دخولتسجيل الدخول

الدرس 11 - من صفحة 66 إلى صفحة 73

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد، أيها الإخوة، فهذا هو مجلسنا الحادي عشر من المجالس المباركة -إن شاء الله تعالى- في شرح كتاب «دلائل الإعجاز» تأليف الشيخ الإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا بعلومه في الدارين، آمين. علمتم أيها الإخوة أن المجلس الماضي كان استثنائياً، وأننا عجلنا فيه إلى بعض الفقرات التي تأتي في وسط الكتاب وشرحناها؛ لأنها تحوي هذه المفاتيح في قضية النظم، تحوي أركانها وتحوي كيفية التمييز بين مكونات هذه الأركان. علمنا ما هو أصل المعنى، وعلمنا أن النص قد يقتصر فيه على أصل المعنى، وقد يحتمل أصل المعنى مع الزيادات.

النص قد يأتي على وجه لا يحتمل إلا أصل المعنى، وهو الذي يكون غفلاً لا مزية فيه. وقد يأتي على وجه يحتمل أصل المعنى ضرورة مع زيادات ولطائف وخصائص تتعلق بالمعنى، وهذا هو النص الذي تكون فيه المزية. وعلمنا أن الناس منهم من يدرك من هذا النوع الثاني أصل المعنى فقط ولا يرى غير ذلك، ومنهم من يدركه بطبيعة الحال ويدرك اللطائف، والناس بعد ذلك أيها الإخوة مراتب في إدراك هذه اللطائف. وعلمنا كيف نفرق بين النص الذي هو غفل من هذه المزايا والنص الذي فيه هذه المزايا، وأن المزايا تتعلق لا بالدلالة على أصول المعاني المجردة التي تتقاطع فيها النصوص، وإنما بهيئات من التراكيب تكون في نص بخاصة. وهكذا فعلمنا كل ذلك وميزنا، والحمد لله، واستحق هذا الأمر أن تُفرد له هذه المحاضرة.

نرجع الآن إلى السياق، إذ نشرع في الصفحة السادسة بعد الستين في فصل جديد، قال: فصل في اللفظ يُطلق والمراد به غير ظاهره. ونبهت بالأمس، قلت: تأملوا كيف تناول الكناية وتناول المجاز في سياق تعدد أحوال اللفظ بحسب موقعه من النظم، لتعلم أنه حتى علوم البيان داخلة في قضية النظم وتابعة لقضية النظم، وتكلمنا عن هذا البارحة، وسيظهر هذا في مواطن كثيرة على طول الكتاب -إن شاء الله تعالى- بتصريح عبد القاهر أو بلازم قوله.

قال: اعلم أن لهذا الضرب اتساعاً وتفنناً لا إلى غاية، إلا أنه على اتساعه يدور في الأعم الأغلب على شيئين: الكناية والمجاز. وانتبهوا أيها الإخوة؛ لأن المراد بالمجاز هنا هو المجاز اللغوي، لأنه سيتناول بعد ذلك ما يعرف بالمجاز العقلي أو المجاز الإسنادي، كما تقرر في علوم البلاغة التقريرية، والذي سماه بالمجاز الحكمي، سيتناوله في مرحلة متقدمة من الكتاب.

افتحوا صفحة 293، يقول: فصل، هذا فن من المجاز لم نذكره فيما تقدم. يعني فيما نحن بصدده الآن لم يذكره، لماذا؟ لأن المجاز الذي ندرسه في هذا الفصل هو المجاز اللغوي الذي طريقه الوضع في اللغة، يعني أن تنتقل من معنى وضع لفظه إلى معنى آخر لم يوضع لها بدلالة السياق والمقام، واقتضى ذلك وظهور وجه التشبيه إلى آخره، أو علاقة التشبيه أو علاقة المجاز. فهذا المجاز الذي تحدث عنه هنا هو المجاز اللغوي. هناك مجاز آخر يسمى المجاز العقلي أو الإسنادي، وهذا لا يدرس في علم البيان في علوم البلاغة التقريرية، وإنما هو باب من أبواب علوم البلاغة أو علوم المعاني الثمانية.

حينما تقول مثلاً، كما قال امرؤ القيس: إذا صام النهار وهجر، أو كما قال عمر بن أبي ربيعة: بل قادني الشوق والهوى. قاده الشوق والهوى، هذا المجاز لا يظهر في اللفظة؛ لأن كون الهوى قاده وقع فيه المجاز على ذات الحكم والإسناد، ولهذا سماه عبد القاهر بالمجاز الحكمي. لن أفصل الآن لأنه سيأتي مكانه إن شاء الله، لكن أقول: وقع فيه المجاز في الإسناد، وقع فيه المجاز في أن ألحقت كلمة بكلمة، أن أسندت معنى إلى معنى، وليس في كلمة من الكلمتين؛ لأن كل كلمة ظلت على حالها من المجاز. قال تعالى: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [القارعة: 7]. هل العيشة مجاز؟ هل راضية مجاز؟ راضية فقط، راضية مجاز، راضية ليست مجاز، أين وقع المجاز؟ وقع المجاز في إسناد الرضا إلى العيشة.

فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا، اليوم هذا ظرف، هل يوم فقط هنا مجاز؟ طيب هل الفعل يجعل مجاز؟ الفعل يجعل، هل انتقل عن معناه، معنى الجعل؟ لا، أين وقع المجاز؟ وقع المجاز في إسنادك الجعل إلى هذا الظرف، فلذلك يسمون هذا مجازاً عقلياً أو إسنادياً؛ لماذا؟ لأنه وقع حين الإسناد، في نفس الإسناد، وقع حين استعملت العقل؛ لماذا؟ لأن عقلك هو الذي أسند الشيء إلى الشيء، وليس في الوضع، ليس في اللغة. يعني المجاز مثلاً في الذي نحن فيه الآن، مما سيمر معنا مثلاً، كما سيقول نأتي بمثال هو أتى به، إذا قلت مثلاً: رأيت أسداً على المنبر، أسد هنا مجاز. هل وقع ذلك من خلال شيء أسندت أم وقع التجوز عن معنى لفظة إلى معنى لفظة أخرى؟ وقع بسبب ماذا؟ وقع في ما موضوعه، أنت انتقلت فيه إلى ماذا؟ انتقلت فيه من معنى لغوي إلى معنى آخر هو لغوي لكلمة أخرى، لكن أنت غيرت اللفظة، فلذلك يسمى بالمجاز اللغوي لأنك غيرت الوضع، لكن الآخر يسمى بالمجاز العقلي؛ لماذا؟ لأنه لم يظهر إلا لما عقلت أنت إسناد شيء إلى شيء، يعني أنت الذي تتصرف، أنت أدركت شيئاً، عقلت شيئاً، عقلت إسناد شيء إلى شيء.

امرؤ القيس يقول: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حقف. انتحى بنا، انتحى يعني انعطف، مال بنا، من الذي مال؟ امرؤ القيس وصاحبته أم الطريق؟ انتحى بهما السائر هو الذي انتحى، ولكنه قال انتحى بنا، هذا إسناد مجازي، هذا مجاز عقلي. هذا لا يتكلم عنه الآن، سيتكلم عنه كما قلنا في صفحة 293، هو يتكلم الآن عن المجاز الذي يحدث بسبب تغيير الوضع، عن المجاز اللغوي الذي ندرسه في باب علم البيان في البلاغة التقريرية.

قال: اعلم أن لهذا الضرب اتساعاً وتفنناً لا إلى غاية، واسع في العربية، هذا واسع، إلا أنه في اتساعه يدور في الأعم الأغلب على شيئين: الكناية والمجاز. طيب أين التشبيه؟ لا، هو قال في الأول: في اللفظ يطلق والمراد غير ظاهره، التشبيه ليس كذلك، التشبيه إلحاق، هذا إطلاق، التشبيه إلحاق، تذكروا هذا، التشبيه إلحاق، هذا إطلاق، وهو لا يكلمك الآن عن قسم علوم البيان، هو يكلمك عن النظم من حيث وجوده ألفاظ تطلق ويراد بها غيرها، وجد ذلك في ماذا؟ في الاستعارة والكناية، أو في المجاز والكناية.

قال: والمراد بالكناية ههنا أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني، فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى -اسمع يوضح الآن ما هي الكناية- ولكن يجيء إلى معنى هو تاليه وردفه، يعني لازمه يكون معه عادة، هو تاليه وردفه في الوجود، فيومئ به إليه ويجعله دليلاً عليه. مثال ذلك قولهم: هو طويل النجاد، يريدون طويل القامة، وكثير رماد القدر، يعنون كثير القرى، يعني الإطعام، وفي المرأة: نؤوم الضحى عند امرئ القيس، والمراد أنها مترفه مخدومة، يعني هل امرؤ القيس كان يثني عليها بأنها تنام إلى الضحى؟ وكذلك لما قال: لم تنتطق عن تفضلي في نفس البيت، هل يثني عليها لمجرد أنها لم تلبس النطاق بعد أن نامت في ثياب المتفضل؟ يعني فقط فيما يسمى بقميص نوم أو شعار الجسد هكذا فقط؟ لا، وإنما يريد ماذا؟ يريد أنها مخدومة مترفة، لم يحصل لها مرة أن شدت النطاق للخدمة بعد أن نامت في ثياب المتفضل. قال: والمراد أنها مترفه مخدومة لها من يكفيها أمرها، فقد أرادوا في هذا كله كما ترى معنى معيناً، ثم لم يذكروه بلفظه الخاص به، ولكنهم توصلوا إليه بذكر معنى آخر من شأنه أن يردفه في الوجود، من شأنه أن يردفه في الوجود، يعني أنت تأتي بمعنى، هذا المعنى سيجلب معه معنى آخر، هذا المعنى الآخر هو الذي تريده.

قال: وأن يكون إذا كان من شأنه أن يردفه في الوجود، وأن يكون إذا كان، أفلا ترى أن القامة إذا طالت طال النجاد؟ وإذا كثر القرى كثر رماد القدر؟ وإذا كانت المرأة مترفة لها من يكفيها أمرها، ردف ذلك أن تنام إلى الضحى؛ لأن الأخرى تستيقظ مبكراً لخدمة القوم حتى إذا استيقظوا وجدوا حاجتهم من الماء والطعام وما إلى ذلك.

قال: وأما المجاز -سيوضح المجاز الآن- وأما المجاز فقد عول الناس في حده على حديث النقل، يعني انتقال اللفظ عن معنى إلى معنى آخر، هو سيوضح الآن لماذا قال هذا، عنده تفصيل، قال: وأما المجاز فقد عول الناس في حده على حديث النقل، وأن كل لفظ نُقل عن موضوعه -يعني عن المعنى المستعمل فيه- موضوعه يعني المعنى الذي وضع له، المعنى الذي وضع له، انتبهوا، حتى لا تقول كيف هناك موضوع وهذا لفظ واحد، موضوع يعني وضع مفعول، وأن كل لفظ نُقل عن موضوعه فهو مجاز، والكلام في ذلك يطول -يعني ليس هذا موضعه- قال: والكلام في ذلك يطول، وقد ذكرت ما هو صحيح من ذلك في موضع آخر، هو كتاب «أسرار البلاغة»، كتاب «أسرار البلاغة»، فصل هناك جداً، وهذا يدلك على أنه ألف كتاب الأسرار قبل هذا الكتاب، وهذا ما يرجحه العلماء، وإن كان في الترتيب يدرس هذا الكتاب قبل كتاب الأسرار في ترتيب العلوم والمعارف.

قال: وقد ذكرت ما هو صحيح من ذلك في موضع آخر، وأنا أقتصر هاهنا على ذكر ما هو أشهر منه وأظهر. إذاً، الاستعارة من أنواع المجاز وغيرها مجازات مرسلة. قال: وأنا أقتصر هاهنا على ذكر ما هو أشهر منه وأظهر، والاسم والشهره فيه لشيئين: الاستعارة والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة. آه انتبهوا يا إخوة، عبد القاهر طبعاً نحن في البلاغة في أولها، عبد القاهر له تقسيم خاص في التمثيل، يعني أنت إذا درست الآن علوم البلاغة ستجد غير هذا أصلاً، لكن عبد القاهر له تقسيم خاص في التمثيل، يكون به مرة تشبيهاً ويكون به مرة مجازاً، فالاستعارة التمثيلية، ما يعرف بالاستعارات التمثيلية الآن في علوم البلاغة، لها نظر آخر وتقسيم آخر عند عبد القاهر، واقف على تفصيل ذلك إن شاء الله في شرح الأسرار، لكن ليس الآن موضوعنا؛ لأن التشعب فيه وتحريره أولاً ليس موضعه، وثانياً سيخرج بنا عن المراد وعن السياق.

لكن تعامل مع التمثيل على أنه عند عبد القاهر يتوزع بين التشبيه وبين المجاز، وهكذا التمثيل عنده شيء آخر، الاستعارة عنده موقوفة على ماذا؟ الاستعارة عنده موقوفة على تغير اللفظة، الاستعارة التمثيلية عنده نوع من المجاز، الاستعارة التمثيلية التي تُعرف بالاستعارة التمثيلية يعني إذا انتقلنا من اللفظة إلى تفصيل التركيب، هذه عنده تسمى تمثيلاً، والتمثيل عنده نوع مستقل فيه تفصيل، ولكنه يكون في قسم منه من التشبيه وفي قسم منه من المجاز. أنت بدراستك لكتابي عبد القاهر تتدرج هكذا من الفكر البلاغي الأول وتنزل وترى كيف تبلورت البلاغة بعد ذلك وما الذي جرى، ويكون لك حكمك ونظرك وعقلك، أيكون المجدي أن تبقي على ما استعمله عبد القاهر؟ وأنت هنا لك مزية ليست مع أحد غيرك، وهي أنك شاعر وناقد وتتعامل بهذه الصفة، لست شيخاً متمحضاً فقط، هكذا تقول ينبغي ويجوز ما لا يجوز، لا، أنت تشعر بما كان فيه عبد القاهر، وعبد القاهر كان عنده الحس النقدي العالي، وليس علماً نظرياً جافاً مجرداً كما عند المشايخ الآن للأسف، فأنت عندك الآن مزية -بما أننا عند عبد القاهر نقول مزية، في العادة أقول ميزة لكن أنت الآن أقول مزية- عندك مزية، عندك ميزة، عندك ما تتميز به، وهو أنك ناقد ناظر في الشعر وشاعر تصنع الشعر، فانظر أيهما يجدي في العمل في النظر الشعري، أيهما يجدي الذي استعمله عبد القاهر أم الذي استقر بعده؟ أيكون التمثيل شيئاً مستقلاً يتوزع بين المجاز والتشبيه، أم يختفي بعد ذلك ويدخل في أنواع التشبيه والاستعارة؟ أتقف الاستعارة على تغير اللفظة، استعارة اللفظة من جهة المجاز، ويكون التمثيل نوعاً مجاوراً للاستعارة أم يدخل تحت الاستعارة ليكون نوعاً منها هو الاستعارة التمثيلية؟ أنت ستحكم في ذلك.

ستدرس وتعرفه وتحكم أنت في ذلك، لكن لا يمكن أن تفعل ذلك إلا مع التدرج ومع أن تفهم كيف جاء هذا الفهم وكيف تدرج هذا الفهم وكيف جاءت هذه الفلسفة، وأنت تراقب في كل ذلك الجدوى من هذا الاصطلاح والتقسيم. فالتمثيل عند عبد القاهر شيء يستقل؛ قسم منه يتعلق بالتشبيه، وقسم منه يكون مجازاً، لكنه بمجموعه شيء اسمه التمثيل يقدره عبد القاهر تقديراً مستقلاً. وكما قلت، التفصيل الشديد إن شاء الله في كل هذا وفي هذه الفلسفة في كتاب أسرار البلاغة، وبمناسبة أسرار البلاغة؛ هو كتاب أصعب ولكنك ستسير فيه على هدى ونور بعد هذا الكتاب. وما أجمل أن تدرس كتاب الأسرار وأنت مستحضر مكانه من قضية النظم، فتتفق بذلك على الذي يدرس التشبيه والاستعارة والتمثيل من حيث ذاتها ويقول هذه أشياء جميلة بذاتها؛ لا، هذه الأشياء لا بد أن تفهمها وقد خرجت من رحم دلائل الإعجاز، من رحم قضية النظم؛ لأنها تحوي الموازين الدقيقة داخل التشبيهات في ترجيح تشبيه على تشبيه، لأن هذا قد يشكل عليك وأنت تقرأ.

أضرب لكم مثالاً؛ كان عبد القاهر يتكلم على براعة الشاعر في التأليف بين المتباعدات، فيقول: التشبيه بين طرفين بعيدين لا يذهب إليهما الذهن يكون أبرع أو أدل على عبقرية الشاعر وتميز الشاعر وذكائه وقوة قريحته من التشبيه الذي يجمع شيئين من موضعين مختلفين وهما شيء واحد أو من جنس واحد، كأن تشبه رقبتها برقبة الغزال، خصرها بخصر الغزال مثلاً، لأن هذا خصر وهذا خصر، هذا جيد وهذا جيد. لكن مثلاً لما يقول: "أي كأن أبانا في أفانين ودق كبيرة أناس في بجاد مزمل"، يعني كما نقول في مصر وفي الشام: ايش جاب الجبل لكبير القوم، وايش جاب خطوط الودق لخطوط الثوب الذي يلف نفسه به؟ فهذا بعيد. ولما يقول: "فأدبر كالجزع المفصل بينه بجيد معَم في العشيرة مخول"، أش جاب شكل القطع لهذه الحبات الكثيفة الغزيرة في عنق المعَم المخول؟

فجاء عبد القاهر في كتاب الأسرار إلى قول امرئ القيس: "له أيطلا ظبي وساق نعامة وإرخاء سرحان وتقريب تتفل". فقال: فهذه التشبيهات التي شبه فيها الأيطل بالأيطل، والساق بالساق، والإرخاء والتقريب بالتقريب؛ قال: ليس مما تظهر به البراعة، لأنه شبه الأشياء بأجناسها، مع أنك ترى الفرزدق مبهوراً بهذا البيت ويعده أجود تشبيه قالته العرب وأجمع تشبيه، وترى النقاد يتغنون بهذا البيت. الذي يقول هذا لم يفهم عبد القاهر ولم يصحب معه قضية النظم، وهل أنت فهمت أو ستفهم دلائل الإعجاز لعبد القاهر أنه يعطي المزية لذات التشبيه، أو يعطي المزية لذات الاستعارة؟ لا، لا شيء من ذلك ولا اعتداد، وسيأتي تصريحه الخطير بذلك؛ سيقول: مهما كان المعنى جيداً رائعاً غريباً في ذاته معجباً إذا لم ينظم في مكانه جيداً فلا اعتبار به. ما تقوليش طب بص على المعنى يا أخوي المحدثين، شوف المعنى والعبقرية! طب أنت عبقري شكراً، لست شاعراً، أنت أرسطو، لست شاعراً يا أخي! والله أنا لا أخطئ في حقك، أنت عبقري أنت ذكي جئت بمعان تحت النبوة، لست شاعراً فقط، وقالها الآمدي: نسميك فيلسوفاً حكيماً كذا ذكياً ألمعياً لكن لست شاعراً، هذا ليست سباً؛ نثبت لك شيئاً عظيماً وننفي شيئاً عظيماً فقط.

فلو أنك فهمت عبد القاهر من الأول لم تفهم من ذلك ما فهمه البعض للأسف الشديد، لا سيما من الأكاديميين، أنه يقول إنه بيت ساذج؛ فيضرب بكلامه الفرزدق. عبد القاهر كان يتكلم عن عين التأليف بين شيئين في التشبيه، لم يزد، وإلا فالبراعة في أنه ألحق الأيطل بالأيطل والتقريب بالتقريب والإرخاء بالإرخاء، وإنما في أن جمع هذه وأتى بها على صورة النظائر، ولم يقل له: أيطلا كأيطل كذا، وإنما قال له: "أيطلا ظبي وساق نعامة"، وفي أن تجاوز الفخذ إلى الساق، وأنه ذكر عضوين لهما دلالتهما على اعتياد العدو والمناورة؛ لأنك إذا رجعت إلى كتب الخيل سترى أن الفرس الجيدة توصف بأنه ضامر الأيطل مستدير ممتلئ الأفخاذ جاف الساق، يعني ما بين ضمور وإمتلاء. فامرؤ القيس ذكر من المواضع ما يخول الفرس لقوة العدو وأنواعه الكثيرة، فقال له: "أيطلا ظبي وساق نعامة"، فذكر شيئين حكمهما أو حقهما النحافة والضمور، وتجاوز الفخذ للعلم به، فقال له: "أيطلا ظبي وساق نعامة"، ثم بنى القسم الآخر من الكلام من التشبيهات على ما يترتب على الأيطلين والساقين: "وإرخاء سرحان وتقريب تتفل"؛ فهو كما حاز آلات العدو والمناورة وأنواع الجري حاز كذلك أنواع العدو، هذا هو التجميع التنظيم، بناء بعضها على بعض، وسيكون حسناً بحسب هذا، وإذا لم يأتِ بتشبيه بارع في ذاته، ولو جاء بتشبيه بارع في ذاته ولم يحسن تنسيقها سيسقط الكلام، هذا هو كلام خطير أيها الإخوة. فنحن إن شاء الله هذا التفصيل في التمثيل وفي كذا سيكون في كتاب الأسرار؛ لأنه لا موضع له هنا.

قال: وأما المجاز، تجاوزناها، قال: وأنا أقتصر هاهنا على ذكر ما هو أشهر منه وأظهر، والاسم والشهرة فيه لشيئين: الاستعارة والتمثيل، وإنما يكون التمثيل مجازاً إذا جاء على حد الاستعارة، يعني التمثيل نوع من المجاز، لكن هو كما علمنا ظل تمثيلاً نوعاً من المجاز عند عبد القاهر. في البلاغة التقريرية صار الاستعارة التمثيلية، كل هذا إن شاء الله في كتاب أسرار البلاغة. قال: فالاستعارة أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، أول قاعدة وأول مفهوم أصل الاستعارة التشبيه؛ أصل الاستعارة التشبيه إذا خرجنا عن المجال المرسل الذي علاقته أي شيء آخر غير التشبيه. لما ترى في البلاغة التقريرية الاهتمام بالاستعارة والمجاز المرسل والتشبيه والكناية، العناية بالاستعارات من عند عبد القاهر فالاستعارة مجاز علاقته التشبيه، فاستعارة مجاز كما ترى الآن، هي نوع من المجاز علاقتها التشبيه.

يقول: فالاستعارة أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، وتجيء إلى اسم المشبه به فتعيره المشبه وتجريه عليه. يعني تأخذ اسم المشبه به وهو الأسد وتجريه على المشبه مكان الرجل ولا تذكر الرجل، تريد أن تقول: رأيت رجلاً هو كالأسد في شجاعته وقوة بطشه، فتدع ذلك وتقول: رأيت أسداً، هذه استعارة. وضرب آخر من الاستعارة وهو ما كان نحو قوله: "إذ أصبحت بيد الشمال زمامها"، والشمال الريح؛ فالاستعارة هذا الضرب وإن كان الناس يضمونه إلى الأول حيث يذكرون الاستعارة فليس سواء، يعني أنت ترى مثلاً في كتاب البديع لابن المعتز أو غيره، ترى يذكر الاستعارة فيراوح بين الاستعارة غير المكنية والاستعارة المكنية؛ هكذا بين التي يصرح فيها وهذه التي يكنى عنها أو يكنى فيها. تلاحظون هنا أن عبد القاهر لم ينفِ أنها استعارة، هي ضرب من الاستعارة، فقط نبه أن الناس يذكرونها لكن ليس سواء، هناك فرق. فتلاحظ أن عبد القاهر يلج في التفصيل إلى ماهيات ما أجملوه، وإلى ما كانت بينه فروق من نفس الشيء لأنه يضع النظرية، ولأنه وهذا الأهم لأنه همه الإقناع، فلا بد من ذكر التفصيل والفروق؛ لأنه يغوص بك، فإذا غاص بك قال هناك فرق بينهما.

قل يا مولانا: أشكل عليه أمر، أليست الاستعارة المكنية هي نفسها المجاز الإسنادي؟ لا لا، غلط كبير؛ أصلاً لم يحصل أي تغير في معنى اللفظة هناك، لم يحصل استبدال، الشيء المجازي وقع في العقل، في معنى اللفظة، كل لفظة ظلت كما هي. أما هنا: "إذ أصبحت بيد الشمال زمامها"، الشمال ريح؛ هل أبقيت الشمال على كونها الريح؟ لا. لكن لما قلت هناك "عيشة راضية" أو لما قال امرؤ القيس مثلاً "انتحى بنا الطريق"، المجاز وقع في الفعل، في المعنى الإسنادي في الذهن، أم وقع في بطن الحقف وفي الانتحاء؟ هل الانتحاء تغير عن مكانه، عن وضعه اللغوي؟ "انتحى بنا بطن حقف"، ركز معي لنتأمل الآن في بيت امرئ القيس؛ هل الانتحاء تغير عن معناه؟ ماذا تقصد بتغير عن معناه؟ يعني هل انتقل عن معناه إلى معنى آخر؟ امرؤ القيس يقول: "فلما أجزنا الحي وانتحى بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل"، نحن عندنا أين المجاز هنا؟ أنه انتحى بنا بطن الحقف، الواقع أننا نحن من انتحى، بطن الحقف ثابت، الطريق ثابت. فهل وقع مجاز في "انتحى"؟ هل وقع مجاز في انعطف أو انتحى؟ الفعل نفسه الحدث، لا، هل وقع فيه مجاز؟ لا لا، هل صار طائراً أو شيئاً آخر بخلاف "يطير الغلام الخفة عن صهواته"، يطير؟ اه مختلف هو أسقطه لكن عبر بمجاز يطير، خلاص. فهذا هذا الآخر من هذا الباب استعارة، لكن هنا هل وقع انتقال عن المعنى الذي وضع له اللفظ في الانتحاء؟ لا لا. هل وقع مجاز في الفاعل الذي أسند إليه الفعل وهو بطن الحقف؟ هل هو صار شيئاً آخر في الكلام؟ لا لا، هو نفسه بطن الحقف، هو نفسه "انتحى بطن حقف"، أنت تخيل الآن "انتحى بنا بطن حقف"، فأين وقع المجاز؟ في إسناد الانتحاء إلى بطن الحقف في العقل، لهذا يسمى مجازاً إسنادياً ومجازاً عقلياً.

فهمت طيب، مولانا هذه نفهمها، لكن الذي لم نفهمه والفرق بينها وبين قولنا "إذ أصبحت بيد الشمال زمامها"؟ أنت لما قلت "إذ أصبحت بيد الشمال"، ما الشمال؟ ريح الشمال، وأنت قلت "بيد الشمال"، لما أسندت إليها اليد هل بقيت ريحاً؟ لا، بخلاف لما "انتحى بنا بطن حقف"، هو بقي حقف، بقي بطن حقف، وبقي الانتحاء انتحاء، وبقي بطن الحقف بطن حقف، لكن الرجل من شدة تجرده من الإرادة في المسير جعل هو الذي الفعل، هو جعل هو الذي انتحى، أسند الفعل إليه؛ لما أسند الفعل إليه لم يتغير الفاعل، لكن لما أسند اليد هنا إلى الشمال لا يمكن بعد هذا الإسناد وبعد ذكر اللازم أن يبقى في الذهن كذلك، لا بد أن نغيره، ولكنه لم يغيره بدلالة ذاته أو موقعه، وإنما بدلالة ما أسند إليه، لم يقل، لم يأتِ إلى اللفظة يغيرها أو يرمي إلى معناها الآخر عن طريق ماذا، أو يغيرها إلى الإنسان، لم يقل إنها قاد إنسان مثلاً بيده وكذا، لا هي بيد الشمال، لكن جعلها إنساناً، جعلها فارساً، لأنه قال "بيد الشمال زمامها"، جعلها فارساً، فذكر اليد وذكر الزمام فجعلها فارساً، فذكر اليد والزمام يستوجب أن تنقل الشمال التي هي الريح إلى معنى مجازي استعاري، وهو ماذا؟ الفارس. لكن لما ذكرت الانتحاء هناك وأسندت إلى بطن الحقف لم تحتج إلى ذلك، لم تغير الفعل، هو هو، المجاز في الفعل، في تصور فاعل الفعل، في تصور وقوع الفعل، هذا هو.

نعم مولانا، إذا قلنا "صام النهار"، ألا يغير هذا من معنى النهار؟ "إذا صام النهار وهجر"، هنا يمكن أن تحمله على حقيقته، لما قال: "أفدع ذا وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجر"، يعني أمسك النهار، ولكن هنا يمكنك أن تتأمل، هل أسند النهار إلى شيء يمسك؟ هل الذي صام هو النهار أم الشمس مثلاً؟ "إذا صام النهار وهجر" خلاص، هل النهار هو الذي صام؟ يقصد بيت امرئ القيس؟ آه نعم، هو أظنه يقصد مثال عبد القاهر الذي كان يقول نهارك صائم، يعني يقصد الصيام الذي هو الصيام الديني، هذا سيأتي صح؟ نعم نعم، هو هذا سؤال أسامة.

نعم، أنت يا أسامة قصدت بيت امرئ القيس؟ لا لا، أنا ما أقصد بيت امرئ القيس، طيب، ما الفرق بين صام النهار وهجر؟ هناك عند امرئ القيس صام النهار، أنت إذا أردت أن تجعلها حقيقة لا بد أن تجعل للنهار حقيقة، لكن الذي صام يعني أمسك هو الشمس، الذي صام وأمسك هو الشمس خلاص، وكذلك لما قال عمر بن أبي ربيعة: "فقلت لها بل قادني الشوق والهوى"، ما الذي قاده؟ نفسه، قادته نفسه. إذا أردنا أن نفعل هذه مسألة جدلية سنأتي إليها إن شاء الله، خلف فيها عبد القاهر وليست لها حقيقة أصلاً، يعني المهم، "بل قادني الشوق والهوى"، "انتحى بطن حقف"، هذه الأشياء لم تغير الذي أسند إليه الفعل عن.

حالَه ولم تجعل الفعل نفسه أو اللفظ مجازاً. يعني لم تغير شيئاً عن حاله، لكن لما تقول: «إذ أصبحت بيد الشمال زمامها»، فجعل يداً وزماماً، فالشمال لن تكون إلا مجازاً، ولن تكون هنا إلا فارساً. نعم، نرجع مولانا، هو نحن مقصدنا لحظة فقط، مقصدنا هو مثلاً عندما يقول: «نهارُك صائمٌ وليلُك قائمٌ»، أليس هنا يعني جعل الليل كأنه إنسان يقوم؟ مثلاً، لا، غلط، لا، لم يجعل النهارَ، أيوه، لا، «نهارُك صائمٌ»، نهارك من الشمس، أيوه، لم يقل له أنت ليلك قائم على طول ليلك، قال: «نهارُك صائمٌ وليلُك قائمٌ»، الليل لم يتغير والقيام لم يتغير، لكن الليل لم يصبح إنساناً، لم يجعل الليل إنساناً صائماً، أو النهار لم يجعل الليل إنساناً قائماً، أو الليل أو النهار إنساناً صائماً. نعم، نكمل بعد الأذان إن شاء الله.

نرجع، يقول عبد القاهر: وضرب آخر من الاستعارة وهو ما كان نحو قوله: «إذ أصبحت بيد الشمال زمامها». هذا الضرب وإن كان الناس يضمونه إلى الأول حيث يذكرون الاستعارة فليس سواء، وذاك أنك في الأول تجعل الشيء المشبَّه به ليس به، يعني ليس منه، ليس من جنسه أصلاً، «رأيت أسداً»، تجعل الشيء ليس به، وفي الثاني تجعل للشيء الشيء ليس له، يعني أنت ذكرت الشيء ولكن جعلت له شيئاً ليس له، يعني أنت ذكرت الشمال الريح وجعلت لها يداً وجعلت لها زماماً، فجعلت لها ما ليس لها، فدل ذلك على أنك ما أردت باللفظ معناه الأصلي الذي وُضع له، وإنما أردت مجازاً، وهذا المجاز الآخر كنيت عنه بالشيء الذي جعلته للشيء الذي تجاوزت عنه.

خلاص، إنك جئت بالشمال وجعلت لها يداً وزماماً وهذا ليس لها، فدل على أنك لم ترد الشمال وإنما أردت ماذا؟ أردت صورة الفارس الذي يمسك الزمام ويمسك كذا، فأنت هنا كنيت عن ذلك به، فهذه استعارة مكنية، كما تقول: «وإذا المنية أنشبت أظفارها»، بعد أن قلت «أنشبت أظفارها»، فذكرت شيئاً من لوازم شيء آخر، جعلت للمنية ما ليس لها، فدل ذلك على أنك لم ترد بالمنية المنية، وإنما استعرت لها السبع. نعم، أنت تريد المنية في الحقيقة، لكن استعرت لها السبع، لكن ذكرت المنية وجعلت لها أظفاراً، فأنت جعلت للمنية سبعاً. لكن لو قلت وأنت ترى المنية تأتي، لو قلت: «رأيت السبع يقبض روحي، جاء السبع»، فهذه استعارة صرّحت بها أو تصريحية؛ لأنك ذكرت السبع مكان المنية مباشرة. هذا معنى قوله: وذاك أنك في الأول تجعل الشيء الشيء ليس به، وفي الثاني تجعل للشيء الشيء ليس له. نعم، فكما قلنا، عبد القاهر هنا ولج إلى تفصيل؛ لماذا؟ لأنه ينتقل وكان في معرض وضع نظرية، فهو انتقل للتفصيل فهو يعلم أنك ستجد هذا التفصيل إذا انتقل إليه أو انتقل بك إليه، فينبهك أنهما ليسا سواء، نوعان مختلفان؛ فصار بعد ذلك في علوم البلاغة التقريرية: الاستعارة التصريحية والاستعارة المكنية.

نعم، قال: تفسير هذا أنك إذا قلت «رأيت أسداً» فقد ادعيت في إنسان أنه أسد وجعلته إياه، ولا يكون الإنسان أسداً. وإذا قلت «إذ أصبحت بيد الشمال زمامها» فقد ادعيت أن للشمال يداً، ومعلوم أنه لا يكون للريح يد. ثم نبّه إلى شيء آخر ينفصل عن الاستعارة، وذكره المتقدمون في باب الاستعارة، وقد درستم كتاب البديع لابن المعتز ورأيتم أنه لما يذكر الاستعارة في باب الاستعارة يذكر ما كان من باب الاستعارة التصريحية وما كان من باب الاستعارة المكنية، ويذكر أيضاً ما كان من باب التشبيه البليغ الذي يذكر فيه طرفا التشبيه المشبه والمشبه به دون ذكر الوجه ودون ذكر الأداة.

يقول: وها هنا أصل يجب ضبطه، وهو أن جعل المشبه المشبه به على ضربين. أن تجعل المشبه المشبه به يأت على نوعين. انتبه، لم يقل الاستعارة، لأنه لم يقل المجاز أو الاستعارة على ضربين؛ لأنه سيخرج هذا النوع الثاني من الاستعارة أصلاً، ولذلك جعل لهما أصلاً مختلفاً، وهو أن تجعل المشبه المشبه به، يعني ما الرابط؟ ما تقاطع؟ ما اشتراك الاستعارة والتشبيه البليغ؟ أن كلاً منهما نجعل فيه المشبه المشبه به، لكن في الاستعارة على طريقة، وفي التشبيه البليغ على طريقة، وبطريقة التشبيه البليغ سيخرج من حد الاستعارة، ولذلك هو قال «ها هنا أصل يجب ضبطه»؛ لأنه كان يرى أن القدماء تساهلوا في ذلك وجعلوا كل إطلاق استعارة، جعلوا كل إطلاق حتى أدخلوا إلحاقاً وهو «زيد أسد»، فقال: هذا ينبغي عند التحقيق أن يخرج عن حد الاستعارة وأن يدخل في باب التشبيه الذي وقعت فيه المبالغة، الذي عُرف بعد ذلك بالتشبيه البليغ، فهو يرى أن القدماء أهملوا ضبطه، لم يعيروه اهتماماً، وتساهلوا وتوسعوا في الاصطلاح لأنهم لا يحتاجون إلى هذا الضبط الشديد، لكن بما أنه يضع علماً فلا بد من الضبط.

يقول: وها هنا أصل يجب ضبطه وهو أن نجعل المشبه المشبه به على ضربين: أحدهما أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، يعني أن تنزل المشبه منزلة الشيء المشبه به تذكره بأمر قد ثبت له، يعني قد ثبت واستقر للمشبه، خلاص، لا يُشك فيه ولا يحتاج إلى التسجّ والترفّق. قال: أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتسجّ، يعني لا تحتاج إلى الترفّق وأن تسوق الكلام وأن تقدم بين يديه ما يثبت أنه هو الكذا الذي هو المشبه، لا، أنت تأتي به ضربة لازب هكذا؛ لماذا؟ لأنه قد ثبت له خلاص، الأمر الذي هو المشترك، وجه الشبه، المعنى الذي يجمعهما قد ثبت له، فأنت تدعي أنه أحد أفراد المشبه به، أن تنزله منزلة الشيء تذكره بأمر قد ثبت له، فأنت لا تحتاج إلى أن تعمل في إثباته وتسجّه.

وذلك حيث تسقط ذكر المشبه من البين، كلمة «من البين» يعني من بين الكلام، وهي من اصطلاح عبد القاهر ونبّه إليه محمود شاكر، قال في الحاشية: يعني من بين الكلام، ويكثر عبد القاهر من استعمال البين بهذا المعنى، سيأتي معنى في الكتاب في غير موضع. قال: وذلك حين تسقط ذكر المشبه من البين، يعني من بين الكلام، ولا تذكره، انظر حين تسقط ذكر المشبه من البين ولا تذكره بوجه من الوجوه، كقولك «رأيت أسداً» وأنت تريد زيداً؛ لماذا؟ أنت أنزلت زيداً منزلة الأسد تذكره بهذا الوجه الذي ثبت لزيد واستقر وكان كأنه لا يُشك فيه وكأنه الأسد نفسه.

والثاني أن تجعل ذلك كالأمر الذي تسوقه وأن تدفعه وكذا، فتجعل بين يديه ما يثبته كأنه يُشك فيه، قال: وذلك حيث تجري اسم المشبه به خبراً على المشبه، هذه الصورة الأولى الساذجة التي يمثل لها في البلاغة «زيد أسد»، قال: كقولك «زيد أسد» و«زيد هو الأسد»، أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا، انظر إلى كلمة «على وجه»، يعني أي وجه يرجع إلى هذا؛ لأن هذه الوجوه أيها الإخوة هي في الشعر كثيرة جداً ولا تكاد تحصيها، وأرى منها قول امرئ القيس في معلقته: «تَصُدُّ وَتُبْدِي عَنْ أَسِيلٍ وَتَتَّقِي / بِنَاظِرَةٍ مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ مُطْفِلِ». «تتقي بناظرة» أن الناظرة عندي هنا ليست كما في بعض الشروح العين الباصرة، الناظرة هي الرئم الناظرة، فقوله «تتقي بناظرة» أي برئمٍ ظبيٍ ناظرة من وحش وجرة مطفل. نعم، فمعنى تتقي يعني تستقبل، تواجه، الاتقاء هنا المواجهة، يعني إذا أقبلت إذا رأيتها من وجهها كانت هنا كأنها تتّقي بكذا.

طيب، ما الذي جعل هذه الصيغة من التشبيه البليغ أو مما ذكر فيه المشبه والمشبه به أن الطرفين قد ذُكرا؟ فأي صيغة هي ضابطها هكذا؛ لأنك تراها كثيرة، ما ضابطها؟ كل ما ذُكر فيه المشبه والمشبه به مع حذف الأداة ووجه التشبيه فهذا من التشبيه البليغ، وانتبهوا لأن هذا في الشعر كثير، ليست له صورة، يعني صور التشبيه العادي ذو الأداة تكاد تنحصر، يعني موجودة مع مراعاة الألفاظ المختلفة أدوات التشبيه، مع مراعاة التمثيلي وغير التمثيلي، مع مراعاة التقديم والتأخير في الجواز النحوي؛ في الأخير يمكنك نوعاً أن تحصر هذه الصور، بل غالباً أن تحصرها، لكن صور التشبيه البليغ لا تُحصر؛ لماذا؟ لأن ضابطها فقط أن يُذكر المشبه والمشبه به، بعد ذلك يُترك الوجه والأسلوب لكل سياق، فعندك هذا الأسلوب: «تتقي بكذا»، «تتقي» أي هي بكذا، خلاص، تتلقى. وعندك من هذا التشبيه: «لَهُ أَيْطَلَا ظَبْيٍ وَسَاقَا نَعَامَةٍ / وَإِرْخَاءُ سِرْحَانٍ وَتَقْرِيبُ تَتْفُلِ». هذا أيضاً من التشبيه البليغ ليس من الاستعارات، لأن تقديره له أيطل كأيطل الظبي، تقدير الكلام له أيطل كأيطل الظبي، لم تستعمل الأيطل مباشرة على أنه أيطل ظبي، لم تستعمل الساق مباشرة على أنها ساق ظبي، إنما قال: «لَهُ أَيْطَلَا ظَبْيٍ»؛ لأنه لما قال له أيطلا، أنت استحضرت أيطل ظبي، يعني له أيطلان كأيطلي الظبي، فهذا من التشبيه البليغ.

خذ عندك من الصور المعقدة، انظر كم صورة كثيرة، خذ عندك: «إِذَا الْتَفَتَتْ نَحْوِي تَضَوَّعَ رِيحُهَا / نَسِيمَ الصَّبَا جَاءَتْ بِرَيَّا الْقَرَنْفُلِ»، لأن تقديره كما قال الشراح: «تضوع كنسيم الصبا، جاءت بري القرنفل» خلاص، فانظر هنا، كـ «تضوع كنسيم الصبا»، هذه صور من لفظه فهذه من صور التشبيه البليغ، صورة لا تنتهي، حتى عبد القاهر هنا سيأتي بصورتين بعيدتين عن بعضهما، وهو سينبه إلى مجيء الصور. يقول: أو تجيء به على وجه يرجع إلى هذا، إلى هذا الذي هو ماذا؟ أن تذكر المشبه والمشبه به، أي وجه يذكر المشبه والمشبه به؟ صور في اللغة كثيرة جداً كما رأينا الآن، صور متنوعة ارتجلتها بالمناسبة، أنا الآن لم أعدّها للشرح، ارتجلتها الآن ولا أتكلم، خلاص.

قال: كقولك «إن لقيته لقيت به أسداً». طيب ما علاقة هذا بـ «زيد أسد» و«زيد هو الأسد»؟ إن لقيته لقيت به أسداً، طيب هذه صورة أخرى بعيدة لا علاقة بينها وبين الأولى، نعم، ويريد أن يقول لك كل ما فيه ذكر المشبه والمشبه به فأنت فيها، وإلا قيل ليُلقينّ منه الأسد، صورة أخرى، فأنت في هذا كله تعمل في إثبات كونه أسداً أو الأسد وتضع كلامك له، وأما في الأول في الاستعارة فتخرج مخرج ما لا يحتاج فيه إلى إثبات وتقرير. والقياس يقتضي، القياس بما أننا نتكلم الآن في وضع علم والإطلاق وكذا، فأنت هنا لماذا تجعله إطلاقاً؟ هنا إلحاق، ألم يقل في الأول في أول الفصل في اللفظ يطلق والمراد غير ظاهره؟ يُطلق، أنت لما قلت «زيد أسد» أو «زيد هو الأسد»، هل أطلقت أسداً أو الأسد مكان زيد أم ألحقته به؟ أطلقته أم ألحقته؟ ألحقته، كل ما هنالك أنه من قوته وبلاغته حذفت وجه التشبيه وحذفت الأداة، يلا أيضاً حذفت الأداة.

قال: والقياس يقتضي أن يُقال في هذا الضرب الثاني -يعني أعني ما أنت تعمل في إثباته وسجيته- أنه تشبيه على حد المبالغة، ويُقتصر على هذا القدر ولا يسمى استعارة. طبعاً هو في كلام كثير من القدماء استعارة كما رأيتم في كتاب البديع لابن المعتز، واستقرت البلاغة على اصطلاح عبد القاهر.

نعم، ثم أخذ في الكلام على التمثيل، قال: وأما التمثيل الذي يكون مجازاً لمجيئك به على حد الاستعارة، طبعاً هو صار بعد ذلك ماذا في البلاغة التقريرية العلمية؟ استعارة تمثيلية، هو استعارة في الأخير خلاص انتهينا، هو جعله نوعاً من المجاز بجوار الاستعارة لأنه قصر الاستعارة على اللفظ المفرد لا على المركب. قال: طيب، ستقول الآن طيب والاستعارة المكنية لفظ مفرد؟ نعم، هي تغيرت بدلالة ما أُلحق بها، يعني الشمال تغيرت بدلالة أن جُعل لها يد وجُعل لها زمام، المنية مجاز بدلالة أن أُلحقت بها الأظفار، فهي مفرد في الأخير، لكن على طريقتين، على طريقتين انتبه تيقظ.

قال: وأما التمثيل الذي يكون مجازاً لمجيئك به على حد الاستعارة فمثاله قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: «أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى»، فالأصل في هذا -أصل الكلام- أراك في ترددك كمن يقدم رجلاً ويؤخر أخرى. عبد القاهر هنا ينبهك إلى أن الاستعارة التي يتكلم عنها الآن حتى لو كانت مركبة كان أصلها التشبيه، ونبهك ماذا قال في الأول؟ فالاستعارة التشبيه ويؤخر أخرى ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدم الرجل ويؤخر على الحقيقة كما كان الأصل في قولك «رأيت أسداً»، «رأيت رجلاً كالأسد» خلاص، كما كان الأصل في قولك «رأيت أسداً» «رأيت رجلاً كالأسد»، ثم جعل كأنه الأسد كأنه الأسد على الحقيقة، ثم جعل كأن الأسد على الحقيقة «رأيت أسداً»، أصلها «رأيت رجلاً كالأسد»، فجعل كأنك رأيت الأسد الحقيقة، فقلت «رأيت أسداً». وكذلك تقول للرجل يعمل في غير معمل، يعني في غير فائدة ولا جدوى: «أراك».

تنفخ في غير فحم، وتخط على الماء؛ فتجعله في ظاهر الأمر كأنه ينفخ ويخط. والمعنى على أنك في فعلك كمن يفعل ذلك. وتقول للرجل يعمل الحيلة حتى يميل صاحبه إلى الشيء قد كان يأباه ويمتنع منه؛ يعني بعد ما كان يرفض الشيء صار يعمل معه الحيلة حتى جره إليه. قال: ما زال يفتل في الذروة والغارب حتى بلغ منه ما أراد. فتجعله بظاهر اللفظ كأنه كان منه فتل في ذروة وغارب، والمعنى على أنه لم يزل يرفق بصاحبه رفقاً، يتلطف ويحايله.

لم يزل يرفق بصاحبه رفقاً يشبه حاله فيه حال الرجل يجيء إلى البعير الصعب، فيحك ويفت الشعر في ذروته وغاربه حتى يسكن ويستأنس. وهو في هذا المعنى نظير قولهم: فلان يقرد فلاناً. وهو في المعنى نظير قولهم -لأنه أراد أن يأتي بمثال بليغ آخر-: فلان يقرد فلاناً؛ يعني به أنه يتلطف له، فعل الرجل ينزع القراد من البعير ليذهب من جلده ما يحكه وكذا، فحين ينزعه يلتذ البعير بذلك، فيثبت في مكانه حتى يتمكن من أخذه. وهكذا كل كلام رأيتهم قد نحوا فيه نحو التمثيل ثم لم يفصحوا بذلك وأخرجوا اللفظ مخرجه إذا لم يريدوا تمثيلاً.

فصل. الآن يتحدث عن الكناية، انتهينا من الكلام عن الاستعارة وفصلنا الكلام فيها، وأن الاستعارة منها ما هي استعارة تصريحية، وتلك الصورة الأولى. وضرب آخر من الاستعارة يقول فيه تذكر للشيء الشيء ليس له، هذه ما ذكروها بالاستعارات المكنية. وكذلك تعلمنا الآن فصل التشبيه البليغ وأنه القياس، وأنه الضبط الذي بدأ من عند عبد القاهر؛ لماذا؟ لأنه يذكر فيه طرف التشبيه، فليس إطلاقاً، وإنما أقصى أن يكون تشبيهاً بليغاً أو على حد المبالغة لما حذف منه وجه الشبه وأداة التشبيه، لكن بقي المشبه والمشبه به مع الحذف إذا لم ينتقل إلى الإطلاق أن يكون لفظ مكان لفظ بالكلية. وعرفنا التمثيل الذي هو نظير الاستعارة تحت مظلة المجاز، ولكنه في البلاغة التقريرية دخل في الاستعارة، وصار الاستعارة التمثيلية. وكان منفصلاً، ما يجيء منه على حد الاستعارة يسمى يكون مجازاً، ومنه ما يجيء على حد التشبيه، وليس هذا موضعه.

يأتي الآن إلى الكناية التي هي أخت المجاز. هو ذكر في المجاز ماذا؟ الاستعارة والتمثيل، ويأتي الآن الكناية التي هي النوع الثاني من الإطلاق. ويخلط الكثير من طلبة العلم المعاصرين من المبتدئين بين المجاز أو الاستعارة والكناية، يقول: طيب ما هذه إطلاق وهذه إطلاق، هذه أطلق شيئاً وأراد غيره وهذه أطلق شيئاً وأراد غيره، لا فرق بينهما كبير، ستعرف الآن إن شاء الله. قال فصل: قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، وأن الاستعارة مزية وفضلاً، وأن المجاز أبداً أبلغ من الحقيقة، إلا أن ذلك وإن كان معلوماً على الجملة.

طبعا ما معنى أن يكون المجاز أبلغ من الحقيقة؟ يعني هو أبلغ في الإظهار والكشف عن المعنى الذي يستعمل فيه ذلك، لكن يبقى بعد ذلك وجه الاختيار للمقام. لا نفعل كالذي يقول: هذه الأبيات أفضل من هذه الأبيات لأن هذه وقع فيها مثل وهذه وقع فيها الكاف، وألزم عنترة في قوله: ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي، فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم. فقال أيضاً: بيت عنترة نازل، هو طبعاً هذه مكابرة، أخذ يكابر؛ يعني لو كان من الأول على رسله ما كابر، لكن طبعاً هو يكابر هنا، مفهومه واضحة أنه قال: نعم كان على عنترة الأجود أن يقول: لمعت مثل بارق ثغرك المتبسم، يقول لأن مثل تفيد قوة التشبيه والمطابقة، ولأن الكاف تفيد أي درجة من التشبيه أخف من المثل، فلو قال مثله كان أجود.

ولا يدري أنه لو قال مثله كان عنترة قد جعل أسنان حبيبته من الحديد، وكأنها خلعت أسنانها وركبت أسنانًا من الحديد، لأنه قال: فوددت تقبيلها لأنها... هذه السيوف ماذا لمعت كبارق ثغرك المتبسم؛ يعني أشبهت. ولو قال: لمعت مثل بارق ثغرك، فأنت ملزم بأن تجعل ابتسامتها بدت عن سيف، بدت عن سيف خلاص، وهذا قبيح أن تكون أسنانها من المعدن، هذه ربط هذه إنسان آلي! ثم لم ينتبه إلى وجه آخر -طبعاً هو كان يكابر- لم ينتبه إلى وجه آخر وهو أنه ود تقبيل السيوف لأدنى الشبه؛ لمعت كبارق ثغرك، لما أشبهت السيوف في لمعانها بارق ثغرك بدرجة ما، بأي درجة؟ وددت تقبيلها. هذا أبلغ من أن تقول شبهتها تماماً، فهمتم؟ هذا أبلغ من أن يقول وددت تقبيلها لما شابهت تماماً، لما أشبهت بالتمام وددت تقبيلها، هذا أبلغ أم أن يقول لما أشبهت بعض الشبه وددت تقبيلها؟ كما قال عنترة طبعاً. فهذا معنى أبلغ يا إخوة، مثل أبلغ من الكاف، والتشبيه البليغ أبلغ من التشبيه، والاستعارة أبلغ من التشبيه كله. طيب والمجاز أبلغ من حقيقة، والكناية أبلغ من التصريح، بعد ذلك ماذا؟ كل مقام يقتضي أن يكون أبلغ في هذا أو غير أبلغ، كل مقام هو الذي يطلب أن يكون أن يأتي بالأبلغ أو الذي هو دونه.

قال: وإن كان معلوماً قال: إلا أن ذلك وإن كان معلوماً على الجملة فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته، وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه -أظن الفكرة هنا: وحتى يغلغل الفكر إلى زواياه- يعني فكره إلى زواياه، وحتى لا يبقى عليه موضع شبهة، ومكان مسألة. فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت: هو طويل النجاد وهو جم الرماد، كان أبهى لمعناه وأنبل من أن تدعي الكناية وتصرح بالذي تريد، وأنبل من أن تدعي الكناية وتصرح بالذي تريد، وكان إذا قلت: رأيت أسداً، كان لكلامك مزية، مزية لا تكون إذا قلت: رأيت رجلاً، هو والأسد سواء في معنى الشجاعة وفي قوة القلب وشدة البطش وأشباه ذلك. وإذا قلت: بلغني أنك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، كان أوقع من صريحه الذي هو قولك: بلغني أنك تتردد في أمرك، وأنك في ذلك كمن يقول: أخرج ولا أخرج، فتقدم رجلاً وتؤخر أخرى، ونقطع على ذلك حتى لا يخالج شك فيه.

فإنما يعني بدأ من هنا، يعني أقول: هاه من الأول فنحن وإن كنا نعلم أنك إذا قلت كذا كذا كذا كذا كذا، فإنما تسكن أنفسنا تمام السكون إذا عرفنا السبب في ذلك والعلم، ولم كان كذلك؟ يقول: عبارة تفهم عنا من نريد إفهامه. هذه نقطة مهمة وخطيرة، وهنا يا إخوة يمتاز من هنا يمتاز الناقد العالم بحق عن الذي يشعر بالشيء فقط، فالعامي ربما يشعر، لكن الناقد هو الذي يعلم العلة، وهو الذي يتغلغل فيها، وهو الذي يجد لها سبباً أو لما يجد في نفسه سبباً ويعلل. قال: وهذا هو قول في ذلك في بعض المطبوعات أو النسخ قال في المطبوعة بعدها وحدها وهذا هو القول في ذلك، قال: وهذا هو قول في ذلك، أعلم لعل المطبوعة أصح والله أعلم، ولذلك جعلها القول، وذلك هو القول في ذلك، اعلم أن سبيلك أولاً -اه هنا يذكر ماذا يا سلام!- انظروا يا إخوة لأجل ما قال في الفقرة السابقة التي قرأناها الآن أقول لهذا جرى العلماء على التشقيق حتى ينتهوا إلى لب المسألة وروحها والحكمة الباعثة على التصور فيها أو على اختيارها.

يقول في العلة في ترجيح الكناية على التصريح وترجيح المجاز على الحقيقة، يقدم فيقول: اعلم أن سبيلك أولاً أن تعلم أن ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة التي تدعي لها، يقول: اعلم أن سبيلك أولاً أن تعلم أن ليست المزية ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره، والمبالغة أي ليست المبالغة التي تدعي لها، يعني أن ليست المزية والمبالغة، ليست المزية التي تثبتها لهذه الأجناس على الكلام المتروك على ظاهره -لأن الآخر على غير الظاهر، الاستعارة والكناية على غير الظاهر- والمبالغة أي ليست المبالغة التي تدعي لها في أنفس المعاني التي يقصد المتكلم إليها بخبره، ولكنها في طريق إثباته لها وتقريره إياها، ليست في أنفس المعاني ولكن في طريق إثباته لها وتقريره إياها.

نركز نركز ونربط الأحزمة، يقول: تفسير هذا أليس المعنى إذا قلنا أن الكناية أبلغ من التصريح أنك لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته؟ -ها تذكر محاضرة أمس- لم تزد في ذاته، المعنى في ذاته في ظاهر الاحتمال في ظاهره يحتمل هو هو، يحتمل وجوهاً أخرى، ولكن الوجوه تختلف بحسب ما فيها. ها اسمع، يقول: تفسير هذا أليس المعنى إذا قلنا أن الكناية أبلغ من التصريح أنك لما كنيت عن المعنى زدت في ذاته، بل المعنى أنك زدت في إثباته فجعلته أبلغ وأكد وأشد. هذه الزيادة ليست من أصل المعنى، خلاص احنا فهمنا بالأمس ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100] التهويل من أي شريك وأن يكون لله من الزيادات. ستقول لي ما دليلك؟ أقول لك دليلي أن الإعراب باق على وجهه على حاله، الإعراب هو هو، ولكن أنا تكلمت هاه دعني أتنزل في العبارة، أقول تكلمت أو في الثانية هذه لن أتنزل، نظمت العبارة بحيث أضفت مزايا أخرى تفهم من طريقة أداء العبارة وليس من ذات إعراب العبارة، ليس من ذات الإعراب ولكن بترتيب المعربات ترتيباً جديداً في هذه الآية بعينها، تكلم وجعلوا لله شركاء الجن، فكأنك كأنك إذا تتكلم بهذه تريد أن تقول معنى أصلياً ولكن فوت فيه معنى عظيماً هو الذي تريد في الحقيقة، زوائد زوائد زوائد يا إخوة افهم، افهم زوائد.

يقول: فليست المزية في قولهم "جم الرماد" أنه دل على قرى أكثر، بل أنك أثبت له القرى الكثيرة من وجه هو أبلغ، الله أنت لم تدل على قرى أكثر، أنت ممكن تدل عليها من لفظ آخر، بل أنك أثبت له القرى الكثيرة من وجه أبلغ وأبهى إيجاباً هو أشد، يعني أنت لما قلت لما قلت فلان كثير الرماد أنت لم تخبرني بذلك أنه يطبخ كثيراً، أنت أكدت هذا، أكدت هذا، أنت يمكن أن تقول يطبخ كثيراً، ما الفرق بين يطبخ كثيراً وكثير الرماد؟ هل زدت في أصلها وجعلته يطبخ كثيراً؟ لا هذا ما قد يفهمه العامة، لكن كثير، لما واحد يقول لي فلان كثير الرماد أنا بوصفي متذوقاً ناقداً سأقول هذا يريد أن يدعي أنه يطبخ كثيراً ولكن ترك ذلك الخبر وأكده بطريق آخر، وليس أخبرني بكثرة الطبخ. دقيقة هذه يا إخوة، دقيقة افهموا، هو يبتعد عن الادعاء، تخيل فلان يطبخ كثيراً جداً جداً جداً سخيفة وادعاء، طيب ما المزية أو ما الميزة ما الفكرة ما القضية في الرماد؟ والله أنا لن أقول لك يطبخ كثيراً ولكن سأقول لك وجدت رماداً كثيراً، افهم أنت بقا انظر أنت ماذا تفهم، ماذا تفهم؟ وجدت رماداً كثيراً، والله لا أقول رأيت طعاماً، رأيت رماداً كثيراً، انظر ماذا تفهم أنت، هكذا كذا أخبرت بكثرة الطعام أم أم أكدت كثيرة الطعام؟ أخبرت بكثرة الإكرام والإطعام أم أكدت كثرة الإطعام والإكرام؟ هاه، أكدت أكدت رضي الله عن عبد القاهر، أفهمنا الكثير أفهمنا الكثير والله رحمهم الله، هؤلاء لهم في عنقنا بيعة، بيعة احترام وتقدير نعم حتى لو اختلفت مع بعض، بيعة احترام وتقدير.

قال: فليست المزية في قولهم "جم الرماد" أنه دل على قرى أكثر، بل أنك أثبت له القرى الكثيرة من وجه هو أبلغ وأوجب إيجاباً هو أشد وادعيته دعوة أنت بها أنطق وصحتها أوثق، يعني الأول ادعاء، سلام، كان يمكنك أن تقلب المعنى الشريف كما قلنا أمس إلى مباشر أو مبتذل عن طريق الشرح، رأيته يطبخ كثيراً جداً جداً جداً، وإنما يحصل شرف المعنى بأن يكون شريفاً ومعبراً عنه بهذه الصيغة الخاصة، فإذا فككته عن نصه نزل شرفه. قال: وكذلك ليست المزية التي تراها لقولك "رأيت أسداً" على قولك "رأيت رجلاً لا يتميز عن الأسد في شجاعته وجرأته" أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته بالأسد، أنت لم تفد زيادة، رأيت رأيت يا إخوة أصول المعنى واحدة، عبد القاهر يقول لك أصول المعاني واحدة، يقول لك أصول المعاني واحدة ولكن الطرائق والإثباتات والزوائد واللطائف والخصائص، هاه يقول: ليس أنك ليست المزية أنك قد أفدت بالأول زيادة في مساواته بالأسد بل إن أفدت تأكيداً وتشديدات في إثباتك له هذه المساواة وفي تقريرك لها فليس تأثيراً.

الاستعارة ليست في ذات المعنى وحقيقته، بل في إيجابه والحكم به، يعني في إثباته. الحكم بالشيء يعني إثباته، إسناد إثبات شيء لشيء، إلحاق شيء بشيء، بل في إيجابه والحكم به. وهكذا قياس التمثيل، ترى المزية أبداً في ذلك تقع في طريق إثبات المعنى دون المعنى نفسه.

فإذا سمعتم يقولون: إن من شأن هذه الأجناس أن تكسب المعاني نبلاً وفضلاً، وتوجب لها شرفاً، وأن تفخمها في نفوس السامعين، وترفع أقدارها عند المخاطبين، فإنهم لا يريدون الشجاعة والكرم وأشباه ذلك من معاني الكلم المفردة، وإنما يعنون إثبات معاني هذه الكلم لمن تثبت له ويخبر بها عنه. يعني يتكلمون في الحكم والإثبات وكيفيات ذلك، لا أنهم يعظمون هذه المعاني الشريفة في ذاتها من حيث القياس الديني أو الأخلاقي وفي أعراف الناس.

قال: هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبداً، وأن يعلم أن ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة مع معاني الكلم المفردة شغل.

قال السائل: نعم مولانا، أنا فهمت عن الإمام ما يقصد بالنسبة للاستعارة والكناية وهذه الأصناف، لكن هناك سؤال، وهو إذا كانت، أقصد كيف تغير هذه الاستعارة في النظم نفسه؟ يعني ما علاقتها بالنظم؟ يعني مثلاً في الأمس قرأنا المثال الذي هو «سالت عليه شعاب الحي»، عندما غير النظم فسدت الاستعارة وذهبت قيمتها. فالكلام هنا ما علاقتها بالنظم بالضبط؟ أو كيف تكون لها علاقة؟ كيف تكون هي إحدى صور النظم؟

أجاب الشيخ: هو كلمك في اللفظ، ألا تراه أخرج نوعاً آخر هو التشبيه البليغ لما تكلم عن الاستعارة؟ هو يقول لك الآن لاحظ ماذا قال في الفصل قبل هذا؛ اسمع ماذا قال في الفصل قبل هذا قبل أن نبدأ أصلاً في هذا، قال: «وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية وبيان الجهات التي منها تعرض». وهو أخذ يبينها لك جهة جهة، ونحن بالأمس قرأت لكم تعجيله في آخر المحاضرة في موضع أن هذه الاستعارات لا تحسن في ذاتها وإنما إذ يطلبها المقام، وهو في المقدمة التي قدم لها قبل هذا خوض في بحر المجالس التسعة التي سبقت؛ تلاحظ أنه كان يبين لك أن النظم هو توخي معاني النحو، ثم قال لك في الأخير: وإذا كان النظم هو توخي معاني النحو فكيف يمكن أن يتوازى هذا؟ قالها في آخر مقدمته التي جعلها في وصف النحو: فكيف يتفاوت الكلام البليغ حتى تبلغ المرتبة العليا أن تدخل في حد الإعجاز مع أن هذا الذي تذكره من معاني النحو وكذا هو قدر مشترك وشرك بين كل ناطق بالعربية وكل عالم بالصحيح منها؟ فكيف ذلك وكيف عجزوا عن نص القرآن؟ قال: ذلك هو موضوع الكتاب، موضوع الكتاب هذه الخصائص واللطائف التي تلحق هذه التراكيب في أثنائها، في هيئاتها، وحين تؤم بها أغراضاً معينة.

فبدأ في تفصيل ذلك، هو الآن يكلمك عن أن لفظة تطلق ويراد منها غيرها، ما المؤثر في ذلك؟ النظم نفسه، هذه العلاقة. وهو سيصرح لك بأن الذي يقتضي تغييرها هو النظم، وهو دلالات المجاورة. فأنا إذا كنت فهمت سؤالك تقول: ما علاقة دراسة الاستعارة والكناية بالنظم؟ أن الذي يقتضي ذلك هو النظم، وهو قدم لك بمقدمة أوضح لك فيها أن النظم هو الذي يخلق كل هذا، ومن هذه الصور الاستعارة والكناية.

فصل في أن هذه المزايا في النظم بحسب المعاني والأغراض التي تؤم. بعد أن انتهى من الكلام في التشبيه، وفي الاستعارة، وفي الكناية، ثم انظر يقول لك في الفقرة الثانية: وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره والتنويه بذكره، وإجماع الأفاضل على عدمه، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ، وبنيتهم الحكم بأنه الذي لا تمام دونه ولا قوام إلا به، وأنه القطب الذي عليه المدار والعمود الذي به الاستقلال. وأنت سترى التصريح في هذا الكتاب بأنه لا مجاز ولا استعارة ولا تمثيل ولا تشبيه ولا شيء يحصل به الجودة وإن كان في ذاته جيداً، وبمناسبة سبب سيأتي في سياقنا هذا القريب؛ إن كان اليوم أو اللقاء القادم.

تأمل في قول الشاعر «وسالت بأعناق المطي الأباطح»، ولكن الدقة واللطف في خصوصية أفادها بأن جعل «سالت» فعلاً للأباطح، ثم عداه بالباء، بأن أدخل الأعناق في البين، فقال «بأعناق المطي» ولم يقل «بالمطي»، لم يكن شيئاً. وكذلك الغرابة في البيت الآخر ليست في مطلق معنى «سالت»، ولكن في تعديته بعلى والباء، وبأن جعله فعلاً لقوله «شعاب الحي». ولولا هذه الأمور كلها لم يكن هذا الحسن، وهذا موضع يدق الكلام فيه. وأورد أمثلة على ذلك، هو الآن فقط في معرض أن اللفظة تأتي في مكان وتأتي في مكان آخر بمعنى آخر؛ تأتي في مكان بمعنى، وتأتي في مكان آخر مجازاً. تتغير، ينبهك إلى تغير الكلمة وإلى صورة من صور دلالات الألفاظ حسب سياقاتها، بحسب موقعها والغرض منها، فتنقلب عن حقيقتها إلى استعارة، وعن تصريحها إلى كناية.

قال: هذا ما ينبغي للعاقل أن يجعله على ذكر منه أبداً، وأن يعلم أن ليس لنا إذا نحن تكلمنا في البلاغة والفصاحة مع معاني الكلم المفردة شغل، ولا هي منا بسبيل، وإنما نعمد إلى الأحكام التي تحدث بالتأليف والتركيب. وإذ قد عرفت مكان هذه المزية والمبالغة التي لا تزال تسمع، وأنها في الإثبات دون المثبت، فإن لها في كل واحد من هذه الأجناس سبباً وعلة. رايت؟ يعني مازال يكلمك في الكناية والاستعارة والتمثيل، يعني في الكناية والمجاز، ويقول لك هذه أسباب ما ظهرت في الكلمة المفردة، ما الذي جعل هذه الكلمة استعارة؟ ما الذي نقلها عن مكانها؟ موقعها؛ لأنه يقول لك أنها في الإثبات دون المثبت. فإذا كانت في الإثبات دون المثبت فهي ليست في المعنى المفرد، بل في طريقة الإثبات التي يلزم عنها التأليف والتركيب. يقول لك: فإن لها من هذه الأجناس سبباً وعلة.

فانظر كيف يلج بك عبد القاهر شيئاً فشيئاً في قضية النظم، وانظر كيف سيلحق علم البيان في البلاغة التقريرية بعلم المعاني، وكان البيان فرعاً عن المعاني بل هو كذلك حقاً أصلاً. يقول: فإن لها في كل واحد من هذه الأجناس (يعني الكناية والاستعارة والتمثيل) سبباً وعلة، يعني بعد أن يطلب النظم وجهاً من هذه الوجوه، هناك علة في هذا الوجه جعلت ترتيب الكلام على صورة النظم يطلبه؛ يعني هناك معنى جعل الاستعارة مطلوبة على شرط الكلام الخاص، هناك معنى جعل الكناية مطلوبة، هناك معنى جعل التمثيل مطلوباً. لماذا في التمثيل جاء بالتمثيل ولم يأت بالوصف مثلاً؟ لماذا لجأ إلى التمثيل؟ وهكذا في التشبيه لماذا يشبه ولا يصف؟

أما الكناية، فإن السبب في أن كان للإثبات بها مزية لا تكون للتصريح، أن كل عاقل يعلم إذا رجع إلى نفسه أن إثبات الصفة بإثبات دليلها، وإيجابها بما هو شاهد في وجودها، أكد وأبلغ في الدعوى من أن تجيء إليها فتثبتها هكذا ساذجة غفلاً (مجردة دون شيء). وذلك أنك لا تدعي شاهد الصفة ودليلها إلا والأمر ظاهر معروف، وبحيث لا يشك فيه ولا يظن بالمخبر التجوز والغلط، يعني أبعد عن التهمة.

ومثل هذا في المعنى -أيها الإخوة- التجريد، لما امرؤ القيس أراد أن يثير عاطفتنا لم يقل: وكنت لها في سالف الدهر خلة، بل قال: وكان لها. تامل ستري أن صيغة «وكان لها في سالف الدهر خلة» تجعل كلامه أقرب إلى التصديق، وأقرب إلى إثارة الشفقة؛ لأن صيغة «كنت لها» تثير تهمة الادعاء، تدعي لنفسك أنك كنت كذا. لكن كأنك فصلت إنساناً عنك تتكلم عنه، تصف حاله، فتقف مع إنسان وتشير إليه «وكان لها». فأنت خدعت وجعلت عقل مخاطبك يزل عن منطقة التهمة. لو قلت «وكنت لها» قد يقول: ما كنت لها، لكن «وكان لها» فأنت توحي لمخاطبك بأنك من شدة إشفاقك على نفسك فصلت عن نفسك الكلام، وصرت تشفق على إنسان آخر وتشهد الناس على حاله. رايتم؟ كذلك قوله «له الويل إن أمسى ولا أم هاشم قريب»، لو قلت «لي الويل»، هذا عويل من إنسان قد يدعي، لكن «له الويل» أنت أشفقت على نفسك حتى جعلت نفسك غيرك، تحدثت عنه، هذا فيه نفس روح الكناية.

يتهم كلام يشك فيه، لكن الدليل محكم ومؤكد في نفس الوقت. قال: وأما هذه علة الكناية؛ لماذا الكناية قوية؟ الكناية دليل يبعد عن التهمة، وقلت لكم التجريد فيه هذه الروح، طبعاً هذا لم يقله أحد من البلاغيين، أنا هذا من الميراث.

قال: وأما الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزية والفخامة أنك إذا قلت رأيت أسداً كنت قد تلطفت لما أردت إثباته له من فرط الشجاعة حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي يقطع بوجوده. وذلك أنه إذا كان أسداً فواجب أن تكون له الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل أو الممتنع أن يعرى عنها.

وإذا صرحت بالتشبيه فقلت رأيت رجلاً كالأسد كنت قد أثبتها إثبات الشيء يترجح بين أن يكون وبين أن لا يكون، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء. وحكم التمثيل حكم الاستعارة سواء؛ فإنك إذا قلت أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى، فقد أوجد له الصورة التي يقطع معها بالتخيل والتردد.

كان هذا جوابه إذا كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر، فتقول قد جعلت تتردد في أمرك، فكأنك تقول له: اخرج ولا تخرج، فتقدم رجلاً وتؤخر أخرى. وهذا واضح ظاهر، ونكتفي بهذا القدر أيها الإخوة، وشكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.