دخولتسجيل الدخول

الدرس 2 - مقدمات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى المجلس الثاني من مجالس هذه الدورة المباركة في شرح كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله عليه. وما زلنا في المقدمات التي وضعناها لهذا الكتاب، واليوم أحبتي نشرع في المقدمة الثالثة. في المجلس السابق تكلمنا مقدمة أولى عن أهمية علم الفقه، وتحدثنا في المقدمة الثانية عن المبادئ العشرة لهذا العلم، واليوم موعدنا كما اتفقنا مع مقدمة ثالثة مهمة لطالب علم الفقه. هذه المقدمة أحبتي عقدتها في مفهوم المذهب والتمذهب، وأهمية المذهبية لطالب العلم، وضوابط الالتحاق بالمذاهب، وهل يجب علي أن ألتزم بالمذهب في كل حروفه، أم يجوز الانتقال في بعض الأحايين؟ كل هذه الأسئلة وغيرها بإذن الله نتكلم عنها في هذه المقدمة الثالثة، فأقول مستعينا بالله: المقدمة الثالثة قواعد في التمذهب.

أولاً أحبائي سنتعرف على مصطلحين؛ المصطلح الأول مصطلح المذهب، والمصطلح الثاني مصطلح التمذهب. هناك مصطلحان يجب أن نعرفهما: الأول المذهب، والثاني التمذهب. فنبدأ بالأول المذهب؛ ما معنى المذهب؟ أحبائي المذهب لغة دعونا ننظر في الناحية اللغوية ابتداء، المذهب لغة على وزن مففعْل من الفعل الثلاثي ذهب، ومَفْعَل من الفعل الثلاثي الصحيح إما أن تكون مصدرا ميميا، وإما أن تكون اسم زمان، وإما أن تكون اسم مكان. ميم الثلاثي إن يكن من أجوف صحيح أو مهموز أو مضعف، أتاك مفعل بفتحتين، وشذ منهما بكسر العين، كما قال صاحب نظم المقصود.

فإذاً مذهب على وزن مفعل، وبالتالي هناك ثلاث احتمالات لها أو ثلاثة احتمالات لمعناها: إما أن تكون مصدرا ميميا، والمصدر الميمي دلالته كدلالة المصدر الصريح، يدل على الحدث فتكون مذهب معناها معنى المصدر الصريح الذهاب، فمذهب بمعنى ذهاب وانطلاق. الحالة الثانية أن تكون مذهب اسم زمان لوقت الذهاب. الاحتمال الثالث أن تكون اسم مكان للمكان الذي ذهب إليه وليس للوقت، اسم مكان للمكان الذي انطلق إليه. فبالتالي إذاً كلمة مذهب في اللغة العربية أما أن تكون مصدرا ميميا بمعنى الذهاب، وأما أن تكون اسم زمان تدل على زمان الذهاب، وأما أن تكون اسم مكان تدل على المكان الذي ذهب إليه. هذا من حيث اللغة.

وأما من حيث الاصطلاح الفقهي عند العلماء، فالمذهب أحبتي له اطلاقان عند أهل العلم. كلمة مذهب تستعمل باستعمالين عند أهل العلم ويهمني الاستعمال الأول؛ ما هو الاستعمال الأول لكلمة المذهب؟ ما دلالة هذه الكلمة عند العلماء؟ المذهب عند العلماء أحبتي في الإطلاق الأول يطلق على مسلك علمي -ركزوا في التعريف- يطلق على مسلك علمي يسلكه المجتهد استنباط الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية. إذاً المذهب هو المسلك العلمي الذي يتبعه العالم المجتهد في استنباط الأحكام الشرعية العملية من الأدلة التفصيلية. فبناء على هذا التعريف إخواني للمذهب، نجد أن كلمة المذهب تدل على القواعد المعينة، أو قل على المنحى الفكري الذي يختاره عالم مجتهد من علماء الأمة، ويستعمل هذه القواعد وهذا المنحى الفكري في عملية استنباط الأحكام الشرعية والوصول إليها، واضح؟

تمام، القواعد مثلاً التي يتبعها أبو حنيفة النعمان في الوصول إلى الأحكام الشرعية واستنباطها؛ هذه القواعد وهذا المنحى الفكري الذي اتجه إليه يسمى مذهبه، والقواعد التي اتبعها مالك في الاستنباط تسمى مذهب مالك، والقواعد التي اتبعها الشافعي أو اتبعها أحمد تسمى مذهب الشافعي أو مذهب أحمد. جميل؟ إذاً المذهب هو اسم للقواعد المعينة التي يختارها مجتهد، -طبعا بعد النظر والتأمل ليست باختيار هوائي، بعد النظر والتأمل- اسم للقواعد التي يختارها المجتهد ويستعملها في استنباط الأحكام. وأما الفروع الفقهية المستنبطة من خلال هذه القواعد ومن خلال هذا المنحى الفكري، فبناء على هذا التعريف هي ليست المذهب حقيقة، ركزتم؟

الفروع الفقهية التي تم الوصول إليها هي ثمار لهذه القواعد، هي نتيجة لهذه القواعد، فهي في الحقيقة وفي الواقع ليست هي المذهب، ليست هي المذهب بل هي ثمرة المذهب، ثمرة المسلك، لكنهم يدخلونها تحت مفهوم المذهب على وجه التبع، لكنهم يدخلونها تحت مفهوم مذهبي على وجه التبع، وهذا التحرير مهم جدا أن يفهم الطالب الصورة. المذهب إذاً هو أو نعم هو القواعد المعرفية والمنحى الفكري الذي يسلكه المجتهد؛ أبو حنيفة، مالك، فلان، فلان في الوصول إلى الأحكام، هذا هو المذهب حقيقة، والأحكام هي ثمرة المذهب، لكننا ندخلها تحت مفهوم المذهب على وجه التبع لتلك القواعد، جميل؟ تمام.

أما الإطلاق الثاني -الآن انتهيت من الإطلاق الأول وسأعود إليه بعد قليل، لكن دعوني أنطلق معكم إلى الإطلاق الثاني لكلمة المذهب- تطلق المذهب أو تطلق هذه الكلمة عند المتأخرين من الفقهاء على مفهوم آخر، وهو ما عليه الاعتماد في الفتيا من أقوال الإمام وأتباعه. الذي عليه الاعتماد في الفتيا من أقوال الإمام وأتباعه يسمى مذهبا عند المتأخرين؛ ما معنى ذلك يا شيخ؟ اسمعوا أحبتي، الأئمة المجتهدون إخواني قد تنقل عنهم في المسألة الواحدة أكثر من رواية وأكثر من قول، المجتهد الواحد قد ينقل عنه في المسألة الشرعية الواحدة أكثر من رواية وأكثر من قول. تمام، الآن القول الذي عليه الاعتماد من بين سائر أقواله واختاره أكثر أصحابه، واختاره المنتسبون للمذهب، واختاره المحققون للمذهب من بين أقوال الإمام؛ يسمى هذا القول الراجح من أقواله المذهب، يسمى المذهب لأن عليه مدار الفتية عند الحنفية أو عند المالكية أو عند الشافعية أو عند الحنابلة وعلى ذلك.

مثال تطبيقي، مثلاً الآن نأتي إلى مسألة غسل النجاسة المتوسطة عند الحنابلة -وسنأتي إليها إن شاء الله في دليل الطالب- الآن النجاسة المتوسطة عند الحنابلة -لأن هناك نجاسة مخففة ونجاسة مغلظة- النجاسة المتوسطة اختلفت الروايات عن الإمام في عدد غسلاتها، اختلفت الروايات عن الإمام أحمد: كم مرة يجب أن تغسل حتى يتطهر المكان منها؟ فنجد رواية معتمدة في المذهب تقول إنها سبع غسلات تنقي المكان إلا إذا احتجت إلى أكثر من ذلك، وهناك قول آخر بالثلاث، وهناك أقوال أخرى. الآن ما هي الرواية المعتمدة من بين سائر الروايات المنسوبة للإمام أحمد؟ والتي اختارها المحققون من علماء المذهب وأصبحت هي المعتمد في الفتية عند المتأخرين؟ الرواية المعتمدة من بين سائر الروايات المنقولة عن أحمد في هذه المسألة هي رواية السبع، فنقول رواية السبع هي المذهب عند الحنابلة. ما معنى كلمة المذهب هنا؟ أي المعتمد في الفتية عند الحنابلة في هذه المسألة. فهذا إذاً إطلاق متأخر لكلمة المذهب على ما عليه الاعتماد في الفتية من بين أقوال الإمام المختلفة في المسألة الواحدة.

ولكن في الحقيقة الذي يهمني أساساً الإطلاق الأول لكلمة المذهب، وهو المسلك الفكري أو المنحى الذي يسلكه المجتهد في استنباط الأحكام الشرعية وفي الوصول إليها، لأن طالب العلم أحبائي يجب عليه أن يكون متصورا ابتداء لمفهوم المذهب، وما حقيقة المذهب والتمذهب قبل أن يدخل في السجالات الفكرية التي تدور اليوم حول: هل يجب اتباع المذاهب أو لا يجب اتباع المذاهب ومتى يجب أن أنتقل ومتى لا يجوز أن أنتقل؟ إلى غير ذلك من السجالات التي يعلمها أكثركم. فلا يصلح أن تدخل في سجال في هذه القضايا وفي نقاش علمي وأنت لم تتصور بعد ما معنى كلمة مذهب أبي حنيفة، مذهب مالك، مذهب الشافعي، مذهب أحمد.

فأنا يهمني أن تضبط المصطلح الأول أو الإطلاق الأول للمذهب ضبطا جيدا، وأن تتصوره تصورا حقيقيا أن المذهب هو المنحى الفكري، هي القواعد المتبعة عند إمام معين للوصول إلى الأحكام الشرعية. تمام، وبناء على هذا الإطلاق فإن المذهب في الحقيقة إذاً يشير إلى منهج علمي وضعه علماء أكابر جمعوا بين النقل والعقل، ووصلوا إلى مرتبة عليا في معرفة اللغة العربية، تأليف العرب في بيانها، وإلى مرتبة عليا في فهم القرآن وفهم السنة، ومعرفة الصحيح من الضعيف في الأحاديث، ومعرفة الناسخ والمنسوخ والإجماع ومواطن الخلاف. علماء ضبطوا مقاصد الشريعة وفهموا علل الأحكام وحكمها، بعد أن استجمع هؤلاء العلماء لهذه الآلات أصبحوا مؤهلين لوضع قواعد معينة ومسالك في استنباط الأحكام الشرعية والوصول إليها.

الآن هذه القواعد قد يشترك فيها عالم مع عالم آخر، فليس كل القواعد التي يسلكها الحنفية تكون مباينة للقواعد التي يسلكها المالكية أو الشافعية أو الحنابلة، فالمذاهب الفقهية تلتقي في بعض القواعد وفي بعض المسالك، وتختلف في بعض القواعد الأخرى وفي بعض المسالك الأخرى، فهناك نقاط التقاء وهناك نقاط افتكاك بينها. جيد، إذا فهمنا المذهب بهذا التصور، أظن أن فكرة المذهب ستكون فكرة مقبولة للجميع، فكرة مقبولة صحيحة علميا، تقوم -ما فائدتها؟- تقوم على ضبط منهج الفتيا بقواعد محددة. المذهب والقواعد والمنحى المسلكي هذا يقوم بعملية ضبط الفتية إخواني لتكون الفتاوى والأحكام التي تصدر عن هذا المجتهد مؤسسة على قواعد مطردة مستحكمة لا يوجد فيها تناقض، لا يوجد فيها تنافر، لا يوجد فيها لا إفراط ولا تفريط.

هذه فائدة وضع المذهب: أن تضبط الفتيا ونضبط منهج الافتاء والوصول للاحكام، حتى لا تكون الأمور فوضى، وحتى نحول دون وصول من لا يمتلك هذا المنهج المعرفي إلى إطلاق الفتاوى بين الناس، ونشر أحكام شرعية غير دقيقة، نشر أحكام شرعية للأسف غير دقيقة هنا وهناك على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى شاشات التلفاز وما شابه ذلك. فالفوضى إخواني متى كانت منفلتة لا يوجد منهج معين وقواعد تنتمي إليها، تكون هذه الفتية والله حائرة، تفتت ولا تبني، تفرق ولا تجمع، ويصبح للأسف كل من قرأ كتابا أو كتابين وقرأ شيئا من كتب الخلاف العالي، يصبح يعطي لنفسه الأحقية في أن يصدر للفتية ويصدرها على الإذاعات وعلى وسائل التواصل وعلى التلفاز.

لكن لو كان هناك تمذهب حقيقي وتمسك بقواعد معينة في الاستنباط، لانكشف حال كثير من هؤلاء الذين يتصدرون اليوم للفتية، ولعرف الناس عوار تلك الفتاوى الهزيلة التي لم تسبك بميزان العلم ولا بمعيار الشرع. لو أننا إخواني طالبنا كل مفت أن يبين لنا ما هو المنهج العلمي؟ ما هي القواعد التي يسلكها في الوصول إلى الأحكام الشرعية؟ لو طالبنا كل شخص متصدر للفتية اليوم أن يبين لنا ما هي القواعد التي يتبعها؟ صدقوني سينكشف لكم أن كثير من الفتاوى التي تسمعونها بل ربما كثير من الناس يتبناها ستدركون أنها فتاوى خرجت من أذواق النفوس وليست مبنية على قواعد محكمة أصيلة. صاحبها بنى القواعد واستدل على إثبات القواعد ثم وظف القواعد في الوصول إلى الفتية، إنما هو مجرد بادئ الرأي، وكما قلنا ذوقيات النفوس.

فإعادة طلبة العلم إلى التمذهب هي في الحقيقة أمر مهم جدا لضبط الفتية، وأمر مهم جدا لكشف الناس الذين لم يتعبوا في طلب العلم ولم يكلفوا أنفسهم العودة إلى كتب التراث التي تركها لنا العلماء ليسهروا عليها تحقيقا وتنقيحا وفهما وتصورا ومعرفة لعلل الأحكام ولأدلتها ولطريقتهم في الاستنباط. التمذهب أحبتي صمام أمان -كما سيظهر لنا من كلام العلماء- صمام أمان لحماية الفتية وحماية الدين عموما من الجهلة على المناصب الدينية، وتصدرهم للكلام في دين الله من غير علم ولا هدى ولا كتاب منير.

انتهيت الآن من بيان مفهوم المذهب بإطلاقيه؛ الإطلاق الأول القديم وهو المهم، والإطلاق الثاني المعروف عند المتأخرين. دعوني أنطلق معكم إلى مفهوم آخر أو المصطلح الثاني، وهو مصطلح التمذهب؛ ما هو التمذهب؟ التمذهب إخواني هو -اسمعوه باختصار- اتباع إمام سلك مسلكا علميا في استنباط الأحكام الشرعية العملية، في أصوله وفي فروعه. أن تتبع يا طالب العلم إماما، هذا الإمام سلك مسلكا علميا في استنباط الأحكام الشرعية العملية، أن تتبع هذا الإمام في أصول الفقه التي وضعها وفي الفروع التي آلت إليها، هذا هو مفهوم التمذهب. أنني انتسبت إلى الإمام أحمد بن حنبل في أصوله الفقهية وفي الفروع التي أثمرها، أو انتسبت إلى الإمام الشافعي في أصوله الفقهية التي وضعها وفي فروعه، وهكذا.

طبعا الأصول الفقهية هذه فقط فائدة على الهامش، الأصول الفقهية في الحقيقة عند الأئمة كثير من الأصول الفقهية التي تنسب إلى الأئمة هي لم تؤخذ من أفواههم مباشرة، وإنما استنبطها تلاميذ الإمام ومن بعدهم، استنبطوها من فتاوى الإمام. يعني هناك مثلا كالامام الشافعي نعم له كتاب في اصول الفقه موضوع، لكن هذا الكتاب لم يشتمل على كل القواعد التي لاحظها الشافعي في فتياه. طيب من أين أتى السادة الشافعية بباقي القواعد التي ينسبونها إلى الإمام الشافعي؟ أتوا بها من خلال استقرائهم لفتاوى الإمام، فلاحظوا كيف يفتي الإمام في هذه المسألة وفي هذه المسألة وفي هذه المسألة، فاستنبطوا قاعدة يتبعها الإمام وإن لم يكن الإمام قد نص عليها. وقل ذلك في مذهب مالك؛ الإمام مالك نعم نص على بعض القواعد، لكنه لم يذكر كثير من القواعد التي يتبعها. طب من أين أخذناها؟ من خلال النظر في استقراء الفتاوى يجعل علماء المذهب يصلون إلى ما هي القاعدة التي يتبعها مالك في هذا الباب وفي هذا الباب وفي هذا الباب. وقل ذلك في مذهب أبي حنيفة وفي مذهب أحمد بن حنبل. فالمهم هنا إذاً أن عملية التمذهب هي عملية انتساب، عملية اتباع لامام معين في أصوله الفقهية وفي الفروع التي أثمرتها هذه الأصول.

إذا فهمنا مفهوم المذهب، وفهمنا مفهوم التمذهب؛ الآن سنبدأ يعني نتطرق إلى بعض القضايا المهمة. عرفنا أن التمذهب هو انتساب لإمام معين في أصوله وفروعه. والسؤال الأول الذي أطرحه: من الذي يلزمه التمذهب؟ من الذي يلزمه التمذهب؟ يعني من الشخص الذي يلزمه أن ينتمي وأن ينتسب إلى إمام معين في أصوله وفروعه؟

فالجواب أحبتي هو أن نبين انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام؛ الناس إما مجتهد، وإما طالب علم أو عالم لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد، وإما عامي. هذه القسمة الثلاثية؛ الناس عموماً إما مجتهد وصل إلى مرتبة الاجتهاد، وإما طالب علم أو عالم لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد الفقهي، وإما عامي ليس له علاقة بالعلوم الشرعية. جميل؟

فسأبدأ أتكلم عن كل واحد من هؤلاء، وأبين من الذي يلزمه التمذهب منهم؛ أي من الذي من هؤلاء الثلاث يلزمه أن ينتسب إلى إمام في أصوله وفروعه؟ أبدأ بالمجتهد. المجتهد إخواني، ما المراد به؟ المجتهد هو الشخص الذي امتلك آلة الاجتهاد والنظر، ويستطيع الاستقلال بنفسه في وضع قواعد للاستنباط، ويستطيع أن يطبق هذه القواعد التي توصل إليها على النصوص الشرعية ليأخذ منها الأحكام. هذا هو المجتهد. المراد هنا الشخص الذي امتلك آلة الاجتهاد بحيث يستطيع أن يستقل بنفسه في وضع قواعد للاستنباط، في وضع منهج فكري، مسلك علمي، ثم يطبق هذا المنهج الذي وضعه هو بنظره واجتهاده يطبقه على النصوص الشرعية ليأخذ الأحكام منها.

الآن من وصل إلى هذه المرتبة وتأهل إليها، فهذا يقول العلماء المحققون: لا يجوز له أن يقلد إماماً آخر، لا يجوز له أن يقلد إماماً آخر، بل عليه أن ينظر بنفسه، وأن يجتهد بنفسه في وضع الأصول والتوثق منها وفي استنباط الفروع، لأنه مجتهد فلا يجوز له أن يتقيد بإمام آخر في الأصول والفروع. هذا هو الأصل العام. طبعا هناك استثناءات يستثنونها تدرس إن شاء الله في مطولات كتب أصول الفقه؛ متى يجوز للمجتهد أن يقلد غيره من الأئمة؟ هذه مسائل تدرس في فروع أصول الفقه، الأحوال المحددة التي يجوز فيها للمجتهد أن يقلد إماماً آخر، وإلا فالاصل في المجتهد هو بنفسه يضع القواعد، وهو بنفسه ينظر ويستدل ولا يقلد غيره.

طبعا قبل أن أنتقل للشخص الثاني، في الحقيقة الوصول إلى هذه المرتبة إخواني؛ مرتبة أن تصبح مؤهلاً لأن تضع القواعد بنفسك، هذا مشوار طويل طويل، ويحتاج إلى جهد كبير، وإلى سهر الليالي، وضماء الهواجر، وإلى ترك هوى النفس، والانكباب كلياً على الكتب والمصنفات حفظاً وتنقيحاً وتحريراً، وأن يطول بك العمر سنوات تلو السنوات حتى تصل لهذه المرتبة. هذه المرتبة لا ينالها إنسان تخرج من الجامعة برتبة الدكتوراه، لا لا، هذا ليس له علاقة بهذا الباب أبداً ولا يتطرق إليها العلماء هذه الدرجات الدنيوية. الكلام عن شخص استمر سنوات وهو يعافس الكتب ويجالسها وينقح وينظر ويحفظ وينظر في الأحاديث وفي الصحيح من الضعيف، واكتملت لديه آلة الاجتهاد، ثم بعد ذلك وصل إلى مرحلة يستقل بنفسه في وضع القواعد، ولذلك قل من يصل إلى هذه المرتبة، قل من يصل إلى هذه المرتبة، فإياك أن تنخدع بكثير من الناس ممن ظنوا في أنفسهم أنهم تأهلوا للاجتهاد وهم ما زالوا في مرحلة البدايات، كما سيقول أو كما سننقل عن ابن رجب الحنبلي رحمة الله عليه بعد قليل.

الحالة الثانية أو الشخص الثاني، عرفنا الشخص الأول؛ الأول لا ينتسب إلى إمام في الأصول والفروع، بل المجتهد هو الذي يضع الأصول والفروع. الثاني هو طالب العلم الذي درج في طريق الطلب، أو العالم الذي حصل كثيراً من العلوم، لكنه لم يتأهل بعد ولم يصل إلى مرتبة تؤهله لأن يضع قواعد الاستنباط بنفسه ويطبقها على الفروع، فهذا أو هذان الرجلان؛ طالب العلم على طريق التعلم أو العالم الذي لم يصل بعد إلى مرتبة عليا تؤهله لأن يضع القواعد بنفسه، هذان الرجلان فرضهما أن يتبع إماماً معيناً وأن ينتسبا إليه في الفتيا، فرضهما أن يتبع إماماً معيناً وأن ينتسب إليه كأين الفتيا.

فطالب العلم يتبع إماماً معيناً، يتعلم منهج هذا الإمام، يتعلم مسلك هذا الإمام، قواعد هذا الإمام، ويبدأ يطبق هذه القواعد على الفروع. طبعا هو طالب العلم ابتداء سيأخذ قواعد الإمام وفروع الإمام، ثم مع الوقت حينما يكبر وتمضي به الاعمار مع الممارسة لهذه القواعد، يستطيع هو بنفسه أن يطبق هذه القواعد التي تلقاها من الإمام ومن كتب أتباع الإمام يطبقها على النوازل الجديدة المستجدة في حياة الأمة.

وكذلك العالم الذي لم يصل بعد إلى مرتبة الاجتهاد، هذا هو الأدق. العالم الذي لم يصل بعد إلى مرتبة الاجتهاد التي تؤهله لوضع القواعد، هذا فرضه إذا تصدر للفتيا في المجتمعات، فرضه أن يتبع إماماً معيناً؛ يتبع أبا حنيفة، يتبع مالكاً، الشافعي، أحمد، المهم يتبع إماماً معيناً وينتسب إليه في المنهج والمسلك العلمي وفي الفروع الفقهية، ويبدأ يفتي من خلال هذا المذهب منطلقا منه.

لماذا يا شيخ تحصره؟ لأننا اتفقنا أن هذا الرجل لم يصل بعد إلى مرحلة علمية تؤهله لوضع القواعد ولأن يستقل بمعرفة الصحيح من السقيم منها. فمن كان هذا حاله حتى لو كان عالماً في قرآن، أو عالماً في الحديث، أو عالماً في مثلاً أصول الفقه، إذا لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد التي تحدثنا عنها في المرحلة السابقة، فهذا الشخص لا يستطيع بالتالي أن يصدر فتوى هوائية، لابد أن يربط فتواه بقواعد، وهو غير مؤهل لوضع القواعد، إذاً يتبع إماماً ويربط فتواه بقواعد هذا الإمام. جيد؟

إذاً، طالب العلم أو العالم الذي لم تكتمل آلته، فهذا يلزمه أن يتبع مذهباً يتعلم من خلاله، ويتأصل، ويضبط قواعد هذا المذهب، ويضبط فروع هذا المذهب، حتى إذا أصبح مجتهداً في يوم من الأيام نعطيه أحقية الاستقلال بنفسه. وأما إذا لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد وعاش ومات وهو لم يصل بعد إلى مرتبة الاجتهاد، فهذا إذاً سيبقى منتسباً إلى الإمام الذي سلك مسلكه واختار منهجه.

هذا القسم، في الحقيقة هذا القسم الثاني هو الذي يدور عليه النقاش اليوم بين من ينصر التمذهب ومن يعارض التمذهب، هو الذي يدور عليه النقاش: هل يلزم طالب العلم أن ينتسب إلى مذهب معين؟ وهل يلزم العالم الذي لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد أن ينتسب إلى مذهب معين؟ أم يجوز له أن يستقل ويجوز له وأن يأخذ الأحكام مباشرة من الكتاب والسنة؟ أو يجوز له أن يرجح بين قواعد الشافعية والحنابلة ويختار ما ترجح له؟ هنا النقاش بين المعاصرين في قضية التمذهب، ولأن النقاش هنا سأطيل النفس في الكلام عن هذه المرتبة؛ مرتبة طالب العلم، لماذا نقول لطالب العلم عليك أن تتمذهب؟ ولماذا نقول للعالم الذي لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد عليك أن تتمذهب؟

في الحقيقة لن اتكلم أنا ابتداءً، بل سأدع الكلام لإمام كبير محقق منصف هادئ في الطرح، لا يوجد عنده تعصب، ولكن في نفس الوقت يوجد عنده انضباط. هذا الإمام هو الإمام ابن رجب الحنبلي رحمة الله تعالى عليه. الإامم ابن رجب ترك رسالة صغيرة سماها الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة، ربما البعض يستغرب، ابن رجب الحنبلي صاحب جامع العلوم والحكم، والامام المتفنن في الحديث، ومن أنصار مدرسة المحدثين يكتب هذه الرسالة؟ نعم، رسالة قصيرة يوجهها ابن رجب الحنبلي نصيحة لشباب الأمة وللأجيال اللاحقة، سماها الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة، يحث فيها ابن رجب الحنبلي طلبة العلم على التمسك بالمذاهب الأربعة وعلى عدم الخروج منها ما دام أن طالب العلم أو العالم لم يصل بعد إلى مرحلة الاجتهاد.

انظروا إلى الطرح الذي يطرحه ابن رجب حتى تفهموا ما العلة وما الحكمة في توجيه طلبة العلم إلى التمذهب وعدم الخروج عن المذاهب. ما هي الحكمة؟ لأن بعض الناس للأسف الذين يتعصبون للمذاهب يبينون أحكاماً مغلوطة للتمذهب، ويعطون أفكاراً سلبية تجعل الطرف الآخر الذي عنده تذبذب في أهمية التمذهب تجعله يعرض عن المذهبية عموماً، فيجب على الذي يدعو إلى التمذهب وينشر المذهبية أن يكون هادئاً في طرحه، وأن يأخذ الأحكام التي تكلم بها العلماء المحققون في هذا الجانب، وألا يكون متعصباً متشنجاً حتى لا يحرم الطرف الآخر من هذه الفائدة العظيمة، وهي فائدة التمذهب بسبب سوء الطرح.

فلننظر إذاً في ابن رجب الحنبلي رحمة الله تعالى عليه ماذا يقول في هذا الباب. يقول ابن رجب الحنبلي واسمعوا هذا الكلام بعقل صاف ونفس هادئة: واما أحكام ومسائل الحلال والحرام فلا ريب أن الصحابة والتابعين ومن بعدهم اختلفوا في كثير من هذه المسائل اختلافا كثيراً. وكان في الأعصار المتقدمة كل من اشتهر بالعلم والدين يفتي بما ظهر له أنه الحق في هذه المسائل، مع أنه لم يخلو من كان يشذ منهم عن الجمهور من إنكار العلماء عليه، كما كان ينكر على ابن عباس مسائل متعددة يعرف بها.

يتكلم إذاً ابن رجب ابتداءً عن مرحلة ما قبل التمذهب أو قبل ظهور المذاهب الأربع. يقول: ابتداءً في عصر الصحابة وفي عصر التابعين كان كل إنسان وصل إلى مرتبة عليا في العلم والدين يفتي الناس بما ظهر له أنه الحق، لأنه ما كانت أصلاً مذاهب، وما كانت هناك قضية يعني الالتزام بقول شخص معين. لا، فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم علماؤهم، كل شخص يفتي بما ظهر له من حكم الله عز وجل في هذه المسألة، وحتى في عصر الصحابة وفي عصر التابعين كانت هناك فتاوى شاذة لبعض الأفاضل، وكان علماء ذاك العصر ينكرون على هذه الفتاوى الشاذة أو المغلوطة، ويذكر لك مثال ابن عباس رضي الله عنه شذ في بعض الفتاوى، فانكر عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم الشذوذ في مسائل يعرف بها. إذاً في الأمر الأول قبل ظهور المذاهب كان كل عالم يفتي في دين الله بما ظهر له. جميل.

لكن انظروا ماذا يقول ابن رجب؟ قال: وهذا يعني وهذا الإنكار على من كان يشذ في عصرهم، وهذا مع أن الناس حينئذ كان الغالب عليهم الدين والورع. الناس في عهد الصحابة وفي عهد التابعين كان الغالب عليهم ايش أحبائي؟ الدين والورع، ما كان أحد يتسلق على الفتيا وهو بعد ما زال طالباً وهو بعد لم يتشرب من علوم الشريعة، كان عندهم خوف من الفتيا في دين الله، كانوا يتدافعون الفتيا، كل شخص إذا مستألة يحاول أن يدفعها إلى غيره، يريد أن يخلص من المهمة ولا يريد أن تتعلق بذمته أمام الله، فكان هناك ورع، كان هناك ديانة في ذاك العصر.

جميل، قال: حيث مع أن الناس حينئذ كان الغالب عليهم الدين والورع، فكان ذلك يريحهم عن أن يتكلم أحدهم بغير علم أو ينصب نفسه للكلام وليس هو لذلك بأهل. يا الله، هذه الكلمات العالية من ابن رجب وكأنها تبكي واقعنا! الدين والورع كان الحمد لله صنع أجواء مريحة للسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم في أنه لا يتكلم أحد وهو ليس من أهل العلم، ولا ينصب أحد نفسه للكلام وهو بعد لم يتمكن.

ثم يقول ابن رجب: ثم قل الدين والورع بعد ذلك، وكثر من يتكلم في الدين بغير علم ومن ينصب نفسه لذلك وليس هو له بأهل، فلو استمر الحال في هذه الأزمان المتأخرة على ما كان عليه في الصدر الأول، بحيث أن كل أحد يفتي بما يدعي أنه ظهر له أنه الحق، لاختل به نظام الدين لا محالة، ولقصار الحرام حلالاً والحلال حراماً، ولتعال كل من شاء ما يشاء، ولصار ديننا بسبب ذلك مثل أهل الكتابين من قبلنا، فاقتضت حكمة الله سبحانه أن ضبط الدين وحفظه بأن نصب للناس أئمة مجتمعاً على علمهم وعلى درايتهم وعلى بلوغهم غاية المقصودة في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى من أهل الرأي والحديث.

إذاً، ابن رجب في هذا النص الثاني والفقرة الثانية يقول: إن الدين والورع قل بعد عصر الصحابة والتابعين أي بعد العصور المفضلة، وأصبح بعض الناس يتجاسر على الفتيا، ولاحظوا بيتكلم عن القرن الرابع والخامس والسادس والسابع الهجري، يتكلم كيف الناس بدأت تتجاسر على الفتيا، فكيف لو جاء في زماننا ونظر في وسائل التواصل الاجتماعي؟! ما شاء الله، كل شخص يفتي على الفيسبوك والكل يفتي على تويتر وعلى الواتساب، وكل إنسان إمام مسجد يعطي لنفسه الأحقية في الفتوى للمصلين، وكل دكتور جامعي ما شاء الله يظن نفسه من أهل العلم الثقات فيفتي ويدلي بدلوه. فعلاً لو جاء ابن رجب إلى زماننا لأطال حجم هذه الرسالة إلى ضعفيبن، والله تعالى أعلم.

المهم فابن رجب يقول: لما قل الدين والديانة عند كثير من الناس وأصبحوا يتجاسرون على الفتيا هذا فيه خلل لنظام الدين، خلل لانتظام مسائل الشريعة، بحيث يخشى أن يصبح الحلال حراماً والحرام حلالاً بسبب هذه الفوضى، بسبب هذه الفوضى، وهذا ما يحدث الآن إخواني، كثير من المسائل أصبح الحلال فيها حرام والحرام حلال بسبب الفوضى التي نحياها لما ضعف تمذهب الطلبة، وضعف اهتمام الطلبة بالعلوم الشرعية عموماً.

المهم فيقول ابن رجب: إن الله سبحانه وتعالى حفظاً لهذا الدين من رحمته بهذه الأمة أن أقام هذه المذاهب الفقهية المتبوعة من أئمة كبار اجتمع الناس على فضلهم وعلى علمهم وعلى إتقانهم وضبطهم؛ علماء جمعوا بين الرأي السديد وبين ضبطهم للنقل ومعرفتهم الصحيح من السقيم، فكانت مذاهبهم شموساً لهذه الحياة الدنيا، يستضيء السالك بها لمعرفة مواطن الحلال والحرام. فهذا

المذاهب إذاً هي من رحمة الله بالأمة، أن ضبط بها الدين حتى لا تصبح الأمور فوضى ويصبح الناس لا صلاة لهم كما يقولون.

قال: فصار الناس كلهم يعولون في الفتيا عليهم، أي على هذه المذاهب، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم. وأقام الله من يضبط مذاهب هؤلاء الأئمة الأربعة، ومن يحرر قواعدهم حتى ضُبط مذهب كل إمام منهم وأصوله وقواعده وفصوله، حتى تُرد إلى ذلك الأحكام، وينضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام.

فهذه المذاهب مذاهب محررة، مر عليها مئات بل آلاف من العلماء حرروها، نقحوها، ضبطوها؛ أصولاً وفروعاً، ضوابط وقواعد، فأصبحت الحمد لله صرحاً متكاملاً نستطيع أن نعود إليها للوصول إلى الأحكام الشرعية بمنهجية منضبطة مضطردة لا فوضى فيها.

قال: وكان ذلك من لطف الله بعباده، يعني هذا من رحمة الله بنا، وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين، ومن عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين. ولولا ذلك لرأى الناس العجب العجاب، من كل أحمق متكلف معجب برأيه، جريء على الناس، وثاب على الفتيا مستعجل يريد أن يفتي، هذا يَدّعي ذاك أنه إمام الأئمة، ويدعي ذاك أنه هادي الأمة، وأنه هو الذي ينبغي أن يرجع الناس إليه وأن يعولوا عليه دون قلق، لكن بحمد الله أن سدّ هذا الباب الذي خطره عظيم وأمره جسيم، وانحسمت هذه المفاسد العظيمة، وكان ذلك من لطف الله تعالى بعباده ومن جميل عوائده وعواطفه العميمة.

فإذا ابن رجب يرى أن وجود المذاهب كان من رحمة الله بهذه الأمة. والله سبحانه وتعالى بواسع علمه يعلم أن هذه الأمة سيكثر فيها الفساد في آخرها وسيتسلق الناس ويتجاسر الناس على الفتيا، نصب الله عز وجل من رحمته لنا مذاهب وقواعد ومناهج منضبطة محكمة، حتى يعود إليها كل من يريد الوصول إلى الحق، وكل من يريد أن يسير على الانضباط، وكل من يريد أن يصل إلى منهج محكم في علوم الشريعة يسير وفق هذه الشموس الأربعة أو الخمسة مع إضافة المذهب الظاهري على خلاف بين العلماء -ولست في موطن تحريره-. المهم، المذاهب هي شموس تنير الطريق للسالكين.

فمن أعرض عن هذه الشموس وهو لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد، وتجاسر واستكبر في نفسه وظن أنه أهل لأن يضع قواعد للاستنباط ويفتي بناء عليها، فهذا هو الذي يتيه وهذا هو الذي يورد الأمة المهالك، هذه النوعية هي التي تورد الأمة المهالك.

طبعاً شعاراتهم المتكررة: نحن نريد التجديد، نحن نريد ما يسمونه التنوير، هذه الفتاوى القديمة والقواعد القديمة ما عادت تصلح لواقعنا المعاصر. فأقول لهؤلاء -يا من يعني دائماً تغردون حول التجديد هنا بقواعد- إني سأترككم، ضعوا القواعد المحكمة المتقنة لاستنباط الأحكام وتكون هذه القواعد بقوة القواعد التي وضعها أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، أرونا ماذا تستطيعون أن تضعوا من القواعد المحكمة؟ ستكتشفون أنكم تصرخون فقط، يجعجعون فقط، وتتكلمون فقط، لكننا لا نرى طحينة، لكننا لا نرى شيئاً نافعاً.

ائتونا بكتاب أصولي لكم أيها المجددون نحاكمه ونقارنه مع كلام الأوائل، لنعرف هل دعواكم أنكم تستطيعون وضع قواعد جديدة تتلائم مع العصر هي دعوة محقة أم مجرد صراخ لكراهيتكم لعلماء السلف ولكتب التراث؟ إشكاليتكم المعاصرة مع علمائنا مع تاريخنا مع حضارتنا، وافتتان بالحضارة الغربية الزائفة. دعونا نرى بضاعتكم.

المهم، ثم بعد ذلك يبين ابن رجب بإنصاف مسألة، انظروا إنصاف هذا الرجل، يبين مسألة وهي: هل يمكن أن يبلغ أحد درجة الاجتهاد فيخالف الأئمة المتبوعين؟ هل يمكن هذا في وجهة نظر ابن رجب؟ لأن بعض المتعصبين للمذاهب في الحقيقة -إخواني حتى أكون منصفاً- يقولون: لا يمكن لأحد أن يصل إلى درجة اجتهاد بعض الأئمة المتبوعين الأربعة. وهذا الكلام ليس بصحيح، وهذا الإطلاق ليس بسديد.

نعم، الوصول إلى الاجتهاد أمر صعب وهذا حق، لكن إغلاق هذه المرتبة تماماً هذا ليس بصحيح. فابن رجب الحنبلي ماذا يقول في الإجابة عن هذا السؤال، هل يمكن أن يبلغ أحد درجة الاجتهاد فيخالف الأئمة المتبوعين بناء على ذلك؟

قال رحمة الله عليه: ومع هذا -يعني مع أن الله عز وجل وطّن لهذه الأمة هذه المذاهب الأربعة وسار عليها العلماء وحققوها ونقحوها- قال: ومع هذا فلم يزل يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد، ما زال يظهر من يدعي بلوغ درجة الاجتهاد ويتكلم في العلم من غير تقليد لأحد من هؤلاء الأئمة، ما زال يظهر.

جميل، طيب هل هذا خطأ كامل يا ابن رجب؟ انظروا ماذا قال: قال: منهم من يسوغ له ذلك لظهور صدق ما ادعاه. إذاً قد يصل الإنسان إلى مرتبة الاجتهاد في عصور متأخرة عن أصول الأئمة الأربعة؟ نعم، وهذا نصيب ابن رجب، يقول: فمنهم من يسوغ له ذلك لظهور صدق ما ادعاه؛ شهد علماء العصر لهذا الرجل بأنه مجتهد بلغ درجة عليا في الاجتهاد، ويستطيع أن يستقل بنفسه في وضع القواعد وأن يستدل عليها وأن يفرع عليها كما فعل العلماء الأوائل. شهد له علماء العصر الكبار المُمكنة العلمية، شهد له خصومه قبل أن يشهد له أحباؤه.

فإذاً هناك من وصل إلى مرتبة الاجتهاد، ويُسوغ له بالتالي أن يجتهد وأن يخرج عن المذاهب الأربعة ما دام بهذه الصفة. طيب، قال: ومنهم من رد عليه قوله وكذّب في دعواه أنه وصل لمرتبة الاجتهاد.

وأما سائر الناس -الآن ابن رجب سيعطيك الواقع- قال: وأما سائر الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة فلا يسعه إلا تقليد أولئك الأئمة والدخول فيما دخل فيه سائرهم. فابن رجب يقول: إذاً ما زال يظهر من يدعي الاجتهاد، فمنهم صادق مصدق يحق له أن يجتهد ولو خالف الأئمة الأربعة، ومنهم كاذب في دعواه ولم يصل إلى مرتبة الاجتهاد. وأما سائر الناس فواجبهم ويلزمهم الدخول في سلك المذاهب الأربعة حتى يضبط الأمر وتضبط الفتوى في دين الله.

ثم يطرح ابن رجب سؤالاً مهمّاً آخر فيقول -يعني هو هنا يعني هو هذا أسلوب جميل اتبعه ابن رجب في هذه الرسالة، أنهم يطرحون استشكالاً ثم يجيبون عليه- فيقول ابن رجب: فإن قيل: كيف يحصر الناس في أقوال علماء معينين، ويُمنع من الاجتهاد أو من تقليد غير هؤلاء، أما أرباب المذاهب الأربعة كيف يكون ذلك؟ كيف يحصر الناس؟ كيف تحصروننا في أقوال أئمة أربعة؟ ألا يمكن أن يكونوا جميعاً على خطأ في هذه المسألة؟ كيف يحصر الناس في أقوال وعلماء معينين ويُمنعوا من الاجتهاد أو من تقليد غير أولئك من أئمة الدين؟ لماذا لا نقلد غير الأربعة؟ لماذا لا نقلد سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد؟ لماذا تحصروننا في الأربعة؟

فأجيبوا الآن، ابن رجب سيجيب، يقول: كما جمع الصحابة الناس -لاحظوا القياس الذي سيقوم به ابن رجب هنا في الإجابة عن هذا السؤال- يقول: كما جمع الصحابة الناس على حرف واحد من حروف القرآن ومنعوا الناس من القراءة بغيره في سائر البلدان، لما رأوا أن المصلحة لا تتم إلا لذلك، وأن الناس إذا تركوا يقرؤون على حروف شتى وقعوا في أعظم المهالك. فكذلك -الآن سيقيس مسائل الاحكام وفتاوى الحلال والحرام- لو لم تضبطوا الناس فيها بأقوال أئمة معدودين لأدى ذلك إلى فساد الدين، وأن يُعدّ كل أحمق متكلف طلباً للرئاسة لنفسه من زمرة المجتهدين، وأن يبتدع مقالة ينسبها إلى بعض من سلف من المتقدمين، فربما كان بتحريف يحرفه عليهم إلى آخر ما ذكره.

ماذا يريد ابن رجب أن يقول هنا؟ يريد أن يقيس قضية جمع الناس على المذاهب الأربعة -مع أنه نعم يوجد غير الأئمة الأربعة، يوجد سفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد، يوجد أئمة كبار كانوا مقارنين لأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، يوجد ولهم فتاوى ولهم آراء- لكن لماذا نحن وجهنا الناس إلى هؤلاء الأئمة الأربعة فقط ولم نوجههم إلى تلك المذاهب الأخرى التي تسمى المذاهب المندرسة؟

ابن رجب يجيب عن هذا السؤال فيقول: الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ألم يجمعوا الناس في قراءة القرآن على حرف واحد كما حدث في زمن عثمان حينما جمع الناس على حرف واحد ومنع القراءة بالحروف الأخرى؟ لماذا؟ هل لأن الحروف الأخرى غير صحيحة؟ حاشا وكلا، فهي بالعكس نزل بها القرآن، وأذن النبي صلى الله عليه وسلم للناس أن يقرؤوا بها لاختلاف اللهجات عند القبائل العربية. لكن لما اتسعت رقعة الدولة المسلمة واختلط العرب بالعجم وظهر اللحن، خشي الصحابة وعلماء الصحابة على أن يضيع القرآن وأن يكثر فيه التحريف واللغط، فكان من الاجتهاد المصلحي الذي فعلوه واتفقت كلمتهم عليه أن جمعوا الناس على حرف واحد من الحروف السبعة على ما هو مشهور عند أهل العلم، وجمعوا المصاحف على هذا الحرف وأحرقوا المصاحف الأخرى.

طيب، كيف جاز للصحابة أن يفعلوا ذلك مع أن الأحرف الأخرى واللهجات الأخرى لهجات أذن النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة بها؟ إنما فعلوا ذلك نظراً لمصلحة حفظ الدين، نظراً لمصلحة حفظ الدين؛ فالصحابة كانوا مدركين لقواعد المصالح والمفاسد، ومدركين لأهمية حفظ الدين من الخلل والزلل والخطل، وأن عليهم أن يحرسوا هذه الشريعة وأن يحفظوا هذا الكتاب، فاداهم هذا الاجتهاد إلى منع الناس من الأحرف الأخرى والاقتصار على حرف واحد حرصاً على تحقيق هذه المصلحة.

فيقول ابن رجب: وكذلك الحال في دعوانا الناس أن يجتمعوا على المذاهب المتبوعة. يقول: نعم، هناك أقوال أخرى غير أقوال المذاهب الأربعة، لكن هذه المذاهب الأربعة -كما سيأتي معنا أيضاً نص آخر لابن رجب- حررت هذه المذاهب، ضبطت، أحكمت، بينت بالتفاصيل، اتبعها العلماء ومروا عليها منقحين ومحررين لفتواها، فأصبح جمع الناس عليها مصلحة لحفظ نظام الدين. أصبح جمع الناس على هذه المذاهب ليس لأننا متعبدون بها ابتداء، فالله سبحانه وتعالى لم ينص على أنه تعبدنا برأي أبي حنيفة أو فتوى مالك أو الشافعي أو أحمد، لكن المصلحة الشرعية هي التي دفعت العلماء في العصور المتأخرة إلى حث الناس على الالتزام بهذه المذاهب، وذلك حماية لهذا الدين حتى لا يتجاسروا عليه أو على الفتيا فيه من ليس بأهله.

فالقضية إذاً هي قضية مصلحية -ضعوا كلمة تحت كلمة مصلحية خطاً أو ضعوا عليها دائرة- القضية قضية مصلحية وليست قضية أننا متعبدون ابتداء بأقوال هؤلاء الأربعة دون غيرهم. المصلحة الشرعية هي التي دفعتنا وألجأت إلى اعتماد هذه المذاهب دون غيرها. إذاً هذه وجهة نظر ابن رجب رحمة الله عليه ووجهة نظر العلماء المحققين، وسآتي لكم بأقوال غير أقوال ابن رجب بعد قليل.

ثم قال: وربما كانت تلك.. ثم قال إذاً سأقفز على هذا، يقول ابن رجب: فلا تقتضي المصلحة.. هكذا يختم في هذه الفقرة، يقول: فلا تقتضي المصلحة غير ما قدره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين. إذاً لاحظوا ابن رجب بنى دعواه لاتباع المذاهب الأربعة على قضية المصلحة.

ثم طرح ابن رجب استشكالاً على هذا الجواب، يعني الآن نحن أجيبنا بأن القضية قضية مصلحية، نقيس جمع الناس على المذاهب الأربعة على قضية جمع الصحابة الناس على حرف واحد من الحروف السبعة. الآن هناك استشكال على هذا الجواب، وهو أن اجتماع الصحابة على قراءة واحدة مقبول، ليه؟ لأنه مجزوم فيه بصحة هذه القراءة التي اجتمع عليها -الآن مش الصحابة اجتمعوا على حرف واحد؟- الآن كلنا نتفق على أن هذا الحرف الذي اجتمع على القراءة به هو صحيح قطعا، لا نقاش في ذلك؛ لأن الخلاف أصلاً بين اللهجات والقراءات القرآنية هي هو خلاف تنوع وليس اختلاف تضاد.

جيد، أما الفقهاء الأربعة فقد يكون الحق خارجاً عن أقوالهم، أليس هذا فرق بين هذه القضية وهذه القضية؟ وهذه من قوادح القياس أن يكون هناك فرق بين الأصل وبين الفرع؛ أن في الأصل اجتماع الصحابة على حرف واحد، هذا الحرف الذي اجتمع عليه مجزوم قطعا بصحته لا نقاش في ذلك، وأما أقوال الأئمة الأربعة فقد يكون الحق ها.. فقد يكون الحق خارجاً عن أقوالهم وعن مدارسهم. هذا استشكال طُرح، فكيف نجيب عنه؟

فأجاب ابن رجب فقال: هذا قد منعه طائفة من العلماء. ايش يعني؟ يقول: هناك طائفة من العلماء منعوا خروج الحق عن المذاهب الأربعة. هذا قاله بعض أهل العلم، نعم حقيقة قال بعض أهل العلم إن الحق لا يخرج عن المذاهب الأربعة. هل هذا كلام صحيح أو ليس بصحيح؟ هذه مسألة أخرى تحتاج إلى تحري.

لكن يعني من باب الاستعجال، القضية في الحقيقة حتى أكون متوسطاً في الطرح، يندر أن يخرج الحق عن المسائل عن المذاهب الأربعة؛ لأن المذاهب الأربعة إخواني -بما فيها من أقوال وروايات وأوجه للأصحاب- هي في العادة تشمل أوجه الأقوال التي يمكن أن تققال في المسألة، فإن يخرج الحق في المسألة الشرعية عن كل المذاهب الأربعة بما فيها من أقوال وروايات ووجوه هذا نادر جداً، لكنه يمكن، لكنه يمكن، يمكن أن يخرج؟ يمكن، لكن هل هذا كثير؟ لا، هذا نادر جداً.

هذه هي الإجابة التي أراها أنها إجابة تجمع بين أقوال الجميع وتوصلنا إلى حل وسط، لأن الذين يتعصبون للمذاهب جداً يقولون: لا يمكن أبداً أبداً أن يخرج، والطائفة المقابلة التي ترى عدم التمذهب ترى أن كثير من الحق خرج عن المذاهب الأربعة. والصواب والله أعلم.

إن ما فات المذاهب الأربعة من الحق نادر جداً، لكن يمكن أن يفوتهم شيء ونزر يسير، ويكون في فروع الفروع وليس في أصول المسائل الفقهية، والله تعالى أعلم.

المهم يقول ابن رجب: فهذا ابتداء قد منعه طائفة من العلماء؛ طائفة من العلماء منعوا أن يخرج الحق عن المذاهب الأربعة، وقالوا إن الله لم يكن ليجمع هذه الأمة على ضلالة. لكن نفس هذا الدليل قد يعني يمنع ويرد عليه، قال: وعلى تقدير تسليمه.

يقول ابن رجب: وأنا الآن سأسمح أن الحق قد يخرج في بعض الأحيان عن المذاهب الأربعة، قد أسلم. وعلى تقدير تسليمه، فهذا إنما يقع نادراً. وهذا اتفاق في مع ابن رجب: هذا إنما يقع نادراً، هذه واحدة، ولا يطلع عليه إلا مجتهد وصل إلى أكثر مما وصلوا إليه.

وهذا أيضاً مفقود أو نادر. ودعونا على كلمة نادر: يعني من الذي يقول إن الحق في هذه المسألة خرج عن كل المذاهب الأربعة؟ من الذي يحق له أن يقول هذه الدعوة؟ عالم مجتهد، متبحر، متوسع، متفنن؛ يعني ليس أي شخص يستطيع أن يقول هذه الدعوة، دعوة كبيرة أن تزعم أن الحق خرج عن المذاهب الأربع جميعها، بما فيها من أقوال وروايات ووجوه، دعوة عريضة جداً.

فالذي يقول ذلك لا يكون إلا مجتهدا مبرزاً عالياً جداً جداً في مراتب الاجتهاد، وبهذه الصورة يضبط الباب. فليس أي عالم، لا، العالم المجتهد الذي وصل إلى درجة الاجتهاد العالي جداً هو الذي يستطيع أن يدعي خروج الحق في مسائل معينة محدودة عن المذاهب، والله تعالى أعلم.

جيد، قال: وبهذا يتضح لنا ما الذي دفعه العلماء؟ هذا طبعا كلامي وليس كلام ابن رجب. وبهذا يتضح لنا ما الذي دفع العلماء المحققين الكبار مع قوة علمهم ومع تفوقهم؟ يعني البعض يقول: لماذا يا شيخ نجد علماء كبار محققين ومع ذلك ينتسبون إلى مذاهب فقهية؟ بل نحن نظن أن هؤلاء العلماء الكبار قد وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، بل بعضهم قد يستطيع وضع الاستنباط بنفسه وأن يفرع عليها.

فلماذا هؤلاء العلماء الكبار، هؤلاء العلماء المحققون نجد هم ينتسبون إلى مذاهب الشافعي أو مالك أو أحمد ولا يستقلون بأنفسهم؟ لماذا فعلوا ذلك أيضاً نظراً في مصلحة هذه الأمة؟ والله من أجل مصلحة هذه الأمة رضي كثير من العلماء المجتهدين لأنفسهم أن ينتسبوا وأن يدرجوا فتواهم تحت فتاوى المذاهب المتبوعة الأربعة، تمام؟

لكنهم لأنهم يعلمون من أنفسهم أنهم وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد يسمحون لأنفسهم أن يخرجوا عن المذهب الذي انتسبوا إليه لمذهب آخر في بعض المسائل، لأنهم يرون الحق في هذه المسائل في المذهب المخالف لهم. فقد يكون إماماً منتسباً للمالكية، لكنه مجتهد يستطيع أن يستقل بنفسه، لكن من أجل المحافظة على مصلحة الأمة ومصلحة التوحد وحفظ الدين على هذه المذاهب الأربع، قال: أنا تحت المالكية ومتى رأيت الحق في بعض المسائل يخرج عن المذهب المالكي اتبعه، حتى لو كان عند أحمد أو الشافعي أو عند أبي حنيفة، وهكذا كان يفعل العلماء الكبار رضوان الله تعالى عليهم.

إذاً، وبهذا يتضح لنا ما الذي دفع العلماء المحققين الكبار مع قوة علمهم ومع تفوقهم في الملكة العلمية، لماذا قبلوا لأنفسهم الانتساب للمذاهب الفقهية المشهورة ولم ينشئوا مذاهب لأنفسهم؟ وهو ما الهدف تحقيقه؟ وهو تحقيق هذه المصلحة العظمى؛ وهي ضبط الفتوى والأحكام في مسائل الحلال والحرام في زمن قل فيه الورع، وكثر فيه المتجاسرون، مع قلة وندرة أصلاً خروج الحق عن هذه المذاهب الفقهية، تمام؟

إذا عرفنا لماذا العلماء الكبار المجتهدون المتأخرون لم ينشئوا مذاهب فقهية لأنفسهم، وتبعوا المذاهب الأربعة حفظاً لمصلحة الدين. انظروا الآن هذه الفتوى للإمام المازري، يقول الإمام المازري: الإمام المازري إمام محقق كبير من أئمة السادة المالكية رحمة الله عليه. انظروا ماذا يقول، وانظروا كيف ينظر إلى مصلحة الأمة من بعيد: يقول المازري، وهو من منتسبي ومحققي المذهب المالكي: ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه.

يقول: أنا أي المازري، لا أحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه. قال انظروا العلل والأحكام لماذا؟ والحكم عفواً؟ يقول لأن الورع قل، هذا هو الهدف في التزام التمذهب؛ لأن الورع قل بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات قل، الورع على الديانة وكثرت الشهوات وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى. فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب لاتسع الخرق على الراقع، ولهتكوا حجاب هيبة المذهب، وهذا من المفسدات التي لا خفاء بها.

فالقضية إذاً في وجهة نظر العلماء قضية تجاسر الناس على الفتيا، تبايع الناس على الخوض في دين الله من دون أحكام، فكان الأمر دعا العلماء إلى أن يعلنوا حالة الطوارئ كما يقولون، ودعونا نتمسك بمذاهب أربعة ونجتمع عليها، فإن الحق قل أن يندر أو قل أن يخرج الحق عنها، وفي هذه المذاهب صمامات أمان لهذه الأمة.

تمام، الإمام الشاطبي في الموافقات يعلق على كلام المازري السابق، فيقول: انظر ماذا يقول الشاطبي معلقاً على كلام المازري؟ يقول: فانظر كيف لم يستجز وهو المتفق على امامته -الإمام المازري اتفق العلماء على إمامته- يقول: انظر كيف لم يستجز الفتوى بغير مشهور المذهب؟ لم يسمح لنفسه أن يفتي بغير مشهور المالكية ولا بغير ما يعرف منه بناء.

طيب، على ماذا بنى المازري هذا التوجه؟ يقول الشاطبي: بناءً على قاعدة مصلحية ضرورية، وهي إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى، فلو فتح لهم هذا الباب باب الخروج عن المذاهب لانحلت عرى المذاهب، بل جميع المذاهب، لأن ما وجب للشيء وجب لمثله.

إذاً، الشاطبي يؤكد أن قضية التمذهب قضية مصلحية ضرورية، لم يجعلها حاجية ولا تحسينية، بل ضرورية لحفظ الدين. ونلاحظ هنا إذاً اتفاق وجهة نظر الإمام ابن رجب الحنبلي مع وجهة نظر الشاطبي مع وجهة نظر الإمام المازري على أهمية التمذهب وتعليل قضية اتباع المذاهب التزامها بتحقيق مصلحة الأمة الضرورية.

إذاً، لهذا ندعو أحبائنا للتمذهب، ليس لأن الله ابتداء تعبدنا بأقوال معينة، بل لأن مصلحة الأمة الآن اصبحت فعلاً تتحقق في ضمن هذه المذاهب، ولأننا لما تركنا تعليم الطلبة الفقه على أسس المذاهب الفقهية انتشرت عندنا الفتاوى الفوضوية، وتصدر كثير من الناس للفتيا وهم لم يقطعوا مشواراً طويلاً عريضا في العلم وأتقانه وضبطه.

فمن أجل هذا كله دعا العلماء إلى التمسك بهذه المسالك الفقهية المنضبطة. نعود لابن رجب الحنبلي وهو يطرح استشكالاً آخر ويقول: إن قيل لنا فما تقولون في نهي الإمام أحمد وغيره من الأئمة عن تقليدهم وعن كتابة كلامهم؟ وردت كثير من النصوص عن أحمد وعن غيره من الأئمة ينهى فيها عن تقليده وينهى عن كتابة كلامه، ويقول الإمام أحمد بن حنبل: لا تكتبوا كلامي ولا كلام فلان وفلان، وتعلموا كما تعلمنا، وهذا كثير موجود في كلامهم.

ألا يعارض هذا دعواكم لتقليد الإمام أحمد، وهو نفس الإمام أحمد يقول لا؟ أليس هذا تعارضا؟ فكيف يكون الجواب؟

يقول ابن رجب في الإجابة: لا ريب أن الإمام أحمد كان ينهى عن آراء الفقهاء والاشتغال بها حفظاً وكتابة، وكان يأمر بالاشتغال بالكتاب والسنة حفظاً وفهماً وكتابة ودراسة، وبكتابة آثار الصحابة والتابعين كلام من بعدهم. هذا فعلاً شيء ثابت عن الإمام أحمد وعن غيره، كانوا يحثون الناس في أعصارهم المتقدمة على الاهتمام بالآثار النبوية وبأقوال الصحابة وحفظ السنة وحفظ القرآن وتفهم القرآن والإقبال عليها وعدم الانشغال بأقوال الفقهاء. هذا كان منهج الإمام أحمد في عصره المتقدم.

طيب، قال: ولا ريب، ثم يقول ابن رجب معلقاً: ولا ريب أن هذا مما يتعين الاهتمام به والاشتغال بتعلمه أولاً قبل غيره. نحن نتفق أنه حتى الذي سينتسب إلى مذهب من المذاهب عليه أن يهتم بالقرآن وبالسنة وبمعرفة الصحيح والضعيف ومعرفة تعليل الأحكام وتتبع آثار الصحابة. فحتى لو دعونا الناس إلى التمذهب أيضاً يجب علينا أن نهتم بالكتاب والسنة في المرتبة الأولى.

قال: فمن عرف ذلك وبلغ النهاية من معرفته كما أشار إليه الإمام أحمد، فقد صار علمه قريبا من علم أحمد، فهذا فلا حجر عليه ولا يتوجه الكلام فيه.

إيش يقول ابن رجب؟ يقول: نعم، كلام الإمام أحمد بن حنبل صحيح، وهو أهمية الانكباب على الكتاب والسنة وآثار الصحابة وحفظ السنة ومعرفة الصحيح من السقيم إلى آخره. هذا كلام صحيح، ونحن ندعو جميع طلبة العلم للانشغال بالسنة دراسة وتحريراً وتنقيحاً ومعرفة الصحيح من السقيم والرجال والتعديل والتجريح إلى غير ذلك، ومعرفة اصول الاستنباط وأقوال الصحابة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا كله حق وندعو الناس إليه.

لكن يقول ابن رجب الآن: من عرف من الكتاب والسنة ومن الصحيح والضعيف ومن الناسخ والمنسوخ ومن مواطن الإجماع والخلاف ومن آثار الصحابة، من عرف من ذلك مستوى معرفة أحمد بن حنبل أو قريب من مستوى أحمد بن حنبل، فهذا نحن لا نتكلم عنه، فهذا هو المجتهد الذي نفتح له باباً ونقول له: توكل على الله، وأسس القواعد ودلل عليها واستنبط الفروع بنفسك.

يقول ابن رجب: كلامي ليس عن هذا النوع الذي استطاع أن يطبق وصية أحمد بن حنبل. من اخذ وصية أحمد بن حنبل وطبقها ووصل إلى مرتبة قريبة، ما بدنا نقول مرتبة أحمد بن حنبل، من وصل إلى نصف أحمد بن حنبل، ثلاثة أرباع أحمد بن حنبل، فهذا الكلام ليس فيه هذا، يجتهد وباب الاجتهاد أمامه مفتوح.

طيب، كلامك في من يا ابن رجب؟ قال: وإنما الكلام نحن بنتكلم عن من يا جماعة؟ قال: إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية وهذه المرتبة، ولا ارتقى إلى هذه النهاية، ولا فهم من هذه الآثار إلا النزر اليسير، كما هو حال أهل هذا الزمان، بل هو حال أكثر الناس منذ أزمان. يعني ابن رجب يقول: حال أكثر الناس منذ أزمان قبل زمني أن معرفتهم بالأحاديث والآثار ليست في مرتبة معرفة أحمد بن حنبل ولا معرفة الشافعي ومالك بها. فماذا تقولون؟ وعن ماذا وعن من تتكلمون؟ هذا ما يريد أن يقوله ابن رجب.

فما بالكم لو جاء ابن رجب في أيامنا هذه ورأى من يتخرجون من الدراسات العليا في الجامعات في علوم الشريعة، وهو لا يحفظ مستوى الأحكام وربما بلوغ المرام هذا من أفاضلهم ومن أحاسنهم في العلم، ماذا سيقول له ابن رجب؟ ثم هو هذا يتصدر على الإذاعات للفتوى، ويخالف الأئمة، ويخالف المذاهب المتبوعة، وإذا سألته ما هي القاعدة التي اتبعتها في إصدار الفتيا يتلكأ ولا يعرف أن يبين المنهج والمسلك الذي يسير عليه؟

أليس هذا عيباً؟ أليس هذا هو الضياع والتشتت والفوضى التي تعانيها الأمة؟ وما أزهقت الأرواح، وما كثرت وما اختلف الناس، وما اضطربت الأقوال والآراء إلا لما ظهرت هذه النوعيات وطفت على ساحة الفتيا في دين الله للاسف.

فيقول: إنما الكلام في منع من لم يبلغ هذه الغاية ولم يرتق إلى هذه النهاية، ولا فهم من هذا إلا النزر اليسير، كما هو حال أهل هذا الزمان وحال أكثر الناس منذ أزمان، مع دعوى كثير منهم الوصول، ها لاحظ، يقول: مع دعوى كثير منهم الوصول إلى الغايات والانتهاء إلى النهايات، وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات. يقول: كثير من أهل زماننا يدعي أنه وصل النهايات وأنه الإمام الذي لا يشق له غبار، قال: وأكثرهم لم يرتقوا عن درجة البدايات.

إذاً، المحققون من العلماء أحبتي لم يقولوا إن التعبد بالمذاهب الفقهية الأربعة مقصود لذاته، لم يقولوا هذا، بل هو مقصود لغيره، لأنه ذريعة ووسيلة لحفظ الدين، من أجل هذا ندعو للتمذهب. ولم يغلقوا باب الاجتهاد كلياً، ابن رجب ما أغلق باب الاجتهاد وقال لا يمكن أن يوجد مجتهد، هو لم يقل هذا، لم يغلقوا باب الاجتهاد كلياً، بل قالوا من بلغ مرتبة الأئمة السابقين في الاجتهاد فله أن يجتهد بقواعده.

لكنهم العلماء المحققون متفقون على أن الوصول إلى مرتبة الاجتهاد العالي لدرجة تسامي وتقارب درجة الأولين هذا أمر قل أن يجود الزمان بمثله، جميل.

فالتمذهب إذاً أحبائي باختصار هو مرحلة تعليمية، يبقى فيها طالب العلم ويبقى فيها العالم الذي لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد حتى يبلغ درجة الاجتهاد، فإذا بلغ درجة الاجتهاد فنقول له: انطلق قواك الله، وإن كان التزامك بالمذاهب الفقهية من أجل تحقيق مصلحة حفظ الدين هو الأولى بك.

اجتهد، ما عندنا مشكلة، لكن اجتهد ضمن دائرة المذهب الذي تنتمي إليه. ولذلك كثير من اتباع الأئمة مثل أتباع أبي حنيفة أبي يوسف ومحمد بن الحسن كانوا يتبعون قواعد أبي حنيفة، لكنهم يخالفونه أحياناً في الفتيا، لأنهم يرون في أنفسهم أنهم وصلوا درجة الاجتهاد، فهم لا يقلدون أبا حنيفة في كل شيء تقليداً أعمى حاشاهم، وإنما هم وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، لكنهم اندرجوا تحت قواعد أبي حنيفة، يجتهدون وينظرون من خلالها في المسائل الشرعية.

وهذا ما ندعو إليه كثيراً من المجتهدين اليوم، وهو أن يندرج المجتهد إن وجد، يعني المجتهد أن يندرج هذا المجتهد تحت مذهب من المذاهب حتى يحث الناس على تحقيق هذه المصلحة، لكنه حينما ينظر إذا رأى قولا معينا هو الأصح ويخالف المذهب الذي ينتسب إليه، فعليه أن يتبع هذا القول المعين الذي رآه راجحاً.

فكلامنا إذاً ليس في من وصل إلى مرتبة الاجتهاد، فأعيدوا النص. أقول: التمذهب مرحلة تعليمية يبقى فيها طالب العلم والعالم حتى يصل إلى درجة الاجتهاد، فإذا بلغ درجة الاجتهاد فلينطلق، والأمر ليس مقيداً عليه.

ولكن إذا لم يصل طالب العلم ولا العالم إلى درجة الاجتهاد فعليه أن يبقى ملتزماً بمذهب معين ينتسب إليه وتدور فتواه عليه ولا يتجاوز هذه المرحلة إلى غيرها. فإن في هذا الاتباع من أهل الفتوى ومن طلبة العلم وهذا الانتساب وهذا الاتباع فيه حماية لجناب الشريعة وفيه صيانة لها من أيدي العابثين، وبتعلم المذاهب وضبطها ينكشف المتقن لمسالك الفقهاء والمنشغل بتحرير كلام العلماء ومن لم يتعب نفسه في طلب العلم ومن أخذ الحكم بالأهواء، وتظهر الفتوى المحررة الدقيقة من الفتوى التائهة الحائرة.

فإن قال معترض: هل أطلنا عليكم اليوم؟ طب أنا لن أطيل عليكم أكثر من ذلك، غداً إن شاء الله أنهي الكلام في قضية التمذهب، وبإذن الله ندخل في المقدمة الرابعة التي تتكلم عن دليل الطالب.

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا بما سمعنا، وأن يرزقنا علماً نافعاً يوصلنا إليه، وأن يهدينا دائماً إلى الحق في المسائل التي يكثر فيها النقاش وتختلف فيها الآراء، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.