دخولتسجيل الدخول

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسائلين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي في مجلس جديد في هذه الدورة المباركة، نشرع فيه بحول الله في مدارسة كتاب دليل الطالب لنيل المطالب للإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه.

وقبل أن نشرع أحبتي في المدارسة، أحب أن أنبهكم على شيء، وهو أن مثل هذه المصنفات والمختصرات التي وضعها العلماء تحتاج إلى جهد وإلى تعب من الطالب في تحريرها، وفي الوقوف عند المسائل وضبط القيود والشروط. ستعرفون بإذن الله حينما تدرجون في هذا الكتاب أن كل مسألة فقهية لها قيود وشروط وضرابط، وأنها تحتاج إلى جهد لتتصور بالصورة الصحيحة، وأن عملية تحليل المسألة وربط المسألة التالية بالسابقة وتشجير الباب، هذا كله يحتاجه طالب العلم إذا أراد أن يصل إلى الثمرة المرجوة من دراسة هذه المصنفات.

باختصار، دراسة هذا الكتاب أحبائي ليست كدراسة الكتب الجامعية؛ مجرد قراءة سريعة ورؤوس أقلام تظن نفسك أنك ضبطت الكتاب. ولا تظن يا طالب العلم أن مثل هذه الكتب تنتهي بالمجلس أو المجلسين أو الثلاثة أو الأربعة أو العشرة، هذه الرحلة تحتاج مني ومنكم لجهد حتى نمر على هذه المسائل ونحررها ونتدارسها وتتلاقح الأفهام، ويقوم الطالب بمذاكرة المسألة مرتين وثلاثة وأربعة وخمسة، ويعيد ويذاكر الزملاء، ويطرح المسألة على زوجته أو الزوجة تطرحها على زوجها. بالمذاكرة وإعادة النظر وإدامة القراءة لهذا الكتاب تضبط المسائل الفقهية، وهذا المنهج في كل المذاهب، سواء مذهب أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد.

لأن بعض الطلبة للأسف يدخلون في مثل هذه الدورات والمجالس، فيكتشفون أو يصطدمون بأن هذه الدراسة المذهبية دراسة معمقة، دراسة فيها قيود وشروط، وكل مسألة تحتاج لنظر وتحتاج لهدوء في فهمها، ولا يمكن أن يتعجل فيها كما يتعجل في قراءة الكتب العامة أو الكتب الثقافية. نعم، كل كتاب له طريقة في الدراسة أحبائي، فاعرفوا قدر هذه الكتب وإياكم أن تأخذوها بالهوينى، هي بإذن الله سهلة ميسرة على من يسرها الله سبحانه وتعالى عليه وعلى من يأخذ بالسبب؛ يسمع للمدرس، يكون بيده قلم يعلق بالقرب من المسألة أو على دفتر خارجي، أو يطبع الكتاب كما فعلت أنا ويعلق على صفحة بيضاء بجنب المتن.

المهم أن يحسن الطالب ترتيب المعلومة، الاستماع، تقييد الفوائد، النظر في المسألة أن يتأكد من فهمها، ثم يطرحها على زملائه وأصدقائه، ويعقد مجلس أسبوعي للمذاكرة. هذه الرحلة المستمرة هي التي تؤتي أكلها بإذن الله. وأما كما قلت لكم الدراسة الضعيفة أو مجرد السماع من دون أن يكون بين يديك كتاب وقلم تعلق، ففي الحقيقة هذه الدراسة قل أن تؤتي أكلها، وإن كانت يعني لا تخلو من فائدة عموماً، لكن ليست هي الدراسة التي نبحث عنها لطالب العلم. اليوم بإذن الله كما وعدناكم سنشرع في مدارسة هذا الكتاب من بدايته، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح فهومنا، وأن ييسر أمورنا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل رحلتنا في هذا الكتاب المبارك رحلة ميمونة تتكلل بالنجاح، وأن يعيننا على الوصول إلى نهايته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

سأشرع في قراءة مقدمة الكتاب من المتن مباشرة، ثم أذهب كما قلت لكم أنني طبعت الكتاب بهذه الصورة حتى أستطيع أن أعليق بشكل منسق ومرتب على جنب المتن، لأن مثل هذه الكتب إخواني المرتبة وهذه الطبعات الفاخرة لو أن الطالب بقلم الحبر سيعلق عليها في الحقيقة، وهنا فائدة وهنا فائدة، الكتاب سيصبح منظره غير منسق وغير منظم، ولعل الطالب تنفر نفسه في فترة لاحقة من القراءة منه، لذلك نحاول أن أحافظ على الكتاب ببهجته حتى يكون الكتاب مصدرا لمذاكرة المتن، وأما الفوائد والتعليقات والتنبيهات فالأصل أن الطالب يطبع المتن في أوراق ويكون هناك ورقة بيضاء فارغة بجنب صفحة المتن، هذه الورقة البيضاء الفارغة تعلق عليها الزيادات، والمتن المطبوع هنا تعلق عليه الفوائد، ويبقى الكتاب الأصلي بين يديك جليا واضحا من دون أن تكون الصفحة فيها العديد من الخرائط والأفكار المشتتة التي قد تشتت الذهن أثناء المراجعة والمذاكرة من الكتاب الأصلي. المهم سأبدأ الآن بقراءة المقدمة بإذن الله ثم نشرع في كتاب الطهارة.

قال الإمام مرعي بن يوسف الكرمي رحمة الله تعالى عليه: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مالك يوم الدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبين لأحكام شرائع الدين، الفائز بمنتهى الإرادات من ربه. لاحظوا هنا ماذا قال؟ الفائز بمنتهى الإرادات! هذه تسمى براعة استهلال عند البلاغيين، وكأن الشيخ مرعي إنما أتى بكلمة بمنتهى الإرادات هنا، وهو في الحقيقة اسم كتاب ومتن مهم عند السادة الحنابلة، وهو متن منتهى الإرادات الذي صنفه الإمام ابن النجار الفتوحي. أخذ الإمام مرعي الكرمي كلمة منتهى الإرادات وأوردها في المقدمة في هذا السياق من باب براعة الاستهلال، وكأنه يشير إشارة لطيفة إلى أن هذا المتن دليل الطالب إنما هو مختصر من كتاب منتهى الإرادات لابن النجار الفتوحي.

طبعاً هو ما صرح لكنه أشار إشارة لطيفة تسمى في علم البلاغة براعة الاستهلال، لما أتى بكلمة منتهى الإرادات في قوله: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبين لأحكام شرائع الدين الفائز بمنتهى الإرادات من ربه، التقطنا هذه الفائدة وعرفنا أنه يشير إلى أن هذا الكتاب الذي بين أيديكم مأخوذ من كتاب منتهى الإرادات لابن النجار الفتوحي، لكن منتهى الإرادات موسع وهذا مختصر، جيد.

قال: فمن تمسك بشريعته فهو من الفائزين، صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى آل كل وصحبه أجمعين. وبعد، فهذا مختصر في الفقه على المذهب الأحمد مذهب الإمام أحمد، بالغت في إيضاحه رجاء الغفران، وبينت فيه الأحكام أحسن بيان، لم أذكر فيه إلا ما جزم بصحته أهل التصحيح والعرفان، وعليه الفتيا فيما بين أهل الترجيح والإتقان، وسميته بدليل الطالب لنيل المطالب. فبين منهجه في هذا الكتاب وهو أنه يقتصر فيه على قول واحد هو عليه الفتوى أو المعتمد عند السادة الحنابلة رحمة الله تعالى عليهم. ثم ختم فقال: والله أسأل أن ينفع به من اشتغل به، وأن يرحمني والمسلمين إنه أرحم الراحمين.

هكذا انتهت المقدمة المختصرة التي بدأ فيها بالحمد والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بين فيها ما هذا الكتاب الذي شرع في تصنيفه، وختم بسؤال الله سبحانه وتعالى القبول والمغفرة له وللمسلمين. ونشرع الآن في الكتاب الأول من كتب هذا المصنف المبارك، وهو كتاب الطهارة.

وعليكم أن تعرفوا إخواني أن الفقهاء عموماً يبدأون بكتاب العبادات أو قسم العبادات قبل قسم المعاملات، لأن الشعائر التعبدية منزلتها في الدين أعظم من منزلة المعاملات والمناكحات والأقضية، الشعائر التعبدية منزلتها في الدين أعظم من منزلة المعاملات الحياتية. ثم ما هي الشعائر التعبدية الأساسية؟ الصلاة والزكاة والصيام والحج، ويتبعونه بالجهاد. هذه الخمسة، وأهم هذه الخمسة الصلاة، فلذلك لابد أن يبتدأ بالصلاة قبل الزكاة والصيام والحج والجهاد، ولما كان شرط الصلاة الطهارة، والشرط متقدم على المشروط، فبدأوا بالطهارة باعتبارها مفتاحاً للصلاة، بدأوا بالطهارة باعتبارها مفتاحاً للصلاة وشرط أساسي لها، فقالوا كتاب الطهارة. فنبدا إذاً معهم في تحليل هذا الكتاب والوقوف على مسائله.

كتاب الطهارة. الكتاب أحبتي في اللغة كلمة كتاب ما معناها؟ الكتاب في اللغة هو الضم والجمع، وكلمة كتاب هي في الحقيقة مصدر، مصدر للفعل الثلاثي كتب. الفعل الثلاثي كتب أحبائي له ثلاثة مصادر، يقولون كتب كتاباً وكتابة. لاحظوا، كتب مصدره الأول كتباً، الثاني كتاباً، الثالث كتابة بالتاء، فإذاً كتاب هو في الأصل أحد مصادر الفعل الثلاثي كتب.

لكنه كثيراً ما ينقل في الاستعمال، ويستخدم استخدام اسم المفعول، فكثيراً ما يطلقون الكتاب ويريدون به المكتوب، فحينما نقول هذا كتاب في الحقيقة نحن لا نريد المعنى المصدرى. الآن الكتاب معناه الحقيقي المصدر، والمصدر يدل على الحدث وهو الكتب، لكن الكتاب كثيراً ما ينقل كما قلت لكم ويستعمل استعمال اسم المفعول، وهذا نوع من المجاز عند العرب، ونوع من التوسعات المعروفة في العربية أن يطلق المصدر ويراد به اسم المفعول ولا يراد به المعنى الحقيقي للمصدر وهو الحدث. فحينما نقول هذا كتاب دليل الطالب، كلمة كتاب هنا ليست على معناها المصدرى وهو الحدث، وإنما أطلق الكتاب وأريد المكتوب، أي هذا مكتوب دليل الطالب. وحينما نقول هذا كتاب الطهارة، المراد هذا مكتوب الطهارة. فإذاً كلمة كتاب هنا تقول أصلها مصدر، والمصدر يدل على الحدث، لكنها هنا استعملت بمعنى اسم المفعول مكتوب، فكأن التقدير مكتوب الطهارة، أي هذا مكتوب الطهارة. جميل؟ هذا هو المعنى يعني اللغوي للكتاب.

أما المعنى الاصطلاحي، ففي اصطلاح المصنفين إخواني حينما يقسمون المتون والمصنفات العلمية إلى كتاب، وتحت الكتاب أبواب، وتحت الأبواب فصول، هنا في هذا الاصطلاح المعرفي يكون المراد بالكتاب كتاب الطهارة أو كتاب الصلاة، ماذا يكون المراد به؟ يكون المراد بكلمة كتاب مجموعة من المسائل العلمية تندرج تحتها أبواب وفصول غالباً. هكذا يعرف في الاصطلاح، تقول الكتاب في اصطلاح المصنفين وفي اصطلاح أصحاب المتون المراد به مجموعة من المسائل العلمية مشتملة على أبواب وفصول تحتها في الغالب. أنه في الغالب الكتاب يكون تحته أبواب، والأبواب تحتها فصول، فكل كتاب كتاب الطهارة تحته أبواب وفصول، والصلاة أبواب وفصول، أحياناً ممكن يكون الكتاب تحته فصول مباشرة من دون أبواب، ما في مشكلة، فهذه كلها اصطلاحات للمصنفين.

فهذا مرور سريع على كلمة الكتاب من حيث اللغة ومن حيث الاصطلاح. ومن حيث الاصطلاح أعيد مرة أخيرة فأقول: الكتاب اسم لمجموعة من المسائل العلمية، لما تقول مثلًا كتاب الطهارة على ماذا يدل هذا؟ يدل على مجموعة من المسائل العلمية المتعلقة بالطهارة، ويندرج تحتها فصول كما سيأتي معنا، فسنجد أول فصل في المياه، ثم فصل في أحكام الاستنجاء أو في الأواني مثلًا، ثم في أحكام الاستنجاء وآداب الخلاء ثم وهكذا وهكذا حتى نصل إلى نهاية كتاب الطهارة، ثم ننتقل إلى كتاب الصلاة، أي مجموعة من المسائل العلمية في الصلاة تنقسم إلى أبواب وفصول أو إلى فصول ممكن من دون ذكر أبواب، فتجد المواقيت وشروط الصلاة وهكذا إلى آخر الكتاب الفقهي كله، تجدون كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، وكل كتاب تحته فصول وأبواب. جميل.

الآن بعد أن حللنا كلمة كتاب دعوني أنتقل معكم إلى كلمة الطهارة. الطهارة في اللغة إخواني، دعوني دائمًا أنا أحب أن أحلل المعنى اللغوي حتى أفهم المعنى الفقهي. الطهارة مصدر، مصدر للفعل الثلاثي طَهُرَ طَهُورَة على وزن فَعُولَة. الفعل الثلاثي طَهُرَ مصدره طهارة، وهذا نص عليه ابن مالك في ألفيته لما قال: فَعُولَةٌ فَعَالَةٌ لِفَعُلا كَسَهُلَ الأمرُ وزيدٌ جَزُلا. أي فَعُلا لها في العربية مصدران: فَعُولَةٌ أو فَعَالَة، وطهارة على وزن فعالة. فإذا ما فعلها؟ اه، إذا سيكون فعلها على وزن فعل، وهو الفعل طهر. إذا الطهارة مصدر للفعل الثلاثي طهر، وبما أنها مصدر إذا هي تدل على الحدث لأن المصدر يدل على الحدث.

طيب، ما معنى الطهارة في اللغة؟ ما هو الحدث الذي تدل عليه؟ نقول الطهارة في اللغة أحبائي النظافة من الأقذار الحسية والمعنوية. هذه الطهارة في اللغة عند العرب، الطهارة هي النظافة من الأقذار الحسية. إذا في قدر حسي على طاولة، على ثيابك، طبعا القدر الحسي قد يكون نجاسة وقد يكون غير نجاسة، فالنظافة من الأقذار الحسية تسمى طهارة، وكذلك النظافة من الأقذار المعنوية. ايش الأقذار المعنوية؟ الأخلاق الفاسدة والنوايا الخبيثة، هذه أقذار معنوية، فالنظافة من الأقذار المعنوية تسمى أيضا طهارة عند العرب، فالطهارة في اللغة النظافة من الأقذار الحسية أو المعنوية. جميل.

وأما في الاصطلاح الفقهي فسيعرف لنا الإمام مرعي الكرمي الطهارة فيقول لنا: وهي رفع الحدث وزوال الخبث. فأول جملة بدأ بها رحمة الله عليه في كتاب الطهارة هو تعريف الطهارة في الاصطلاح الفقهي. فإذا سمعت طهارة عند الفقهاء فما معناها؟ قال: رفع الحدث وزوال الخبث. هكذا قال الشيخ مرعي الكرمي. وسنحلل الآن هذا التعريف كلمة كلمة، وننظر هل هناك تقصير في هذا التعريف؟ هل هناك عبارات كان الأفضل أن يأتي ببدلها؟ دعونا ننظر.

قال الطهارة وهي رفع الحدث، هذا هو القسم الأول، ولاحظوا أنه قسم الطهارة إلى قسمين، لما قال وهي رفع الحدث هذا قسم، وزوال الخبث هذا قسم آخر، فإذًا واضح من التعريف أن الطهارة على نوعين: إما رفع حدث وإما زوال خبث. لكن الآن سأبدأ كما قلت لكم بتحرير الألفاظ التي وردت في هذا التعريف، فقوله وهي رفع الحدث عبر بكلمة رفع، لكن في الحقيقة هذا التعبير انتقد على الإمام مرعي الكرمي، لأن التعبير المشتهر عند الحنابلة في هذا الموطن أن يقال هي ارتفاع الحدث وليس رفع الحدث، فصاحب منتهى الإرادات ابن النجار وفي الإقناع وفي الزاد، الكل عبر بارتفاع الحدث وليس برفع الحدث.

طيب هو في فرق يا شيخ بين أن نقول الطهارة هي ارتفاع الحدث وبين أن نقول الطهارة هي رفع الحدث؟ هل هناك فرق في الدلالة بين الرفع والارتفاع؟ نقول أحبتي في الحقيقة نعم، هناك فرق بين الرفع وبين الارتفاع، وكان الأصل أن يعبر هنا بالارتفاع، هذا هو الأثوب والأدق علميًا، وإن كان إطلاقه ليس خاطئًا، لكنه كما قلنا خلاف الأولى، خلاف الأولى، فكان الأصل أن يطابق بين المفسر والمفسر.

الطهارة هي ثمرة ونتيجة التطهير، فالتطهير هو الفعل الذي يقوم به الآدمي، والتطهير يثمر وينتج طهارة. فالطهارة ثمرة لعملية التطهير، فبما أن الطهارة ثمرة كان ينبغي أن يفسرها بما هو ثمرة أيضًا، فيقول هي ارتفاع الحدث، لأن الارتفاع هو أيضًا ثمرة الرفع.

الارتفاع هو ثمرة الرفع، لذلك في اللغة العربية الارتفاع هو مطاوع للفعل رفع، تقول: رفعت الشيء فارتفع، رفعت الشيء فارتفع ارتفاعًا، فالارتفاع هو مطاوع للفعل رفع، فهو ثمرته، فالارتفاع هو ثمرة الرفع. فإذا هو مناسب لأن يعبر بالطهارة به، لأن الطهارة هي ثمرة التطهير. فالصورة تقابل الثمرة والفعل يقابل الفعل، هيك الأصل والأدق. فالتطهير هو رفع الحدث، والطهارة هي ارتفاع الحدث.

لاحظوا كيف المقابلة الدقيقة، التطهير هذا فعل تقوم به أنت، نفسره بأنه رفع الحدث لأن الرفع أيضًا فعل تقوم به أنت، هذا رفع، هذا رفع، فعل قمت به أنا. فالتطهير فعل فيناسبه أن يفسر بالرفع، لكن الطهارة ثمرة ونتيجة التطهير، فكان يناسبها أن تفسر بثمرة أيضًا، فنقول الارتفاع للحدث لأن الارتفاع هو ثمرة الرفع. فهمتم لماذا يرى المحققون والمدققون هنا أن التعبير بالارتفاع للحدث أدق من التعبير بالرفع؟

لماذا باختصار؟ هذا أريده منكم. لأن الطهارة هي ثمرة التطهير، فالأصل أن يطابق في تفسيرها فنأتي بثمرة الرفع وهو الارتفاع، جميل. تمام. إذًا الأدق أن يقال الطهارة هي ارتفاع الحدث، وهنا نلاحظ أن الإمام مرعي خالف الأصل وهو منتهى الإرادات، لأنه في الأصل قال ارتفاع الحدث، وكذلك في الإقناع وكذلك في الزاد، فدعونا نحافظ على ذاك التعبير فإنه أدق، وإن كان كما قلت لكم بعض أهل العلم يجوز، بل كثير من أهل العلم ما في مشكلة، يجوز أن يقال الطهارة هي الرفع، ويكون هذا على سبيل المجاز، أن أطلق الثمرة على سببها من باب إطلاق المسبب على السبب، أطلق الطهارة وفسرها بسببها وهو الرفع.

لكن كما قلنا لماذا نذهب إلى المجاز مع إمكان الوصول للحقيقة بالدقة؟ فنقول الأصل أن يقال الطهارة ارتفاع الحدث. هذا هو التعليق الأول على كلمة رفع، نبدأ نذهب إلى الكلمة الثانية في التعريف رفع، إحنا قلنا نعدلها لارتفاع، فنقول ارتفاع الحدث. ما هو الحدث؟

الحدث إخواني على نوعين، هناك حدث أصغر، وهناك حدث أكبر. وكلاهما سواء حدث أصغر أو حدث أكبر، ما معنى حدث؟ الحدث يراد به هنا في هذا الموطن وصف يقوم بجميع بدن الإنسان، يمنعه من الصلاة ومن سائر العبادات التي تحتاج إلى طهارة. وصف هذا هو الحدث، وصف يقوم بجميع بدن الإنسان من رأسك إلى أخمص قدميك، طبعًا هو شيء معنوي اعتباري، الشرع هو الذي حكم بقيامه بك حينما تفعل أو تقوم بشيء من أسبابه.

فإذا دخلت الخلاء وقضيت الحاجة، هنا يقوم بك وصف اعتباري بجميع بدنك، يمنعك هذا الوصف من الصلاة ومن سائر العبادات التي يشترط لها الطهارة كالطواف ومس المصحف وغيرها كما سيأتي معنا، فهذا معنى الحدث، سواء كان أصغر أو أكبر.

طيب يا شيخ حتى الحدث الأصغر وصف يقوم بجميع البدن، أليس الآن الحدث الأكبر فهمنا أنه وصف يقوم بجميع البدن لذلك نغتسل عن الحدث الأكبر في جميع البدن، طيب الحدث الأصغر في الحدث الأصغر نحن نتوضأ ولا نغسل جميع البدن، نتوضأ في أعضاء مخصوصة، فهل الحدث الأصغر وصف اعتباري يقوم أيضًا بجميع البدن كالحدث الأكبر أم يقوم فقط بالأعضاء المخصوصة التي نتوضأ عليها؟

عند الحنابلة رحمهم الله الصحيح أن الحدث الأصغر والحدث الأكبر كلاهما وصف يقوم بجميع البدن، وإن كانت طريقة الطهارة ستختلف بين الحدث الأصغر والحدث الأكبر، طريقة التطهير تختلف، فهناك وضوء في الحدث الأصغر، أما الحدث الأكبر فهناك غسل، لكن كلاهما حدث أصغر أو أكبر وصف يقوم بجميع البدن. ممتاز. إذًا فهمنا ما هو الحدث، أنه وصف اعتباري معنوي وأنه ينقسم إلى أصغر وإلى أكبر.

فعملية ارتفاع الحدث، يعني ارتفاع هذا الوصف المعنوي القائم بجميع البدن بالوضوء إن كان حدثًا أصغر وبالغسل إن كان حدثًا أكبر، عملية ارتفاعه تسمى طهارة، لذلك الطهارة قلنا ارتفاع الحدث والشيخ مرعي قال رفع الحدث. جميل، هذا هو القسم الأول.

القسم الثاني قال وزوال الخبث. لكن قبل أن آتي إلى القسم الثاني في الحقيقة إخواني بعض الحنابلة كالحجاوي في الزاد بعد كلمة ارتفاع الحدث ذكر شيئًا آخر لم يذكره الشيخ مرعي الكرمي، وفي الحقيقة الأفضل أن يذكر أن تذكر هذه الإضافة في التعريف لأنها تكمل صورة الطهارة في ذهن الطالب. في الزاد ماذا قال؟ قال الطهارة هي ارتفاع الحدث وما في معناه.

لاحظوا هذه الزيادة في زاد المستقنع، قال: وما في معناه. ما فائدة قولنا وما في معناه؟ الذين زادوا هذا القيد أرادوا أن يدخلوا في مفهوم الطهارة كل طهارة لا تكون في الواقع عن حدث، مثل تجديد الوضوء. الآن تجديد الوضوء، أنت توضأت للظهر وصليت الظهر ومتاكد أنك متوضئ، لما جاء وقت العصر الفقهاء قالوا يسن تجديد الوضوء، فإذا أنت جددت الوضوء، هل تجديد الوضوء طهارة؟ الصحيح أنه طهارة في الشريعة.

طيب، هل تجديد الوضوء كان بسبب حدث؟ ستقول لي لا، لأنه ما في حدث، هو متاكد أنه ما زال على وضوء الظهر، لم يفعل شيئًا يسبب قيام الحدث فيه، يعني لم يرتكب مثلًا ناقضًا من نواقض الوضوء حتى يقوم به الحدث. إذًا كيف ندخل تجديد الوضوء في تعريف الطهارة إذا لم نزد هذا القيد وما في معنى رفع الحدث؟ فحتى ندخل تجديد الوضوء، وهو مثال على كل طهارة لا تكون عن حدث، زادوا هذا القيد فقالوا وما في معنى رفع الحدث.

أيضًا أرادوا أن يدخلوا بهذا القيد وما في معناه كل طهارة لا تثمر ارتفاع الحدث حقيقة. الآن إخواني كل شيء بالمثال يتضح، هناك طهارات نحن مأمورون بها شرعًا، لكنها لا تؤدي في المآل إلى ارتفاع الحدث حقيقة. مثل ايش يا شيخ؟ الآن لما شخص يموت، الموت حدث، حينما نقوم بتغسيل الميت هل ارتفع عنه هذا الحدث؟

لن يرتفع عنه هذا الحدث، ليه؟ لأنه خلاص الموت سيبقى به. فالموت حدث، وهو وصف اعتباري يقوم بجميع بدن الميت، أمرنا الشارع أن نغسل الميت بسببه بسبب قيام هذا الحدث فيه، لكن لما نغسل الميت بسبب قيام هذا الحدث فيه، هل ارتفع الحدث وهو الموت؟ لم يرتفع، بل هو باق فيه، ومع ذلك تغسيل الميت طهارة.

كذلك التيمم عند الحنابلة، سنعرف أن التيمم في حال فقدان الماء التيمم لا يؤدي إلى ارتفاع الحدث حقيقة، والحنابلة يرون أنه مبيح للصلاة ولا يرفع الحدث، بدليل أنه متى رأى الماء فعليه أن يعيد الطهارة مرة أخرى بالماء ولا يجزئه تيممه، فبالتالي التيمم هو لم يرفع الحدث، لو كان التيمم رافعًا للحدث حقيقة فلو رأى الإنسان الماء لا يلزمه أن يستعمله في الوضوء حتى يحدث حدثًا آخر مجددًا.

لكن لما رأى الحنابلة وقالوا إن الإنسان متى رأى الماء عليه أن يعيد طهارته، قالوا هذا دليل لنا على أن التيمم لا يرفع الحدث حقيقة، وإنما يسمونه مبيح، مبيح للصلاة، يعني حالة استثنائية تبيح لك الصلاة وإن كان حدثك لم يرتفع، ومع ذلك التيمم طهارة.

طيب باختصار، إذا قول صاحب الزاد في تعريفه للطهارة هي ارتفاع الحدث وما في معناه، أي وما في معنى ارتفاع الحدث، قوله وما في معناه أراد أن يدخل به شيئين: أراد أن يدخل به كل طهارة لا تكون عن حدث أصلاً كتجديد الوضوء، وأراد أن يدخل به كل طهارة لا تؤدي ولا تثمر ارتفاع الحدث مثل التيمم وغسل الميت، هذه الطهارات هي تكون بسبب حدث التيمم وغسل الميت لكنها لا تؤدي إلى ارتفاعه عند الحنابلة، فزيادة هذا القيد مهم لإدخال هذا الشكل من أشكال الطهارة تحت مفهوم الطهارة.

إذًا نحن الآن نقيم هذا التعريف ونعدله: الطهارة هي ارتفاع الحدث وما في معناه، أي وما في معنى ارتفاع الحدث، هذه نحن أضفناها. جميل. نذهب إلى القيد الثالث، لأنه قلنا ارتفاع الحدث وما في معناه، ثالثًا وزوال الخبث.

لاحظوا أن الشيخ مرعي لما عبر عن القسم الثاني من الطهارة ما قال وإزالة الخبث، قال وزوال الخبث، وهذا تعبير صحيح لأن الزوال هو ثمرة الإزالة، تقول أزلت القذر فزال، وهذا بالتالي مما ينتقد على الشيخ مرعي في اختياره لهذا التعريف هو أنك قلت في القسم الأول رفع الحدث فعبرت بالفعل الرفع ولم تعبر بالثمرة وهي الارتفاع، لكن لما أتيت للخبث قلت زوال الخبث فعبرت بالثمرة ولم تعبر بالفعل وهو الإزالة، فخالفت بين القسم الأول وبين القسم الثاني.

ولو كان التعريف يسير على نمط واحد لقلت يا شيخ مرعي الطهارة هي رفع الحدث وإزالة الخبث، أو كما فعل الأكثر تقول الطهارة ارتفاع الحدث وزوال الخبث، فإما أن تعبر بالثمرة في كلا الجزأين، أو أن تعبر بالفعل في كلا الجزأين، وأما أن تختار للجزء الأول الرفع وهو الفعل وللجزء الثاني الزوال وهو الثمرة، فهذا تخالف لا يستقيم. عرفتم أحبائي أين يمكن أن ينتقد هذا التعريف في هذه الجزئية، أنه خالف، ففي القسم الأول عبر بالفعل وفي القسم الثاني عبر بالثمرة، والأصل أن يعبر في كليهما بالثمرة، فيقال ارتفاع الحدث وما في معناه كما أضاف الحجاوي، وزوال الخبث. جميل.

زوال الخبث هذا انتقال للقسم الثاني من مواضيع الطهارة وهي إزالة الخبث. ما المراد بالخبث إخواني عند الفقهاء؟ المراد بالخبث هنا النجاسة الطارئة على محل طاهر. الخبث هنا النجاسة التي طرأت على محل طاهر، وهي نوعان النجاسة حينما تكون على محل طاهر نوعان: قد تكون النوع الأول نجاسة حسية، والمراد أنها حسية أنها محسوسة لها جرم نشاهده، مثل طفل تغوط على ثوب والدته، ونحن رأينا تغوطه، رأينا هذا الأثر على ثياب الوالدة، فنقول هذه نجاسة حسية على محل طاهر.

أحيانًا قد تكون النجاسة التي على المحل الطاهر نجاسة معنوية، يعني النجاسة لا نراها لا نرى لها جرمًا، لكننا نحكم بوجودها معنويًا أو حكميًا قل كما شئت، مثال ذلك طفل أو رجل بال على ثوب وذهب أثر هذا البول وأصبح غير مشاهد ولا نجد له أي صفة لا لون ولا رائحة ولا شكل، تمام، ففي هذه الحالة تبخر البول لكن مع ذلك نحكم على هذه السجادة أو على هذا الثوب بأنه حكمًا لأن عليه نجاسة طرأت عليه، وإن كنا لا نشاهدها ولا نشاهد أثرها أيضًا، كما سيأتي عند الحنابلة رحمهم الله من أمثلة النجاسة المعنوية حتى أوسع لكم الفكرة أكثر وأكثر.

ستعرفون أن النجاسة المتوسطة عند الحنابلة يجب أن تغسل سبع غسلات حتى يتم الطهارة منها، فلو أن إنسانا كما قلنا بال على ثوب ثم غسله الغسلة الأولى فأزال أثر البول تمامًا، هل أصبح المحل طاهرًا عند الحنابلة أو ما زال نجسًا؟ الحنابلة يقولون ما زال نجسًا، يجب عندهم أن يكمل سبع غسلات حتى يحكموا على هذا المحل بأنه أصبح طاهرًا. طيب يا شيخ نحن بعد الغسلة الأولى ما عدنا نرى جرمًا ولا أثرًا للنجاسة المحسوسة، نقول نعم بالغسلة الأولى زالت النجاسة المحسوسة لكن بقيت نجاسة أخرى تسمى نجاسة معنوية حكمية، أنتم لا تحسون بها لا ترونها لكنها شرعًا شرعًا موجودة على فقه الحنابلة، وإذا نحتاج حتى نرفع هذه النجاسة الحكمية أن نكمل غسل هذا الثوب حتى نصل إلى السبع. جميل.

إذًا زوال الخبث المراد بالخبث النجاسة، أي نجاسة وسنأتي إلى تعداد أنواع النجاسات إن شاء الله فيما نسير فيه، نجاسة طرأت على محل طاهر، وقد تكون حسية مشاهدة لها جرم، وقد تكون معنوية حكمية لا نشاهد لها جرمًا، كلاهما الحسية أو المعنوية إزالتها إزالتها تسمى تطهيرًا، وزوالها وهو الثمرة يسمى طهارة. جميل.

فإذا أركان عملية الطهارة إما رفع الحدث وإما إزالة الخبث، وهذا الكتاب كتاب الطهارة الذي بين أيديكم الآن أساسه وأركانه يقوم على هذين النوعين، أن يبين لك الحنابلة كيف ترفع الحدث الأصغر والأكبر حتى تحقق القسم الأول من الطهارة، وكيف تزيل الخبث يعني النجاسات الطارئة على المحل الطاهر حسية أو حكمية، وسائر الأبواب الأخرى التي ستذكر في هذا الكتاب لخدمة هذين المقصدين. جميل. تمام.

الآن إخواني في الحقيقة البعض يزيد بعد زوال الخبث نفس القيد الذي زدناه بعد ارتفاع الحدث، احنا ايش قلنا؟ قلنا الحجاوي في الزاد قال الطهارة هي ارتفاع الحدث وما في معناه، زدنا وما في معناه، طيب زوال الخبث هل أيضًا يصح أن نقول بعده وما في معنى زوال الخبث؟ في الحقيقة يصح أيضًا، لأن هناك صور هناك صور تعتبر من قبيل زوال الخبث حكمًا وليس حقيقة، فلذلك بعض الحنابلة يزيد هذا القيد أيضًا فيقول وزوال الخبث وما في معناه، ويقولون قولنا بعد زوال الخبث وما في معناه أردنا به إدخال كل طهارة لا تزيل الخبث حقيقة، لا تزيل الخبث حقيقة وإنما تزيله حكمًا فقط، مثل ماذا؟ مثل التيمم عن النجاسات.

هو في تيمم عن النجاسة يا شيخ؟ عسى نعرف الحنابلة من مفرداتهم جواز التيمم عن النجاسة بالضوابط التي يذكرونها، فالتيمم عن النجاسة هو يسمى في معنى زوال الخبث، لكنه زوال للخبث حكمي معنوي يقولون وليس زوالًا للخبث حقيقيًا. تمام، أيضًا الاستجمار.

حينما يتغوط الإنسان ويستخدم الحجارة أو الفاين بدلًا من الماء، هذا يسمى استجمارًا عند الحنابلة. ويقولون: الاستجمار في الحقيقة ليس زوالًا للخبث حقيقة؛ لأنه تبقى آثار للنجاسة على الموضع، لكن الشرع أباح لنا أن نقتصر على الاستجمار، فيقولون: الاستجمار زوال للخبث حكمي أو معنوي، يعني في معنى زوال الخبث وليس زوالًا للخبث حقيقي.

إذًا إخواني، هكذا اكتملت الصورة في تعريف الطهارة بهذه القيود الأربعة التي أضفتها لكم. الطهارة: ارتفاع الحدث، وما في معنى ارتفاع الحدث، وعرفنا ما في معنى ارتفاع الحدث؛ كل طهارة لا تكون عن حدث مثل تجديد الوضوء، أو لا تؤدي إلى رفع الحدث كغسل الميت والتيمم. وزوال الخبث، وما في معنى زوال الخبث كالاستجمار والتيمم عن النجاسة. بهذه القيود الأربع يكتمل تعريف الطهارة ونتصورها في الجملة.

أنا متأكد أن الآن كثيرًا من التفاصيل ما زالت غامضة وهذا شيء طبيعي، لما ننتهي من كتاب الطهارة ثم تعودون لتعريف الطهارة ستفهمون كل هذه الأمور التي ذكرناها ابتداءً في التعريف. لكني أريدكم أن تضبطوا هذا التعريف بهذه القيود الأربعة: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال الخبث وما في معناه، وفسروا كل كلمة، فسروا معنى كلمة الحدث: وصف قائم بجميع البدن وله صورتان أصغر وأكبر، وفسروا الخبث أنه نجاسة طارئة على محل طاهر وهي نوعان: حسية، وحكمية أو معنوية. كل هذا يجب أن يكون بين أيديكم الآن مكتوبًا.

قبل أن نذهب إلى الفصل الأول من الفصول أو الحديث عن أنواع المياه، سنبدأ إخواني الآن عقد مقارنة سريعة جدًا بين الحدث والخبث بثلاث نقاط اكتبوها عندكم. نقول من الفوارق بين الحدث الذي هو الوصف المعنوي الذي يقوم بجميع البدن يمنع من الصلاة ونحوها من العبادات التي تحتاج إلى طهارة، والخبث وهو النجس الطارئ على المحل الطاهر. أولًا: أن الحدث هو أمر معنوي دائمًا وليس له جرم محسوس، هل الحدث له جرم محسوس نلاحظه على الإنسان؟ كلا، ما عرفناه هو وصف اعتباري، فالحدث دائمًا أمر معنوي. وأما الخبث فقد يكون محسوسًا مشاهدًا كغائط -أجلكم الله- وقع على ثوب، أو أمرًا معنويًا؛ كما قلنا نجاسة غسلت المرة الأولى فزال الجرم لكن لم يغسل المحل للمرة السابعة، فيبقى حكم النجاسة موجودًا وحاضرًا عليه وإن لم يكن هناك جرم محسوس مشاهد. فالخبث قد يكون محسوسًا وقد يكون معنويًا، وأما الحدث فلا يكون إلا معنويًا. هذا الفرق الأول.

الفرق الثاني: أن عملية رفع الحدث بالوضوء أو بالغسل تفتقر إلى نية، لا يرتفع الحدث من دون نية المكلف أن يرفعه، وأما زوال الخبث فلا يحتاج إلى نية؛ فتستطيع أن تزيل الخبث من دون أن تنوي ولو من غير قصد منك. نفرض أن شخصًا لا يعرف أن هذا الثوب عليه نجاسة، أخذ هذا الثوب وغسله سبع مرات فقط لأن عليه رائحة عرق، فبعد أن غسله سبع مرات وأصبح الثوب نظيفًا أخبرته أمه أن هذا الثوب كان عليه نجاسة، فهل يحتاج هذا الشاب إلى أن يعيد غسل الثوب مرة أخرى لأنه لم ينوِ ولم يقصد رفع النجاسة؟ أم يكتفي بالغسلات السبع؟ نقول: هي تكفيك وتجزئك؛ لأن إزالة النجاسة عن الأماكن لا تحتاج إلى نية. الصحيح أن غسله الأول يجزئه لأن إزالة الخبث عن المحلات الطاهرة لا تفتقر إلى نية، فيمكن أن تزيلها وأنت لا تقصد أو لا تدري أصلًا أنها موجودة على المحل.

الفرق الثالث: أن الحدث إخواني كما سيأتي معنا لا يرتفع بطهور محرم، وسنعرف الماء الطهور المحرم بعد قليل، وأما الخبث فإنه يزول بالطهور المحرم. وهذا في الحقيقة هو ثمرة الفرق الثاني؛ ثمرة أن الحدث يحتاج إلى نية وأن الخبث لا يحتاج إلى نية. فهذه ثلاثة فوارق إذاً بين الحدث وبين الخبث، دونوها عندكم ورتبوها ونسقوها جيدًا.

بعد أن عرفنا الطهارة بهذا التعريف وبعد كل هذا التحليل، سنبدأ الآن بالحديث عن أول فصل وهو الذي يتحدث عن المياه. ولماذا العلماء يبدأون بالحديث عن المياه برأيكم؟ ثم يتبعون هذا الفصل بالحديث عن الآنية؟ لأن الماء هو آلة التطهير، والأصل في ارتفاع الحدث وفي زوال الخبث أن يكون من خلال الماء. فلأن الماء آلة التطهير لكلا النوعين، لابد نعرف ما هي أنواع المياه، وما هو الماء بالضبط الذي يصلح لعملية الطهارة؛ لأننا سنكتشف أنه ليس كل المياه تصلح لعملية الطهارة، هناك مياه تصلح وهناك مياه لا تصلح.

لذلك بدأ بتقسيم المياه فقال: وأقسام الماء ثلاثة، يعني أقسام الماء من حيث صلاحية استعمالها في الطهارة. هذا تقسيم شرعي، تقول ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طهور، وطاهر، ونجس. فالحنابلة يسيرون مع رأي الجمهور أن المياه بالنسبة لاستعمالها في التطهير قسمتها ثلاثة، هناك فقهاء كالحنفية يرون أن القسمة ثنائية، لكننا الحنابلة قسمتنا ثلاثية. طهور، طاهر، نجس. فالآن انظروا تنسيق المعلومة، تكتب المياه ثلاثة من حيث صحة استعمالها في التطهير: واحد طهور، اثنين طاهر، ثلاثة نجس. ثم الآن سنقسم الطهور إلى أنواع، والطاهر أنواع. تنسيق المعلومات وتشجيرها هو الذي يجعلها تتضح لديك. أما الطالب الذي يكتفي بمجرد القراءة من المتن ولا يحسن إعادة ترتيب المعلومة لتتناسق مع ذهنه، هذا سيبقى ضعيفًا وستبقى المعلومة عنده مشتتة، يصعب عليه أن يستحضرها.

نبدأ إذاً بالقسم بأقسام المياه، فقال: أقسام الماء ثلاثة، أحدها طهور بفتح الطاء. بعض الطلاب يخطئ يقول: طهور بضم الطاء، وهذا ليس بصحيح؛ الطهور هو اسم للماء، وأما الطهور بضم الطاء فهو اسم لعملية التطهير مثل الوضوء والغسل. وأما الفتح فهو اسم للماء المستعمل في عملية التطهير. كذلك سحور وسحور؛ السحور بفتح السين هو الطعام الذي يؤكل في وقت السحر، أما السحور بضم السين فهي عملية التسحر نفسها. فعليك أن تفرق بين فعول وفعول، ونحن هنا بفعول طهور؛ لأنه يدل على الآلة ولا يدل على الحدث.

النوع الأول الطهور، ما هو الطهور إخواني؟ سنعرفه تعريفًا جمليًا ثم سنعرف حكمه ثم سنذكر أنواعه. قال الشيخ مرعي: وهو الباقي على خلقته؛ هذا تعريفه، قال: الماء الطهور هو الماء الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها. قد يكون خُلق عذبًا، قد يكون خُلق مالحًا شديد الملوحة، ما في مشكلة، المهم أن يكون بقي على خلقته التي خلقه الله عليها، نزل من السماء أو نبع من الأرض كمياه الأمطار والثلوج والبرد، أو مياه الآبار والينابيع التي تخرج من الأرض، ومياه البحار والأنهار.

إذًا قال: هو الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها، لكن في الحقيقة سأضيف شيئًا على هذا التعريف حتى يكتمل، فنقول: الطهور هو الباقي على خلقته التي خلقه الله عليها حقيقةً أو حكمًا، هكذا يقول الحنابلة. ما معنى قولك حقيقةً؟ وما معنى قولك حكمًا؟ يقولون: الماء الباقي على خلقته إما أن يبقى على خلقته حقيقةً 100% لم يتأثر بأي عامل من العوامل المحيطة به، ماء نزل من السماء وجمعناه في بئر نظيف جدًا، فبقي هذا الماء كما هو لم تتغير صفة من صفاته الثلاث، لم يتغير لا لونه ولا طعمه ولا رائحته، فهذا نقول باقٍ على خلقته حقيقةً.

وهناك ماء باقٍ على خلقته حكمًا، شو يعني حكمًا؟ يعني هو في الحقيقة لم يبقَ على خلقته تمامًا، بل تغير شيء من أوصافه إما لون أو طعم أو ريح، لكن هذا التغير يشق صون الماء عنه، فنقول إذًا هذا الماء هو باقٍ على خلقته من حيث الحكم الشرعي، لذلك سمي حكمًا وإن لم يكن في الواقع كذلك. وضابطه أن تقول: كل ماء تغير بطاهر يشق صونه عنه، كالماء الذي يتغير بسبب ممره، يعني بعض المياه يا إخواني مياه العيون تخرج من الأرض عذبة، لكنها لما تبدأ تمشي على الأرض يأتي عليها حطب ويدخلها تراب وتختلط بشيء من الطحالب، فيبدأ يتغير شيء في رائحتها أو في لونها. مثلًا الآن هو ما بقي على خلقته، فيه تغيرات، لكنه مع ذلك يقولون هو باقٍ على خلقته حكمًا؛ لأن هذه التغيرات يشق صون الماء عنها، مش رح نقدر نسيطر على كل مياه المنابع والينابيع والآبار والبحار والأنهار ونمنع أن تتغير وهي تجري على سطح الأرض. كذلك الماء قد يتغير مع طول مكثها في هذا البئر أو في هذا المنبع، تخرج لها رائحة، تتغير رائحتها مع الوقت، هذا التغير أيضًا يصعب ويشق صون الماء عنه، فلا عبرة بهذا التغير، ونعتبر كأن الماء بقي على خلقته.

إذًا الماء لما يقول الماء الطهور هو الماء الباقي على خلقته، بدكم تعرفوا أن الحنابلة يقصدون أنه باقٍ على خلقته حقيقةً 100% أو باقٍ على خلقته حكمًا. ويقصدون بالماء الباقي على خلقته حكمًا الماء الذي تغير بما يشق صونه عنه؛ الماء الذي تغير بطاهر طبعًا حتى نقول هذا القيد. والبعض يعبر بأسلوب آخر فيقولون: هو الماء الذي تغير بسبب مقرّه أو ممرّه، أي المكان الذي قرّ فيه، أو الأماكن التي يمر بها، فهنا لا نلتفت إلى هذا التغير، ونعتبر هذا الماء كأنه باقٍ على خلقته.

إذًا الماء الطهور هو الباقي على خلقته حقيقةً أو حكمًا، انتهينا من تعريفه. طب الآن نذهب إلى حكمه، ما حكمه؟ قال: يرفع الحدث ويزيل الخبث. هذا حكمه؛ الماء الطهور الباقي على خلقته حقيقةً أو حكمًا، هذا هو الذي يستعمل في عملية رفع الحدث وما في معناه، وفي عملية إزالة الخبث وما في معناه. لذلك قال: حكمه يرفع الحدث ويزيل الخبث. لكن في الحقيقة قوله يرفع الحدث راح نعرف إنه له استثناء، لذلك الأدق أن يقول: يرفع الحدث في الجملة، ويزيل الخبث؛ لا يوجد حالة استثنائية.

الآن بعد أن عرف الطهور وبين حكمه، سيذكر لنا أن الماء الطهور وهو الباقي على خلقته حقيقة أو حكمًا ينقسم إلى أربعة أنواع. كل شيء يحتاج تشجير وتنقيط. ما أنواع القسم الأول من المياه؟ قال: وهو أربعة أنواع. وهذه ميزة دليل الطالب، دليل الطالب يحاول ينقط ويفصل أفضل من الزاد ومن غيره التي تذكر المسائل داخلة ببعضها، لا، هنا التنسيق والترتيب رائع عند الإمام مرعي رحمه الله. لذلك قال: وهو أربعة أنواع.

واحد: ماء يحرم استعماله؛ هذا أول قسم من أقسام الماء الطهور، أول قسم الماء الطهور الذي يحرم استعماله، قال: ولا يرفع الحدث، لاحظوا ايش قال؟ إذا هنا استثنينا حالة لماء طهور ما بيرفع الحدث، وهو الماء الطهور المحرم. إذًا وهو أربعة أنواع، واحد: ماء يحرم استعماله ولا يرفع الحدث، لكن قال: ويزيل الخبث، إذا الماء الطهور المحرم الاستعمال لا يرفع الحدث لكنه يزيل الخبث، لذلك قلت لكم قبل قليل في التفريق بين الحدث والخبث في الفوارق الثلاث، أن من الفرق بينهما أن الحدث لا يرفع بطهور محرم أما الخبث يرفع بطهور محرم. ثم أراد أن يعرف ما هو هذا الماء الذي يحرم استعماله فقال: وهو ما ليس مباحًا، يعني لا يباح لك أن تستعمله. في الحقيقة هذا الكلام يحتاج إلى إعادة تحرير وبسط حتى تفهم القضية ثم نذكر الأمثلة. نقول إخواني: حينما يقول الشيخ مرعي في هذا النوع الأول "ماء يحرم استعماله"، علينا أن نقول: إن الطهور المحرم على نوعين؛ هذه فائدة اكتبوها على جنب: الماء الطهور المحرم هذا النوع الذي يتكلم عنه الشيخ مرعي الأول، هذا على نوعين، نقول إما ماء طهور محرم لحق.

وإما ماء طهور محرم لحق الآدميين. الطهور المحرم إما محرم لحق الله، وإما محرم لحق الآدميين.

الحالة الأولى: الطهور المحرم لحق الله، ما أمثلته؟ المثال الأول الذي يذكرونه عليه غير بئر الناقة من آبار ديار ثمود. الآن إخواني بتعرفوا ديار ثمود في شمال بلاد الحرمين منطقة العلا، هذه المنطقة منطقة عذاب. لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم ودخل على هذه المنطقة، هذه المنطقة فيها العديد من الآبار، هناك بئر يسمى بئر الناقة، بئر ناقة صالح، وهو البئر الذي جعله الله عز وجل لناقة صالح لتشرب منه. وهناك آبار أخرى لقوم ثمود حول هذا البئر. النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل مع صحابته هذه المنطقة في إحدى الغزوات أمرهم أن يستعملوا فقط الماء الموجود في بئر الناقة، وأما سائر الآبار الأخرى التي حول بئر الناقة، فقد منع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يستعملوها مطلقًا، لا في وضوء ولا في أكل ولا في شرب ولا في شيء.

هل هذه الآبار موجودة الآن أو ذهبت؟ الله أعلم، في الحقيقة أنا لا أعرف هذه المعلومة، لكنني أدرسكم الحكم الفقهي لتفهموا ماذا يقول الفقهاء: أن ديار ثمود فيها مجموعة من الآبار، هناك بئر يسمى بئر الناقة، هذا هو الوحيد الذي يجوز استعماله، وباقي الآبار الأخرى يحرم استعمالها لحق الله سبحانه وتعالى لأنها منطقة عذاب. فلذلك غير بئر الناقة من آبار ديار ثمود، وهي سائر الآبار الأخرى ماؤها طهور لكنه محرم، لا يجوز استعماله لا في الطهارة ولا في غيرها لحق الله.

النوع الثاني من الطهور المحرم لحق الله أيضًا، الماء المسبل أو الموقوف للشرب، هذه مثالها واقعي. كثير إخواني ما نسير في طرقات، نجد شخص وضع ثلاجة ماء في الطريق وكاتب عليها ماء موقوف للشرب أو ماء مسبل للشرب. الآن هذا الماء يقول الحنابلة: هذا ماء طهور، ماء طبيعي، لكن يحرم استعماله في الطهارة لحق الله. هل يصير استعماله في الشرب؟ بالتأكيد، ما هو ماء مسبل للشرب، فهذا النوع يحرم استعماله في الطهارة، لكن يجوز استعماله في الأمر الذي وقف عليه وهو الشرب. فبالتالي هناك فرق بين آبار ثمود وبين الماء الموقوف للشرب، أن آبار ثمود لا تستعمل مطلقًا لا في طهارة ولا في غيرها، وأما الماء المسبل للشرب فيستعمل في الجهة التي وقف عليها وهو الشرب، لكنه لا يستعمل في الطهارة، فهنا جهة التحريم فيه فقط.

إذاً الطهور المحرم محرم لحق الله، ومثلنا له بمثالين، آبار ثمود والماء المسبل للشرب. وأما النوع الثاني وهو المحرم لحق الآدميين، فهذا أنواعه كثيرة: الماء المغصوب، الماء المسروق، الماء المودع عندك. وهناك أمثلة أخرى، احفظوا هذه الأمثلة الثلاثة، فإذا كان عندك ماء مغصوب غصب من شخص، أو ماء مسروق من شخص، أو ماء مودع لديك أمانة، فهذا ماء طهور لكن يحرم عليك أن تستعمله مطلقًا أيضًا، لا في طهارة ولا في غيرها. إذاً هكذا عرفنا أن الطهور المحرم الذي يتكلم عنه الشيخ مرعي في هذه المسألة على نوعين: طهور محرم لحق الله، وعرفنا أمثلته، وطهور محرم لحق الآدميين.

قول الشيخ مرعي: وهو ما ليس مباحًا. في الحقيقة هذه العبارة تحتاج لتحرير لأنها على إطلاقها فيها نظر، لما تقول ماء يحرم استعماله، لا يرفع الحدث ويزيل الخبث، وهو ما ليس مباحًا. يعني إيش يعني ليس مباحًا؟ أي لا يؤذن لك أن تستعمله. طيب هل هو ليس مباحًا مطلقًا؟ إحنا عرفنا من خلال الأمثلة أنه على نوعين في الحقيقة، منه أشياء من الماء الطهور المحرم أشياء فعلًا ليست مباحة مطلقًا، لا في طهارة ولا في غيرها، كالمغصوب والمسروق وآبار ثمود. ومنها ما هي مباحة في جهة دون جهة، فلا تباح في الطهارة، لكنها تباح في جهة أخرى وهو الماء المسبل أي الموقوف للشرب. فقوله ما ليس مباحًا علينا أن نحرر هذه العبارة فنقول: وما ليس مباحًا إما ليس مباحًا مطلقًا في الطهارة وفي غيرها، هذه الصورة الأولى، أو ليس مباحًا في الطهارة لكنه يباح في جهة أخرى مثل الماء المسبل للشرب فإنه ممنوع في جهة لكنه مباح في جهة أخرى، وهكذا يتم تحرير العبارة ولا تؤخذ على إطلاقها لأني أخشى إذا أنت قرأت وهو ما ليس مباحًا تظن أن كل صور الماء الطهور المحرم هذه لا يجوز استعمالها أبدًا في شكل من الأشكال، لا في الطهارة ولا في غيرها، وهذا ليس بصحيح. منها ما لا يجوز استعماله أبدًا، ومنها ما يجوز استعماله في جهة ولا يجوز استعماله في الطهارة مثل الماء الموقوف.

هكذا انتهينا من أن النوع الأول وهو الماء المحرم الاستعمال في الطهارة، وهل هو محرم الاستعمال في غير الطهارة؟ نقول منه ما يحرم استعماله في غيرها أيضًا ومنه ما لا يحرم استعماله في غير الطهارة. إيش حكم الماء الطهور المحرم؟ لا يرفع الحدث، ما بينفع لا تتوضأ فيه ولا تغتسل فيه. لكنه يزيل الخبث؟ نعم، يعني لو أتى ماء طهور محرم على ثوب وأزال النجاسة، ونفرض أنه أتى عليه سبع مرات، هل يطهر هذا المكان من النجاسة؟ نعم يطهر؛ لأن إزالة النجاسة كما قلنا لا تحتاج إلى نية، فهذه تنبني على هذه كما ذكرت سابقًا.

نذهب الآن إلى النوع الثاني من أنواع الماء الطهور. النوع الثاني قال: وماء يرفع حدث الأنثى، وماء يرفع حدث الأنثى لا الرجل البالغ والخنثى، وهو ما خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث. القسم الثاني من أقسام الماء الطهور قسم غريب عليكم، وهو من مفردات الحنابلة فيما أعلم. هذا القسم ما هو؟ هو ماء طهور، يزيل الخبث مطلقًا ما في مشكلة، لكن مشكلة هذا الماء الطهور في رفع الحدث. هذا الماء الطهور يرفع حدث الأنثى والذكر الذي لم يبلغ، لكنه لا يرفع حدث الرجل، والرجل يطلق على البالغ، ولا يرفع حدث الخنثى المشكل البالغ.

أعيد، هناك نوع ثانٍ من أنواع الماء الطهور يزيل الخبث، ما عنده مشكلة في إزالة الخبث، لكن مشكلته في رفعه للحدث. أن هذا الماء يستطيع أن يرفع الحدث بالنسبة للمرأة، ويرفع حدث الصبي الذكر الذي لم يبلغ، لكنه لا يستطيع أن يرفع حدث الرجل البالغ ولا حدث الخنثى المشكل البالغ. لأنهم طبعًا هم يصورون أن أحوال الآدميين ثلاثة، هذا في الفقه ستجدونه في الكتب: هناك امرأة، وهناك رجل، وهناك خنثى. والمراد بالخنثى الخنثى المشكل الذي لم يتضح لنا هل هو ذكر أم أنثى، إذا اتضح حاله انتهينا، وإذا لم يتضح حاله هذا يسمى الخنثى المشكل. فعندكم ثلاثة أفراد، هذا الماء يرفع حدث المرأة ويرفع حدث الذكر الذي لم يبلغ، لكنه لا يرفع حدث الرجل البالغ ولا يرفع حدث الخنثى المشكل البالغ.

ما هو هذا الماء يا شيخ؟ هذا الماء له ضوابط، هو أولًا أعطاك حكمه، قال: وماء يرفع حدث الأنثى، وأضيف عليها الذكر الذي لم يبلغ، والخنثى المشكل الذي لم يبلغ، ولا يرفع حدث الرجل البالغ والخنثى المشكل البالغ. شو هو هذا الماء؟ إيش ضوابطه؟ قال: وهو ما خلت به كل ماء. طبعا لاحظوا ستجدون قيود الآن، كل كلمة قيد. قال: وهو ما خلت به المرأة المكلفة، والمكلفة يطلق على العاقلة البالغة فأخرجنا بكلمة المكلفة المرأة الصغيرة فإنها لا تسمى امرأة أصلًا تسمى فتاة، وأخرجنا المرأة المجنونة فلا عبرة بها. كل ماء خلت به امرأة مكلفة، حتى لو كانت كافرة ما قال مسلمة قال مكلفة، لطهارة كاملة عن حدث، وسأزيد قيدًا اذكروه أنتم عندكم: وكان هذا الماء الذي خلت به المرأة المكلفة لطهارة كاملة عن حدث قليلًا. والقليل يعني أقل من قلتين، يعني أقل من 191 لتر.

إيش معنى هذا الكلام؟ الآن بإذن الله سنحلل العبارة لفظًا لفظًا بإذن الواحد الأحد. روى الحكم بن عمرو الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، حديث رواه الأئمة الخمسة. نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل يعني ببقية وضوء المرأة، وفي رواية طهور المرأة. بناءً على هذا الحديث أتى الحنابلة بهذه المسألة، غيرهم يرى أن هذا منسوخ، لكن الحنابلة لا يرون أن الحكم منسوخ ويرون أنه باقٍ لكن بالضوابط والشروط الموجودة. يقول الحنابلة: إذا جاءت امرأة مكلفة وخلت بالماء خلوة كخلوة النكاح، وسنعرف الآن ما هو ضابط خلوة النكاح، واستعملت هذا الماء الذي في الطست في طهارة كاملة عن حدث أصغر كان بها أو عن حدث أكبر، وكان هذا الماء قليلًا أقل من 192 لترًا، وبعد أن فرغت هذه المرأة من وضوئها أو من غسلها بقي زيادة في الطست، فجاء رجل أو خنثى مشكل بالغ ليتوضأ منه أو ليغتسل منه، هنا سنقول للرجل أو للخنثى المشكل البالغ: لا تغتسل من هذا الماء أو لا تتوضأ منه، يعني باختصار لا ترفع حدثك من هذا الماء. فيقول لنا هذا الرجل: لماذا؟ سنقول له: لأن هذا الماء هو بقية ماء خلت به امرأة مكلفة واستعملته في طهارة كاملة عن حدث كان بها، وقد كان قليلًا، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة.

هذه هي قصة هذا الماء باختصار. فيقول الرجل: طيب هل تسمحون لي أن أستعمل هذه الفضالة في إزالة النجاسة يعني إزالة خبث؟ نقول ما في مشكلة، هذا الماء يزيل الخبث مثله مثل الماء الطهور المحرم، يزيل الخبث ما في مشكلة، لكن مشكلته في رفع الحدث. طيب دعوني أعود لتحليل القيود، قال الحنابلة: كل ماء خلت به المرأة. ما ضابط الخلوة؟ قالوا: الخلوة المراد بها أن هذه المرأة لما استعملت هذا الماء في طهارتها الكاملة من حدث أصغر أو أكبر، لم يشاركها ولم يحضرها من تزول به خلوة النكاح.

خلوة النكاح سنأتي إليها إن شاء الله في باب النكاح، متى تزول خلوة النكاح وتعتبر المرأة لم تخلو مع زوجها؟ في كتاب النكاح لو ذهبنا إليه سنجدهم يقولون: خلوة النكاح تزول إذا كان هناك حاضر في المجلس مميز فصاعدًا، يعني طفل وصل إلى مرحلة التمييز فصاعدًا. إذا كانت المرأة مع الرجل الذي عقد عليها في غرفة وكان يحضرهم فيها مميز فصاعدًا، نقول لا توجد خلوة بين هذا الرجل وهذه المرأة بسبب حضور المميز. طيب إذا حضرهما في الغرفة طفل لم يصل لمرحلة التمييز، طفل رضيع سنة أو سنتين، هل يعتبر هذا الرجل العاقد قد خلا بهذه المرأة؟ يقولون إن كان هذا الرجل مع هذه المرأة عندهم طفل دون سن التمييز فإنهما يعتبران خاليين، وإن حضرهما طفل في سن التمييز فصاعدًا فهنا تعتبر الخلوة انتهت بينهما.

فكذلك في موضوع الماء، قالوا: إذا المرأة خلت بالماء بحيث لم يحضرها أو يشاركها وهي تستعمل الماء مميز فصاعدًا، حينئذٍ تعتبر المرأة خلت به. يعني إذا حضرها طفل عمره سنة أو سنتين أو ثلاثة أو أربعة تعتبر المرأة خالية. أما إذا شاهدها أو شاركها في الطهارة طفل مميز سبع سنوات فصاعدًا، أو شاركها زوجها في الطهارة من هذا الماء أو في الغسل كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يشارك زوجاته، فهنا ما عاد في خلوة، المرأة لم تخلو بالماء، بالتالي تلغى كل هذه المسألة ويعود الماء على حالته الطبيعية، ماء طهور يرفع الحدث ويزيل الخبث، يعود على الحال الأصلية.

لكن المشكلة إذا خلت؛ إذا خلت وجد أول ركن من الأركان في هذه المسألة. عرفنا ما هو الخلوة؟ أن تخلو بهذا الماء بحيث لا يشاركها ولا يحضرها مميز فصاعدًا. فلو شاهدها أو حضرها مميز فصاعدًا إيش صار إخواني؟ ذهبت الخلوة.

طيب يا شيخ لو شافها كافر؟ ذهبت الخلوة. طيب لو كان يا شيخ الحاضر في المجلس وهي بتستعمل الماء أعمى؟ أيضًا تزول الخلوة. لا عبرة بالرؤية الحقيقية حتى لو كان أعمى موجودًا تزول الخلوة. خلص هذا هو الضابط.

الخلوة تزول بحضور مميز فصاعدًا حتى ولو كان كافرًا، حتى ولو كان أعمى، حتى ولو لم يصل بعد إلى البلوغ، حتى ولو كانت امرأة تشاهدها؛ خلص ما دام حضر مميز فصاعدًا زالت الخلوة. إذا حضر من هو دون التمييز، أو لم يحضر أحد البتة، حينئذٍ نقول هذه المرأة خلت بالماء، فوجد الركن الأول من أركان هذه المسألة وهي الخلوة. فهمنا ما معنى الخلوة وضابطها.

خلوة كخلوة النكاح أن يحضرها من هو دون التمييز أو لا يحضرها أحد. خلوة امرأة، عرفنا امرأة هنا قيد؛ فلو خلا رجل بالماء لا علاقة له بهذه المسألة أبدًا. خلوة امرأة، والمرأة بعد ذلك المكلفة، يعني بالغة عاقلة، فإذا خلت مجنونة لا يؤثر في الماء أبدًا، إذا خلت طفلة صبية مراهقة لم تبلغ لا يؤثر أيضًا، لا بد أن تكون خلوة امرأة مكلفة.

خلت به؛ طيب لإيش؟ طيب لو خلت هذه المرأة المكلفة بهذا الماء لتشربه، أو خلت به ليس لطهارة كاملة عن حدث، خلت به مثلًا حتى تأخذ حمامًا تبرد به عن نفسها؛ لا يؤثر. فلا بد كما قال الشيخ مرعي أن تخلو به المرأة المكلفة لطهارة شرعية كاملة عن حدث، ليس لشيء آخر.

وكاملة، يعني لو هي بدأت تغتسل في هذا الماء وفي نصف الاغتسال تركت الاغتسال وما كملت، وردت على التليفون وانشغلت وما رجعت لهذا الماء، لم تكتمل الطهارة، فيبقى الماء على أصله ما في أي إشكال. لا بد طهارة كاملة؛ يعني أن تكتمل عملية الطهارة بهذا الماء الذي خلت به، سواء وضوء أو غسل.

طهارة كاملة عن حدث؛ لأنه ممكن المرأة تخلو بالماء لطهارة كاملة، لكن ليس للحدث؛ لأن الطهارة نوعان: يا رفع حدث يا زوال خبث. فنفرض أن المرأة خلت بهذا الماء خلوة كاملة وهي بالغة عاقلة لطهارة كاملة، لكن أزالت ولم ترفع حدثًا بهذه الطهارة، برضه ما بيأثر، فلابد أن تكون هذه الطهارة من القسم الأول؛ من رفع الحدث وليس من زوال الخبث.

بقي القيد الأخير الذي أضفته أنا، نفرض أن المرأة إخواني خلت خلوة كاملة، وهي مكلفة عاقلة بالغة لطهارة كاملة عن حدث بماء 191 لترًا فصاعدًا. ممكن المرأة تخلو بمسبح كامل، فهل إذا المرأة خلت بماء مسبح كامل يزيد عن 191 لترًا لطهارة كاملة عن حدث، يصبح الماء الذي في المسبح بعد ما تخلص المرأة منه يحرم أو لا يصلح للرجل وللخنثى المشكل البالغ أن يتوضأوا منه أو يغتسلوا منه؟ في الحقيقة لا، هذا فيه مشقة على الناس. فبالتأكيد المراد ماء قليل؛ لأن الماء القليل هو الذي تبنى عليه مثل هذه الأحكام في الشريعة. فلابد أن يكون هذا الماء الذي خلت به المرأة لطهارة كاملة عن حدث قليلًا، يعني أقل من 191 لترًا أو كيلوغرامًا، فالكيلوغرام واللتر شيء واحد.

تمام أحبائي، متى وجدت هذه القيود: خلت امرأة مكلفة لطهارة كاملة عن حدث بماء قليل، هنا نقول هذا الماء ما بقي منه بعد أن تخلص المرأة وتفرغ من طهارتها، نقول للرجل وللخنثى البالغ: إياك أن تستعمله في رفع حدثك. استعمله في إزالة خبث، ما عندنا مشكلة، لكن لا تستعمله في رفع الحدث. هذا هو النوع الثاني، وعرفنا دليله من أحاديث رسول الله ﷺ.

نذهب الآن للنوع الثالث من أنواع الطهور، عرفنا أن هناك ماء طهورًا محرمًا وعرفنا التفاصيل فيه، وعرفنا أن الطهور المحرم لا يرفع الحدث لكنه يزيل الخبث، وانتقلنا إلى الماء الذي خلت به امرأة مكلفة لطهارة كاملة عن حدث وكان يسيرًا، وعرفنا أن هذا النوع لا يرفع حدث الرجل والخنثى البالغ المشكل، لكنه يرفع حدث غيرهما.

النوع الثالث: ماء طهور يكره استعماله مع عدم الحاجة إليه. ماء طهور، طبعًا هو طهور. قال: يكره استعماله؛ ماء طهور مكروه باختصار. طبعًا يكره استعماله مع عدم الحاجة إليه، لأنه متى وجدت حاجة لاستعمال هذا الماء الطهور -بل هذه قاعدة عامة، المكروه متى وجدت حاجة إلى فعله زالت كراهته- هذه قاعدة عامة عند الحنابلة كما ذكر الشيخ عثمان النجدي في الطهارة وفي الصلاة وفي الحج وفي كل مكان، متى أصبح هناك حاجة لفعل المكروه زالت الكراهة. فإذاً الماء الطهور المكروه أصله أنه طهور مكروه، لكن إذا احتيج إليه خلص زالت الكراهة، مثلًا ما وجدنا غيره، تستعمله ولا كراهة فيه.

فماء طهور مكروه، هذه الكراهة مقيدة في حالة عدم الاحتياج إليه، فإن احتيج إليه زالت كراهيته. ما أنواع هذا الماء المكروه؟ قال: وما يكره استعماله مع عدم الحاجة إليه، وهنا أنواع كثيرة سيذكرها الحنابلة. أولًا أمثلته: قال: وهو ماء بئر بمقبرة، هذا أول مثال عليه، ماء الآبار التي تكون في المقابر. إخواني، الحنابلة رحمهم الله، لماذا يكرهون هذا النوع من المياه الطهورة التي في الآبار؟ يقولون: يخشى أن يكون هذا الماء -احتمال- لأنه في مقبرة، وصل إليه شيء من قيح وصديد الموتى فنجسه. لمجرد هذا الاحتمال، وهذا الاحتمال طبعًا هناك قرائن تساعده، وهو أن هذا الماء موجود في داخل المقبرة.

جميل، وهذه الآبار ربما أيضًا في القدم ما كانت والله مثل أيامنا تبلاط ويكون عليها سيراميك وما شابه ذلك، لا، هذه آبار تكون حول التراب، وهذا التراب كما قلنا فيه موتى، وهذه الموتى أجسامهم تتحلل، فيمكن أن يكون نفذ من ثنايا التراب شيء من القيح وصديد الموتى حتى وصل إلى هذه المياه، مياه الآبار التي في المقابر. فبسبب وجود هذا الاحتمال الذي تعضده القرائن، قال الحنابلة: الأصل أنه هذا ماء طهور، لكنه طهور مكروه، يعني إذا وجدت غيره لا تستعمله، هذا معنى أنه مكروه، إن لم تجد غيره خلص استعمله ما عندنا مشكلة. إذًا ماء بئر بمقبرة. طبعًا ظاهر كلام أحمد كما قال الأصحاب أنه هذا الماء يكره استعماله حتى في غير الطهارة، حتى في الأكل والشرب ونحو ذلك.

ثانيًا: ماء اشتد حره أو برده، أي ماء طهور اشتد حره أو اشتد برده يكره استعماله. قالوا لأنه يمنع من إسباغ الطهارة، يمنعك من إسباغ الوضوء، لما يكون حر شديد تجد نفسك مش قادر توصل الماء للمرافق أو إلى الكعبين. فالماء الذي اشتد حره أو برده يكره استعماله لأنه يمنع من إسباغ الطهارة.

ثالثًا: الماء الذي سُخّن بنجاسة. يعني تصور أنك أتيت بروث وعظم أسد -الآن روث وعظام الأسد كما سنعرف إن شاء الله- أتيت بروث وعظام أسد وشعلت بها النار، وجبت قدرًا ما شاء الله كبيرًا ووضعت فيه الماء، وبدأ هذا القدر يغلي بالماء، وإيش الحطب الذي وضعته؟ أنت ما جبت خشب، لا، جبت روث وعظام أسد. الآن بدأ هناك دخان يخرج من هذه العظام ومن هذا الروث. الآن هذا الدخان هل هو طاهر ولا نجس؟ إيش رأيكم؟ الحنابلة يرون أن الدخان نفسه، طيب يا شيخ ما هو الدخان يختلف عن العظم، العظم استحال إلى دخان والروث استحال إلى دخان خلص انتهى! لا، الحنابلة يقولون الشيء لا يطهر بالاستحالة، النجاسات لا تطهر بالاستحالة إلا الخمر كما سيأتي معنا كحالة استثنائية، وإلا فالأصل أن النجاسة حتى لو تبخرت، فبخارها والنجاسات لا تطهر بالاستحالة.

فبالتالي هذا الدخان الذي يخرج من العظام ومن الروث أسفل القدر؛ فقال الحنابلة: إذا وضعنا ماء في قدر وسخناه على نجاسة، فإن هذا الماء يصبح مكروه الاستعمال في الطهارة. ليش؟ قالوا: لاحتمال -تحت كلمة احتمال ضعوا خطوطًا- وصول دخان النجاسة إلى الماء. قالوا: وأما إذا تيقنا أن دخان النجاسة قد دخل إلى داخل الماء ووصل إليه، وكان هذا الماء قليلًا -طبعًا وهذا هو العادة- ينجس بالملاقاة. فحينئذٍ يصبح هذا الماء؛ ما عدنا نتكلم عن ماء طهور مكروه، أصبحنا نتكلم عن ماء نجس، الذي سخن بنجاسة يكون طهورًا مكروهًا لاحتمال وصول دخان النجاسة إليه، لكن متى تيقنا أن دخان النجاسة قد دخل القدر، فإن هذا الماء سيصبح نجسًا لملاقاته للنجاسة وهي الدخان. فإذاً القضية هنا مبنية على احتمال وصول النجاسة، أما إذا تيقن وصولها انتهى أمر هذا الماء وأصبح نجسًا ما دام هذا الماء أقل من قلتين.

رابعًا: من الطهور المكروه ماء طهور سُخّن بمغصوب. شخص غصب من رجل خشبًا، وأتى بهذا الخشب الذي غصبه وولع به النار ووضع قدر ماء كما قلنا وسخن به الماء. آه هنا الماء مباح ليس مغصوبًا، انتبهوا، المغصوب هنا مش الماء، الوقود الخشب الذي أوقدنا به الماء. فبالتالي الماء سليم وضعه، فهو طهور، لكنه كره من أجل أنه سخن بمغصوب، هذا وجه كراهته. يقولون هو أثر معصية، يعني أثر محرم، فكره من أجل هذه القضية فقط وليس لأمر آخر. فما سخن بمغصوب يكون مكروهًا.

خامسًا: من أمثلة الطهور المكروه ما استعمل في طهارة لم تجب. كل ماء استعمل في طهارة غير واجبة -بس زيدوا قيدًا لم يذكره المرعي رحمه الله- وكان قليلًا. كل ماء استعمل في طهارة لم تجب وكان قليلًا، هذا يسمى أيضًا ماء طهورًا مكروهًا. لما يقول استعمل في طهارة لم تجب هذا في الحقيقة يشمل صورتين: يشمل صورة ماء استعمل في طهارة مستحبة ابتداءً، كتجديد الوضوء، أو غسل العيد، أو غسل الجمعة، لأن هذه طهارات ليست واجبة، مستحبة، فكل طهارة مستحبة في أصلها هي طهارة لم تجب. فإذا استعملنا ماء قليل -شوفوا قاعدة، كلما سمعتم كلمة قليل أو يسير مني في كتاب الطهارة، اعرفوا أنه هو الماء الأقل من 191 لترًا- إذا استعمل ماء قليل في طهارة مستحبة في أصلها، فإن هذا الماء القليل المتساقط من أعضائك بعد عملية غسلك أو وضوئك المستحب يكره أن يستعمل في طهارة أخرى.

وكذلك من صور الطهارة التي لم تجب طهارة مستحبة في وصفها، إيش يعني مستحبة في وصفها؟ يعني أصل الطهارة واجب، لكنك فعلت بهذا الماء أشياء في الطهارة ليست واجبة، مثل الغسل الثانية أو الثالثة. الآن إخواني أنت إذا غسلت يدك الغسلة الأولى، أنت عندك حدث وأخذت تتوضأ، غسلت يدك الغسلة الأولى، الغسلة الأولى ترى رفعت الحدث، الغسلة الثانية والثالثة سنة مستحبة صح؟ وكذلك غسل الرجلين، الغسلة الأولى واجبة، الغسلة الثانية والثالثة مستحبة، فالماء الذي ينفصل من يديك ومن قدميك في الغسلة الثانية وفي الغسلة الثالثة هو أيضًا ماء استعمل في طهارة لم تجب. فيكون مكروه الاستعمال مرة أخرى لكن لا حرج لو استعملته، مكروه لكن لا حرج. فقوله أو استعمل في طهارة لم تجب تقول سواء استعمل في طهارة مستحبة في أصلها يعني هي في الأصل كلها طهارة مستحبة كغسل الجمعة وتجديد الوضوء، أو استعمل في طهارة مستحبة في الوصف وإن كان الأصل واجبًا، فأنت إذا عندك حدث بدك تتوضأ، هذا الوضوء واجب، لكن في أثناء وضوئك قد تغسل اليد مرتين وثلاث تطبيقًا للسنة، وقد تغسل القدمين مرتين وثلاث تطبيقًا للسنة، ما يتساقط من الغسلة الثانية أو الثالثة في اليد أو في القدم يسمى ماء متساقط من طهارة لم تجب مستحبة، فيكون مكروه الاستعمال.

سادسًا: أو في غسل كافر. أي ماء استعمل في غسل كافر، فإن هذا الماء المستعمل في غسل كافر يكون ماءً مكروه الاستعمال. وصورته الشهيرة؛ الواحد بيقول لك يا شيخ، أنا إيش بدي في ماء في غسل كافر؟ وين بتصير هذه الصورة؟ رجل تزوج امرأةً نصرانية، يجوز للمسلم أن يتزوج نصرانية أو يهودية. هذه النصرانية أصابها حيض أو نفاس، ثم زال عنها الحيض والنفاس فأراد زوجها المسلم أن يطأها. الآن لا يجوز أن يطأها قبل أن تغتسل، وهي كافرة، والكفار لا تعتبر لهم النية أصلًا. فلو أن هذه المرأة الكافرة اليهودية أو النصرانية اغتسلت بهذا الماء من الحيض أو النفاس، ففي الحقيقة لم يرتفع حدثها لأنها لا توجد عندها نية معتبرة شرعًا.

لكننا نأمرها بالغسل حتى يستطيع الزوج أن يطأها. فهي حالة استثنائية حتى نبيح لهذا الزوج المسلم أن يطأ هذه المرأة الكتابية اليهودية أو النصرانية. نقول: هذه النصرانية عليها أن تغتسل لحل وطء الزوج، وإن كان حدثها لم يرتفع حقيقةً لأن رفع الحدث يحتاج إلى نية، والنية غير معتبرة مع الكفر. فبالتالي الماء الذي يتساقط من هذه المرأة الكافرة وهي تغتسل للحيض أو النفاس، هذا الماء المتساقط ماء مستعمل.

في طهارةٍ واجبة، لكن الذي استعمله لأنه كافر لم تعتبر هذه الطهارة في الحقيقة مؤثرةً في الماء، وسالبةً لطهوريته، وإنما أثرت في كراهيته فقط؛ فقالوا هو ماء طهور مكروه لأنه استعمل في غسل كافر.

سأقتصر فقط على الماء الطهور المكروه اليوم ونقف عند ذلك. السابع من أنواع الطهور المكروه: كل ماء طهور تغير بملح مائي. يقولون إخواني الملح على نوعين: هناك ملح مائي، يعني ملح أصلاً أخذناه من الماء كلوريد الصوديوم، وهناك ملح جبلي يؤخذ من الجبال أو يقتطع من الأراضي وليس أصله الماء. يقولون الملح الذي أصله الماء لو أنني أتيت وألقيته في الماء الطهور، أتيت أنا بكمية ملح كيس ملح ودرته بإرادتي وبقصدي في ماء طهور، الآن هذا الماء الطهور سيتغير طعمه بالتأكيد، لكن مع ذلك يقولون صحيح هذا الماء الطهور تغير بسبب إلقاء الملح فيه، لكن لأنه هذا الملح ملح أصله مائي ابتداءً، فتغير هذا الماء الطهور بهذا الملح المائي يجعله مكروهاً فقط، يعني مكروه الاستعمال، لكنه يبقى على الأصل طهوراً ولا ينتقل إلى الطاهر، يبقى طهوراً لأنني ألقيت فيه ملحاً أصله مائي.

أما إذا ألقيت فيه ملحاً جبلياً أو يسمى الملح المعدني، ولما ألقيت فيه الملح الجبلي أو الملح المعدني تغير تغيراً كثيراً كما سيأتي في الماء الطاهر، فهنا لا، هذا ما عاد الماء طهوراً، تحول إلى طاهر. فإذاً ماء طهور ألقيت فيه ملح مائي يصبح ماء طهوراً مكروهاً. ماء طهور ألقيت فيه ملح معدني جبلي سننظر، إن تغيرت إحدى أوصافه الثلاث تغيراً كثيراً بالملح الجبلي فحينئذٍ لن يكون طهوراً بل سيصبح طاهراً، وإذا لم تتغير أوصافه الثلاث تغيراً معتبراً أو كان التغير طفيفاً جداً فحينئذٍ يبقى الماء الطهور على أصله.

فعليه نلاحظ هنا أنه يتكلم عن تغير الماء بالملح المائي الذي ألقي فيه قصداً. لماذا ركزت على كلمة ألقي فيه قصداً؟ لأنه ممكن الماء يتغير بالملح المائي ويكون هذا الملح المائي في مقرّه أو ممره، لا، هذا لا حرج فيه أصالةً، مش داخل معنا في الطهور المكروه؛ فهم يتكلموا عن ماء طهور مكروه ألقي فيه قصداً ملحٌ مائي، فهذا هو الذي يصبح طهوراً مكروهاً.

الثامن: الماء الذي تغير بـما لا يمازجه. يعني أو ماءٌ طهورٌ تغير بملح مائي أو تغير هذا الماء الطهور بما لا يمازجه كتغيره بالعود القماري وقطع الكافور والدهن. إخواني هناك ثلاث مصطلحات يجب أن تتقنوها في المياه: هناك مصطلح اسمه مصطلح المجاورة، ومصطلح اسمه مصطلح المخالطة، ومصطلح اسمه مصطلح الممازجة، مجاورة، مخالطة، ممازجة. إيش الفرق بينها؟ المجاورة أن يكون الماء في جهة وتكون هناك نجاسةٌ أو شيءٌ مجاور لهذا الماء، وهذا الماء يتأثر برائحة هذه النجاسة أو برائحة هذا البخور المجاور؛ المهم الماء في جهة والشيء الذي يؤثر على الماء مجاور له بقربه، فيتأثر الماء بالرائحة، هذه تسمى مجاورة، والمجاورة أحبائي لا تؤثر على الماء الطهور شيئًا كما سيذكر بعد قليل، فيبقى الماء طهوراً حتى ولو تغير بسبب المجاورة.

الحالة الثانية أن تحدث مخالطة، المراد بالمخالطة هنا شيء يوضع داخل الماء لكنه لا يمتزج معه، بل ينفصل بحيث يكون الماء في طبقة وهذا الشيء الذي ألقي فيه في طبقة، وهذه عادة تكون في الزيتيات؛ ضعوا زيت في ماء تجدون الزيت تكون طبقة والماء يكون طبقة أخرى، صحيح؟ هذا يسمى مخالطاً، لأنه وقع في الماء ودخل فيه لكنه لم يمتزج بعناصر الماء. فيقولون: هذه الأشياء التي تخالط الزيتيات، العود إذا ألقي في الماء، قطع الكافور إذا ألقيت في الماء، قطع الدهن إذا ألقيت في الماء، كل هذه تسبب مخالطة ولا تمتزج بالماء بل تطفو ويكون هناك طبقة. إذا تغير الماء بما لا يمازجه، يعني إذا تغير الماء بما يخالطه، هذا معنى بما لا يمازجه، إذا تغير الماء بما لا يمازجه بل يخالطه كتغيره بالعود القماري -طبعاً القماري هذا نسبةً إلى قمار بلدة بالهند، يشتهر منها هذا العود، ويقولون عود رائحته قوية، وهذا ليس قيداً سواء العود القماري أو أي عود بخور، فالقماري هنا ليس قيداً وإنما هو تمثيل فقط- كما تغير بعود قماري أو قطع كافور أو دهن، فهذا التغير لأنه عن مخالطة وليس عن ممازجة بسبب وجود الانفصال يعتبر التغير هذا لا يخرج الماء عن طهوريته، لكنه يجعله مكروهاً، فهذا هو النوع الثامن: كل ماء تغير بمخالطة لعود قماري وقطع الكافور والدهن وغير ذلك مما لا يمازج بل يبقى مخالطاً.

التاسع والأخير: ماء زمزم، ولا يكره ماء زمزم إلا في إزالة الخبث. ماء زمزم في الحقيقة كراهته ليست مطلقة، وإنما هو مكروه عند الحنابلة في إزالة النجاسات فقط به، ولكنه لا يكره في رفع الحدث به؛ فقد ثبت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أنهم كانوا يتوضؤون وقد يغتسلون أيضاً بماء زمزم. فمشكلة ماء زمزم استعماله في إزالة النجاسة؛ قالوا لأنه ماء شريف مكرم فلا يليق بنا أن نستعمله في غسل بول أو عذرة أو ما شابه ذلك؛ كراهة فقط من باب التشريف له، وإلا لو استعمل ليس حراماً في إزالة النجاسة لكنه مكروه فقط في إزالة الخبث. فهذه تسعة أنواع إخواني للماء الطهور المكروه، أرجو أن تكون اتضحت لكم.

دعونا حتى أختم الكلام عن الطهور أمر على القسم الرابع من الماء الطهور. أن الماء الطهور القسم الأول منه ماء طهور محرم، القسم الثاني ماء طهور خلت به امرأة بالغة عاقلة لطهارة كاملة عن حدث وكان يسيراً، الثالث ماء طهور مكروه. غير هذه الأنواع الثلاث هو النوع الرابع، وهو الحالة الأصلية، وهو الماء الطهور غير المكروه؛ لأن الحالة الأولى والثانية والثالثة هي أحوال طارئة، والحالة الأصلية هي الحالة الرابعة، قال: وماء لا يكره، كماء البحر والآبار والعيون والأنهار والحمام؛ الحمام المراد به الحمامات الشامية التي كان يدخلها الناس قديماً يدفعون أجرة للشخص الذي يقف على الباب، ثم يأخذ حماماً جيداً بماء ساخن وصابون، فمياه الحمامات أيضاً هذه لا إشكال فيها، بشرط ألا يشتد حرها، لأنه إذا اشتد حرها أصبحت من قبيل الماء الطهور المكروه.

وكذلك المسخن بالشمس؛ بخلاف الشافعية في قصة الماء المشمس، الحنابلة ما عندهم مشكلة في الماء المسخن بالشمس، أهم شيء ألا يشتد الحر، لأنه إذا اشتد حرّه أصبح طهوراً مكروهاً. وكذلك الماء المتغير بطول المكث، أو بالريح من نحو ميتة؛ بطول المكث هذه شرحتها لكم سابقاً. قوله: "أو بالريح من نحو ميتة"، كما قلت لكم، هذه مسألة المجاور، لو نفرض أن هناك ماء في جهة، وهناك جيفة حمار على ضفة النهر، ماء في نهر، وجيفة حمار مجاورة لهذا النهر، فجاءت ريح مع مرور الريح نقلت معها رائحة لهذه الميتة، ووصلت هذه الرائحة إلى ماء النهر، هل نقول ماء النهر ما عاد طهوراً أو أصبح مكروهاً بسبب تغيره نوع تغير برائحة الميتة؟ في الحقيقة لا؛ مع ملاحظة هنا أنه ما في رماد أو دخان من الميتة، لو في دخان من الميتة فالدخان اتفقنا، لا، هنا مجرد رائحة، رائحة عامة تخرج من هذه الميتة القذرة ووصلت إلى الماء الذي يجاورها فتغير شيء من رائحة هذا الماء، يقولون الماء الطهور يبقى ماءً طهوراً غير مكروه ولا يتأثر بتغيره بالمجاورة حتى ولو جاور نجاسات، فالمجاورة لا تؤثر في الماء الطهور شيئاً.

المخالطة: نقول إن خالط الماء شيء، هذا سنعرفه إن شاء الله لما نأتي إلى الماء النجس؛ إذا خالط الماء شيء طاهر وتذكروا شو المخالطة، هناك طبقتان، إذا خالط الماء الطهور شيء طاهر يكون ماءً طهوراً مكروهاً. أما الممازجة فهذه سنعرفها في الماء الطاهر، سنعرف حكمها إن شاء الله في المحاضرة القادمة.

إذًا، أو متغير بطول المكث أو بالريح من نحو ميتة أو بما يشق صون الماء عنه، أي ماء تغير كما قلنا بما يشق صون الماء عنه بأن كان شيء في ممره أو في مقره كطحلب وورق شجر سقط فيه في فصل الخريف أو ما شابه ذلك، فهذا الماء يبقى ماءً طهوراً غير مكروه. لكن انظروا ماذا قال وختم: أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب وورق شجر ما لم يوضعا؛ إيش قصده ما لم يوضعا؟ إحنا اتفقنا إنه الماء الطهور لا يتأثر إذا تغير بما يشق صون الماء عنه، لكن إذا هذه الأشياء التي يشق صون الماء عنها في الحقيقة إحنا وضعناها بأنفسنا؛ يعني ورق الشجر إذا سقط لحاله في الخريف ما يؤثر على الماء، يشق صون الماء عن ذلك، لكن إذا شخص مسك ورق الشجر بيده ووضعه وألقاه بنفسه في الماء، فتغير هذا الماء بسبب ورق الشجر، تغيرت أوصاف هذا الماء تغيراً كثيراً، لا هنا سيصبح الماء هذا ماءً طاهراً من القسم الثاني، لأن تغيرت أوصافه تغيراً كثيراً بسبب شيء وضع بقصد، وكان نستطيع أن نصون الماء عنه، كان بإمكاننا أننا ما نلقي الورق.

فلذلك قال: أو بما يشق صون الماء عنه كطحلب وورق شجر، ما لم يوضع، لأن الطحالب إذا إحنا وضعناها في الماء أو ورق الشجر إذا نحن ألقيناه في الماء، هنا في الحقيقة أصبح يمكن صون الماء عنه ولا يشق، فانتفى هذا القيد، ما يشق صون الماء عنه، ويتحول الماء إلى ماء تغير تغيراً كثيراً بهذا الوضع وبهذا الإلقاء إلى ماء طاهر. ولا أطيل أكثر من ذلك وسامحوني، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.