دخولتسجيل الدخول

الدرس 3 - مقدمات

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْدَ الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى المَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَمَحَجَّةً لِلسَّالِكِينَ، نَبِينَا وَحَبِيبِنَا وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مُبَارَكًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

حَيَاكُمُ اللَّهُ أَحْبَتِي إِلَى هَذَا المَجْلِسِ الثَّالِثِ فِي هَذِهِ الدَّوْرَةِ المُبَارَكَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فِي شَرْحِ كِتَابِ دَلِيلِ المَطَالِبِ، وَمَا زِلْنَا فِي المُقَدِّمَاتِ، وَاليَوْمَ بِإِذْنِ اللَّهِ نَخْتِمُ هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ وَنَشْرَعُ فِي المُحَاضَرَةِ القَادِمَةِ إِنْ كَانَ فِي العُمْرِ بَقِيَّةٌ بِشَرْحِ هَذَا الكِتَابِ.

وَصَلْنَا إِخْوَانِي فِي هَذِهِ المُقَدِّمَاتِ إِلَى بَعْضِ المَسَائِلِ التِي تَتَعَلَّقُ بِالتَّمَذْهُبِ، وَفِي المُحَاضَرَةِ السَّابِقَةِ تَكَلَّمْنَا عَنْ تَعْرِيفِ المَذْهَبِ وَتَعْرِيفِ التَّمَذْهُبِ، وَتَكَلَّمْنَا عَنْ أَهَمِّيَّةِ التَّمَذْهُبِ لِطَالِبِ العِلْمِ وَلِلْعَالِمِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَى مَرْتَبَةِ الِاجْتِهَادِ، وَأَنَّ دَعْوَةَ الأَئِمَّةِ لِالْتِزَامِ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ إِنَّمَا هُوَ نَظَرٌ لِمَصْلَحَةِ الأُمَّةِ وَحِفْظًا لِجَنَابِ الدِّينِ لَمَّا قَلَّ الوَرَعُ وَقَلَّتِ الدِّيَانَةُ وَتَصَدَّرَ لِلْفُتْيَا مَنْ لَيْسَ هُوَ بِأَهْلٍ.

وَاليَوْمَ بِإِذْنِ اللَّهِ سَنَتَكَلَّمُ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ التِي بَقِيَتْ فِي قَضِيَّةِ المَذْهَبِيَّةِ وَالتَّمَذْهُبِ، وَبَعْضِ الإِشْكَالاتِ التِي تَطْرَأُ عِنْدَ طَلَبَةِ العِلْمِ، ثُمَّ بَعْدُ نَنْتَقِلُ لِلتَّعْرِيفِ بِكِتَابِ دَلِيلِ الطَّالِبِ، وَنُنَهِي مَجْلِسَنَا، وَالمُحَاضَرَةَ القَادِمَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا قُلْنَا نَشْرَعُ فِي الكِتَابِ.

وَصَلْنَا عِنْدَ اعْتِرَاضٍ فِي نِهَايَةِ المُحَاضَرَةِ السَّابِقَةِ، قَدْ يَقُولُهُ المُخَالِفُ لِلتَّمَذْهُبِ، فَيَقُولُ مُعْتَرِضٌ: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدْنَا بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَلَا بِقَوْلِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنَّمَا تَعَبَّدَنَا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَكَيْفَ أَنْتُمْ تَقُولُونَ بِلُزُومِ اتِّبَاعِ المَذَاهِبِ وَتَدْعُونَ طَلَبَةَ العِلْمِ أَلَّا يَخْرُجُوا عَنْهَا؟

هَذِهِ الشُّبْهَةُ أَوْ هَذَا الإِشْكَالُ يَطْرَحُهُ كَثِيرٌ مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ، وَيَجِدُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِنْ اتِّبَاعِ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِنَّمَا تَعَبَّدَنَا أَسَاسًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، لَمْ يَقُلْ إِلَى أَحْمَدَ وَلَا الشَّافِعِيِّ وَلَا إِلَى مَالِكٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنَ الأَئِمَّةِ المَتْبُوعِينَ، فَكَيْفَ نُجِيبُ إِخْوَانِي عَنْ هَذَا الِاسْتِشْكَالِ وَنُرِيحُ الطَّالِبَ؟

الجَوَابُ أَنْ نَقُولَ: لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ أَهْلِ العِلْمِ المُحَقِّقِينَ -اسْمَعُوا أَحْبَتِي- لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ أَهْلِ العِلْمِ المُحَقِّقِينَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَنَا ابْتِدَاءً بِقَوْلِ أَحْمَدَ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ مَالِكٍ أَوْ أَبِي حَنِيفَةَ، لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ، وَكُلُّهُمْ مُقِرُّونَ أَنَّنَا مُتَعَبَّدُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِسُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهَذَانِ هُمَا مَصْدَرَا التَّشْرِيعِ الأَسَاسِيَّانِ لِلأُمَّةِ، وَلَا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْهُمَا وَأَنْ يُهْجَرَ إِلَى غَيْرِهِمَا مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ، هَذَا أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

لَكِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ المَذَاهِبُ المَتْبُوعَةُ؛ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ هِيَ أَفْضَلُ الطُّرُقِ وَأَدَقُّهَا فِي فَهْمِ رِسَالَةِ الوَحْيِ، أَيْ فِي فَهْمِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفِي اسْتِنْبَاطِ Aالأَحْكَامِ مِنْهَا، وَفِي فَهْمِ مُرَادِ اللَّهِ وَمَقْصِدِهِ، فَهَذِهِ المَذَاهِبُ هِيَ أَفْضَلُ الطُّرُقِ بِفَهْمِ رِسَالَةِ الوَحْيِ، وَفِي اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفِي فَهْمِ مُرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَدْ حَظِيَتْ أَحْبَتِي هَذِهِ المَذَاهِبُ بِتَنْقِيحِ مِئَاتِ العُلَمَاءِ بَلِ الآلَافِ، وَتَتَابَعَ عَلَى النَّظَرِ فِي أُصُولِهَا وَفِي فُرُوعِهَا الأَذْكِيَاءُ وَالنُّجَبَاءُ وَالمُحَقِّقُونَ، فَأَصْبَحَتْ طَرَائِقَ هِيَ أَدَقُّ الطَّرَائِقِ وَأَسْلَمُهَا مِنَ الخَطَلِ أَيْ مِنَ الخَطَأِ.

فَتَعْلِيقُ المُفْتِي إِذًا بِهَذِهِ المَذَاهِبِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جَانِبٍ مَصْلَحِيٍّ يُرَادُ مِنْهُ حِفْظُ الدِّينِ حَتَّى لَا تَنْتَشِرَ الفَوْضَى، فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْزَلَ القُرْآنَ بِالأَحْرُفِ السَّبْعِ، ثُمَّ جَمَعَهَا الصَّحَابَةُ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، فَكَذَلِكَ الفَتْوَى الأَصْلُ فِيهَا نَحْنُ نُقِرُّ اتِّبَاعَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَكِنْ لَمَّا ضَعُفَتِ المَلَكَاتُ عِنْدَ أَكْثَرِ الطَّلَبَةِ وَأَكْثَرِ المُشَارِكِينَ فِي العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، لَمَّا ضَعُفُوا عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِقْلَالِ فِي اسْتِنْبَاطِ القَوَاعِدِ المُحْكَمَةِ لِاسْتِخْرَاجِ الأَحْكَامِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَمَّا وَصَلَتِ الأُمَّةُ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ خَشِيَ العُلَمَاءُ مِنْ انْتِشَارِ الفَوْضَى، كَمَا أَنَّ الصَّحَابَةَ خَافُوا مِنْ انْتِشَارِ اللَّحْنِ فِي القُرْآنِ فَاتَّخَذُوا هَذَا القَرَارَ المَصْلَحِيَّ لِحِفْظِ القُرْآنِ.

كَذَلِكَ العُلَمَاءُ الكِبَارُ خَشِيَ العُلَمَاءُ مِنْ انْتِشَارِ الفَوْضَى بِسَبَبِ تَسَلُّقِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى الحَدِيثِ فِي دِينِ اللَّهِ فَأَمَرُوا بِالضَّبْطِ حِفْظًا لِهَذَا الدِّينِ وَمَنْعًا لِالتَّشَتُّتِ وَالحَيْرَةِ عَلَى عَوَامِّ المُسْلِمِينَ، جَيِّدٌ؟ إِذًا هَذِهِ هِيَ الفِكْرَةُ بِاخْتِصَارٍ حَتَّى لَا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِاتِّبَاعِ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ يَدْعُونَ إِلَى هَجْرِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، هَذَا كَلَامٌ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.

إِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ هَذَا بِالعُلَمَاءِ الكِبَارِ كَابْنِ رَجَبٍ وَغَيْرِهِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى التَّمَسُّكِ بِالمَذَاهِبِ فَإِنَّهُمْ نَظَرُوا نَظْرَةً مَصْلَحِيَّةً لِحِفْظِ الدِّينِ، وَقَدْ رَأَيْتُ تَوَاطُؤَ العُلَمَاءِ عَلَى هَذِهِ النَّظْرَةِ المَصْلَحِيَّةِ، وَسَنَذْكُرُ اليَوْمَ آثَارًا أَيْضًا لِعَدِيدٍ مِنَ العُلَمَاءِ يُوَجِّهُونَ لِاتِّبَاعِ المَذَاهِبِ، وَمِنْهُمْ عُلَمَاءُ الحَدِيثِ الكِبَارُ كَابْنِ الصَّلَاحِ وَغَيْرِهِ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ بِعُلَمَاءِ أُمَّتِي أَنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى هَجْرِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، هَذِهِ هِيَ الفِكْرَةُ فِي الإِجَابَةِ عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ.

وَهَاهُنَا مَسَائِلُ -الآنَ بَعْدَ أَنْ أَصَّلْنَا فِكْرَةَ التَّمَذْهُبِ وَالمَذْهَبِيَّةِ- هَاهُنَا مَسَائِلُ يَكْثُرُ السُّؤَالُ عَنْهَا مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ، أَسْرُدُ هَذِهِ المَسَائِلَ سَرِيعًا وَأَذْكُرُ مَا فِيهَا مِنَ الخِلَافِ بِاخْتِصَارٍ.

المَسْأَلَةُ الأُولَى: إِذَا لَزِمَ الإِنْسَانُ مَذْهَبًا وَاتَّبَعَهُ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ وَأَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ؟ أَنَا شَخْصٌ اتَّبَعْتُ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا فِي أُصُولِهِ وَفِي فُرُوعِهِ، هَذَا الأَصْلُ، هَلْ يَجُوزُ لِي يَا شَيْخُ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ أَنْ أَخْرُجَ عَنْ مَذْهَبِي وَأَنْ أَتَّبِعَ مَذْهَبًا آخَرَ؟

فِي الحَقِيقَةِ هَذَا السُّؤَالُ تَطَرَّقَ إِلَيْهِ العُلَمَاءُ مُنْذُ القِدَمِ وَاخْتَلَفُوا فِي إِجَابَتِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ هُنَاكَ قَوْلٌ أَوْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: لَا يَجُوزُ العُدُولُ عَنِ المَذْهَبِ بِحَالٍ، لَا يَجُوزُ العُدُولُ عَنِ المَذْهَبِ بِحَالٍ لِطَالِبِ العِلْمِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ، وَلِلْعَالِمِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إِلَى دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ.

فَقَالُوا: يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَّبِعَ المَذْهَبَ كُلِّيًّا، لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ المَذْهَبَ الَّذِي انْتَسَبَ إِلَيْهِ هُوَ الحَقُّ فَعَلَيْهِ الوَفَاءُ بِمُوجِبِ اعْتِقَادِهِ، لِأَنَّ هَذِي وِجْهَةُ نَظَرٍ، وَفِي الحَقِيقَةِ عَلَيْهَا العَدِيدُ مِنَ الِانْتِقَادَاتِ، وَلَسْتُ هُنَا فِي مَوْطِنِ بَسْطِ هَذِهِ الِانْتِقَادَاتِ، لِأَنَّ اخْتِيَارَ أَصْلِ المَذْهَبِ الفِقْهِيِّ الَّذِي يَدْرُجُ فِيهِ الطَّالِبُ أَحْيَانًا لَا يَكُونُ لِأَنَّ الطَّالِبَ يَعْتَقَدُ أَنَّ هَذَا المَذَهَبَ هُوَ الحَقُّ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ المَذَاهِبِ، لَا، أَحْيَانًا تَدْفَعُهُ حَاجَةٌ إِلَى أَنْ يَدْرُسَ هَذَا المَذْهَبَ دُونَ غَيْرِهِ، أَحْيَانًا لَا يَجِدُ شَيْخًا عَلَى مَذْهَبِ بَلَدِهِ فَيَدْرُسُ مَذْهَبًا آخَرَ لِبَلَدٍ آخَرَ، وَسَنَعْرِفُ اليَوْمَ أُسُسَ اخْتِيَارِ المَذْهَبِ.

فَقَضِيَّةُ أَنَّ اخْتِيَارَ المَذْهَبِ تَعْنِي أَنَّكَ تَعْتَقَدُ أَنَّهُ الصَّحِيحُ فِي أُصُولِهِ وَفِي فُرُوعِهِ، بِحَدِّ ذَاتِهَا المُقَدِّمَةُ قَدْ تُمْنَعُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ، الرَّأْيُ الآخَرُ وَهُوَ الأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ بِإِذْنِ اللَّهِ يَقُولُ: لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَّبِعَ مَذْهَبَهُ فِي كُلِّ الفُرُوعِ، لَكِنْ هُنَاكَ ضَوَابِطُ عِنْدَمَا تَخْرُجُ مِنْ مَذْهَبِكَ فِي المَسْأَلَةِ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ.

القَوْلُ الثَّانِي يَقُولُ: لَا يَلْزَمُهُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ مَتَى قَامَ لَهُ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ضَعْفِ مَذْهَبِهِ، أَوْ لَاحَتْ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا اقْتَضَتِ التَّحُوُّلَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ المُعَيَّنَةِ مِنْ مَذْهَبِهِ إِلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ هُوَ البَقَاءَ عَلَى المَذْهَبِ، فَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُحَافِظَ عَلَى الأَصْلِ، الأَصْلُ أَنْ تُحَافِظَ عَلَى المَسْلَكِ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، عَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَشَأْتَ عَلَيْهَا فِي طَلَبِ العِلْمِ، سَوَاءٌ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ الشَّافِعِيِّ أَوْ مَالِكٍ أَوْ أَحْمَدَ.

لَكِنْ يَجُوزُ العُدُولُ مَتَى ظَهَرَ دَلِيلٌ جَلِيٌّ وَاضِحٌ عَلَى ضَعْفِ مَذْهَبِكَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، أَوْ وَجَدْتَ مَصْلَحَةً مُعْتَبَرَةً تَقْتَضِي العُدُولَ عَنْ مَذْهَبِكَ فِي المَسْأَلَةِ إِلَى مَذْهَبِ غَيْرِكَ، أَمَّا الِانْتِقَالُ بِمُجَرَّدِ الهَوَى وَالتَّشَهِّي وَتَتَبُّعِ الرُّخَصِ فَهَهَذَا بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ، لَا يَجُوزُ أَنْ تَتْرُكَ مَذْهَبَكَ فِي المَسْأَلَةِ وَتَنْتَقِلَ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَتَبْدَأَ تَتَبَّعُ رُخَصَ المَذَاهِبِ، هَذَا خَطِيرٌ جِدًّا، وَاتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، أَمَّا الِانْتِقَالُ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالهَوَى فَهْوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَذَا هُوَ القَوْلُ الرَّاجِحُ الَّذِي نَصَرَهُ العُلَمَاءُ المُحَقِّقُونَ فِي مُخْتَلَفِ المَذَاهِبِ الفِقْهِيَّةِ.

القَوْلُ الرَّاجِحُ أَنَّ الأَصْلَ الِالْتِزَامُ بِالمَذْهَبِ لَكِنْ يَجُوزُ العُدُولُ فِي أَحْوَالٍ مُعَيَّنَةٍ، وَسَأَنْقُلُ لَكُمُ الآنَ كَلَامَ مَجْمُوعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ المَذَاهِبِ يَنُصُّونَ عَلَى هَذِهِ القَاعِدَةِ، يَقُولُ ابْنُ حَمْدَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ -وَهُوَ مِنْ مُتَوَسِّطِي السَّادَةِ الحَنَابِلَةِ، عَالِمٌ كَبِيرٌ- انْظُرُوا مَاذَا يَقُولُ: يَقُولُ مَنِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ أَوْ عُذْرٍ آخَرَ.

فَابْنُ حَمْدَانَ يُعْطِينَا الحَالَ الأَصْلِيَّةَ؛ الحَالَ الأَصْلِيَّةَ وُجُوبَ التِزَامِ المَذْهَبِ الَّذِي تَعَلَّمْتَ عَلَيْهِ وَنَشَأْتَ عَلَيْهِ يَا طَالِبَ العِلْمِ، ثُمَّ يُخْبِرُ أَنَّهُ يُنْكَرُ عَلَيْكَ مُغَادَرَةُ المَذْهَبِ فِي المَسْأَلَةِ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ المُغَادَرَةُ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ لِعَالِمٍ مُتْقِنٍ دَلَّكَ عَلَى التِزَامِ هَذِهِ المُغَادَرَةِ، أَوْ عُذْرٍ مِنْ مَصْلَحَةٍ مِنَ المَصَالِحِ المُعْتَبَرَةِ تَقْتَضِي هَذِهِ المُغَادَرَةِ أَيْضًا.

فَهَذَا النَّصُّ يُعْطِينَا الأَصْلَ وَيُعْطِينَا الِاسْتِثْنَاءَاتِ مِنِ ابْنِ حَمْدَانَ، وَقَدْ شَرَحَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، شَرَحَ عِبَارَةَ ابْنِ حَمْدَانَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا، فَقَالَ -وَهُوَ يَشْرَحُ هَذِهِ العِبَارَةَ-: مَنِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا ثُمَّ فَعَلَ خِلَافَ هَذَا المَذْهَبِ الَّذِي اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ لِعَالِمٍ آخَرَ أَفْتَاهُ، وَلَا اسْتِدْلَالٍ بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ، وَمِنْ غَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ يُبِيحُ لَهُ مَا فَعَلَهُ، فَإِنَّهُ -لَاحِظُوا كَلَامَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ- قَالَ: فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ، مَنْ تُغَادِرِ المَذْهَبَ مِنْ دُونِ سَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الأَسْبَابِ الثَّلَاثَةِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِهَوَاهُ وَعَامِلًا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلَا تَقْلِيدٍ فَاعِلًا لِلْمُحَرَّمِ بِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ، فَهَذَا مُنْكَرٌ، هَذَا مُنْكَرٌ يَقُولُ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.

إِذًا فِي هَذَا النَّصِّ يَنُصُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ تَبَعًا لِابْنِ حَمْدَانَ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّ الأَصْلَ اتِّبَاعُ المَذْهَبِ الَّذِي يَلْتَزِمُهُ العَالِمُ غَيْرُ المُجْتَهِدِ أَوْ يَلْتَزِمُهُ طَالِبُ العِلْمِ، لَكِنْ يَجُوزُ العُدُولُ عَنِ المَذْهَبِ فِي صُوَرٍ وَأَحْوَالٍ مُحَدَّدَةٍ، فِي صُوَرٍ وَأَحْوَالٍ مُحَدَّدَةٍ.

الصُّورَةُ الأُولَى: إِذَا اطَّلَعَ عَلَى ضَعْفِ دَلِيلِ مَذْهَبِي -أَنَا الآنَ أُعِيدُ الفِكْرَةَ التِي تَكَلَّمَ عَنْهَا ابْنُ حَمْدَانَ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ وَأُرَتِّبُهَا فِي نِقَاطٍ- الأَحْوَالُ التِي يَجُوزُ فِيهَا العُدُولُ عَنِ المَذْهَبِ:

الحَالَةُ الأُولَى: إِذَا اطَّلَعَ عَالِمٌ غَيْرُ المُجْتَهِدِ أَوْ طَالِبُ العِلْمِ المُتَمَكِّنُ -طَالِبُ العِلْمِ المُتَمَكِّنُ وَلَيْسَ المُبْتَدِئَ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنَ الضَّعِيفِ الِاسْتِدْلَالَ- لَاطَّلَعُوا عَلَى ضَعْفِ دَلِيلِ المَذْهَبِ وَمَأْخَذِهِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ الفِقْهِيَّةِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُمُ العُدُولُ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ، هَذِهِ الحَالَةُ الأُولَى.

الحَالَةُ الثَّانِيَةُ -وَهِيَ مَحَلُّ نِقَاشٍ فِي الحَقِيقَةِ- هِيَ أَنْ يُقَلِّدَ طَالِبُ العِلْمِ عَالِمًا آخَرَ فِي زَمَنِهِ أَفْتَاهُ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ ضَعِيفٌ وَأَنَّ المَذْهَبَ الأَقْوَى هُوَ مَذْهَبُ السَّادَةِ مَثَلًا الحَنَفِيَّةِ أَوْ الشَّافِعِيَّةِ أَوْ الحَنَابِلَةِ، فَهَذَا الطَّالِبُ الَّذِي يَسِيرُ مَثَلًا عَلَى طَرِيقَةِ المَالِكِيَّةِ يَثِقُ بِعَالِمٍ مُجْتَهِدٍ كَبِيرٍ، وَهَذَا العَالِمُ المُجْتَهِدُ الكَبِيرُ فِي عَصْرِهِ قَالَ لَهُ: إِنَّ مَذْهَبَكَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ ضَعِيفٌ وَالمَذْهَبُ الأَصْوَبُ إِمَّا هُوَ مَذْهَبُ الحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ أَوْ الحَنَابِلَةِ.

فَهَذَا الطَّالِبُ المَالِكِيُّ اتَّبَعَ قَوْلَ هَذَا المُجْتَهِدِ فِي عَصْرِهِ الَّذِي يَثِقُ فِيهِ وَتَرَكَ مَذْهَبَهُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ المُعَيَّنَةِ إِلَى المَذْهَبِ الآخَرِ، الآنَ طَبْعًا هَذِهِ الحَالَةُ أَيْضًا فِيهَا نِقَاشٌ، البَعْضُ يُجَوِّزُهَا فِي الحَقِيقَةِ يَعْنِي يَقُولُ: نَعَمْ اتَّبِعْ هَذَا المُجْتَهِدَ فِيمَا قَالَ لَكَ وَغَادِرْ مَذْهَبَكَ إِلَى ذَاكَ المَذْهَبِ الآخَرِ، وَالبَعْضُ يَقُولُ: لَا، حَتَّى لَوْ قَالَ لَكَ مُجْتَهِدٌ فِي عَصْرِهِ أَنَّ مَذْهَبَكَ ضَعِيفٌ تَلْتَزِمُ مَذْهَبَكَ، فَهُنَا يَعْنِي تَحْدُثُ نِقَاشَاتٌ بَيْنَ مَنْ يَتَمَسَّكُ وَيَتَشَبَّثُ بِالمَذْهَبِيَّةِ إِلَى آخِرِ دَرَجَةٍ، وَمَنْ يَفْتَحُ بَعْضَ المَجَالَاتِ مِنْ أَجْلِ الوُصُولِ إِلَى، وَهَذِهِ أَنْظَارُ العُلَمَاءِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.

إِذًا التَّقْلِيدُ لِعَالِمٍ آخَرَ أَنْ يُقَلِّدَ هَذَا الطَّالِبُ عَالِمًا يَعْنِي أَخْبَرَهُ أَوْ أَرْشَدَهُ إِلَى ضَعْفِ مَذْهَبِهِ فِي المَسْأَلَةِ.

الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: وُجُودُ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ يَقْتَضِي العُدُولَ عَنْ مَذْهَبِهِ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ، وَكَثِيرًا مَا تَقَعُ هَذِهِ الأَحْوَالُ الشَّرْعِيَّةُ أَوِ الأَعْدَادُ الشَّرْعِيَّةُ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ، فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ إِخْوَانِي مِنْ فِقْهِ العُلَمَاءِ أَنَّ مَذَاهِبَهُمُ الَّتِي يَتْبَعُونَهَا قَدْ تَكُونُ غَيْرَ مُنْسَجِمَةٍ مَعَ هَذِهِ النَّازِلَةِ، أَوْ يَصْعُبُ تَطْبِيقُ هَذَا المَذْهَبِ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ دَعُونَا نَقُولُ، فَيُجَوِّزُونَ الخُرُوجَ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ أَلْيَقَ بِهَذِهِ النَّازِلَةِ وَفِيهِ سَعَةٌ أَكْثَرُ عَلَى النَّاسِ لِلتَّعَامُلِ مَعَ هَذِهِ النَّازِلَةِ، وَقَدْ نَصَّ كَثِيرٌ مِنَ الأَئِمَّةِ -يَعْنِي الإِمَامُ يَحْيَى الزَّنَاتِيُّ مِنَ المَالِكِيَّةِ- نَصَّ عَلَى جَوَازِ مُغَادَرَةِ المَذْهَبِ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ.

وَقَدْ نَقَلَ هَذِهِ القَرَافِيُّ نَقْلًا قَالَ: قَالَ القَرَافِيُّ: قَالَ الإِمَامُ يَحْيَى الزَّنَاتِيُّ المَالِكِيُّ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ المَذَاهِبِ فِي النَّوَازِلِ، ثُمَّ ذَكَرَ ضَوَابِطَ وَشُرُوطًا مُتَعَدِّدَةً، فَإِذَا إِذَا وُجِدَ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ أَوْ نَازِلَةٌ مِنَ النَّوَازِلِ أَوْ وَقْتٌ ضَيِّقٌ وَشِدَّةٌ اقْتَضَى الخُرُوجَ عَنِ المَذْهَبِ فِي المَسْأَلَةِ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ، فَهَذَا أَيْضًا جَوَّزَهَا المُحَقِّقُونَ مِنَ العُلَمَاءِ.

إِذًا بِاخْتِصَارٍ إِخْوَانِي إِذَا وُجِدَ -يَعْنِي هَذِهِ هِيَ الفِكْرَةُ بِاخْتِصَارٍ- إِذَا وُجِدَ مُبَرِّرٌ مِنْ مُبَرِّرَاتِ الِانْتِقَالِ مِنَ المَذْهَبِ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهَذِهِ المُبَرِّرَاتُ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الفُقَهَاءِ، إِذَا وُجِدَ مُبَرِّرٌ يَجُوزُ لَكَ العُدُولُ، لِأَنَّهُ فِي النِّهَايَةِ كَمَا قُلْنَا اتِّبَاعُ المَذَاهِبِ إِنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةٍ؛ مَصْلَحَةِ حِفْظِ الدِّينِ، فَإِذَا كَانَ الِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبِكَ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَا يُفْضِي إِلَى ذَهَابِ هَذِهِ المَصْلَحَةِ وَلَا إِلَى إِهْدَارِهَا وَلَا إِلَى خَدْشِهَا، الأَمْرُ فِيهِ سَعَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ.

وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَعَصُّبُنَا لِلْمَذَاهِبِ أَوْ لَا يَنْبَغِي أَنْ نَصِلَ إِلَى دَرَجَةِ التَّعَصُّبِ لِلْمَذَاهِبِ بِحَيْثُ يَحْمِلُنَا هَذَا التَّعَصُّبُ عَلَى إِغْلَاقِ الأَبْوَابِ تَمَامًا وَإِيقَاعِ النَّاسِ فِي الحَرَجِ وَالشِّدَّةِ وَالضِّيقِ، فَإِنَّ المَذْهَبِيَّةَ هِيَ وَسِيلَةٌ؛ وَسِيلَةٌ لِحِفْظِ الدِّينِ وَلِمَنْعِ الفَوْضَى فِيهِ وَلَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذَاتِهَا كَمَا ذَكَرْنَا فِي المَجْلِسِ السَّابِقِ.

جَمِيلٌ، المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: انْتَهَيْنَا مِنَ المَسْأَلَةِ الأُولَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ جَوَازِ العُدُولِ عَنِ المَذْهَبِ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ لِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ.

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ التِي تُبْحَثُ أَيْضًا عِنْدَ العُلَمَاءِ وَهِيَ مَسْأَلَةُ حُكْمِ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ ثُمَّ الِانْتِقَالِ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ، يَعْنِي إِنْسَانٌ كَانَ يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةِ الشَّافِعِيَّةِ وَيَتَمَذْهَبُ عَلَيْهِمْ أُصُولًا وَفُرُوعًا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَعْجَبَهُ مَذْهَبُ الحَنَابِلَةِ فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ، هَلْ يَجُوزُ الِانْتِقَالُ فِي عَمَلِيَّةِ التَّمَذْهُبِ وَالدِّرَاسَةِ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ آخَرَ؟ أَكُونُ ابْتِدَاءً مَالِكِيًّا ثُمَّ شَافِعِيًّا ثُمَّ مَثَلًا قَدْ يَظْهَرُ لِي أَنَّ الحَنَفِيَّةَ هُمُ الأَسْوَأُ فَأَذْهَبُ إِلَى الحَنَفِيَّةِ وَهَكَذَا؟ هَلْ هَذِهِ العَمَلِيَّةُ جَائِزَةٌ أَوْ غَيْرُ جَائِزَةٍ؟

فنقول إخواني الصحيح عند المحققين من العلماء وأنه يجوز للمتمذهب بطريقة معينة أن ينتقل إلى مذهب آخر وأن يتبعه إذا ظهر له غرض صحيح من هذا الانتقال، انتبهوا على هذه القيود.

يجوز لمن تمذهب على طريقة معينة؛ على طريقة الحنابلة، أو الشافعية، أو المالكية، أو الحنفية، يجوز لمن تمذهب بطريقة معينة أن ينتقل من مذهبه ويبدأ يتعلم مذهبًا آخر وأن يتبع مذهبًا آخر إذا ظهر له غرض صحيح من هذا الانتقال؛ كوجود المعلم المتقن في ذاك المذهب الذي يريد الانتقال إليه، ويفقد المعلم المتقن على مذهبه. كثير من أحبائنا الطلبة يقول: يا شيخ، أنا أكون شافعيًا لكنني... وبدأت أدرس الفقه الشافعي على يد شيخ، ثم هذا الشيخ غادر ولا أجد أنا من يعلمني هذا المذهب، فهل أبقى أنتظر متفرجًا حتى يأتي شيخ جديد يعلمني مذهب الشافعية، وأنا أجد معلمًا على مذهب آخر، أم أنتقل إلى مذهب آخر ما دمت أجد المعلم على ذلك المذهب؟

في الحقيقة هناك فعلًا ظروف يقع فيها بعض طلبة العلم مثل هذه الظروف، أنهم يفقدون المدرس المتقن، وهذا كثير في هذا الزمان فقدان المعلم المتقن للمذهب، فيكون الطالب تدريجًا على مذهب معين ثم يفقد الشيخ، ثم يجلس الطالب سنوات، يقول له يا فلان لماذا لا تتمذهب؟ فيقول: أنا والله كنت شافعيًا... الشيخ، وأنا أنتظر أن يأتي شيخ آخر إلى البلد حتى أتعلم على يديه مذهب الشافعي. طيب، إذا لم يأتي، هل تبقى جاهلًا وتترك طلب العلم إلى أن يأتي الشيخ الآخر؟ هذا كلام غير سديد.

إذا كنت تجد شيخًا على مذهب آخر متقن متففن في ذاك المذهب، انتقل إلى ذلك المذهب وتوكل على الله، فإن هذه مذاهب، كما نص كثير من العلماء، كلها طرق توصل إلى الله سبحانه، والتمذهب إنما هو مرحلة تعليمية ووسيلة لضبط الدين، ليس مقصودًا لذاته، بل هو مقصود لغيره. فبالتالي إذا كان هناك غرض صحيح من انتقالك من مذهبك إلى مذهب آخر، فلا حرج في ذلك؛ كوجود المعلم المتقن على المذهب الآخر، أو أن هذا مثلًا طالب العلم رَبُّنا عز وجل أعطاه ملكة وذهنًا متقِدًا، فتتبع طرائق المذاهب الأخرى، فأقتنع بعد التتبع والنظر والبحث والله إن مذهب المالكية أو الحنابلة أدق من مذهبه الذي هو عليه، استخار الله سبحانه وتعالى ودعا الله عز وجل أن يسدده، وانتقل إلى مذهب آخر، لا حرج في ذلك.

هذه الأمور لا حرج فيها إخواني، ولا داعي أن نضيق وأن نحجر واسعًا. أما الانتقال من مذهب إلى آخر بمجرد التشهي، يعني بعض الطلبة اليوم هو على مذهب الشافعية، ثم بعد أيام وهو يكلم أحد أصحابه قال له صديقُه: والله يا اخي ليش بتصير حنبلي؟ فقال: والله أنا أحبك يا صديقي، قال: حنبليًا مثلك، فإذا هو باليوم الثاني يغلق كتب الشافعية ويأتي بكتب الحنابلة، ثم بعد ذلك يأتي له صديق آخر: ما درى مذهب أبي حنيفة الإمام الأعظم، لماذا لا تتبعه؟ فيبدأ يفكر قليلًا فيقول: والله إنني أحب أبا حنيفة، خلاص سأدرس مذهب الحنفية، يترك كتب الحنابلة وينتقل إلى مذهب الحنفية! هذا لعب وهوى وهذا لا يجوز، هذا النمط لعب وهوى ولا يجوز عند العلماء، وإنما الانتقال إنما هو لغرض صحيح كما بينا.

طيب، هل هناك أمثلة على أئمة وعلماء تركوا مذاهبهم وانتقلوا إلى مذاهب أخرى تعزز بها قولك يا شيخ؟ نعم، هناك العديد من الأئمة الكبار الذين تركوا مذاهبهم وتعلموا على مذاهب أخرى. خذوا هذه الأمثلة ذكرها الإمام المناوي رحمة الله عليه، يقول: وقد انتقل جماعة من المذاهب الأربعة من مذهبهم إلى غيره؛ فمنهم عبد العزيز بن عمران كان مالكيًا يسير على طريقة السادة المالكية، فلما قدم الإمام الشافعي رحمة الله عليه مصر تفقه على يد الإمام الشافعي وأصبح شافعيًا، وأبو ثور العالم كان على مذهب أبي حنيفة ثم صار إلى مذهب الشافعي، وابن عبد الحكم كان على مذهب مالك ثم انتقل إلى مذهب الشافعي ثم عاد إلى مذهب مالك، وأبو جعفر ابن نصر من الحنابلة رحمة الله عليه انتقل من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعية، والإمام الطحاوي رحمة الله عليه انتقل من الشافعي إلى مذهب الحنفي، الإمام الطحاوي صاحب العقيدة كان شافعيًا فنهره شيخه المزني -وكان أظن خاله المزني، أظن أنه خاله- نهره في المجلس، فضاق قلب الطحاوي من مذهب الشافعية وتتلمذ على طريقة الحنفية، الإمام أبو المظفر السمعاني العالم الكبير صاحب قواطع الأدلة انتقل من مذهب الحنفية إلى الشافعية، الخطيب البغدادي والآمدي وابن برهان أيضًا انتقلوا من مذهب الحنابلة إلى مذهب الشافعية، ابن فارس صاحب المجمل من المذهب الشافعي إلى المذهب المالكي، ابن هشام الأنصاري صاحب قطر الندى وقطر الذهب كان شافعيًا ثم انتقل إلى مذهب الحنابلة.

فاختصارًا، الانتقالات موجودة، الانتقالات من مذهب إلى آخر عند أهل العلم حاضرة وعند أساطيل العلماء، فلا يظهر لي وجوب التزام مذهب معين وعدم الانتقال عنه إلى مذهب آخر في التعلم، هذا القول لا يظهر لي في الحقيقة أنه قول المحققين، والصواب والله تعالى أعلم أن علينا أن نوسع على طلبة العلم خاصة مع قلة المدرسين وضعف الظروف الحالية في الطلب، فمتى وجد الطالب فسحة لأن يتعلم مذهبًا فليذهب إليه وليتوكل على الله بشرط ألا يكون قاصدًا اتباع الهوى والتشهي.

تمام، انتهينا من المسألة الثانية؛ مسألة جواز التعلم على مذهب ثم الانتقال إلى مذهب آخر لغرض صحيح. طيب، المسألة الثالثة الآن: ما حكم التمذهب على مذهب غير المذاهب الأربعة؟ هذه مشكلة، صحيح؟ ما حكم التمذهب بغير المذاهب الأربعة؟

نقول: ذهب كثير من العلماء الأفاضل إلى منع التمذهب على غير المذاهب الأربعة، والبعض زاد المذهب الظاهري فجعلها خمسة، ومنع العدول عن هذه المذاهب الخمسة. تمام، الآن الذين منعوا العدول عن هذه المذاهب الأربعة أو الخمسة، لماذا منعوا العدول؟

في الحقيقة سأدع ابن رجب رحمة الله عليه يجيب في رسالته التي قصصناها عليكم جزءًا منها في المحاضرة السابقة، ابن رجب هو من أنصار هذا الرأي، يرى أن لا تتبع إلا المذاهب الأربعة، وقد قدم علة في الحقيقة منطقية لذلك، وهذه العلة ليست ابن رجب هو فقط من ذكرها ونص عليها، بل ذكرها العديد من العلماء، وساذكر لكم هذه العلة من ثنايا كلامهم.

نبدأ بابن رجب رحمة الله عليه يقول في رسالته السابقة: فإن قيل -ها، فإن قيل اعتراض- فإن قيل: نحن نسلم منع عموم الناس من سلوك طريق الاجتهاد -وصل صاحبنا إلى هذه القناعة لما يفضي ذلك إلى أعظم الفساد- لكن لا نسلم لك يا ابن رجب منع تقليد إمام متبع من الأئمة المجتهدين غير هؤلاء الأئمة المشهورين الأربعة، فبماذا أجاب ابن رجب؟ قيل لهم: قد نبهنا على علة المنع من ذلك، يعني أنا نبهت سابقًا لماذا أنا -أي ابن رجب- أمنع من تقليد غير المذاهب الأربعة، وهو -انظروا العلة- وهو أن مذاهب غير هؤلاء، مذاهب غير الأئمة الأربعة لم تشتهر لم تنضبط، فلربما نسب إليهم -أي إلى الأئمة الاقدمين من غير المذاهب الأربعة كسفيان الثوري والليث بن سعد- فلربما نسب إليهم ما لم يقولوه أو فهم عنهم ما لم يريدوه؛ لأنها لم تنقح أقوالهم ولم تجمع فتواهم، وليس لمذهبهم -أي لمذهب الثوري والأوزاعي والليث بن سعد ونحوهم- وليس لمذهبهم من أو ليس لمذاهبهم من يذب عنها وينبه على ما يقع من الخلل فيها، بخلاف هذه المذاهب المشهورة.

طيب، فإن قيل: فما تقولون في مذهب إمام غيرهم قد دون مذهبه وضبط وحفظ كما حفظ مذهب هؤلاء؟ فقيل: أولًا هذا لا يعلم وجوده الآن. ثم ذكر بعد ذلك ثانيًا وثالثًا وكلام أطال فيه ابن رجب، عودوا إلى رسالته فاقرؤوها، ويكفينا أن نقف هنا: وهذا لا يعلم وجوده الآن.

وهذه الحجة الأساسية لابن رجب، يعني ابن رجب والعلماء في الحقيقة ما عندهم مشكلة في أن يتبعوا مذهبًا خامسًا وسادسًا وسابعًا وثامنًا بشرط أن تكون هذه المذاهب منضبطة بدرجة انضباط المذاهب الأربعة، هذه هي الحبكة هنا، إذا وجد مذهب منضبط بمقدار انضباط المذاهب الأربعة ومنقح ومحقق وظهر، وجد ما عند ابن رجب ولا عند غيره في اتباعها، فالتمذهب مقصود لغيره كما ذكرنا.

لكن الواقع، ابن رجب الآن يتكلم عن واقع، كأن ابن رجب يقول: دعوكم من التنظير العام ودعونا ننظر في الواقع، هل هناك في الواقع مذهب منقح مر عليه مئات العلماء أصولًا وفروعًا غير هذه المذاهب الأربعة؟ الآن من يرى أن مذهب الظاهر مذهب محقق ومنقح، قيل: المذهب الظاهري أدخلوه ما عندي مشكلة، هل هناك مذهب محقق ومنقح غير هذه المذاهب الخمسة؟ بالحقيقة لن نجد، وإنما نجد فتاوى عامة منتشرة للثوري، للأوزاعي، ليث بن سعد، موجودة في بطون كتب المحدثين وكتب التاريخ وما ذلك، لكن هذه الفتاوى فعلًا كما قال ابن رجب فتاوى لم تحقق، لم تنقح، لم يتثبت منها، لا نعرف هل الثوري هل أفتى بخلافها في آخر عمره؟ هل هذه الفتوى عامة للثوري ولها ما يخصصها عنده أو ما يقيده؟

فهناك كثير من الأمور تجعل اتباع غير المذاهب الأربعة فيه إشكالية أو فيه نوع من الخطورة، فيه نوع من الخطورة، فلا يستطيع أن يرجح قولًا من غير أقوال المذاهب الأربعة إلا إمام عالم مجتهد كبير منقح أن ترجح صحة قول من غير المذاهب الأربعة كقول الأوزاعي أو الثوري أو الليث بن سعد، هذا لا يقوى عليه أي إنسان إخوان، هذا لا يقوى عليه إلا متبحر نظر في كلام السابقين، وعرف صحة الأسانيد التي تصل إليهم، وعرف دقة الكلام، وتأكد أن هذه الفتوى من الليث أو الأوزاعي فتوى منضبطة من قول عنه متكاملة، ففي الحقيقة هناك مخاطر باختصار لاتباع غير المذاهب المتبوعة الأربعة أو الخمسة.

فلذلك كان الائمة يوجهون الطلبة إلى التمسك بها هذه المذاهب وإلى عدم الخروج عنها إلى الاقوال التي نجدها مبثوثة في بطون الكتب عن الليث وعن الأوزاعي وعن غيرهم من الأئمة الكبار، لأن ليس أن هؤلاء الأئمة لا يعتد بكلامهم، حاشاهم أئمة كبار رضوان الله عليهم، لكننا نخشى من أن كلامهم لم يضبط ولم يصل إلينا كاملًا كما وصل إلينا كلام الأئمة المتبوعين، هذه هي الفكرة.

إذاً، فةمنع اتباع مذهب غير المذاهب الأربعة ليس هو أن الله تعبدنا بهذه الأربعة بذاتها وحصر الحق فيها بكل تفاصيله، بل لأن هذه الأربعة انضبطت ونقح عامها وخاصها ومطلقها ومقيدها، وعرف الأصل من الاستثناء فيها، بخلاف غيرها من المذاهب التي تسمى المذاهب المندرسة غير المحققة التي لم تخدم هذه الخدمة الجليلة، فلا يعرف الإنسان تفاصيل قول الأئمة إذ لم ينقل عنهم العام والخاص ولا المطلق والمقيد كما نقل عن ارباب المذاهب المتبوعة.

وبناء على هذا التعليل، لو ظهر لو لو نقول: لو ظهر مذهب آخر منضبط المسالك، واضح النقل، مخدوم، يقال: لا مانع عند العلماء في اتباعه؛ لأنه يخدم الفكر العام وهي ضبط الدين وضبط مسالك الفتوى. نحن نريد أن نصل إلى الفكرة؛ ضبط مسالك الفتوى وضبط الأحكام الشرعية والابتعاد عن التفلت الذي نشاهده في واقعنا اليوم.

في مواهب الجليل للحطاب، يقول القرافي رحمة الله عليه -هذا نص آخر-: رأيت الشيخ تقي الدين ابن الصلاح صاحب المقدمة المشهورة في مصطلح الحديث، ورأيت للشيخ تقي الدين ابن الصلاح ما معناه: أن التقليد يتعين لهذه الأئمة لهذه الأئمة الاربعة كذا النص، لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وعامها وشروط فروعها، أو حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها.

فإذا أطلقوا حكمًا -يعني المذاهب الأربعة إذا أطلقوا حكمًا- وجد مكملًا في موضع آخر، واما غيرهم من العلماء الأقدمين فتنقل عنهم الفتاوى مجردة، فلعل لها مكملًا أو مقيدًا أو مخصصًا لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير في تقليده على غير ثقة، بخلاف هؤلاء الأربعة. هذا كلام ابن الصلاح وهو ممن انشغل بعلم الحديث إمام كبير، لكنه يعطيك الواقع، قضية أن هؤلاء الأربعة عرف كلامهم عمومًا وخصوصًا ومطلقًا ومقيدًا فتأتيك الفتوى متكاملة، غيرهم لم تنقل فتاويهم كاملة، لم تخدم، فقد يأتيك الكلام أو يصل اليك الكلام وهو...

والمرداوي -انظروا، أختم بنقل المرداوي، وهو علاء الدين المرداوي إمام المتأخرين من الحنابلة، انظروا ماذا يقول في التحبير-: يقول: إن مدار الإسلام واعتماد أهله قد بقي على هؤلاء الأئمة واتباعهم، وقد ضبطت مذاهبهم وأقوالهم وأفعالهم وحررت ونقلت من غير شك في ذلك، بخلاف مذهب غيرهم وإن كان من الأئمة المعتمد عليهم -كالليث أو الأوزاعي- لكن لم تضبط الضبط الكامل، وإن كان صح بعضها فهو يسير فلا يكتفى به، وذلك لعدم الاتباع أنه لم يوجد اتباع وطلب يخدمون مذاهبهم.

فلاحظوا كيف تواطأ العلماء على هذه الفكرة وعلى هذه النظرة الواقعية المصلحية، قضية هل ضبط مذهب الأوزاعي أو مذهب سفيان الثوري أو مذهب الليث بن سعد حتى تترك هذه المذاهب المنقحة وينتقل إلى أقوال هؤلاء الأئمة؟ هذه هي النقطة التي يتحدث عنها العلماء. تمام الحمد لله، دعونا ننتقل الآن إلى مسألة جديدة، بما أننا عرفنا لماذا العلماء يقولون: عليكم باتباع الأربعة أو الخمسة ولا تخرجوا عنها؟ دعوني انتقل إلى مسألة رابعة لعلي أختم بها الكلام في مسائل التمذهب: إذا قلنا بوجوب التزام المفتي وطالب العلم بمذهب من المذاهب المنضبطة في التعلم والتأصيل والتفريع -جميل- وقلنا أيضًا بجواز خروج المفتي عن مذهبه في بعض المسائل لعذر.

أو لوقوفه على ضعف دليل مذهبه في هذه المسألة. فالسؤال الآن: هل يجوز له الانتقال إلى قول في هذه المسألة المعينة يكون هذا القول خارجاً عن المذاهب الأربعة المتبوعة على هذه القضية؟ لأن فيها نقاشاً كثيراً في هذا الزمان. الآن اتفقنا أن علينا في التعلم والدراسة أن نتعلم على مذهب من المذاهب الأربعة، وعرفنا لماذا هذه المذاهب الأربعة أو الخمسة؟ لأنها منضبطة. ممتاز.

وعرفنا أننا إذا تعلمنا على مذهب من هذه المذاهب، فانه يجوز لنا العدول في بعض المسائل المعينة عن المذهب الذي نتعلمه إلى مذهب آخر أو إلى قول آخر متى ظهر لنا ضعف دليل مذهب أبينا أو كان هناك عذر يقتضي هذا العدول، عرفنا ذلك أيضاً. لكن السؤال الدقيق: طيب، أنا التزمت مذهب الحنابلة أو مذهب الشافعية، ثم اطلعت على ضعف دليل مذهبي في هذه المسألة المعينة، فأردت أن أنتقل إلى قول آخر، هل يجوز لي أن أنتقل إلى قول آخر خارج دائرة المذاهب الأربعة؟ الآن أنتم قلتم لا يجوز أو لا يصح أو لا يصلح، وخلينا نقول لا يصلح أن نتبع مذهباً غير المذاهب الأربعة؛ لأنها غير منضبطة وغير متكاملة. فهمنا ما في مذاهب متكاملة منضبطة إلا هذه الأربعة مع هذه الخمسة مع الظاهرية. جميل؟ فقلتم لا تتبعوا مذهباً غير هذه المذاهب؛ لأنها غير منضبطة.

لكن في المسألة والمسألتين والثلاث لو أنني أنا كنت حنبلياً، واطلعت على ضعف دليل مذهبي، ورأيت أن هناك كلاماً لليث بن سعد في هذه المسألة هو الأقرب للصواب، وكلام الليث بن سعد يخالف المذاهب الأربعة، غير موجود في المذاهب الأربعة. أو اطلعت على فتوى لسفيان الثوري أو سفيان بن عيينة أو مثلاً للأوزاعي، وهي فتوى لا توجد في المذاهب الأربعة. فخرجت عن مذهب الحنابلة في هذه المسألة المعينة إلى مذهب الأوزاعي أو إلى طريقة الليث بن سعد أو إلى طريقة غيره من الأئمة الأقدمين. فهل يجوز لي باختصار أن أخرج من مذهبي وأتبع قولاً خارج دائرة المذاهب الأربعة؟

طبعا هذا سيؤدي إلى ماذا؟ اللي هو هنا الإشكالية: أني إذا قلت نعم يجوز أن أخرج عن دائرة المذاهب الأربعة في هذه المسألة المعينة الدقيقة، وأختار قولاً من الأقدمين سوى الأئمة الأربعة المتبوعين، فهذا يعني أن الحق قد يوجد خارج المذاهب الأربعة، هذا مؤدى هذا الصنيع. وقد قدمت في المجلس السابق إخواني أنه في الحقيقة يندر خروج الحق عن المذاهب الأربعة لكن يمكن، هكذا قلت باختصار: يندر خروج الحق عن المذاهب الأربعة لكن يمكن. فيمكن أن يكون هناك -يمكن أقول يمكن وإن كان قليلًا جداً- يمكن أن يكون قول ليث بن سعد في المسألة مخالفاً للمذاهب الأربعة ويكون هو الصحيح فيها. يمكن أن يكون قول الأوزاعي في المسألة قولاً مخالفاً للمذاهب الأربعة ويكون هو الصحيح.

لكن هذا محدود جداً جداً، واتباع قول خارج عن دائرة المذاهب الأربعة له ضوابط وشروط أسردها عليكم الآن سريعاً. إذن باختصار: هل يجوز لي العدول إلى قول خارج دائرة المذاهب الأربعة في المسألة المعينة؟ نقول: خروج الحق عن المذاهب الأربعة هذا نادر جداً لكنه يمكن. ولا أذهب إلى قول من يتعصب جداً إلى المذاهب ويقول: لا يمكن أبداً خروج الحق عن المذاهب الأربعة. ترى هذا القول الذي يرى أنه لا يمكن خروج الحق عن المذاهب الأربعة، هذا قول في الحقيقة ذكره بعض العلماء، يعني أنا لا ألغي أن بعض العلماء فعلاً كالزركشي وغير الزركشي قالوا: لا يمكن أن يخرج الحق عن المذاهب الأربعة، لكنني في الحقيقة لا أسير على هذه الطريقة، ولا يوجد دليل واضح قاطع جلي يدل على صحة هذه النظرية تماماً.

فنقول والله أعلم: يمكن أن يخرج الحق عن هذه المذاهب الأربعة في مسائل معينة محدودة جداً، والعدول إلى هذه الأقوال الخارجة عن المذاهب الأربعة في هذه المسائل المحددة منضبط بضوابط أسردها. أولاً: الخروج إلى قول خارج المذاهب الأربعة لا يصح إلا من مجتهد اكتملت آلاته الاجتهادية وأتقن المرور على المذاهب الفقهية وعرف أوجه المذاهب وأقوالها ولم يجد في هذه المذاهب قولاً راجحاً في المسألة، فحينئذ ينتقل هذا المجتهد الذي اكتملت آلاته الاجتهادية وتتبع واستقرأ المذاهب، ينتقل إلى قول خارج دائرة المذاهب الأربعة. وأما طالب علم ما زال في سلك التعلم فليس له أن يدعي أن الحق قد خرج عن المذاهب الأربعة ويوجد في أقوال الأئمة الآخرين، ليس له أن يدعي هذه الدعوة العريضة الكبيرة تماماً.

إذاً هذا الضابط الأول: الخروج إلى قول خارج المذاهب الأربعة لا يكون إلا من مجتهد اكتملت آلاته الاجتهادية وأتقن المرور على المذاهب الفقهية ولم يجد فيها قولاً راجحاً في المسألة فذهب إلى مذهب خارج المذاهب الأربعة أو إلى طريقة خارج طرائق هذه المذاهب واتبعها. وأما طالب العلم الناشئ فليس له أن يسلك هذا المسلك.

ثانياً: ينبغي على المجتهد الذي اختار الخروج عن دائرة المذاهب الأربعة إلى قول آخر أن يكون متأكداً من تحريره لهذا القول الذي اختاره من خارج دائرة المذاهب الأربعة من حيث صحة نسبة هذا القول إلى قائله وانه وصله محرراً بكل أركانه وعناصره. يعني إذا أباحنا للمجتهد الذي اكتملت آلة الاجتهاد لديه أن يخرج المسألة المعينة عن دائرة المذاهب الأربعة، فإننا نقول له: عليك أن تتأكد من تحريرك لهذا القول الذي تتبناه وتنسبه إلى غير المذاهب الأربعة، تتأكد أنه وصلك كاملاً محرراً ومن نسبته إلى قائله، وأما أن تتبع قولاً خارج دائرة المذاهب الأربعة وهو لم يحرر فهذا ليس بصحيح، وهذا باب للمزالق.

تماماً، فهذان إذن ضابطان أقتصر عليهما في جواز العدول عن المذاهب الأربعة إلى قول خارج دائرتها، وعرفنا أنهما أو أن هذه القضية تتوقف على شرطين: الشرط الأول: أن الذي ينتقل هو المجتهد وليس طالب العلم أو العالم غير المجتهد. ثانياً: أن المجتهد الذي سينتقل عليه أن يتأكد من تحريره لهذا القول الذي يتبناه أصلاً وفرعاً، وهل وصل إليه متكاملاً أو لم يصل إليه بهذه الصورة تماماً. فإذا وصلنا إلى هذه الحالة فأظن أننا سنصل إلى قول معتدل نلحظ من خلاله أن عدم وجود الحق في دائرة المذاهب المتبوعة نزر جداً، لا يسبب الذهاب إليه -يعني لو شخص من الأئمة المجتهدين اتبع قول الليث بن سعد في مسألة أو اتبع سفيان الثوري في مسألة أو اتبع ابن عيينة في مسألة- لو اتبعوه في مسائل معينة لن يسبب هذا تفلتاً أو ضياعاً في الدين أو تشتتاً في الفتوى كما يحاول أن يهول المتعصبون.

وفي نفس الوقت إخواني، لا ندعي أن المذاهب الأربعة أيضاً حصرت جميع الحق داخلها في جميع مسائل الدين بلا استثناء، فإن هذا أيضاً كلام عريض ودعوة عريضة يحتاج فيها إلى تثبت كبير، فدائماً التوسط والهدوء والنظر بتأني في هذه المسائل عند حلها هذا هو الخير والصواب والله تعالى أعلم.

تمام، أظن لا بقي عليّ بعض المسائل، قلت لكم هذه آخر مسألة في التمذهب، لكن بقي عليّ أيضاً بعض المسائل في التمذهب. تكلمنا أحبابي في البداية أن الناس ثلاثة: مجتهد، قلنا وهذا الأصل في حاله أنه يجتهد في الوصول إلى القواعد الصحيحة وفي تفريع الفروع الفقهية من خلال هذه القواعد. ثانياً: طالب علم أو عالم لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد، وهذا فرضه ويلزمه أن يتبع مذهباً من المذاهب المنضبطة المحررة في أصولها وفروعها لتكون فتواه من خلالها حفاظاً على مصلحة الدين.

بقي الثالث وهو العامي: العامي هل يلزمه أن يتبع مذهباً معيناً ويسير عليه حاله حال طالب العلم، أم مذهبه مذهب شيخه الذي يستفتيه ولا نلزمه باتباع مذهب؟ في الحقيقة اختلف أهل العلم في عوام المسلمين؛ بعض أهل العلم قالوا: أيضاً عوام المسلمين يلزمهم أن يسيروا على مذاهب معينة، فمثلاً في البلد الفلاني العوام يتبعون مذهب الشافعية لا يخرجون عنه إلا للضرورة، وفي بلد آخر يتبعون مذهب المالكية ولا يخرجون عنه إلا للضرورة. وهذا قول في الحقيقة اختاره علماء كبار مثل الجويني والسبكي والمحلي، وهو وجه عند الحنابلة، ابن رجب الحنبلي أيضاً وهو ظاهر كلامه في الرسالة السابقة، أن حتى عوام المسلمين يلزمهم أن يسيروا على مذاهب معينة، واستدلوا بماذا؟

قالوا: عدم تقيد عوام المسلمين بمذهب من المذاهب يؤدي إلى اتباعهم للهوى وإلى تتبع رخص المذاهب، وهذا سيؤدي إلى سقوط التكليف. هؤلاء العلماء الذين ألزموا عوام المسلمين بالسير على مذاهب معينة هم نظروا أيضاً لنفس القضية السابقة، وهي الحفاظ على مصلحة الدين وضبط الفتوى وضبط أنظار هؤلاء العوام حتى لا ينتقلوا تشهياً من مذهب إلى آخر. قالوا: إذا لم نلزمهم بالمذاهب معناها فهذا العامي سيأخذ الأمور بالتشهي الذي يعجبه من هذا المذهب يأخذه والذي يعجبه من ذاك يأخذه وهكذا، فحفاظاً على المصلحة وسداً لذريعة الفوضى نلزم أيضاً عوام المسلمين بالتمذهب.

لكن في الحقيقة هذا الدليل قد يناقش، فنقول: عدم التزام العامي بمذهب هل يخوله فعلاً بان يختار من المذاهب ما يحلو له بهذه القضية؟ هل عدم التزام العامي بمذهب -إذا قلنا العامي ليس له مذهب- فهل هذا يخوله بأن يأخذ من المذاهب ما يشتهي؟ حاشا وكلا، لا يحق له ذلك بالاتفاق، وإنما العامي إخواني عليه أن يتبع شيخاً وينظر ما قاله هذا الشيخ المجتهد العالم المتقن ويأخذ هذه الفتوى ويعمل بها، ما دام أن العامي اطمأن إلى أن هذا الشيخ قد عرف صورة المسألة واطمأن إلى أن هذا الشيخ متقن لفتواه، فالعامي يأخذ هذه الفتوى ويعمل بها، وليس له أن ينتقل من شيخ إلى آخر بالتشهي والهوى وللبحث عن الأسهل، هذا معلوم عند أهل العلم.

فبالتالي القول الأول الذي يرى وجوب اتباع العوام لمذاهب بحجة الخوف من الفوضى، قد يعني نقول لهم: إن الزام العامة باتباع مذاهب معينة قد يكون فيه عسر وصعوبة على العامي، خاصة في هذا الزمان الذي لا يعرف فيه العوام أصلاً شيئاً عن هذه المذاهب إلا من رحم ربي. ثانياً: أننا لو لم نلزمهم بالمذاهب وألزمناها بشيوخهم، فإننا لا نبيح لهم أن ينتقلوا بالتشهي، بل نلزمهم بطرائق شيوخهم الذين يستفتونهم وهكذا تنضبط القضية وينتهي الأمر. فنحن إذا وصلنا لمرحلة ضبط طلبة العلم والعلماء غير المجتهدين، إذا وصلنا لمرحلة ضبطهم بالمذاهب، في الحقيقة العوام تبع لطلبة العلم وللعلماء، فاذا انضبطت الطبقة المتوسطة، العوام سينضبطون تبعاً لهم من دون بحاجة إلى إلزام العوام بمذهب معين.

إذن القول الأول يرى وجوب اتباع العوام لمذاهب معينة وذكرنا دليلهم وهو الخوف من تتبع الرخص واتباع الهوى، وعرفنا كيف يمكن مناقشة هذا الدليل.

القول الثاني يرى أن، كما قلنا، العامي ليس له مذهب، وإنما مذهبه كما يقولون مذهب شيخه الذي يستفتيه ولا يلزمه أن يسير على طريقة معينة. وهذا القول الثاني اختاره أكابر العلماء، وهو المشهور عند الحنفية، وهو أصح الوجهين عند السادة الحنابلة، واختاره كثير من المالكية، وهو أن العامي لا يلزمه أن يسير على مذهب معين، وإنما يلزمه أن يذهب إلى شيخ متقن يخشى الله فيسأله العامي عن المسألة، فإذا تصور الشيخ هذه المسألة بشكل متقن وأعطى للعامل فتوى، فالعامي حينئذ يأخذ هذه الفتوى ولا يذهب ينتقل من هنا وهناك تتبعاً للهوى والبحث أو بحثاً عن الأسهل. جيد؟

طيب، ما الدليل على أن العامي لا يلزمه التقيد بمذهب معين؟ الدليل الأول: أن الصحابة كانوا يجيزون لعوام الناس أن يستفتي بعضهم في مسألة وأن يستفتي بعضهم الآخر في مسألة أخرى؛ يعني عوام الناس في زمن الصحابة من التابعين كانوا يذهبون إلى بعض الصحابة في مسائل، ثم يذهبون إلى صحابي آخر في مسائل أخرى، فمثلاً اليوم يستفتي عمر بن الخطاب وفي يوم آخر لا يوجد عمر بن الخطاب يسأل زيد بن ثابت رضي الله عنهم جميعاً، لعل لا يجد زيد بن ثابت يجد علي بن أبي طالب يذهب يستفتيه، فكان العامي يعامل بهذه الطريقة ولا يجبر أن يسير مع شيخ معين أو طريقة معينة، فكان هذا إجماعاً من الصحابة على جواز أن يسأل العامي الشيخ المتقن من دون حاجة أن يتبع طريقة معينة.

ثم الأمة لم يلزموا العامة بتقليد واحد منهم، بل كان الناس يسيرون مع أشياخهم فيما يعطونهم من فتاوى الحلال والحرام من دون حرج عليهم. يقول الإمام العز بن عبد السلام مبيناً هذه الفكرة: يقول له أن يقلد أي -للعامي- له أن يقلد في كل مسألة من شاء من الأئمة، يعني أنت في زمنك أيها العامي قلد أي عالم متقن متفنن ترتاح إلى إتقانه وليس إلى تساهله وتلاعبه، عالم متقن متفنن ضابط تذهب إليه وترتاح أنه هو العالم المتقن الذي بإذن الله يأتي بفتاوى منضبطة اذهب فاسأل. طيب ما وجدته؟ وجدت شيخاً آخر نفس الدرجة أو أقل، لكن المهم أنه عالم آخر متقن متفنن اذهب فاسأله، الأمر في سعة ولا نلزمك ولا نشق عليك في ذلك.

فله أن يقلد في كل مسألة من شاء من الأئمة ولا يتعين عليه، هذا كلام العز بن عبد السلام سلطان العلماء: ولا يتعين عليه إذا قلد إماماً في مسألة أن يقلده في سائر مسائل الخلاف. يعني العامي إذا قلد هذا الشيخ في مسألة، هل يلزم العامي دائماً يسأل هذا الشيخ ويقلد هذا الشيخ في كل مسائله؟ لا، يستطيع العامي أن يذهب إلى شيخ آخر وأن يسأل شيخاً آخر والأمر في ذلك فيه سعة، وإذا له أن يقلد في كل مسألة من شاء من الأئمة ولا يتعين عليه إذا قلد إماماً في مسألة أن يقلده في سائر مسائل الخلاف.

لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون فيما يصنع لهم العلماء المختلفون من غير نكير من أحد. هذا نص عليه العز بن عبد السلام في فتاويه. إذا هذا هو الدليل الأول؛ أن عمل الصحابة كان على جواز أن يسأل الناس وعموم المسلمين أي عالم متقن يظهر له.

ثانياً، وهذا دليل أيضاً آخر على أن العامي لا يلزمه التمذهب، وهو أن العامي أصالة لا يصح له مذهب، هذه خذوها يا إخوان، العامي أصالة لا يصح له مذهب. يأتيني شخص عامي يقول: أنا على طريقة الشافعية! أقول له: وماذا تعرف عن طريقة الشافعية؟ وماذا درست؟ هل أنت أصلاً متفرغ لتعلم طرائق السادة الشافعية؟ تجده مثلاً قد يكون تاجراً، قد يكون صاحب حرفة، قد يكون مهندساً يعمل في أمور الدنيا؛ كيف له أن يدعي أنه ينتسب إلى مذهب وهو لا يعرف شيئاً عن هذا المذهب، لا عن أصوله ولا عن فروعه؟ وكذلك قل إذا ادعى أنه حنبلي أو مالكي أو حنفي. ففي الحقيقة أصالة، هذه هي الفكرة، هل يصح للعامي مذهب؟ هل العامي تقبل نسبته إلى المذاهب الفقهية؟ هنا السؤال ابتداءً، والصحيح والله أعلم أن العامي لا يصح له مذهب أصالة، ولا تصح دعواه الانتساب إلى مذهب من هذه المذاهب المتبوعة.

يقول ابن القيم في إعلام الموقعين في كلام نفيس: لا يصح للعامي مذهب، ولو تمذهب به فالعامي لا مذهب له؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال، لمن ينظر ويبحث من طلبة العلم أو العلماء، ويكون بصيراً بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتاباً في فروع ذلك المذهب الذي ينتسب إليه وعرف فتوى إمام المذهب وأقوال المذهب عموماً. وأما من لم يتأهل لذلك البتة بل قال: أنا شافعي، أو أنا حنبلي، أو غير ذلك؛ لم يصل بمجرد قوله أنا حنبلي أو شافعي، كذلك كما أن الشخص لو قال: أنا فقيه، وهو لم يدرس شيئاً من الفقه، لا يعد عند الناس فقيهاً، أو قال: أنا نحوي، وهو لا يعرف شيئاً في النحو، لا يقال إنه نحوي، كذلك إذا قال العامي: أنا شافعي، لا يصبح بذلك شافعياً، أو قال: أنا حنبلي أو مالكي أو حنفي، لا يصبح بمجرد ذلك متمذهباً.

يوضحه الآن، أُكمل كلام ابن القيم: يوضحه أن القائل إنه شافعي أو مالكي أو حنفي يزعم أنه متبع لذلك الإمام، وإذا قلت أنت شافعي يعني أنت متبع للامام الشافعي سالك لطريقه، وهذا إنما يصح له إذا سلك سبيله، سبيل هذا الإمام في العلم والمعرفة والاستدلال. ما هو المذهب؟ أن تلتزم أصول إمام معين، ألم نقل ذلك؟ يعني المنهج الفكري لإمام معين، العامي ما الذي يدريه بالمنهج الفكري لأبي حنيفة أو الشافعي أو مالك وهو لم يدرس طرائقهم؟ قال: وهذا إنما يصح له، هذه النسبة إنما تصح له إذا سلك سبيله في العلم والمعرفة والاستدلال. فاما مع جهله وبعده جداً عن سيرة الإمام وعن علم الإمام وطريقته، فكيف يصح له الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من كل معنى؟

إذاً إخواني، الصحيح والله أعلم أن الفئة الثالثة وهي عوام المسلمين لا يلزمهم الانتساب إلى مذاهب معينة، وإنما فرضهم أن يسألوا الأئمة، وأن يسألوا المجتهدين، وأن يسألوا العلماء في زمانهم، وما أفتاهم به العالم يأخذونه ويعملون به ويسيرون عليه. وأما أن نشد على الناس وأن نحملهم ما لا يطيقون، فليس هذا من فقه الدين، بل هو فيه حرج وشدة عليهم والله أعلم.

تمام، الآن أختم بها قضية التمذهب: يا شيخ عرفنا أهمية التمذهب ولزوم الولوج إلى الفقه من بوابة المذاهب الفقهية، السؤال الآن: ما هي المعايير التي من خلالها أختار المذهب الذي أدرسه؟ سؤال يسألني عنه كثير من الطلبة: ما هي المعايير التي من خلالها أختار المذهب الذي أدرسه وألتزم به؟ كثير من الطلبة حقيقة يشعر بفوضى في ذهنه؛ هل أختار مذهب الحنابلة أو الشافعية أو المالكية، أو لعل الحنفي يكون هو الأصلح؟

فأقول إخواني في الإجابة عن هذا السؤال: أولاً، ينبغي أن يُعلم أن جميع المذاهب الفقهية طرق موصلة إلى الله سبحانه وتعالى كما قال أئمتنا السابقون. جميع المذاهب المنضبطة التي حفظها الله لهذه الأمة جميعها على خير في الجملة والحمد لله، وكلها طرق موصلة إلى الفقه بإذن الله؛ فبالتالي نقول أساساً لا حرج أن تكون حنفياً أو مالكياً أو شافعياً أو حنبلياً، فكلها مذاهب منضبطة محررة محققة، مر عليها مئات العلماء الكبار تنقيحاً ونظراً وإصلاحاً، ووضعوا المتون المختصرة والمطولة والشروح والأدلة، فلا حرج في اتباع أي مذهب من هذه المذاهب من النظرة الشرعية ابتداءً، جميل؟

ثانياً، نقول: كثر في الحقيقة عند الأئمة من يقرأ في كلام الأئمة، كثر عند اتباع المذاهب الفقهية أن ينتصر كل إمام لمذهبه، وأن يبين هذا المذهب وأن مذهبه أفضل من مذهب غيره، وهذا كثير. تجد بعض أئمة الشافعية ينصون في مصنفاتهم أن مذهب الشافعي هو الارجح من بين المذاهب، وهو الأقوى، وهو الذي ينبغي أن يتبع. ثم تقرأ للقاضي عياض اليحصبي من المالكية فتجده يطيل النفس في نصرة مذهب الإمام مالك وبيان أنه هو المذهب الأرجح من بين المذاهب وأنه هو الذي ينبغي أن يتبع. ثم تقرأ للبابرتي الحنفي، محمد بن أحمد البابرتي الحنفي، نجده يصنف مصنفاً كاملاً في نصرة مذهب أبي حنيفة وأنه المذهب الأصلح والانفع من بين المذاهب الفقهية، ويبين قوة ظهور أصول أبي حنيفة على غيره. ثم نأتي إلى ابن رجب الحنبلي فنجده في رسالته السابقة يبين تفوق أحمد بن حنبل على غيره من الأئمة المتبوعين، وهو يعرض بنصرة مذهبه وأنه هو الأقوى والأرجح. فإذاً، حينما تقرؤون في كتب الأوائل ستجدون أنهم كثيراً ما يرجحون مذاهبهم التي ينتسبون إليها على غيرها من المذاهب.

وفي الحقيقة أصلاً قضية الترجيح بين المذاهب، هل يصح أن نرجح مذهباً على آخر فنقول والله مذهب الحنابلة أصح من مذهب الشافعية أو مذهب الشافعي أصح من مذهب المالكية، هل يصح الترجيح بين المذاهب؟ هذه المسألة أصلاً فيها خلاف؛ فبعض أهل العلم لا يجوز ترجيح مذهب في الجملة على غيره، وإنما ترجح الجزئيات فقط، فتقول: والله مذهب الحنابلة في هذه المسألة في الطهارة في باب النجاسات بالتحديد أدق من مذهب الشافعي، وهذا الترجيح أيضاً يكون للعلماء، أو مذهب الشافعية في هذه المسألة المعينة أدق من مذهب المالكية. واما ترجيح مذهب في الجملة على مذهب آخر فقد منعه طائفة من أهل العلم منهم ابن مراد الدمشقي رحمة الله عليه فقال: لا يجوز أن ترجح المذاهب في الجملة على المذاهب الأخرى، فكلها طرق تؤدي إلى الله. فهل يجوز الترجيح؟ في الحقيقة هناك من يأبى ذلك، وهناك من يجوز الترجيح، وفي الحقيقة كثير من العلماء يرجحون مذاهبهم على مذاهب غيرهم، وكل عالم لمن رجح مذهبه على مذهب غيره هو في الحقيقة يذهب إلى جواز الترجيح بين المذاهب.

تمام، أنا في الحقيقة لا تهمني الآن هذه القضية كثيراً، قضية هل نرجح مذهباً على آخر أو قضية الترجيح تكون بين المسائل الجزئية فقط، فهذه مسألة وقع فيها الخلاف، لكن أنا يهمني أن أقدم النصيحة والارشاد للطالب التائه اليوم؛ لأن بعض الطلبة إخواني يقرأ وصف القاضي عياض اليحصبي لمذهب مالك فتأتيه نشوة لطلب هذا المذهب والأغراق فيه ويعتبره هو المذهب الصحيح، وبعد أيام إذا به يقف على رسالة البابرتي الحنفي فيتعجب من دقة وصفه لمذهب الحنفية فيقول: أريد أن أكون حنفياً، ثم بعد ذلك إذا به يقف على وصف السبكي لمذهب الشافعية ولقوة أصولهم وهو يذكر أساطين العلماء الذين انتسبوا للشافعي فتهيج أشواقه إلى هذا المذهب، فيبقى الطالب المسكين ينتقل من هنا إلى هنا، كلما قرأ تزكية لعالم لمذهب من المذاهب ينتقل إلى هذا المذهب، وهذا ليس بصحيح؛ حتى في النهاية كما قلنا التمذهب طريقة تعليمية ووسيلة لضبط الدين، فإياك أن تبقى محتاراً متنقلاً من مذهب إلى آخر طول العمر، فتذهب زهرة عمرك من دون أن تضبط شيئاً من هذه المذاهب.

طيب يا شيخ، إذاً كيف أختار المذهب؟ أعطني أصولاً أسير عليها. سأعطيك الآن خطوات محددة يا طالب العلم، أظن باجتهاد والله تعالى أعلم أنها توصلك إلى القرار الصحيح، أوصلك إلى القرار الصحيح بحيث لا إفراط ولا تفريط. أقول أحبائي: أما اليوم مع ضعف التعليم الديني للأسف ومع ضعف المدارس الفقهية ومع قلة من يتفرغ للتعليم والتدريس على أصول المذاهب، وإنما نسمع هيشات من هنا وهناك لنصرة مذهب من المذاهب أو لتعلم المذاهب، وقلّ أن ترى من هذه الهيشات طحيناً، أصبحت الأولوية في اختيار المذهب والله تعالى أعلم تقوم على الخطوات التالية.

أنا وضعت لك هذه المقدمة لأقول لك يعني لا تلتفت كثيراً إلى كلام الأقدمين في قضية ترجيح المذاهب؛ لأنهم يتكلمون في أعصار جميلة كانت المذاهب موجودة وقائمة، فحق لكل مذهب أن ينصر طريقته، يعني يحق لهم أن يتكلموا في نصرة المذاهب وهذه المدارس الفقهية قائمة والعلماء من المذاهب الأربعة متوافرون والتدريس قائم فليرجحوا، لكن في زمننا يا إخواني للأسف قلّ أصلاً تدريس المذاهب الفقهية، بل قلّ التدريس الديني عموماً، وضعفت المدارس الشرعية في مختلف علوم الشريعة. فإياك يا طالب العلم أن تنشغل بكلام الأوائل في ترجيح المذاهب وأنت أصلاً لا تجد من يدرسك المذهب الفقهي، وأنت أصلاً لا تجد من تلازمه من العلماء، وأنت لا تجد المتمذهبين بحق على طريقة العلماء. فإذا أردت أن تختار مذهباً فسر على الخطوات التالية وعلى بركة الله:

أولاً، الخطوة الأولى: إذا ظفر الطالب بمعلم متقن يتفرغ للتدريس والتعليم والبناء العلمي له في أي مذهب من المذاهب ولم يجد غير هذا المعلم، فليلزمه ولو كان مذهب هذا المعلم مغايراً للمذهب العام للبلد أو للدولة التي يسكن فيها، ولا يبقى هذا الطالب ينتظر أن يجد شيخاً على مذهب بلاده؛ فاني والله أحبائي رأيت بعض الطلبة ماذا يقولون؟ يقولون: والله يا شيخ نحن في بلادنا على طريق الحنفية. ممتاز، طيب هل تجدون من يدرسكم مذهب الحنفية؟ قالوا: لا. طب ماذا تنتظرون؟ نقول: لا نترك مذهب بلادنا. طب أنتم لا تعرفون المذهب ولم تدرسوه فقالوا: لا نغادر هذا المذهب ولا نتركه بل ننتظره حتى يأتي الشيخ ليدرسنا. فيبقى الطالب ينتظر سنوات وسنوات ويمضي به قطار الحياة وهو لم يتعرف لا على مذهب بلده ولا على مذهب غيره، وهذا في الحقيقة خذلان لطالب العلم. فكن حصيفاً يا طالب العلم وإياك أن تنخدع؛ أولاً انظر هل يوجد معلم متقن متفرغ لتدريسك؟ الزم هذا المعلم واذهب إليه حتى ولو كان مذهب المعلم مخالفا لمذهب بلدك، فالأولوية اليوم في وقتنا الحاضر مع ضعف التدريس للمعلم المربي المتقن المتفنن عض عليه بالنواجذ. ممتاز، إذاً هذه الخطوة الأولى: أن أبحث عن المعلم الذي يتفرغ لي، فإن وجدت معلما يتفرغ لتعليمي وأفهم على طريقته وعلى أسلوبه فحينئذ ألزمه وأتعلم المذهب الذي ينتسب إليه ولو كان مخالفاً لمذهب بلدي.

الخطوة الثانية: إذا ظفر الطالب بمدرسين، مجموعة من المدرسين والحمد لله، متفرغين في أكثر من مذهب وكلهم على قدر عال من الاتقان والفهم، فهنا نعم، هنا نقول الأفضل للطالب أن يختار مذهب بلده الذي عليه الناس حتى لا يغرب عليهم في الفتيا. مثلاً أنت تقيم في بلد وفي هذا البلد هناك من يدرس مذهب الحنفية بإتقان، وهناك من يدرس مذهب الحنابلة بإتقان، وهناك من يدرس مذهب الشافعية بإتقان. فهنا في الحقيقة الأصل، وهذا كثير عند أهل العلم، أن يلتزم الطالب بمذهب بلده حتى لا يغرب على عموم الناس؛ لأنك الآن مثلاً تقيم في بلد الناس تسير فيها على فتوى الشافعية، فأنت تكون على مذهب المالكية، هنا سيكون هناك إشكال على الناس لما تبدأ تفتيهم، يقول: والله هذا ما سمعناهوش يا شيخ! وهذا أول مرة بنسمعه في بلدنا! وهكذا العوام للاسف تصطدم معهم إذا أفتيتهم بشيء لم يسمعوه سابقاً، لا يعرفون شيئاً اسمه خلاف وأقوال ومذاهب، فلا تتعبهم ولا ترهقهم. لكن متى تختار مذهب البلد؟ إذا وجدت الشيخ المتقن الذي يعلمك مذهب البلد، عض عليه بالنواجذ، نحن نتفق على هذا. لكن إذا لم تجد شيخاً يعلمك مذهب البلد لم تجد، فهل تبقى تنتظر؟ لا، تعلم أي مذهب ينتسب إليه هذا الشيخ المهم أن تسير السفينة. إذاً، إذا ظفر الطالب بمدرس يعلمه مذهب بلده أو بمجموعة من المدرسين كل منهم له مذهب وكلهم متقنون، فيختار منهم الذي يدرس مذهب البلد حتى لا يغرب على الناس.

طيب، بعض طلبة العلم نأتي للخطوة الثالثة: بعض طلبة العلم يقول: يا شيخ في بلدنا هناك العديد من المذاهب منتشرة، يعني قسم من الناس حنفية وقسم من الناس شافعية، فهي أصلاً لا يوجد مذهب للبلد، إما لا يوجد مذهب للبلد أو هناك العديد من المذاهب السائدة في البلد؛ ففي هذه الحالة أي مذهب تنصحني أن أختار؟ وقد وجدت مدرسين على كل المذاهب. في هذه الحال يا طالب العلم، استخر الله سبحانه وتعالى وانظر نظراً ولو ببادئ الرأي إلى ما سطره الأئمة من سير أصحاب المذاهب المتبوعة؛ فأيهم وجدت قلبك يرتاح إليه وشعرت أنك تميل إلى طريقته فاذهب إلى مذهبه واطلبه. هذه الخطوة الثالثة والأخيرة: إن بلدك لا يوجد فيها مذهب أصلاً مثل بعض البلاد اليوم التي لا تطبق فيها الشريعة، أو في بلدك العديد من المذاهب ووجدت مدرسين الحمد لله على كل المذاهب، يعني الأمور عندك تمام.

فهنا أي مذهب أختار؟ أقول هنا تستعين بالله سبحانه، بالتأكيد أنت لست مرجحاً وعالماً كبيراً، ما زلت في خطواتك الأولى، فنقول لك: استعن بالله أولاً، وسل الله التوفيق، وأن يختار لك المذهب الذي يمكنك أن تسير فيه، وأن يختار لك المذهب سبحانه وتعالى الذي يفتح فهمك له. وأنظر فيما قاله العلماء.

تصير الأئمة المتبوعين، وما يختاره، وما ترتاح إليه، وما تميل إليه، وتشعر في بادئ الرأي أنه الأقرب للصواب؛ اذهب فاختر وسر وتوكل على الله، ولا تبق خائفاً متأرجحاً متذبذباً، المهم أن تسير هذه السفينة.

فهذه إذاً هي الخطوات التي بها يختار الطالب المذهب؛ أولاً: يهتم بإيجاد المعلم، فمتى ظفر بمعلم، بأكثر من معلم، فهنا يختار مذهب، فمتى وجد أكثر من مذهب للبلد، فهنا يستعين ويستخير الله سبحانه وتعالى، ويذهب إلى ما يحسب ببادئ الرأي أنه الصواب، والله سبحانه وتعالى هو الهادي لنا جميعاً.

طيب، القاعدة الأخيرة، نعم الآن في التمذهب، هو كيف أدرس المذهب عموماً؟ طالب العلم يسألني: يا شيخ، كيف أدرس المذهب؟ أنا الآن في شرح أخصر المختصرات، في أول ثلاث محاضرات بينت الطريقة الصحيحة في دراسة مذهب الحنابلة رضوان الله تعالى عليهم، لذا هنا ساقتصر على كلام جمري عام في طريقة دراسة المذهب عموماً.

ساقتصر على كلام جولي العام في طريقة دراسة المذهب عموماً، أي مذهب كان؛ الحنابلة أو غيره من المذاهب. ومن أراد أن يعرف المنهجية العلمية في دراسة مذهب الحنابلة بالتحديد، فليعد إلى مقدمات أخصر المختصرات الدروس الثلاثة الأول جميل.

فنقول: اه إخواني، الطريقة الأقعد والاضبط والأخصر في دراسة المذهب أن تجمع بين الحفظ والفهم، أعيد وأقول: الطريقة الأقعد والاضبط والأخصر في دراسة المذهب أن تجمع بين الحفظ وبين الفهم. الحفظ وحده لا يكفي، والفهم وحده لا يكفي، فالطريقة الاصوب والاقعد عند العلماء رحمة الله عليهم، هذا العنوان العريض، أو هذا العنوان العريض.

بعد ذلك ساسير معك في خطوات؛ أولاً: يأخذ المتمذهب كتاباً مختصراً في المذهب، كتاباً مختصراً في المذهب على قول واحد، لا يذكر الروايات والأوجه، لا لا، هكذا تتعب، تأخذ كتاباً مختصراً على قول واحد، يفك عبارة هذا الكتاب على شيخ، أهمية الشيخ هنا عظيمة جداً.

يفك على شيخ متقن، ويتصور المسائل من دون أن يتطرق للادلة ابتداءً، ويتأكد من حسن تصوره للمسائل، ثم يحفظ هذه المسألة إلى أن يحفظ الكتاب بالكلية. إذاً تأخذ كتاباً مختصراً على مذهبك، يعتمد قولا واحداً هو القول المشهور الذي عليه الفتيان، تفك هذا الكتاب، وتفك المسائل على شيخ، هذا الشيخ وظيفته أن يصور لك المسألة، وهذه أول خطوة وأخطر خطوة في التمذهب.

لأنني مع مناقشتي لكثير من الطلبة، أجدهم لا يتصورون حقيقة المسألة أصالةً، لا يفهمون طبيعة المسألة، خاصة في البيوع أو في المناكحات أو في الأقضية، هو غير متصور ما هي الصورة وشكل المسألة، وهذا في الحقيقة يؤدي إلى ضعف في الفتية أو خطأ خطير. فينبغي أن تهتم ابتداءً يا طالب العلم بتصور المسائل وفهم حقيقة المسألة.

لا تنشغل ابتداءً بالأدلة، تأتي الأدلة في مرحلة أخرى، لكن ابتداءً عليك بتصور المسائل من خلال كتاب مختصر تفكه على شيخ متقن، وكل مسألة أحسنت تصورها تحفظها، إلى أن تحفظ الكتاب بالكلية، جميل.

الخطوة الثانية: يدرس الطالب كتاباً مختصراً في أصول مذهبه، ويحرره أيضاً على شيخ متقن. بعد أن تدرس كتاباً مختصراً في فروع المذهب وتتصور المسائل الفقهية على شيخ متقن، ثانياً: عليك أن تدرس كتاباً مختصراً في أصول الفقه لمذهبك؛ أصول الفقه الحنفي، أصول فقه الحنبلي، وتفك هذا الكتاب الأصول المختصر على ماذا؟ على شيخ متقن أيضاً، ممتاز.

الخطوة الثالثة: بعد ذلك يعود طالب العلم المتمذهب، فيمر على كتاب آخر في فروع الفقه أوسع قليلاً من الكتاب السابق، ويكون هذا الكتاب الثاني الذي تدرسه في فروع المذهب أولاً أوسع من الكتاب السابق، ولكنه على قول واحد أيضاً، لا تستعجل الوصول إلى الروايات والوجوه، لا، اقتصر على قول واحد مرة أخرى، ويقرأ الكتاب الثاني على شيخ، ويفكه، ويتصور المسائل مرة أخرى من خلال هذا الكتاب مع ما فيه زيادات، مع ما فيه من زيادات.

إخواني، بعض طلبة العلم يظن أنه بمجرد أن يقرأ أخصر المختصرات لابن بلبان الدمشقي أنه خلص ضبط المسألة الفقهية! من خلال الأقصر، إبراهيم الحربي تلميذ الإمام أحمد بن حنبل كان يقول: كنت أسمع المسألة من أحمد بن حنبل ألف مرة. يا الله، حرص على العلم! ألف مرة يعيد المسألة حتى تنقش هذه المسألة في عقله وترسخ رسوخاً.

الإخوان، الفقه لا يضبط لا بمرة ولا بمرتين ولا بمرور على كتاب ولا كتابين، يجب أن تعطيه الكثير من سنوات العمر حتى تضبط المسائل وتحكم الأقوال. واما طالب العلم الذي يروم أخذ الفقه جملة والله سيضيع منه جملة، هكذا هي الحياة، الإنسان له طاقات في الاستيعاب، والعقل له قدرات. دعك من القصص الخارقة أن فلان ضبط المذهب في سنة أو في سنتين، أو من آتاهم الله ملكات عالية.

فأغلبنا إنما هو من الطبقة المتوسطة، فبالتالي الطريقة الصحيحة أن تمر على المسألة الفقهية الواحدة من أكثر من كتاب، وتعيد تصورها في أكثر من مجلس. وأما أن تظن أن من مجلس واحد حفظتها ولن تنساه، فهذا وهم يا طالب العلم.

إذاً الخطوة الثالثة نعيدها: أن تمر على كتاب آخر في فروع المذهب أوسع من الكتاب السابق، لكنه على قول واحد، أقرؤه على شيخ ويفك المسائل ويتصورها من جديد. الخطوة الرابعة: بعد ذلك يأخذ كتاباً ثالثاً أوسع من سابقيه ويكون على قول واحد. الآن هذه الخطوة الثالثة اختيارية، أنا أظنها وليست إلزامية، ولكن أنا أفضلها لك يا طالب العلم، وصدقني ستجد فيها نفعاً.

أنا أعرف أنك تقول: يا شيخ، كتاب ثالث على قول واحد أيضاً؟ نعم، قل هذه النصيحة فإنها نصيحة مجرب؛ خذ كتاباً ثالثاً أوسع من سابقيه، من الأول والثاني، على فروع المذهب، وليكن على قول واحد. ويجعل ويجعل هذا الكتاب الثالث الذي هو أوسع من سابقيه، اجعل هذا الكتاب هو عمدتك في المذهب. خلص، هذا الكتاب هو الذي ستعيش معه سنوات العمر، هو العمدة الذي مع مرور العمر ستعود إليه لمراجعة مسائل المذهب، ولتذكر ماذا قال في هذه المسائل، وما هي الطريقة التي اختارها أصحابك؟

هذا الكتاب الثالث سيكون هو العمدة، لأنه واسع وعلى قول واحد فهو مريح جداً، ومع أنه متوسع أيضاً، فيجعله عمدته في المذهب، ويهتم بهذا الكتاب الثالث دراسة وتحليلاً وحفظاً. شف، الكتاب الأول تحفظ وتحلل المسائل، الكتاب الفقهي الثاني تحلل المسائل ولا حاجة للحفظ، الكتاب الثالث الذي ستجعله العمدة في حياتك تحفظه وتفهمه.

ولا إشكال لو أنك نسيت الكتاب الأول، هاي المرحلة لا إشكال لو نسيت الكتاب الأول، فإنك ستدأ تدرس الكتاب الأول لطلبة العلم الصغار الناشئة، فحينئذ يبقى الكتاب الأول حاضراً معك من خلال التدريس، وعمدتك في الحفظ والمراجعة على هذا الكتاب الثالث، جميل؟ جميل.

إذاً يجعل هذا الكتاب الثالث عمدته في المذهب، ويهتم به دراسة وتحليلاً وحفظاً، ويبدأ في هذه المرحلة، هذه المرحلة وأنت تقرأ هذا الكتاب الثالث ابدأ في هاي المرحلة الاطلاع على أدلة المذهب في هذه المسائل المعتمدة، لأنه هذا الكتاب الثالث إذا كان كتاب معتمد في المذهب وله شروح، ستجد الشروح هذا الكتاب تهتم بذكر الأدلة، فتأخذ شرحاً يهتم بذكر الأدلة، وتبدأ بدراسة أدلة المذهب على المسائل الفقهية.

خلال مرحلة دراستك للكتاب الثالث الفقهي أو بعدها كما شئت، عليك أن تأخذ كتاباً متوسطاً في أصول مذهبك، الكتاب الآخر هذا الثاني في أصول المذهب، ويبدأ ويحاول مع شيخه أن يطبق القواعد الأصولية التي يدرسها في هذا الكتاب المتوسط، يبدأ يطبقها على فروع المذهب، ليعرف كيف يربط بين الفرع وبين القاعدة الأصولية، جميل.

بعد الفراغ من هذه المراحل، ينتقل الطالب إلى موسعات المذهب، تنتقل إلى موسعات المذهب التي تقرر المعتمد في المذهب، ويقوم بتلخيص أو تهذيب كتاب موسع منها. فمثلاً نحن الحنابلة بعد أن ينهي الطالب أخصر المختصرات ودليل الطالب وزاد المستقنع الروض المربع، ينتقل في المرحلة التي تليها إلى موسعات كتب المذهب.

فيأخذ منتهى الإرادات والإقناع، يبدأ يدرس منتهى الإرادات والإقناع من خلال شروحها المعتمدة ويلخصها، لأنه صعب تحفظ منتهى الإيرادات والإقناع، لكن عليك أن تلخص فحوى هذين الكتابين مع فحوى الشروح عليهما في مذكرات وكتب وأوراق، عليك بالتلخيص. مرحلة التلخيص مرحلة مهمة جداً، سترتب لك الامور للمستقبل يا طالب العلم، وسيصبح عندك دفاتر كتب وسجلات قد دونت فيها المذهب.

هذه طريقة العلماء في دراسة المذهب وفي إتقانه، أما مجرد تظن أنك إذا حضرت معي دليل الطالب ستصبح إماماً على مذهب الحنابلة، كلا والله الأمر ليس كذلك يا طالب العلم. هذه مرحلة من المراحل، هناك مرحلة الأخصر ومرحلة دليل الطالب ومرحلة زاد المستقنع مع شرحه الروض المربع، ثم تنتقل لمرحلة التوسعات. وفي أثناء مرحلة دراستك للأخصر ودليل الطالب زاد المستقنع، عليك أن تدرس كتاب كحد أدنى في أصول المذهب كحد أدنى، وإن كان الكتاب الثالث أراه أيضاً جيداً ومهماً في إتمام الصورة لديه، فتدرس أصول المذهب، ادرس فروع المذهب، جيد.

بعد أن ينتهي الطالب من دراسة الكتب الموسعة في المذهب التي تسير على قول واحد، حينئذ ينتقل إلى مرحلة متقدمة؛ يدرس كتب المذهب التي تتطرق إلى عدة روايات وعدة أقوال للإمام في المسألة. فعند الحنابلة بعد أن ننتهي من منتهى الإيرادات والإقناع، ينتقل الطالب إلى كتب المذهب التي تذكر الروايات ووجوه الأصحاب، كالانصاف والفروع، وكذلك الكافي لابن قدامة، يهتم بدراسة هذه الكتب وجردها والمرور عليها وإدامة النظر فيها.

إذا فرغ الطالب من مرحلة معرفة الروايات وأشهر الأقوال داخل دائرة المذهب، الخطوة الأخيرة: أن يدرس الفقه المقارن، ولأسف هذه الخطوة الأخيرة التي تأتي بعد سنوات من دراسة المذهب، اليوم في جامعاتنا يضعونها الخطوة الأولى! فرأيت بعضهم يفرض على الطلبة أن يلخصوا المغني، وذاك يفرض عليهم أن يلخصوا المجموع، وقد درسنا في بعض المعاهد الشرعية بداية المجتهد، وهذه كلها أخطاء علمية فادحة، إياك أن تقتنع بها يا طالب العلم.

عقلك لا يوعب أن تدرس في المسألة الواحدة أربعة أو خمسة أو ستة أقوال للمذاهب كلها، ستضيع وتضيع المسائل وتتبخر، واتعظوا من أنفسكم، فكم من طالب منكم تخرج من هذه الجامعات التي تدرسه الفقه المقارن في بداية حياته، وهو الآن لا يضبط شيئاً! أنا لا يمكن اقتنع أن هناك طالب ضبط الفقه وتأصل من خلال كتب الفقه المقارن، إلا يعني أصحاب الفتوحات والكرامات فهؤلاء شأنهم آخر، لكنني أتكلم عن الحالة الأصلية الطبيعية.

تمام، طيب، هذه إذاً خطوات سريعة ذكرتها لكم لتتعرفوا طريقة الانتقال، طبعاً هناك بعض المسائل في الحقيقة قفزت عنها، حتى أنا أدرك أنكم متشوقون لنبدأ بدليل الطالب، وبعض الطلاب لا يحب كثرة المقدمات، لذلك يعني اقتصرت على ما ذكرته في هذه المقدمات من فوائد، أسأل الله أن نكون وفقت في إرسالها إليكم.

أخيراً نختم المحاضرة بتعريف سريع بكتاب دليل الطالب. كتاب دليل الطالب الذي نشرحه في هذه الدورة، اسمه كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله عليه، إمام كبير من علماء المذهب الحنبلي من المتأخرين. في هذا الكتاب لا يذكر الإمام مرعي بن يوسف الكرمي خلافاً في المسائل، وإنما يقتصر على قول واحد هو المعتمد في الفتية عند الحنابلة، وخرج عن المذهب في مسائل محدودة جداً لم يصب فيها المعتمد، لكن جل الكتاب على المعتمد في الفتوى.

وقد اختصر كتابه من كتاب منتهى الإيرادات للإمام ابن النجار الفتوحي، فكتاب دليل الطالب هو مختصر من كتاب منتهى الإيرادات لابن النجار الفتوحي، وهو قد أشار إشارة بديعة إلى هذا الاختصار في المقدمة، ولعلنا نقرأها في المجلس القادم بإذن الله.

يقول الشيخ مرعي الكرمي في مقدمة كتابه دليل الطالب، يقول: وهذا، أي هذا الكتاب، مختصر في الفقه على المذهب الأحمد، مذهب الإمام أحمد بن حنبل، بالغت في إيضاحه رجاء الغفران، وبينت فيه الأحكام أحسن بيان، لم أذكر فيه إلا ما جزم بصحته أهل التصحيح والعرفان، وعليه الفتوى، يعني عليه المعتمد في مذهب الحنابلة، وعليه الفتوى فيما بين أهل الترجيح والإتقان.

هذا الكتاب إخواني إذاً كتاب مختصر، يذكر قولا واحداً في مذهب الإمام، إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل، وعلينا إذاً وظيفتنا في هذا الكتاب أن نمر على المسائل مسألة مسألة، وأن نتصور المسألة، وما الحكم الشرعي الذي ذكره فيها، من دون أن نتطرق لأدلة المسائل إلا على وجه التبع والاختصار، وإلا فنحن الآن في مرحلة تصور المسائل ما زلنا، ومعرفة هذه المسألة ما حكمها وهذه ما حكمها؟ وستعرفون أن هناك مئات المسائل سنمر عليها، سنمر على مئات المسائل، لا مجال في هاي المرحلة أن نمر على المسائل مع أدلتها، هذا يأخذ وقتاً طويلاً بطالب العلم وهو بعد لم يضبط أصول المسائل بعد.

فإذاً اختيارنا لهذا الكتاب لأنه مختصر نوعاً ما، طبعاً ليس كثيراً مختصراً، ويذكر القول من دون دليله، الميزات التي ذكرها العلماء لهذا الكتاب: أنه مختصر كما ذكرنا، ثانياً: يذكر المعتمد في المذهب، ثالثاً: دقيق العبارة، رابعاً: أنه أيضاً سهل العبارة، يعني هو دقيق العبارة عبارة منضبطة وفي الوقت سهلة لا يوجد فيها تعقيد، خامساً: يخلو من ذكر الدليل، وهذه البعض أظنها سلبية، بالعكس هذه ميزة في هذه المرحلة من مراحل التعلم، لأنه يصعب أن تخلط أو أن تجمع كل شيء مرة واحدة.

إذا اقتصر على رواية واحدة هي الراجحة في المذهب. سابعا: وهي أهم ميزات هذا الكتاب أنه مرتب ترتيب عالي، هذه في الحقيقة ميزة لهذا الكتاب يفوق بها أكثر المختصرات وزاد المستقنع حسن الترتيب عند الإمام مرعي الكرمي. فالكتاب منسق الأفكار، مرتب بدرجة عالية تجعله حتى يصلح أن يكون كتابا للانظمة الجامعية. هذه ميزات الكتاب، طيب ما هي أهم الشروح الموجودة على هذا الكتاب حتى نقتنيها؟ في الحقيقة هناك العديد من الشروح.

إذا هذا مخدوم أكثر من كتاب أخصر المختصرات. سأذكر لكم أهم الشروح سريعا، أنا ذكرت مجموعة كبيرة لكنني ساقتصر على أهمها. أهم الشروح أولا: شرح نيل المآرب بشرح دليل الطالب للتغلبي، وهذا الشرح مشهور في الحقيقة على الكتاب. شرح اسمه نيل المآرب بشرح دليل الطالب للفقيه عبدالقادر بن عمر التغليبي، هذا الكتاب وإن كان مشهورا في شرح كتاب دليل الطالب لكنه في الحقيقة ليس محررا.

لكنه ليس محررا، والفائدة إنما تكتمل إذا أضفت إليه حاشية الإمام اللبدي. الإمام عبدالغني بن إسماعيل اللبدي وضع حاشية على شرح التغلبي تسمى تيسير المطالب إلى فهم وتحقيق نيل المآرب شرح دليل الطالب. فنيل المآرب هو الشرح التغلبي لكنه غير محرر، وضع على هذا الشرح الإمام اللبدي حاشية سماها تيسير المطالب في فهم وتحقيق نيل المآرب. وكأن الإمام اللبدي رأى أن نيل المآرب يحتاج إلى تحقيق وأن الكلام فيه غير محرر، فهذه الحاشية مهمة ومفيدة جدا للطالب الذي يرغب بدراسة دليل الطالب مع المرور على كلام الشراح عليه، الحاشية بالنسبة لي أهم من الشرح حاشية اللبدي.

أيضا هناك منار السبيل، وأظنه معروف جدا لأحبابنا كتاب منار السبيل للشيخ ابن دويان رحمة الله عليه منار السبيل في شرح الدليل، لكنه يذكر معه الأدلة ويستفيد في ذكر الأدلة. لذلك أنا لا أذهب كثيرا إلى أن يقتني الطالب هذا الكتاب إلا في مرحلة أخرى من المذهب حينما يبدأ المرور على الأدلة، لكن في هاي المرحلة بما أننا مرحلة تصور المسائل فلست كثيرا مع اختيار هذا الكتاب وإن كان كتابا لطيفا ومهما.

الكتاب الأخير الذي سأذكره في شرح دليل الطالب وهو الذي أنصحكم جميعا باقتنائه، ولكنه في الحقيقة شرح حاشي على دليل الطالب، لأنه ضخم، هذه حاشية ضخمة تصل إلى مرتبة الشروح في ثلاثين كراسة قديما، واليوم تجدونها في ثلاث مجلدات، وهي حاشية الدليل للإمام ابن عوض المرداوي رحمة الله عليه تسمى فتح وهاب المآرب، فتح وهاب المآرب حاشية أو قل شرح للإمام محمد بن عوض المرداوي على كتاب دليل الطالب.

وهي نفيسة جدا أو شرح نفيس جدا لهذا الكتاب، هو الذي أعتمده وهو الذي أختاره لكم إذا أردتم أن تضبطوا العبارات وتفككوها ويكون معكم شرح تستصحبونه خلال هذه الدورة. هذا الشرح أو هذه الحاشية تجدونها على مواقع النت وتجدون أنها أيضا مطبوعة في بعض المكتبات، ربما في بلادنا قل الاهتمام بتراث الحنابلة، لكن في دول أخرى تجدون هذا الكتاب أو هذه الحاشية موجودة وهي مهمة جدا، واعتبروها أصل لهذا الكتاب، يعني أنا ذكرت لكم حاشية ابن عوض هي المقدمة لدي، ثم بعدها حاشية اللبدي.

وهناك كتب وشروح أخرى لهذا الكتاب لكنها ليست مشهورة شهرة اللبدي وابن عوض. هذا إذا باختصار أجواء عامة حول التمذهب، بعض المسائل التي تتعلق بالتمذهب حول دليل الطالب، ميزة هذا الكتاب ما أهم الشروح وما هو الشرح الذي نوصي به. في المحاضرة القادمة بإذن الله نبدأ رحلتنا مع الإمام مرعي الكرمي. نسأل الله التيسير والتسديد، ونسأل الله أن يصوبنا فيما قلنا، ما أصبينا فمن الله وما أخطأنا فمن أنفسنا ومن الشيطان، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.