دخولتسجيل الدخول

الدرس 10 - اقتطاع - بيانٌ مُفَصَّل في أركان نظريةِ النظم

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، ثم الحمد لله. الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده. لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك. نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

أما بعد: أيها الإخوة الأحباب في مدرسة رواد القصيد، هذا هو مجلسنا العاشر من مجالسنا في شرح هذا الكتاب المبارك "دلائل الإعجاز" لإمام البلاغة والبيان، الواضع الأول الذي تكونت على يديه واكتملت نظرية البلاغة، الإمام أبي بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الجرجاني رحمه الله تعالى. انتهينا إلى الصفحة الخامسة بعد الستين، حيث قال في آخر فقرة: قد فرغنا الآن من الكلام على جنس المزية، وأنها من حيز المعاني دون الألفاظ. انتهينا في المجالس التسعة التي مضت إلى أن القضية ليست قضية اللفظ، إنما هي قضية المعاني من حيث تراكيبها، لا المعاني المجردة المحضة في ذاتها، وإنما هي معاني التراكيب. وأن المراد بالألفاظ التي تتشكل في الترتيب والتأليف والنظم والتركيب والصياغة؛ هذه معانٍ تتشكل وليست ألفاظاً تتشكل. قال: وإنها ليست لك حيث تسمع بأذنك، بل حيث تنظر بقلبك. وبلغ القول في ذلك أقصاه.

ويقول: ينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية أنها مزية الألفاظ مع معانيها من خلال التركيب. سيبدأ في الكلام على ما يحيط به من صور النظم وأحواله وهذه اللطائف والخصائص. هذه الأشياء يا إخوة التي بعد ذلك تكون منها علم المعاني، بل أيضاً علم البيان. وستعجبون أن أول ما سيتناوله من أحوال النظم ماذا؟ الاستعارة والكناية. انظر إلى العجب، أول ما سيتناوله من أحوال النظم المجاز والكناية. ويأتي بعد ذلك فدم شخص ملئ فدامة، أي ثقل الفكر وكسل العقل، ليقول: عبد القاهر تناقض لما جعل المزية للنظم في كتابه "الدلائل"، وبعد ذلك أخذ يثني على التشبيه والاستعارة وكذا في كتاب "الأسرار" وجعل ذلك هو سر البلاغة، تناقض. يا رجل في كتاب "الدلائل" أورد لك أول أحوال النظم الاستعارة والكناية. من قال هذا لم يفهم عبد القاهر.

وأكثر من يقول هذا على العادة التي نراها؛ المتأثرون بالحداثة هم عموماً الحداثيون فيهم فدامة شديدة، فيهم ثقل عقل، فيهم غباء من شدة ما ترسخ في أذهانهم أو من شدة ما مارسوه جعل أو صار كأنه فطرة وكأنه في الطبيعة والتكوين والغريزة. هذه مشكلة، أنا أصف واقعاً، أنا لا أحاول الإساءة، أنا أصف واقعاً. الحداثيون من شدة ما هربوا وهرعوا بما سماه محمود شاكر "الجبن اللغوي" هربوا من مواجهة البيان بالفصاحة السائرة التي اعتادتها العرب لينشئوا فصاحة جديدة أو نصاً مبدعاً جديداً، هربوا من هذه المعادلة الصعبة إلى ماذا؟ إلى أن يعقدوا في أول مراتب الدلالة في الكلام وفي الألفاظ، وأوهموا الناس بأن ذلك هو إبعاد المرمى وهو التعميق، وما ذلك إلا التعقيد. ولكنهم اعتادوا ذلك ومارسوه، ونفس الشيء وقع بالتالي في محاولة تأويل نصوص غيرهم. وهكذا إذا قرأوا عبد القاهر لن يفهموه لأن نفوسهم توطنت على هذه الفدامة فصارت في حكم المجبولة على ذلك، كأنها جبلة وطبيعة فيهم.

هذا ما أحدثته الحداثة اللغوية المعاصرة، ولهذا أحاربها أشد الحرب وأحاربها محاربة الفساد الصريح، نعم وهي فساد لأنها تؤول إلى شيء يشبه في الحقيقة التخلف العقلي. أن يكون عنده نوع من التخلف العقلي، إلى الآن نحن نصفها بأمية لغوية، لكن هي خطوة أو قاربت أو كادت أو مست وسامتت أن تكون أو نقول سامتت بالفعل انتهت إلى ذلك أن تكون تخلفاً عقلياً ولو بالمعنى اللغوي لا بالمعنى الاصطلاحي المتداول عند الناس الآن أو العرفي.

عبد القاهر سيبدأ في تفصيل ذلك، يقول: وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية. سيبدأ في الكلام على هذه الصور التي انتهت إلى علم المعاني بل إلى علم البيان، ليقول لك كل ذلك داخل في نظرية النظم والتركيب والتأليف والترتيب والصياغة والنسج، كل هذا وسيقيم عليه حججاً يسهم فيها ويدقق، وسترى ألذ ما يكون من العلم في مصنفات عبد القاهر. فقال: وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية، وبيان الجهات التي منها تعرض، وقال كما علمنا وإنه لمرام صعب ومطلب عسير إلى آخر ما وجدتم. وكنت سأبدأ معكم مباشرة في الفصل التالي: اعلم أن لهذا الضرب اتساعاً. لما قال: فصل في اللفظ يطلق والمراد به غير الظاهر، وسأشرح لما أبدأ في شرح الفصل. لماذا بدأ بهذا الفصل؟ عبقري عبد القاهر أيها الإخوة.

أقول قبل أن نبدأ في هذا الفصل: يحسن فيما رأيت أن أقفز بكم إلى فقرات آتية في منتصف الكتاب أو بعده، الفقرة الخامسة بعد الثلاثمائة والسادسة بعد الثلاثمائة وربما أيضاً الثامنة بعد الثلاثمائة. يحسن أن أقدم بهذه الفقرات؛ لأن فيها خلاصة الفكرة، فيها أركان الفكرة التي ما زالت تتداخل وتتماهى وتشكل على المتخصصين أنفسهم. ففي هذه الفقرات سنعرف أركان الفكرة، أركان قضية النظم والمكونات، ونعرف كيف نميز بين هذه المكونات التي هي معنى مجرد، معنى فني، صياغة، ألفاظ مجردة تركب. سنعرف طريقة التمييز بين هذه الأركان بفكرة لو أوعيتموها ستمشي معنا إلى آخر الدراسات وآخر العمر. انتبه، أنت إذا تفلتت منك الفكرة لا سيما بين إسهاب عبد القاهر رحمه الله، ربما أنت تفهم ظاهراً منها لكن تظل تتعثر في الأمام، وربما تضيع من بعضكم من الأول، وربما لا تضيع منكم لكن تظل تشكل وتتداخل كما وقع معنا في الأول. ولكن سأقفكم على هذه الفقرات؛ لأنكم بعد ذلك ستعلمون هذا العلم لغيركم. هذه الفقرات التي سنشرحها الآن نقدم بها إن شاء الله نعجل بها فيها توضيح وتمييز لهذه المكونات؛ إذا أوعبتم ذلك وأحكمتموه وأمسكتم بالزمام بقوة فأنتم واصلون إن شاء الله تعالى بأمان على طول الطريق.

انتقلوا معي إلى الفقرة الخامسة بعد الثلاثمائة، في فصل جديد صفحة مائتين وستة وثمانين. يقول فصل: واعلم أنه إذا كان بيناً في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب إلى فكر وروية فلا مزية. مرةً أخرى، يقول: واعلم أنه إذا كان بيناً في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب إلى فكر وروية فلا مزية. يعني النص الذي يأتي هكذا مباشراً وتقول: لا مزية فيه. وإنما تقول: أخبرتها أنني أحبها جداً. هل يوجد أي معنى آخر يزيد على ذلك وتشعر فيه ببعد في المرمى وشعور، لا أقول بمجاز ولا بكناية ولا بكذا، هذه أمور لا تشترط، هذه وجوه من وجوه النظم، لكن هل وجدتم شيئاً من اللطائف أو الخصائص كما يسميها من المزية حصل في هذا النظم جعل له مرمى بعيداً زائداً على أن يعبر عن المعنى بشكل مباشر؟ طبعاً لا، أخبرتها بأنني أحبها جداً، لا شيء.

واعلم أنه إذا كان بيناً في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج في العلم بأن ذلك حقه أي تعلم بأن ذلك حقه وأنه الصواب إلى فكر وروية فلا مزية. فلا مزية هنا جواب إذا كان، إذا كان بيناً فلا مزية، إذا كان بيناً في الشيء لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه فلا إشكال ولا يحتاج في العلم بأن هذا الصواب لا، فلا مزية. وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال وجهاً آخر غير الوجه الذي جاء عليه. كلمة "غير الوجه الذي جاء عليه" ضعوها بين شرطتين، جملة اعتراضية، لأنك ربما دون هذا التنبيه تظل تذهب وتجيء وعقلك يضرب أخماساً في أسداس، وتظل تصول وتجول في الإعراب. وإنما تكون المزية والفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجهاً آخر.

ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء عليه حسناً وقبولاً تعدمها إذا أنت تركته إلى الثاني. لا، لحظة، هذا كلام خطير. يقول: وإنما تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه، يعني جاء إذاً على وجه معين، صيغة الشاعر أو الصيغة القرآنية أو صيغة البليغ الخطيب أو الكاتب احتمل وجهاً آخر، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء عليه حسناً وقبولاً تعدمها إذا أنت تركته إلى الثاني. يقول: هنا تأمل، انظر تأمل قوله "إذا احتمل في ظاهر الحال"، في ظاهر الحال وظاهر الحال هنا هو المعنى الغفل. انتبه لهذه الدقائق في كلام عبد القاهر، يقول إذا احتمل في ظاهر الحال لأن المعنى لا يرفضه، ظاهر الحال هنا هو المعنى الغفل، أي كان المعنى الأصلي في نفسه يحتمل أن تعبر عنه بوجه آخر غير الوجه الذي جاء عليه الكلام البليغ.

طيب إذا جاء الكلام على وجه ولا وجه آخر له كما قال في الأول، أين المزيد؟ لا مزيد، يعني لا يجيء إلا هكذا، لا يحتمل شيئاً آخر. يعني أنا جئت الآن كما قلت لكم وقلت: أخبرتها بأنني أحبها جداً، وشربت اللبن في الصباح، لا يزيد عليه بالمناسبة. لا تقل لي لا، أنا أثارني الفضول، بأنك أخبرت إنساناً بأنك تحبها أقول لك هذه مزية لا تتعلق باللغة بل تتعلق بتعلق قلبك بأصل المعنى. أنت لا يمكنك أن تخبر حبيبتك بكذا وكذا، أنت لو جئت إلى زير نساء وقلت له أخبرتها بأنني أحبها جداً، سيربت على كتفك ويقول برافو تلميذ جيد مبتدئ، ولن يسعد بهذا ولن يشعر بشيء أنت المسكين. انظر كيف اختلف الناس في هذا، أما النص العالي لا يختلفون فيه، النص العالي سيتذوقونه ولهذا خلدت النصوص العالية، لماذا لأنه يظل خلاف الأصل أصلاً. لماذا خلدت النصوص البليغة العالية خلاف الأصل؟ ومن هنا تعلمون غباء الحداثيين الذين يقولون نريد تجديداً، أنت لم تتذوق الأول، أنت مللت من صورة، لو أنك فهمت البلاغة علمت أنها إلى يوم الدين خلاف الأصل، فتتذوق ولذلك مهما اعتدت القرآن يظل القرآن بليغاً إلى يوم الدين، تظل المعلقات تيجان الشعر إلى يوم الدين وإن اعتادها الناس ودرسوا بلاغتها وتذوقوها.

طيب ماذا يحصل في نفسي من فتور أحياناً وكذا وأريد أن أجدد بشيء آخر وكذا، أقول له لا لحظة، هذا أمر يتعلق بك لا بالنص، ويحصل معك في القرآن، ولذلك روحوا خففوا وروحوا عن القلوب، لماذا؟ القلوب تمل، والله لو أنك تعلم أنك تقف بين يدي الله لست في الركعة المائة كالركعة الأولى، لو أنك ماثل بين يديه وتعلم أن الله أمامك لست في خلقتك، لست في الركعة المائة كالركعة الأولى ولا في الخمسين كما في العاشرة، ما فيش، لماذا؟ أمر يتعلق بك، فالنصوص العالية هي نصوص عالية في ذاتها، تظل بلاغتها فيها، أما الأمور المتعلقة بأصل الفكرة والمعنى فهذه يختلف فيها الناس.

وتذهب وتجيء وتضمحل وتتجدد. أما النصوص فبلاغتها ثابتة؛ افهموا هذه القضية، لا يلعب عليكم فيها.

فأنت إذا قلت: أخبرتها بأنني أحبها جدًا. قد نفرح لك، قد تزوجت البارحة يا إخوة، عقدت قراني أمس. سنفرح، لكن لن نشعر بشيء في النص، النص لا شيء فيه. هذا بالضبط مثل: شربت اللبن بالأمس، تغديت سمكًا البارحة. هذا هو بالضبط.

فهذا إذا وجدته لا وجه آخر له، لا مزية. ما الذي له مزية؟ تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال غير الوجه الذي جاء عليه وجهًا آخر. يعني إذا وجدت النص جاء على وجه، ثم رأيت -اه شوف قال احتمل في الظاهر- ما هذا الظاهر؟ المعنى الغفل المحض. يعني كان المعنى الأصلي في نفسه في الظاهر في الجملة، يحتمل أن تعبر عنه بوجه آخر غير الوجه الذي جاء عليه الكلام البليغ الذي فيه المزية. أما الذي جاء في الأول لا يحتمل وجهًا آخر لا مزية. أما إذا جاء بوجه ورأيت أنك لو في الجملة ذهبت إلى وجه آخر، كما يقول وجدت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، ورأيت للذي جاء عليه حسنًا وقبولًا تعدمها إذا أنت تركته لهذا الآخر، هنا تكون المزية.

فأنت تجد نفسك تنبو عن هذا الوجه الآخر؛ لأن هذا النص الأول الذي جاء في نفس المعنى، جاء على وجه فيه زيادات، هي اللطائف والخصائص أو ما آلت إليه اللطائف والخصائص من هيئة الكلام. ركزوا معي.

وكيف إذا كان جاء على ذلك جاز أن أذهب إلى شيء آخر؟ هو قال لك: احتمل في ظاهر الحال. في ظاهر الحال، يعني الظاهر لأن هذه دقائق. في ظاهر الحال قد جاء أخوك، هي هي جاء أخوك، هي هي والله جاء أخوك، هي هي أخوك جاء، هي هي أخوك جاء والله، هي هي إن أخاك قد جاء. في ظاهر الحال المعنى التجريدي واحد، هذه الإضافات ليست من أصل المعنى وهو يستعمل كلمة تحقيق، تحقيق معنى المجيء المسند إلى الأخ، لا ليس هو.

ثم أقول سنأتي الآن على تمثيل جديد في الفقرة الثانية، يقول ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ [الأنعام: 100]. أنت لابد أن تقف على إعراب هذه الآية قبل أن نخوض في ما يريده عبد القاهر أن يقوله. أنت تقول: وجعلوا لله شركاء الجن، طبعًا وقع هنا تقديم وتأخير شديد، لكن إذا رجعت إلى الإعراب سترى أنك وافقت بذلك العيار الأول والمعنى المحض ورتبت على الترتيب المتبادر دون مراعاة الأغراض والدقائق واللطائف. ستقول وجعلوا الجن شركاء لله، إذا الجن مفعول به أول، وأنت تقول وجعلوا فعل وفاعل والجن مفعول به أول وشركاء مفعول به ثان ولله صلة شركاء على لغة بعض النحاة يعني يتعلق الجار والمجرور بشركاء.

إذن جعلوا فعل وفاعل، ولله جار ومجرور مقدمان على متعلقهما وهو المفعول الثاني شركاء، فقدم على الشركاء وقدم المفعول الثاني هذا على المفعول الأول وهو الجن، وانتهى الكلام إلى الجن وهو المفعول الأول. أصل الكلام وجعلوا الجن شركاء لله، صار الكلام وجعلوا لله شركاء الجن. يعني أساس المفعول الأول وهو الجن، أساس المفعول جعل في الأخير. أسألكم: هل التقديم والتأخير سيغير الصورة الإعرابية؟ سيغير الوصف الإعرابي الأصلي الذي هو أصل المعنى؟ هل سيغيره؟ يعني هل سيصير إعراب آخر لشركاء وللجن وتعلق آخر؟ لا، بل أصلًا المزية واللطافة والخصائص تتحقق بالإبقاء على الإعراب. ويأتي المعتوه أدونيس يقول لك بثقته البلهاء: رأيته في برنامج يقول اللغة العربية ستتطور وسيذهب منها حركات الإعراب وستقولون أدونيس قال، ستعلمون بهذا إن شاء الله في يوم. جاهل، هذا جاهل، هذا أعجمي لا يعرف لغته، حتى اسمه صار أعجميًا. هذا عار أن يعد في الأدب العربي، هذا عار عار، ومن يحتفي به مسه من عاره. أصلًا بقاء الإعراب هو الذي نحصل على هذه الخصائص وإلا ضاعت اللغة.

تعالوا الآن بعد أن علمتم أصل الإعراب وعلمتم الصورة التي كان سيكون عليها الكلام لولا البلاغة القرآنية، وعلمتم أن أصل الكلام وجعلوا الجن شركاء لله فصارت وجعلوا لله شركاء الجن، تعالوا الآن نقرأ كلام عبد القاهر. يقول: ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. سيتكلم عن ماذا؟ عن الوجوه الأخرى التي يحتملها ظاهر الحال. لا تنسوا كلمة ظاهر الحال، بالله احفظوها، قلت لكم هذا المفتاح سيحدد مصير فهمكم للقضية إلى الأبد إن شاء الله. احتمال ظاهر الحال، يعني أن المعنى في الظاهر يمكن التعبير عنه بصيغة أخرى في ظاهر الحال، يعني في المعنى السطحي دون نظر إلى الدقائق. يعني في قوله تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن، في ظاهر الحال، في ظاهر المعنى، بعيدًا عن الدقائق والخصائص التي يعرفها أهل الذوق وأهل الإدراك للبيان، هي هي أن تقول وجعلوا الجن شركاء لله. فكلمة في ظاهر الحال تعني إذا قال لك أحد: والله أنا لا أرى فرقًا بين بيت فلان وبيت فلان، قل له: هذا عندك في ظاهر الحال، لكن الحقيقة على خلاف الظاهر ليست هكذا. من يقول لك: أنا لا أرى فرقًا بين أن أقول كذا وأن أقول كذا فلو قدمت وأخرت وحذفت وأثبتت وعرف ونكرت وفعلت كذا هي هي، قل له: هذا محتمل في ظاهر الحال، هذا أنت رأيته كذلك في ظاهر الحال، لكن حقيقة الحال ليست هكذا. عبد القاهر كان دقيقًا، مهما أسهب دقيق.

قال: ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾. أنت ينبغي أن أعلم أنك تفهم ما تقرأ، لا تقل وجعلوا لله شركاء الجن فكأن المشكلة في الجن، لا، تعرف أين المشكلة الكبرى؟ في الذي قدم أولًا والذي بني عليه كل ما بعده. وجعلوا لله شركاء الجن، فكأن الأصل الإخبار عن الجن، ولكن صارت القضية، صار المتكلم يهول بسبب أنه لله كان شركاء الجن، فأهون شيء أن صارت الجن. القضية الأعظم والأفظع أن جعلوا شركاء؟ لا، الأفظع لله، فقدم الأفظع مع أنه كان آخر شيء في ترتيب الكلام. كان آخر شيء في ترتيب الكلام، لاحظ يا محمد، لاحظ، السؤال بعد الانتهاء، لا بد أن يتصل الكلام هنا. وجعلوا لله شركاء الجن، أصلًا الكلام سيتم بالجن، يعني الجن مراد، ولكن أن يحبس الكلام بالجن في الأخير ثم تقدم قبل أن تذكر ما هو يبنى عليه أصلًا، هذا ما فظع من أمر أن يكون لله شركاء. يعني لا يجوز لله ولا لغير الله، ولكن لو قلت وجعلوا الجن شركاء لله فربما تحسب أن التفظيع فقط من أنهم جعلوا الجن شركاء وأن الأمر الآخر سيكون حتى وإن كان باطلًا سيكون أهون، لكن وجعلوا لله شركاء الجن.

اسمع، قال: ليس بخاف أن لتقديم الشركاء حسنًا وروعة ومأخذًا من القلوب، أنت لا تجد شيئًا منه إن أنت أخرت فقلت وجعلوا الجن شركاء لله، وأنك ترى حالك حال من نقل عن الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر إلى الشيء الغفل. الغفل هو المتجرد الساذج، وهذا إشارة إلى الوجه الآخر من التعبير. الأصل المعنى، ويكون بلا مزية يحصل بها شرف الإنهاض، التخييل، الانفعال، الإثارة، التهييج. حضر معنا القرتجني، هذا هو. عبد القاهر يقول أنت فقدت هنا الصورة المبهجة والمنظر الرائق والحسن الباهر، هذا كله من صور ثمرة التخييل الذي هو في اصطلاح القرتجني وهو الإنهاض، إنهاض النفس نحو المعنى. قال: إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه ولا تظفر منه ولا تستفيد كبير فائدة، الذي لا تحلى منه بكثير طائل ولا تصير النفس به إلى حاصل. لا شيء وجعلوا الجن شركاء لله طيب شكرًا، وجعلوا الجن شركاء لله، تخيل الجن يا رجل، الجن شركاء لله ينفع؟ لكن القرآن أبى ذلك، وجعلوا لله شركاء. قال: إلى الشيء الغفل الذي لا تحلى منه بكثير طائل ولا تصير النفس به إلى حاصل، والسبب في أن كان ذلك كذلك هو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلًا، لا سبيل إليه مع التأخير. إن تابع قال هنا ماذا؟ وهو أن للتقديم فائدة شريفة، شوف اللفظ فائدة شريفة ومعنى جليلًا، انظر كيف سمى ما حصل بالتقديم والتأخير معنى وأنه شيء زائد حاصل بالنص على المعنى الغفل الذي يمكن التعبير عنه بصيغة ليست على الصيغة التي حصلت بها المزية. رأيت؟ انتبه.

وهنا يحصل الخلط عند الناس لأن هذا معنى وهذا معنى، ولأن المعنى الشريف هو الذي يحصل بماذا بالنص، وليس المعنى الغفل هو الذي يحصل بالنص إذا كان النص مميزًا فيه مزية. هو يتكلم عن هذا النص الذي فيه مزية، إذا كان النص فيه مزية، فالذي يطلب بهذا النص هو المعنى الشريف، لا المعنى الآخر. طيب ما الذي يحصل عند الناس؟ الذي يحصل عند الناس أنهم يسمعون النص، والنص هو الذي يخلق الصورة في أذهانهم، فتعجبهم، فيقولون أعجبتنا لأجل المعنى. نقول لهم: بل لأجل ترتيب المعنى في النص بالزوائد لا بأصل المعنى. يقول لك: لا لا، هو المعنى نفسه. أقول له: طيب، أنا فعلت هذا بمناسبة مع بعض الناس، جئت له بأبيات امرئ القيس وقال: المعنى نفسه فظيع. قلت له: طيب، أنا سأعبر لك عن نفس هذا المعنى. لن أقول لك: طيب، ما كلهم قلد امرأ القيس ولم يبلغه أحد، وكلهم أخذوا نفس المعاني واستعملوها، لو كان في المعنى لبلغوه. نتكلم كعبد القاهر في الجدال.

فلو كانت المزية في أصل المعنى وتيقنا أن فلاناً أخذ هذه المزية وتحقق لدينا أنه استعمل المعنى في تجريده على الصورة التي أتى بها امرؤ القيس، لازم من ذلك أن يبلغ مكانة امرئ القيس فيما قاله. ولكن إذ لم يبلغ فنرجع نفض السلسلة كلها تاني، طريقة المتكلمين. فأنا كنت أقول لهم: أنت لا تدري بأن المعنى فقط لجودته وطبعه، أن النظم لجودته وطبعه، وأنه تشكل في ذهنك بتشكل النظم، المعنى تشكل في ذهنك بتشكل النظم. أنت حسبت أن المعنى في ذاته كذلك، ولكنني سآتي لك الآن بنفس هذا المعنى لن تقول لي أخطأت. آه، النقد بالنقد عند المناطق، نعم نعم، فهذه دراستي الأولى، ولكنني لا أحبها، ولكنني أغرقت فيها فتظهر أحياناً في نقاشي. المهم، لكن في الأخير لم أستسغها، أنا رجل يحب الشعر والأدب والتماهي والذوبان.

أقول ما الحل مع هؤلاء؟ كنت آتيهم بنفس المعنى، أصوغ لهم بطريقة أخرى، يقولون لا لا لا هذا ليس هو، أقول له أخبرني أين وقع الخطأ؟ هل نقص من كلامي قطعة واحدة من المعنى؟ يقول لا. هل ذكرت شيئاً لم يقله؟ لا، لكن الطريقة التي.. أمسك حرامي، الطريقة التي.. الطريقة أنت قلت هكذا، اعتبرت النص بطريقته أصلاً لأنه هو الذي خلق لك هذا، لكن يوجد نص أهدأ من هذا وأكثر تجريداً يعبر عن نفس هذا المعنى، إنما الشاعر وضعه لك في هذه الصورة المخيلة، صورة الكلام أو هيئة الكلام والنظم المخيلة. أنا أقول له هل أنا أنقصت شيئاً من المعنى؟ لا. هل قصرت في حكاية القصة كما وقعت؟ لا. هل غيرت شيئاً؟ لا. أين الخطأ؟ أخ، لا الخطأ طريقة الحكاية، آه طريقة الحكاية، هذا شيء آخر.

يعني مثلاً أنت تسمع قول امرئ القيس: ﴿فَأَدْبَرْنَ كَالْجِزْعِ الْمُفَصَّلِ﴾ أو البيت الآخر، تسمعه يقول: ﴿فَعَنَّ لَنَا سِرْبٌ كَأَنَّ نِعَاجَهُ * عَذَارَى دَوَارٍ فِي الْمُلَاءِ الْمُذَيَّلِ﴾. وأنا سأعمل معكم في الشطر الثاني، فعن لنا سرب كأن نعاجه العذارى المتكاثرات حول بناء المعروف بدوار أو حول صنم، وهن قد ارتدينا الأذيال أو الملاءات السود، كثيراً جداً فصارت كأنها فيها. والله أنا لم أنقص شيئاً من المعنى، لم أنقص شيئاً من المعنى. فعن لنا سرب كأن نعاجه، العذارى المتكاثرات المجتمعات حول دوار، كل هذا اختصره في ماذا؟ عذارى دوار، بالإضافة فقط. ها وقد شددنا المروط أو الملاءات السود كثيرة جداً، طيب هو عبر عن الكثرة بماذا؟ في الملاء المذيل بالظرفية. لم تنتبهوا إلى هذا من قبل. قال عذارى دوار لأنه لما قال عذارى دوار بهذا التعريف، إذاً هو أحال إلى صورة معروفة، وأن العذارى في الجاهلية طبعاً تعلمون كنا يطفن عرايا أو كذا فأجسادهن بيض وناعمة، طبعاً بعضكم يتمنى الجاهلية الآن. خلاص، وقد شددنا على خصورهن الملاءات السود، فتبينت الملاءات السود مع بياض أجسادهن. وقال العذارى كأنهن فيهن امتلاء أو فيهن.

رشاقة وجمال، وشبه بذلك النعاج؛ لأن النعاج من الأرآم هي التي يظهر فيها السمن والمشي والتبختر. هو قال: كأن نعاجه، والنعاج هنا يعني الإناث من الظباء. لماذا لم يقل كل السرب؟ لأن الذكور تشتد لكن تظل يابسة تارزة، إنما الإناث تظهر عليهن الخصوبة، وهن محل الصيد له أكثر، يعني فيهن اللحم والامتلاء.

ماذا؟ عذارى دوار؛ فاختصر لك صفات كثيرة بقوله: عذارى دوار، لأنه كان يصف أذياله، وهي الوفرة الشديدة في أذيال الأرآم. والأذيال تكون داكنة أو سوداء تتبين شديداً مع بياض الأجساد، فوصف لك كثرة الأرآم بالكثرة المضمرة في عذارى دوار، وكذلك بكونهن في الملاء المذيل. وصف لك كثرة الأرآم بوفرة أذيالهن بعذارى دوار المجتمعات في الملاء المذيل، لم يقل عليهن الملاء المذيل بل في الملاء المذيل، يعني جعلهن في الملاء، وكأن الملاء المذيل الأسود الذي على التفصيل يشبه به أذيال الأرآم؛ كأنه عليهن كثير حتى صار ظرفاً لهن.

فقال لك: فعن لنا سرب، كأن نعاجه عذارى دوار في الملاء المذيل. كل صورة مختصرة ملقاة هكذا، خذ عندك عذارى دوار في الملاء المذيل. اختصر لك بين المضاف والمضاف إليه الكثير، واختصر لك معاني كثيرة في الملاء المذيل. أنا الآن أستطيع في سطرين أو ثلاثة أن أفك لك الشطر الثاني ولا أقصر في المعنى، هل احتفظ الكلام بالمزية؟ هل احتفظ الكلام بالتأثير؟ هل احتفظ الكلام بالإنهاض؟ سيسقط الكلام، سيسقط.

لماذا؟ نعم، أنا جئت بالوجه بالمعنى الذي انخدع الناس وظنوا أنه المؤثر، والله ليس هو المؤثر. الذي أثر كيفية ورود المعنى، يدلك على ذلك أنني سآتي بنفس المعنى شارحاً، وسأحوله من معنى شريف إلى معنى مبتذل ساقط، سأحوله من نص شريف يحمل هذا المعنى الأصلية إلى نص مبتذل ساقط يحمل نفس المعنى. الذي أعجبك هو التشبيه نفسه، لن أخل بركن واحد منه، بل أقول لك شيئاً؛ سأشرح، سأقربه بين يديك وأشرح، وسيسقط بالشرح، وسيأتي تفصيل هذا إن شاء الله في مواضع كثيرة من الكتاب.

فانظر إلى قوله: وهو أن للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلاً لا سبيل إليه مع التأخير. إذاً عندنا نص على هيئة؛ هيئة النص. عندنا نص على هيئة، في ظاهر الحال يمكن التعبير عن معنى هذا النص المجرد عن ظاهر الحال بماذا بنص آخر على وجه آخر. إذاً كلمة وجه المراد بها هنا ماذا هيئة المعنى، هيئة الكلام. تكون المزية ويجب الفضل إذا احتمل في ظاهر الحال وجهاً آخر، يعني شكلاً آخر من الكلام، ثم رأيت النفس تنبو عن ذلك الوجه الآخر، يعني نصاً آخر في نفس المعنى الذي هو ظاهر الحال.

قال للتقديم فائدة شريفة ومعنى جليلاً لا سبيل إليه مع التأخير، مع أنه يعبر عن نفس المعنى. ثم قال بيانه: وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله، تأمل ما في لفظة جملة المعنى من تجاهل التفصيل، وتأمل ما في لفظة محصول المعنى أو محصوله من التجريد عن الزيادات في الهيئة والكيفية. انتبه لحظة، هل الزيادات معناها أنه ستكون هناك ألفاظ أكثر؟ الحذف زيادة، يعني هو إجراء زائد عن الأصل، انتبهوا لا تحسبوا الزيادات يعني زيادات ألفاظ، لا. أحياناً يكون التعبير الغفل هو الذي يحتاج، بل هذا الأصل أن التعبير الغفل هو الذي يحتاج إلى زيادات في الكلام، كما رأيتكم الآن في بيت امرئ القيس، بل في شطر امرئ القيس.

أما الزيادات فهي إجراءات أو تصرفات ووجوه زائدة، قد يكون منها الحذف فينقص الكلام، قد يكون منها كلمة مجازية تختصر كثيراً، قد يكون منها المثال أو الحكمة واختصرت كلاماً كثيراً. فكلمة جملة المعنى وقع فيها تجاهل التفصيل، وكلمة محصول المعنى وقع فيها تجاهل ما في النص من زيادات الوجوه في التصرف. محصول المعنى يعني هو إيه في الأخير؟ يقول إنه كذا وكذا وكذا، هذا هو محصول المعنى، لكن هذا ليس النص.

بيانه أننا وإن كنا نرى جملة المعنى ومحصوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ﴾ [الأنعام: 100]. وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم. قلت لكم هذه الفقرات مفتاح للآتي، وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، هو هو. أنت تعبر عن نفس المعنى بعدة صياغ، هي هي دون تفتيش عن التفصيل ودون تجاوز للمحصول، فهذا أصل المعنى، محض المعنى، المعنى المجرد.

قال وكان هذا المعنى يحصل مع التأخير حصوله مع التقديم، فإن تقديم الشركاء يفيد هذا المعنى، ويفيد معه معنى آخر. يبقى المعنى الأول المعنى المجرد والثاني المعنى الفني. يا سلام، هذه الفقرات من الخامسة بعد الثلاثمئة وخمس وثلاثين إلى الثامنة بعد الثلاثين وثلاثمئة، هذه الفقرات توضع في رسالة هكذا وتشرح.

قال: فإن تقديم الشركاء يفيد هذا المعنى الأصلي، ويفيد معه معنى آخر، الشعري أو الأدبي أو البلاغي حسب النص طبعاً. نحن هنا في القرآن، وهو أنه ما كان ينبغي؛ ما هو هذا المعنى الآخر؟ وهو أنه ما كان ينبغي أن يكون لله شريك، لا من الجن ولا غير الجن. وأنبهك هنا إلى شيء، أن الشيخ عبد القاهر رحمه الله عبر أو مثل بالتقديم والتأخير لظهوره واختصار الشرح به، هو فقط يشرح لك الآن. فالتقديم والتأخير ظاهر، وإلا فالأمر أدق من هذا بكثير، أحياناً يكون بأن تأتي على من غير تقديم ولا تأخير، ولكن جئت بمرادفات أخرى وجئت بعلاقات في داخل الألفاظ لا تحتاج إلى أن تنظر في التقديم والتأخير؛ هذا أظهر شيء أصلاً، وإنما تحتاج إلى أن تدقق في المعاني.

كثيراً في بداياتي الشعرية كثيراً ما وقفت عند الشطر الأول من معلقة امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل. كنت أقول أين البراعة فيها؟ قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، لم يقع أي تقديم وتأخير، لأنه كان أول ما يلفت أعيننا هو تقديم وتأخير. لكن هنا احتجنا إلى شيء من النضج وشيء من الهدوء واللطافة للتسلل في داخل الكلام، وظل يفتح علي في ذلك فتح بعد فتح حتى صار أدائي للشطر ليس كما كان في الماضي.

لما يقول قفا نبك، نبك. تخيلوا أنني وقفت في ما صدق هذه الكلمات. أنت جبت لنا المنطق يا عقيل، خليته ما صدق. والما صدقات، الله يسامحك، كنت هجرت هذه اللغة، الما صدق. دعك من الما صدق لن أستعملها، نعوذ بالله من هذه اللغة ونحن في هذه الرحاب الطاهرة، تخيل تجلس تشرح معلقة امرئ القيس وتقول الما صدق، الله يروح، اقتل نفسك. تأملت في تحصيل هذه الكلمة؛ يا سلام على تحصيل، تأملت في تحصيل هذه الكلمة، كنت أقرأها منذ سنين: قفا نبك، خلاص يعني قفا نبك جميعاً وخلاص، فكنت أتخيل الواقفين الباكين يبكون وانتهى، والصورة ظاهرها هكذا، حتى انتبهت، كيف نبكي؟ يعني نحن جميعاً، كيف أسند الفعل إلى الجميع؟ مع أن السبب الذي يكون منه الفعل هو حبيبته، هو.

أذكر لما شرحت هذا الوجه للدكتور عبد القدوس وأنا في بيتي في الأردن والله برق بعينه هكذا وقال: آه والله، ما هذا؟ كان أول مرة ينتبه إليه. قلت له: كيف يبكون؟ وهو يبكي حبيبته ويتذكر مواقفه في ديار حبيبته، هو، فكيف يدعوهم إلى الوقوف والبكاء جميعاً؟ ماذا أضمر في كلمة نبكي؟ أضمر فيها أنه سيبكيهم، وأنه سينوح بالذكريات ويحكيها فيقيم بذلك مناحة ومندبة. لما يقول قفا نبكي، نبكي جميعاً من ذكرى حبيبتي أنا ومنزل حبيبتي، معناه أنه سيبكي للذكرى ويحكيها ويبكيهم على الذكريات تأثراً بها، وكان ذلك فتحاً، ثم وقع فتح آخر التصق به، وفي كل ذلك يا إخوة طول التأمل، وألا تقول: أنا فهمت القصيدة وانتهى. عبد القاهر يقول لك في هذا الكتاب إنك تحسب أنك قرأت النص أو البيت والشعر، فتحسب أنك فهمته عن آخره، ثم بعد دهر يكشف لك فيه عن معنى لم تكن تعلمه. ونكمل بعد الأذان إن شاء الله.

نرجع، أقول ثم مع طول التأمل، وقد فتح لك جزء في الشطر حول نبكي، وقفت على لفظ من، الذي هو من السببية، قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل، الذي هو إذا شرح نقول بمعنى بسبب ذكرى حبيب ومنزل، قفا نبك بسبب ذكرى حبيب ومنزل. طيب ما الفرق بين من السببية والتعبير عن السببية بحرف آخر كأن تقول نبكي لذكرى حبيب ومنزل؟ لماذا قال من ذكرى حبيب ومنزل؟ انظر كل هذا وأنا أتكلم في نص لم يحصل فيه أي تقديم أو تأخير، أقول لك عبد القاهر يمثل فقط لظهوره.

فوجدت أن لفظ من كلفظ الواو من الحروف التي فيها معنى يسري مع كافة الوجوه التي يأتي بها، يعني قالوا في الواو تأتي استئنافية وتأتي العاطفة وتأتي بمعنى كذا، وقالوا في جميعها لا تخلو من ريح العطف، ولكن مرة تعطف مفرداً على مفرد في عطف النسق، مرة تعطف كلاماً على كلام في الابتدائية، وهكذا. فوجدت في من معنى كالعطف في الواو لا ينفك عنها، وهو معنى ابتداء الغاية والمجاوزة، بعضه من بعض. أنا أعرف أن ابتداء الغاية معنى من الأربعة عشر معنى التي جاءت في معنى من، والمجاوزة بمعنى عن، هذا وجه، وابتداء الغاية الذي هو أول مذكور من معاني هذا الحرف هو وجه آخر، اعلموا، لكن أقول بعضه من بعض. انظر مثلاً: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، هذا معنى ابتداء الغاية، من إلى. ومثلوا بمن التي تفيد المجاوزة بمعنى عن بقوله تعالى: ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ [قريش: 4]، يعني عن جوع.

فأنت سترى في هذه الحروف أو في هذا الحرف في هذه المعاني والمواضع سترى هذا المعنى الحاصل في جملة التي تأتي للمجاوزة والتي تأتي لابتداء الغاية، سترى معنى تتقاطع فيه هذه المعاني لا يزول كما تتقاطع معاني حرف الواو في معنى لا يزول هو العطف. كذلك انظر إلى قوله امرئ القيس: نبكي من ذكرى حبيب ومنزل. أخذت أتذوق مدة، ما الفرق بين من ذكرى حبيب ومنزل وقفا نبكي لذكرى حبيب ومنزل؟ قفا نبكي من ذكرى آل فلان، وقفا نبكي لذكرى آل فلان. لو قلت نبكي لذكرى آل فلان إذاً أنت المتحكم في البكاء، أنت المتحكم في قدره، لأنك أنت الذي تبكي له وأنت ستبكي بما تيسر لك أو بما أهاجتك أشجانك. أما نبكي من ذكرى حبيب ومنزل، الذي يحكم بكاءك هو ما يأتيك من الذكرى ويتجدد. فمعنى المجاوزة ومعنى ابتداء الغاية ريح ذلك المعنى حاضر في من السببية، وأنت تشعر بذلك وأنت تقول قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل، فتشعر بالفرق بينه وبين أن تقول قفا نبكي لذكرى حبيب ومنزل، فهذه دقائق ولطائف، هي أدق من التقديم والتأخير، لأن التقديم والتأخير شيء له جرم ظاهر واضح، ولكن كما قلت عبد القاهر إنما ذكر التقديم والتأخير لأجل الظهور والسهولة.

قال: وإذا أخر فقيل جعلوا الجن شركاء لله، لم يفد ذلك، ولم يكن فيه شيء أكثر من الإخبار عنهم بأنهم عبدوا الجن مع الله تعالى، فأما إنكار أن يعبد مع الله غيره وأن يكون له شريك من الجن وغير الجن، فلا يكون في اللفظ مع تأخير الشركاء دليل عليه. تأمل كيف كان الإنكار، هو المعنى الحاصل بالهيئة التأليفية، والإنكار هنا هو المعنى البلاغي الزائد، وهو موحى به أدبياً، لأنه ليس من صريح النص المجرد لو جردته، ليس من وجه آخر، وليس من صريح المعنى، ليس من محض المعنى. بل جاء النص على طريقة أوحت به، ولهذا قال في الأول: إذا احتمل في ظاهر الحال؛ فالنص جاء على طريقة أوحت به، أما ظاهر النص وصريحه فهو خبر بالفعل الماضي عن شركهم وانتهى.

الإنكار عرف بترتيب الكلام، وهو شيء زائد على الخبر الغفل. قال: وذلك أن التقدير، كيف حصل هذا في جسم الكلام بعد الترتيب الجديد؟ قال: وذلك أن التقدير يكون مع التقديم. إن شركاء مفعول أول لجعل، ولله في موضع المفعول الثاني؛ يعني الذي هو شركاء؛ لأنه المفعول الثاني في الإعراب سواء مع التقديم أو التأخير.

خلاص، وإنما هنا تقدير بلاغي. التقدير يعني أن الذي تشعر به أنت، الشعور الجديد. التقدير أن يكون شركاء مفعولاً أولاً، وهو إعرابه ماذا؟ المفعول الثاني. ولما تقدر لي شركاء مفعولاً أولاً، ونحن نعلم أن المفعول الأول هو الجن، ففي هذا التقدير الجديد الذي صار به شركاء مفعولاً أول ماذا يكون؟ التقدير في الجن، هذا ما سيخبرك به الآن.

قال: ويكون الجن على كلام ثان، كأنه يوحي إليك بأنه استأنف كلاماً جديداً. انظر، ويكون الجن على كلام ثان، يعني على تقدير شعور جديد، على تقدير استئناف كلام ثان في النفس، لا على جهة الإعراب الصريح المباشر؛ لأن لفظ الجن منصوب بالفعل جعل، فليس استئنافاً لأن الاستئناف يقتضي بأن يكون الإعراب على غير هذا، لكن هو منصوب بالفعل؛ فهو كأنه استأنف الجنة.

قال: وذلك أن التقدير مع أن التقدير يكون مع التقديم أن شركاء مفعول أول لجعل، ولله في موضع المفعول الثاني؛ يعني وجعلوا شركاء لله، فكأنك تقدر في لله مفعولاً ثانياً. ومع ذلك أنت قدمته، يعني كأن الكلام في المفعول الأول والثاني انتهى في وجعلوا لله شركاء، كأنك قلت: وجعلوا شركاء لله، ومع ذلك قدمته، قدمت لله، وجعلوا شركاء ولله، أي حاصلين لله، هذا في موضع المفعول الثاني ومع ذلك قدمته.

والجن التي هي المفعول الأول أصلاً، قال: ويكون الجن على كلام ثان، كيف؟ قال: وعلى تقدير كأنه قيل: فمن جعلوا شركاء لله؟ فقيل الجن. يبقى أنت فرغت القسم الأول من الكلام، شوف كل هذا في الترتيب فقط، ليس في أي شيء آخر، فرغت القسم الأول من الكلام للتهويل من جعل شركاء، أي شركاء لله، ولما تم هذا وسكتنا قليلاً، كأنه هناك من سأل: جعلوا من؟ هؤلاء المجرمون، جعلوا من شركاء لله؟ فقيل الجن، فكان الجواب بالجن بعد التهويل من الفكرة أصلاً، وليس أن الكلام مبني على الجن.

وإذا كان في التقدير، انظر، وإذا كان التقدير في شركاء أنه مفعول أول، ولله في موضع المفعول الثاني، وقع الإنكار على كون شركاء لله على الإطلاق من غير اختصاص شيء دون شيء. طبعاً هذا شرح يا إخوة لما حصل في النظم، وما ترتب على ما حصل، فشركاء الذي هو مفعول ثان أصلاً، صار في مقام المفعول الأول، ومتعلقه وهو الجار والمجرور لله صار في موقع المفعول الثاني، وتم الكلام كذلك. وهذا الذي في صدر المفعول الثاني إمعاناً وإنعاماً في التهويل جعل مقدماً، يعني قدم حتى في التقدير قدم المفعول الثاني المقدر على المفعول الأول الذي كان ينبغي أن يكون وجعلوا شركاء لله، كان سيكون تهويل، لكن قدم أيضاً وجعلوا لله شركاء، يعني تقديم داخل التقديم، وأصلاً المفعول الأول هو الأخير الجن، وجعلوا الجن شركاء لله.

فهذا النص في القرآن الكريم هو من أظهر النصوص التي يشرح بها التباين الشديد بين العبارة الساذجة المجردة في معنىً والعبارة البليغة في نفس المعنى، وقد بانت عنها لكثرة فوائدها مع تحصيلها نفس المعنى الغفل. قال ومتعلقه وهو الجار والمجرور، فأنت ترى الثمرة التي وقعت من هذا الترتيب، وكيف بان النص عن النص مع كون التحصيل واحداً إذا نظرنا إلى تجريد المعنى في ظاهر حاله دون اللطائف والخصائص.

قال وحصل من ذلك أن اتخاذ الشريك من غير الجن قد دخل في الإنكار دخول اتخاذه من الجن، لأن الصفة وهي هنا شركاء، لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء كان الذي تعلق بها من النفي عاماً في كل ما يجوز أن تكون له الصفة. لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء يعني جعلوا لله شركاء، لم تبن على الجن وجعلوا الجن شركاء، لو قال: جعلوا الجن شركاء صارت المشكلة أين؟ في الجن، والنص على الأقل سكت عن الشركاء من غير الجن، على الأقل سكت عن التهويل، لكن الصفة جاءت هنا مجردة ليست مبنية على القيد بالجن، هذا معنى قوله: لأن الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء، لم تجر على الجن، كان الذي تعلق بها من النفي وهو الإنكار هنا عاماً في كل ما يجوز أن تكون له تلك الصفة من جن أو غير جن.

فإذا قلت هو يشرح هذه الفكرة، فإذا قلت: ما في الدار كريم، كنت نفيت الكريمة في الدار عن كل من يكون الكرم صفة له، وحكم الإنكار أبداً حكم النفي، وإذا أخر فقيل وجعلوا الجن شركاء لله، كان الجن مفعولاً أول والشركاء مفعولاً ثانياً، وإذا كان كذلك كان الشركاء مخصوصاً غير مطلق، مخصوص بمن؟ بالجن، من حيث كان محالاً أن يجر خبر على الجن ثم يكون عاماً فيهم وفي غيرهم. يعني أنت لو جاء شخص، لو كان النص وجعلوا الجن شركاء لله، وجاء شخص وقال لك: والله أنا لم أستفد من هذا النص الرفض أو التهويل من جعل غير الجن شركاء لله، سيكون محقاً، بل محال أن تفهم التهويل من أي شراكة أو من أي شرك وأنت تستدل بهذا النص، ليس فيه ما تريد، رأيت؟ هذا معنى قول عبد القاهر.

وإذا كان كذلك احتمل أن يكون القصد بالإنكار إلى الجن خصوصاً أن يكونوا شركاء دون غيرهم، جل الله تعالى عن أن يكون له شريك وشبيه بحال. انتبه، هو يقول: لما قال لك انتبه، أنبهكم هنا إلى شيء، لما قال عبد القاهر كان الجن مفعولاً أول والشركاء مفعولاً ثانياً، عبد القاهر هنا صار داخلاً في معمعة المعنى البلاغي والسياق البلاغي، يتكلم عن التقدير كأنه وجه إعرابي غير الوجه الذي عليه النص الغفل، وإلا فالإعراب في الآية هو هو كما لو كان دون تقديم ولا تأخير، كما لو أنه لم يحصل تقديم ولا تأخير، هو يظل نفس الإعراب، لكن هو يقول لك: لو قلت وجعلوا الجن شركاء لله، سيكون الجن مفعولاً به أول، طيب ما هو حتى الجن في النص القرآني مفعول به أول، لكن عبد القاهر غرق في ذلك.

ونحن نرد بذلك على بعض الأعاجم المغفلين الذين حينما نتناول بعض المصطلحات الإعرابية كما فعلها عبد القاهر هنا، ونحن شربنا طريقته أصلاً ونستعملها وكذا، فيحسبون أن المفسر للشعر قد أخطأ، وأقول لك هو بالفعل كذلك، نعم، أو كيف تعربه كذلك وإعرابه كذلك؟ إعرابه في التقدير شيء، وفي التوصيف النحوي شيء، لأن التقدير فيه إعراب موازن على المستوى الأدبي، يؤول إليه اللطائف والخصائص مع مراعاة الإعراب الأول، يعني الإعراب الأول شرطه.

انظر هنا كيف عبد القاهر أغرق جداً، حتى قال لك ولو قلت على الصورة الساذجة المحضة، المجردة عن الفن أو عن الخصائص واللطائف وعن التقديم والتأخير، فقلت: وجعلوا الجن شركاء لله، سيكون الجن مفعولاً به أول، وشركاء مفعولاً به ثان، ولله متعلق به، طيب ما هو أصلاً النص كذلك حتى في نص القرآن، الإعراب كذلك حتى في النص القرآني، لكن هنا هو جعل الإعراب أو التقدير الإعرابية الموازية في الترتيب، جعله أصلاً يناظر هذا الترتيب النحوي.

قال: فانظر الآن إلى شرف ما حصل من المعنى بأن قدم الشركاء واعتبره، فإنه ينبهك لكثير من الأمور، ويدلك على عظم شأن النظم، وتعلم به كيف يكون الإيجاز وما صورته، وكيف يزاد في المعنى من غير أن يزاد في اللفظ، إذ قد ترى أن ليس إلا تقديم وتأخير، وأنه قد حصل لك بذلك من زيادة المعنى ما إن حاولت مع تركه لم يحصل لك، واحتجت إلى أن تستأنف له كلاماً، يعني تزيد في الألفاظ.

شوف نحو أن تقول: وجعلوا الجن شركاء لله، وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم، كما شرحت أنا شطر امرئ القيس قبل قليل، ثم لا يكون له إذا عقل بعد ذلك، يعني بعد كل هذا، ثم لا يكون له إذا عقل من كلامين من الشرف والفخامة ومن كرم الموقع في النفس ما تجده الآن، ما تجده له الآن وقد عقل من هذا الكلام الواحد وجعلوا لله شركاء الجن.

انتبه، هذا هو الفارق، هل سأسألكم سؤالاً، هل بعضكم سأل نفسه من قبل؟ طيب، ما امرؤ القيس أو غيره عبر عن المعنى الشريف الذي أبهرني وهو يشرح البيت، عبر عنه بكلماته هو وقد انبهرت، فما الفرق بين نصه وبين الشعر؟ هل سأل بعضكم نفسه هذا السؤال من قبل؟ طيب، هو عبر عن المعنى بنص آخر وقد أدى، هل البعض ورد في يشرح البلاغة، طب ما أنا فهمتها من نصه، لو وقع لبعضكم هذا، فهذه هي تقع بالمناسبة، وهذا مما قد يتعثر فيه، لو وقع لبعضكم هذا أيها الإخوة فهذه خدعة.

أنا لو عبرت عن المعنى مني وأنا أشرح كلامي ما انبهرت به، وإنما الذي يحصل أنني أشرح لك وأنت تأخذ المعنى وتقيسه على دلالة البيت فتنبه، يعني بالأمس كنت في سهرة مع الجمهور الحبيب، وشرحت لهم ما حصل منه، فلما تنازعنا الحديث وأسمحت هصرت بغصن ذي شماريخ ميال، فشرحت لهم الحكمة في ترتيب الشاعر بأن قدم ذكرى الشماريخ على الميل ذي شماريخ ميال، وأن محصلة المعنى محض المعنى لن يتأثر هو هو كما قال عبد القاهر لو قلت هصرت بغصن ميال ذي شماريخ، فما الزيادة التي حصلت؟ شرحت لهم ما حصل من ميل الشعر لما ترتب في الذهن وما إلى ذلك، فالجمهور كان ثائراً هائجاً سعيداً بالمنظر منتشياً ذاهلا، ولو أنني قلت من الأول دون قصد مراقبة البيت ودون أن يراقبوا معي نص البيت، لو قلت من الأول فهصرت بغصنها وكان لها شعر يتدلى كفروع الشجر، فلما هصرت بغصنها مال غصنها ومال شعرها معها، ما كان ذلك جميلاً إلا بقدر ما يعجبني أصل المعنى، لكن ما بقي في الفن من حيث نفسه من حيث كونه فناً قولياً شيء.

فالحقيقة أن الشرح يبهر لأنك تراقب فيه المعنى ولو حكيته على أنك قائله هذا الشرح ما كان شيئاً. فركزوا أيضاً في هذا وأقول هنا لما عبد القاهر قال: وجعلوا الجن شركاء لله وما ينبغي أن يكون لله شريك لا من الجن ولا من غيرهم، أقول هنا: هذا هو الفرق بين المعنى الفني في النص الفني وبين المعنى الفني في النص الشارح، أن تبينه في النص الشارح، هو يظل فنياً، انتبهوا إلى هذا، يظل فنياً ما بقي على تخلقه الفني، فإذا شرحته هو هو تحول إلى معنى مجرد، إذا شرحته هو هو صار معنى مجرداً، وعادة ستشرحه في كلام أطول، فتتحول أجزاؤه ومضمراته الفنية التي هي سبب التأثير أصلاً، الإشارات وكذا، تتحول إلى معان صريحة شارحة وإلى نصوص مجردة عن أي فن.

مع أنك كنت تعبر أصل فنية المعنى في كونه مضمراً وأشرت إليه من بعيد، حين شرحته خرج إلى السطح وصار كمن يشرب اللبن في الصباح أو قبل النوم، ومن يحبها جداً جداً، لأن القضية في الكيفيات وفي الدلالات البعيدة. ولذلك أقول هنا كأن تشرح المجاز، مثلوا بهذا، أن تشرح المجاز، فرق بين أن تشرح المجاز وبين أن تسمع المجاز، عندما سمعت المجاز المجاز إطلاق كما سنعود إليه الآن، أطلقت الكلام، أما إذا شرحت المجاز فقدت المجاز، إذا شرحت المجاز فقدت المجاز.

وكما أن تشرح الاستعارة، وكما أن تظهر الإشارة، لما أقول لك الآن امرؤ القيس لما قال كذا كان يشير إلى كذا، طيب فين جمال الإشارة؟ ذهب، حولت المعنى الفني بالإشارة إلى معنى مباشر، كان جماله في عدم المباشرة، في الدلالة عليه بإشارة من بعيد، كان هذا جمال، كان هذا هو الجمال.

أن أشرت إليه من بعيد، لما أظهرته في الكلام ونصصت عليه، لم يصر شيئًا، لم يصر شيئًا. نعم، هذه المفاتيح كاملة أيها الإخوة التي سنمشي عليها، وفلسفة كاملة لقضية النظم. وأنا ترددت قليلًا في أن أبدأ لكم بها اليوم لأنها ستأخذ أكثر الدرس، لكن أراها ضرورية.

قل يا أسامة. لكن نحن لا بد أن نقرأ. قل يا أسامة. نعم مولانا، وأنا فهمت شرحكم الحمد لله. فقط عندي إشكال في الشطر الثاني، لم أفهم ما الذي قصده بقوله حتى لا يشكل. في كلامه هو؟ في الشطر الثاني من بداية الفصل. لحظة. واعلم أنه إذا كان بينًا في الشيء أنه لا يحتمل إلا الوجه الذي هو عليه حتى لا يشكل، وحتى لا يحتاج، يعني حتى لا يشكل على أحد إطلاقًا، لأن المعاني البعيدة، كما قال الجاحظ، أجل من أن يفهمها كل أحد. يقول حتى لا يشكل، يعني حتى لا نحتاج فيه إلى تأمل ونظر وبحث. فهمت؟ يعني حتى لا يشكل على أحد إطلاقًا لأن المعنى البليغ يشكل على الناس.

يعني أنا أسألك سؤالًا بس ما تجاوبوش. أجيبه بابتسامة حتى لا تسجل. ألا يوجد فيكم من استشكل «وجعلوا لله شركاء الجن»؟ فاستشكل نصب الجن. أنا استشكلتها وأنا صغير. وجعلوا لله شركاء الجن، هذا أشكل. خلاص؟ نعم. طيب نرجع إلى سياقنا. قال: فصل: اللفظ يطلق والمراد به غيره. أول ما بدأ يبينه في قضية النظم والوجوه، اللفظ يطلق والمراد به غيره. تأمل هنا كيف تناول ما سيذكره من الكناية والمجاز في سياق تعدد أحوال اللفظ بحسب موقعه في النظم. لتعلم أنه حتى علوم البيان، التشبيه والمجاز والاستعارة والكناية التي درسها في كتاب الأسرار هي كذلك تابعة لقضية النظم.

والذي يقول لك عبد القاهر تناقض، بعض الباحثين يقول لك عبد القاهر تناقض، أو بعض الحداثيين يقول لك إن عبد القاهر صال وجال في قضية النظم مؤكدة في الدلائل، ولكنه أخذته روعة التشبيهات والصور البيانية في الأسرار فتناقض ورجع أو كذا؛ لا يعلم أنه وضع أولًا في الغالب أصلًا الأسرار وضع أولًا، بل في إشارة هنا إلى ذلك. والجاهل لا يعلم أن أول فصل في البيان بعد أن قال في الفصل السابق: وينبغي أن نأخذ الآن في تفصيل أمر المزية وبيان الجهات التي منها تعرض، ذكر المجاز والكناية. يعني ذكر البابين الأساسيين، خلاص. لأن المجاز هو في الاستعارة. ذكر الأبواب الأساسية التي بني عليها علم البيان.

لماذا لم يذكر التشبيه؟ لأن التشبيه لا إطلاق؛ يعني زيد كالأسد، فهذا لا يدخل إلا في قضية التقديم والتأخير ونحو ذلك مما في علم البيان. أما أن تتبدل لفظة عن معناها بسبب موقعها في الكلام، فهذا في الكناية. تتبدل أو يراد بها غيرها بسبب موقعها في الكلام، فهذا في الكناية والمجاز. ولهذا أول ما سيفعله في هذا الفصل هو أن يخرج التشبيه البليغ، الذي ذكر فيه الطرفان دون الأداة وكذا، سيخرجه، دون الأداة والصفة طبعًا. سيخرجه لماذا؟ يقول لك هذا ليس من الإطلاق. ليس من أنك أطلقت شيئًا وأردت غيره. هذا مذكور فلا يدخل معنا في اللفظ لا يتغير المراد منها بحسب موقعها. فكان دقيقًا جدًا عبد القاهر. فانظر هنا كيف أن أول ما تناوله في ذلك المجاز والكناية، يعني رؤوس علم البيان في البلاغة التقريرية.

كأنه من الأول يعلن لك أن أي جمال تظنه جمالًا بتغيير معناه أو المراد منه أو كذا، سببه النظم. هذا أول دراسة لخصائص النظم. ثم يقولون عبد القاهر تناقض، يا أخي أنت لم تقرأ كتابه، الرجل صرح لك. وسيأتي التصريح في هذا أيها الإخوة. لأن الاستعارات يا إخوة والتشبيهات والكنايات، كل ذلك هو من الأساليب التي تسلك في النظم لأجل تحصيل الصياغة الفنية الخاصة وتحقيق الغرض الخاص.

طيب، السؤال الآن، لماذا خصها البلغاء من أول عبد القاهر بأبواب خاصة وكتاب خاص وكذا، لماذا؟ خصوها لمزيد عناية بها لما فيها من إطلاق اللفظة وإرادة غيرها، ولما في التشبيه من التجسيد وما فيه من المشكلات. ولولا هذه الخصائص في أبواب التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والكناية، لولا ذلك ما خصوها وما خرجت عن سائر أبواب الفن وما خصوها بعلم يسمى علم البيان. ولكنها داخلة في هذا. ولكن قد يشكل كما نص عبد القاهر، ويظن أن الاستعارة جيدة لأنها استعارة وليست كذلك. وأنا شرحت لكم كيف من يظن أن التشبيه في بيت امرئ القيس: كأن نعاجه عذارى دوار في الملاء المذيل، يظن أن الجودة للتشبيه، أقول له ليس للتشبيه. وقد أعدت صياغة المعنى دون أن ينقص منه شيء بصيغة أخرى. أعدت صياغة التشبيه، بل شرحته أكثر وأوضحته لكل أحد، ومع ذلك سقط النص، ولم يبق الجمال، إذن فليس في نفس التشبيه.

وإذا جرت على عادتي معكم في أن أقفز لكم شيئًا، اذهبوا إلى صفحة 99 وصفحة 100. انظروا، لأن عبد القاهر صرح هناك بما أقوله لكم هنا. كل هذه مفاتيح يا إخوة، تحكم مصير فهمكم إن شاء الله. يقول في صفحة 99، أو انظر في من أول يعني آخر فقرة في صفحة 98: يقول مثال ذلك أن تنظر إلى قول ابن المعتز: وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة ثم أطرق. الله حلوة صح؟ وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة ثم أطرق. يقول عبد القاهر: فترى أن هذه الطلاوة وهذا الظرف إنما هو لأجل أن جعل النظر يجمح، وليس هو لذلك. هذا يا إخوة ما يلهج به حتى المحسوبون على العلم بالشعر في زماننا، يقولون إنما الشعر بالمجاز والتشبيه والكناية. ولأجل هذا يا إخوة تراهم كثيرًا ما يسقط الشاعر منهم، من كان منهم شاعرًا يقول هذا الكلام تراه يسقط فيرفض التنبيه بحجة جمال التشبيه أو المجاز في البيت. كبيت جاسم الصحيح الذي اجتزأ به عن أصل الفكرة أو اجتزأ فيه بأصل الفكرة عن جمال أو حقيقة المعنى أصلًا. لما قال: كل النساء أحاديث بلا سند وأنت أنت حديث لابن عباس. البيت فيه فكرة وجيدة شريفة، لكن البيت فنيًا سقط تمامًا بسبب تكرار وابتذال. البيت ساقط مخروق أصلًا، واقع. إذا نبهتهم قال لك: انظر للمعنى. انظر إلى المعنى، هذا هو الذي نبه إليه عبد القاهر. يقول: وليس هو لذلك.

بل لأن قال في أول البيت: وإني، حتى دخل اللام في قوله: لتجمح. هو أخذك دون أن تشعر، الشاعر. وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة. يعني لتجمح على إشفاق عيني. قال: بل لأن قال في أول البيت: وإني، أنت شعرت أن المشكلة في لتجمح، لا أنت لم تنتبه إلى أن شرط جمال لتجمح الموقع الذي وقعت فيه، ولولا أن هيأها لك ما انتهيت، أنت نسيت الماضي فقط. نسيت الفضل في النظم. أنت وقفت على المجاز الذي لفتك، رأيت كيف المجاز يلفت؟ فحسبت أن الفضل في المجاز، والحقيقة أن الفضل في أن وقع المجاز في هذا الموضع. وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة.

قال: بل لأن قال في أول البيت: وإني، حتى دخل اللام في قوله: لتجمح، ثم قوله: مني. لتجمح مني، الله. لتجمح مني، تهرب منه، مش تجمح فقط. تجمح مني، ثم قوله: مني، ثم لأن قال نظرة ولم يقل النظر. لو قال ليجمح مني النظر فسد الكلام. ليجمح طيب ما يجمح موجود، لفظ يجمح المجازي موجود. أنت لم تنتبه إلى أن السبب وهو ما سبق وأنه أسنده إلى نكرة ولم يسنده إلى معرفة مع أن نظرة تؤول إلى ما يؤول إليه النظر. خلاص في أصل الكلام. قال: ثم لأن قال نظرة ولم يقل النظر مثلًا. ثم لمكان ثم في قوله ثم أطرق. ثم أطرق. ثم أطرق. لتجمح مني نظرة، ثم أطرق. أنت ممكن تنسى وتحسب هي تجمح فقط هي الروعة. لا، بل ثم أطرق، جميل.

وهناك بيت لأبي فراس يأخذ بلبي في مثل هذا النوع من الكلام، الذي يقول فيه: ومضطغن لم يحمل السر قلبه، تلفت ثم اغتابني وهو هائب. الله على وهو هائب. أنت تظن إنه عشان هائب، لا، هو عشان واو الحال، وهو هائب، واجتماع الصورة. ومضطغن لم يحمل السر قلبه، تلفت ثم اغتابني وهو هائب. رضي عنك يا أبا فراس. والله. أخونا أسامة موجود؟ أبلغوه. وأنكر رضي الله. أهو موجود؟ نعم. أبو فراس أهو رضي الله عنه. يا أخي هذا البيت، فعلًا بقصيدة في البيان، ومضطغن لم يحمل السر قلبه، تلفت ثم اغتابني وهو هائب. شوف واو الحال. وهو هائب. وثم، تلفت، ثم اغتابني، وهو هائب. ورد أوله على آخره خطير. وانظر إلى المجموع كيف عظم به نفسه. سبيكة صحيح. آه لا حول ولا قوة إلا بالله. قال، أشوف شوف: وإني على إشفاق عيني من العدا لتجمح مني نظرة ثم أطرق.

وكذلك تجد في بعض أشعار الفحول العذريين، ليس في المجنون كثير لكن عند الصمة القشيري وكذا بعض أبيات، في هذا، في التلفت وفي كذا ثم كذا وتقسيم الصورة وترتيب، خطير. قال: وللطيفة أخرى، نصرت هذه اللطائف، وهي اعتراضه بين اسم إن وخبرها بقوله: على إشفاق عيني من العدا، أي على الرغم من إشفاق عيني من العدا. قال وإن أردت أعجب من ذلك فيما ذكرت لك، فانظر إلى قوله وقد تقدم إنشاده قبله: سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير. سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير. يقول: فأنت ترى هذه الاستعارة على لطفها وغرابتها إنما تم لها الحسن وانتهى إلى حيث انتهى بما توخى في وضع الكلام من التقديم والتأخير. أنت طبعًا تظن أن هي فقط في سالت وليس أكثر، لا. يقول: وتجدها قد ملحت ولطفت بمعاونة ذلك ومؤازرته لها. وإن شككت، هو يعلم أنه هيشك. وإن شككت فاعمد إلى الجارين والظرف، فأزل كلًا منها عن مكانه الذي وضعه الشاعر فيه. فقل: سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره. طبعًا أنا أشرح هذا إجمالًا لأنني سأشرحه لما يأتي مكانه إن شاء الله في الشرح. سأفصل جدًا ونتناقش ونتكلم. لكن لا أريد أن يكون مكررًا يعني.

قال: ثم انظر كيف يكون الحال؟ أهو، السؤال أسألكم: هل تغير شيء في الاستعارات والمجازات؟ لما قال: سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره، هل تغير التشبيه؟ هل تغيرت الاستعارة؟ التشبيه هو هو، والاستعارة هي هي. ما الذي وقع؟ تغير نظم الكلام. فسقط. سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره. لا. هي المشكلة في ماذا؟ في تأخير ذلك بوجوه كالدنانير. قال: أزل كلًا منهما، اعمل إلى الجارين والظرف، حين دعا، ثم بوجوه كالدنانير، سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره. طبعًا هذا الكلام لو قلته لبعض الناس، آه الله. لو قلت له سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره، جميل وفعلاً في جمال، لكن أين هو من سالت عليه شعاب الحي حين دعا أنصاره، ها بماذا؟ بوجوه كالدنانير. يختم بها الكلام، وتجعل الظرف في الأول. لكن سالت شعاب الحي بوجوه كالدنانير عليه حين دعا أنصاره، صار كلامًا مباشرًا مع الاستعارة. يعني صار ساقطًا مع الاستعارة ومع التشبيه. صار من كلام العامة. الروعة ليست في استعارة وتشبه. يظل يقولون امرؤ القيس أجود وأحسن الناس تشبيهًا، نعم ولكن في صياغته وفي كذا وليس فقط أنه عبقري. طيب ما هناك عباقرة آخرون. لو أن مجرد الصورة في ذاتها يعني ملاحظة العلاقات بين الأشياء. لا، كيف صناعة علاقات لغوية بين الأشياء.

قال: ثم انظر كيف يكون الحال، وكيف يذهب الحسن والحلاوة، وكيف تعدم أريحيتك التي كانت، وكيف تذهب النشوة التي كنت تجدها. يقول: وجملة الأمر أن هاهنا كلامًا حسنه للفظ دون النظم، وآخر حسنه للنظم دون اللفظ، وثالثًا قد أتاه الحسن من الجهتين إلى آخره، تفصيل طبعًا سيأتي في مكانه. أرى أن تفرد هذه المحاضرة لهذا البيان، صح؟ تفرد؟ لأننا لن ندرك قراءته، ولا نمد نمد ونطيل المحاضرة ونقرأ، ولا نخلصها؟ تكون مميزة العاشرة؟ ماذا تـ تكلموا أنتم معجب وخلاص؟ أنا مش فاهم أنت معجب بأي اختيار.

تخلص. تخلص، طيب جميل، جميل. شكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.