دخولتسجيل الدخول

الدرس 14 - الأبيات (٥٣، ٥٤، ٥٥، ٥٦)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلا وسهلا ومرحبا بالإخوة الكرام، أهلا وسهلا ومرحبا، يا مرحبا حبيبنا الشيخ الدبيخي، يا مرحبا. العذر منكم، أرسل الرابط في بعض البرامج.

يا مرحبا بالإخوة الكرام. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا النبيين والمرسلين، وبعد. الحمد لله تعالى الذي يتم علينا هذه الأعمال، وإن من أكبر النعم على الإنسان صاحب الرسالة أن يتم الله تعالى له عملاً.

وكنت قد وعدت قبل شهور بهذا الشرح التفصيلي المطول على زائلة الشماخ بن ضرار، ليكون أنموذجاً فقط على الشرح لقصيدة جاهلية، وعلى النمط الذي تستحقه القصيدة الجاهلية من الشرح. بحمد الله تعالى بدأنا في الشرح وأطلنا فيه، والتزمنا أن يكون المجلسان فقط في الأسبوع، يومي الخميس والجمعة. ولكن في آخر مجلسين حصل نوع من التعطل، فلم أرغب أن نؤجل إلى الأسبوع القادم، فجعلت هذين اليومين، اليوم وأمس، لآخر مجلسين، وها نحن نبلغ آخر القصيدة في الشرح، ونبلغ اليوم إن شاء الله تعالى تمام هذا الوعد أو الوفاء بهذا الوعد، والحمد لله رب العالمين.

فأنا أخبركم بسعادتي بهذا الأمر بأن وفقني الله تعالى إلى ذلك، وتكون سعادتي بالغة أيها الإخوة في كل مرة أتم فيها عملاً، سواء كان من الأعمال التي وعدت بها أو لم أعد بها. نعم، فالحمد لله رب العالمين. اليوم نتم زائلة الشماخ، فالحمد لله، رضي الله عنكم جميعاً، وشكر الله تعالى لكم هذه السعادة التي تشاركونني بها.

ورأيت أن أهديكم شيئاً زائداً على هذا، فبهذه المناسبة أردت أن أحتفل، وأنا عادتي أحتفل من جنس الشيء الذي أحتفل لأجله، هذه لا أستطيع الخروج من هذا المجال، فقلت أحتفل معكم بأن أشرح لكم مقدمة الكشاف للزمخشري في سلسلة مفصلة إن شاء الله تعالى. أشرح لكم مقدمة الإمام الزمخشري لكتابه الكشاف، وهي مقدمة ثمينة جداً أيها الإخوة.

لماذا أشرحها للناس عقب هذا الشرح مباشرة؟ لأنها ستصدق على ما وجدتموه في هذا الشرح. كثير منكم ذهل، يعني لم ننتبه إلى هذه الدلالات، وهذه أشياء تفنى دونها الأعمار؛ نحتاج إلى أن نبذل وقتاً طويلاً وأن نمارس لأعوام حتى ننتبه إلى هذه الدلالات الدقيقة اللغوية والتركيبية، وأقصد باللغوية العامة في لغة الشعر والتركيبية وكذا.

فأحبس لكم على هذا المعنى الذي يراودكم، وأؤكده لكم، وأربط عليه بمقدمة الكشاف التي سيبدي فيها عن حقيقة هذا الأمر وعن خطورته الحقيقية، بما سيتفق وما وجدتموه في هذه القصيدة بحمد الله تعالى.

ونقول ما قال الشماخ:

عفى بطن قو من سليم فعالز ... فذات الغضا فالمشرفات النواشز فكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز ومرتبة لا يستقال بها الردى ... تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز وعوجاء مجذا وأمر صريمة ... تركت بها الشك الذي هو عاجز كان قتودي فوق جاب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز طوازمها في بيضة القيض بعدما ... جرت في عنان الشعريين الإماعز فظلت بيمؤود كان عيونها ... إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز لهن صليل ينتظرن قضاءه ... بضاحي عذاب أمرة وهو ضامز فلما رأينا الورد منه صريمة ... مضى ولاقاهن خل مجاوز ولما رأى الأظلام بادرة بها ... كما بادر الخصم اللجوج المحافز ويممها من بطن ذروة رمة ... ومن دونها من رحرحان مفاوز عليها الدجا مستنشات كأنها ... هوادج مشدود عليها الجزاجز تفادى إذا استذكى عليها وتتقي ... كما تتقي الفحل المخاض الجوامز ومرت بأعلى ذي الاراك عشية ... فصدت وقد كادت بشرج تجاوزه وهمت بورد القنتين فصدها ... حوام الكراع والقنان اللواهز وصدت صدوداً عن ذريعة عثب ... ولأبني غمار في الصدور حزائز ولو ثقفاها ضرجت من دمائها ... كما جللت مضو القرام الرجائز وحلاها عن ذي الاراكة عامر ... أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح قليل التلاد غير قوس وأسهم ... كان الذي يرمي من الوحش تارز مطلا بزرق ما يداوى ريها ... وصفراء من نبع عليها الجلائز تخيرها القواس من فرع ضالة ... لها شذب من دونها وحواجز نمت في مكان كأنها فاستوت به ... وما دونها من غيلها متلاحظون فما زال ينجو كل رطب ويابس ... وينغل حتى نالها وهو بارز فانحى عليها ذات حد غرابها ... عدو لاوساط العضاه مشارز فلما اطمانت في يديه رأى غنى ... أحاط به وازوار عمن يحاوزون فمضعها عامين ماء لحائها ... وينظر منها أيها هو غامز أقام الثقاف والطريدة درها ... كما قومت ضغن الشموس المهامز فوافى بها أهل المواسم فنبرى لها ... بيع يغلي بها سوم رائز فقال له هل تشتريها فإنها ... تباع بما بيع التلاد الحرائز فقال أزار شرعبي وأربع من السيراء أو أواق النواجز ... ثمان من الكيري حمر كأنها من النار ما ذكى كأنها من الجمر ما ذكى على النار خابز وبردان من خال ودرهما ... ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز فظل يناجي نفسه وأميرها ... آياتي الذي يعطى بها أم يجاوز فقالوا له بايع أخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز فلما شراها فاضت العين عبرة ... وفي الصدر حزاز من الوجد حامز وذاق فأعطته من اللين جانباً كفى ... ولها أن يغرق السهم حاجز إذا انبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلاً أوجعتها الجنائز هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها وأرغ منها أسلمته النواقز كان عليها زعفرانا تميره ... خوازن عطار يمال كوانز إذا سقط الآن صينت ... وأكرمت حبيراً ولم تدرج عليها المعاوز فلما رأينا الماء قد حال دونه ... زعاف لدى جنب الشريف عه كارزور شكك بإحساء الذناب على هدى ... كما تابعت سرد العنان الخوارز ولما استغاثت والهوادي عيونها من الرهب ... قبل والنفوس نواشز فالقت بأيديها وخاضت صدورها وهن إلى وحشيهن كوارز نهن بمدان من الماء موهناً على عجل ... وللفريص هزاهز غدون له سعر الخدود ... كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز يحشرجها طوراً وطوراً كأنما ... له بالرغام والخياشيم جارز ولما دعاها من أبطح واسط ... دوائر لم تضرب عليها الجرامز حذاها من الصيداء نعل طراقها ... حوام الكراع المؤيدات العشاوز فأقبلها نجاد قوين.

وانتحت فاقبلها نجاد قوين، وانتحت بها طرق كأنهن نحائز، حداها برجع من نهاق كأنه بما رد لحياه إلى الجوف راجز، فأوردهن المور مور حمامة على كل أجريائها هو رائز.

يكلفها طوراً مداه، إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز. محام على عوراتها لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهز. فاصبح فوق النشز نشز حمامة، له مركض في مستوي الأرض بارز، وظلت تفالى باليفاع كأنها رماح نحاها وجهه الريح راكز.

القصيدة عجيبة يا إخوة، وأنا أبشركم إن شاء الله تعالى بشرح هذه القصيدة في كتاب كامل بحمد الله، في كتاب واحد مفرد إن شاء الله لشرح هذه القصيدة مع مقدمات مهمة جداً في فهم الشعر الجاهلي. أبشركم بكتاب جديد هو شرح هذه القصيدة، أجوَد من الشرح الذي في الإلقاء الآن أو في هذا الشرح، مهما كان فيه تفرق وفيه أفكار، وفي الآخر سيكون إن شاء الله مرتباً، يعاد التفكير فيه، سيكون مرتباً، معاد التفكير فيه، خلاص منسقاً. أبذل فيه جهدي وطاقتي، كل ما في طوقي في استكناه الدلالة واستيفائها في القصيدة.

فأبشركم بشرح هذه القصيدة إن شاء الله، أساسه طبعاً المادة التي قلتها، سيلتقي كثيراً، بل هي أساسه لكن منسق أكثر ومستوفٍ، والربط أفضل. ستكون هذه التوضيحات والحوارات مع إفادتها، وليست هي سبيكة البيان والشرح، بل مع مقدمة مهمة في الشعر الجاهلي وفهمه، مقدمة طويلة مفصلة في الشعر الجاهلي وفهمه، ومقدمة تطبيقية فيها تطبيقات وهكذا.

يخرج هذا الشرح بإذن الله، وسيكون إن شاء الله تعالى معجباً جداً، منسقاً جميلاً. تجربة في الشرح وفي الإخراج ستكون أعلى كثيراً من تجربتي في الإيم صباحاً، مع رضائي نوعاً ما عن هذا الشرح في الإيم صباحاً، لكن هذه التجربة أرفع إن شاء الله في الأسلوب وفي الاستنباط وفي العلم لفرق الزمن. سيكون أبو قيس الآن هو أبا قيس الماضي، فلماذا أعيش إذا أنا مكاني خامل؟ وهذا ما لا أرضاه لنفسي. فأبشركم بهذا العمل إن شاء الله، وفيها مقدمة تطبيقية مهمة فيها تطبيقات.

ولما دعاها من أباطح واسط، دوائر لم تضرب عليها الجرامز، حذاها من الصيداء نعلاً طراقها، حوامل كراع المؤيدات العشاوز، فاقبلها نجاد قوين، وانتحت بها طرق كأنهن نحائز، حداها برجع من نهاق كأنه بما رد لحياه إلى الجوف راجز، فأوردهن المور مور حمامة على كل أجريائها هو رائز.

وقفنا عند قوله: «يكلفها طوراً مداه». هذا البيت كله يا إخوة عبارة حالية، حالية من الفاعل فيه «فأوردهن»، يعني «فأوردهن المور يكلفها»، وهذا عندي أوضح أو أظهر من أن أقول إن البيت مستأنف؛ لأن الاستئناف له بداية جذر في المعنى، والفصل هنا زيادة أو قدر لا يستحب. لماذا؟ لماذا أقول «يكلفها طوراً» وأوحي بفعل عام؟ وإنما الصواب أن يدخل ذلك في الورود، الورود.

الشيخ خالد يريد أن يستلّ مني وعداً بشرح الزمخشري. اليوم هو الأحد، إن شاء الله سهرة الخميس والجمعة القادمين، ثم ننظر هل نجعله متوالياً أم في الخميس والجمعة فقط. هذا أول وعد. الله يرضى عليكم، هذا خالد الدبيخي أستاذنا، هذا أخي الكبير، رجل فاضل، والله إنسان من أدخم الناس خلقاً وطبعاً وطيب سريرة، من السعودية، رجل على الفطرة الجميلة، يمثل أهل السعودية المحبوبين إلى النفس.

هذا الوعد يا مولانا أن نبدأ الخميس القادم، وأن يكون المجلس الخميس والجمعة في القادمين، بعد ذلك نرى هل نستمر السبت والأحد أم نجعله في الخميس والجمعة. سأعمل استبانة في المجلس الثاني في يوم الجمعة إن شاء الله.

أختنا لو سمحتِ، يا ليت يكون موعداً ثابتاً خميس وجمعة، ممكن خميس وجمعة وسبت بحث ننهي من الشرح. سنعمل استبانة إن شاء الله في المجلس الثاني يوم الجمعة، لأنه في الأول والثاني سيتضح إذا كان ثقيلاً. تحتاجون إلى... صعب علي أحدد هذا، أنا أمارسه منذ سنين، فأحياناً يصير صعباً علي أن أحدد هذا يصلح أو لا يصلح، وأحياناً يكون الشيء صعباً وأستسهله. البعض يقول لا، ثقيل، اجعله كذا. أنا كنت قادراً على أن أشرح هذه القصيدة شرحاً يومياً إلى أن ننتهي، لم يكن ذلك صعباً علي، شرح زئب الشماخ، أن أجلس كل يوم فيها وأشرحها، لأن هذا عملي، هذه حياتي، كل يوم بهذا المستوى بهذا النقد وأعمق من هذا.

لكن أنا أعرف أن ذلك صعب على الناس، أو أدركت هذا. في مقدمة الكشاف نتبين من أول مجلسين، خميس وجمعة متواليين، إذا كانت ثقيلة قولوا لا، خميس وجمعة فقط، إذا كانت لطيفة مستعدون للمجلس الثالث والرابع إلى أن ننتهي. جميل جداً، وأحب هذا، أحب أن أحتفل بانتهاء سلسلة أو شرح وترون فيها فوائد عظيمة إن شاء الله سبحانه وتعالى بإذن الله.

قوله يا إخوة «يكلفها طوراً مداه»، الصواب إن شاء الله، والظاهر شعرياً وبما يقتضيه المعنى، أن يكون ذلك داخلاً في الورود، يعني «فأوردهن المور وهو يكلفها طوراً مداه»، فإن يكون البيت حالياً أظهر. «مداه» يا إخوة يعني غايته البعيدة، يكلفها مداه كما نقول أقصى مداه، فهنا يكلفها مداه يعني أقصاه البعيد. ومعنى «يكلفها» يعني يجشمها، يكلفها يجشمها، مفهوم؟ «يكلفها طوراً مداه» يعني أنه يحملها على أبعد مدى.

«إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز»، يعني إذا انعطفت الطرق الذاهبة إلى الورد، أو انعطف به الورد نفسه، وعوجت عليه المجاوز وهي الطرق المجاوزة. ومفرد المجاوز مجاز، ومجازه بالتثنية والتأنيث أو بالتذكير والتأنيث: مجاز ومجاز.

المجاوز جمع مجاز أو مجازه، ومنه جاء المجاز؛ الطريق الذي يجوز. هذه الكلمة، المجاز، يعني نجوز فيها من المعنى إلى المعنى، أو جازت من معنى إلى معنى آخر.

يقول في هذا البيت: إِذا اعوجَّتِ الطُّرُقُ الَّتي يَسْلُكُها ... إِلَى الوِرْدِ يُكَلِّفُها طَوْراً مَداهُ إِذا التَوى بِهِ الوِرْدُ

"التوى" يعني انعطف واعوج، واعوجت يعني التفت حتى صارت كالمتاهة وعوجت عليه. المجاوز يكلفها؛ هذا البيت فيه الورود إلى الماء، ولكنه أصبح يحتال إليه، وهذا تفسير لبعض ما أجمله من قوله: «على كل أجريائها هو رائز». فهذا من بعض ما يفعل: «يكلفها طوراً مداه». من الذي يكلفها؟ الجاب. ما الذي يشبهه بالجاب؟ ناقته: وَعوجاءَ مِجذٍّ ذامٍ وَامرٍ صَريمهٍ ... تَرَكَت بِها الشَكَّ الَّذي هُوَ عاجِزُ يُكَلفُها طَوراً مَداهُ إِذا اِلتَوى ... بِهِ الوِردُ وَاعوَجَّت عَلَيهِ المَجاوزُ

كان قتودي فوق جاب مطرد؛ هذا الجاب يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز. يا أخي في حاجة غريبة، انظر، بل أشياء غريبة في هذا. طبعاً كما أقول، بالضبط يا شيخ خالد، والناقة هي نفسها هنا كما قلت، هذا تفسير ما أجمله في قوله: «على كل أجريائها هو رائز». فهذا من بناء البيت على البيت، يعني من خروج البيت من رحم البيت.

لكن من براعة الشاعر هنا له عدة براعات؛ من براعة الشاعر هنا في هذا البيت أنه أضاف المدى إلى الجاب، "مداه"، ولم يقل "المدى" مع أنه صحيح، تعالى يكلفها طوراً مداه، غايته أبعد طريقه، مع أنه طريقها، وكل طرائقها أو طرقها هي طرقه. كل طرقها هي طرقه، ولكن هو قال "مداه"، جعله هو وحده متحملاً كل شيء حتى إن المدى مداه، والطريق طريقه. هو صاحب المهمة، هو صاحب الوظيفة: «يكلفها طوراً مداه». يكلفها مداه، مع أنه مداها أصلاً كذلك، هو مداها. يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز.

وإذا أردت أن تقف على مكر الشعراء حقاً في استعمال اللغة، وتفريقهم بين وظائف عناصرها، إذا أردت أن تقف على مكر الشاعر أو الشعراء في استعمال اللغة، وتفريقهم بين وظائف الآلات فيها والمعاني، فانظر كيف استعمل "به" في الالتواء، واستعمل "عليه" في الطرق في المجاوز. استعمل "به" في الالتواء، واستعمل "عليه" في المجاوز. «يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز».

أسند الالتواء إلى الورد: "الورد التوى"، وأعوجت "عليه"؛ أسند كذلك الاعوجاج إلى المجاوز وهي صفتها، لكن قال "عوجت عليه". فما الفرق بينهما؟ «يكلفها طوراً مداه» يعني يذهب إلى الطريق الأبعد ليترك الشك، "تركت بها الشك الذي هو عاجزه". ما هو الجاب؟ هذا يشبه به الناقة، تركت بها الشك الذي هو عاجزه، الحمر من أول ذكرها إلى آخر القصيدة تفسير لـ "تركت بها الشك الذي هو عاجزه".

فيقول: «يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد». الورد سواء كان الورد الذي هو نفس المياه، أو كان الورد الذي هو فعله. "التوى به الورد"؛ فلما لماذا قال "التوى به الورد" و"اعوجت عليه المجاوز"؟ لأن الحمار هنا بالفعل متلبس بطرق الورد، متلبس بها، ويسير نحو الماء، فإذا ظل التعوج، أو إذا حصل أن انزاح عنها، فهي تلتوي به. أما في الطرق المجاوز التي لم يبلغ بها بعد الورد، لم يصر عند الورد، "واعوجت عليه"؛ أي قبل ذلك المجاوز. الحمار هنا هو الذي يفكر ويريد أن يقطع، فهي عوجت عليه وليس به، هناك نقول "به" لأنه يمشي مع الورد فعلاً، فالورد يسير به ويلتوي به، أما هنا فهو يريد أن يتجاوزها المجاوز، فهي تعلوه وتعوج عليه.

فهمتم الفرق بين "التوى به الورد" و"عوجت عليه المجاوز"؟ أنت تحل مسألة رياضية ودخلت فيها فعلاً، فتقول: "التوت بي المسألة"، وأنت في داخل المسألة تقول "التوت بي المسألة" لأنك في داخلها وتمشي فيها فعلاً فهي دارت بك في داخلها. ولكن إذا كنت تفكر في المعادلات وأنت خارج المسألة، تقول: "أشكلت علي المسألة" أو "أشكلت علي المعادلات". ما الفرق بين "التوت بي المسألة" و"أشكلت علي المعادلات"؟ "التوت المسألة" أنت في داخلها، وليس اختلاف الاتجاه، "التواء" هي أين أنت؟ في الداخل أم في الخارج؟ إذا كنت في الداخل "التوت بك" الورود، أو "التوى بك الورد"، أو "التوت بك المسألة" لأنك تسير معها، فهي التوت بك. "التوى به الورد" بالمصاحبة. لكن إذا كنت في الخارج وأشكلت فتقول: "أشكلت علي المسائل" أو "المعادلة". لماذا؟ لأنك كنت في الخارج، أنت لم تلابس، فأشكلت عليك، هناك فوقية، لكن أنت في الداخل تلتوي بك، تأخذك في تلافيفها.

وهنا يقول: «يكلفها طوراً مداه»، متى؟ «إذا التوى»، إذاً ظرفية، «إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز». "المجاوز التي يجوز منها إليه". رأيتم هذه براعة الشاعر في استعمال أدوات اللغة؟ نعم، «يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز، محامٍ على عوراتها، لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المنى».

قوله "محام" يعني يحامي، ولكن على الصيغة الاسمية "محامٍ"، مفاعل، على الصيغة الاسمية للفاعل. "محامٍ على عوراتها"، ومعنى محامٍ يعني مدافع ومانع. "على عوراتها"، العورات يا إخوة مواضع المخافة ومواضع الضعف، هذا تسمى العورات، وهذا اصطلاح قديم فصيح جداً ضاع عندنا للأسف الشديد، أصبحنا نعتبر العورة ما يعاب بها أو ما يستحى من كشفه، والعورة الشرعية، لكن الناس عندها عورات كثيرة، كل ما يساء لها به أو يضرها يسمى عورة. وفي الحروب الثغور الضعيفة تسمى عورة، وأشعار العرب من الجاهليين مليئة بذكر العورة من جهة، وأنني "أحامي عن العورة" وكذا، ومن جهة الصد عن مواطن الضعف والمخافة، يعني الموضع الذي يخافون أن يأتي العدو منه عوراً.

نحن مثلاً الآن في بلادنا العربية، كل بلد عربي فيه وجود لبعض القوى الخارجية هو عورة للبلد المجاور. فبلاد العرب والاسلام التي نعيش فيها الآن، إلا من رحم الله، هي عورات لبعضها، فهم جعلونا عورة لبعضنا، كل منا عورة لأخيه.

أنا إذا فعلت شيئاً سيضربونني من الجار الفلاني، وأنا إذا فعلت سيضربونني من جار الفلاني، فصرنا عورات لبعض. هذا فقط الإغراق في الشرح عشان حتى تفهم ما معنى العورة.

«لا يروعها خيالٌ ولا رامَ الوحوشِ المناهزُ». الوحوش طبعاً، يروعها يعني يرعبها، يخوفها، يرعبها، يفزعها؛ لا يفزعها خيال، ولا رامي الوحوش المناهز. والمناهز هو المبادر المسابق السريع النزع، السريع النزع الذي يرمي دون أن تدرك الهرب.

البيت كله يا إخوة هنا في موضع الحال. أما من الفاعل، فيكون إما «يكلفها» أو -وهذا أراه أرجح إن شاء الله- أنه حال جديدة من الفاعل في «فأورد هن المور». «فأورد هن المور»؛ المور مور حمامة، على كل أجrichtائها هو رائز يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد.

«محامٍ على عوراتها»؛ يعني هو أوردها وهو على كل أجrichtائها رائز، وهو يكلفها طوراً مداه، وهو محامٍ على عوراتها. كل هذا يمكن أن يدخل -ولو بالتقريب- في «فأورد هن المور»؛ لأنها أفعال قريبة، وهي في العرف والعادة وفي المشاهدة تحدث متعاقبة على التوالي أو بالتداخل.

«على كل أجrichtائها هو رائز» يدخل مع «يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد»، و«محامٍ على عوراتها»؛ فهذه العبارات كلها عبارات أحوال، والله تعالى أعلم. فيكون قوله «محامٍ على عوراتها» حالاً رابعة. الأول هو «على كل أجrichtائها هو رائز»، والثاني «يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد»، والثالث «محامٍ على عوراتها». فالبيت كله في موضع الحال، والله تعالى أعلم.

والأجود أن يكون حالاً من الفاعل في «فأورد هن»، يعني «أورد هن الجاب» حال كونه رائزاً على كل أجrichtائها، وحال كونه يكلفها طوراً مداه، وحال كونه محامياً على عوراتها. فهمتم يا إخوة المعنى الذي تقرأون به صلة الأبيات أو تستحضرونه في صلة الأبيات؟ هذا هو.

أين يعيش مولانا في مصر؟ فأنا أريد زيارته. أهلاً وسهلاً، أرجو من أحد الإخوة أن يضع له معرف التليجرام، وواصلني أخي الكريم بمعرف التليجرام وواصلني إن شاء الله.

ونراه هذه المرة يا إخوة، انظر تأمل اللغة: «محامٍ على عوراتها»، يعني يحامي، يحفظها الجاب الذي شبهت به الناقة، التي تركت بها الشك الذي هو عاجز. يحامي على عوراتها، سبحان الله، وما هي العورات؟ «وعوجاء مجذا وأمر صريمة» تركت بها الشك الذي هو عاجز. اقرأوا مثل ذلك في معلقة لبيد بن ربيعة ترون مثل هذه المعاني، وفي غير لبيد طبعاً كثير.

نراه هذه المرة يا إخوة، اسمعوا: «محامٍ على عوراتها»، نراه استعمل الصيغة الاسمية «محامٍ» دون الفعلية «يكلفها». لماذا؟ هنا أساس الشعر أن تفهم لماذا. إذا قلنا إن قوله «محامٍ على عوراتها» حال، وإن قوله «يكلفها طوراً» حال، يعني هذه أحوال متعاقبة: «فأورد هن المور رائزاً على كل أجrichtائها، يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد، وعوجت عليه المجاوز، محامٍ على عوراتها».

لماذا هذه المرة ليس فقط الثبوت؟ السبب في هذا أيها الإخوة أن الفعل «يكلفها» هو فعل سينتهي، هو فعل معين يصوره الشاعر وهو يحصل، فيفيد التجدد والحدوث في لحظته لكن سينتهي. أما الصيغة الاسمية «محامٍ» فتدل على الدوام والثبوت كما يقول العلماء.

فأولاً «يكلفها» ستنتهي، ثم هو فعل معين يصوره الشاعر، أما المحاماة فليست فعلاً سينتهي، وإنما هي حال دائمة للجاب، ثم هي معنى غير معين؛ يعني هو معنى مجمل، ماذا يفعل في المحاماة؟ كل ما يدخل تحت مفهوم المحاماة ثابت. «محامٍ على عوراتها»، كيف صوره وهو يذهب ويخرج على مرقبة، وصوره وهو يعطي ظهره لها وينظر ويراقب، صور كما تشاء.

فأولاً المحاماة حال دائماً للجاب ليست فعلاً منتهياً كـ «يكلفها طوراً»، وثانياً هي معنى المحاماة معنى غير معين، معنى عام دائم، فهو يظل يحامي عنها بكل هيئة وكل فعل ولم يذكر الشاعر فعلاً معيناً. اقرأ الآن: «يكلفها طوراً محامٍ على عوراتها»؛ «يكلفها طوراً» فعل مؤقت يحدث الآن وسينتهي، والثابت أنه «محامٍ على عوراتها».

«لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهز»؛ تستقل قل يعني لا موقع لها من الإعراب في البيت، تستقل لا إعراب لها، تنشد مع الكلام قبلها، فهي عبارة استئنافية جاءت يستانف فيها الكلام ويبدأ فيها الكلام الجديد، جاءت ثمرة وحكاية مختصرة عن أثر المحاماة.

شوف الاختصار هنا: «محامٍ على عوراتها»، فلما حامى على عوراتها، ألمر الأمر إلى أنها «لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهز». هناك اختصار كلام وهو: فلما حامى عن عوراتها ونجح في ذلك فأمنت، أصبحت «لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهزون». فهمتم؟ فهي عبارة تستقل وهي تأتي مترتبة عن التي قبلها، يُقدر فيها الكلام أو السؤال: ما الذي وقع؟

وأنا سأخبركم إن شاء الله بعد تمام القصيدة ما تفعلون بإذن الله حتى تستفيدوا من هذا الشرح أقصى استفادة، وتخرجوا بمنهج جديد أو مرحلة جديدة لكم في قراءة الشعر. ابتهلوا هذه الفرصة لا تدعوها تذهب، أنت لما تقرأ الآن: «محامٍ على عوراتها، لا يروعها خيال»، المحاماة فكانت مما ترتب، فكانت أصبحت أنها لا يروعها، أمنت وصارت لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهزون.

وفي هذا البيت وجه بديعي هو التقسيم. لماذا يا إخوة؟ لماذا؟

ثم سأذكر ما هو فوق التقسيم: ما الذي يخيفها؟ الوحوش من الصائدين؟ أما أن يظهر خيال، فهي يقول: لا يروعها خيال إذا ظهر أي خيال، ارتعبت.

لا، في وقت العصر أو بعده، وقت الأصيل والمغرب، لماذا؟ أو في الصباح والشمس تشرق، لماذا؟ لأن الشمس تكون قريبة من الأرض أفقية، وإذا اقتربت الشمس من الأرض كان الظل طويلاً، فربما الظل يفضح. تعرف وأنت تسير، تعمل عمل نفسك ناصحًا، إذا جاء شخص وراءك وعمود النور بعيد فكشف ظله الطويل، فأنت تعمل نفسك "جيمس بوند"، يعني أنك اكتشفت وتتخيل أنه سيسرقك. أنا كنت أعمل كذا وأنا صغير، فكنت أتخيل لو أن هذا لص يريد أن يسرقني أو أن يخطفني، فقد بدا ظله مبكرًا، وأنا الآن سأبدأ في الاحتياط؛ ها الظل طويل، الظل طويل.

في هذه الأيام التي كنا نمشي فيها نعمل التراب في الأرض، نقول قنابل، قنابل، رصاص. تذكرون هذه الأيام، تعمل برجلك في الأرض، ليس همك الحذاء أو البنطال يتردم بالتراب، ودول قنابل ورصاص، ويجي خيال من وراك تتخيله، وهو يقول: لا يروعها خيال. لأن الإتن ستخاف من الخيال، أي خيال يظهر تتحاط منه وتخاف، لكنها بلغت أن صارت لا تخاف من الخيال، ولا تخاف ممن لا يظهر له خيال.

وهو رامي الوحوش المناهز الذي ينزع بسرعة ويبادر ويسارع بالرمية، ينتهز. مرت معنا عندما قال: «غدت له سعر الخدود كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز»، وقلنا منها انتهاز الفرصة، وانتهازها، وفلان يناهز فلانًا يناهزه، يعني يرمي معه ينافسه. أحسنت يا دكتورة دعاء، وأحسن الجميع، أخي الكريم بريزي، أنا ببقى عايز، ما شاء الله تفاعلك حلو، مش عارف أنطق اسمك فبضطر أسكت، لو كتبت اسمك اسمًا ظاهرًا ليس مجرد رمز، مستواك في التفاعل فوق هذه العلامات التي لا تفهم أو فوق هذه الأسماء الإنجليزية أو الرموز.

فهذا المناهز الذي فصارت لا تخاف لا من الخيال ولا من الرامي المناهز، فالبيت فيه نوع تقسيم، وهو استيفاء صفة الشيء، واختلف النقاد فيه أو علماء الشعر أو علماء البيان: هل يشترط فيه استيفاء الأقسام أو لا؟ والمشهور عدم الشرط، يعني المشهور أن يظهر فيه التقسيم وقصد الاستيفاء، لا أن يستوفى فعلًا، يعني يظهر فيه ما يشبه قصد الاستيفاء لا أن يستوفى فعلًا، هذه مسألة درسناها في "العمدة". فالبيت فيه هذا الوجه البديعي هو التقسيم.

وأخيرًا أقول أيها الإخوة وركزوا معي: هذا البيت فيه صفة جوامع الكلم على وجه الخفاء. لأن قوله: ﴿يُكَلِّفُهَا طَوْرًا مَدَاهُ إِذَا الْتَوَى بِهِ الْوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ الْمُجَاوِزُ﴾، فيه أنه صار قريبًا منها، فلما قال: محامٍ على عوراتها لا يروعها خيال ولا رامي الوحوش المناهز، هذا فيه إشارة إلى أنها استقرت، وأنها شربت وصارت تشرب وانتهى أمرها هنا خلاص.

محامٍ على عوراتها، شوف الإشارة والشعر لمح، تكفي إشارته وليس بالهذر، "طولت خطبته" محامٍ على عوراتها صار يحامي على عوراتها خلاص، لا يروعها خيال. طيب، لما هو كان لا يروعها خيال، ماذا كانت تفعل؟ شوف، يعني لما يقول لا يروعها حال كونها ماذا؟ لا يروعها خيال ولا رامي الوحوش المناهز، يعني في وقت ماذا؟ ماذا كانت تفعل؟ تشرب خلاص، ولهذا ترى أنه انتهى عنده عند الشاعر شربها واستقرارها، خلاص لم يذكر "فشربت"، فشربت داخل في أو مكتم في قوله: محامٍ على عوراتها لا يروعها خيال ولا رامي الوحوش المناهز.

طب يعني وهي لا يروعها خيال ولا رامي الوحوش المناهز ماذا كانت تفعل؟ القضية من الأول، فلما رأينا الماء قد حال دونه زعاف لدى جنب الشريعة كارث، فهي تشرب الآن، ولهذا قال: فاصبح فوق النشز حمامة، له مركض في مستوي الأرض بارز، وظلت تفالى في اليفع. كل هذا قبل أن تشرب، لا، خلاص شربت، يعني لها مركض من الركض الجري، وظلت تفالى واقفة مطمئنة تتمايل، خلاص شربت. متى شربت؟ في البيت الرابع بعد الخمسين، محامٍ على عوراتها لا يروعها، محامٍ على عوراتها لا تخاف من الخيال ولا تخاف أن يرميها الرامي، يعني كانت تفعل ماذا؟ وقفت على الجبل تشرب، كانت ذاهبة إلى الورد، ﴿يُكَلِّفُهَا طَوْرًا مَدَاهُ إِذَا الْتَوَى بِهِ الْوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ الْمُجَاوِزُ﴾، ثم محامٍ على عوراتها صار خلاص محاميًا أبدًا، كذلك محاميًا على عوراتها لا يروعها خيال ولا رامي الوحوش المناهز، يعني خلاص سلام وشربت وتمام.

"فاصبح فوق النشز حمامة"، له مركض، من هو الجابي الذي يشبه به ناقته مع أن المركض للجميع؟ لها مركض كل الإتن، كل الحمر يعني ذكور وإناث، الذكر والإناث. "فاصبح فوق النشز نشز حمامة، له مركض في مستوي الأرض بارز". النشز هو الأرض العالية، المكان المرتفع، هذا النشز وذكرنا ذلك في أول الكلام، في أول القصيدة: "عفى بطن قوم من سليمة فالعلازوا فذات الغضا فالمشرفات النواشز"، خلاص ذكرنا هذا المعنى هناك. فالنشز هو المكان المرتفع أو الأرض العالية المرتفعة، ومركض بالضاد ليس بالدال، هنا في هذه الرواية "مركض"، أي مكان يركضون فيه. نعم، الإتن النواشز مرتفعة فوق، فالمركض يعني مكان يركضون فيه، فهو آمن لركضهم ولا يخشون فيه شيئًا، مركض مفعل.

"في مستوي الأرض"، مستوي الأرض يعني الأرض الممتدة المستوية، بارز ظاهر عالٍ. هذه الفاء في قوله "فأصبح" هذه الفاء أضمرت الكثير، تدرك ذلك لو تأملت ما رتب الشاعر عليه بها. اسمع: "يكلفها طورا مداه إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز"، "محام على عوراتها لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهز"، هذه تشبه بداية نهاية قصة وما بعدها بداية مشهد جديد وحالة جديدة. البيتان الأخيران حالة جديدة، يا إخوة من لاحظ هذا؟ "فأوردهن المور مور حمامة على كل أجريائها هو رائز"، "يكلفها طورًا مداه إذا التوى به الورد إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز"، "محام على عوراتها لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهز"، "فأصبح فوق النشز نشز حمامة له مركض في مستوى الأرض بارز". وصلت إلى أنها استقرت على مكان عالٍ بارز.

وصارت تركض فيه، فهذه الفاء اختزنت الكثير، وأضمرت الكثير. الفاء يشرح في صفحة أو صفحتين أو ثلاث صفحات في كتب النحو وفي كتب معاني الحروف، ولكن إبداعه لا نهاية فيه، وهذا هو التركيب ونظرية النظم يا إخوة، هذا هو التركيب ونظرية النظم.

لا أمرّ الحروف التي في أول الأبيات مرور الكرام، لأنني أعلم أنها صلة لشيء، وأنها في لغة الشعر ستختزن الكثير، والشعراء أمرّ الناس على وجه الأرض في البيان يضمرون الكثير جداً. بالمناسبة، العمل الثمين يظلم.

أنا قلت إن الشعراء الكبار الفحول القدماء الآن يأخذون مكانهم تسليماً بالتاريخ، لكن الناس لا تتعاطى مع أشعارهم؛ أيّتكم الآن بمن يتعلق بامرئ القيس؟ لأنه يفهم امرأ القيس، لأنه يتعاطى معه ويعرف معاني شعره الحقيقية. أيتوني بمن تعلق بزهير بن أبي سلمى؟ لأنه فهم تماماً حين قال:

وأبيض فياض يداه غمامة *** على معتفيه ما تغب فواضله بكرت عليه غدوة فرأيته *** قعوداً لديه بالصريم عواذله يفدينه طوراً وطوراً يلينه *** وأعياً فما يدري أين مخاتله فأقصره منه عن كريم مرزأة *** عزوم على الأمر الذي هو فاعله

رأيتم من يتعاطى مع هذه الأبيات فيتعلق بزهير لأجل هذه الأبيات؟ هم يسلمون لزهير تاريخياً، فمعرفة هذه الفاء تجعل النص يحتاج إلى من أدرك الشعر مادةً ولحمةً وعظاماً حتى يتذوقه ويعلم أنه أضمر كل ما فات، عقب على كل ما فات؛ فبعد كذا وكذا وكذا، فأصبح فوق النشذ.

فالفاء هذه كانت وصلة خطيرة، صمولة خطيرة جداً، مسمار خطير، براغي، سموها لكل ما فات، بينما بعدها "كل ما فات" بالضبط. تشبه "فلو إنما أسعى بعد كل بالضبط"، فيريد في الأخير أنه استقر وآمن بعد هذا الذي تجاوزه من الأخطار جميعاً: وكذا وكذا وكذا، وهمت بورد، وقبلها ومرت بأعواد الأرق، ويممها من بطن ذروة رمه، وصدت سدوداً عن الذريعة عثب وحلاها عن ذي الأراك عامر، فلما رأينا الماء قد حال شككنا بإحساء، ولما استغاثت والهوى، فأصبح فوق النشذ نشز حمامة.

هنا كان هناك انتقال في الأمان؛ كنت قد قلت لكم في المحاضرة الماضية في الأبيات الماضية التي شرحتها في محاضرة أمس، كان ينتقل فيه من بين الأمان وعدمه، الآن استقر في الأمان بهذه الفاء التي بُنيت على كل ما سبق.

طيب، هذه الفاء بُنيت على ماذا؟ على البيت الذي قبلها: "كان قتودي فوق جب مطرد". من أول هنا، من أول هناك، كان قتودي فوق جب مطرد من الحق. فاصبح فوق من هو نفسه هو الجاب. هذه الفاء بُنيت على كل ما فات، وهذه من خطواتها، لأن الشاعر لم يختارها اعتباطاً؛ أنت ممكن تقول فاء سهلة، لكن الشماخة بضرار لم يأتي بالفاء هنا بسهولة.

"رأيت طول النفس... فأصبح فوق النشذ نشز حمامة". فهو يريد في الأخير أن الجابة استقرت وآمنت بعد كل هذا الذي تجاوزه من الأخطار. لا تنسَ أنه يقصد ناقته، هي التي أصبحت فوق النشذ نشز حمامة، لها مركض في مستوى الأرض بارز، يعني انتقلت عن الضيم وترك الشك الذي هو عاجزه حتى اطمأنت في الأمان التام وعلى الكرامة. تركت بها الشك إلى العزيمة.

والأبيات تشهد، أنا أتحداك، لماذا أنا معي كتلة حديدية صمولة؟ كأنني معي حصانة أصلاً، حتى لو ستجادل امرأ القيس فيما فهمه، ستجادله فيما فيه خبرة ونظر طويل، لا مجال للجدال؛ "كان قتودي" -التشبيه هنا صريح- كأنه يقول "كانت ناقتي"، هو فعلاً قال "كان قتودي" أعواد رحلي، ليس فوق ناقة وإنما فوق جب، هذا الجب فعل كذا وكذا إلى أن أصبح فوق نشز حمامة. هو تشبيه صريح لناقته، كلام حقيقي أمامنا.

وترى هنا نفس الأسلوب الذي اتبعه في "المور مور حمامة"، فاصبح فوق النشذ. ثم كأنك تسأل فيقول لك: "نشز حمامة". وقلنا "حمامة" هو موضع ماء، موضع ماء لبني، أظن كان سعد بن بكر من هوازن، ومر معنا في "مور حمامة"، هذا هو ماء بني سعد بن بكر بن هوازن. فيقول: "فأصبح فوق النشز حمامة"، يعني الذي فيه هذا الماء استقر هنا وله مركض في مستوى الأرض بارز.

والعبارة "له مركض" هي حالية من الفاعل في "فأصبح"؛ فأصبح فوق النشز والحال أن له مركضاً في مستوى الأرض بارزاً. وتلاحظون أن الشاعر ركز في هذا، دائماً قلت لكم مراراً في الأدب وفي نقد الشعر: أنت تنظر في الوجوه الأخرى التي كان يمكن أن يأتي عليها هذا المعنى، وتبدأ تسأل نفسك وتفسر لماذا جاء بوجه من اللغة أو من توخي المعاني دون وجه آخر؟ لماذا هذا هو: "فأصبح فوق النشز نشز حمامة له مركض في مستوى الأرض بارز"؟ العبارة كما قلت "له مركض" هذه حالية.

ثم تلاحظون أن الشاعر كان يمكن أن يقول مثلاً: "يركض في أرض" ونحو ذلك، فاصبح فوق النشز نشز حمامة يركض في أرض مستوية، هو نفس أصل المعنى موجود "يركض في أرض مستوية"، لكنه قال "له مركض في مستوى الأرض"، فهذا إشارة إلى الاستقرار والدوام والثبوت، "له مركض" أعطاه ملكية.

وذكر هنا كون المرقد بارزًا إشارة إلى أن الحمار والأتان قد صاروا لا يعنيهم؛ الأتان صارت لا يعنيها الحمار، هذه الجماعة صارت لا يعنيها التخفي والنزول إلى هابط من الأرض، كانت تتخفى وتهرب، فصارت لا يعنيها أن تتخفى وأن تنزل في هابط من الأرض، وأنها انتقلت إلى مأمن بعيد عن الشك وعن كل ريبة.

أيضًا تركت بها الشك الذي هو عاجز، له مركض في مستوى الأرض بارز، إشارة إلى الأمان التام. وتأملوا أخيرًا هذا الترتيب: له مركض في مستوى الأرض بارز. ماذا لو عُكس؟ ماذا لو قال: له مركض بارز في مستوى الأرض؟ تخيلوا، لن نقول واحد خطأ، نحن نقول هنا فاضل ومفضول.

لو قدم «بارز» وقال له مركض بارز، سيأتي البروز ضيقًا، لم يحدد مساحة المركض، وربما كان المركض ليس في مكان يرتفع ارتفاعًا كافيًا، هو قال النشز، نعم، لكن بارز بعد النشز هذا زيادة فوق نشوزه الأول. فلو قال له مركض بارز، سنفهم ماذا؟ سنفهم أنه بارز فقط، لكن هل هو كافٍ ليظهرها؟ هل هو كافٍ ليكون مرقضًا واسعًا لها؟ الجواب: لا.

بعد ذلك إذا قال في مستوى الأرض سنفهم، لكن بعد فوات موضع الصورة. ولذلك قلت هذا فاضل ومفضول؛ فلما قال له مركض في مستوى الأرض، يعني واسعة، الأرض واسعة ممتدة مستوية، ثم قال بارز، جاء البروز مع اتساع الأرض. ولو قدم بارز لن ترى اتساع الأرض إلا متأخرًا بعد فوات البروز.

تقول الدكتورة دعاء: أعطاه مساحة واسعة، وكأن كل الأرض صارت بارزة، بالضبط. هو المعنى سيقول في الأخير. والشعراء ماذا يفعلون؟ كما قال عبد القاهر، مما يفعله حذاق المتكلمين أو الشعراء أنهم في تنسيقهم للكلام يتركون شيئًا يوهم شيئًا آخر غير الذي يراد، بحيث يتبين المعنى فيما يأتي فيعود بالتصحيح على الأول.

لا، لا يتركون الكلام يوهم شيئًا غير المراد، بحيث يعتمدون على أن ما بعده سيبينه؛ حذاق المتكلمين لا يفعل هذا، وإنما يعمل في النظم ما يمنع الفهم غير المراد. فلذلك لو قال له مركض بارز سترى البروز مع ضيق، ربما لن ترى أنه واسع، وأنها اجتمعت في مكان واحد. لا، هو بدأ الأول: له مركض في مستوى الأرض، يعني مستوى اتسع وامتد واستوى من الأرض، ثم قال بارز، فأبرز الجميع. تخيلها، هذا يشبه: «هصرتُ بغصنٍ ذي شماريخَ ميّالِ». أحسنتِ، أنتِ فاهمة، كذا الدنيا ماشية، الحمد لله.

ماذا بقي في البيت، أو ماذا نتأمل في هذه اللحظات؟ «فأصبح فوق النشز حمامةٌ له مركضٌ في مستوى الأرض بارزٌ». والحمار نشط يا إخوة، والحمار هو النشط، ولذلك قابله بحالها: «وظلت تفالى باليفاع».

«تفالى» يا إخوة، تتفالى؛ وأنا كنت أريد أن أسأل أخانا البدوي، له رأي في قضية «تتفالى الإبل». اليفاع هو المرتفعات، أو المكان المرتفع، يقول مجنون ليلى: فما أشرف الأيفاع إلا صبابةً ... ولا أنشد الأشعار إلا تداويا

فالأيفاع هي الأراضي المرتفعة، فيقول: «وظلت تفالى باليفاع» يعني بالمكان المرتفع البعيد، كأنها تتفالى. وتفالى هنا، كما فُسرت وفي كتب اللغة أيضًا، «تفالى» على اختصار «تتفاعل» بحذف إحدى التاءين كما هو معروف في علم الصرف تخفيفًا، «تتفالى» يعني يفي بعضها بعضًا، أي تحك بعضها بعضًا ويفي بعضها بعضًا، هكذا في الشروح وفي كتب اللغة.

«ونحاها» يعني وجهها، «وجهه الريح راكز»؛ الراكز يعني شخص ركز الرماح، ركزها بمعنى غرزها وأوقفها في الأرض، فمالت مع الرياح، مالت الرماح معه، فالراكز هو الذي ركز الرماح في الأرض غرزها، فصارت لأنها طويلة والجزء الذي غرز وظيفته أنه ثبتها فقط، جعلها لا تقع، لكن في الأخير هي أيضًا لينة وتميل مع الهواء، فهو نحاها، أي وجهها وجهه الريح لما غرزها في الأرض.

مولج هذا البيت تعالى كما رأينا في البيت السابق؛ «فأصبح فوق النشز»، مولج هذا البيت يعني ما نلج به، كما يسميه عبد القاهر الجرجاني، مولج البيت يعني ما نلج منه إلى البيت، خلاص، مولج البيت هنا هو البيت الأخير في القصيدة.

فهناك صورة، ركز معي، هذه دلالات اللغة في الشعر، دلالات اللغة في الشعر ليست من خارج هذا الكلام، فهي البيت الأخير مولجه، «وظلت»، فهناك صورة ستظل قائمة مستمرة في المخيلة.

ثم جاءت، من يعرف إعراب هذه الجملة: «وظلت تفالى»؟ من يعرف إعراب «تفالى» هنا؟ جاءت جملة الحال على المضارعة «تتفالى»، ظلت حال كونها تتفاعل، صورة مستمرة. وفي مضمون «ظلت» لأنها حال من الفاعل في «ظلت»، هي حال كونها تتفالى؛ هذا التحليل النحوي أو الإعرابي للجملة.

«فأصبح فوق النشز حمامةٌ له مركضٌ في مستوى الأرض بارزٌ، وظلت»، مع أنها لم تذكر من قبل، «وظلت» عشان هي تقابل الحمار؛ أصبح هو كذا له مركض، وهي ظلت، لأن الأتان أقل نشاطًا من الحمار.

وله كما قال عمر بن أبي ربيعة، كما قال أبو ذئب الهذلي: «والدَّهْرُ لا يَبْقَى عَلَى حَدَثَانِهِ ... جَوْنُ الثَّرَى لَهُ جَدَادُ أَرْبَعِ». صخب الشوارب لا يزال، كأنه عبد لأبي ربيعة مسبعة.

هو يجري ويأتي بالنهيق ويصرخ، وكذا الحمار يكون أنشط فيجد حيناً في العلاج ويشمعه معه، هو الحمار الذي يذكر بالنشاط والجري، والآن أخف وألطف وأسكن في المكان. هذا الذي صار له مركض، وكان ضاماً، الآن له مركض يجري، ليس يركض له مركض بعد الإمام؛ تركت بها الشك الذي هو عاجز، صار الآن له مركض وكان ضاماً.

«طواظمها في بيضه شفت الرحلة، رحلة الحمر... طواظم التي ناقتها طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز، الآن فأصبح فوق النشز، نشز حمامة له مركض في مستوي الأرض بارز».

نعم، «وظلت تفالى باليفاع». انظر، «ظلت» هذا مولج البيت، هناك صورة ستظل قائمة مستمرة في المخيلة. هذا ما فعله الشاعر بعقلك الآن، ثم أتى بجملة الحال على المضارعة «تفالى» أو «تتفالى» في مضمون «ظل»، فهي «ظلت تتفاله»، فالصورة التي ستستمر في مخيلتك هي صورة حركة دائمة.

وهذا كله يهيئك به الشاعر لآخر مشهد يدل على بلوغ الحمر هذا المستوى، أو هذا القدر من الأمان الكامل. «تركت بها الشك الذي هو عاجز، كان قتودي فوق جاب»، وهذا آخر المشبه به. فكل هذا ناقته، ولم يقل الشاعر هنا يا إخوة لم يقل الشاعر: رماح تتحرك مع الريح.

أسألكم سؤالاً في التشبيه: هو أراد الرماح تتحرك مع الريح أم الرماح مركوزة، ركزها راكز؟ يريد الرماح تتحرك مع الريح، كان يمكن للشاعر أن يقول: رماح كأنها رماح مغروزة تتحرك مع الريح، ولكن الشعر لمح، تكفي إشارته وليس بالهذر. طولت خطبته، إنما ذكر لك الشاعر السبب ليكون المعنى المقصود حاصلاً به، وهذا من تحقيق التشبيه، أي جعله واقعياً حقيقياً.

ركز معي الآن فيما أقول: لم يصف لك حركة الرماح، وإنما قال لك كأنها رماح نحاها وجهه الريح راكز، وأنت تخلص إلى ما يحصل إذا ركز الراكز الرماح في وجهه الريح. خلاص، أنت تحلل هذا: ماذا يحصل إذا ركز الراكز؟ هو أراد أن يخلص لك الصورة الاستشهادية، هذا فيه نوع الكناية، فيه معنى الكناية.

والله وجدته كثيراً: «كثير الرماد، جبان الكلب». هو أنا لم أقل إنه كريم، أنا أقول وجدته كثير الرماد، جبان الكلب، جبان الكلب مهزول الفصيل، وافهم أنت من هذا ما تشاء. كذلك يقول: «كأنها رماح»، هو يبسط لك الموضوع، يهون لك الذي حصل، يبسط يعني يهون. رماح نحاها راكز، وانصرف. ماذا تفعل رماح نحاها راكز؟ استعمل هكذا.

لم يقل لك رماح تتحرك مع الريح، هؤلاء بتوع عصرنا، لما يحب يبدع في التشبيه ويحس أنه حزق وجاب مصارينه، يقول لك: وكأنها رماح تتحرك، ويخدع الناس، يكون ذكياً، هو جاب تشبيهاً بعيداً أو جاب تشبيهاً كذا وناس تفرح، تقول: الله! يخرب بيته ما أشعره! لا هو مش ما أشعره ولا حاجة، ولا هو بتاع ولا هيخش علينا ببصلة. والله لو جاءني عبقرين الزمان وأتى بهذه المعاني خلاص ولا شيء، أقول له كما قال الآمدي: سأسميك حكيماً، اسميك ذكياً، عالماً، فيلسوفاً، نبيهاً، حكيماً، لا اسميك شاعراً. لا اسميك شاعراً، الشعر شيء آخر، مادة أخرى.

ليس التشبيه هنا في أنه شبهها بالرماح مع لفت النظر إلى المعية، هذا التشبيه أنه ذكي، الشاعر ذكي هنا، ربط بين شيئين بعيدين. لكن لما تأتي إلى ناقد الشعر، كيف سيفكر؟ هل سيفكر: يا سلام، شبه الحمر في تارجح أجسادها أو تارجح أعناقها على بعضها بالتفالي، شبهها بالرماح التي تهزها الرياح فتتداخل هكذا؟ هذا عبقري! ليس هذا ما سيلفتني كناقد، وإنما سأقول: خبث الشاعر، خبث بمعنى اللؤم، وحوشه بمعنى المكر، مكر بمعنى الذكاء من حيث كونه شاعراً.

المعنى، الشاعر هنا في أن قال: «كأنها رماح نحاها وجهه الريح راكز»، رماح نحاها وجهه الريح، هذا ما سيلفتني، دهاء. أحسنت يا سماح، دهاء الشاعر بأنه قال: رماح نحاها وجهه الريح، لم يقل إنها تتحرك، هو أراد الحركة لكن ذكر سببها وترك لك التفكير، نفس مبدأ الكناية.

ومن إتقان هذا التحقيق للتشبيه وجعله واقعياً هيناً، هو مكر الشاعر هنا ودهائه. بالضبط، مكر الشاعر من إتقانه في هذا أنه أهمل الراكز، لم يفخم من شأنه، قال: «راكز»، نكرة، يريد أي راكز ركزها وانصرف. رأيتم؟ أي راكز ركزها وانصرف، ليفرغ ذهنك على ما يحصل بتلك الرماح. لن يقول لك وجاء راكز ووضع، أو أما هذا الراكز فجاء الراكز القوم أو جاء الراكز ففعل، لماذا؟ هو أراد أن يفرغك على ما يحصل للرماح، فقال: «وظلت تفالى باليفاع كأنها رماح نحاها وجهه الريح راكز»، راكز من هو؟ أي حد ركزها وانصرف، أحسنت، دعاء اختزال: ركزها وانصرف. رماح نحاها وجهه الريح، وأنت وعقلك بقى، عيش.

أنا كنت أريد أخانا البلوي، لأنه بدوي من السعودية، كان يقول شيئاً عنده في معنى التفالي، يقول عندنا في البداوي -وطبعاً قد يحتمل أن ذلك باقٍ من اللغة العربية القديمة في هذا المعنى- البدوي يقول: أكثر مشهد يدل على طمأنة الإبل هو أن تكون متفرقة وثابتة ورؤوسها في الأرض وكأنها تفلي الشجيرات. وهذا المشهد يقولون الآن «مستفلية»، بتفلي الشجر في الأرض. يعني يا إخوة هي لا يفلي بعضها بعضاً، وإنما تتفالى بمعنى أنها تفلي النباتات، «فظلت تفالى باليفاع». ولأنها على مرتفع تكون مائلة كالرماح في وجهه الريح.

التشبيه لن يركب يا أخي البلوي؛ يعني تشبيه أن تكون الرماح ثابتة من رؤوسها في الأرض وتعمل هكذا، هذا أكثر بما قاله الشراح من أنها يفلي بعضها بعضاً، لأن أجسادها ثابتة وتتحرك بالأعناق، إنما هذا سيجعل الرمح هو الجسم الثابت، يعني الاهتزاز للجسم وليس للأعناق، وسيجعل الأعناق ثابتة، والله تعالى أعلم.

«فأصبح فوق النشز نشز حمامة له مركض في مستوي الأرض بارز، وظل التفالى باليفاع كأنها رماح نحاها وجهه الريح راكز». وأعجبني في الحقيقة هنا المحقق أو الشارح أنه أورد هذا المعنى في الأخير، فقال: تفالى أصله تتفالى، أي تحتك.

بعضها يحتك بعضها ببعض، وقال: "تحتك بعضها على بعض"، يعني بتهرش لبعض، من الآخر يعني بتحك في بعضها. قال: "فكان بعضها يفلي بعضا". وفي اللسان: "فلا الت عن التهذيب، وإذا رأيت الحمر كأنها تتحاك دفقا فإنها تتفالى".

قال وشبهها بالرماح؛ لأن الرماح إذا ركزت مالت قليلا مع الريح، يعني خفقت أو اهتزت مع الريح. ثم آخر عبارة قالها محقق الدواء، الديوان الدكتور صلاح الهادي رحمه الله، قال: يريد أنها بلغت مامنها، فهي تتحاك مائلة الأعناق. يريد أنها بلغت مامنها، هذا ليس شيئا ندعيه، حتى إن شراح اللغة صرفا ذكروه؛ يريد أنها بلغت مامنها حتى بلغت مامنها فهي تتحاك مائلة الأعناق، لأنها ليست مضطربة وليست قلقة. وهذا كله ناقته، الشاعر الشماخ بن ضرار، وهذه عبقرية الشماخ في شعره، وهذا تمام شرح تلك القصيدة العظيمة الخالدة.

اجتهدت أيها الإخوة في أن أكشف عما أجده فيها من عمق البيان وبعد المرمى، والكشف عن حقيقة قصيدة هي جاهلية. أسأل الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وفقت في ذلك، وألا أقل أن نكون قد استضاءت بصائرنا بنمط الشعر الجاهلي وحيثيته في البيان.

وقد تجرأ للأسف الشديد في الحديث حول مكانته في عصرنا أناس غير مسؤولين أمام أنفسهم، ولم يؤمنوا كذلك أن يساءلوا عما يقولون، وهم مع ذلك ربما انتسبوا إلى هذه اللغة وإلى المحاماة عنها للاسف الشديد، لكن انعدمت معارفهم حول هذا النمط العالي. وإن أعسر شيء على الناقد أيها الإخوة هو أن يتناول القصيدة، فينجو عنها كل رطب ويابس وينغل حتى ينالها وهو بارز، هذا أعسر شيء أصلا على الناقد؛ تحقيق المسائل والأصول هذا أسهل عليه من مجابهة القصيدة كما يقال.

فكيف بمن يتثقفون بالثقافة العامة حول العربية وأدبها؟ هؤلاء في العادة أيها الإخوة يظلون أسرى للأهواء والانطباعات؛ فهذا يروقه بعض العباسي، هذا يروقه الأندلسي، هذا يروقه موضوع معين في هذه الأشعار المتأخرة. أما الشعر الجاهلي على الوجه الذي ينبغي، فدونهم خرط القتا.

ونصيحتي لكم أيها الإخوة بعد هذه الرحلة أن توعبوا جيدا دلالات التركيب في هذه القصيدة من هذا الشرح الذي وقع في أربعة عشر مجلسا، ولو احتاج الأمر إلى أن تسمعوا إلى هذا الشرح مرة أخرى ومرة ثالثة، فإن هذه الدلالات هي دلالات لغة القصيدة وليست مقحمة عليها من خارج.

فاستمع إلى الشرح مرة ثانية وثالثة، فإذا أوعبته لا تضيع هذه الفرصة. قلت لك سأخبرك عن شيء تفعله: فإذا أوعبت هذه الدلالات فارجع إلى القصيدة نفسها واترك هذا الشرح. "رز الشعر بالشفاه العوامل، تكر فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه العوامل". وتلقى القصيدة كما يتلقاها الذين يدركون دلالات هذا البيان، ولا ترجع إلى هذا الشرح بعد أن تتقنه وتوعبه إلا عند الحاجة.

وإذا احتجت إلى الشرح في حاجة وعندك الأبيات مرقمة، فارجع إلى القصيدة مرة أخرى. وامكث على هذا المنهج؛ أن تظل تحاول أن تتذوق، ولا ترجع إلى الشرح الذي أوعبته إلا عند حاجة معينة تشعر أنه فاتك فيها شيء. لو ضيعت هذه الفرصة لن تأخذ من الشرح الفرصة الأكبر. امكث على هذا المنهج إلى أن تبلغ أن تنشد القصيدة فتأخذ منها بلاغتك بتدبرك في لغتها التي صرت تعرفها، لا بالشرح والبيان، وتلك هي الغاية والمنتهى من قراءة النص العالي.

عسى أن يأتي يوم إن شاء الله تكون تلك هي حالك مع القرآن العظيم، تكون تلك هي حالك مع القرآن العظيم إن شاء الله. وشكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من استفاد فلييدع لي يا إخوة؛ يدعو لي أول شيء بخير في الآخرة، هذا أهم شيء وأخطر شيء، أن ألقى الله تعالى على الاعتقاد الصحيح فيه وعلى دين الإسلام، وأن يدخلني الجنة ويجنبني النار. ثم بشيء من الدنيا وهو أن يجعلني إلى أن ألقاه سبحانه مستغنيا عن خلقه جميعا، وأن تظل هذه كلمة الحق ملازمة للسان لا تشل عليه ولا تمنع ولا تكبل. وشكرا لكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.