتقعيد ترتيب ما قاله عبد القاهر، وترتيبه في علوم البلاغة التقريرية ينبغي أن يؤخذ على أنه تمثيل وليس إحصاءً، لأن عبد القاهر نفسه الذي أتى بهذا ما أتى به بقصد الاستقصاء، هو قال لك أنا عندي جملة من اللطائف والخصائص وكذا سأحاول أن أبين لك منها، لكن باب الشعر واسع وهو نفسه يكرر هذا في الكلام.
فأنت حتى وأنت تدرس علوم البلاغة التقريرية ينبغي أن تعلم أنها مقعدة مما لم يحصى، كل هذا لكل من يدعي أنها كملت لم تكمل. والدكتور محمد أبو موسى ألف كتاباً ضخماً كبيراً اسمه المسكوت عنه في الدرس البلاغي، هكذا هذا الكتاب، انظروا إلى حجمه وضخامته، المسكوت عنه في التراث البلاغي كتاب تجاوز سبعمئة صفحة، يعني مادته بدون الفهارس سبعمئة وأربع عشرة صفحة، المسكوت عنه في الدرس البلاغي هذا الكتاب للدكتور محمد أبي موسى. فافهم هذا جداً، انظر وقد يكون أن تجعله لا يجيء منه لأنه لا يختاره ولا يرتضيه، هل يستطيع أحد أن يقول الصور محصورة في هذا، أنه أقل شأناً من أن يفعل وأنه لا يرتضي أن يفعل؟ هل يستطيع أحد في اتساع الاستعمال والمعاني الإنسانية أن يحصر في هاتين الصورتين؟ وإنما ارتجل عبد القاهر صوراً قريبة شائعة تحصل وجعلها مثالاً لغيرها، وعلى ذلك القياس. وعلى ذلك القياس قال: وقد يكون أن تجعله لا يجيء منه لأنه لا يختاره ولا يرتضيه وأن، انظر هو يشرح القضية لأناس أميين فيها بعض مسائل عبد القاهر أو تمثيل عبد القاهر، أنت ربما تأتي وتقول التمثيل هذا يحصل عندي عادي، وأعلى منه بأضعاف في الشعر، ما الموضوع؟ يعني الأمر بسيط عادي، يعني يسير كان يشرح ويدلل ويبرهن ويثبت لمن ينكرون فكرة النظم أصلاً، وكانوا يتبعون في ذلك القاضي عبد الجبار الهمذاني في زلة الاعتزال الكبرى. قال: وقد يكون أن تجعله لا يجيء منه لأنه لا يختاره ولا يرتضيه وأن نفسه نفسٌ تأبى مثله وتكرهه، ومثاله أن تقول: أهو يسأل فلاناً؟ أهو
يرتفع همة من ذلك؟ هو يسأل، فلان هو أرفع همة من ذلك، أهو يمنع الناس حقوقهم؟ هو أكرم من ذلك. انظر، لا يمكنك أن تحصر انفعالات الناس في هذا، وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره. انظر، ها صورة ثالثة، وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر همته، وأن نفسه نفس لا تسمو. ما هذا؟ من الأول، يعني يمكنك أن تدخله في عموم الأول، صح؟ ولا يمكنك أن تدخله في عموم الأول، تلاحظون؟ لاحظتم هذه الصورة؟ من الأول، أأنت تمنعني؟ أأنت تأخذ بيدي؟ طبعاً هناك فرق، لا الأول عام، الثاني أدق، فقط مصورة من الأول، ليس خارجاً عنه؛ لأنه قال أأنت تمنعني، أأنت تأخذ بيدي؛ يعني يمكنك أن تقول جملة تحقير الشأن وجملة إعلاء الشأن وانتهينا، وكله يندرج تحت هذا أو تحت هذا.
رايت لو سنقسم علمياً وأكاديمياً ومتوناً: جملة التحقير وجملة التنزيه، بس، وتحت التحقير كل المراتب، وتحت التنزيه كل المراتب وانتهينا. ولذلك قال محمود شاكر: عبد القاهر كأنه يسابق وهو يضع هذا الكلام، كان شيئاً يلاحقه، وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر همته؛ عبد القاهر كان شأنه أو كان غرضه التدوين ثم التدوين ثم التدوين رضي الله عنه وجزاه خيراً. وقد يكون أن تجعله لا يفعله لصغر قدره وقصر همته، وأن نفسه نفس لا تسمو، وذلك قولك: أهو يسمح بمثل هذا؟ أهو يرتاح للجميل؟ هو أقصر همة من ذلك وأقل رغبة في الخير مما تظن.
جملة الأمر أن تقديم الاسم يقتضي أنك عمدت بالإنكار إلى ذات من قيل إنه يفعل، أو قال: هو إني أفعل، وأردت ما تريده؛ إذا قلت: ليس هو بالذي يفعل، وليس مثله يفعل، ولا يكون هذا المعنى إذا بدأت بالفعل فقلت: أتفعل؟ ألا ترى أن من -انظر هو أجمل لك كل ما سبق الآن- ثم أقول: ألا ترى أن من المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه: أتخرج في هذا الوقت؟ أتغر بنفسك؟ أتمضي؟ أن يكون بمثابة من يفعل ذلك، هو لا ينكر أن يكون قادراً على الفعل، هو ينكر أن يكون قادراً على الفعل لو قدم الاسم: أأنت تخرج في هذا الوقت؟ أأنت تغرر بنفسك؟ أأنت تمضي في غير الطريق؟ هنا نقول: إنه أنكر أن يكون بمثابة من يفعل ذلك.
لكن إذا قال: أتخرج في هذا الوقت؟ أتغر بنفسك؟ أتمضي؟ قال هذا، انظر ماذا سأقول، قال: لا يمكن، محال، انظر، من المحال، من المحال لماذا؟ قال: من المحال أن تزعم أن المعنى في قول الرجل لصاحبه كذا وكذا وكذا، أنه أنكر أن يكون بمثابة من يفعل ذلك، وبمن يجيء منه ذلك؛ لأن العلم -انظر إلى هذه العبارة- لأن العلم محيط أيضاً -أحالك على فهم اللغة- لأن العلم محيط بأن الناس لا يريدونه، وأنه لا يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام، يعني التي يستعمل في أثنائها هذا الكلام، وأنه لا يليق بالحال التي يستعمل فيها هذا الكلام، يعني مثل هذا الكلام؛ لما تقول لشخص: أتخرج؟ وتقدم، عرف اللغة هنا في تقديم الفعل أنك تستنكر وقوع الفعل ولا تنكر إمكان وقوعه من فلان، بخلاف ما لو قدمت الاسم؛ فأنت تنكر أن يقع من فلان الذي أدى إلى ذلك التقديم والتأخير وهو الباب الذي نحن فيه بعد الباب الذي هو في اللفظ يطلق ويراد به غيره وبناه على الاستعارة والكناية.
انظر، نربط، نربط الكتاب؛ قال: وكذا مهما اتسع الكتاب ينبغي أن تحيط به، وأن يكون بين عينيك؛ قال: وكذلك محال أن يكون المعنى في قوله جل وعلا: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28]، أنا لسنا بمثابة من يجيء منه هذا الإلزام، وأن غيرنا يفعله جل الله تعالى؛ يعني كما لو كان النص أن نحن نلزمكموها لكن غيرنا يلزمكم، لكن أنحن نلزمكموها؟ فهو يقول: جل الله أن يريد هذا، لكن ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ فهذا إنكار للفعل من أصله وليس إنكاراً للفاعل بحيث يجوز أن يقع من غيره، هو إنكار للفعل أصلاً. قال: فمن ذلك قوله: أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مَضَاجِعِي وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ أهلاً، هو يقتلني والمشرفي مضاجعي؟ ركزوا اللام هنا دقيقة؛ قال: وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل، فإذا نظر لم يحتمل، وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل، فإذا نظر لم يحتمل. السؤال المتعين هنا أيها الإخوة، وهذا ما ستسألون عنه في اختبارات الكتاب، كل كلمة قلتها في الكتاب زائدة مبينة شارحة مضافة على متن الكتاب ستمتحن فيها، خلاص، وأنا قلت ستمتحن وأنا قصدتها لأن فيها محنة، لما أقول: ستختبرون، ستمتحن فيها، خلاص، لكن تحت كل محنة منحة.
طيب، السؤال المتعين هنا لماذا؟ لماذا يحصل هذا؟ كيف يحصل هذا؟ لماذا؟ هو عبد القاهر قالها كلمة ينبغي أن نمشي على طريقة عبد القاهر في استنطاق الكلام والوقوف على علله؛ نحن يا إخوة نحلل الشعر، ونحلل أسباب الخطأ فيه في عقول الناس، هذه مهارة لا بد أن تكون لكم؛ نحن نحلل أسباب الخطأ حتى نسهل للناس تصحيح هذه الأخطاء. عبد القاهر يقول: وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل فإذا نظر لم يحتمل. فسؤاله المتعين هنا: كيف وقع هذا؟ كيف توهم أنه يحتمل فإذا نظر لم يحتمل؟ الجواب لذلك أسباب كثيرة، ذلك له أسباب كثيرة، على رأسها سببان.
الأول، وهو الأكثر شيوعاً: وهو غلط العامة في معرفة الدلالة والاستعمال، يعني ما ذنبنا إذا العامة قرأت وكانت عندها زيد المنطلق، المنطلق زيد، المنطلق هو زيد، كان كل ذلك واحداً عندها؟ هذا تمثيل أيضاً، هذا زيد المنطلق ليس واحداً عندها، خلاص، لكن أقول ما ذنب العربية؟ ما مسؤوليتها إذا كانت العامة تغلط في الدلالات في فهم الدلالات، إذا كانت لا تفرق بين ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] و﴿عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، ما ذنب العربية؟ ما ذنبها إذا كانت لا تفرق بين لام السببية ولام التعليل؟ وصريح السببية لفظ السببية في بسبب كذا أو لأجل كذا؛ فأول شيء: غلط العامة في الاستعمال.
الشيء الثاني، وهو الذي وقع هنا في قصيدة امرئ القيس ولاجله أورده المثال عبد القاهر: الاطراد مع السياق، وركزوا، هذا أنتم تحتاجون إليه؛ الأول أنتم على وعي منه أو وعي به، الثاني هذا هو ما تحتاجون إليه الآن، ركزوا فيه ودونوه؛ الاطراد مع السياق وعدم اليقظة إلى تحوله بدلالة لغوية كما في هذا المثال، الاطراد مع السياق العام أو الخاص في القصيدة، وعدم اليقظة، عدم التنبه، عدم لمح التحول الذي وقع في السياق بدلالة اللغة، واللغة هي المؤثرة، هي الحاكمة، السياق يصنع باللغة، السياق يصنع باللغة، فيحصل خروج عن السياق دون أن تشعر وأنت تحسبه في السياق لاتفاق الكلام في المناسبة العامة، وهذه يا إخوة -ركزوا معي- هذه من مصدقات أو من صور تصديق ما قلته لكم أو أقوله لكم منذ سنين في أن امرأ القيس دقيق الدلالات، وبسبب المناسبة العامة في شعره ونعومة سطحه تحسب أن المعنى سهل، ويلحقه العامة ومن لا يفهم ومن لا يفقه بعمر بن أبي ربيعة الذي شعره فعلاً كذلك.
ما المثال هنا؟ ركز معي، امرؤ القيس قال: كُذِبْتَ لَقَدْ أَصْبِي عَلَى الْمَرْءِ عِرْسَهُ فصنع لك ماذا بهذا التقديم والتأخير؟ "على المرء عرسه" صنع لك سياقاً من إهانة بعلها، كذبت لقد أصبي على المرء عرسه، وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي، خلاص. وَيَا رُبَّ يَوْمٍ قَدْ لَهَوْتُ وَلِي بِأَنْسَةٍ كَأَنَّهَا خَطُّ تِمْثَالٍ يُضِيءُ الْفِرَاشَ وَجْهُهَا لِضَجِيجِ زَيْتٍ فِي قَنَادِيلِ ذُبَّالٍ كَأَنَّ عَلَى لَبَّاتِهَا جَمْرَ مَصْطَلٍ أَصَابَ غَدَاةً جَزْلًا وَكَفَّ بِأَجْذَالِ وَهَبَّتْ لَهُ رِيحٌ بِمُخْتَلِفِ الصَّوَى صَبًا وَشَمَالٍ فِي مَنَازِلِ قِفَّالِ وَمِثْلِكِ بَيْضَاءِ الْعَوَارِضِ طِفْلَةٍ لَعُوبٍ تُنَسِّينِي إِذَا قُمْتُ سِرْبَالِي كَعَاجِكِ فِي النَّقَى يَمْشِي وَلِيدَانِ فَوْقَهُ بِمَا احْتَسَبَ مِنْ لِينِ مَسٍّ وَتَسْهِيلِ لَطِيفَةِ طَيِّ الْكَشْحِ بعد أن وصفها قال: تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب أدنى دارها نظر عالي، نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقف، سموت، سموت إليها بعد ما نام أهلها، سمو حباب الماء حالاً على حال، فقالت: سباك الله، لماذا بدأت لك مبكراً؟ لأن "لقد أصبي على المرء عرسه" الحقيقة من هنا بدأت إهانة زوجها أو إهانة بعلها، خلاص؛ سموت إليها بعدما نام أهلها سمو حباب الماء حالاً على حال، فقالت: سباك الله، إنك فاضحي، ألست ترى السمار والناس أحوالي؟ فقلت: يمين الله أبرح قاعداً، ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي.
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ، لنام فما إن من حديث ولا صالي، فلما تنازعنا الحديث واسمح، هصرت بغصن ذي شماريخ ميالي، وصرنا، لاحظ كل هذا في ظل كونها عرساً للمرء، خلاص؛ هصرت بغصن ذي شماريخ ميالي، وصرنا إلى الحسنى وراق كلامنا، وردت فذلت صعبة أي إذلال، فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها عليه القتام سيء الظن والبالي. نكمل بعد الأذان.
نرجع يقول: فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها عليه القتام سيء الظن والبالي، يغط غطيت البكر شد خناقه، ليقتلني والمرء ليس بقتال، أيقتلني والمشرفي مضاجعي؟ انظر، يأخذك سياق، يأخذك تنخدع في سياق ماذا؟ في سياق الكلام وقوة الروح والحضور، فتغيب عن الدلالة الخاصة للكلام؛ تغيب عن الدلالة الخاصة؛ لأنه قال بعد ذلك: لم يقل أهو يقتلني؟ أهو يقتلني؟ قال: أَيَقْتُلُنِي وَقَدْ شَغِفْتُ فُؤَادَهَا كَمَا شَغَفَ الْمَهْنَا الرَّجُلُ أو أيقتلني والمشرفي مضاجعي، ومسنونة زرق كأنياب أغوال، هنا تستطيع أن تقول إن امرأ القيس لو أنك أرهفت حسك عند هذا الموضع ستعلم أن امرأ القيس في هذا البيت اقتطع واستثنى وتكلم عن نفسه فاخراً لا عن إهانة فلان، ثم رجع بعد ذلك رجع إلى سياقه: أَيَقْتُلُنِي وَالْمَشْرَفِيُّ مَضَاجِعِي وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ وَقَدْ عَلِمَتْ سَلْمَى وَإِنْ كَانَ بَعْلُهَا بِأَنَّ الْفَتَى يَهْذِي وَلَيْسَ بِفَعَّالِ ها ماذا أقول؟ أقيل، آه، وليس بذي رمح فيط عنني به إلى آخره.
المقصود هنا أيها الإخوة أنه السياق من قبل ومن بعد يعني سلك الكلام في إهانة هذا الزوج، هذا البعل، ولكن لما قال أيقتلني كان بذلك منتبهاً إلى نفسه هو: أيقتلني والمشرفي مضاجعي؟ يعني أيقتلني وأنا حالتي كذا وكذا؟ وهذه الحالة كما سينبه عبد القاهر وكما هي ظاهرة لا تخفى عليكم، هي حالة تشمله وتشمل غيره، ولو أرهفت حسك لعلمت أنه لو كان يقصد إهانته لقال: أهو يقتلني؟ أهو يقتلني؟ وهنا كان يصح أن يقول فقط: وليس بذي رمح في نفس البيت أو في نفس السياق، لكن أيقتلني الهواء مرة أخرى؟ طيب، لكن أيقتلني والمشرفي مضاجعي، هذا لا يستقيم؛ أيقتلني والمشرفي مضاجعي، هذا لا يستقيم.
نعم، لحظة، الآن يوجد هواء، أنا ألاحظ، لحظة الآن يوجد هواء، لا الحمد لله طيب. فقال: فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها عليه القتام سيء الظن والبالي، يغط غطيت البكر شد خناقه ليقتلني والمرء ليس بقتال، أيقتلني والمشرفي مضاجعي؟ شوف الكلام عن نفسي، أيقتلني، أنا أقتل؟ كأنه يقول: أنا، كأنه اقتطع هذا البيت لنفسه: أنا أقتل؟ أيقتلني والمشرفي مضاجعي؟ فالإنكار إنكار وقوع الفعل أصلاً منه ومن غيره، أيقتلني وليس أهو يقتلني؟ بحيث يصح أن يكون غيره منه ذلك، فالسياق لو سار في طريق إهانة زوجها أو بعلها لكان بتقديم الاسم: أهو يقتلني؟ لحظة، لكان بتقديم الاسم أهو يقتلني، لكن أيقتلني، يقول عبد القاهر وتقول لي الهواء لأنه هبت هب النسيم، هب النسيم.
يقول: وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل، فإذا نظر لم يحتمل، يعني إذا انتبه لم يحتمل، الهواء قوي جداً طيب، أنا سأتصور إن شاء الله سأفعل شيئاً. يقول عبد القاهر: وقد يتوهم المتوهم في الشيء من ذلك أنه يحتمل، فإذا نظر لم يحتمل، فمن ذلك قوله: أيقتلني والمشرفي مضاجعي؟ وقد يظن الظان أنه يجوز أن يكون في معنى أنه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي، ويتعلق بأنه قال قبل: يغط غطيت البكر شد خناقه ليقتلني والمرء ليس بقتال، يتعلق -انظر هنا ماذا حصل- تعلق بالسياق فانخدع توهم، نعم.
قال عبد القاهر: ولكنه إذا نظر علم أنه لا يجوز، وذلك لأنه قال: والمشرفي مضاجعي، فذكر ما يكون منعاً من الفعل، ومحال أن يقول هو ممن لا يجيء منه الفعل، ثم يقول: إني أمنعه؛ لأن المنع يتصور في من يجيء منه الفعل ومع من يصح منه، لا من هو منه محال، ولا من هو نفسه عنه عاجز، فاعرفه؛ يعني يقول: تقديم الفعل يقتضي أنه يمنع الفعل نفسه، كيف؟ وإذا وعلى ما تقولون يقتضي أن يمنع الفعل فقط من ماذا؟ أن يمنع الفعل فقط من هذا الشخص لضعفه هو، من هذا الشخص لضعفه هو، وأنه قد يجيء من غيره، فكيف يسمح بالفعل من غير هذا ثم يمنع الفعل نفسه؟ هذا تناقض، هذا تناقض ومحال، نعم. فيقول: ومحال أن يقول هو ممن لا يجيء منه الفعل، ثم يقول إني أمنعه؛ لأنه لما قدم الفعل كان كأنه يمنعه؛ كيف يمنعه وهو على ما فهمتم لا يجيء منه؟ لأن
عبد القاهر الآن ثبت شيئاً وهو أن تقديمه الفعل يعني أنه يمنعه من أي أحد، فكيف إذا حكم بضعف هذا الشخص بحكم السياق الذي خدعنا فيه؟ كيف تقول أمنعه وهو لا يقع منه هذا؟ هذا مراد عبد القاهر، وكذلك يحصل التناقض من جهة أخرى وهي التي ذكرتها، وهي أن تقديمه الفعل يعني أنه إذا قدم الفعل يعني أنه يمنع الفعل من كل أحد. فكيف يمنع الفعل ممن لا يقدر عليه؟ أو إذا قدم الاسم فهذا يعني أنه يقع من غيره، فيتناقض مع هذه الصيغة في التقديم.
قل يا عقيل. أنا قلت ما تريد، نعم، أنا أتيت بالأمر من جهتين في الكلام، عندك جديد يا حماري؟ عندي سؤال مولانا، تفضل يا سيدي، أردت أن أسأل هل القاعدة التي قعدها هنا هي بشكل مطلق أم أنه يتكلم عن حالة مخصوصة مثل الذي في هذا الشعر؟ لا، طبعاً هي بشكل مطلق في هذه الجزئية من الدلالة، يعني هو يقول: تقديم الفعل عناية بالفعل، وتقديم الاسم عناية بالاسم. هذا مضطرد بل محال ألا يراد ذلك، وهو أتى بهذه الصور ليدل بها على غيرها، وأنه إذا أثر هنا فالتأثير في الجميع وفي كل أبواب التقديم.
نعم، أنا أعلم هذا لكن أقصد مثلاً في الأمس عندما كنا نتكلم عن تقديم الاسم والفعل أتى بحالة خاصة مثل التي هي الله أذن لكم، نعم هي لا، لحظة، وهناك غرض بلاغي، أنا أقصد هل تكون في الفعل المضارع؟ لاحظ أن الغرض الخاص الذي جاء من الله أذن لكم، والغرض الخاص الذي جاء من صيغة مفترضة في أتفعل هذا بآلهتنا أو أأفعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم، هو بناها أيضاً على قاعدة في تقديم الفعل، وطبقها طبقة أخرى تذكر، يعني هو بناها طبقة أخرى ليست غرضاً جديداً مستقلاً، هو بناها على أن تقديم الفعل حصل إيهام، تذكر حصل إيهام؟ قال لك إيهام بأنه أنكر الفعل لماذا؟ لأنه قدم إنكار الفعل، فهذه القاعدة مضطردة في هذا الموضع في تقديم الفعل والاسم، بحيث يباشر الواحد منهما همزة الاستفهام، هذه أمثلة أتى بها وصور، هو نفسه قال لك هذه مجموعة وجمل وصور ومسائل لا يتأتى الإنكار فيها، نتكلم عن همزة الاستفهام بتقديم الاسم مرة إليها، يعني أن يليها الاسم مرة وأن يليها الفعل مرة.
سؤال هنا، هل هذا تقديم وتأخير من النوع الأول الذي على نية التأخير أم تقديم لا على نية التأخير؟ النوع الثاني، قل يا عقيل. الثاني لا على النية، لأنه بنى الكلام بناء من الأول لا على الإعراب، الأول هو بناه على هيئة أخرى من الجملة أصلاً، فهو تقديم وتأخير بالنسبة إلى صياغة أخرى، وليس تقديم وتأخير بالنسبة إلى ما كان ينبغي أن يوضع عليه في الترتيب بحكم الإعراب.
قل يا أسامة، موضعنا في امرئ القيس بعد هذا البيت الذي ناقشه عبد القاهر ببيتين عندما يقول: أَيَقْتُلُنِي وَقَدْ شَغَفْتُ فُؤَادَهَا كَمَا شَغَفَ الْمَنْوُوحَ الرَّجُلُ الطَّالِبُ. هل الغرض من قوله أيقتلني نفس هذا أنه لا يكون منه الفعل؟ جميل، يسالنا عن أيقتلني وقد شغفت فؤادها، لو قال: أهو يقتلني وقد شغفت فؤادها، هل هذا الكلام له معنى؟ أهو يقتلني وقد شغفت فؤادها يا إخوة، هو يستنكر قتله بعد أن شغف، شوف الكلام مهين بس سيء، يعني مهم في البلاغة سيء، أيقتلني بعلها وقد شغفت فؤادها، يعني كما قال الشراح: ماذا يفيده القتل؟ قد قتلته أنا قبل ذلك، بماذا يرد لنفسه بالقتل؟ ماذا ينفع القتل وقد شغفت فؤادها؟ أخذت فؤادها ليس فقط شيء أنه احتك بها تغزل بها، لا، شغفت فؤادها، فماذا ينفعه القتل؟ هذا هو المعنى، لو قال أهو يقتلني وأنت تنتظر غيره يقتله وقد شغف فؤادها، ما علاقة غيره؟ لو قال أهو يقتلني وقد شغفت فؤادها كان خارجاً عن كلام العقلاء، يعني بتعبير عبد القاهر أهو يقتلني وقد شغفت فؤادها ما فائدة أهو أيقتلني؟ الكلام على القتل لأن تعيين كونه هو الذي سيفعل مفهوم لا يحتاج إلى شيء، لا تقديم ولا شيء.
عقيل يطرد مع الموضوع فهو القضية قضية القتل، أما وقوعه من هذا الشخص فلا يعقل غير وقوعه من هذا الشخص أصلاً، لا يعقل غير وقوعه من هذا الشخص، وضحت يا أسامة؟ يعني ماذا ينفعه أو ما الذي ينتفع به من قتلي وقد شغفت فؤادها بماذا ينفعه قتلي وقد شغفت فؤادها؟ هذا هو.
قال: واعلم أن.. انظر هنا كلام خطير، انتبهوا يا إخوة كلام دقيق سيأتي دقيق، يقول: واعلم أن وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار، العبارة هذه غريبة وقفت عندها وتأملت وقلت يعني حتى الإنكار الذي يتوقف عنده كلام النحوي وأحياناً بل عادة يتوقف عنده كلام البلاغي الذي دون البلاغة حين يقولان أي النحوي والبلاغي استفهام يراد به الإنكار، حتى هذا الإنكار ليس هو المراد حقيقة، وإنما هو تمثيل لمعنى آخر أو مرمى آخر في الكلام كما سيشرح عبد القاهر، يعني حتى الإنكار ليس المراد، يقول إنكار، حتى هذا ساذج وللأسف الطلاب والشيوخ يقفون عند هذا، يقول الله استفهام يراد به الإنكار يا سلام، هذا هو المراد عند التحليل؟ لا بل يمتنع عند العقل، لا بل يستحيل كما سترى.
يقول: واعلم أنا وإن كنا نفسر الاستفهام في مثل هذا بالإنكار، فإن الذي هو محض المعنى أنه لينتبه، انظر محض المعنى يعني إذا أراد أن يشرحه بصياغة مباشرة بعيداً عن الصياغة الفنية، قال: فإن الذي هو محض المعنى أنه لينتبه ليتنبه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتد ويعي بالجواب، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه، هذا في حال دخول الاستفهام على الاسم، أم الفعل؟ أجيبوا، إما لأنه قد ادعى القدرة على فعل لا يقدر عليه هذا في حال دخول الاستفهام على ماذا يا إخوة؟ الاسم أحسنت يا عقيل وليس الفعل، أحسنتم جميعاً.
فإذا ثبت على دعواه قيل له فافعل، فيفضح ذلك، وأما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصعبه، وعرف الخطأ، وأما لأنه جوز وجود أمر لا يوجد مثله، فإذا ثبت على تجويزه قبح على نفسه، وقيل له فأرنا في موضع وفي حال وأقم شاهداً على أنه كان في وقت، هذا إذا دخل الاستفهام على ماذا؟ على الفعل، أحسنتم جميعاً، أحسنت يا عقيل ويا حماري وأسامة.
قال ركزوا في العبارة التالية، مهم أن تضعوا فيها القلم، قال: ولو كان يكون للإنكار وكان المعني فيه من بدء الأمر.. المعني وليس المعنى، يقول عندي المعنى غلط، وكان المعنى فيه من بدء الأمر.. ما هو الذي كان المعنى فيه من بدء الأمر؟ يعني ماذا الإنكار هو المعنى هنا، إذاً ما الذي كان فيه؟ لا، وكان المعني فيه، هذا كان لا تضبط يا إخوة، محمود شاكر يقول في هامش المخطوطة ما نصه أي وكان الإنكار المعني فيه، بمعنى أن في كان ضمير الإنكار، لو قلت وكان الإنكار المعني فيه من بدء الأمر وليس المعنى بمعنى المقصود، هذا كلام رقيق جداً وضعيف، وكان الإنكار المعنى فيه.. أي لو قلت ولو كان يكون للإنكار وكان الإنكار المعنى فيه، المعنية يعني المقصود وليس المعنى، لو نظرت إلى المعنى فالمعنى هو الاستفهام والفعل نفسه، لو نظرت إلى المعنى فهو الاستفهام، لكن المعني هذا أجرى على طريقة عبد القاهر، وهناك ما يدل على ذلك أنك لا ترى كلمة المعنى في ضبط محمود شاكر على طول الكتاب، يقول لك المعنى بضبط الميم والعين، انظر إلى كلمة محض المعنى في الفقرة مائة وعشرة، محض المعنى لم يضبط شيئاً من ذلك، لكن جاء هنا وقال لك وفتح لك الميم والعين، وعبد القاهر يستعمل كلمة المقصود والمراد والغاية من الأول، وكذا أي وكان الإنكار المعني فيه يعني هو الذي أقصده وأريده من الأول.
أما أن يقول وكان الإنكار المعنى هو الإنكار هو المعنى إلا إذا كان الذي يرمي إليه، وإذا كان الذي يرمي إليه فعبد القاهر في سياق الشرح خلاص، فيقول وكان الإنكار المعنية يعني المقصود من الأول هو في بيان ما هو المقصود، ركزوا في هذا يا إخوة عبد القاهري في بيان ما هو المقصود، فيقول كان الإنكار المعنية وليس كان الإنكار المعنى يعني أيه الإنكار كان المعنى، اه مفهوم الكلام صحيح لكن هذا بعيد عن الأسلوب البليغ وعن أسلوب عبد القاهر نفسه.
قال ولو كان يكون للإنكار وكان أي الإنكار المعنية المقصودة فيه من بدء الأمر، جربها على ذهنك وستدرك إن شاء الله، قال ولو كان يكون للإنكار وكان الإنكار المعنية فيه من بدء الأمر لكان ينبغي ألا يجيء فيما لا يقول عاقل أنه يكون، يعني لك ينبغي ألا يأت، هذا الإنكار ألا يجيء فيما لا يقول عاقل أنه يكون حتى ينكر عليه، كقولهم أتصعد إلى السماء، انظر أتصعد إلى السماء، أنت تنكر ذلك؟ يعني ما شاء الله، أستطيع أن تنقل الجبال، أيرد ما مضى سبيل؟ يعني تصور أن هذا لاجل إنكار الفعل نفسه لا يقوله العقلاء، عندي أن تقول للحداثي أيضاً أتكون شاعراً بمثل ما تقول؟ قطعاً أنا لا أنكر هذا لأن معروف أنه ما يهذي به لا يكون به شاعراً أصلاً، لكن أنا أنكر شيئاً آخر، أنكر عليه هو، فهذا ليس تقريراً بالمحال، وإنما هو تمثيل لردعه عن ذلك، فليس أنك تن.. يعني حتى الإنكار تمثيل لغيره، يقول عبد القاهر وإذ قد عرفت ذلك فإنه لا يقرر بالمحال، قاعدة لا يقرر بالمحال، أنا أقر بك بماذا؟ أستطيع أن تنقل الجبال، أتصعد إلى السماء، هل هذا إنكار على ظاهره؟ لا، قال وإذ قد عرفت ذلك فإنه لا يقرر بالمحال وبما لا يقول أحد أنه يكون إلا على سبيل التمثيل، يعني حتى هذا الإنكار الذي يقول النحاة والبلاغيون هذا استفهام في معنى الإنكار أو يراد به الإنكار، حتى الإنكار لا يراد، هذا الإنكار المعني به شيء آخر، المقصود به شيء آخر، هو ماذا؟ هو ما ذكره في محض المعنى حين قال ليتنبه السامع حين يرجع إلى نفسه فيخجل ويرتد ويعي بالجواب، هذا هو المقصود، هذا المرمى الشعري، هذا المرمى الشعري.
قال وإذ قد عرفت ذلك فإنه لا يقرر بالمحال وبما لا يقول أحد أنه يكون إلا على سبيل التمثيل، وعلى أن يقال له إنك في دعواك ما ادعيت بمنزلة من يدعي هذا المحال، يعني هو يقول إذا كان الإنكار على ظاهره لا يقوله عاقل، تنكر ماذا؟ تقرر بماذا؟ تقرر ببان ما يقوله الحداثي يكون به شاعراً، هذا لا يقوله عاقل، إنك في دعواك ما ادعيت بمنزلة من يدعي هذا المحال، وإنك في طمعك في الذي طمعت فيه بمنزلة من يطمع في الممتنع، وإذ قد عرفت هذا فمما هو من هذا الضرب قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: 40] معناه إذا كنت لا تسمع الصم أو تهدي العمي، هل الله تعالى أو النص القرآني يستنكر أن النبي صلى الله عليه وسلم هو بخصوصه يسمع الصم أو يهدي العمي؟ لا، معناه إذا كنت لا تسمع الصم ولا تهدي العمي فكذلك لن تجعلهم يؤمنون إذا أردت ذلك ما لم يشرح الله تعالى صدورهم للإيمان، ليس إسماع عندكم سقطت الهمزة عندكم سماع صح هذا غلط ليس إسماع، وهكذا في النسخ الأخرى، هذا من سقطات هذه النسخة واضح يا إخوة هذا من سقطات هذه النسخة، ليس إسماع الصم مما يدعيه أحد أصلاً، ليس إسماع الصم مما يدعيه أحد فيكون ذلك للإنكار، هو ليس مما يدعى من الأول لينكر، لنقف عند حد الإنكار هناك إنكار في أمور لا تقع فيقول في أمور يكون من غير العقل أن تنكرها لكن أنت تريد التمثيل بهذا الإنكار لسخافة ادعائها إذا ادعيت وهي لا تدعى، هي لا تدعى بالضبط قال ليس إسماع الصم مما يدعيه أحد فيكون ذلك للإنكار لا هو ليس المضمر يا أيوب ما بعد الإنكار، أما الإنكار فهو الظاهر ليس إسماع الصم مما.
يدعيه أحد فيكون ذلك للإنكار، وإنما المعنى فيه التمثيل والتشبيه. انظروا، هل ترون أحداً الآن من مشايخ البلاغة يستعمل التمثيل والتشبيه في هذه الصور الدقاق؟ وإنما انظروا، التمثيل والتشبيه دقائقه أوسع مما يتكلم فيه، وإنما المعنى فيه التمثيل والتشبيه، وأن يُنزل الذي يظن بهم أنهم يسمعون، أو أنه يستطيع إسماعهم، منزلة من يرى أنه يسمع الصم ويهدي العمي.
ثم المعنى في تقديم الاسم، وإن لم يقل: أتعلم الصم؟ هو أن يُقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت خصوصاً قد أوتيت أن تسمع الصم، وأن يُجعل في ظنه أنه يستطيع إسماعهم بمثابة من يظن أنه قد أوتي قدرة على إسماع الصم. انظروا إلى التفريع: أفأنت تسمع الصم؟ يعني أنت دوناً عن كل الناس، أنت صرت الآن تمتاز بذلك. هذا هو السبب في التقديم. طيب ماذا لو قيل: أتسمع الصم؟ سيكون إنكاراً، صحيح سيكون إنكاراً، وسيكون المعنى صحيحاً، لكن فقدنا طبقة أخرى من المعنى، وهي أنك تميزت عن سائر الناس في هذا؛ لأنك تعلم مع تقديم الاسم أن الفعل لن يكون لا منه ولا من غيره.
هذا يذكركم بماذا في الأمس؟ يا حميري، أنت على الخصوص لأنك سألت عنه في الأول، يذكركم بماذا؟ الآية في إبراهيم، صح: ﴿أَفَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾. رايت، أفعلت هذا بآلهتنا؟ عجبتك يا عقيلة؟ أفعلت هذا بآلهتنا؟ يعني إنكار أنه وقع. هذه طبقة، لماذا فهمنا طبقة فوق طبقة؟ لأن الفعل واقع في النص، ليس سؤالاً عن وقوع الفعل، الفعل واقع، فحمل على الإيهام. كذلك هنا حمل على ماذا؟ على الامتياز والاختصاص، يعني أنت امتزت عن كل الناس في هذا. طيب ما الذي حملني على ذلك؟ العلم بأنه لا أحد يسمع الصم، فتخصيص الاسم لا يعني عدم نفيه عن غيره، بل يعني شيئاً زائداً في تقديم الاسم، كما هناك لما علمت وقوع الفعل، تقديم الفعل لم يكن لأجل السؤال عن الفعل، وإنما انتقلنا طبقة أخرى، وهي الإيهام بإنكار الفعل، وإنكار أنه قد وقع، وتفظيع لوقوعه، وأنك لا تصدق.
قال: وأن يُجعل في ظنه أنه يستطيع إسماعهم بمثابة من يظن أنه قد أوتي -يعني دوناً عن الناس- قدرة على إسماع الصم. ومن لطيف ذلك قول ابن أبي عيينة: فَدَعِ الوَعِيدَ فَمَا وَعِيدُكَ ضَائِرِي ... أَطَنِينُ أَجْنِحَةِ الذُّبَابِ يَضِيرُ؟ جَعله كأنه قد ظن أن طنين أجنحة الذباب بمثابة ما يضير، حتى ظن أن وعيده يضير.
قال: واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل. كل ما سبق واضح يا إخوة. فدع الوعيد فما وعيدك ضائري، أطنين أجنحة الذباب يضير؟ كان يمكن أن يقول: أي ضير طنين أجنحة الذباب؟ فلما قدم الطنين، ليس معناه أنه يسأل أنه يقول غير ذلك يضرني، لكن هو يريد أن يقول: أنت فعلك كطنين الذباب، فكيف تظن أن وعيدك يضر؟ واعلم -طبعاً هذا مثال على ماذا؟ على أن الاسم يقدم ليس لأن الفعل يجوز في غيره، وإنما لخاصة أخرى-.
قال: واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل بالضبط. ذكرنا، شوف كل ما سبق كان الكلام في فاعل، واعلم أن حال المفعول فيما ذكرنا كحال الفاعل، أعني أن تقديم اسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل. أعني أن تقديم اسم المفعول يقتضي أن يكون الإنكار في طريق الإحالة والمنع من أن يكون بمثابة أن يوقع به مثل ذلك الفعل. فإذا قلت: أزيداً تضرب؟ كنت قد أنكرت أن يكون زيد بمثابة أن يضرب، أو بموضع أن يجتر عليه، ويستجاب ذلك فيه.
ومن أجل ذلك قدم "غير" في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾؛ لأن الإنكار هو في أن تتخذ غير الله ولياً. وقوله عز وجل: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾. وكان له طبعاً، واضح يا إخوة ولا أشرح "أغير الله تدعون"؟ بتقديم غير، واضح ولا أشرح "أغير الله تدعون"؟ واضح تماماً.
قال: وكان له من هذا على الأصل، يعني واضح جداً على كل ما سبق، وكان له من الحسن والمز والفخامة، انظر الحسن والمز والفخامة، شوف التعبير وفيه أيضاً تقويم. وكان له من الحسن الذي يقولون "نوصف ولا نقوم"، لماذا نقوم؟ يعني إن شاء الله. وكان له من الحسن والمز والفخامة ما تعلم أنه لا يكون لو أخر، فقيل: قل أتخذ غير الله ولياً؟ مع أن أصل المعنى هو، هو وتدعون غير الله، هو هو، بس مات الكلام، لكن "أغير الله" قل أغير الله أتخذ ولياً، أغير الله تدعون.
وذلك لأنه قد حصل بالتقديم معنى قولك: أيكون غير الله بمثابة أن يتخذ ولياً؟ وأيرد عاقل من نفسه أن يفعل ذلك؟ أيكون جهل، أجهل وأعمى من ذلك؟ ولا يكون شيء من ذلك إذا قيل: أتخذ غير الله ولياً، مع أن أصل المعنى صحيح. وذلك لأنه حينئذ يتناول الفعل أن يكون فقط، ولا يزيد على ذلك. فاعرفه الله. تامل القضية، قضية زيادة خصائص، لطائف فكر، رأيتم زيادات على أصول المعاني، ولذلك الشاعر يمتاز عن غيره بزيادة في أصول المعنى.
ولهذا انتبهوا حتى لا يدخل عليكم وتتوهوا في هذا الأمر، الجاحظ حينما قال: المعاني مطروحة في الطريق، وإنما الشعر صياغة وضرب من النسج والتصوير، أراد أصول المعاني. ولما قالوا: الشاعر هو الذي يشعر بما لا يشعر به غيره، قالوا: المعاني التي تحتاج إلى الفكر والفطن، فهذه المعاني الشعرية، فلا تناقض بين الكلام، كلام الجاحظ في أصول المعاني وأما الصياغة والنسج والتصوير، فقد عرفتم أنها ملازمة للمعاني كما هنا، وأن الألفاظ لا تراد لذاتها فهي المعاني الشعرية.
ولما قال الشاعر: هو الذي يشعر بما لا يشعر به غيره، يريدون المعاني، لا تناقض بين هذه الكلمة وكلمة الجاحظ كما قد يفهم البعض، لا يريدون المعاني التي تحتاج إلى الفكر والفطن، المعاني التي تحتاج إلى الفكر والفطن والمعاني الخاصة بالشاعر، وإن كانت أصول المعاني واحدة التي يلتقي فيها الناس ويشعرون بها، لكن الشاعر يشعر بشعور فوق ذلك، يعلم علماً فوق ذلك. هذا هو، انظروا يا إخوة على تداخل هذا الأمر وصعوبته، ولا سيما إن شاء الله بعد أن ننتهي من كتاب "دلائل الإعجاز"، أقول على صعوبته وكذا في الأخير ستحيط به، ويكون كل شيء في مكانه.
المهم أن تفهموا الأمور، وأن تفهموا النظرية الفكرة العامة، وأن تفهموا الألفاظ التي يتحدثون بها في تلك العبارات. يمكن لأي مبتدئ أن يشكل عليه الأمر: كيف يشعر بما لا يشعر به غيره؟ وقالوا المعاني مطروحة في الطرقات وإنما هو تركيب لغوي؟ قد فهمتم الآن المعاني الأصلية المجردة، والثانية هي المعاني الشعرية التي تحتاج إلى الفكر والفطن واللطائف والخصائص. وهذه هي الملازمة للصياغة والضرب من النسج والتصوير.
والمثال الذي أتى به الجاحظ في هذا الكتاب في قبل ذلك بأسطر قليلة يدل على ذلك، لما عاب على أبي عمرو الشيباني أنه أعجب بهذين البيتين حتى دعا -دعا بالقلم والقرطاس- وأمر لتكتب. من يذكر الأبيات؟ كما قال أسامة، إنما ذهب الشيخ إلى استحسان المعنى، شوف الكلام، إلى استحسان المعنى والمعنى في الطريق ملقى في الطريق. يعني كل أحد لما قال: لَا تَحْسَبَنَّ المَوْتَ مَوْتَ البِلَى ... فَإِنَّمَا المَوْتُ سُؤَالُ الرِّجَالِ كِلْتَاهُمَا مَوْتٌ وَلَكِنَّ ذَا ... أَفْضَعُ مِنْ ذَا لِذُلِّ السُّؤَالِ
يقول الجاحظ: رأيت أبا عمرو الشيباني من رواة الشعر الكبار قد استحسنهما جداً، حتى دعا غلاماً بقرطاس وقلم ليكتب وكذا، قال: لا أحسب أن قائل هذا يقول شعراً أبداً، ولا أحسب أن ابنه يقول شعراً، يعني ما يخلفش شاعر. قال: ولولا أن أدخل في بعض الفتك في مصدر آخر لقلت، أو لا أذكر الرواية الأخرى، المهم يقول: لقلت إن ابنه لا يقول شعراً أبداً، يعني لولا فقط أنه يكون متجني، لقلت إن ابنه لا يقول شعراً أبداً، يعني لا هو شاعر لا عمره يقول شعر ولا يخلف شاعر.
يعني من يقول هذا الكلام بالله عليكم؟ لا تحسبن الموت موت البلى؟ الموت الذي تبلى بعده؟ طب إيه علاقة البلى بالموضوع بسؤال الرجال؟ لا تحسبن الموت موت البلى، إنما الموت سؤال الرجال، كلاهما موت ولكن ذا أفضع من ذاك، أو من ذا لذل السؤال؟ يعني بجد لذل السؤال؟ آه بسبب ذل السؤال، يعني بعد أن قلت الموت سؤال الرجال، تقول لذل السؤال؟ يعني ماذا هناك؟ أنا فعلاً غير متصور كيف تجرأ أحد على أن ينظمه على أنهما شعرية.
قال: وكذلك الحكم في قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ﴾؛ وذلك لأنهم بنوا كفرهم على أن من كان مثلهم بشراً لم يكن بمثابة أن يتبع ويطاع وينتهى إلى ما يأمر ويصدق أنه مبعوث من الله تعالى، وأنهم مأمورون بطاعته، كما جاء في الأخرى: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا﴾، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً﴾.
فهذا هو القول في الضرب الأول، وهو أن يكون يفعل بعد الهمزة لفعل لم يكن لحظة، لحظة الآن راجع الفقرة السابعة بعد المئة، ارجع إلى صفحة 116، نحن في 122، ارجع إلى صفحة 116، ماذا قال؟ قال: فإن أردت الحال، كان المعنى شبيهاً بما مضى في الماضي، إن أردت الحال، ثم قال: وإن أردت بـ "تفعل" المستقبل، كان المعنى كذا وكذا. ثم يقول هنا: هذا هو القول في الضرب الأول.
انتبه حتى تفهم على أي شيء يرد عبد القاهر، جعل ما شرحه ثانياً واستفاض فيه -هو استفاض من بعد أن قال: وإن أردت بـ "تفعل" المستقبل، كان المعنى كذا- وكل ما قاله في "تفعل" المستقبل، لاحظتم؟ يرجع الآن إلى "تفعل" الأولى، قال: وأما الضرب الثاني، وهو أن يكون يفعل لفعل موجود الذي هو الحال. ولكنه لما استفاض في شرح الثاني جعله الأول. والترتيب أنه الثاني في أصل الذكر، أنه الثاني في أصل الذكر. وضحت يا إخوة؟ يعني هو قال لك الأولى الفعل الموجود، أهو إن أردت الحال -يعني فعل موجود- الثانية أردت الاستقبال، واستفاض في الاستقبال. كل هذه الصفحات في الاستقبال، تذكرت كل هذه استقبال، ثم يقول لك: وأما الثاني، اعتبر هذا هو الثاني، اعتبره الأول لأنه شرحه، ثم أقول لك: والثاني الذي هو الأول في الترتيب هناك.
فهمتم؟ قال: وأما الضرب الثاني، أنا فقط أنبهك حتى لا تفهم أن شيئاً فات عليك، وتفهم ما الذي سيشرح الآن وتربط الكلام ببعضه؛ لأنك يوماً ستشرح هذا الكتاب للناس فينبغي أن تكون فاهماً. وأما الضرب الثاني، أما هذه مرتبطة بماذا؟ لأن كل ما شرحه كان في الثاني، "وإن أردت بـ تفعل المستقبل كان المعنى إذ إذا بدأت بالفعل" وكل ما أتى بعده هو في النوع الثاني، ثم رد لك على الأول.
طيب، وإذا كان عبد القاهر ينظم كتابه وليس يلاحق ويسابق كما قال محمود شاكر، كان سيفعل ماذا ما سيقوله الآن؟ كان جعله بعد ده، إرادة الحال صح، ثم يذكر ما يكون الاستقبال، ما يدخل تحت الاستقبال، لكن استفاض في الثاني، ثم كأنه انتبه إلى أنه لم يستوفِ الأول، فرجع وقال: وأما الضرب الثاني. فهو أخضع نفسه لسيلان ذهنه، كأنه يخشى أن يرتب فيضيع عليه الزمن، وهذا ما أشار إليه محمود شاكر لما قال: كأن أحداً يلاحقه وهو يسرع في التدوين. لكن نحن علينا أن نشغل رأسنا في ربط كتابه ببعضه. قال: وأما الضرب الثاني، وهو أن يكون يفعل لفعل موجود فإن.
تقديم الاسم يقتضي شبيها بما اقتضاه في الماضي، وهو ما ذكره هناك أيضاً في الفقرة 107. فإن أردت الحال كان المعنى شبيهاً بما مضى في الماضي، لما ذكرت لكم بيت النابغة: أتوعد عبداً لم يخنك أمانة، وهذا من أول ما يرد في ذهني عند هذا السطر: أتوعد عبداً لم يخنك أمانة وتترك عبداً ظالماً وهو ضالع. فقال: وأما الضرب الثاني وهو أن يكون «يفعل» لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي شبيهاً بما اقتضاه في الماضي من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل أو الإنكار، يعني من الأخذ أو الإنكار.
أأتجزع -أخونا عقيل يقول-: أأتجزع والحيين لم يتفرقا؟ ولو قال: أأنت تجزع والحيين لم يتفرقا، إيه هذا الكلام؟ هذا كلام سخيف، صح؟ أأنت تجزع والحي ليس له معنى أصلاً. ما فائدة التخصيص بالحي لم يتفرقا مع قوله أأنت؟ يعني في حد ثاني هيجزع؟ كلام غير ملتئم على موضوعه.
وأما الضرب الثاني وهو أن يكون «يفعل» لفعل موجود، فإن تقديم الاسم يقتضي شبيهاً بما اقتضاه في الماضي من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل أو الإنكار أن يكون الفاعل. فمثال الأول قولك للرجل يبغي ويظلم: أأنت تجيء إلى الضعيف فتغسل له؟ أأنت تزعم أن الأمر كيت وكيت؟ وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. هذا مثال الأول الذي هو ماذا؟ ها، أنت عندك تقرير، تذكر تقرير وإنكار، صح؟ عندك تقرير وإنكار.
نرجع يقول: فإن أردت الحال كان المعنى شبيهاً بما مضى في الماضي، فإذا قلت: أتفعل؟ كان المعنى على أنك أردت أن تقرره بفعل هو يفعله، وكنت كمن يوهم أنه لا يعلم بالحقيقة أن الفعل كائن. وإذا قلت: أأنت تفعل؟ كان المعنى على أنك تريد أن تقرره بأنه الفاعل، وكان أمر الفعل في وجوده ظاهراً وبحيث لا يحتاج إلى الإقرار بأنه كائن. يقول هنا: من الأخذ بأن يقر أنه الفاعل أو الإنكار أن يكون الفاعل، كما في الأول لما شرح في الفعل الماضي في الدرس السادس عشر: أأنت قتلت؟ أأنت ذهبت؟ أأنت قلت؟ فيقول هنا: فمثال الأول الذي يقرره، ها، يأخذه بأن يقر بأنه الفاعل، أو من الإنكار يعني أو من الإنكار أن يكون الفاعل.
قال: فالمثال الأول الذي هو الأخذ بأن يقر أنه الفاعل: أأنت تجيء إلى الضعيف فتغصب ماله؟ أأنت تزعم أن الأمر كيت وكيت؟ وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. قالوا هنا: هذا على التقرير: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. ومثال الثاني الذي هو الإنكار أن يكون الفاعل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32]، فهذا إنكار أن يكونوا هم الذين يقسمون رحمة الله.
طيب، هناك تعليق على ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، نقل -شوف أنا جايلك يا عقيل اهو- أنا أقول الآن: الخطيب القزويني نقل أن الزمخشري يرى أن هذه الآية من الإنكار وليست من التقرير، وعليه فالآية فيها نوع عتاب شديد فوق ما في التقرير؛ لأن الإنكار فوق ما في التقرير من عتاب. التقرير فيه ريح العتاب، إذا قال: أفأنت تكره الناس؟ فيه عتاب، لكن الإنكار فيه شيء فوق العتاب، بعيداً عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم، فيه تقريع.
الصوت واصل يا إخوة؟ كان عقيلاً يشتكي من الصوت، كيف هو عندكم يا إخوة؟ كيف الصوت؟ انقطع قليلاً؟ عاد طيب، هل فات شيء؟ لأنه في التسجيل على كل حال سليم، نعم، كأنه النص: من أنت حتى تكره الناس أن يكونوا مؤمنين؟ من أنت لتكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ فالآن ذهب الخطيب القزويني إلى أن الزمخشري يقول الآية في الإنكار ليست في التقرير، ليست في التقرير الذي فيه عتاب في هذا السياق. يعني لو قلنا تقرير: أفأنت؟ فهو مثل ما في: أأفعلت؟ أو أأنت فعلت؟ فكأنه تقرير يقرره بالجواب، وهذا لا شك فيه عتاب، فلو قلنا بالإنكار ستكون الطريقة ماذا؟
بعيداً عن القرآن وعن شخص النبي صلى الله عليه وسلم، أنا الآن انتقلت بذهني إلى خارج النص، أكلم أحد الخوارج مثلاً الآن: أأنت تكفر الناس؟ أأنت تكفر الناس وتخرجهم من الإسلام؟ يعني من أنت حتى تكفر الناس وتخرجهم من الإسلام؟ وعليه، على هذا الفهم والتفسير الذي نقله الخطيب القزويني عن الزمخشري، عليه الآية فيها نوع عتاب شديد فوق ما في التقرير، لأن الإنكار فوق ما في التقرير من العتاب. ولكن الدكتور محمد إبراهيم شادي أنكر هذا الفهم، وأنا لم أحرر الموضع، أنا أحتاج إلى النظر أكثر، وإن كنت نظرت إلى نص الزمخشري لكن أحتاج إلى التأمل فيه أطول، لكن الدكتور محمد إبراهيم شادي أنكر هذا الفهم، وقال كلام الزمخشري لا يتجاوز كذا وكذا، هذا قاله في شرحه لو أردتم الرجوع إليه على هذا الموضع، فأنكر فهم الخطيب القزويني عن الزمخشري، وشرح أنه لا يدل عليه، وعلى ذلك -يعني هو جنّب الفهم بأن يكون في الآية عتاب شديد أو تقريع لشخص النبي صلى الله عليه وسلم- كانه خطاب بنوع من إنزال القدر في هذا الموضع.
أفأنت؟ إنكار، كما الذي فيه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32]، أهم من هم حتى يقسموا رحمة ربك؟ كذلك: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]، يعني من أنت لتكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟ فهذا أنكره الدكتور محمد إبراهيم شادي أن يكون فهماً صحيحاً من الخطيب عن الزمخشري.
طيب، الموضع الثاني ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾. الذي يريد أن يقول شيئاً فليقل، تفضل مولانا.
- بدايه الآية ألا ترجح القول الذي للزمخشري؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: 99]، فكأنه علق إيمانهم بالمشيئة، كأنه تفرع عن هذا إنكار.
- محاولة المبالغة مرة أخرى حتى تسجل كلمته مرة أخرى؟ أنا فهمتك، لكن مرة أخرى.
- في بداية الآية نعم، أن بداية الآية في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، في البداية تقرير أن مشيئة هداية الناس متعلقة بمشيئة الله. أنا أرى سياق الآية يرجح التقرير، بالعكس أنا أرى سياق الآية يرجح التقرير، من يرى ذلك معي؟ كيف يرجح التقرير ليس الإنكار؟ يعني اتلُ الآية.
- ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ جميل، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
- انظر يعني علق الأمر على مشيئته، أفأنت؟ يعني يسأله بعد ذلك معاتباً، الانتقال إلى سياق التقريع يحتاج إلى نقلة لم يمهد لها الكلام، والله أعلم. يعني أنت ترى لنا... لو تعيد، طيب طيب، اربط بين الموضعين في كلامك، يعني اشرح أكثر حتى أفهم الإخوة.
- أنا أقول إنه لما قال في الأول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾، إذاً فإيمان الناس متعلق بمشيئة الله، وليس بمشيئة محمد، فكأنه قال: أفأنت؟ إذا كان الأمر متعلقاً بالله، أفأنت يعني كأنه قال: من أنت حتى يحصل هذا؟ فكيف أنت تحاول أن تجعلهم يؤمنون جميعاً؟ لماذا لا يكون سؤالاً؟ يعني إذا كان السياق إذا كان هذا كذلك وكنت تعلم ذلك، فكأنه قال: أوقع منك ذلك؟ أوقع منك ذلك؟ يعني ولو شاء الله لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أوقع منك أنت حقاً؟ أوقع منك بعد ذلك أن يكون هكذا الحال؟ كذا لا سيما وأن الإخبار ليس للإخبار، الإخبار هو للتذكير والتاكيد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ذلك قطعاً. أنا أرى انتقالاً عنيفاً إذا كان تقريعاً والله أعلم، لأن فيها لذعاً شديداً لا يناسب التذكير الأول في الآية، والله أعلم.
- قل يا حميري.
- فقط مولانا، لو تشرح يعني ما المعنى بالضبط عندما يراد به التقرير؟ أنا لم أتصورها إلا على الإنكار.
- التقرير هو أنك تريد من الآخر أن يقر بهذا الفعل، يعني أنت تعلم أنه منه وقع، ولكن من تعجيب من وقوع هذا الفعل تريد تقريره بأنه وقع منه، خلاص. فالله تعالى يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، فكأنه يقول: هل وقع منك ذلك؟ هل حقاً حصل منك هذا؟ أما الإنكار ففيها أن الفعل واقع منك ولا أسأل عن وقوعه منك، ولكن أنكر عليك ذلك وأعجب منه، وفيه نوع -أنا سأستبعد الكلمة بعيداً عن الآية في عموم هذا- فيه نوع من... من أنت؟ يعني إذا كان الأمر كذلك تجي أنت وتفعل هذا؟ هذا إنكار، كالذي في الآية الأخرى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: 32]، أهؤلاء المخلوقون الذين نرزقهم يقسمون رحمة ربك؟ هذه الأصنام أو هذه الآلهة الباطلة، أو تصدق على كل شخص يدعي رزق الناس، هم يقسمون رحمة ربك؟ رحمة الله من الله وهم مشمولون معكم في هذا، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾، ما دليلها؟ أو ما وجه النظر فيها؟ قيل يقول مثل.. أن النبي كان يجتهد في أن يهدي جميع الناس، وكان يحزن من عدم هداية جميع الناس، هذا الفعل حاصل في الأمرين، الكلام في الإنكار والتقرير يتعلق برتبة الاعتراض عليه في هذا مولانا، التقرير الذي يؤدي إلى النفي، ولذلك أرجح الإنكار، والله الإنكار.
- وأنا أيضاً مولانا؛ لأن القول بالتقرير النبي أصلاً لم يرد ذلك، لأنه يعلم هي مشيئة الله، لكن سياق الآيات القرآن يقول: النبي محمد حاول واجتهد في ذلك، لذا أكثر من خطاب: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 21-22] إلى آخره، حتى الآية التي بعدها يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس: 100]، وكأنه فيه يعني معنى الإنكار حاضر في السياق من بداية الآية إلى الآية التي قبل.
- شوف هو على كل حال لماذا هذا الاجتهاد المبالغ فيه؟ وإيمانه متعلق بمشيئته، شوف على كل حال أنا ما دونت هذه الحاشية على الكتاب منذ سنين إلا لأنني كنت أرى كذلك الإنكار، لكن لما شعرت مع الوقت شعرت بمشاعر الإنكار وكلمة أنت هكذا بالضمير، تهيبت من هذا التفسير وتوقفت فيه نوعاً، لكن طبعاً هو من الله سبحانه وتعالى كما قال عقيل، لكن توقفت حتى أنظر أكثر في كلام الزمخشري.
طيب، بالنسبة طبعاً تعلمون منهجنا سواء في هذا الكتاب أو في غيره، منهجنا هو وضع كل مكونات العلم ومدخلات المسألة أمام الأعين، ليس أن يبت فيها، وليس أن يتفق فيها، لكن أن ينظر فيها وأن يعمل العقل، وبذلك يتم الأمر. قل يا أسامة.
- مولانا فتحت الآن، أقرأ من التحرير والتنوير في الآية، فوجدته يقول نفس الذي قلت، يعني أنه للإنكار.
- جميل، جميل، إذاً عبد القاهر يراها للتقرير، وعلى كلام الخطيب عن الزمخشري أنها للإنكار، والله أنا كذلك، يعني أنا أميل إليها لغوياً حتى مع الانتقال الحاد، لكن تذرعت بالانتقال الحاد لإبطالها، لكن الله أعلم. الأخير قال: ومثال الثاني.
- ما رأيك أن نقرأ ما قاله الزمخشري؟ يعني هو كلام قصير جداً عن الآية لعله يوضح.
- فتحته؟ نعم هو أمام القلة. يلا يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ مشيئة القسر والإلجاء لآمن من في الأرض كلهم على وجه الإحاطة والشمول جميعاً، مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه لا يختلفون فيه. ألا ترى إلى قوله: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾ يعني إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو، لا أنت، والاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه مقدور عليه، وأن... لحظة لحظة، صوتك ذهب مرة أخرى. نعم يقول: من البداية أم من أين؟ لا لا، من الاستفهام. طيب جميل، يقول: والاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الشأن في المكره من هو وما هو، إلا هو وحده لا يشارك فيه، يعني إلا الله وحده لا يشرك فيه، على كل حال مرت كلمة تدل على قبل ذلك تدل على أنه الإنكار فعلاً كما فهم الخطيب القزويني، لكن أكمل أكمل، أنت صوتك غير واصل.
- أكمل تسمعني الآن مولانا؟ الآن الآن أسمعك.
- آه نعم يقول: لأنه هو القادر، يعني الله سبحانه وتعالى، لأنه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان، وذلك غير مستطاع للبشر. انتهى كلامه. طيب، أقرأ من الأول وأنا...
سأقف إن شاء الله على الكلمة التي لأجلها قال الخطيب القزويني إنه قصد الإنكار. يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾ مشيئة القسر والإلجاء ﴿لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾ على وجه الإحاطة والشمول، جميعاً مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه لا يختلف فيه. ألا ترى إلى قوله: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ﴾؛ يعني إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو، لا أنت. هذا هو الذي لأجله فهم الخطيب القزويني أن الزمخشري فسرها بالإكراه.
الأمانة العلمية تقتضي الآن أن نقرأ كلام الدكتور محمد إبراهيم شادي. يقول الدكتور محمد إبراهيم شادي في شرحه على الدلائل صفحة 197: وقد ذكر الخطيب القزويني أن الزمخشري عدَّ من هذا الضرب الإنكار قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾. وبعودتي للكشاف لم أجد ذلك فيه، وإنما يعقب الزمخشري على الآية بقوله: إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو لا أنت. قال بعد ذلك: فيفهم من هذا رأيه في التقديم وأنه يفيد القصر فحسب، ولا يعني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكره الناس على الإيمان، وإنما كان يحزن لإعراضهم ويلح عليهم ويتعب ويرهق نفسه حتى نزل منزلة من يكرههم.
يعني هو ينفي التهمة عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هو لا أنت فقط، وهذا ما فهمنا منه أنه الإنكار وفهمه كذلك الخطيب القزويني. هو يقول: كأنه ينطلق من منطلق أن ينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنكارهم لذلك، قال: وإنما كان يحزن لإعراضهم ويلح عليهم ويتعب ويرهق نفسه حتى نزل منزلة من يكرههم، والغاية من هذا الأسلوب هو التقرير الحامل على الرفق بنفسه ومعرفة حدود طاقته. الله تعالى أعلم. نرجع، أنا فقط وظيفتي أن وضعت بين أيديكم الكلامين.
بقي شيء حول الإنكار: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، فأقول: لا يشتبه عليك اجتماع الإنكار ووجود الفعل. الضرب الثاني أن يكون الإنكار لفعل موجود، لأن الإنكار هنا هو على فعل موجود تزعم له صفة معينة، كان تأتي إلى شخص مثلاً يضايق الناس في أرزاقهم ويتحكم في رواتبهم ويتسلط في حقوقهم، فتقول له: أأنت تقسم الأرزاق؟ تستنكر وتنكر فعلاً موجوداً يفعله، لكن يظن به أنه بذلك يقسم الأرزاق، فهو فعل موجود لكن أنت تنكر صفة هذا الفعل. ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ في فعل يتوهم أنه كذلك، أو في فعل متوهم في الجملة وموجود.
فصل: وهذا فصل سهل إن شاء الله، نقرأه أيضاً سريعاً، مخرج على كل ما سبق فيكون سهلاً جداً إن شاء الله. قال: وإذ قد عرفت هذه المسائل في الاستفهام فهذه مسائل في النفي؛ في الاستفهام وفي النفي سهلة جداً. قال: وإذ قد عرفت هذه المسائل في الاستفهام فهذه مسائل في النفي. إذا قلت: ما فعلت، كنت نفيت عنك فعلاً لم يثبت أنه مفعول. وإذا قلت: ما أنا فعلت، كنت نفيت عنك فعلاً يثبت أنه مفعول.
تفسير ذلك أنك إذا قلت: ما قلت هذا، كنت نفيت أن تكون القائل له، وكنت نظرت في شيء لم يثبت أنه مقول، أي تريد ما بينك وبين من تقول له هذا الكلام وتثبت له عدم قولك أو عدم وقوع القول منك. تأملوا تأثره ببيئة المتكلمين ولغة المتكلمين. وإذا قلت: ما أنا قلت هذا، كنت نفيت أن تكون القائل له، وكانت المناظرة والمحاورة والمجادلة بينك وبين الآخر في شيء ثبت أنه مقول. وما الفرق بينهما؟ تقديم الاسم أو الفعل. وكذلك إذا قلت: ما ضربت زيداً، كنت نفيت عنك ضربه، ولم يجب أن يكون قد ضرب أصلاً، بل يجوز أن يكون ضربه غيرك.
وإذا قلت: ما أنا ضربت زيداً، انظر، لم تقله إلا وزيد مضروب، وكان القصد أن تنفي أن تكون أنت الضارب. ومن أجل ذلك صلح في الوجه الأول أن يكون المنفي عاماً، كقولك: ما قلت شعراً قط، وما أكلت اليوم شيئاً، وما رأيت أحداً من الناس، ولم يصلح في الوجه الثاني، فكان خلفاً -والخلف هو الرديء من الكلام كما فسره محمود شاكر- أن تقول: ما أنا قلت شعراً قط، وما أنا أكلت اليوم شيئاً، وما أنا رأيت أحداً من الناس. وذلك أنه يقتضي المحال، كيف وهو أن يكون هاهنا إنسان قد قال كل شعر في الدنيا، وأكل كل شيء يؤكل، ورأى كل أحد من الناس، فنفي أن تكونه أنت فقد تنفي أن تكون هذا.
ومما هو مثال بيّن في أن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل قوله: وما أنا أسقمت جسمي به، ولا أنا أضرمت في القلب ناراً. المعنى كما لا يخفى أن السقم ثابت موجود، وليس القصد بالنفي إليه، ولكن إلى أن يكون هو الجالب له ويكون قد جره إلى نفسه. ومثله في الوضوح قوله: وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله. الشعر مقول على القطع، والنفي لأن يكون هو وحده القائل له.
وها هنا أمران يرتفع معهما الشك في وجوب هذا الفرق ويصير العلم به كالضيف: لك أن تقول: ما قلت هذا ولا قاله أحد من الناس، وما ضربت زيداً ولا ضربه أحد سواي؛ هذا عند تقديم الفعل. لماذا؟ لأنك لما قلت ما قلت هذا، أنت نفيت فقط الفعل نفسه، بعد ذلك جاز أن يكون وقع أو لا يكون وقع، فجاز لك أن تختار وجهاً وأن تقول: ولا قاله أحد. لما قلت ما ضربت زيداً، معناه أنك نفيت الفعل، هل الفعل وقع؟ قال: هذا يجوز فيه الوجهان، فبما أنه يجوز فيه الوجهان يجوز لك أن تستدرك وأن تختار وجهاً: ما ضربت زيداً ولا ضربه أحد سواي.
وعند تقديم الاسم ما ينفعش؛ لما تقدم الاسم أنت نفيت أن يكون الفعل منك فقط، نفيت أن تكون الفاعل، ولكنك بتقديمك الاسم أثبتَّ الفعل، فلا يجوز أن تنفي الفعل من كل وجه. فلو قلت: ما أنا قلت هذا ولا قاله أحد من الناس، وما أنا ضربت زيداً ولا ضربه أحد سواي، كان خلفاً من القول؛ لا معنى لتخصيص نفي الفعل منك وهو غير مفعول، لذلك استعمل كلمة الذي، ليس أنا الذي فعل، لأنها فيها إمعان في نفي الفعل عن نفسه مع إثبات الفعل في نفسه. وكان في التناقض بمنزلة أن تقول لست الضارب زيداً أمس، فتثبت أنه قد ضُرب، ثم تقول من بعده: وما ضربه أحد من الناس، ولست القائل ذلك فتثبت أنه قد قيل، ثم تجيء فتقول: وما قاله أحد من الناس.
والثاني من الأمرين: أنك تقول: ما ضربت إلا زيداً، فيكون كلاماً مستقيماً، ولو قلت: ما أنا ضربت إلا زيداً كان لغواً من القول؛ وذلك لأن نقض النفي بإلا يقتضي أن تكون ضربت زيداً، وتقديمك ضميرك ولاءه حرف النفي -يعني ما أنا- يقتضي نفي أن تكون ضربته؛ يعني ما أنا الذي ضربت إلا زيداً. لأن تقديم الاسم يقتضي وجود الفعل كما مر، ويقتضي تعدي الفعل إلى زيد الذي هو موضوع الكلام، فـ ما أنا ضربت زيدا يعني ما أنا ثبت به وقوع الفعل على المفعول، ثم تقول إلا زيداً، فاستثنيت، فهذا تناقض. فهما يتدافعان فاعرفه. ويجيء لك هذا الفرق على وجهه في تقديم المفعول وتأخيره.
وجهه بالضبط في تقديم المفعول وتأخيره، فإذا قلت: ما ضربت زيدا، فقدمت الفعل، كان المعنى أنك قد نفيت أن يكون قد وقع ضرب منك على زيد، ولم تتعرض في أمر غيره لنفي ولا إثبات، يعني قد يجوز أنه ضرب أو لم يضرب، لكن أنا لم أضرب، وتركته مبهما محتملا.
مفهوم إلى الآن يا إخوة؟ مفهوم، وتركته محتملا، مفهوم الكلام؟ ها، أريد أن أطمئن الكلام مفهوم؟ ولا تهتم، تمام، الحمد لله، جميل جميل.
قال: فإذا قلت: ما ضربت زيدا، فقدمت الفعل، كان المعنى أنك قد نفيت إلى آخره، وتركته مبهما محتملا، مفهوم؟ وإذا قلت: ما زيدا ضربت، فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضربا وقع منك على إنسان، وأنت نفيت أنه زيد فقط، هل تعرضت لنفي الفعل؟ لا، ما زيدا ضربت، يعني ليس الذي ضربته زيد، ليس الذي ضربته زيد، وإنما طب مين بقى اللي ضربته؟ أي حد يسألك فمن الذي ضربته؟
ها، وإذا قلت: ما زيدا ضربت، فقدمت المفعول، كان المعنى على أن ضربا وقع منك على إنسان، وظن أن ذلك الإنسان زيد، فنفيت أن يكون إياه، فلك أن تقول في الوجه الأول: ما ضربت زيدا ولا أحدا من الناس، وليس لك ذلك في الوجه الثاني، فلو قلت: ما زيدا ضربت ولا أحدا من الناس، كان فاسدا على ما مضى في الفاعل. ما الذي مضى في الفاعل؟ أن تقديم اسم المفعول هنا يقتضي وجود الفعل، ولما قدم المفعول هذا يقتضي النفي عن هذا المفعول فقط، ولا يقتضي نفي الفعل، بل هو يثبت الفعل، كأنك قلت: ما زيدا الذي ضربته، ليس ما زيد الذي ضربته، وإنما ضربت فلانا، كأنك قلت هذا.
خلا قال: ومما ينبغي أن تعلمه أنه يصح لك أن تقول: ما ضربت زيدا ولكني أكرمته، فهذا وجه آخر جميل، ما ضربت زيدا ولكني أكرمته، فعقب الفعل المنفي بإثبات فعل هو ضده، ولا يصح أن تقول: ما زيدا ضربت ولكني أكرمته، إذا ليه بقى ما زيدا ضربت؟ أنا أنتظر منك الإخبار بالمضروب الحقيقي، ما زيد ضربته ولكني أكرمته، وذاك أنك لم ترد أن تقول لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، يعني لم تنفِ الفعل لتثبت فعلا آخر، يعني ما ضربت زيدا ولكن أكرمته، هذا صواب، لكن ما زيدا ضربته ولكن أكرمته غلط، لأنك لما قدمت اسم المفعول وقلت: ما زيدا ضربت، هذا يقتضي أنك تنفي أن يكون زيد هو المضروب، ولكن تثبت الفعل.
الكلام الآن يقتضي أن تخبر عن المضروب الحقيقي، فلو قلت: ولكن أكرمته، كلام غلط، أحسنت يا تولي. قال: وذلك أنك لم ترد أن تقول لم يكن الفعل هذا ولكن ذاك، ولكنك أردت أنه لم يكن المفعول هذا ولكن ذاك، فالواجب إذا أن تقول: ما زيد ضربت ولكن عمرا.
قال: وحكم الجار والمجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب، وحكم الجار مع المجرور في جميع ما ذكرنا حكم المنصوب، فإذا قلت: ما أمرتك بهذا، كان المعنى على نفي أن تكون قد أمرته بذلك، ولم يجب أن تكون قد أمرته بشيء آخر، وإذا قلت: ما بهذا أمرتك، كنت قد أمرته بشيء غيره على قانون ما سبق كله، وشكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد