دخولتسجيل الدخول

الدرس 12 - الأبيات (٤٦، ٤٧، ٤٨، ٤٩)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.

أيها الإخوة، هو مجلسنا الثاني عشر بحمد الله تعالى، مجلسنا الثاني عشر من مجالسنا في الشرح المفصل لشعر زئب الشماخ بن ضرار الذبياني، التي هي عين من عيون أشعار العرب الفحول. وأنا أكرر ما قلته أمس أيها الإخوة حول سعادتي أن يأتي هذا الشرح تزامناً مع ما حصل من بعضهم ممن استهان بالشعر وتكلم فيه بكلام الجاهلين غير المحققين، وقال فيه ما لا يقوله من يعلم، مما يورث الاستهانة به.

وقالوا كلاماً، كما قلت أمس، وأقصد بذلك الدكتور مختار الغوث؛ قالوا كلاماً لو أن هناك محاسبة علمية لكان هناك حدث بعد الحدث، وهو حدث المساءلة. ولكن للأسف الشديد لا توجد بيئة علمية، لا توجد مؤسسات تحمي المقررات وتحمي الأفكار وتحمي الثقافة وتحمي هذه المفاهيم والمعارف من زعزعة الراسخ منها بمجرد إبداء الرأي واستغلال النفوذ، حتى لو كان هذا النفوذ مجرد السن والاختصاص في اللغة على الجملة.

وللأسف الشديد لا أعفي هذا المجتمع من التقصير في واجبه، لأن كثيراً من الناس يعلمون، وأنا أعلم كثيراً من أصحاب العلم يعلمون جيدا بطلان الكلام الذي يقال، ولكن نفوسهم قعدت عن المواجهة وأخذ زمام المبادرة، أو جبنت عن اتخاذ موقف يرون أنه قد يلحقهم به الأذى. والذي أراه أنه على أهل العلم الذين ولاهم الله تعالى هذا السلطان أن يقوموا بحقه، وإلا كانوا كالحاكم الضعيف الذي يستضعف ويركب.

وللأسف الشديد، الذي أراه في ذلك أن صاحب الحق، وصاحب التحقيق الذي أقامه الله تعالى، والذي من الله عليه وأنعم عليه بأن أقامه في علم، أن يكون مدافعاً عن هذا العلم، وأن يتخذ مواقف مشرفة تشهد له أمام الله وأمام ذاكرة التاريخ وضمير التاريخ. وكثير من المواقف التي اتخذت فيها موقفاً نقدياً معيناً، سواء تجاه شخصيات أو تجاه قصائد، حذرت قبلها من بعض المقربين بأن يا أبا قيس سيؤرونك، سيضعونك، سيصنفونك، سيقسمونك؛ كل هذا وإن كان قد يكون ضرراً نسبياً أو ضرراً على الطريق، لكنه ليس بأشد ضرراً من ترك القضية وعدم بيان الحق.

ومهما ظن الإنسان أنه اكتسب شيئاً من النفع بسكوته وسلامته، فلا نفع ولا سلامة، فوق أن يقول الحق في الذي أقامه الله فيه، لأنه كما ينسب إلى الإمام علي عليه السلام أنه قال: «لا رأي لمن لا يطاع». أنا أؤمن بهذا جداً، فإذا كنت تطاع وإذا كنت مسموعاً ومنتظر القول وأقامك الله في باب، فيجب عليك أن تقول، لا أن تقدم نفسك فقط من خوف موهوم مساحته شبر من الوهم أمامك فتنقبض عن الكلام ولا تبين.

فاحمد الله تعالى أن جاء هذا الشرح في ضمن هذا السياق، والحمد لله رب العالمين. ونحن نرى سياقات كثيرة للأسف الشديد؛ نرى ما شاء الله هذه الأيام مذبذباً، قصيدته كلهم أصبح ناقداً. تحولت الخلافات الطائفية والسياسية، التي هي سياسية بالمقام الأول وليست طائفية، تحولت إلى علم الشعر، وكان مقدرات هذه الأمة وكان أحكام هذه الأمة لا حرمة لها أمام الأهواء.

وسبحان الله، إذا كانت الأعراض وأعراض المؤمنات لا حرمة لها أمام السياسة، ويقذفون ويرتكبون ويخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية، فكيف يحفظون حرمة للبيان وحرمة لهذه الأمة؟ وكيف يعون أن هذا الشعر وأن هذا البيان هو أمن قومي ينبغي الحفاظ عليه؟ وكيف يعون ذلك والآلف باء في الحفاظ عليه ألا يتكلم فيه من لا يحسنه؟

لكن صار للأسف الشديد، وقلت لصديقي الدكتور عبد القدوس قبل أيام، وأنا ليس عندي ما أخفيه من التعبير، قلت له: إذا جاز للمدعو حذيفة العرجي -وهو رجل عامي تكلم في اللقاءات، وأنا ذكرته فقط لشيء واحد أن له جمهوراً بحكم السياسة، وإلا فهو إنسان عامي جداً متجرئ بالكلام على ما لا يحسن- يقول: لماذا أنا لا أحتج بجبران خليل جبران في الشعر في لفظة يخطئها المعجم العربي وأخذ المعجم العربي؟ ويقول أنا ما الذي يجيبني ويساندني الآخر الذي يجري معه اللقاء؟ يقول: لماذا أقلد عربياً وأترك جبران خليل جبران؟ ويحتجون في اللغة بشعر جبران خليل جبران للأسف الشديد، ويحاولون أن يقولوا زوراً وجهلاً إن الجمهور معيار، لأنهم ليس لهم إلا الجمهور الذي صنعته السياسة.

وأنا أقول هذا صراحة ووضوحاً: ليس لهم إلا الجمهور الذي صنعته السياسة. كذلك من الجمهور الآخر الذي يقابلهم، ستجدون بعض الضعاف من الشعراء المنسوبين إلى آل البيت وإلى رثاء آل البيت يناصرهم جماعات من الشيعة فقط لأجل هذا، لكن حال الشيعة في الشعر أحسن منهم بسنوات ضوئية طبعاً كما تعلمون كما لا يخفى على كل العقلاء الفاهمين، لكن الحال هو الحال تقريباً في كل الطوائف، فيهم السفهاء والعامة والذين يجمعون بالسياسة.

فهو يحاول الكلام في تأصيل الجمهور، أن الجمهور معيار خطير جداً، ويخرجون ويضحكون على الناس ويخادعونهم وهم عامة. وأنا أذكر اثنين هنا يقدمان "البودكاست"، وهذا مجالي ولست تبع سياسة فيه ولا تبع أحد ولا تبع مؤسسة ولا دولة ولا نظام، ولذلك أقول ما عندي دون اعتبارات، بتجريد من الاعتبارات كلها، الفساد الذي وقع في هذا البودكاست الذي خرج فيه يحاور المدعو حسين الجنيد والمدعو -وهو عامي كذلك- والعامي الآخر وهو حذيفة العرجي، اللذان خرجا يتكلمان عن معيار الجمهور، ومعيار خطير جداً، يتكلمان بالكذب لا علم لهما، وكل من شم رائحة العلم يعلم هذا.

ثم يأتون بهل تحممت بعطر وكذا، ويقولون لماذا نحن لا نقلد فلاناً أو فلاناً، جبران أو غير جبران في المفردات؟ ويقول حذيفة العرجي وهو عامي صدرته الأحوال للكلام في هذه المواقف، وهذا بكل وضوح ويعلمه كل فاهم وطفل دارس يعرف هذا: "أنا إذا فهمت الكلمة وأنت فهمت مني الكلمة واستعملناها، ما الذي يمنعني من استعمالها وإن كانت في معجم العرب خطأ؟".

هذا كلام من خرج من بيئة معادية للتراث العربي؛ لأن العلماء ما وضعوا المعجم إلا لحفظ اللغة، وإذا كان التعارف على مفردات يجعلها صحيحة، فلأي شيء وضع العلماء المعاجم التي يحتكم إليها؟ لأي شيء وضع القاموس؟ لأي شيء وضع اللسان؟ لأي شيء وضع الفروق في المفردات والفصيح والصحاح؟ لأي شيء وضعوا المعاجم؟ هذا كلام عامة خرجت من بيئة معادية للتراث. فأنا قلت صراحة لصديقي الدكتور عبد القدوس أول أمس، لو جاز لحذيفة العرجي أن يتكلم في شعر ويقومه.

أنا ضعفت قصيدة تميم، وبالمناسبة تعرفون أن البث محفوظ، لكن لو جاز نقداً بالأصل، لحذافه العرجي أن يتكلم في شاعرية كشاعرية تميم، أو في شعرية نصه، لجاز للراقصة أن تتحدث في الشعر دون أن نمنعها بنفس العيار. لو جاز لحذيفة العرجي أن يتحدث في الشعر، وأن يقوم الشعراء الذين يسبقونه بسنوات ضوئية في الشعر وهو ليس بشيء، لم يبدأ أصلاً، لكنه موهوب. بالمناسبة، بخلاف أنس الدغيب ليس موهوباً، لكن هو موهوب لكن لم يبدأ عملياً حقيقة في الشعر لأنه لا يفهمه.

لو جاز لحذيفة العرجي من موقعه الذي هو عليه أن يتحدث في الشاعرية والشعرية وأجزنا له ذلك، لازمنا أن نجيز للراقصة أن تتحدث؛ لأنهما يشتركان في عدم الاشتغال بهذا الباب. هذه أمور أيها الإخوة لابد أن تعوها بكل مصارحة، بكل صدع، بكل مواجهة، بكل وضوح، ولا نخشى أن نصنف على أحد. أنا ضاعفت قصيدة تميم في رثاء آل خامنئي، أنا ضاعفت هذه القصيدة وحكمت بأنني لا أوازنها شعراً، ومع ذلك استغلوا ذلك وحاولوا أن... كلام أهل النقد في النقد شيء، وبوضوح، كلام الذين هم ليسوا من الشعر في شيء آخر، شيء آخر تماماً، ولا يجوز أن يتكلموا فيه. ونقول هذا صراحة ومجابهة وصدعاً، ولا يعنينا شيء ولا يتهددنا شيء، ولا نخشى من مخلوق خلقه الله، إنما نخشى من الخالق سبحانه وتعالى.

هذا هو الحق الذي يعرفه بعض أهل العلم وساكتون، ولي عليهم لوم شديد، أن يكون الحديث بيننا فقط ولا يتكلمون أو يتصلون بي ويؤاذرون الموقف ويقولون ما يحصل سفه، ولا يتكلمون يخشون الهجوم والإساءات. أمام الله فليتكلموا إذ عرفوا الحق، حين يُسألون عن خوفهم من الهجوم والإساءات؛ قد يجوز لهم، الله أعلم، أما أنا فلا أجيزه لنفسي.

عَفَتْ بَطْنُ قَوْ مٍ مِنْ سُلَيْمٍ فَعَازِزُ فَذَاتُ الْغَضَا فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِزِ وَمَرْتَبَةٌ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى تُلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الْجَهْلِ حَاجِزُ وَعَوْجَاءُ مِجْذَاةٌ وَأَمْرٌ صَرِيْمَةٌ تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَابٍ مُطَرَّدٍ مِنَ الْحِقْدِ لَاحَتْهُ الْجِدَادُ الْغَوَارِزُ طَوَازِمُهَا فِي بَيْضَةِ الْقَيْظِ بَعْدَمَا جَرَتْ فِي عِنَانِ الشَّعْرِيَّيْنِ الْأَمَاعِزُ فَظَلَّتْ بِمَيْئُودٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُكَى نَوَاكِزِ لَهُنَّ صَلِيلٌ قَلِيلٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ بِضَاحِي عُذَاةٍ أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْوَرْدَ مِنْهُ صَرِيْمَةً مَضَى وَلَاقَاهُنَّ خِلٌّ مُجَاوِزُ وَلَمَّا رَأَى الْأَظْلَامَ بَادَرَ بِهَا كَمَا بَادَرَ دَرَّ الْخَصْمِ اللَّجُوجِ الْمُحَافِزُ وَيَمَّمَهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رَمَّةٍ وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانٍ مَفَاوِزُ عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِتَاتٌ كَأَنَّهَا هَوَادِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الْجَزَاجِزُ تَفَادَى إِذَا اسْتَذْكَى عَلَيْهَا وَتَتَّقِي كَمَا تَتَّقِي الْفَحْلَ الْمَخَاضُ الْجَوَامِزُ وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الْأَرَاكِ عَشِيَّةً فَصَدَّتْ وَقَدْ كَادَتْ بِشَرْجٍ تَجَاوُزُ وَهَمَّتْ بِوِرْدِ الْقِنَّتَيْنِ فَصَدَّهَا حَوَامُ الْكُرَاعِ وَالْقِنَانُ اللَّوَاهِزُ وَصَدَّتْ صُدُوداً عَنْ ذَرِيعَةِ عِثٍّ وَلِابْنَيْ غِمَارٍ فِي الصُّدُورِ حَزَائِزُ وَلَوْ ثَقَفَاهَا دَرَجَتْ مِنْ دِمَائِهَا كَمَا جَلَّلَتْ نَضْوَ الْقِرَامِ الرَّجَائِزُ وَحَلَّاهَا عَنْ ذِي الْأَرَاكَةِ عَامِرٌ أَخُو الْخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تَلْكُ النَّوَاحِزُ قَلِيلُ التَّلَادِ غَيْرُ قَوْسٍ وَأَسْهُمٍ كَأَنَّ الَّذِي يَرْمِي مِنَ الْوَحْشِ تَارِزُ مُطِلًّا بِزُرْقٍ مَا يُدَاوَى رِيَاهَا وَصَفْرَاءَ مِنْ نَبْعٍ عَلَيْهَا الْجَلَائِزُ تَخَيَّرَهَا الْقَوَّاسُ مِنْ فَرْعِ عُضَالَةٍ لَهَا شَذَبٌ مِنْ دُونِهَا وَحَوَاجِزُ نَمَتْ فِي مَكَانِهَا فَاسْتَوَتْ بِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَيَنْغُلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ فَانْحَى عَلَيْهَا ذَاتَ حَدٍّ غَرَابُهَا عَدُوٌّ لِأَوْسَاطِ الْعِضَاةِ مُشَارِزُ فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ فِي يَدَيْهِ رَأَى غِنًى أَحَاطَ بِهِ وَازْوَرَّ عَمَّ يُحَاوِزُ فَمَضَعَهَا عَامِينَ مَاءَ لِحَائِهَا وَيَنْظُرُ مِنْهَا أَيُّهَا هُوَ غَامِزُ أَقَامَ الثِّقَافُ وَالطَّرِيدَةُ دُرَّهَا كَمَا قُوِّمَتْ ضِغْنَ الشُّمُوسِ الْمَهَامِزُ فَوَافَى بِهَا أَهْلُ الْمَوَاسِمِ فَنَبْرَى لَهَا بَيْعٌ يُغَلِّي بِهَا السُّومَ رَائِزُ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَشْتَرِيهَا فَإِنَّهَا تُبَاعُ بِمَا يُبَاعُ تِلَادُ الْحَرَائِزُ فَقَالَ لَهُ أَبِزَارَ شَرْعٍ عَبِيٍّ وَأَرْبِعٍ مِنَ السِّيَرِ أَوْ أَوْاقِ النَّوَاجِزِ ثَمَانٍ مِنَ الْكِيرِي حُمْرٌ كَأَنَّهَا مِنَ الْجَمْرِ مَا ذَكَّى عَلَى النَّارِ خَابِزُ وَبُرْدَانُ مِنْ خَالِمٍ وَتِسْعُونَ دِرْهَماً وَمَعَ ذَاكَ مَقْرُوضٌ مِنَ الْجِلْدِ مَاعِزُ فَظَلَّ يُنَاجِي نَفْسَهُ وَأَمِيرُهَا آيَاتِي الَّذِي يُعْطَى بِهَا أَمْ يُجَاوِزُ فَقَالُوا لَهُ بَايِعْ أَخَاكَ وَلَا يَكُنْ لَكَ الْيَوْمَ عَنْ رِبْحٍ مِنَ الْبَيْعِ لَاهِزُ فَلَمَّا شَرَاهَا فَاضَتِ الْعَيْنُ عَبْرَةً وَفِي الصَّدْرِ حَزَّازٌ مِنْ وَجْدٍ حَامِزُ وَذَاقَ فَأَعْطَتْهُ مِنَ اللِّينِ جَانِباً كَفَى وَلَهَا أَنْ يَغْرَقَ السَّهْمُ حَاجِزُ إِذَا انْبَضَّ الرَّامُونَ عَنْهَا تَرَنَّمَتْ تَرَنُّمَثْلَا أَوْجَعَتْهَا الْجَنَائِزُ كَأَنَّ هَتُوفاً إِذَا مَا خَالَطَ الظَّبْيَ سَهْمُهَا وَأَرَّغَ مِنْهَا أَسْلَمَتْهُ النَّوَازِ كَأَنَّ عَلَيْهَا زَعْفَرَاناً تَمِيرُهُ خَوَازِنُ عُطَّارٍ يَمَانٍ كَوَانِزُ إِذَا سَقَطَ الْأَنَّ صِينَتْ وَأُكْرِمَتْ حَبِيراً وَلَمْ تُدْرِجْ عَلَيْهَا الْمَعَاوِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْمَاءَ قَدْ حَالَ دُونَهُ زُعَافٌ لَدَى جَنْبِ الشَّرِيعَةِ كَارِزُ شَكَّكْنَ بِأَحْسَاءِ الذِّنَابِ عَلَى هُدَى كَمَا طَابَعَ عَتَّ السَّرْدِ الْعِنَانَ الْخَوَارِزُ وَلَمَّا اسْتَغَاثَتْ وَالْهَوَادِي عُيُونُهَا مِنَ الرَّهْبِ قَبْلُ وَالنُّفُوسُ نَوَاشِزُ فَالْقَتْ بِأَيْدِيهَا وَخَابَتْ صُدُورُهَا وَهُنَّ إِلَى وَحْشِيَّتِهِنَّ كَوَارِزُ نَهَلْنَ بِمَدَانٍ مِنَ الْمَاءِ مُوهِناً عَلَى عَجَلٍ وَلِلْفَرِيصِ هَزَاهِزُ غَدَوْ لَهُ سَعْرُ الْخُدُودِ كَمَا غَدَتْ عَلَى مَاءِ مَيْئُودٍ الدِّلَا النَّوَاهِزُ يُحَشْرِجُهَا طَوْراً وَطَوْراً كَأَنَّمَا لَهُ بِالرَّغَامِ وَالْخَيَاشِيمِ جَارِزُ وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ دَوَائِرَ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ حَذَاهَا مِنَ الصَّيْدَاءِ نَعْلُ طِرَاقِهَا حَوَامُ الْكُرَاعِ الْمُؤَيِّدَاتُ الْعَشَاوِزُ فَأَقْبَلَهَا نِجَادٌ قَوِيٌّ وَانْتَحَتْ بِهَا طُرُقٌ كَأَنَّهُنَّ نَحَائِزُ حَذَاهَا بِرَجْعٍ مِنْ نَهَاقٍ كَأَنَّهُ بِمَا رَدَّ لِحَايَاهُ إِلَى الْجَوْفِ رَاجِزُ فَأَوْرَدَهُنَّ الْمَوْرَ مُورَ حَمَامَةٍ عَلَى كُلِّ أَجْرِيَائِهَا هُوَ رَائِزُ يُكَلِّفُهَا طَوْراً مَدَاهُ إِذَا الْتَوَى بِهِ الْوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ الْمَجَاوِزُ فَأَصْبَحَ فَوْقَهُ مَحَامٌ عَلَى عَوْرَاتِهَا مَحَامٌ لَا يُرَوِّعُهَا خَيَالٌ وَلَا رَامُ الْوُحُوشِ الْمَنَاهِزُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ النَّشْزِ نَشْزٌ حَمَامَةٌ لَهُ مَرْكَضٌ فِي مُسْتَوًى الْأَرْضِ بَارِزُ وَظَلَّتْ تَفَالَى بِالْيَاعِ كَأَنَّهَا رِمَاحٌ نَحَاهَا وَجْهُهُ الرِّيحُ رَاكِزُ

شرحنا إلى قوله في البيت الخامس بعد الأربعين: نَهَلْنَ بِمَدَانٍ مِنَ الْمَاءِ مُوهِنًا عَلَى عَجَلٍ وَلِلْفَرِيصِ هَزَاهِزُ

نَهَلْنَ بِمَدَانٍ مِنَ الْمَاءِ أَيْ بِمُتْدَانٍ مِنَ الْمَاءِ مُوهِنًا عَلَى عَجَلٍ، وَلِلْفَرِيصِ هَزَاهِزُ. لكن أريد شاياً، إخوان لحظة واحدة، تشربون الشاي؟ قهوة؟ أنا صعب أشرب قهوة في الليل إذاً لن أنام إلى الصباح.

قال: نهلنا بمدان. الأخ الذي يكرر السؤال لا يفعل، الأخ الذي يكرر السؤال ويظل ينسخه ويضعه يتوقف عن ذلك فوراً. رأيت أنك أرسلت سؤالاً لكن ليس هذا موضع أسئلة.

«نهلن بمدان من الماء موهنا على عجل، وللفريص هزاهز، غدون له سعر الخدود، كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز».

غدون له؛ أي ذهبنا في الغداة، في الصباح. وسعر الخدود؛ تصعير الخد، وهو إمالته.

فرق يا إخوة، بالضبط دكتور شيماء، وقت الغدا فرق بين التصعير المنهي عنه، وبين ارتفاع الأنف الشمم؛ فرق بينهما. سأشرح لكم هذا الفرق، وهو ضروري؛ لأنه إذا جاءت المناسبة ولو لغوية، فهذه مهمة في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18]. هذا منهي عنه، وفي الشعر كذلك يذكرون تصعير الخد: «إذا الملك الجبار صعر خده، مشينا إليه بالسيوف نعاتبه». هذا بشار بن برد.

الصعر يا إخوة، والتصعير، مادة الصاد والعين والراء، فيها الإشاحة والإعراض؛ فالذي يصعر خده للناس هو الذي يعرض عنهم ويشيح بصفحه ويميل هكذا، كأنه يعرض متكبرا، وهذا بخلاف الشمم.

جاء في الأوساط الدينية في مصر، في سنوات مضت، كان الأخ حتى يظهر أنه مخبت، وأنه يمشي وهو ينظر في الأرض وكأنه متهالك، هكذا متدين. وأذكر أنه لامني بعضهم قال: يا أبا قاسم، أنت تمشي رافع رأسك شديداً هكذا! حتى في السلام، هناك عادة عندنا في مصر، للأسف الشديد، أن أحداً إذا أراد أن يسلم على أحد، يعمل هكذا ينحني. أنا لست كذلك؛ أنا أصافح وأنا فارد ظهري، مفروض الظهر.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، رضي الله عنك أخي الكريم. إن شاء الله أرسلها إلي على التليجرام، والإخوة يضعون لك حساب التليجرام، راسلني على التليجرام بها إن شاء الله. فكنت أصافح الناس، مهما كان الإنسان الذي أمامي، أتواضع له بالكلام وبالابتسامة، لكن ظهري مفرود وأصافح هكذا، وأصافح بقوة؛ لا أترك يدي في يده هو يحركها، لا، ليس هناك ندية في هذا الجانب.

فبعض الإخوة قال لي: نعم، تعجبنا مشيتك ونعرف أنك تعتز بنفسك، لكن لابد أن تفهموا؛ هم قالوا: «لا تصعر خدك للناس»، فين الخد هنا؟ يعني أنا عامل هكذا، هذا شمم. هذا الخضوع موروث، لا أعرف صوفي ولا ماذا، أنا رأيته طبعاً. بالمناسبة، أنا أحكي لكم؛ دخلت مرة على أحد المشايخ، وهي طبعاً في الصوفية موجودة وفي الثقافة المصرية موجود، هذا الانحناء كأنه أدب، وهذا خطأ أنا لا أفعله، مبالغة غير حميدة عندي.

كان أحد المشايخ -رحمه الله- توفي، كان شيخاً في طريقه، وكنت ضيفاً في المكان الذي يكون فيه لعدة مرات لنشاط علمي معين؛ فكان الإخوة أول ما يدخل من الخارج يجرون عليه من الزملاء، وقبل الوصول إليه ينحنون ويعملون يدهم هكذا، وفي الأخير هو يضع يده هكذا: «مولانا». فأنا كنت -وهو صاحب المكان- أقوم للسلام عليه، ولكن أمشي إليه هكذا وأصافح هكذا، ليس هكذا، لا أتحكم فيه وليس هكذا لا أتلقى منه، ولكن هكذا: «أهلاً يا سيدنا، مرحباً تفضل، أهلاً يا سيدي، جزاك الله خيراً على هذه الضيافة».

مرة هو لاحظ ورمقني بنظرة، في المرة الأولى والثانية والثالثة قال: «أهلاً يا باشا»، فقلت: «أهلاً مولانا»، كأنه إشارة إلى أن أنت الذي لا تصافح مثلهم، كأنك متمرد، لست متمرد ولا شيء، ولكن لماذا أصافحك هكذا أصلاً؟ لكن الثقافة المصرية عندنا هكذا، الناس تحفظ ولا تفهم يا إخوة.

التصعير أن تصعر خدك، أن تعرض، ففيه نوع من الإشاحة. إذا الملك الجبار صعر خده، هذه حركة كلاسيكية تقليدية معروفة. لكن الشمم شيء آخر ممدوح في العرب؛ الشمم هو أن تعتز بنفسك لكن لا تحقر غيرك، لأنك لم تمنع غيرك من الشمم أيضاً. أما التصعير ففيه علاقة إعراض عن الآخر، وهذه من الشواهد: «غدون له سعر الخدود»، لأن الحمار والآتان تنظر من جانب العين، فصعر الخدود هكذا من عجلتها.

فرق بينهما من جهة المعنى؛ الشمم إنسان يعتز بنفسه، والتصعير يحتقر غيره. فالعلاقة في الشمم ذاتية، وهذا مشروع، لا يمنع غيره من الشمم أيضاً. أما العلاقة في التصعير فثنائية، لأنها تفرض الدونية على الآخر. هذا التصعير يفعله المتكبرون، أما الشمم فإنه تفرد ظهرك، ترفع أنفك، ترفع رأسك.

«سعر الخدود» يعني مائلات بالخدود من شدة العجلة إلى الماء، تنظر إليه بصفحة وجهها. «على ماء يمؤود الدلاء النواهز». النواهز من النهز، جمع ناهزة أو الناهز، وهي هنا جمع الدلو، لكن يجمع على دلال النواهز، وهذا من النهز الذي هو النزع؛ نزع الماء بالدلو. تقول: نهزت بالدلو في البئر، أي ضربت بها إلى الماء لتمتلئ، وهذا يكون بأن تميل الدلو حتى تضرب الماء بالدلو ليمتلئ. وإذا نزعت الماء تقول نهزت، ولهذا يقال منتهز، وانتهز الفرصة، شخص انتهازي؛ يعرف متى يضرب بالدلو ليأخذ الماء منه.

هذا البيت يصور به الشاعر هيئة استغاثتها وعدوها نحو الماء. قال قبل ذلك: «ولما استغاثت والهوادي عيونها من الرهب.. والنفوس نواشز، فالقت بأيديها وخاضت صدورها.. وهن إلى وحشيهن كوارز» «نهلن بمدان من الماء موهنا على عجل.. وللفريص هزاهز، غدون له سعر الخدود»

هذا البيت يصور به الشاعر هيئة استغاثتها وعدوها نحو الماء في لهفة، على الرغم من بقاء أسباب الرهب.

على الرغم من عجلتها بالشرب بعد سير طويل، سواء ما كان منه في مواضع النجاة الخمسة التي مرت معنا، أو ما كان من السير على هدى وقد عرفت وجهتها. هذا هو؛ وهو هنا ذكر الغدو لما قال: «غدون له»، لماذا قال غدون له بعد أن قال نهلنا بمدان ولما استغاثت قبل ذلك؟ هو طبعًا هذا البيت رجوع في الزمن، رجوع في الزمن وسابين هذا الآن، لكن لماذا قال غدون له؟ يشير إلى تبييتها.

ركزوا في بناء الشعر يا إخوة، بناء يشير إلى تبييتها من الليل وعرفانها بما ترد عليه في الغداة، وهذا فيه اتصال بقوله: «شكك بإحساء الذناب على هدى». كلمة «على هدى» هذه، إذا فهمت موقعها وما يأتي بعدها فهي من جوامع الكلم في القصيدة؛ لأنه قال «على هدى» كما تابعت سرد العنان الخوارز.

ولما استغاثت -يعني بعد مدة- «ولما استغاثت والهوادي عيونها، فلقّت بأيديها نهن بمدان من الماء، غدون له» في الصباح؛ إذاً لما ذهبت على هدى أطالت. «شكك بإحساء الذناب على هدى» كما تابعت سرد العنان الخوارز، رأيت بعد ذلك ولما استغاثت ثم غدون له، سعر الخدود. يبقى إذاً معناها الإشارة إلى تبييتها من الليل وعرفانها بما ترد عليه في الغداة، وهذا فيه اتصال بـ «على هدى»؛ لأن «على هدى» كما ذكرت أمس في المجلس الحادي عشر، لا يكون على هدى إلا إذا طالت، لأن الهداية والضلال لا يكونان إلا بطريق يحتمل صاحبه الهداية والضلال، ليس كاليد للفمي، خلاص، لكن هي سارت على هدى ليس بسرعة.

وبعد أن سارت وبيتت بليل «غدون له»، رأيت كيف أنا أقرأ، شفت يا جمال؟ رأيت كيف أنا أقرأ؟ «غدون له سعر الخدود». وقوله «سعر الخدود» هذا حال؛ يعني «غدون له» حال كون خدودهن مصعرة، وكلمة «سعر الخدود» تدل على شدة لهفتها على الماء. يعني إيه «غدون له سعر الخدود»؟ لأن الخيل والبغال والحمير ترى بجانب طرفي الوجه، ولذلك أهل الخيل يعلمون أن الجبهة تسمى منطقة العمى عند الحصان والبغل والحمار؛ لأن العينين في الجانبين.

ولذلك ترى حوادث تحصل مع الحصان، دمه حامي جداً لا سيما الحصان العربي، دمه حامي أحياناً يدخل في سور وأنت تقول هذا غبي، لا، إذا لم يتحكم له أن يلتفت وحمسه شديداً وجعل الحصان يعتمد على توجيهه، فربما لا يتحكم أو لا يدركه بسرعة، فلا يجد الوقت والتدارك لأن أن يتحكم فيه بالزمام أو بالعنان، فهنا والحصان معتمد عليه لأنه دمه حامي، فهنا يدخل في سور في شجرة في سيارة، ترون هذا؟ صح؟ لأن الحصان إذا ثبت رأسه فهذه منطقة العمى. ترون في بعض الوظائف للخيل يضعون له قناعاً أو برقعاً يغطي من الجانبين لأن الحصان يرى من الجانبين، قالوا في الحروب يفعلون معها هذا حتى لا تخاف من السيوف فتتوجه بحركة أصحابها، يوجهونها وتتحرك بحركتهم لأنها ربما تخاف من الالتحام والسيوف والرماح.

لكن يغطون ماذا هنا؟ لا يغطون هنا، فيقول: «غدون له سعر الخدود»، يريد أنها متلهفة على الماء، وعيونها من الرهب، مع كونها سعر الخدود. هو يتكلم عن نظرة العين لكن ذكر تصعير الخد؛ لأنه لا يقول لك إنها فعلت هكذا وهكذا قليلاً حتى تتمكن من الرؤية، هو أراد أن ترى الأتنة سعر الخدود كامل الخد، ليس فكرة أنها تنظر أو لا تنظر.

«غدون له سعر الخدود كما غدت، على ماء يمؤود الدلاء النواهز». أما التشبيه فهو عجيب يا إخوة، وأنا قلت بالمناسبة المشهد هذا رجوع بالزمن، لماذا؟ لأن «غدون له سعر الخدود» يسبق في الوجود «جود ماذا؟ ألقّت بأيديها وخاضت صدورها ونهلنا بمدان»، فهذا رجوع في الزمن يحكي لك كيف أقبلت عليه، فهذا البيت والذي يليه رجوع، كأنه شرح للاستغاثة كيف استغاثت. «ولما استغاثت والهوادي عيونها، فلقّت بأيديها نهن بمدان»، فهو ذكر لك أنها شربت وانتهى خلاص.

أحسنت يا محمود علي، هذا الذي يسمى تشعيث الأحداث، وهناك تشعيث الأداء، هذا تشعيث الأزمان، وهو أساس في الشعر العالي لأنه من وجوه التصرف، ويدل على تحكم الشاعر في الواقع وأنه لا يحكي سرداً كما هو. فهمتم؟ فهو قال لك «نهلنا بمدان» شربت بسرعة، ثم يحكي لك كيف أقبلت على ذلك: «غدون له سعر الخدود» من لهفتها بعد أن شربت، يحكي لك.

ندخل هنا في التشبيه: «على ماء يمؤود الدلاء النواهز». الدلاء جمع دلو معروف، والنواهز كما علمتم النوازع الضاربة تنتهز الماء تخطف الماء، وقلنا النهز بالدلو نزع الماء بها، وهذا من المعاجم والشروح، اللغة فيها تقول نهزت بالدلو في البئر يعني ضربت بها الماء لتمتلئ، ومنها جاءت الانتهازية التي نتكلم عنها؛ فلان ينتهز الفرصة، فلان انتهازي. لماذا ذكرت الدلاء النواهز؟ لأن الدلاء لا تكون نواهز إلا إن مالت لتضرب الماء؛ كيف ينتهز الماء بمعنى ينزعه ويخطفه ويضرب به؟ لابد من إمالة الدلو على الماء ليخطف الماء خطفاً، ولا بد من سرعة.

هذا هو ذات الميل والسرعة أو الاندفاع كما يقول أخوكم، الميل والسرعة الذي في رؤوس الأتنة وهي ذاهبة إلى الماء. يصف عدداً من الأصحاب من الأولاد والولائد، يجرون على ماء يمؤود -هذا المكان الذي يقل فيه الماء- وهم يحملون الدلاء بعدد هذه الأتنة، ويجرون يعدون نحو الماء ليضربوا، فهم يعدون والدلاء مائلة مسرعة ليضربوا بها الماء لينزعوه ويدركوه. «غدون له سعر الخدود كما غدت، على ماء يمؤود الدلاء النواهز»، يبقى الدلاء النواهز سعر هي أيضاً مائلة، وكما يجري الأطفال أو الأولاد.

الولائد أو الأولاد يجرون بالدلاء، وهي تتخذ ميلاً ويجرون بسرعة حتى يضربوا بها الماء كذلك. مشهد الأذن تجري وهي مصعرة خدودها؛ كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز. هذا الميل، نعم، هو حركة النهز، أحسنت. غدون له سعر الخدود كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز.

يا سلام! أما الذي يستوقفني في التشبيه، تعجب بعد ذلك تقول التشبيه في ذاته يقول لك لا، ليس هو؛ لأن الشاعر ربما لا يكون الوحيد المتفرد بالعبقرية، وليس الوحيد الذي يأتي بالصور البديعة، كما قال الآمدي في الموازنة: «ربما نسميك عالماً ذكياً، فيلسوفاً، سوف حكيماً، لكن شاعراً شيء آخر».

فالذي استوقفني هنا ليس عين التشبيه، وإنما هو قوله في المشبه: «غدون له»، ثم قوله في المشبه به: «غدت على»، مع أن عندك «غدون» و«غدت»، يعني عندك جناس الآن، وعندك في المشبه... أنا الشيخ خالد حبيبنا، الشيخ خالد رضي الله عنك، الشيخ خالد الدبيخي، يا مرحباً بأخانا الكبير والأستاذ الجليل، الله يرضى عليكم يا رب.

أقول: هناك جناس، وهناك طرفان، رضي الله عنك يا سيدي، هناك طرفان؛ مشبه ومشبه به، وفي كل منهما نفس اللفظ. شوف الفتنة، هذه فتنة. «غدون» و«غدت»، «غدون» مشبه و«غدت» مشبه به، والغادي هنا في المشبه، أو الغادي في المشبه به، يقابل الغادي في المشبه.

ففي فتنة هنا، وهذا كله يجعلك تقول: لماذا لم يوحد سبك أو ظاهر الكلام؟ لماذا لم يقل: غدون له سعر الخدود كما غدت لماء يمؤود الدلاء النواهز؟ أو: غدون عليه سعر الخدود كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز؟ هذا هو الشعر، هذا التحليل هو تحليل الشعر. هذا تحليل الشعر، مش تقرأه خلاص؛ دي له، دي عليه، دي له، دي على... اسأل نفسك: لماذا «غدون له» و«غدت على»، مع أن كلاهما يقابل الآخر؟ الأول مشبه والثاني مشبه به، وعندك جناس صريح: الأول «غدون» والثاني «غدت»، والفعل مشبه بالفعل، والفاعل مشبه بالفاعل. كل هذا في الظاهر كان يقتضي: «غدون له كما غدت لماء يمؤود»، أو «غدون عليه سعر الخدود كما غدت على ماء يمؤود».

أقول: لو أنك من أهل الظاهر كصاحب المتنبي، لصح لك الاعتراض. من صاحب المتنبي؟ تعرفونه، الرجل الذي انتقد... لا ليس هذا، ليس طوق الجزيرة، الرجل العراقي، الرجل الذي انتقد ليس الصاحب ابن عباد، لا دكتور، رجل آخر، كأنك في جفن الرد، أحسنت يا بلوي. المهم هو أن يعترض على بيتين لأبي الطيب، قال: لو أنك أبدلت أماكن الأشطار لاستقام الكلام. ويقول له: لقد خطأتك بما خطأك به امرؤ القيس، إذ قال:

كأني لم أركب جواداً للذةٍ *** ولم أبطن كاعباً ذات خلخالِ ولم أسبَ الزقّة الرويّة *** ولم أقل لخيل يا كري كره بعد إجفالِ

أنا قلت صاحب المتنبي، يا إخوة خففوا الكلام، هذه أسلوب؛ لما يذكر شخص مع شخص في قصة معروفة نقول «صاحب فلان»، نوع من المجاز، يعني ليس أنه صاحبه. يا إخوة الله يكرمكم، بطلوا ريلزات وبطلوا إنترنت وبطلوا كذا، أصبحتم جامدين مش فاهمين الكلام، العقل يضيع في تعفن دماغي حقيقي حاصل ده، ظاهره مش الناس ما بقتش تفهم المجاز. «كصاحب أبي الطيب»، يعني الذي ذكر معه في القصة يقال صاحبه، ينسب إلى الحادثة «صاحب كذا». بالله عليكم خففوا النظر في الإنترنت، هذا يقتل الدماغ يقتله.

المهم، أخذ على امرؤ القيس أنه قال: «كأني لم أركب جواداً للذة»، صاحب الحوت... أهو أفضل بلوي، ما شاء الله، بيخش أخوه في السعودية، ما شاء الله عندهم نباهة فطرية. والله يا إخوة أخونا بلوي وأخونا خالد الشيباني من السعودية، والله إنهم بهاء جداً، الإخوة في السعودية عندهم حس لغوي فطري، لكن للأسف غير مدعوم، غير مدعوم للأسف الشديد، وبدأت الحداثة تأكل المجتمع هناك وتفسده، لكن هم عندهم حس لغوي فطري، ولذلك لن تليق معهم الحداثة، ستكون قبيحة فيهم. يعني أخونا بلوي وخالد الشيباني حلوين، وهم بيتكلموا هنا، لايق معاهم بيتكلموا في الشماخ وأبي ذيب وكذا، لو تكلموا في الحداثة سيكونون غير لائقين بالمرة.

المهم، أخذوا على المتنبي على هذا الرجل، العراقي النقد العراقي، هو غير معلوم، يعني لكن واضح أنه كان مشاكسًا، أظن كان يسمى المنتخب تقريبًا، لقب في بعض الروايات بالمنتخب أو كذا. المهم هو واضح أنه كان مشاكساً، وعلم الشعر لا يصلح لكل أحد. فقال: «لقد خطأتك كما خطأ امرؤ القيس»، دي أول وعكة، خطأ امرؤ القيس كذا؟ يعني أنت مش خايف تنتحر ولا إيه؟ بترزع رأسك في الجبل؟ إيه اللي بتعمله؟ «خطأ امرؤ القيس» يا عم في إيه؟ إذ قال:

كأني لم أركب جواداً للذةٍ *** ولم أبطن كاعباً ذات خلخالِ ولم أسبَ الزقّة الرويّة *** ولم أقل لخيل يا كري كره بعد إجفالِ

قال لو وضع شطر الشطر الثاني للبيت الأول مكان الشطر الثاني للبيت الثاني، والشطر الثاني للبيت الثاني مكان الشطر الثاني للبيت الأول، لصح، فيقول: «كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيل يا كري كره بعد إجفالي، ولم أسبَ الزقّة الرويّة للذة، ولم أبطن كاعباً ذات خلخالِ». فهمتم ما المقصود؟ يعني حط الخيل جنب الخيل، واللذة جنب اللذة. يعني امرؤ القيس قال: «كأني لم أركب جواداً للذة»، فذكر ركوب الجواد، و«لم أبطن كاعباً ذات خلخال» ذكر التي يلهو معها، و«لم أسبَ الزقة الروية» اشترى الزق الروي التي تروي، و«لم أقل لخيل يا كري كره بعد إجفال» فذكر الخيل، فقالوا له اعمل هكذا؛ حط الشطر الثاني في البيت الثاني مكان الشطر الثاني في البيت الأول، والشطر الثاني في البيت الأول مكان الشطر الثاني في البيت الثاني، بس خلاص والدنيا تبقى حلوة.

«كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيل يا كري كره بعد إجفالي، ولم أسبَ الزقة الروية للذة، ولم أبطن كاعباً ذات خلخال». فقال له أبو الطيب، لأنه فاهم وعالم في الشعر، قال له أبو الطيب: لو أخطأ امرؤ القيس أخطأته.

وليس البزاز كالحائك، ليس البزاز كالحائك الذي يصنع ويحيك ويضبط، هذا صاحب صنعة، إنما الذي يبيع هذا شيء آخر، الذي يبيع هذا آخر، إنما الحائك الذي يصنع، هذا صاحب الصنع.

فكيف شرحوا هذا؟ سبحان الله على ما اقترحه هذا المشاكس. كانت الأبيات ستسقط لأن امرأ القيس قال: «كأني لم أركب جواداً للذةِ»؛ يعني جواد اللذة للصيد وبعد الصيد.

ثم قال: «ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال»، فالبيت خالص في اللهو والصيد، واللهو مع الفتاة. ثم قال في الثاني: «ولم أسبَ الزقّة الرويّة»، والزق الروي قالوا هو الذي يروي الجمع من الناس. قالوا الزق الروي هذا يروي جمعاً من الشباب، يعني هناك عدد هكذا تقريبي تعرفه العرب لجماعة الشرب من الشباب الذين يخرجون مع بعض، والزق الروي هو الذي يرويهم جميعاً.

فلما قال: «ولم أسبَ الزقّة الرويّة»، يعني له ولأصحابه، ولم يقل: «لخيلي كَرّ كَرّة بعد إجفالي»؛ بعد إجفال يعني بعد هروب. فأراد أنه في اللذة وفي الشدة يكون مع الأصحاب ومع القوم؛ فلم أسبَ الزقّة الرويّة التي تروي أصحابي، ثم إذا كان القتال ولم أقل لخيلِي كَرّ كَرّة بعد إجفالي.

فالأول ذكر حصان الصيد الذي يلهو به وحده ثم يستمتع بالفتاة، والثاني أنه يكرم أصحابه في ماذا؟ في السلم وفي الحرب. في السلم بأن يسبا، والسباء هنا لشراء الخمر خصوصاً، «ولم أسبَ الزقّة الرويّة»، ولم يقل: «لخيلي كَرّ كَرّة»، ففي الحرب أنا أكرمهم بالكر بعد الفر وبعد الإجفال، وفي السلم أنا أسبا الزقّة الرويّة؛ فالرجل بطل معهم، في السلم في المفنجري وفي القتال فارس.

تعالوا نرى اقتراح الأعمى بتركيب المعنى على المعنى: «كأني لم أركب جواداً» و«ولم أقل لخيلي كَرّ كَرّة بعد إجفالي». إذا قلت لخيلك كَرّ كَرّة بعد إجفالي، ما فائدة ذكر ركوب الجواد؟ «كأني لم أركب جواداً ولم أقل لخيلِي...». عدينا هذه، «ولم أسبَ الزقّة الرويّة للذة»، لو كان النبي... هو أنت ستشتري الزقّة الرويّة للذة لما تقيد الحصان باللذة؟ مفهوم حصان صيد، حصان سنصيد به، إنما عندما تقيد الزقّة الرويّة، الذي هو أصلاً للخمر؛ لأن السباء لا يذكر إلا للخمر. «ولم تسبَ الزقّة الرويّة للذة»؛ هذا أولاً.

وثانياً: هل تشرب الزقّة الرويّة وحدك؟ لأنه على اقتراح هذا المشاكس «ولم أسبَ الزقّة الرويّة للذة»، و«ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال»، هو أنت ستشرب الزقّة الرويّة لوحدك وتتبطن؟ ثم تسبا الزقّة الرويّة للذة؟ خمارٌ يروي للذة، بتشترط هي هل يشترونها لشيء آخر؟

إنما امرؤ القيس ماذا قال؟ «كأني لم أركب جواداً للذةِ»، و«لم أتبطن كاعباً ذات خلخالٍ»، و«لم أسبَ الزقّة الرويّة»؛ ليست للذة. الزق الروي ضمنه أصحابه، ولم يقل: «لخيلي يكري كره بعد إجفالي»، يعني بعد إجفال أصحابي. وهذا المعنى مذكور عندهم لما قال:

«قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَعَرْفَانِ ... وَرَسْمٍ عَفَتْ آيَاتُهُ مِنْ تَأَنِّي» «أَتَتْ حُجَجٌ بَعْدِي عَلَيْهَا فَأَصْبَحَتْ ... كَخَذْفٍ فِي مَصَاحِفِ رُهْبَانِ» «ذُكِرَتْ بِهَا الْحَيَّ الْجَمِيعَ فَهَيَّجَتْ ... عُقَيْلَ سُقْمٍ مِنْ ضَمِيرٍ وَأَشْجَانِ» «فَسَكَبْتُ دُمُوعِي فِي الرِّدَاءِ كَأَنَّهَا ... كَلَاحِ شُعَيْبٍ ذَاتِ صَحٍّ وَتَهْتَانِ»

يا رب، من يذكرني بالأبيات؟ ماذا قال من يذكر الأبيات؟ «قف نبكي من ذكرى حبيب وعرفاني»، لم أقرأها ولم أراجعها منذ مدة بعيدة. «كأني... ويا رب...».

«فَيَا رَبِّ مَكْرُوبٌ كَرَرْتُ وَرَاءَهُ ... وَعَانٍ فَكَّكْتُ الْغُلَّ فَدَانِي»

أحسنت يا العتيبي، أحسنت يا هاجر، وأحسنت يا جمال، قرأته أحسنت: «فيا رب مكروب كررت وراءه وعانٍ فككت الغل فداني». هذا هو.

نفس الكلام طبعاً، ولذلك المتنبي كان يفهم هذا، ولهذا قال لهذا المشاكس لو أخطأ امرؤ القيس أخطأت، ولم يخطئ امرؤ القيس. قال هكذا المتنبي: «لو أخطأ امرؤ القيس أخطأت»، مش عيب، ولما أنت تثبت أن امرأ القيس أخطأ، بعدين تثبت أن أبا الطيب أخطأ. يا سيدي الحمد لله، ده أنت خطأت امرأ القيس خطاني، من خطا امرأ القيس خلاص. فهو يقول: «لو أخطأ امرؤ القيس أخطأتُه، لكن لم يخطئ امرؤ القيس». ثقة.

نفس الكلام هنا؛ أنت حائق ولا بزاز؟ حائق، يبقى تفهم ماذا حصل. الشعر كما نقول ليس بالمذاعة وليس بضم الأثواب المتشابهة إلى بعضها. لما قال: «غَدَوْنَ لَهُ صُعْرَ الْخُدُودِ»، كان يذكر الحمر كاملة، كان يذكر الحمر كلها كاملة، لأنها جاءت من مكان بعيد، ثم قال: «صُعْرَ الخدود». ولما قال: «كَمَا غَدَتْ عَلَى مَاءٍ يَمُوءُ»، كان يعلم أنك ترى بعينك الآن تصعير الخد، ولهذا قال: «كما غدت على ماء يمؤ»، لأن الدلو يميل وهو يضرب، أو حينما يقرب من ضرب الماء من فوق فيكون على الماء: «كما غدت على ماء يمؤ الدِّلَاءُ النَّوَاهِزُ».

ولهذا قال «على» في الثانية، «غَدَوْنَ لَهُ صُعْرَ الْخُدُودِ» التي غدت له هي الأتن كاملة بكل الجسد، ثم لما جاء بالتشبيه أراد تشبيه الصفحة، الوجه، فقال: «كما غدت على ماء يمؤ الدلاء النواهز»؛ لأن الدلاء تكون مائلة، قبيل ضرب الماء، وهذا حيث تكون فوق الماء، بخلاف الحمر أو الأتن لها شأن آخر. «غدون له» يا بقيس كل هذا الوقت في بيت واحد: «غَدَوْنَ لَهُ صُعْرَ الْخُدُودِ كَمَا غَدَتْ عَلَى مَاءٍ يَمُوءُ الدِّلَاءُ النَّوَاهِزُ».

وماذا كان يفعل الحمار الجاب؟ إنا نسينا الحمار الجاب: «يُحَشْرِجُهَا طَوْرًا وَطَوْرًا كَأَنَّمَا ... لَهُ بِالرَّغَامَى وَالْخَيَاشِيمِ جَارِزُ». «يحشرجها»؛ العبارة هذه حالية من الضمير في «غدون»، أي «غدون له» حال كونه يحشرجها.

وتعالوا نشرح البيت مبتدئين بغريبة أولاً: «يحشرجها» من الحشرجة، والحشرجة تردد الصوت في الصدر. الحشرجة معروفة، يقول لك صوتهم حشرج، مش قائل لك في مصر يقول لك صوتهم حشرج. الحشرجة تردد الصوت في الصدر، وقوله «يحشرجها» يعمل هذا الفعل على وجه المفعولية، يعني يحشرج الحمار الأتن.

طيب وأين الضمير؟ يعود على من؟ على الحمار؛ أين هو؟ ليس مذكوراً قريباً، لكن في القلب، الحمار في القلب. تمام، الحمار في القلب، الجب في القلب، حلوة السقعة دي، الجب في القلب ماشي. الفاعل هو الحمار، والهاء ضمير المفعول (الأتن)، فقوله «يحشرجها» يعني ينادي عليها بحشرجة في صدره، كما تقول يناديها، لكن قال «يحشرجها» يعني يناديها بحشرجة.

«يحشرجها طوراً وطوراً كأنما له بالرغامي...». الرغامة: قصبة الرئة كما فسرها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وكما ذكرها ابن دريد، والبعض يقول هي الرئة نفسها، لكن الخليل بن أحمد قال هي قصبة الرئة، وهذا أوقع لما نحن فيه، لأن الجارس كمس السعال، وهذا يكون في أو يظهر صوته في الرئة.

قصبة الرئة، والأمر قريب في الأخير: الجهاز التنفسي، الصدر كما نقول. فالرغام هو قصب الرئة كما فسره الخليل بن أحمد وغيره، والخياشيم جمع خيشوم أو خيشوم، وهي تجاويف العظام من أعلى الأنف إلى الرأس؛ ليست هذه هي الخياشيم، لكن من هنا، من أعلى الأنف، من أول هذا العظم إلى أعلى الرأس، هذا التجويف العظمي هو الخياشيم.

والإخوة بتوع التجويد، عارفين إيه هو صوت الخيشوم؟ ماذا يخرج من الخيشوم عند بتوع التجويد؟ لا يجاوبوا، كان في إدغام صغير وكبير؛ ما هو صوت الخيشوم؟ الغنة، الغنة. أحسنتم. استحضر مجالس التسميع والمشايخ، يقول لك: «في مناخيرك»، وأنت لا تعرف، يقول لك: «أنت عندك زكام يا ابني اليوم، عندك غنات كتير، مالك يا ولد، عندك برد؟». الغنة؛ نعم. فالخياشيم هي تجاويف العظام من أعلى الأنف إلى الرأس.

يقول: «يحشرجها طورا». هذا البيت وصف لحال الحمار الجاب وهو يحثحث الأتن، والبيت كله حال من «غدون»، أي أن «غدون» له حال كونه حال كون الجاب يحشرجها. فالبيت وصف لحال الحمار الجاب الذي يقودها، ظهر معنا الآن وهو يحثحث الأتن يناديها، وقد بلغ به الرهق والعطش.

إن صار له دروب وأنماط من الصوت: «يحشرجها طورا»، تسمع حشرجته. والحشرجة تأتي من شيء من جفاف الماء في الصدر، أو كما نقول الأشياء السائلة في الصدر؛ فالحشرجة من تقطع الماء ومن شيء من الجفاف. الصائم يحشرج أحياناً، نحن في مصر نقول صوتهم حشرج، هكذا في العامية عندنا.

«وطورا كأنما له بالرغامة» بصوت الصدر والخياشيم، تجويف الأنف؛ طبعاً في الحمار من أول رأس الحمار كبير، فمن أول عظمة الأنف إلى الرأس فوق، هذا المستقيم كله هو الخيشوم، خيشوم الحمار كبير، بينما نحن خيشومنا أقصر. «كأنما له جارز»، لم أذكر الجارز؛ الجارز هو السعال الشديد. السعال إذا اشتد هذا هو الجارز.

فيقول مرة تسمعه محشرجاً يناديها بحشرجته، ومرة ترى في الصوت كأنه عنده سعال، والسعال يجعل تقطعاً في الصوت. «وطورا كأنما له بالرغامة والخياشيم جارز»، صار يتقطع. والعجيب الذي وقفت عليه هنا في هذا البيت هو قوله: «يحشرجها». مكان يناديها، يناديها وفي صدره حشرجة أو في صوته حشرجة، لكنه يقول: «يحشرجها». هذا ليس مجرد اختصار أيها الإخوة، بل يتلبس بالصفة والحال التي هو عليها؛ ما كان يناديها، صار يحشرجها، وكأن الحشرجة صارت هي الشيء الطبيعي عنده.

الحشرجة أخف من الجارز أو السعال الشديد؛ لأن الجارز ليس فقط سعالاً، فالحشرجة صوت يتردد في خشونة، أما السعال الذي يليها في البيت، السعال الشديد، يتصل به الصوت ويتقطع. «يحشرجها طورا وطورا كأنما له بالرغامة والخياشيم جارز»، يتقطع، يعني بعد أن يحشرج ويتعب يتقطع، ثم تستقيم الحشرجة، ولكن ما بين حشرجة وتقطع السعال، وكأننا نرى الحمار الجاب الآن، والذي عرفنا عنه هدوءه ورزانته ورصانته.

اسمعوا فقط، هذا في مصيبة! الحمار الذي كان الرجل ليقول لك لن يأتي الشاعر ليقول لك الآن الحمار منفعل: «هيا اشربنا أيتها الأتن»، «يحشرجها طورا وطورا كأنما». وجاءت عبارة «يحشرجها» حالاً من الأول، إذا لم تفهم موقع البيت وأنه حال من البيت الذي سبقه لن تفهم الشعر.

«غدون له سعر الخدود كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز، أما هو يحشرجها طورا». هي تجري واستغاثت، والعيون من الرهب، وترتعد الفرائص، وكذا غدون له سعر الخدود كما غدت... هناك انفعال هذه المرة؛ الحمار والشاعر يعلمان أن ينبغي أن تعلم بدلالة هذا البيت ودلالة موقعه الإعرابي، أنه الحمار الذي كان رزيناً من قبل وكان هادئاً، الآن حتى تشرب بعد أن كان يدفعها عن الماء، الآن علم أنها لا بد وأن تشرب فصار يحشرجها طوراً وطوراً كأنما له بالرغامة والخياشيم جارز، يحثحثها: «اشربنا اشربنا».

هذا الجاب ناقة لبيد بن ربيعة، الذي يستنقذها من الهلاك الآن، كان قتودي فوق جاب مطرد، هذا الجاب الآن يحشرجها طوراً وطوراً كأنما له بالرغامة والخياشيم جارز. علمتم أن الشاعر لم يصنع البيت هكذا؟ علمتم كيف ينبغي أن يصنع الشعر؟ علمتم لماذا نحاول تقويم الشباب في هذا العصر لمثل هذا الشعر ويغضبون ويذهبون يسيئون ويسبون؟ لم نتكلم من فراغ، وإنما رأينا الشعر الذي صنعه أجدادهم العرب ونريد أن يصنعوا مثله، فيكون الجزاء السب والطعن، ونحن نريد لهم مثل هذا الخير.

نحن نريد شعراً يُدرس يا إخوة، يُدرس. «غدون له سعر الخدود كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز، يحشرجها طورا». الحمار واقف أو يجري معها، لكن يحشرجها طوراً وطوراً كأنما له بالرغامة والخياشيم جارز. عجب عجب! وترى هنا تعميماً للجارز ومدّه على القصبة والخياشيم، فيه امتداد لصوت السعال في هواء القصبة والخياشيم، يتقطع، تسمع التقطع في خياشيمه وفي صدره، طور يتردد بالتحرج وطور سعال يتقطع، لأنه أيضاً متعب معها، ولكنه الآن خرج من رزانته وصار بهذا الانفعال الذي تقطعت له أنفاسه وأصواته وتنوعت معه الأصوات، الآن يريدها أن تشرب لتبقي على حياتها.

رأيتم البيت بتأمله ودلالاته وموقعه الإعرابي كيف يأخذك من فهم كان هنا إلى فهم بعيد هناك في السماء؟ «ولما دعاها من أباطح واسط، دوائر لم تضرب عليها الجرائم». الأباطح جمع أبطح، وهو مسيل الماء الواسع الذي تكون أرضه من الحصباء، من الحصى الصغير، وهذا يجعل الماء أبرد ويجعله أنقى، الحصى الذي في الماء هو نفس الأبطح الموجود في قصيدة كعب بن زهير: «كأنه منهل بالراح معلول، شجت بذي شَبَبٍ من ماءٍ مَحْنِيٍّ صَافٍ أضحى وهو مَشْمُولُ».

فالأباطح جمع أبطح وهو مسيل الماء، الأرض الواسعة يسيل فيها الماء وتكون حصباء أو فيها الحصى. وكلمة «دوائر» هنا، المقصود بها غالباً والله أعلم دوائر الماء، لأنهم حاولوا أن يفسروها، لكن بدلالة السياق المقصود بها دوائر المياه كما يدل عليه ظاهر الكلام.

ولم تضرب، يعني لم تُنشأ، لم تُبنَ عليها، لم تُتخذ عليها، لم تضرب عليها الجرامز، والجرامز جمع جرموز، وهي الجرامز هنا البيوت الصغيرة، ويُراد منها بيوت الصيادين.

﴿وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ دَوَائِرُ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ﴾. محقق الديوان الدكتور صلاح الدين الهادي رحمه الله قال كلامًا في تفسير البيت، أقرؤه لكم أولًا لآكون أمينًا ثم أعلق عليه.

هذا ديوان الشماخ بن ضرار، هذا عندي من قديم، هذا الرقم كنت أضع به أرقام الدواوين الجاهلية للشعراء المذكورين في طبقات فحول الشعراء، رقم الطبقة التي هو فيها؛ هذا بخط يدي، كتبته منذ 15 عامًا تقريبًا، هو من الطبقة الثالثة في طبقات فحول الشعراء. محقق الديوان وشارحه بذل جهدًا حقيقيًا كبيرًا جدًا، بذل دكتور صلاح الدين الهادي جهدًا جبارًا في تحقيق الديوان.

يقول الدكتور في البيت: يريد "دعاها مياه" لم يُبنَ عليها، أي لم تُسكن، دعتها مياه. يعني هو جعل "دعاها" هذا الفعل جعله عاملًا في "دوائر" بالفاعلية، يعني جعل "دوائر" فاعل "دعاها"؛ لما دعاها دوائر من أباطح واسط. هذا كلام الدكتور رحمه الله، أن "دوائر" هنا مرفوعة على الفاعلية.

وهذا عندي مرجوح، بل بعيد عن الصحة، والله تعالى أعلم، وأقول ما عندي وفي الأخير الأمر، فكل بما رضيه عقله. هذا عندي مرجوح لأن الفاعل في "دعاها" هو الضمير العائد على ما عاد إليه الضمير في "يحشرجها"، طورًا ولما دعاها... وهناك كلام متصل وسبيكة كلام، فالضمير هنا يعود على الجاب، أي على الحمار الذكر، ونظام الكلام ومنطقه كما قلت يؤول إلى هذا أو يدعم هذا.

فهو هنا كان يحشرجها إلى الماء المتداني الذي عليه خطورة، ما زال عليه خطورة لأنها شربت موهنًا وكذا. وهنا لك أن تقف وتسأل بمناسبة: كيف غدون عليه وقلت موهنًا؟ كيف غدوا عليه وقلنا موهنًا نصف الليل؟ كيف ذلك؟ نشغل الدماغ.

أحسنت يا محمود علي، أحسنت. هذه التنقلات عند العرب يا إخوة تأخذ أيامًا وليالي؛ يعني هي غدوا عليه وشربوا منه أيضًا ليلاً، ويحتمل أيضًا أنها استغاثت، وعلى الترتيب الزمني الأصلي أنها استغاثت وشربت بليل ثم غدوا عليه مرة أخرى، ويحتمل أنها شربت منه ليلاً وغدوا له، غدوا بليل وغدونا له، ثم شربنا موهنًا من الليل، شربنا موهنًا مرة أخرى، يحتمل الصورتين. ولو قلنا غدوا أولًا فهذا على عكس الترتيب، ولو قلنا جاءت بليل وشربت موهنًا ثم غدوا، فهذا الغدو ثاني، فالأمر ليس فيه إشكال إن شاء الله.

فأقول هنا: نظام الكلام ومنطقه يؤول إلى هذا؛ هو يحشرجها للماء المتداني، كان يحشرجها للماء المتداني، أو للمتداني من الماء، وهنا يدعوها إلى الدوائر التي لم تضرب عليها الجرامز، يدعوها إلى الدوائر. إذا الرفع في "دوائر" هنا سيكون على الخبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هي دوائر؛ ولما دعاها من أباطح واسط. وكأنه سئل: لماذا هذه المرة دعاها هناك؟ يحشرجها طورًا وطورًا كأنما له بالرغام والخياشيم جارز.

بعد ذلك، ولما دعاها، فصار هناك اختلاف في الأسلوب، صار هناك اختلاف في نمط النداء، هنا دعاها فقط، يعني على الأصل هناك يحشرجها، وله جارز ما بين الحشرجة والسعال، فهذا أثار سؤالًا: ولما دعاها من أباطح واسط؟ وكأنه سئل: لماذا دعاها من أباطح واسط وما دوائر لم تضرب عليها الجرامز؟ أي هي دوائر لم تضرب عليها الجرامز؟ هذا ما أقف عنده.

لأن قوله: "ولما دعاها من أباطح واسط دوائر لم تضرب عليها الجرامز"، لو جعلنا "دوائر" فاعل "دعاها"، سيكون المعنى: دعاها دوائر لم تضرب عليها جرامزه. فما معنى أن يكون قد دعاها دوائر التي تضرب عليها جرامزه من أباطح واسط؟ لأنه بعد هذا يدل على طول المسير؛ لأنه قال بعدها: حذاها من الصيداء نعلاً طراقها... فاقبلها نجاد قوين... فاصبح فوق محام على عورات... فاصبح فوق النش نشز حمامة له مركض في مستوى الأرض بارز.

إذا كيف دعاها؟ إلا إذا كان يقصد أنها تعلمها ودعتها، كيف دعتها؟ هي تسير على هدى، ليس أنها تذكرت وكذا، نحن علمنا أنها على هدى. ولذلك قلت "دوائر" هذا استئناف في الكلام، و"دوائر" خبر لمبتدأ محذوف أي هي دوائر. ودعاها كما قلت كان يحشرجها، وكذا صار الآن يدعوها.

"أباطح واسط"؛ واسط اسم مكان، واسط اسم مكان غير واسط العراق التي عملها الحجاج، وهذه جديدة لم تكن في زمان الشماخ، إنما واسط هذه هناك عدة أماكن تسمى واسط في الحجاز، في أرض العرب، في الجزيرة العربية، في السعودية الآن، وهناك واسط الحجاز، وهناك عدة أماكن يقال فيها واسط على طول في كل مناطق أرض العرب. فقولك واسط بالحجاز صحيح، فهذه موجودة في كل مناطق شبه الجزيرة العربية يسمى بواسط، كما أحساء بالضبط؛ فهي صفة كما أحساء، والأحساء أيضًا أماكن متعددة للعرب، أحساء كثيرة كما قالوا، وكلها مياه أصلاً.

فالتقدير: هي دوائر، وهذا ما يقتضيه أول الكلام؛ لأنه لما قال: ولما دعاها من أباطح واسط، هذا القول ينهض العقل إلى استجلاء الفرق بين حشرجها بهذه الصورة النمطية الشديدة العسيرة وبين دعاها هذه المرة؛ دوائر لم تضرب عليها الجرامز، لم تُبنَ عليها البيوت هذه المرة.

ومعنى "أباطح واسط" يا إخوة واضح، أنه دعاها من قريب منها، ليس دعاها وهو فيها، أو تضمن معنى دعاها أنهم سيتحركون من أباطح واسط، والله تعالى أعلم. ولكن هذا الثاني لا يستقيم، وإنما دعاها من قال: دوائر لم تضرب عليها الجرامز، أو هو هنا هم في أباطح واسط، يعني كأنها شربت من دوائر لم تضرب عليها الجرامز هذه المرة.

لم تضرب عليها الجرامس، ولما دعاها من أباطح واسط، كأنه اختزل هنا أنها تحركت أيضًا نحو أباطح واسط وشربت منها ثم دعاها منها؛ لأن ما بعدها سير طويل، والله تعالى أعلم. يحشرجها طورًا وطورًا كأنما له بالرغام والخي ياشيم جارز، ولما دعاها من أباطح واسط.

نلاحظ أن قوله: دوائر، لم تضرب عليها الجرامس، هذا يشدنا إلى أول حركة للحمر في صدر القصيدة، في صدر القصيدة لما قال: ويممها من بطن ذروة رمه ومن دونها من رحرحان مفاوز عليها الدجا مستنشات كأنها هوادج مشدود عليها الجزاجز

كذلك في آخرها، فلما رأينا الماء قد حال دونه زعاف لدى جنب الشريعة كارز. أما هنا، ولما دعاها من أباطح واسط، دوائر يعني دوائر من الماء، بقع من الماء، مستنقعات من الماء، لم تضرب عليها الجرامس، يعني كأنه يشير إلى أنها بلغت ذلك وشربت منه والآن صار يدعوها، ففي الكلام اختزال شديد.

لا تصح هنا "من" بمعنى "إلى" في هذا السياق، على الأقل لا تصح، بل بينهما تضاد يا ولدي. طبعًا محتاج تقول نفس القصيدة: جاء جواب لمه حذاها من الصيداء حذاها من الصيداء نعلا طراقها حوامل الكراع المؤيدات العشاوز

ولكني أرهقت، أيها الإخوة بقي لنا ثمانية أبيات، أي في الأسبوع القادم إن شاء الله، نحن بلغنا البيت التاسع، والقصيدة في ستة وخمسين بيتًا، بقينا ثمانية أبيات. المجلس الثالث عشر نشرح أربعة أبيات، والأخير الرابع عشر نشرح إن شاء الله تعالى ثمانية؛ أربعة أبيات كذلك أربعة أبيات، ويتم الله تعالى لنا شرح القصيدة.

كنت سأشرح اليوم أربعة أبيات وأجعل الثلاثة في اليوم الأخير، لكنني أرهقت، يعني اليوم كان عندي مجهود. فأكرمكم الله تعالى ورضي عنكم، فنكتفي ونلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله. شكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، رضي الله عنكم، رضي الله عنكم، الله قدركم. الحمد لله وأنا استمتعت بالجلوس معكم أيضًا، الحمد لله. في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.