دخولتسجيل الدخول

الدرس 13 - الأبيات (٤٩، ٥٠، ٥١، ٥٢، ٥٣)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.

أيها الإخوة، هذا هو مجلسنا الثالث عشر، وهو المجلس قبل الأخير من مجالسنا في الشرح التفصيلي لزئية الشماخ بن ضرار، التي هي من عيون الشعر العربي، ويصفها الدارسون المعاصرون بأنها من عيون الشعر البدوي أو أشهر ما قيل في الشعر البدوي. ونحن لا تعنينا قضية بدوي أو غير بدوي، إنما يعنينا الشعر من حيث كونه شعراً، هذه قضيتنا، والقضايا الأخرى رب يحميها أو أناس يقومون عليها.

فهذه زئية الشماخ التي مكثنا فيها اثني عشر مجلساً، وهذا المجلس الثالث عشر، ونختم شرح القصيدة التفصيلية في أربعة عشر مجلساً غداً إن شاء الله تعالى. وكما رأيتم نشرح في اليوم أربعة أبيات إلى خمسة أبيات، وهكذا، متوسط أربعة أبيات، والحمد لله رب العالمين.

البعض يسألني عن شرح آخر على القصيدة أو على قصيدة أخرى أيضاً شرح مطول، ما هي هيصة بقى هذا؟ هذا يأخذ جهداً ووقتاً أيها الإخوة، هذا يستغرق جهداً ووقتاً كما رأيتم. وتحليل القصائد والوقوف عليها وعلى لغتها، هذا في الحقيقة هو العمل العسير الذي تقوم عليه الدراسات، أما الدراسات الأخرى الإحصائية والشكلية والوصفية وكذا، هذه أمور أيسر في الحقيقة، وإنما لها لمعة يخدع بها الناس. أما الشعر الحقيقي والنظر الحقيقي في هذا الشعر، فهذا جهد آخر وعمل كبير، وقد رأيتم نموذجاً منه في هذه القصيدة وفي هذه الرحلة، وهذه بثوث محفوظة فيها.

وبالمناسبة، هذه القصيدة لها عندي مصنف مخطوط بحمد الله تعالى، هذا الشرح مخطوط كامل أصلاً، هذا الشرح مؤلف وموجود مخطوط كامل من أوله إلى آخره بحمد الله، فقط أنتظر أن أفوز ببعض الوقت المتصل لأستخرجه، أو لأبيضه شرحاً يطبع إن شاء الله تعالى بإذن الله.

عفى بطن قو من سليم فعالز فذات الغضا فالمشرفات النواشز فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم او معارز ومرتبه لا يستقال بها الردى تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز وعوجاء مجذا وامر صريمه تركت بها الشك الذي هو عاجز كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب لاحته الجداد الغوارز طواظمها في بيضه القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الاماعز فظلت بيمؤود كان عيونها الى الشمس هل تدنو ركي نواكز لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات امره وهو ضامز

ولما راينا الورد منه صريمه مضقاهن خل مجاوز فلما راينا الورد منه صريمه مض ولاقاهن خل مجاوز ولما راى الاظلام بادره بها كما بادر الخصم اللجوج المحافزه ويممها من بطن ذروه رمه ومن دونها من رحرحان مفاوز عليها الدجا مستنشات كانها هوادج مشدود عليها الجزاجز تفادى اذا استذكى عليها وتتقي كما تتقي الفحل المخاض الجوامز ومرت باعلى ذي الاراك عشيه فصدت وقد كادت بشرج تجاوز وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز وصدت صدودا عن ذريعه عثب ولابني غمار في الصدور حزائز ولو ثقفاها ضرجت من دمائها كما جللت نضو القرام الرجائز

وحلاها عن ذي الاراكه عامر اخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح قليل تلاد غير قوس واسهم كان الذي يرمي من الوحش تارز مطلا بزرق ما يداوى ريها وصفراء من نبع عليها الجلائز تخيرها القواس من فرع ضاله لها شذب من دونها وحواجز نمت في مكان كانها فاستوت به وما دونها من غيلها متلاحظ فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز فانحى عليها ذات حد غرابها عدو لاوساط العظاه مشارز

فلما اطمانت في يديه راى غنى احاط به وازور عمن يحاوز فمضعها عامين ماء لحائها وينظر منها ايها هو غامز اقام الثقاف والطريده درها كما قومت ضغن الشموس المهامز فوافى بها اهل المواسم فانبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز فقال له هل تشتريها فانها تباع بما بيع تلاد الحرائز فقال ازار شرعبي واربع من السيراء او اواق النواجز ثمان من الكيري حمر كانها من الجمر ما ذكى على النار خابز وبردان من خال و90 درهما ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز فظل يناجي نفسه واميرها اياتي الذي يعطى بها ام يجاوز فقالوا له بايع اخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز

فلما ما شراها فاضت العين عبره وفي الصدر حزاز من الوجد حامز وذاق فاعطته من اللين جانبا كفى ولها ان يغرق السهم حاجز اذا انبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلا اوجعتها الجنائز هتوف اذا ما خالت الظبي سهمها وان ريغ منها اسلمته النواقظ كان عليها زعفرانا تميره خوازن عطار يمان كوانز اذا سقط الان صينت واكرمت حبيرا ولم تدرج عليها المعاوز

فلما راينا الماء قد حال دونه زعاف لدى جنب الشريعه كارز شككن باحساء الذناب على هدى كما تابعت سرد العنان الخوارز ولما استغاثت والهوادي عيونها من الرهب قبل والنفوس نواشز فالقت بايديها وخاضت صدورها وهن الى وحشيهن كوارز نهلن بمدان من الماء موهنا على عجل وللفريص هزاهز غدون له سعر الخدود كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز يحشرجها طورا وطورا كانما له بالرغام والخياشيم جارز

ولما دعاها من اباطح واسط دوائر لم تضرب عليها الجرامز حذاها من الصيداء نعلا طراقها حوام الكراع المؤيدات العشاوز فاقبلها نجاد قوين وانتحت بها طرق كانهن نحائز حداها برجع من نهاق كأنه بما رد لحياه الى الجوف راجز فاوردهن المور مور حمامه على كل اجريائها هو رائز يكلفها طورا رمداه اذا التوى به الماء واعوجت عليه المجاوز محام على عوراتها لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهزون فاصبح فوق النشز نشز حمامه له مركض في مستوي الارض بارز

وظلت تفالى باليفاع، كأنها رماح نحاها وجهه الريح راكز.

كل من ألقى السلام وأنا أنشد، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً بالأستاذة صافي أحمد، ومرحباً على الرأس أختي الكريمة الأستاذة الفاضلة، أختنا زهور، أختنا شيماء، وحبيبنا عمر غانم. يا مرحب، الله يرضى عليكم يا رب، كل من ألقى السلام وحيا، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وحياكم الله وبياكم.

حبيبنا الشيخ خالد الدبيخي، يا مرحباً يا حبيبي، والله كنت في بالي وأنا أنشد، أقول أسأل الله أن يكون موجوداً؛ لأنه من أكثر من يتفاعل مع ذلك ويقدره قدره. أنا في العادة أيها الإخوة الفضلاء من يسلم علي وأنا في الإنشاد، لا أجيب في أثناء الإنشاد. الإنشاد عندي له حرمة وحرمة، فأنا لا أجيب في أثناء الإنشاد، لا أقطع الإنشاد بالكلام أو بالسلام. أنا أتوضأ للإنشاد، أتوضأ لأي شيء يتعلق بالعلم والشعر، عندي رأس العلم، فأتوضأ له ولا أقطعه بكلام أجنبي. فمن سلم علينا، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحباً بكم أيها الكرام رضي الله عنكم.

ولما دعاها من أباطح واسط دوائر لم تضرب عليها الجرامز، حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوام الكراع المؤيدات العشاوز. وقفنا هنا قال: فأقبلها نجاد قوين. ماذا عن دروس دلالة الإعجاز؟ تُنشر يا رجل كل ثلاثاء، أنت تابع تنشر كل ثلاثاء.

حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوام الكراع المؤيدات العشاوز، فأقبلها نجاد قوين وانتحت بها طرق كأنهن نحائز. أقبل بها يا إخوة؛ أي أتى بها مقبلاً. والنجاد، والنجاد جمع نجد، وهو ما ارتفع وشرف من الأرض. لم أشرح هذا البيت يا إخوة: حذاها من الصيداء، لم أشرحه، إذا فاتني أشرحه بإذن الله.

ولما دعاها من أباطح واسط دوائر لم تضرب عليها الجرامز، حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوام الكراع المؤيدات العشاوز. تذكرون هناك: «وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز». هنا حوام الكراع؛ لو أنكم رجعتم إلى البيت الخامس عشر، ارجعوا إلى البيت 15 أيها الإخوة، الذي قال فيه: «وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز».

وقلنا إن الكراع هو الأنف أو العنق الذي يمتد من حرة أو من جبل أو قطعة من الجبل تعرض في الطريق، يعني الجبال التي تتجنبها هي تخرج منها أنوف أو تمتد منها أجزاء طويلة من الحجارة تعرض في الطريق. هذه الحجارة تشبه المعادن المنصهرة من قديم، فالله أعلم كيف تكونت هذه الجبال، لها افتراضات كثيرة، وأنها ساقطة من سماء وكانت ذائبة أو كانت بركانية، لكن الجبل لا ترى له شكلاً معيناً، ربما جبل ترى له لساناً أو أنفاً خرج منه هكذا قطع طريقاً.

الأمر ليس بالتخيل السهل الرومانتيكي، يعني ليست صحراء ثم جبال وبينها طرق سهلة وأحبة رملية ناعمة، لا، أنت ممكن تغتص في رمل وتخبط في حجارة تحت. وهنا قالوا أكد؛ إذا كان يمشي فممكن للشخص أن يقابل جبلاً أو أكداً، فيقابل حجارة. فالجبال لها ألسنة ولها أنوف تعترض الطريق، فالأنف أو العنق الذي يمتد من حرة؛ والحرة هي الأرض الصلبة التي تمتلئ بحصب وكذا، أو يمتد من جبل أو قطعة من الجبل تعرض في الطريق. هذه التي منعتها في البيت الخامس عشر: «وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز».

هنا يقول: حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوام الكراع. ما معنى طراق النعل؟ جلدها، يعني كأنه يقول طرق لها نعلاً، اتخذ خصفاً وصف لها نعلاً من ماذا؟ من حوام الكراع. وهذا غريب عجيب، هذا التعبير وقفت أمامه طويلاً. ما معنى أن يقول حذاها من الصيداء؟ الصيداء هي الأرض الغليظة ذات الحجارة، حتى فسر بعضهم الصيداء بالحصى، وترون أسماء صيده وكذا، أصلها حجارة في الأرض، أرض غليظة.

فالصيداء هي الأرض الغليظة، يقول: حذاها من الصيداء نعلاً، طراقها يعني جلدها الذي يرقع به. تذكرون قول امرئ القيس في المعلقة: «وقنه كسنان الرمح بارزة ... ضحيانه في شهور الصيف محراقي بادرت قلتها أو قنتها صحبي ... وما كسلوا حتى نميت إليها بعد إشراقي لا شيء في ريدها إلا نعامتها ... أو قلب شرثه خلق يوقى البنان بها جعلت فيها سريحاً بعد إطراقي»

بشرفه خلق يوقى البنان بها، جعلت فيها سريحاً أو شددت فيها سريحاً بعد إطراقي، يعني بعد أن اتخذت جلداً فوق الجلد المهترئ شددت جلداً عليه، هذا معنى طراق النعل. فيقول: حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوام الكراع المؤيدات العشاوز. والمؤيدات الشديدات العظام، قيل العظام كذلك، والعشاوز جمع عشاوز، وهو ما صلب مسلكه وخشن، والعشاوز جمع عشاوز من الأرض، وكذلك عِشْوزن في عمرو بن كلثوم، فالعشوزن ما صلب من الأرض وخشن واشتد، والمؤيدات يعني الشديدات المتينات جداً.

يقول: طراقها حوامل كراع. والله وقفت عند هذا البيت، ماذا يريد منه؟ المجاز بعيد عن التصوير المرئي شديداً. يقول: حذاها من الصيداء، ووقفت عند الميم هنا، ماذا يريد من الميم؟ أمن الصيداء للابتداء أم من التبعيضية من أول هنا، يعني من بعض الصيداء، أم التي هي الابتدائية من أول هنا إلى هناك؟ حذاها من الصيداء نعلاً، يعني من الأرض نعلاً، كأنه يقول الحصى ملا الحوافر والتصق بها فصار كأن هذا طراقها، امتلات بالحجارة هذه المرة.

وترون أن الأذن هذه المرة خاضت في حوامل كراع وداستها، وكانت مؤيدات عشاوز. حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوامل كراع، طراق النعل يعني خصفها بجلد جديد، وضع الجلد على الجلد المهترئ، حوامل الكراع، المؤيدات العشاوز. ورحم الله تعالى الدكتور صلاح الهادي محقق الديوان، لأنه ظلم البيت شديد الظلم. تعالوا نقرأ ما قال في البيت، أين الديوان؟ عندما أراد أن يشرح البيت ماذا قال؟ قال: يريد أن العير سلكت بهذه الأتن.

أو أن أسف أن العير تريد أن تسلك بهذه الأذن طريقاً صعبة خشنة، هذا ليس بياناً يقال عن مثل هذا البيت بحال؛ لأن تصوير هذا البيت غريب قوي: حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوام الكراع المؤيدات العشاوز

في الأخير يقال: يريد أن العير سلكت بهذه الأذن طريقاً صعبة خشنة فقط. حتى لو أننا نشرح البيت شرحاً عاماً، هذا البيت مجاز، وأنا أعلم أن أغلب الشرح هكذا، لكن أقصد أن مجاز هذا البيت وما حصل فيه يقتضي أن يبين أكثر من هذا. مجاز هذا البيت وما فيه يقتضي أن يبين أكثر من هذا.

حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوام الكراع. تلك الحوامل التي صدتها قديماً، وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع. اختلف الحال، لماذا؟ حذاها من أباطح واسط دوائر لم تضرب عليها الجرامز، هناك صدت هو الذي كان يقودها، أما هنا حذاها لماذا؟ لأن الطريق آمن. هنا الطريق آمن، اختلفت الحال، إذا أمن الطريق لا يهمنا حوامل كراع المؤيدات العشاوز ولا غيرها.

الشاعر هنا يريد أن يحكي لك الفرق بين الحالات، وهو الهروب من موضع الريبة. تركت بها الشك الذي هو عاجز، وعوجاء مجذام، وأمر صريمة. تركت بها الشك، كان قتودي فوق جاب، هذا الجاب هو حذاها من الصيداء، لا تنسى أنه يتكلم عن ناقته، سأظل أذكرك: «وتلك التي تركت هناك موضع الريبة وهمت بورد القنتين فقدر لها الله فصدها حوام الكراع، والقنان اللواهز». هنا حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوامل كراع، إذاً لما لا يتيقن، ولا تكون هناك ريبة، ولا يلحق الضرر بالنفس، يقطع ما تجنبه في ريبته.

لا تنسوا، ونحن الآن في الخواتيم، يتكلم عن ناقته في تشبيه طويل مركب، كان قتودي فوق مطرد، وما زلنا في حديث الجاب، كل هذا داخل في ناقته، مرتبطة بك مشدودة إلى كان، كل ما بعد "كان" في ناقته. براحتك، عايز تصدق ما تصدقش، الله يسهل لك، أنت حر، ربنا خلق اللغة هكذا، مالكش علاقة، أنت عقلك صغير بتاع ريلز وبتاع فيسبوك وتويتر وعقلك متقزم، ما لناش علاقة، أنت اللي تعبان. الشماخ ما كانش تعبان، روح اسمع الأشعار بتاعة الزقزقة على الأشجار والعصافير، الأبيات اللي كلها زقزقة خفيفة وخلاص.

ومن هنا يا إخوة، بمناسبة الحديث في الصيداء، الأجود أن تكون للتبعيض أو لابتداء الغاية، ليس "من الصيداء" من أول الصيداء، وإنما "حذاها من الصيداء" نعلاً. وكأنه -والله أعلم ولست متيقناً من هذا- أن الحصى قد حشى حوافرها فكان لها كطراق النعل؛ لأن الحمر الوحشية ليست بحدوة كالحصان الذي يربى، الحصان تصنع له حدوة وتدق وتغير كل فترة وتجدد وتبرد وتحكت، وتفصل على قد حافره بالضبط. أما هذه فلا، كأنه جعلها تتخذ نعلاً من الصيداء، طراقها حوامل كراع، يعني السنة الحرار الحارة التي هي الحصى، المؤيدات العشاوز، يعني أخذت من هذا الحصى الشديد الذي هو أقرب إلى الصوال أو المعدن الشديد، فملأت حوافرها، وربما التصقت أيضاً بها. المهم اتخذت نعلاً من هذه الأماكن. فأنا أرى هنا والله أعلم أن "من الصيداء" الأجود أن تكون للتبعيض وليست لابتداء الغاية.

وفي البيت وجه يسمى "الإيغال"، الذين درسوا البلاغة وأحاطوا بها ووجوه الشعر والبديع، هناك وجه من المبالغة يسمى الإيغال ونظيره التتميم. الفرق بينهما أن التتميم يكون في أثناء البيت، والإيغال يكون في آخر البيت، ومادتهما واحدة. فهنا إيغال لأنه قال، وهذا إيغال مقصود في وصف الحوامي: "حوام الكراع المؤيدات العشاوز".

حذاها من الصيداء نعلاً طراقها حوام الكراع المؤيدات العشاوز؛ المؤيلات الشديدات المتينات العشاوز الخشنة التي جمعت إلى الصلابة خشونة، وبينها تداخل.

فاقبلها نجاد قوين، وانتحت بها طرق كأنهن نحائز. أقبل بها يا إخوة، يعني أقبل بها ونجاد، والنجاد كلاهما جمع لـ"نجد" وهو ما شرف وارتفع من الأرض، وأنا أحب نجد، هكذا جينات العربية تحن إلى نجد، وأرى هذه الأرض القديمة العربية، لابد أن نظل يا إخوة مشدودين إليها. الدول تذهب وتجيء، إنما بقاعنا وأرضنا ثابتة موجودة، الدول والسياسة والخلافات كل هذا يذهب ويجيء، إنما الذي لا يذهب ولا يجيء لأنه موجود حاصل، هو القيمة التي عندنا، والحب والقداسة لهذه الأرض. وقول قداسة دينية، لأننا مشدودون إلى يوم القيامة إلى مكة والمدينة. وأنا مشدود إلى نجد أيضاً، ليس على المقابل، مكة والمدينة ونجد.

«قفا ودعا نجداً ومن حل بالحمى، وقل لنجد عندنا أن يودع» كما قال الشاعر: «نجدية تسبي الحليم بنظرة». فنجد النجد، جمعه أَنْجاد ونجاد، وهو ما شرف وارتفع من الأرض، فقوله: «فاقبلها نجاد» يعني أَنْجاد، و«قوين» مثنى "قوٍ" وهي مواضع، أي مواضع هنا.

«سقى الله نجداً من ربيع». يا سلام، يا سلام يا مولانا، سقى الله نجداً، آمين آمين آمين.

والله قابلت في هذا المعرض رجلاً كريماً فاضلاً، قالوا لي إنه من محب التاريخ، من دارس التاريخ. كان عندي ممثلاً لنجد، التقيت به من خلال بعض المعارف، ومشينا وكذا، وكان معه كيس ففرش أمام مكتب الأمن وجلسنا، فأخرج التمر والقهوة. وكان معه ولد صار يصب، فأخذ يتحدث في الشعر وكذا. وكان معنى الأخ الذي عرفني إليه كان ينظر ويبتسم ويقول له كلام معناه: سترى في موضوع الشعر هذا.

أخذ يتحدث ويقول: «أنا زرت أماكن امرئ القيس، وأعرف كيف كان يأكل ويشرب، ونحن في أرضنا كذا النخيل وكذا». فأخذ يتحدث، وعليكم السلام أستاذة ورحمة الله وبركاته، يا مرحبا يا مرحبا دكتورة، الله يرضى عليكِ أستاذة نسرين، يا مرحبا. أخذ يتحدث وكذا وما شاء الله قوي نشيط، قلت هو في أول الخمسينيات من العمر.

بعد أن أخذ في حديث الشعر وتناولت منه أطراف الحديث سكت وظل يسمع، وكنت أجلس إلى جواره هكذا، فرجع حياكم الله، حياكم الله، ثم ضرب على ظهري وقال: «عندكم عالم بالشعر؟ هذا الرجل عالم بالشعر والله».

بعد أن انصرفنا كان يحمل معه عصا، فقال بعض الإخوة نأخذ صورة مع بعض، قال: «من أنا حتى تصورون معي؟ من أنا؟». هذا الكلام ليس له معنى. وما شاء الله قام نشيطاً ويمسك عوداً آخر، خشبة في يده، فسألت الأخ الذي عرفني: كم عمره؟ فقال: 70 عاماً. هو واضح أنه سبغ، لكن قلت والله إنه في بداية الخمسينيات فقط، قالوا 70 عاماً. وما شاء الله يدور على قدمه سريعاً كالطفل، يجري يمشي بمشية الطفل أو المراهق العجل، يمشي سريعاً كالمتلهف، وليس فيه ارتعاشة ولا هزة، ما شاء الله. فهو يقول: «أنا طعامي كله من الأرض، من الطبيعة؛ التمر واللبن وكذا». الطعام الذي يأكله الناس الآن يجعلهم أغبياء ويقتل الإبداع فيهم.

يقول: فأقبلها نجادٌ قوينُ ... وانتحت بها طُرُقٌ كأنهنَّ نحائزُ

نجاد يعني أنجاد، جمع نجد، وانتحت يعني مالت. «فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطنه حقف»؛ وانتحى يعني مال، انعطف بنا. «وانتحت بها طرق كأنهن نحائز». النحائز هنا يا إخوة هي الثياب المخططة، لها شرائح وخطوط عريضة، يقولون عريضة هكذا، ثياب مخططة بخطوط عريضة.

يقول هنا: «أقبل بهذه... ولما دعاها من أبطاح واسط... وكانت حذاها من الصيداء نعلاً... فأقبلها نجادٌ قوينُ». أقبلها يعني أقبل بها على نجاد، مرتفعات. يقول: أقبل بها على مرتفعات قوية، فلما صارت فيها نزلت متفرقة في طرق لاهبة تميل بها، وكأنها الخطوط العريضة في الثياب المخططة. وهذا البيت يرمز به الشاعر، يرمي ويرمز به الشاعر إلى تصوير بداية بلوغها الأمان. وهذه الطرق اللاهبة، يقول كأنهن نحائز، لأن الطرق تصير هكذا لما تسلك كثيراً، أو هي طرقها التي تعرفها، فصارت كأنها نحائز في الجبال، طرق شرائح عريضة لاهبة كأنها الخطوط، الدروب الممهدة المطروقة في هذه المنعطفات من تحت نجاد قوين.

فكل نجد فيه انحدارات من تحته، فهذه الطرق اللاهبة التي بلغت من توطئتها من سلكها القديم، أن تكون كالثياب المخططة؛ هذه الطرق تدل على أن هذا المكان مسلوك للحمر ووحش الفلوات كالضباء أو بقر الوحش من قبل. وارتفاعها على النجاد وليس نجداً واحداً، ركزوا لحتى تفهموا ماذا يريد الشاعر من البيت؛ ارتفاعها على النجاد وليس نجداً واحداً دون أن تخشى الانكشاف، يدل على أنها قد بلغت الموقع الآمن إلى حد هناك خوف واحتياط، لكنها بلغت، خلاص انطلقت، كانت تخاف.

تصور البيت الآن: «فأقبلها نجادٌ قوينُ»، نجاد ليس نجداً واحداً، أقبلها نجاد قوين يعني يصعد على نجد ثم ينحدر، «وانتحت بها طرق كأنهن نحائز»، يعني هذه الطرق المألوفة المسلوكة من قبل. رأيت ماذا يريد الشاعر؟ أنت تقرأ الآن في زماننا وتقول: «فأقبلها نجاد قوين وانتحت بها طرق كأنهن نحائز» يصف الطبيعة. اخرج لو سمحت من هذا الشاعر، الشاعر لا يصف الطبيعة، الشاعر ليس يعمل في "جيوجرافيك أبو ظبي"، والشاعر ليس كأهل الرومانتيكية يصف الطبيعة للطبيعة، حالم هكذا وعصافير وكذا، هو له غاية وغرض.

حتى إذا وصف الطبيعة، لابد أن تكون في القصيدة غاية أبعد من وصف الطبيعة. ممكن أحدكم يقول لي الآن: وما المانع يا أبا قيس من أن ينفعل الشاعر بمنظر الطبيعة فيقول قصيدة في الأشجار وفي النخيل؟ هل شممت الكذا؟ هل أكلت العنب؟ هل جريت وراء حبيبتك في جبال لبنان؟ هذا القدر لا يحصل به شرف المعنى، هذا القدر يكفي في أن تعبر أن الحديقة جميلة، البساتين رائعة، الغابة خلابة؛ النثر قام بها. متى تضعها في شعر؟ إذا أنفجرت نفسك بشرف المعنى والتخييل.

وهذا شيء، واخذ بالك يا خالد ممدوح، هذا شيء فوق الجو الجميل، هذا قدر يعبر عنه النثر. تقول لي: طيب يا أبا قيس، شعراء الرومانتيكية كثير من نظمهم هو مستوى النثر، وأنتم تعلمون هذه الحقيقة، أو تناولناها مع بعضنا كثيراً من قبل. هذا الذي يصنع قصيدة في جمال الأشجار والطبيعة لابد أن تخرج خفيفة، لأن جمال الأشجار والطبيعة بقصد وصف الطبيعة لابد وأن يخرج خفيفاً، لماذا؟ لأنه...

قدر يعبر عنه النثر الذي يأتي بهذا، يعبر عن قدر أو يعبر عن انفعال أو عن معنى جميل يكفي فيه النثر. فلما جاء بما يكفي فيه النثر وضعه في هيئة الشعر، خرج نثراً موزوناً.

لابد من تجربة أعمق، ما يسمى التجربة، إذا أردتم باستعمال معاصر ما يسمى التجربة الشعورية. أين التجربة الشعورية هنا؟ هو لا يصف، بل هو يصف ناقته أصلاً. يا محمود، علي شرف المعنى ليس فيه كبيراً، ولذلك أنا دائماً أقول: الشاعر متاح له المعنى على شرط أن يسمح المعنى بمساحات.

لكن شخصاً أكل فستقاً وأعجبته، صار المعنى الآن جمال الفستق الحلبي، فتقول قصيدة؟ فين؟ يعني قطعاً تخرج هزلية أو نثرية. اشتريت شبشباً وعجبك، فتقول قصيدة في شبشب أعجبك؟ ليست هناك تجربة، ليس هناك معنى يتقبل فوراناً أو بركاناً، لأن شرف المعنى الشعري ليس هناك ما يتقبل امتداد البلاغة ووسائل البلاغة.

فهمتم هذا؟ هذا مهم جداً يا إخوة، مهم جداً. هنا كان يصف ناقته، هنا كان يصف ناقته التي قال فيها: «وعوجاء من جذاء وامر صليمة ... تركت بها الشك الذي هو عاجز»

هو عاجز، رأيت! فاقبلها نجاد قوين. تخيل الآن الإشارة التي يرمي إليها، والشعر لمح، لا تكفي إشارته وليس بالهذر. طولت خطبة لأن يقول لك: وقد بلغت الذر روتها في اللهفة مع الأمان، فاقبلها نجاد قوين.

«فاقبلها نجاد قوين»؛ أقبل بها على نجاد قوين، لكن أسند الفعل له هو، «فاقبلها»، مع أنه أقبل بها، فـ «اقبلها» لأنه ماذا؟ لا تنسى أن الجاب كان ناقته، لا تنسى أن الجاب هو ناقته، لا تنسى «فاقبلها نجاد قوين».

«وانتحت بها طرق كأنهن نحائز»؛ صعدت آمنة، ثم مالت وانعطفت متفرقة في الطرق الكثيرة اللاحبة مسلوكة كأنهن نحائز. يعني بدأت ترى طرقاً سلكتها أخواتها أو سلكتها هي من قبل، كأنهن نحائز. وتشبيهه هذه الطرق بتشبيه هذه الطرق بالنحائز فيه شدة ظهورها وأنها آمنة مطروقة، وفيه كثرتها كذلك، «طرق كأنهن نحائز»، يعني المكان آمن والطرق كثيرة ولاحبة.

«فانفعلت وجرت»، وتراه بنى بالفاء، قال: «فاقبلها نجاد قوين»، يعني حذاها من الصيداء، فالأفعال الآن تقع متعاقبة. ومن براعة الشاعر هنا أنه أسند الانتحاء إلى الطرق إسناداً مجازياً، وهو المجاز الحكمي أو المجاز العقلي، كقول امرئ القيس: «فلما أجَزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن حِقْفِ»

من الذي انتحى؟ هل انتحى بطن الحِقْف؟ من الذي انتحى يا إخوة؟ من الذي انتحى؟ السائر، امرؤ القيس وحبيبته بيضة الخدر، هي التي انتحت معه. «فلما أجَزنا ساحة الحي انتحينا في بطن حِقْف»، لكن «انتحى بنا بطن حِقْف»، جعل أو أسند الانتحاء إلى بطن الحِقْف.

وهذا يسمى المجاز الحكمي أو المجاز العقلي أو الإسنادي. لماذا؟ لأن الانتحاء هنا حقيقة، ولكنه أسنده إلى غير فاعله. هل قوله «انتحى بنا بطن حِقْف» الانتحاء مجازي؟ لا. هل بطن الحِقْف مجازي؟ لا. أحسنت، أحسنت. مثل: «لاقاهن خلٌّ مجاوز»، خلاص، هل الانتحاء مجازي؟ لا. هل بطن الحِقْف مجازي؟ لا. الانتحاء حقيقي وبطن الحِقْف حقيقي، لكن الإسناد هو المجازي.

الحكم؛ لأن الذي انتحى هو بطن الحِقْف، ولهذا سمي بالإسناد أو بالمجاز الحكمي. مجاز حكمي كما سماها عبد القاهر؛ لماذا؟ لأن موضع المجاز هو الحكم. وسمي بمجاز إسنادي لأن المجاز واقع في الإسناد، إسناد الانتحاء إلى بطن الحِقْف، أما بطن الحِقْف والانتحاء فكل هذا حقيقي.

ويسمى إسناداً عقلياً، ليس لغوياً، هناك مجاز عقلي. لماذا؟ لأن المجاز اللغوي يقع في اللفظة، في الاستعارة، في اللفظة، هذا مجاز لغوي، يعني وقع في اللغة، في اللفظة. إنما في الانتحاء؛ الانتحاء لغة هو الانتحاء، والانتحاء في البيت هو الانتحاء، وبطن الحِقْف هو بطن الحِقْف. أين المجاز؟ في إسناد الانتحاء إلى بطن الحِقْف. وهذا في العقل ليس في اللغة، هذا حاصل في العقل وليس في اللغة، يعني حاصل بالإسناد.

ولهذا سمي مجازاً عقلياً، وسمي مجازاً إسنادياً، وقع بالإسناد أو في الإسناد نفسه، وسمي مجازاً حكمياً، يعني وقع في الحكم، في الحكم بالانتحاء لبطن الحِقْف. يسمى مجاز حكمي، مجاز عقلي، مجاز إسنادي. فهمتم الفرق بينه وبين المجاز اللغوي وبين الاستعارة اللغوية؟

خلاص، فهنا كذلك: «وانتحت بها طرق». أنا أسألكم، انتحت بمعنى مالت. على الفيس؟ ليه يا أختنا؟ أنا ما أنتِ عارفة أن أنا بعمل البثوث هنا في اليوتيوب من سنين طويلة؟ معلش، قدر الله. اسمعي المحاضرة من الأول لو أنتِ متابعة السلسلة إن شاء الله.

أقول، أنا أسألكم الآن وأجيب، اعتبروه درساً في البلاغة: الانتحاء هنا حقيقي أم مجازي؟ بمعنى الميل، حقيقي هنا في البيت أم مجازي؟ أحسنت يا محمود علي، حقيقي، ما شاء الله جميعكم، حقيقي، أحسنتم ما شاء الله جميعاً، حقيقي جميل. لكن هل الذي انتحى هو الطرق؟ يعني الذي انتقل بالانتحاء هو الطرق نفسها؟ لا، أحسنتم أيضاً. فأين وقع المجاز؟ وقع في إسناد الانتحاء إلى الطرق، وقع في العقل لما أسند الانتحاء إلى الطرق، وقع في الحكم بإسناد الانتحاء إلى الطرق، فاسمه مجاز عقلي، مجاز حكمي، مجاز إسنادي.

فهذا من براعة الشاعر أنه أسند الانتحاء إلى الطرق إسناداً مجازياً. لماذا يا إخوة؟ كأنه يصور من سرعة تدفقها، أنها ليست هي التي تتحكم وتتدفق، الطرق انتحت بها كأنها مجاري أنهار وسالت بها.

«فاقبلها نجاد قوين»، ومن حماستها «انتحت بها طرق»، يعني الطرق هي التي أخذتها صور لهفته وتلقائيته في الانتحاء، في هذه الطرق السيلان فيها، صور ذلك بأن الطرق هي التي انتحت بها. علمت لماذا قال «وانتحت بها طرق»؟ معلش، ما أنت في الشعر الجاهلي تحتاج إلى أن تقف وأن تتذوق ذلك، كلمة إذا كان الشعراء أنفسهم القدماء، الفحول، إذا سمعوا أشعار بعضهم فعلوا هذا.

المزرد بن ضرار أخو الشماخ، المزرد الذي قال عنه الأصمعي: ليس بدون الشماخ في فحولة الشعر، ولكنه أفسد شعره، يعني ظلمه بما يهجو الناس، كان سليط اللسان جداً وهجاءً للناس. أخو الشماخ قال ليس بدونه في فحولة الشعر، ليس بأقل من الشماخ أخيه، لكن الشماخ أشهر لأن شعره سمح له بالانتشار أكثر. إذا كان المزرد بن ضرار يقول في قصيدته للمفضلية يصف قصائد نفسه...

تكر فلا تزداد إلا استنارة إذا رازت الشعر الشفاه، فالعاملون يفهمون أن أشعارهم في زمانهم، في زمان الجاهلية وصدر الإسلام، تحتاج إلى الروز، إلى الاختبار، إلى أعمال الشفاه. وأنت الآن تأتي وتقرأ كذا: «فأقبلها نجاد قوين وانتحت بها طرق»، لماذا وانتحت بها طرق؟ تقف عند إسناد حكمي؛ الانتحاء هنا ليس من فعل الطرق على الحقيقة، حقيقة، هذا مجاز حكمي، مجاز إسنادي، مجاز عقلي.

فلماذا تسأل نفسك تتذوق؟ ما الذي صوره الشاعر لما أسند الانتحاء إلى الطرق؟ فأنت ترى الطرق تنتحي وكأن الحمر مسلوبة الإرادة، من شد ما تتدفق مطمئنة مسرعة، فكأنها مسلوبة الإرادة، وكأن الطرق هي التي تنتحي بها، كما انتحى بطن الحقف بامرئ القيس وصاحبته؛ لأنهما يسيران لا يباليان. أما هنا، فمن سرعة التدفق والاندفاع صارت الطرق تسيل بها الحمر، صارت الطرق التي كأنها نحائز تسيل بها.

وماذا يراد من كل ذلك؟ إنها بلغت ما تظنه مأمناً، وبلغت مكاناً مسلوكاً تكثر طرقه، وصارت تخرج على النجاد دون أن تخاف وتنساب في طرقه اللاحبة المسلوكة الكثيرة من قبل. وماذا يريد الشاعر من ذلك؟ هذه ناقته التي هي كالجاب الذي أقبل، فأقبلته، والمراد من الناقة الشاعر نفسه، يؤول الأمر في الأخير إليه، وفي الأخير تركت بها الشك الذي هو عاجز.

بعد ذلك تراه نعت الطرق بعد أن قال: «وانتحت بها طرق»، نعت هذه الطرق التي كانت مرفوعة على الفاعلية نعتها، فتمت سبيكة الكلام: «بها طرق كأنهن نحائز». الآن أحيطوا بالبيت كاملاً: «فأقبلها أو من الأول حذاها، من الصيداء نعلاً طراقها، حوام الكراع المؤيدات العشاوز، فأقبلها نجاد قوين وانتحت بها طرق كأنهن نحائز».

ثم زاد من لجج العرس الآمن المتلهف: «حداها برجع من نهاق كأنه بما رد اللحيان إلى الجوف راجز». اللحيان مثنى اللحي، وهو حائط الفم، العظمان الفكيان اللذان فيهما الأسنان، هذان هما اللحيان، وهذا موجود في الإنسان وفي البهائم وفي الحيوان؛ الإنسان له لحي، ومن هنا لما كنا نرى الإخوة تتكلم في موضوع اللحية وحلق اللحية، كان بعضهم ينكر على بعض في شعر الخد، أذكر هذا وأنا صغير، تحت الأخوة والسلفية، نأخذ السبال أم يحرم أم من الكبائر؟ ولا نأخذ الخد أم حرام؟ وبعضهم يقلل من شأن الشيخ الذي يحلق الخد، فاذكر كان من خلافهم في هذا، يقول: اللحية هي ما فوق اللحيين، وهي ما فوق الفكين، أما هذا ففي الخد، فكانوا يحلقون الخد هكذا يحددونه، عادي ما في مشكلة يا إخوة.

الرجع يا إخوة هو الترديد للصوت، يقول أو يقال فلان يرجع في صوته أو في غنائه، يعني يردد. فتلك تغني بحسن ترجع. من يعرف لمن هذا البيت؟ «فتلك تغني بحسن ترجع.. سرى البرق غربياً فحن غريب». مسلم، يا محمود يا علي، يا محمود يا علي، مسلم أبو نواس، أحسنت يا محمد الهاشمي، أحسنتم جميعاً، أبو نواس.

ويقال في قراءة القرآن فيها ترجيع، يعني ترديد، مثل: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، هذا ترجيع. أو الذي يغني، أي أغنية قديمة، فريد الأطرش يقول لك: «فتلك تغني بحسن ترجع». هذا ترجيع، أي تردد وترديد في الصوت.

والنهاق صوت الحمير، وإن أنكر الأصوات لصوت الحمير، وهو صوت معروف. «كأنه بما رد اللحيان إلى الجوف راجز»، قلنا ما هما اللحيان؟ والراجز هو الذي ينشد الرجز أيها الإخوة، ويكون إنشاد الرجز سريعاً. ولكن هنا لابد أن أقف وقفة علمية، عروضية؛ لأن هناك رواية أخرى تقول: «وغنى لنا صوتاً بلحن مرجع»، أنا اخترت الرواية التي فيها غناء الفتاة، «فتلك تغني» وليس «فتلك يغني».

والرجع يستعمل في صور شتى، وكلها جميل بالمناسبة، أو أغلبها جميل، في الحمار لا طبعاً؛ لأن أنكر الأصوات صوت الحمير، حتى وإن أعجبت الشماخ، هو هنا تعجبه في سياق معين.

الراجز يا إخوة، من هو الراجز؟ المشهور الآن مؤخراً أو متأخراً، ركزوا معي في الذي سأقوله، هذا ضروري ومهم ومفيد؛ المشهور الآن المعروف أن الراجز هو الذي يستعمل بحر الرجز: «مستفعلن مستفعلن مستفعلن»، بما يدخل عليه حمار الشعراء، يسمونه حمار الناظمين، لا الشعراء؛ الشعراء ما يستعملون حميراً، هو حمار الناظمين، حمار المشايخ؛ وضع فيه ابن مالك، ووضع فيه السيوطي، حتى صارت الشاطبية في القراءات استثناء، فهي على البحر الطويل: «تبارك رحمانا تبارك رحيما.. وموئلاً وثنيت صلى الله ربي على الرضا محمداً المهدى إلى الناس مرسلا». المهم، المشهور الآن أن الراجز هو الذي يستعمل هذا البحر.

هناك مفهوم قديم عند أبي العلاء المعري وغيره من القدماء، أن الرجز هو كل ما يرتجز به، يعني كل البحور القصيرة المجزوءة والمنهوكة، كل ما قصر فصار يرتجز به؛ لأنه يقابل القريض. انتبهوا إلى هذه الفائدة، مهمة جداً: تسمعون هذا رجز فهذا قريض، ما الفرق بين الرجز والقريض؟ هذه فائدة عروضية ونقدية بالمقام الأول قبل العروضية.

القريض يا إخوة على وزن فعيل من القرض؛ قرض الكلام.

على بحر الطويل قريض، وعلى بحر البسيط قريض، وعلى بحر الوافر قريض، وعلى بحر الكامل قريض. وهذه البحور الأربعة عليها أكثر من 80% من الشعر الجاهلي الذي وصلنا، هذه معرفة موثقة، ليست قولاً تقريبياً وكذا كلام، لا، هذه موثقة إحصائياً؛ أكثر من 80% من الشعر الجاهلي على هذه البحور الأربعة، وأتذكر أنه أكثر من 20% -أو كم لا أذكر القدر الأكبر- على بحر الطويل، أذكر بالضبط النسبة... المهم لكن أكثر من 80% على هذه البحور الأربعة، ثم الـ 20% الأقل تتوزع على البحور جميعاً.

بعد ذلك هناك بحور لم تستعملها العرب وهي في الدوائر العروضية الخليلية، مثل المضارع الذي قال حازم القرطاجني: "قاطعاً غاضباً"، هذا لا يقرب من ذوق العرب ولا يكون، إنما جاء قياساً في الدوائر.

القريض يا إخوة عندك شيء يسمى القريض وشيء يسمى الرجز. الرجز قديماً كان يطلق على كل البحور القصيرة الصاخبة التي يرتجل عليها الكلام ويرتجز، يقولون جاء فلان يرتجز، يعني يضطرب، يسرع في حركته ويضطرب فيها، أو ينتظم وتتوالى الحركة، هذا رجز يرتجز. ولذلك كانوا يستعملونه في الحروب، ولذلك كانت النساء تقوله وراء الرجال في الحروب؛ لماذا؟ لأنه وزن أو هذه الأوزان الصاخبة القصيرة يسهل نظم الكلام عليها.

ولهذا قول النبي ﷺ: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، ليس شعراً. ليس لأنه هو لم يكن شعراً ليس لأنه بيت واحد كما يقول البعض من العلماء: "بيت واحد"، والبيت الواحد ليس شعراً، هذا غلط؛ البيت الواحد شعر، وشعر ونص وثلاثة أرباع كمان. لما يأتي مجنون ليلى يقول مثلاً بيت واحد: "أراني إذا صليت يممت نحوها، بوجهي وإن كان المصلى ورائي"، هذا ليس شعراً، هذا شعر، وشعر وأبو الشعر وأمه وجده، خلاص هذا شعر.

لكن لماذا لم يكن شعراً؟ لأنه ليس قريضاً، ليس هذا رجز. أين الشعرية أو الشاعرية في: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»؟ أين الشعر؟ هذا كلام حماسي، فالنبي ﷺ ليس شاعراً، وهذا البيت ليس شعراً، خلاص لماذا؟ لأنه ارتجاز.

فكانوا يعدون الرجز في مقابل القريض. تعالوا نأخذ من الأسماء: الرجز من الارتجاز، الحركة المتوالية المسرعة، اضطراب الحركة. والرجز هكذا حركة سريعة متوالية، ولذلك يرتجلون عليه في الحروب، وارتجل عليه النبي ﷺ ولم يكن شاعراً، وما علمناه الشعر، وهذا أوثق شيء تثبت به أن الرجز ليس شعراً: «وما علمناه الشعر وما ينبغي له»، «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».

وكانت النساء تقول به في الحروب: "أتقبلوا نعانق ونفرش النمارق، أو تدبروا فارق فراق غير وامق". والموثبات في الحروب، وكان هناك فئة تسمى المرقصات ترقص أبناءها، هذه الأم تلاعب أبناءها وتشغلهم حتى يناموا بإرجاز؛ إرجاز أي بحر مستفعل مستفعل، ولا حتى مجزوء منهوك منهوك، البحور الأخرى ليس يهم، المهم قصير وسريع.

طيب، هذا الرجز، طيب والقريض؟ القريض على وزن فعيل، جاء من القرض وهو قطع الشيء شيئاً فشيئاً؛ لأن الشاعر الذي يصنع القصيدة يقرض الكلام على حين تتدبر وليس يرتجز كأهل الحروب. فمن التصورات الساذجة التي كنا نتخيلها قديماً أن عنترة قال قصيدته وهو يحارب، كنا نقول هذا... كان عندها تصورات طفولية في هذه الأشياء.

"ألوّا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا"... أين الشعر هنا؟ موزون وكل حاجة زي الفل، لكن ارتجازات. أحسنت يا أختنا أمل طاهر، الرجز كلام منظوم فقط، أناشيد بقى وكذا، كل ما يُنشد سريعاً، عبارات قصيرة يصح الارتجال بها على بحور قصيرة منهوكة مضطربة، كل هذا رجز عند كثير من القدماء.

المقابل قريض، ما هو القريض؟ يقرض الكلام، ما معنى يقرض؟ يعني يقطع، يؤخذ شيئاً فشيئاً بتدبر وتأنٍ وتأمل. ولذلك الشاعر حتى يؤبد قصيدة يحتاج إلى تدبرها، وهناك من يصنعها في عام، وليس فقط من الجاهليين أصحاب الحوليات، بل مروان بن أبي حفصة يقول: "أنا أصنع القصيدة في عام". يصنعها أو ينتهي منها في عام، يعني يرفعها في عام؛ يصنعها في أربعة أشهر، ويراجعها، أنقحها في أربعة أشهر، وأعرضها على أهل العلم ونقّت الكلام في أربعة أشهر. هذا يا إخوة مروان بن أبي حفصة يقول أصنع القصيدة، يعني يصنعها من العدم في أربعة أشهر، ثم يظل هو يراجعها وينقحها ويصقلها في أربعة أشهر، ثم يظل يعرضها على من يلقاه من أهل العلم، وبعد ذلك تتم القصيدة الحمد لله وتخرج للناس. صنعها، نقحها في مدة مثل الصناعة، عرضها على غيره في مدة مثل الصناعة، هذه سنة كاملة. هذا قرض الكلام.

إذاً عندنا القريض وعندنا الرجز عكسه. وهذا البيت نرجع إليه لأن فيه صلة في الموضوع، هذا البيت يدل على أنهم كانوا يسرعون في إنشاد الرجز: حداها برجع من نهاق كأنه ... بما رد لحياه إلى الجوف راجز

شفت الحمار بسرعة كده؟ فالراجز يعني... ما علينا، فالرجز سريع، والراجز كان يحدو الإبل. وكيف يقرأ القريض؟ يسمع القريض وكيف يقرأ الرجز؟ فلا تزداد إلا استنارة ... إذا رازت الشعر الشفاه العوامل كما قلنا، فاقبلها نجاد قوين، وإن نحتت بها طرق كأنها نحائز.

لا يقرأ الشعر كنهاق الحمار، هذا الراجز. أما هذا كلام الشماخ: "إنما الشاعر يروّز الشعر، وشعره تروزه الناس بالشفاه العوامل"، يعني الشفة تعمل عملاً يبطئ في القراءة في الإنشاد، وتتذوق وتحاول أن توقع اللفظة في موقعها لترى جمال الشعر.

"حداها برجع من نهاق كأنه... بما رد لحياه إلى الجوف راجز" يقول إنه يحدو بها، يعني يقودها بصوته ويغنيها كما يفعل حادي الإبل. وهذه الصورة التشبيهية أيها الإخوة فيها إيحاء، إيحاء يحصل بأنسنة شعور هذه الحمر؛ فكان الجابي أمامها يحدوها وهي تمشي معه متسلية بحدائه، سعيدة به، طربة، والغاية في الأخير هي بلوغ معنى الأمان التام واللهفة، وهو المعنى الذي بدأه في البيت الثامن بعد الأربعين: "ولما دعاها من أبطاح واسط ها". شوف كل ما يأتي بعده كأنه خارج من رحم قوله: "دوائر لم تضرب عليها الجرامز".

تضرب عليها الجرامز، حذاها من الصيداء نعلاً، طراقها وخلاص. لا يهم أن يكون طراق النعل حوامل كراع، هذاها من الصيداء نعلاً، طراقها حوامل كراع. المؤيدات العشاوز، فأقبلها نجاد قوٍ، وانتحت بها طرق، كأنهن نحائز، حذاها برجع من نهاق، كأنه بما رد لحيا إلى الجوف راجز.

وأول ما يلقاني بعد مولج البيت الذي هو حذاها. قوله تعالى: ﴿سُرَّ فِي الشِّعْرِ﴾. قوله: موكب يا دكتورة شيماء، صح؟ شوفوا، ولما دعاها من أباطح واسط، دعاها يعني في قلب أباطح واسط؛ لما دعاها من أباطح واسط، دوائر لم تضرب عليها الجرامز، حذاها من الصيداء نعلاً، طراقها حوامل كراع، المؤيدات العشاوز، فأقبلها نجاد قوٍ، وانتحت بها طرق، كأنهن نحائز، حذاها برجع من نهاق، كأنه بما رد لحيا إلى الجوف راجز.

تعالوا بقى نقف عند أول ما يلقاني بعد كلمة حذاها، قوله: "برجع من نهاق". تعالوا انظر كيف يعمل عقل الشاعر! أمتع شيء في الوجود بعد القرآن أن تستجلي أمامك عقل الشاعر، وكأن رأسه وجمجمته من زجاج وأنت تراه. والوالله يا إخوة، يجلس أمام الشاعر وأنا معه وكأن رأسه وصدره من زجاج، وأرى نفسي أحياناً أقول له: "تستهبل علي؟ أنت ما كنتش عارف تعمل كذا فعملت كذا"، فيبتسم، أقول: "نعم، أنت كأنك معي". أقول له: "أنا معك يا حبيبي، أنا معك يا بابا، أنا أرى عقلك كيف يعمل".

تعالوا نستكنه، ونستنطق، بل نرى بأعيننا عقل الشماخ. لما قال: "برجع من نهاق"، تعالوا نستجلي عقل الشاعر وكونوا معي لأنني سأناقشكم، أسألكم: لماذا لم يكتفِ بالرجع؟ لو قال "حذاها برجع"، أسألكم سؤالاً: "حذاها برجع"، هل سنفهم أنه من نهاق ولا لا؟ سنفهم أنه من نهاق ولا لا؟ "حذاها برجع"... صح، باتفاق نعم، هو حمار، هيطلع إيه يعني؟ "حذاها برجع"، كأنه بما رد لحيا إلى الجوف راجز. هو اللحي الحمار هيرد شيكولاتة؟ يعني هيرد فيروز؟ نجاة الصغيرة؟ مجدة الرومي؟ كاظم الساهر؟ هيرد مين؟ فريد الأطرش؟ عبد الحليم؟ ما إحنا فاهمين هيرد مين، محمد عبده؟ عبد المجيد عبد الله؟ عشان بس الجنسيات ما تزعلش.

ها، هيرد مين يعني؟ "حذاها برجع"، كأنه بما خلاص برجع. إذا اتفقتم أنه لو قال "حذاها برجع" سنفهم أنه من نهاق، شوف يا أخي الشعراء، والله يعني تدفت لهم بلاده الله. نحن نعلم أنه لم يكتفِ بالنهاق لأننا لن نفهم منه الترجيع الكثير، خلاص، باقي صباح فخري، صباح فخري، يلا أهو. الحميها في الأولى، حد عنده ثاني قبل ما نكمل؟ تمام.

كونوا معي الآن، أقول نحن نعلم أنه لم يكتفِ بالنهاق لأنه لن نفهم منه الترجيع الكثير، يعني لو قال "حذاها برجع" أو "حذاها بنهاق"، كأنه بما رد لحيا إلى الجوف راجز، هل سنفهم منه زيادة الترجيع؟ الجواب: لا، سنفهم الأصل في النهاق. فنحن نعلم أنه لا يكتفي بالنهاق لأنه لن نفهم منه الترجيع الكثير، لكن على العكس، نحن نفهم أنه نهاق؛ لو اكتفى بذكر الرجع لأنه حمار على كل حال، وسنفهم لو قال "حذاها برجع" كذا هكذا، سنفهم أنه رجع النهاق، لا زقزقة العصافير، يعني خلاص، دون أن يذكر النهاق.

فلماذا قال: "حذاها برجع من نهاق"؟ أخي الشعراء، تعالوا الجواب. انظر أولاً إلى نوع "برجع من نهاق"، إنها تفسيرية، "برجع" مادته من "النهاق". هل انتبهت الآن أنه أراد المبالغة في كونه رجعاً كرجع البشر؟ أنه ترجيع كترجيع البشر في غنائها؟ أراد المبالغة في أنسنة هذه المسيرة. "حذاها برجع"، هي من الحدو، والحداء بمن يفعل الحداء؟ سائق الإبل، من الذي يفعل الحداء يا إخوة؟ سائق الإبل، الحداء صح، فيقول لك "حذاها برجع"، أي الحادي، حادي الإبل، حذاها بترجيع.

فأراد أن يبالغ لك في الترجيع وأنه من أحد الحداد، من أحد البشر الذين يحدون الإبل، فقال لك: "حذاها برجع من نهاق"، يعني هو رجع إنسان إلا أنه من نهاق. عرفتم كيف بالغ في أنسنة الحداء والسوق والغناء الترجيعي عن طريق قوله "من نهاق"؟ يعني ليبالغ لك أتى بعكس المبالغة؛ الحمار "حذاها برجع من نهاق"، يعني كأنه يقول: إلا أنه من نهاق، هو كالحادي، هو حادي ويرجع يغني، إلا أن ترجيعه من نهاق لا من غناء الإنسان.

رايتم؟ فلما ذكر النهاق، فصل الرجع عنه وبالغ فيه بـ "من نهاق"، أي إلا أنه من نهاق. ويدلك على ذلك، ركز بقى في الكلام، ركز في الكلام، الشعر صعب، إذا رازت الشعر الشفاه والعقول. ركز الآن، يدل دلك على ذلك أنه لو قال "حذاها برجع" لكان "برجع" تفسيرية، يعني هي مادته منها كما تقول "سوار من ذهب"، يعني إيه؟ سوار من ذهب، مادته منه، نعم.

أقول لو أنك نظرت هنا لو قال "حذاها برجع نهاق"، ستشعر هنا بالخلل. ركزوا معي الآن لو سمحتم، "حذاها برجع نهاق"، لماذا هنا ستشعر أن نهاق زائدة؟ لأنك لو قلت "حذاها برجع" وهو حمار، ماهو نهاق؟ شوف الفرق بين "رجع نهاق" و"رجع من نهاق"، ما الفرق بينهما؟ "رجع نهاق" يفسر لك، يسند الرجع إلى النهاق فقط، "رجع نهاق" وكأن النهاق له رجع، طب لماذا أطلت الكلام؟ قل "برجع" وسنفهم أنه النهاق.

لكن "برجع من نهاق" بهذا الفصل وصل بالمن بحرف "من"، كأنه يقول: هو رجع بشري لغناء البشر إلا أنه من نهاق. أجروا الكلمة على ألسنتكم: الفرق بين "حذاها برجع نهاق" و"حذاها برجع من نهاق"؛ "برجع" بشري إلا أنه من نهاق. لا تنسوا أنه "حذاها". أيوه يا جمال، شوف جمال بيحس وبيعبر، يقول لك إيه: أرادك أن تظن لوهلة أنه رجع بشر، هو ده يا سيدي، هذا هو، نعم، "حذاها برجع من نهاق".

لو قلنا هنا بتبعيضية، من سيضعف المعنى؟ وكأن النهاق بعضه رجع، ضعيف، وسنفقد الأنسنة التي أرادها في الأول، يعني سنفقد المبالغة في وصف ذلك بأنه غناء ترجيع إنسان. نعم، يا سلام، بلو ينقل لنا عن البشار بن برد: "حذاها برجع من نهاق، كأنه بما رد لحيا إلى الجوف راجز".

الآن تستوقفني العبارة: "بما رد لحيا إلى الجوف راجز"، "بما رد لحيا إلى الجوف"... هذه الباء يا إخوة تسمى بباء التعليل، وباء التعليل يراها جمهور النحاة باء السببية، لأنهم لا يفرقون بين السبب والعلة أو...

السببية والعلية، بعضهم يفرق بين السببية والعلية؛ فيذكر باء السببية، ويذكر باء هذا كابن مالك، يذكر باء التعليل. فباء التعليل كالتي مثلا في قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: 160]؛ فبظلم من الذين هادوا، فبـ يعلل بها ما يعلل بها الشيء.

فهنا يقول، وقد قطع العبارة، قطع فيها بين اسم إن وخبرها، كان يمكنه أن يقول: «كأنه راجز بما رد لحياها إلى الجوف»، لكنه قدم العبارة وأتى بباء التعليل؛ خلاص يعني اعترض بها، وقال: «بما رد لحياها إلى الجوف راجز». وهذا يريد منه أن يبرز هذا الفعل من الحمار وكأنه شيء لافت ظاهر جدا، ها، برجع من نهاق كأنه «بما رد لحياها إلى الجوف راجز»، أي بسبب، لعله، لأجل ما رد لحياها إلى الجوف.

ثم استوقفني شيء آخر، وهو أن لحياها رد إلى الجوف هو اللحيين اللذان ردا إلى الجوف. الحمار يشفط الهواء، يسحب الهواء، ولكنه يريد أن يصور أن لحياها، من انفتاحهما واهتزازهما، كأنهما هما اللذان يردان إلى الجوف. ثم الغريب أنه يصور أنه رد إلى الجوف وكأنه أخرج شيئًا، تعرفون صوت الحمار الذي هو يدفع.

صح، «بما رد لحياها إلى الجوف» يعني لحياها ينفتحان، متخيلها. يلا نروح الحيوان. صوت حمار جميل وحقيقي، أجل إنه نهق حمار صغير. عجب! ربنا قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]. وهذا يعجبه صوت الحمار، خوف أن يكون ينام عليه، سبحان الله، صدق الله العظيم.

مع الأسف للرجاز، مع الاعتذار للرجاز، هو لازم كده، دي قصيدة الشماخ، الشماخ هو وصف الحمر، لازم نسمع الكلام ده. سبحان الله، صوت قبيح جداً، أعوذ بالله. شوف الذي اللحيان، شوف اللحيان، الله! «حداها برجع من نهاق كأنه بما رد لحياها إلى الجوف راجز». أنا أسمعتكم حتى تفهموا فكرة الرد، كأنه أخرج صوتًا له مادة وردها، يخرج صوتًا ويرده، يخرج صوتًا ويرده.

«فأوردهن المور مور حمامة، على كل أجريائها هو رائز». المور يا إخوة هو الطريق الموطوء المستوي، وحمامة هذا قالوا ماء لبني سعد بن بكر بن هوازن. والأجرياء، والأجريا، هي الوجه والعادة التي تأخذ فيها الحمر وتجري. والرائز المختبر المجرب. بعد كل هذا يقول: «فأوردهن المور»، واضح أن هي طرق تعريفها العرب يا إخوة.

«ولما دعاها من أبطاح واسط، دوائر لم تضرب عليها الجرامز، حداها من الصيداء نعل طراقها، حوامل كراع المؤيدات العشاوز، فأقبلها نجاد قوين، وانتحت بها طرق كأنهن نحائز». طرق تعرفها العرب، واضح. «حداها برجع من نهاق كأنه بما رد لحياها إلى الجوف راجز». طبعًا ما الصورة هنا؟ كأنه راجز وكأنه كذا، وبما رد لحياها وحداها برجع بترجيع أنه خلاص الأمان والسعادة بدأت، خلاص هذا عرس.

المعنى العام للبيت أنه أوردها الطريق المهيأ على المستوي، الطريق الموطوء المستوي الذي يؤول بهم إلى الماء، ولكنه مع ذلك ظل مراقبًا للحمر، مختبرًا لها كل طريق جرت فيه. أين العادة هنا؟ معناها خلاص تجري على عادة، ما هو قال: «وانتحت بها طرق كأنهن نحائز»، يعني هي طرق مسلوكة يعرفونها، وهي تجري على عادة قديمة. فالأجرياء بالهمزة، والأجريا بدون همزة، فهو هنا يظل مراقبًا لها ومختبرًا لكل طريق جرت فيه، وإن ظهر أنها تعرفه أو تخبره.

وانظر هنا إلى التعقيب والترتيب بالفاء؛ «فأوردهن المور»، «فأقبلها نجاد قوين»، «فأوردهن الموضع»، هي خطوات ونسق بالفاء، وطريق متصل إلى المعنى. والأسلوب الذي اتخذه الشاعر هنا يكشف لنا عن خطر هذا المور. وقد عرفنا أن حمامة موضع مياه لبني بكر، فهو يقول: «فأوردهن المور مور حمامة»، عرفه بالألف واللام أولًا ثم قال: «مور حمامة»، نفس أسلوب امرئ القيس لما قال: «ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة». هو ممكن الشماخ كان ينظر لامرئ القيس في الموازنة، ممكن، لكن أثبت. فلنفترض أنه استعمل هذا الأسلوب، هل يقال هنا سارق؟ لا، مبدع إبداعًا جديدًا. إذا جاء لحمه في كلام نفسه فهذا إبداع.

«فأوردهن المور مور حمامة»، كأنه يعلم أن حمامة موضع مياه، وأنه مطروق، وأنه كثير، نعم فيه الحياة، ولكن الخطر قائم أيضًا، ولهذا هو يقول: «على كل أجريائها هو رائز». هذا بيت غريب الصيغة، الثانية في الشطر الثاني غريبة. ظل يروى لها، هو رائز. هم الآن بين الأمان والخطر، لا تنسَ أنها ناقته، تسوقه هو أو تحمله هو، ومرتبة لا يستقال بها الردى، وعوجاء من جذام، وأمر صريمة تركت بها الشك الذي هو عاجزه.

كل القصيدة، كل وصف الحمر تفسير: «تركت بها الشك الذي هو عاجزه». وأتحداك تفصلها كلمة من أول ما قال: «كأن قتودي فوق جاب مطرد من الحقب، لاحته الجداد الغوارز». لماذا؟ لأنه يمشي باليقين الذي هو ناقته. «تركت بها الشك الذي هو عاجزه»، والجاب هنا هي لاحته وهو صامت: «لهن صليل ينتظرن قضاءه، بضاح ذات امرة وهو ضامه»، «تركت بها الشك الذي هو عاجزه».

رأيت، «لاحته الجداد الغوارز»، لاحته كما شرحتها في تفسيري، ويظل هو يحامي عليها ويقطع أي احتمال للخطر. كل شوية، في كل بيت، كل شطر تتذكر: «تركت بها الشك الذي هو عاجزه»، هذا عندي مسمار القصيدة. هذا عندي مسمار القصيدة: «تركت بها الشك الذي هو عاجزه». أسأل لا يا جدعان، أقول لك مفككة؟ دي دماغك هي اللي مفككة.

«فأوردهن المور مور حمامة»، يا أخي أظل أقرأ هذا الشطر: «فأوردهن المور مور حمامة»، يبقى حمامة هو يعرف مور حمامة، يعرف أنه ماء وأنه مطروق وأنه سبب الحياة والرواء، ولكنه سبب الخطر أيضًا، بدليل: «على كل أجريائها هو رائز». وللدلالة على ما يقوم به الجاب من عمل في حفظها من الخطر، تراه قدم الجار والمجرور «على كل أجريائها» وهو المتعلق، قدمه على المتعلق «رائز»، والمعيار هو «رائز على كل أجريائها»، يعني يختبر لها، وهذا فيه غاية العناية بإظهار فعله. «على كل أجريائها هو رائز»، لو قال: «وهو رائز رائز على كل أجريائها»، صحيح، لكن بدأ بأنه رائز، لم تبين مواضع العمل، إنما «على كل أجريائها هو رائز»، أنت بينت أن هذه المواضع استغرقها جميعًا لأنك قدمتها وبنيت عليها الروز.

ماذا تصير تسأل عن الفعل بعد أن عرفت المتعلق؟ قبل المتعلق، والأصل أن يأتي المتعلق ثم المتعلق، أن يأتي الجار والمجرور متأخرًا. لكن لما قلت بالمتعلق أولًا، الجر والمجرور "على كل أجرائها"، أنت قلت ماذا هو؟ "رائز"، وأكدت على استغراق جميعها.

ثم نجد عبارة أو بناء عبارة مستقلة: "هو رائز". لماذا ليس مثلاً: "يروز على كل أجرائها"؟ لماذا "على كل أجرائها هو رائز"؟ كأنه يبدأ كلامًا جديدًا يقول لك: يقال هو رائز على هو دون غيره، هو رائز على كل أجرائها. لا معين معه، ولا احتمال أن يخرج الفعل أو قدر من الفعل لغيره "على كل أجرائها".

يقال هو رائز، هو قائم، وأتى برائز على البناء للمسمى على صيغة اسم الفاعل التي تدل على الدوام والثبوت، هو رائز، هو القائم بأمرها. والشطر الثاني كله يا إخوة في موضع الحال؛ فهو يوردهن، يوردهن المور مور حمامة وهو يروزها على كل أجرائها. فأوردهن المور مور حمامة على كل أجرائها، هو رائز. فالشطر الثاني بالكامل في موضع الحال من الفاعل فيه، فأوردهن المور مور حمامة، فالشطر الثاني كله في موضع الحال: فهو أوردهن مور حمامة وهو يروزها على كل أجرائها.

وأخيرًا استعمال "على" هنا عجيب وبليغ. "على كل أجرائها"، لم يقل عندكم "كل أجرائها" أو "في كل أجرائها" أو "يروز كل أجرائها"، وهذا الأصل: "رائز كل أجرائها" مثلاً، على أن يعمل اسم الفاعل عمل الفعل. لكن "على كل أجرائها"؛ والعلو فيه السيطرة والوجود، يعني لا يكون لها أجرية إلا وهو عليها رائز.

كما تقول: جئت على عجل، جئت على لهفة؛ أنت المسيطر الممتلك لذلك. "على كل أجرائها هو رائز"، رائز عليها وليس رائزًا لها أو رائزًا إياها. هو رائز على كل أجرائها، لا تتحرك إلا وهو يروز لها، فوق حركتها، فوق أجرائها.

هذا الجواب الذي هو ناقته، تركت بها الشك الذي هو عاجزه. ونكمل غدًا إن شاء الله تعالى ونتم القصيدة بالكامل بإذن الله. شكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عمتم صباحًا ومساءً، والعذر أن أسمعكم أنكر الأصوات، لكن القصيدة كلها يتردد فيها صداه.

سأعدله الآن إن شاء الله من الهاتف، لأني لا أستعمل العربية هنا، فأستعمله من الهاتف إن شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.