دخولتسجيل الدخول

الدرس 1 - مقدمات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي في برنامج غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية في مقرر دراسي جديد وفي مجلس علمي جديد، لكن هذه المرة نعود إلى ميدان الفقه وإلى رحاب المدرسة الحنبلية، رحمة الله تعالى على علمائها وأصحابها وأكابرها ومحققيها. نعود لنتدارس معاً كتاباً جديداً من تراث هذه المدرسة العظيمة بعد الكتاب الأول الذي تمت مدارسته، وهو كتاب أخصر المختصرات. أخصر المختصرات لابن بلبان الدمشقي، هذا هو الكتاب الأول الذي تمت مدارسته في هذا البرنامج المبارك بإذن الله. وفي هذا المجلس الجديد الذي نعقده نتدارس كتاباً آخر، وهو كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه.

وقبل أن نلج في رحاب هذا الكتاب المبارك وأن نقف على عبارته وأن نحللها ونتدارسها ونتفهمها، دعوني أقدم بين يدي هذه الدورة المباركة وبين يدي هذا الكتاب مجموعة من المقدمات يحتاجها طالب العلم الحنبلي خصوصاً، ويحتاجها طالب العلم عموماً فيما يتعلق بالدرس الفقهي. قبل أن نلج في هذا الكتاب سأقدم بأربع مقدمات أحبتي: المقدمة الأولى سنتكلم فيها عن أهمية علم الفقه، المقدمة الثانية نتكلم فيها عن المبادئ العشرة لهذا العلم، المقدمة الثالثة نتكلم فيها عن أهمية التمذهب لط طالب العلم، وأخيراً أحبتي نتكلم عن دليل الطالب، ما قيمة هذا الكتاب وما وزنه عند السادة الحنابلة رحمة الله عليهم؟

المقدمة أحبتي في بيان أهمية علم الفقه ومنزلته في الدين، فنقول مستعينين بالله إن الفقه في الدين ومعرفة حكم الله في أفعال المكلفين لهو أشرف علوم الشريعة وأجلها بعد علم الاعتقاد، إذ به يصحح الإنسان أقواله وأفعاله وفق مراد الله سبحانه وتعالى الذي خلقنا وأوجدنا على هذه الأرض لابتلائه. أحبتي إن معرفة مراد الله سبحانه وتعالى منا أصل كبير ومقصد عظيم من مقاصد الوجود الإنساني، ومن أجله أنزل الله الشرائع وأرسل الرسل ليبينوا للناس مراد الله سبحانه وتعالى منهم، وليبينوا لهم ما يحبه ويرضاه سبحانه من الأقوال والأفعال وما يسخطه ويأباه منها.

وقد نبه كثير من العلماء والأئمة على شرف علم الفقه ومنزلته التي تبوأها من بين سائر علوم الشريعة. فهذا ابن مفلح من أصحابنا الحنابلة ينقل في الآداب الشرعية عن صاحب المحيط من الحنفية قوله: أفضل العلوم عند الجمهور أي عند جماهير العلماء بعد معرفة أصل الدين وعلم اليقين معرفة الفقه والأحكام الفاصلة بين الحلال والحرام. فهذا نص واضح جلي يبين فيه هذا العالم الكبير المنزلة التي يحتلها هذا العلم من بين سائر علوم الشريعة، فهو في المرتبة الثانية بعد علم الاعتقاد، وهذا يدل على منزلة رفيعة.

أيضاً العلامة الغزالي رحمة الله عليه في المستصفى أحبتي يقول: إن أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع أي ما اجتمعت فيه الأدلة العقلية والشرعية، واصطحب فيه الرأي والشرع، ويقصد بالرأي هنا الرأي المبني على القواعد الشرعية واصطحب فيه الرأي والشرع أي النصوص النقلية، فهي قريبة من الجملة السابقة: إن أشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع واصطحب فيه الرأي والشرع. ثم يقول: وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، أي علم الفقه وعلم أصول الفقه هذا شأنه، تجتمع فيه الأدلة العقلية والاستنباط العقلي مع الأدلة السمعية النقلية. ولأجل شرف علم الفقه وسببه -وهذا كلام الغزالي- وفر الله دواعي الخلق على طلبه، جعل الناس يهتمون بطلبه، وكان العلماء به أرفع العلماء مكاناً وأجلهم شأناً وأكثرهم اتباعاً وأعواناً.

إذاً هذا نص آخر يبين شرف هذا العلم ومنزلته العظيمة عند العلماء رحمة الله تعالى عليهم. والإمام ابن الجوزي رحمة الله عليه من السادة الحنابلة أيضاً، أظن الكل يعرف الإمام ابن الجوزي صاحب المصنفات النافعة خاصة في علم التفسير وفي علم دقائق الحديث، وهو من كبار أئمة الحنابلة، له اهتمام وشغف كثير بعلم الفقه، وقد أطال الحديث عن شرف هذا العلم وعن منزلته وحث الطلبة على التزود منه ما أسعفتهم الأعمار لشدة الحاجة إليه ولعدم استغناء الناس عنه.

فإن ابن الجوزي رحمة الله عليه يوجه الطلبة إلى التزود من هذا العلم ما استطاعوا، وسأنقل لكم العديد من الأقوال التي بثها رحمة الله تعالى عليه في مصنفاته. فيقول مثلاً رحمة الله عليه في صيد الخاطر: أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته. إذا اردت أن تعرف فضل شيء فانظر إلى الثمرة التي ينتجها هذا الشيء؛ أعظم دليل على فضيلة الشيء النظر إلى ثمرته، ومن تأمل ثمرة الفقه علم أنه أفضل العلوم، فإن ارباب المذاهب فاقوا بالفقه الخلائق أبداً، وإن كان في زمن أحدهم من هو أعلم منهم بالقرآن أو بالحديث أو باللغة.

يعني نجد أن الفقهاء فاقوا الناس وفاقوا الخلائق طرّاً في أعصارهم، حتى ولو وجد في زمنهم عالم بالتفسير أو وجد عالم باللغة، فإن مرتبة العالم بالفقه تفوق مرتبة كل هؤلاء العلماء. ثم يقول رحمة الله تعالى عليه: واعتبر هذا باهل زماننا، فإنك ترى الشاب يعرف مسائل الخلاف الظاهرة فيستغني ويتصدر، ويعرف من حكم الله تعالى في الحوادث ما لا يعرفه النحرير من باقي العلماء، أي من باقي العلماء الذين انشغلوا باللغة أو بعلوم الاعتقاد أو بععلم التفسير وما شابه ذلك.

ثم يقول: وكم رأينا مبرزاً في علم القرآن أو في الحديث أو في التفسير أو في اللغة لا يعرف مع شيخوخته معظم أحكام الشرع -وهذا يعني شيء مذل كما يرى ابن الجوزي رحمة الله عليه- لا يعرف معظم أحكام الشرع، وربما جهل علم ما ينويه في صلاته. إذاً ابن الجوزي يحثنا على طلب الفقه والتزود منه، لكن هل يريد ابن الجوزي بهذا الكلام ألا يكون طالب العلم مشاركاً في العلوم الأخرى؟

انتبهوا يا من تدندنون حول التخصص، انظروا هذه الكلمة العظيمة وهذه المنهجية العالية من ابن الجوزي! يقول: على أنه ينبغي للفقيه ألا يكون أجنبياً عن باقي العلوم، فإنه لا يكون فقيهاً. يعني إذا كنت أجنبياً عن علم اللغة والنحو والصرف، إذا كنت أجنبياً عن أصول الفقه وعن قواعد التفسير وعن مقاصد الشريعة، إذا كنت أجنبياً عن كل هذه العلوم، فإنك لن تكون فقيهاً مهما اشتغلت بالفقه.

طيب ماذا يفعل إذن طالب علم الفقه؟ قال: بل يأخذ من كل علم من هذه العلوم المساندة، بل يأخذ من كل علم بحظ، ثم يتوفر على الفقه، فإنه عز الدنيا والآخرة. وهذه القاعدة التي ذكرها ابن الجوزي قاعدة في سائر علوم الشريعة إخواني، وهذه نصيحة أوجهها لكل أخ يبحث عن التخصص: نقول اخي الكريم إياك أن تنخدع بالتخصصات الجامعية، فإنك للأسف تصل إلى مرحلة التخصص وأنت لم تشارك في جل العلوم الشرعية بعد.

اسمع نصيحة العلماء الأكابر لما ابن الجوزي يقول لك: إذا اردت أن تكون فقيهاً فعليك أن تكون مشاركاً في سائر علوم الشريعة. هو يعطيك نصيحة عالم مدقق، وهذه ليست فقط نصيحة ابن الجوزي بل نصيحة جميع العلماء الكبار، واقرؤوا ما نصوا عليه في قواعد التعلم والطالب، اقرؤوا لابن جماعة، للزرنودي، ولغيره ممن كتب وصنف في قواعد التعلم، الكل متفق على أهمية أن يكون طالب العلم ابتداءً مشاركاً في سائر العلوم.

فعنده دراية بالنحو والصرف والبلاغة وأصول الفقه وقواعد التفسير وعلوم العقيدة والفقه، ثم بعد ذلك يتخصص في العلم الذي يرغب إليه ويجنح إليه. أما التخصص قبل أن يكون مشاركاً فإنك لن تكون متخصصاً أبداً في يوم من الأيام بهذه الطريقة. إذاً هذا النص الأول لابن الجوزي رحمة الله تعالى عليه.

ويقول أيضاً في موطن آخر: إن اتسع الزمان للتزيد من العلم فليكن من الفقه فإنه الأنفع. ابن الجوزي يحث طالب العلم أنك إذا وجدت فسحة من الوقت لتتزود من أحد العلوم فتزود من علم الفقه، فإنه أنفع لك ولمجتمعك. ويقول أيضاً: إن الشاب المبتدئ في طلب العلم ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفاً. لاحظوا النصيحة مرة أخرى من لسان ابن الجوزي: إن الشاب المبتدئ في طلب العلم ماذا يفعل يا إمام؟ هل يتخصص؟ لا، قال: ينبغي له أن يأخذ من كل علم طرفاً. يأخذ دورة في النحو، دورة في الصرف، دورة في أصول الفقه، دورة متقدمة في قواعد التفسير، عليك أن تأخذ من كل علم طرفاً، ثم قال: ويجعل علم الفقه الأهم ولا يقصر في معرفة النقل أي الأحاديث ففيه تبين سير الكاملين.

هكذا يكون الكمال للإنسان الذي يبحث عن الشرف والفضل. ويقول هذا النص الأخير الذي أنقله له: ثم لينظر من يحفظ، ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز والعلم غزير، وإن أقواماً يصرفون الزمان إلى حفظ ما غيره أولى منه، وإن كان كل العلوم حسنة، ولكن الأولى تقديم الأهم والأفضل، وأفضل ما توغل به حفظ القرآن هذا أولاً، تحفظ القرآن يا طالب العلم، قال: ثم الفقه، وما بعد هذا فهو بمنزلة التبع، أي ما بعد حفظ القرآن والفقه فهو بمنزلة التبع لهما.

فهذه النصوص أحبتي وغيرها تدل على علو كعب هذا العلم وعلى حيازته قصب السبق من بين سائر العلوم الشريعة الغراء، فضلاً عن علم الاعتقاد. فبالتالي حري بطالب العلم إخواني أن يعطي هذا العلم ثمرة عمره وحياته، وأن يفرغ فيه وسعه لمسيس حاجته هو إليه أولاً، ولمسيس حاجة الناس إليه في المجتمع.

وإخواني في الله، أقول لكم إن الجهل بالفقه آثاره وخيمة؛ الجهل بالفقه وبمواطن الحلال والحرام آثاره والله وخيمة على الأفراد والمجتمعات. فكم من بلية وقعت؟ وكم من أرواح أزهقت؟ وكم من أسر تشتت؟ وكم من قضايا رفعت؟ كان أساسها -أساس كل هذه البلايا- الجهل بمواطن الحلال والحرام.

ألم تسمعوا أحبائي للحديث المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي شُجَّ في إحدى الغزوات فأصبح محتلماً، فسأل أصحابه: هل لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: لا نجد لك رخصة، وأمروه بالغسل بالماء، فاغتسل بالماء فمات من جرحه. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال». حديث رواه أبو داود وغيره، حسنه بعض أهل العلم وضعفه بعض أهل العلم، لكن بشكل عام هذا الحديث يؤصل الفكرة التي أتكلم عنها، وهي آثار الجهل بدين الله سبحانه وتعالى على حياة المجتمعات المسلمة.

هذا الرجل رضوان الله تعالى عليه قتل بسبب جهل أصحابه بدين الله؛ أصحابه منحوه فتوى خاطئة كان فيها أو كانت سبباً في ازهاق روحه. فما بالكم بأمة وبمجتمعات يتصدر فيها كثير من الناس ممن لم يتمكنوا من مسائل الفقه ولم يتقنوا قواعده وأصول الاستنباط، ماذا سيكون حال هذه المجتمعات حينما يكثر فيها أو تكثر فيها هذه الطبقة؟

إخواني إن ضعف الفقه في دين الله على الطريقة الصحيحة السليمة يغري أنصاف المتعلمين على التجاسر على الفتيا، فينفَق سوق هؤلاء في أوساط الناس لخلو الساحة لهم، فيوردون الأمة المهالك بفتاوى مبتورة، بآراء شاذة، بمسالك ضعيفة. فتبقى هذه الأمة تتخبط خبط عشواء وهي تبحث عن المنهج المقتصد المعتدل حيث لا إفراط ولا تفريط، حيث تكون المسائل الفقهية آخذاً بعضها بحجز بعض؛ هذا الذي تبحث عنه الأمة المنهج المعتدل المقتصد حيث لا إفراط ولا تفريط، لا تجديد ولا تمييع، وتكون دعوة متناسقة يأخذ بعضها بحجز بعض، لا تناقض لا تنافر لا شدة وحرج، وفي نفس الوقت لا تمييع، وإنما تبحث عن طريق كما قلنا سوي يوصل إلى بر الأمان وإلى رضا الرحمن سبحانه وتعالى على خطى الجيل الأول من الصحابة والتابعين ومن التابعين لهم بإحسان.

ومن هنا أحبتي كان الانشغال بالدرس الفقهي وأحياء هذه المجالس المباركة من أوجب الواجبات على المنشغلين بالعلم وعلى المتصدرين للفتيا والتدريس؛ أوجب الواجبات أن نتصدر لتعليم الناس الفقه في الدين، خاصة إذا كان هذا المتصدر ممن اتقن الفقه وأصبح متضلعاً وعرف مسالك العلماء وضبط مذهب من مذاهب أهل العلم من محققين؛ حينئذ عليه أن ينشغل بتعليم المجتمع مواطن الحلال والحرام، لإعادة السالكين إلى الله سبحانه وتعالى، لإعادة السالكين إلى الله إلى جادة الصواب، ولضبط المجتمعات وفق منهج قويم أصيل ينطلق بنا نحو صناعة واقع أفضل لهذه الأمة.

واعلم عبد الله في ختام هذه المقدمة الأولى أن الناس ثلاثة، ويروى هذا الأثر عن علي بن أبي طالب: عالم رباني، ومتعلم على طريق النجاة، وهمج رعاع اتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. فاختر لنفسك يا طالب العلم أي الرجال أنت؟ وماذا تريد أن تكون؟ والله الهادي إلى سواء السبيل.

هذه هي المقدمة الأولى التي تكلمت فيها عن شرف علم الفقه وعن منزلته وعن حث العلماء على طلبه وعلى التزود منه. دعوني أنتقل للمقدمة الثانية، وهي المقدمة التي تتحدث عن المبادئ العشرة لعلم الفقه. فإن عادتنا إخواني إذا شرعنا في دراسة علم من العلوم أن ندرس المبادئ العشرة لهذا العلم، والمبادئ العشرة هي مجموعة من التعريفات والمسائل تعطي الطالب قبل أن يلج في العلم تصورا عاماً عن طبيعة هذا العلم الذي يريد أن يدرسه وأن يقتحمه. المبادئ العشرة هي مجموعة مسائل ندرسها سريعا من خلالها نتعرف على أجواء هذا العلم الذي نريد أن نقتحمه.

فمثلا من هذه المبادئ تعريف العلم وموضوعه وثمرة هذا العلم ومما استمدت إلى غيرها من المبادئ التي سنتحدث عنها الآن، هذه المبادئ مهم جدا لطالب العلم أن يقف عليها قبل أن يدخل في أي علم يدرسه.

لانها تعطيك تصور عام عن طبيعة هذا الشيء الذي ستلج فيه، ويقبح بالإنسان أحبتي أن يلج في طلب شيء وهو لا يتصوره ابتداء، لا يعقل أن تدرس دليل الطالب وأنت لو سئلت ما تعريف الفقه لا تعرف ما هو الفقه ولا تعرف ما موضوع هذا العلم وما ثمرته.

ما هي النتيجة التي تريد أن تحققها من هذه المجالس؟ هذا مما هو معيب بطالب العلم، لذلك كان ديدن العلماء المحققين في بداية مجالسهم أن يعلموا الطالب المبادئ العامة لهذا العلم حتى يكون الطالب على بينة منها قبل الولوج. هذه المبادئ التي جمعها العلامة الصبان في قوله إن مبادئ كل فن عشرة الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع الاسم الاستمداد حكم في الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى، ومن درى الجميع حاز الشرف. وقد كررنا هذه الأبيات مرارا في دوراتنا السابقة في برنامج غراس العلم، فعودوا إليها.

وما يهمني هنا أن أسقط هذه المبادئ العشرة على علم الفقه، فالمبادئ العشرة هي تعريف العلم وموضوعه وثمرته ونسبته وهي علاقته بالعلوم الأخرى وفضله وواضعه وهو اسمه ومما استمد هذا العلم وما حكم الله في تعلمه؟ والمسائل التي يتطرق إليها. فهذه تسمى المبادئ العشرة للعلم. فنبدأ أحبتي المبدأ الأول من هذه المبادئ العشرة وهو التعريف الفقه.

فنقول الفقه لغة: ما معنى اختلف في تعريف الفقه في اللغة؟ فذهب بعضهم إلى أن الفقه في اللغة هو الفهم مطلقا. ما معنى الفهم مطلقا؟ أي فهم المسائل الدقيقة أو واضحة الجالية، فالإطلاق هنا حينما نقول الفقه هو الفهم مطلقا. ما معنى الإطلاق؟ أي فهم المسائل الواضحة الجالية، فإذا فهمت أن واحد زائد واحد يساوي اثنين هذا يسمى فقها، وكذلك فهم المسائل الدقيقة مثل المسائل الدقيقة التي نمر عليها في الميراث، فاذا فهمتها يسمى هذا فقها.

فالفقه هو الفهم مطلقا، سواء كان يتعلق بمسائل واضحة جلية لا تحتاج إلى مكابدة، أو يتعلق بمسائل دقيقة تحتاج إلى جهد وإعادة نظر، هذا هو الرأي الأول أن الفقه هو الفهم سواء كان فهما لمسائل عويصة أو لمسائل واضحة جلية. هناك رأي آخر يقول: لا، الفقه هو فهم المسائل الدقيقة فقط، الفقه في اللغة إنما هو فهم لمسائل دقيقة، وأما المسائل الواضحة الجالية فلا تسمى معرفة فقها وفهمها فقها، هذا رأي آخر.

لكن في الحقيقة أحبتي لعل الرأي الأول هو الأسعد بالدليل، هو أن الفقه لا يتخصص بفهم المسائل الدقيقة فقط بل هو الفهم مطلقا للدقيقة وللجالية، ألم تسمعوا إلى قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام حين قال: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: 27-28]، يفقه قولي الآن قولي هذه عامة، أي قول له سواء كان قولا جليا واضحا أو قولا دقيقا عويصا، فهو قال يفقه قولي على عموم القول.

ندرس في أصول الفقه ودرسنا سابقا أن النكرة إذا أضيفت إلى معرفة فإنها تعم، والقول هنا أضيف إلى ضمير المتكلم فتدل على العموم، فكأن موسى عليه السلام يقول يفقه قولي أي يفقه كل قول لي. فبالتالي لاحظوا كيف علق الفقه بجميع أقواله الواضحة أو الدقيقة، وهناك أدلة أخرى يذكرونها في المطولات أنا لا أريد أن أثقل عليكم فيها حتى تسير السفينة.

فإذا الفقه في اللغة البعض قال هو الفهم المسائل العويصة أو الجلية، هذا رأي، وهناك رأي آخر قال هو الفهم للمسائل الدقيقة فقط، والقول الأول له أن يكون أسعد بالدليل كما ذكرنا والله أعلم.

وأما الفقه في الاصطلاح وهو الذي تبحثون عنه، واما الفقه في اصطلاح العلماء فهو العلم بالاحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، أعيد الفقه في اصطلاح علماء الشريعة هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. وكلمة العلم كما ذكرنا سابقا إذا وردت في بداية أي تعريف فإما أن تفسر بالقواعد والمسائل وإما أن تفسر بالإدراك وإما أن تفسر بالملكة، تمام؟

وهنا في تعريف الفقه لما قلنا الفقه هو العلم بالأحكام أي هذه الثلاثة أنسب في شرح معنى العلم الذي صدرنا به التعريف؟ الصحيح أن كلمة العلم هنا بمعنى الإدراك، هذا هو الأنسب، فلا نفسر بمعنى الملكة ولا نفسرها بمعنى القواعد والمسائل بل الأنسب أن تفسر بمعنى الإدراك، فنقول الفقه هو العلم بالأحكام يعني الإدراك والمراد بالإدراك هنا في هذا التعريف إدراك الشيء إدراكا جازما أو بغلبة الظن، لأن الفقه في دين الله سبحانه إما أن تكون مسألة مجزوم بها مقطوع بها، وإما أن تكون مسألة على غلبة الظن مظنونة، وغالب المسائل الفقهية هي أصلا من النوع الثاني، مما وصل إليه العالم بغلبة الظن وليست من المسائل القطعية.

فبالتالي حينما نقول الفقه هو العلم بالأحكام نقول العلم هنا بمعنى الإدراك، سواء كان إدراكا جازما أو بغلبة الظن، حتى ندخل المسائل القطعية في الفقه وندخل المسائل الظنية أيضا في الفقه، لأن ننتبه لو قلنا الفقه هو العلم بالأحكام وقلنا العلم الإدراك الجازم فقط، فبالتالي هنا المسائل الظنية التي أدركناها إدراكا مظنونا لن تدخل معنا في تعريف الفقه مع أنها هي أكثر المسائل، الحل إذا أن نقول إن العلم هنا يستعمل بمعنى الإدراك الجازم والادراك المظنون أو غلبة الظن. جميل.

إذا الفقه هو العلم وعرفنا الآن سأحلل التعريف أننا عرفنا أن العلم معناه الإدراك الجازم أو بغلبة الظن، ثم قلنا العلم بالأحكام. لماذا قيد العلم بأنه علم بالأحكام؟ إخواني الإدراكات في الحياة أما أن تتعلق بالذوات، أدرك زيدا وعمرا وهند، هذا يسمى إدراك ذات، واما أن تتعلق بالصفات، فأدرك معنى الرحمة ومعنى الحكمة ومعنى العدل ومعنى الشجاعة هذا يسمى إدراك صفات، وأما أن يكون إدراك أفعال فأدرك معنى القيام والقعود والنوم والجلوس، وأما أن يكون إدراك أحكام.

فأراد العلماء بالقيد الثاني أن يبينوا أن الفقه هو ليس علما بذوات وليس علما بصفات وليس الفقه علما بأفعال، وإنما هو علم بأحكام، فلذلك أتوا بالقيد الثاني فقالوا الفقه هو العلم بالأحكام، ليخرجوا العلم بالذوات والصفات والأفعال. والحكم ما هو؟ الحكم في اصطلاح العلماء عموما هو إثبات شيء لشيء أو نفيه عنه، فحينما أقول زيد نشيط أثبت نشاط لزيد، وحينما نقول الصلاة واجبة أثبتنا الوجوب للصلاة، وحينما نقول الربا محرم أثبتنا التحريم للربا، فإثبات شيء لشيء أو نفيه عنه لم يقم محمد مثلا هذا يسمى حكما. فالفقه إذا هو علم أي إدراك جازم أو بغلبة الظن متعلق بأحكام ليس بذوات ولا صفات ولا أفعال.

جميل، طب القيد الثالث علم بأحكام شرعية، أها هذا القيد الثالث مهم جدا، لماذا؟ لأن العلم بالأحكام نقول كم أنواع الأحكام عندنا؟ الأحكام متنوعة. هناك أحكام عقلية مثل أن الواحد نصف الاثنين وأن الجزء أصغر من الكل هذه أحكام عقلية، عندنا أحكام حسية تؤخذ بغيرها مثل أن النار محرقة هذا حكم تجريبي، عندنا أحكام وضعية اصطلاحية يضعها أرباب الفنون مثل الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب هذه تسمى أحكام وضعية، وعندنا أحكام شرعية.

لاحظوا عندنا أربعة أنواع من الأحكام: أحكام عقلية، أحكام حسية، أحكام وضعية، أحكام شرعية. فالفقه هو أي نوع من هذه الأنواع؟ أحكام شرعية، فلذلك قالوا الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية. ممتاز، عرفنا فائدة القيد الثالث، نذهب إلى القيد الرابع العلم بالأحكام الشرعية ثم قال العملية.

ما فائدة هذا القيد إخواني؟ الأحكام الشرعية على نوعين، هناك أحكام شرعية تتعلق بالعقائد أي ما يعتقده الإنسان تجاه ربه سبحانه وتعالى، فهذه أحكام شرعية تدرس في علم العقائد. وهناك أحكام شرعية تتعلق بجوارح الإنسان الأعمال التي يؤديها الإنسان بجوارحه بلسانه بيديه بأقدامه، فالفقه في اصطلاح العلماء هل هو العلم بالاحكام الشرعية الاعتقادية؟ ولا العلم بالأحكام الشرعية العملية؟

والنوع الثاني بالتأكيد، فاحتاجوا إلى هذا القيد الرابع فقالوا إذا الفقه معناه العلم أي الإدراك الجازم أو بغلبة الظن للأحكام الشرعية العملية يعني التي تتعلق بالجوارح وليست الأحكام الشرعية الاعتقادية.

مع أنني هنا أريد أن أطيكم فائدة سريعة قبل أن أكمل شرح التعريف، وهو أن كلمة الفقه في الاستعمال الشرعي القديم يعني في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما استعملت أيضا في القرآن إنما أريد بالفقه الدين عموما، فالفقه أول ما استعمل في الشريعة استعمل بمعنى الدين عموما، فكانت تدخل فيه المسائل الاعتقادية والمسائل العملية.

أين استعمل الفقه في القرآن؟ قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ من كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]. هنا ليتفقهوا هل المراد بالتفقه فقط المسائل العملية؟ ولا يدخل في هذه الآية المسائل الاعتقادية؟ بالتأكيد يدخل المسائل الاعتقادية. وحينما قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». الفقه هنا بمعنى الدين عموما فتدخل فيه الأحكام الاعتقادية والأحكام العملية.

فإذا في استعمال الشارع في الكتاب والسنة الفقه كان يشمل الأحكام الشرعية والأحكام الشرعية العملية، لكن في عصر العلماء حينما وضعت العلوم وصنفت أصبح الفقه في عرف العلماء في اصطلاحهم خاصا بالمسائل أو الأحكام الشرعية العملية فقط تمام جميل. إذا عرفنا بين استعمال الشارع لكلمة الفقه واستعمال العلماء لكلمة الفقه، وأنا هنا أعرف الفقه باستعمال العلماء العلم بالأحكام الشرعية العملية.

القيد الأخير قال من أدلتها التفصيلية، ما فائدة هذا القيد؟ أراد العلماء بهذا القيد أن يبينوا أن الفقه هو أن تعلم الحكم الشرعي العملي من الدليل التفصيلي بدليله وليس بالتقليد.

بالتالي من علم الأحكام الشرعية العملية بالتقليد للأئمة من دون أن يعرف الدليل التفصيلي فلا يسمى علمه بالحكم الشرعي العملي فقها ولا يسمى هو فقيها، بالتالي لا يسمى فقيها. وأما من علم الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية فعرف أن حرمة الربا كذا وكذا وأن العينة محرمة ودليلها كذا وكذا، وحرمة هذا الأمر وكراهة هذا الأمر وإباحة هذا الأمر دليلها كذا وكذا، من عرف أحكامه بالأدلة التفصيلية فيسمى علمه بها فقها ويسمى هو فقيها.

وأما من اكتفى بمجرد الحفظ فلا يسمى في بعرف العلماء الأوائل فقيها ولا يسمى علمه بالأحكام فقها، لكن ساعطيكم فائدة أخرى وهي أنه في العصور المتأخرة لما ضعفت الهمم عند كثير من الطلبة تجوز العلماء فأصبحوا يطلقون الفقه على العلم بالأحكام الشرعية العملية حتى ولو كان بالتقليد.

فلو اكتفى الطالب بحفظ مثلا كتاب دليل الطالب فحفظ كل المسائل الفقهية الموجودة فيه من دون أن يعرفها من الأدلة التفصيلية في العصور المتأخرة يسمى علمه بالأحكام الشرعية العملية فقها ويسمى هو فقيه. فإذا الفقهاء والمتأخرون وسعوا الدائرة فأصبحوا يسمون أي طريقة من طرق العلم بالأحكام الشرعية العملية، سواء بالنظر والاستدلال أو بالحفظ المجرد يسمون كل ذلك فقها ويسمون صاحبها فقيها.

أما العلماء الأوائل لا، كان الفقه عندهم هو العلم بالحكم الشرعي العملي من الدليل التفصيلي، فإذا كنت لا تعرفه من الدليل التفصيلي فلا يسمى علمك فقها ولا تسمى أنت فقيها. جميل، هذه فائدة على العرش وأنا أشرع التعريف القديم للفقهاء والعلماء.

فإذا الفقه هو علم بالأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية، والمراد بالأدلة التفصيلية أحبتي نصوص الكتاب ونصوص السنة التي تدل على الأحكام، كذلك ما يتبعها من فتاوى الصحابة والإجماعات والقياس وما يتبعها من مصادر التشريع المختلف فيها مما سيأتي أو مما تعلمتموه في أصول الفقه، فهذا المراد بالأدلة أو بالأدلة التفصيلية الأدلة الجزئية، لأن هناك الأدلة الإجمالية هو الكتاب الكتاب دليل إجمالي، السنة دليل إجمالي، الإجماع دليل إجمالي، القياس دليل إجمالي. تفاصيل الكتاب وهي نفس الآيات فهي دليل تفصيلي، تفاصيل السنة النبوية هذه تسمى أدلة تفصيلية، فعماء أصول الفقه يهتمون بدراسة الأدلة إجمالا وعلماء الفقه يهتمون ماذا؟ بالأدلة التفصيلية، لأن الأدلة التفصيلية هي التي تقودهم إلى استثمار الأحكام الشرعية العملية.

هكذا نكون وقفنا على تعريف الفقه في اصطلاح العلماء الأوائل العلم وعرفنا أن العلم الإدراك الجازم بغلبة الظن بالأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية وعرفنا فائدة كل قيد من هذه القيود.

دعونا ننتقل إذا المبدأ الثاني من المبادئ العشرة، بعد أن عرفنا تعريف الفقه ننتقل إلى موضوعه. انظر كم ذهب من الوقت؟ جميل، دعونا ننطلق إلى موضوع علم الفقه. الآن إخواني دائما ما أكرر وأقول يا طالب العلم عليك أن تفرق بين تعريف العلم وبين موضوع العلم، عليك أن تفرق بين تعريف العلم وبين موضوع العلم، علم الطب هو المسائل والقواعد التي تتحدث وتدندن حول بدن الإنسان، وأما موضوع علم الطب فهو بدن الإنسان نفسه، فموضوع العلم المحور الذي تدور حوله مسائل العلم، وأما تعريف العلم فهي هذه المسائل والقواعد الدائرة حول المحور.

فإذا عليكم أن تعرفوا هناك محور وهناك مسائل حول هذا المحور، فالمسائل والقواعد هذه هي العلم، وأما المحور فهذا هو موضوع العلم، فبالنسبة إلينا نحن لا نتكلم في الفقه، فعرفنا أن الفقه هو إدراك للأحكام الشرعية العملية المتعلقة بأفعال المكلفين، اليس كذلك؟ فمن الأدلة التفصيلية، ترى البعض يزيد هذا القيد العلم بالأحكام الشرعية العملية المتعلقة بأفعال المكلفين، والبعض يكتفي بالعملية من دون زيادة المتعلقة بأعمال المكلفين لوضوح هذا القيد من دون أن يذكر.

المهم فإذا علم الفقه والمسائل والقواعد والأحكام التي تدندن حول ماذا؟ ما هو المحور الذي تدور حوله مسائل علم الفقه؟ المحور هو أفعال المكلفين، أفعال المكلفين، فإذا موضوع علم الفقه أفعال المكلفين.

يعني المحور الذي تدور حوله مسائل الفقه هو ماذا؟ هو أفعال المكلفين. لكن لما تذكر موضوع العلم، عليك أن تذكر الحيثية التي يتحدث في هذا العلم عنها، فتقول مثلاً: موضوع علم الفقه هو أفعال المكلفين من حيث ما يتعلق بهذه الأفعال من الأحكام الشرعية. فهذه هي الحيثية التي يتكلم في هذا العلم عنها، فيما يتعلق بوضوء أفعال، تمام؟

فإذاً موضوع الفقه، يعني المحور الذي تدندن حوله مسائل الفقه، أفعال المكلفين من جهة أو من حيثية ما يتعلق بهذه الأفعال من أحكام شرعية. جميل، إذا عرفنا تعريف الفقه وعرفنا موضوعه ومحوره، وهي أفعال المكلفين من الحيثية المذكورة، دعونا ننظر الآن في الثمرة، في ثمرة هذا العلم.

ثمرة هذا العلم باختصار، من دون أن أطيل عليكم، الوصول إلى حكم الله سبحانه وتعالى، وإلى مراد الله عز وجل في الأقوال والأفعال الصادرة من المكلفين. الوصول إلى حكم الله، وحكم الله هو مراد الله؛ الوصول إلى حكم الله وإلى مراد الله سبحانه وتعالى في المكلفين وأفعالهم، وأنعم بها من ثمرة.

لأن كما قلنا في المقدمة السابقة، الوصول إلى مراد الله أصل كبير ومقصد عظيم من مقاصد الوجود الإنساني، والوصول إلى مراد الله إنما يكون بالمرور عبر قنطرة الفقه، وهذا يدل على أهمية هذا العلم وعلى شرفه. انظروا إلى الثمرة كما قال لكم ابن الجوزي قبل قليل، لما ننظر إلى الثمرة التي نجنيها من دراستنا لدليل الطالب، وهي أن مراد الله وأن نعرف حكم الله سبحانه وتعالى فيما نأتي في أقوالنا وأفعالنا، سنجد والله أن هذا العلم يستحق منا التعب والنصب والله، إلى غير ذلك طبعا من الثمار العظيمة التي يذكرها العلماء لهذا العلم، لكن أنا ذكرت الثمرة الأساسية له، وأنعم بها من ثمرة.

طيب، إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع، ثم الثمرة ونسبة. ما نسبة هذا العلم إلى العلوم الأخرى؟ ما نسبة هذا العلم إلى العلوم الأخرى؟ نسبة، يعني ما علاقته؟ يقولون إخواني: علم الفقه هو من علوم المقاصد وليس من علوم الوسائل في الشريعة. فكما لا يخفى عليكم أن علوم الشريعة تنقسم إلى علوم وسائل وآلات، وعلوم مقاصد وغايات، وعلم الفقه هو من علوم المقاصد والغايات، فهو مقصد من مقاصد تعلمنا لشريعة ربي العالمين.

إذاً هو من العلوم الشرعية، هذا كتصنيف أول، ومن علوم المقاصد في العلوم الشرعية. فلو سألك شخص: ما نسبة علم الفقه؟ فتقول نسبته أولاً: أنه من العلوم الشرعية، فهو ليس من علوم اللغة، وليس من علوم الطبيعة، وإنما هو من علوم الشريعة، هذا واحد.

ثانياً: إذا قلنا هو من علوم الشريعة، فهل هو من علوم الوسائل أو من علوم المقاصد؟ فتقول: هو من علوم المقاصد. جميل، جميل.

طيب، ننتقل للمبدأ الذي يليه، وهو فضل هذا العلم. وفي الحقيقة، هل هناك فرق بين فضل العلم وبين ثمرة العلم؟ البعض يقول: هناك تقارب بينها. والبعض يقول: الثمرة هي النتيجة المعجلة، والفضيلة هي النتيجة المؤخرة لدار الآخرة. البعض يقول هكذا، والخلاف في ذلك سهل بإذن الله.

فلو قلنا إن أصل النجاة إخواني للإنسان المسلم في هذه الحياة الدنيا، إن أصل النجاة يتحقق بعلم العقيدة والتوحيد، فإذا تمام النجاة، تمام النجاة إنما يتحقق بماذا؟ بتصحيح المسلك إلى الله سبحانه وتعالى من خلال علم الفقه ومعرفة الحلال والحرام. ماذا يقولون؟ أصل النجاة وابتداء النجاة تكون بمعرفتك لمسائل الاعتقاد، هذا أصل النجاة.

وأما تمام النجاة واكتمالها، إنما يتحقق بمعرفتك السلوك إلى الله سبحانه وتعالى: ماذا تقول؟ ماذا تفعل؟ كيف تتحرك؟ كيف تأكل؟ كيف تشرب؟ كيف تنكح؟ كيف تبيع؟ كيف تشتري؟ كيف تتعبد الله؟ كيف تصلي؟ كيف تصوم؟ بهذا يتحقق تمام النجاة، وهذا يدل على فضل العلم وعلى منزلته أيضاً.

أيضاً نذهب إلى المبدأ السادس من المبادئ العشرة، وهو واضع علم الفقه. من الذي وضعه؟ في الحقيقة إخواني، علم الفقه نشأ مع نشأة الدعوة الإسلامية؛ علم الفقه نشأ مع نشأة الدعوة الإسلامية، فمنذ فجر الإسلام ومنذ أن صدح محمد صلى الله عليه وسلم بالحق، وبدأت الأحكام الشرعية تنزل على المكلفين تباعاً.

حينما نتكلم إذاً عن وضع علم الفقه، فنحن في الحقيقة نتكلم عن سلسلة من المراحل بدأ بها هذا العلم حتى وصل على ما هو عليه الآن. السلسلة الأولى بدايتها من عند مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، ومنذ فجر هذا الدين العظيم بدأ هذا الفقه يتكون ويتشكل، بل على يد النبي الأعظم والمعلم الأول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

وكان الفقه ومسائل الشريعة في أيامه تؤخذ منه عليه الصلاة والسلام مباشرة من الكتاب العظيم ومن السنة المطهرة، ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. فهذه نستطيع أن نقول هي المرحلة الأولى من مراحل النشأة على يد النبي صلى الله عليه وسلم.

ننتقل إلى مرحلة ثانية بعد ذلك، مرحلة الفقه في عهد الخلفاء الراشدين، حيث كان الخلفاء الراشدون رضوان الله تعالى عليهم والصحابة في زمنهم، إذا عرضت عليهم مسألة، فإنهم يعرضونها ابتداء على الكتاب والسنة، فإن لم يجدوا شيئاً في الكتاب أو السنة يدل عليها، فإنهم يجتهدون وفق قواعد الاجتهاد التي ادركوها مع كثرة معاشرتهم وممارستهم مع النبي صلى الله عليه وسلم.

أثر عشرتهم ومرافقتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ذهاباً وإياباً في حله وترحاله، جعلهم يعرفون مقاصد الشريعة وأصول الاستنباط، فصدر مجموعة من كبار الصحابة ومن علماء الصحابة للفتوى في دين الله سبحانه وتعالى بناء على تلك القواعد التي لاحظوها وأخذوها من معايشتهم للنبي عليه الصلاة والسلام.

فكانوا إذاً يعرضون المسائل والأحكام على الكتاب والسنة أولاً، فإن لم يجدوا، فالاجتهاد العلمي الرصين المؤسس على قواعد رصينة. ومن هنا بدأت نواة للمدارس الفقهية، لأن الصحابة كانت تتباين أنظارهم وأفكارهم؛ فعبد الله بن مسعود الذي استوطن الكوفة كانت له طريقة في الاجتهاد، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه له مسلك، عبد الله بن عمر له مسلك آخر، عبد الله بن عباس، زيد بن ثابت، فهؤلاء الصحابة كانوا نواة لنشوء المذاهب الفقهية لاحقاً.

المرحلة الثالثة: بعد مرحلة الخلفاء الراشدين، مرحلة التابعين وتابعي التابعين. وفي هذه المرحلة، كان الأمر على طريقة الصحابة عموماً في الكتاب والسنة أولاً، ثم في إجماعات الصحابة، ثم بعد ذلك الاجتهاد فيما لا إجماع فيه، بعد أن ينظروا في الكتاب والسنة وفي الإجماعات، ينظروا بالاجتهاد فيما لا إجماع فيه ولا نص من الكتاب ولا في السنة.

ومن هنا بدأت دائرة الأقوال الفقهية تتسع، وبدأت تظهر مدارس فقهية في العراق على مختلف مدنها في الكوفة والبصرة، ومدارس فقهية في المدينة، ومدارس فقهية في اليمن، ثم مدارس فقهية في الشام وفي مصر، وهكذا بدأ الفقه يتوسع أكثر وأكثر على يد التابعين وعلى يد تابع التابعين، إلى أن نصل إلى المرحلة الرابعة، وهي مرحلة نشوء المذاهب الفقهية.

على يد الأئمة الأربعة؛ على يد أبي حنيفة النعمان، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل الشيباني، بدأت المدارس الفقهية تتشكل على أيدي هؤلاء العلماء، الذين كتب الله عز وجل لفقههم القبول، وخدم فقههم من العلماء المحققين، وخدموا بطلبة مهرة دونوا الفتاوى وحققوها ونظموها وفصلوها.

إلى أن نصل إلى مرحلة ما بعد الفقهاء الأربعة، مرحلة تنقيح أقوال الفقهاء الأربعة وجمعها وتصنيفها وتدوينها في مصنفات. فبدأت المذاهب الفقهية هنا تظهر، بدأت المذاهب الفقهية تظهر في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري من خلال أن تلاميذ أبي حنيفة جمعوا فقهه وفقه أصحابه، ثم تلاميذ مالك بن أنس وتلاميذ التلاميذ بدأوا يجمعون.

عندما نتكلم طبعا في منتصف القرن الرابع الهجري، نتكلم عن طبقة تلاميذ التلاميذ، وتلاميذ تلاميذ التلاميذ، يعني نتكلم في مراحل متأخرة نوعاً ما عن عصر الأئمة، لأن الأئمة: الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه مات سنة مئة وخمسين هجري، ومات مالك سنة مئة وتسعة وسبعين، والشافعي مئتين وأربعة، وأحمد مئتين وواحد وأربعين هجري.

فإذاً هؤلاء الأئمة ماتوا في هذه العصور، وتلاميذ التلاميذ ومن بعدهم بدأوا ينقحون ويصلحون ويؤسسون ويقعدون، ويحاولون استنباط مسالك هؤلاء الأئمة والقواعد التي لاحظوها في فتياهم. فبدأت المذاهب الفقهية تتشكل أصولاً وفروعاً، بدأت المذاهب الفقهية تتشكل أصولاً وفروعاً، وهذه مرحلة متوسطة.

إلى أن نأتي إلى مرحلة ما بعد الغزو التتري، كما يقول علماء التاريخ ما بعد الغزو التتري لبلاد الإسلام. في هذه المرحلة، كانت مرحلة التهذيب والاختصار، حيث اشتهر في هذه المرحلة في القرن الثامن الهجري فصاعداً عملية وضع المتون المختصرة والمصنفات الأخيرة، كما يقولون، في بيان المعتمدات من المذاهب.

فمثلاً مذهب الحنابلة ظهر لعلاء الدين المرداوي رحمة الله عليه، فبدأ ينقح ويبين ما هو القول الراجح والمعتمد في المذهب. كذلك في عند الشافعية، عند المالكية والحنابلة، بدأت تظهر مدارس متأخرة تهتم ببيان ما هو المعتمد في الفتيا، وبوضع المختصرات والمتون التي تصلح للحفظ، وتختصر الكتب الكبيرة الضخمة التي كتبت في المراحل المتوسطة.

لأن العلماء لاحظوا في المراحل المتأخرة أن العلماء الذين نقحوا المذاهب قبلهم وكونوا أو كتبوا المصنفات الطوالات، كانت الكتب كبيرة، والاستدلال مخلوط بالأقوال الفقهية، فيصعب على الطلبة، خاصة مع ضعف الهمم كلما مر الزمان، يصعب على كثير من الطلبة أن يعودوا لتلك المجلدات الضخمة.

فأتوا واقترحوا طريقة وضع المتون والكتب المختصرة كتهذيب للفقه حتى لا يضيع، وكانت فكرة مميزة، لأنني في الحقيقة أجد كثير من الكتب حينما تتكلم عن مراحل تاريخ الفقه تتكلم عن هذه المرحلة الأخيرة وبأنها مرحلة التقليد والجمود والتعصب. وفي الحقيقة نعم لربما هناك شيء من السلبيات في هذه المرحلة، لكن علينا أن لا نغفل عن وجود العديد من الإيجابيات في هذه المرحلة أيضاً.

وهي الإيجابيات في الترتيب والتهذيب والتنسيق، لأن المذاهب الفقهية كانت تحتاج فعلاً لهذه المرحلة الختامية في عملية وضع المختصرات، الآن هي ختامية في ذاك الزمان. الآن البعض يقول: وأما في العصر الحالي، فنحن في مرحلة جديدة من مراحل النضوج الفقهي، ووجود المنتديات الفقهية والمجامع الفقهية.

لكن أظن أننا نمر أيضاً في إشكاليات في عصرنا، نمر في العديد من الإشكاليات تتعلق بضعف التدريس الفقهي، ضعف إقامة الدروس على طرق المذاهب الفقهية، انشغال الناس برؤوس المسائل والابتعاد عن الكتب العميقة كتب التراث في التعلم الفقهي، ضعف النفس عند كثير من الطلبة بإكمال مشوارهم المعرفي.

ففي الحقيقة في عصرنا العديد من الإشكاليات التي يجب علينا أن نتجاوزها وأن نسارع في حلها، قبل أن يزداد الأمر سوءاً، خاصة للأسف مع تصدر كثير من الناس الفتيا مع أنهم ليسوا، لم يضبطوا المذاهب الفقهية، لم يضبطوا الاستدلال، لم يضبطوا أصول الفقه، ولم يستعملوا مقاصد الشريعة وفق المنهج المنضبط.

فإذاً، هذا مرور سريع على المدارس، على المراحل الذي تطور فيها علم الفقه بدءاً من عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عصر الخلفاء الراشدين، ثم عصر التابعين وتابعي التابعين، ثم عصر أئمة المذاهب الفقهية، إلى أن ما بعد ذلك بدأ التنقيح والجمع لتراث هذه المذاهب، ثم بدأ بعد ذلك في بعد غزو التتار عملية التنقيح والاختصار والتهذيب إلى أن وصلنا إلى وقتنا الحاضر.

تمام، فهذا كان مرورا سريعاً على وضع علم الفقه ونشأته، وأنا أظن أنني مررت سابقاً في كتاب أخصر المختصرات مررت على هذه المراحل، من أحب أن يعود إلى التعليق المفصل عليه لربما يكون أكثر من هذا التعليق، لأنني لا أرید أن أكرر ما ذكرته سابقاً، وسأنتقل معكم الآن إلى المبدأ السابع من المبادئ العشرة، وهو اسم هذا العلم.

هذا العلم أحبتي اسمه علم الفقه، وهذا المبدأ من أسهل المبادئ، اسمه علم الفقه. أذهب إلى المبدأ الثامن وهو الاستمداد. مما يستمد علم الفقه؟ استمداد علم الفقه إخواني أساساً من الكتاب، ثم من السنة، ثم من الإجماعات، ثم من القياس، وهذه هي مصادر التشريع المتفق عليها في الجملة.

وبعد ذلك تأتي مصادر التشريع المختلف فيها، من قول الصحابي، من الاستحسان، من الاستصلاح، إلى غير ذلك مما درسناه في أصول الفقه. فإذاً يستمد علم الفقه من مصادر التشريع المتفق عليها أو المختلف فيها، وأساس هذه المصادر الكتاب والسنة، هذا باختصار.

وأما المبدأ الذي يليه، المبدأ التاسع، وهو حكم الشارع في تعلم الفقه، فنقول أحبتي إن تعلم الفقه فرض كفاية عن الأمة. ما معنى أنه فرض كفاية؟ يعني إذا قام به من يكفي، سقط الإثم عن الباقين؛ إذا قام به من يكفي ومن تقوم به الكفاية، سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به من يكفي، فإن الأمة آثمة.

من كان يستطيع أن يدرس بنفسه وترك فهو آثم، ومن كان لا يستطيع أن يدرس ولكنه لم يدعم المدارس الشرعية الفقهية ولم يحث الناس على تعلم الفقه فهو آثم. لأن البعض يقول: كيف يا شيخ تأثم الأمة في ترك تعلم الفقه مع أن هناك أناساً لا يستطيعون أن يتعلموا هذه المسائل، يعني لا توجد عندهم الملكات والقدرات عليها؟

فنقول: ذكر العلماء أن فرض الكفاية يأثم به القادر على فعله لأنه لم يقم، ويأثم غير القادر على فعله لأنه لم يحث الناس ولم يبذل من جهته ما يستطيع أن يبذله لإغلاق هذا الباب ولكفايته. فمثلاً التجار وأصحاب رؤوس الأموال، هؤلاء هل نقول إنهم لا يأثمون بضعف العلوم الشرعية؟ وأنهم آثمون عند الله لأنهم لم يبذلوا أموالهم لدعم المدارس الفقهية الشرعية ولدعم طلبة العلم وإقامة الأوقاف؟

من أجل إعانة الطالب على إكمال مشواره المعرفي، فمسؤولية نهضة الأمة في العلوم الشرعية هذه ليست فقط مسؤولية طلبة العلم، بل هي مسؤولية مشتركة على الجميع؛ التاجر بتجارته بماله، وأصحاب المسؤولون في الدولة أن يوفروا الأماكن المخصصة، وطلبة العلم بأوقاتهم، وهكذا.

الأمة تجتمع جميعاً في إقامة هذا الواجب، وإذا قصروا فكل إنسان قصر هو آثم أمام الله على تقصيره. ونسأل الله ألا نكون من المقصرين، وأن نبذل طاقتنا وجهدنا في خدمة هذا العلم الشريف.

وأخيراً المبدأ العاشر والأخير مسائل العلم. ومسائل العلم هي كل المسائل التي تدرس في العلم، مسائل العلم هي كل المسائل التي يتم التطرق إليها في الدراسة، من كتاب الطهارة إلى كتاب القضاء والإقرار، هذه هي مسائل العلم. وفي الجملة إخواني أن علم الفقه ينقسم إلى أربعة أقسام، علم الفقه في الجملة يقسمه العلماء إلى أربعة أقسام.

القسم الأول يتكلم عن أحكام الشعائر التعبدية، ويسمى فقه العبادات؛ أحكام الشعائر التعبدية طهارة كونها مفتاح للصلاة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج والجهاد، فهذا القسم الأول فقه العبادات. القسم الثاني من مسائل هذا العلم القسم الذي يتعلق بإدارة أموال الناس والحقوق الشائعة بينهم، فهذا القسم يسمى قسم المعاملات.

الأحكام الشرعية التي تتكلم عن إدارة المعاملات بين الناس في أموالهم وإيصال الحقوق أهلها، هذا يسمى فقه المعاملات. بعد ذلك نأتي إلى القسم الثالث، وهو القسم الذي يتكلم عن الأحكام الشرعية التي تنظم الأسر؛ أحكام النكاح والطلاق والفسخ والرضاع والحضانة إلى غيرها التي تسمى اليوم أحكام الأحوال الشخصية أو فقه الأسرة، هذه تسمى المناكحات، البعض يسميها فقه الأسرة.

وأخيراً تأتي الأحكام التي تتكلم عن القضاء وحل النزاعات والعقوبات التي تحل سواء العقوبات الحدية أو القصاصية أو الجنايات عموماً، وهذا يسمى قسم العقوبات أو فقه الاقضية والعقوبات. فإذا أي كتاب فقهي كدليل الطالب أو كغيره من الكتب لابد أن ينقسم إلى هذه الأقسام الأربعة؛ عبادات، معاملات، مناكحات أو فقه الأسرة، وأخيراً الأقضية والعقوبات.

البعض يزيد قسم خامس يقول السياسة الشرعية والمعاهدات الدولية، وفي الحقيقة كثير من الفقهاء يدخلون هذا القسم تحت باب الجهاد وباب الأقضية والعقوبات. يعني أحياناً يبحثونها في الجهاد وقسم منها يبحث في الأقضية والعقوبات ولا يفردونها، والبعض أفرَدَها، فمن أحب أن يزيد السياسة الشرعية وأصلاً كثير من السياسة الشرعية أصبحت تُفرض لها مصنفات منفصلة عن كتب الفقه.

لكن الأحكام التي توجد في هذه الكتب المنفصلة عادة ما تكون مبثوثة في كتب الفقه في أبواب الجهاد وفي أبواب الأقضية والعقوبات، تمام؟

جميل، المقدمة الثالثة ستكون أو ستتعلق بالحديث عن التمذهب وأهميته، لكن لن أطيل عليكم في المحاضرة الأولى بإذن الله. إن شاء الله المحاضرة القادمة ننهي حديثنا عن التمذهب وقواعد التمذهب وأهميته، لماذا يحتاج طالب العلم إلى أن يكون متمذهبا؟ وما حكم الخروج عن المذاهب سواء في بعض المسائل أو الانتقال من مذهب إلى آخر؟

ثم نتطرق إلى المقدمة التعريف بدليل الطالب ونشرع في هذه الرحلة. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يوفقنا لخدمة هذه الأمة وإحيائها العلم فيها من جديد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.