دخولتسجيل الدخول

الدرس 11 - الأبيات (٤١، ٤٢، ٤٣، ٤٤، ٤٥)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام، وهذا عود حميد إن شاء الله تعالى في شرح زائية الشماخ، الشرح المفصل المطول على زائية الشماخ بن ضرار؛ هذا مجلسنا الحادي عشر.

يا مرحباً، أهلاً وسهلاً بكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيانا، حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً. من حسن تقدير الله سبحانه وتعالى أيها الإخوة أن يأتي هذا الشرح متزامناً مع هذه الاستهانات والتصريحات غير المسؤولة التي صرح بها البعض، مثل مختار الغوث حول الشعر الجاهلي وحول قضايا إعجاز القرآن، فكشف بذلك عن حديثه بما لا يحسن أو بما لا يعلم وبما لم يحرر من الأصل.

حديث الدكتور الفاضل مختار الغوث هو حديث غير مسؤول، وحديث من يظهر أنه قرأ قدراً من القراءة ومن المادة، ولكنه خلا عن كل قدر من التحقيق ومن اتباع منهج أهل العلم في قراءة هذه المصنفات. وأنا رجل مشتغل بهذا الباب قدراً من عمري وأقضي فيه ما بقي منه إن شاء الله تعالى، وأعلم تماماً ما أقول.

الدكتور الفاضل مختار الغوث ينقل كلمات وبعض العبارات من مصنفات أهل العلم ويطرحها للناس، والناس يؤيدونها أوهاماً وأباطيل، وللأسف الشديد نحن الآن لسنا في زمان تستطيع فيه الأجواء الثقافية والبيئة الثقافية أن تحاسب المتكلمين، وتزن كلامهم، وتنزله منزلته، وإن كان الله تعالى قد أتاح لنا هذه الوسائل والوسائط المعروفة بالسوشيال ميديا، وهذه الأدوات المتقدمة كالذكاء الاصطناعي، فإنه من جهة أخرى وقع في الناس تعفن الدماغ وقلة الثقافة وقلة التحصيل وفقد مهارة التحقيق والمحاسبة.

فالحمد لله يأتي هذا الشرح ليبين حقيقة الشعر الجاهلي وكيف يفهم ويشرح. وهناك محاضرات ثلاث ألقيتها حول الشعر الجاهلي أضعها لكم في سلسلة واحدة إن شاء الله الليلة: حول منزع البيان في الشعر الجاهلي ونموذج للتفريق بينه وبين الأندلسي، وحول وقفات من هذه المادة الجاهلية وتطبيقات، وهذا الشرح يأتي ضمن ذلك، وإن كان بدا على غير قصد من هذا، لكن هذا من حسن تقدير الله سبحانه وتعالى.

عَفَى بَطْنُ قُوٍّ مِنْ سَلِيمٍ فَعَالِزِ فَذَاتُ الغَضَا فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاظِمِ نَفْسِهِ لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِزِ وَمَرْتَبَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الجَهْلِ حَاجِزُ وَعَوْجًا مِجَذٍّ وَأَمْرٍ صَرِيمَةٍ تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَابٍ مُطَرَّدٍ لَاحَتْهُ الجِدَادُ الغَوَارِزُ طَوَى ظَمَأَهَا فِي بَيْضَةِ القَيْظِ بَعْدَمَا جَرَتْ فِي عِنَانِ الشَّعْرِيِّينَ الإِمَاعِزُ فَظَلَّتْ بِمَيْؤُودٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُكًى نَوَاكِزُ لَهُنَّ صَلِيلٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ بِضَاحِي عُذَاتٍ أَمْرُهُ هُوَ ضَامِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا الوَرْدَ مِنْهُ صَرِيمَةً مَضَى وَلَاقَاهُنَّ خِلٌّ مُجَاوِزُ وَلَمَّا رَأَى الأَظْلَامَ بَادِرَهُ بِهَا كَمَا بَادَرَ الخَصْمَ اللَّجُوجَ المُحَافِزُ وَيَمَّمَهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رَمَّةٍ وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانٍ مَفَاوِزُ عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِتَاتٌ كَأَنَّهَا هُوَادِجٌ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الجَزَاجِزُ تَفَادَى إِذَا اسْتَذْكَى عَلَيْهَا وَتَتَّقِي كَمَا تَتَّقِي الفَحْلَ المُخَاضَ الجَوَامِزُ وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الأَرَاكِ عَشِيَّةً فَصَدَّتْ وَقَدْ كَادَتْ بِشَرْجٍ تَجَاوُزُ وَهَمَّتْ بِوِرْدِ القِنْتَيْنِ فَصَدَّهَا حُوَامُ الكُرَاعِ وَالقِنَانُ اللَّوَاهِزُ وَصَدَّتْ صُدُودًا عَنْ ذَرِيعَةِ عَثْبٍ وَلَابْنَيْ غَمَّارٍ فِي الصُّدُورِ حَزَائِزُ وَلَوْ ثَقَفَاهَا دَرَجَتْ مِنْ دِمَائِهَا كَمَا جَلَّلَتْ نَضْوَ القِرَامِ الرَّجَائِزُ وَحَلَّاهَا عَنْ ذِي الأَرَاكَةِ عَامِرٌ أَخُو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّوَاحِزُ قَلِيلُ التِّلَادِ غَيْرُ قَوْسٍ وَأَسْهُمٍ كَأَنَّ الَّذِي يَرْمِي مِنَ الوَحْشِ تَارِزُ مُطِلًّا بِزُرْقٍ مَا يُدَاوَى رِيحُهَا وَصَفْرَاءَ مِنْ نَبْعٍ عَلَيْهَا الجَلَائِزُ تَخَيَّرَهَا القَوَّاسُ مِنْ نَبْعٍ ضَالَّةٍ لَهَا شَذَبٌ مِنْ دُونِهَا وَحْوَ حَوَاجِزُ نَمَتْ فِي مَكَانِهَا فَاسْتَوَتْ بِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَيَنْغَلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ فَانْحَى عَلَيْهَا ذَاتُ حَدٍّ غَرَابِهَا عَدُوٌّ لِأَوْسَاطِ العِضَاةِ مُشَارِزُ فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ فِي يَدَيْهِ رَأَى غِنًى أَحَاطَ بِهِ وَازْوَرَّ عَمَّنْ يُحَاوِزُ فَمَضَعَهَا عَامَيْنَ مَاءَ لِحَائِهَا وَيَنْظُرُ مِنْهَا أَيُّهَا هُوَ غَامِزُ أَقَامَ الثَّقَافُ وَالطَّرِيدَةَ دُرَّهَا كَمَا قُوِّمَتْ ضَغْنَ الشُّمُوسِ المُهَامِزُ فَوَافَى بِهَا أَهْلَ المَوَاسِمِ فَانْبَرَى لَهَا بَيْعٌ يُغَلِّي بِهَا السَّوْمَ رَائِزُ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَشْتَرِيهَا فَإِنَّهَا تُبَاعُ بِمَا تَبِيعُ الحَرَائِزُ؟ فَقَالَ: أَزَارٌ شَرْعَبِيٌّ وَأَرْبَعٌ مِنَ السِّيرَاءِ أَوْ أُوَاقُ النَّوَاجِزُ ثَمَانٍ مِنَ الكِيرِي حُمْرٌ كَأَنَّهَا مِنَ الجَمْرِ مَا ذَكَّى عَلَى النَّارِ خَابِزُ وَبُرْدَانُ مِنْ خَالٍ وَتِسْعُونَ دِرْهَمًا وَمَعْ ذَاكَ مَقْرُوضٌ مِنَ الجِلْدِ مَاعِزُ فَظَلَّ يُنَاجِي نَفْسَهُ وَأَمِيرَهَا آتِي الَّذِي يُعْطَى بِهَا أَمْ يُجَاوِزُ؟ فَقَالُوا لَهُ بَايِعْ أَخَاكَ وَلَا يَكُنْ لَكَ اليَوْمَ عَنْ رِبْحٍ مِنَ البَيْعِ لَاهِزُ فَلَمَّا شَرَاهَا فَاضَتِ العَيْنُ عَبْرَةً وَفِي الصَّدْرِ حَزَازٌ مِنَ الوَجْدِ حَامِزُ وَذَاقَ فَأَعْطَتْهُ مِنَ اللِّينِ جَانِبًا كَفَى لَهُ أَنْ يَغُورَ السَّهْمُ حَاجِزُ إِذَا انْبَضَّ الرَّامُونَ عَنْهَا تَرَنَّمَتْ تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا الجَنَائِزُ هَتُوفٌ إِذَا مَا خَالَطَ الظَّبْيَ سَهْمُهَا وَأَرْغَ مِنْهَا أَسْلَمَتْهُ النَّوَاكِزُ كَأَنَّ عَلَيْهَا زَعْفَرَانًا تَمِيرُهُ خَوَازِنُ عَطَّارٍ يَمَانٍ كَوَانِزُ إِذَا سَقَطَ الإِنَاءُ صِينَتْ وَأُكْرِمَتْ حَبِيرًا وَلَمْ تُدْرَجْ عَلَيْهَا المَعَاوِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا المَاءَ قَدْ حَالَ دُونَهَا زُعَافٌ لَدَى جَنْبِ الشَّرِيعَةِ كَارِزُ شَكَكْتُ بِإِحْسَاءِ الذُّنَابِ عَلَى هُدًى كَمَا تَابَعَتْ سَرْدَ العِنَانِ الخَوَارِزُ وَلَمَّا اسْتَغَاثَتْ وَالهَوَادِي عُيُونُهَا مِنَ الرَّهْبِ قَبْلُ وَالنُّفُوسُ نَوَاشِزُ فَلَقَتْ بِأَيْدِيهَا وَخَاضَتْ صُدُورُهَا وَهُنَّ إِلَى وَحْشِيَّةٍ كَوَارِزُ نَهُنَّ بِمَدَانٍ مِنَ المَاءِ مُوهِنًا عَلَى عَجَلٍ وَلِلْفَرِيسِ هَزَاهِزُ غَدَوْنَ لَهُ سَعْرَ الخُدُودِ كَمَا غَدَتْ عَلَى مَاءِ مَيْؤُودٍ الدِّلَاءُ النَّوَاهِزُ يُحَشْرِجُهَا طَوْرًا وَطَوْرًا كَأَنَّمَا لَهُ بِالرَّغَامَى وَالخَيَاشِيمِ جَارِزُ وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ دَوَائِرُ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الجَرَامِزُ حَذَاهَا مِنَ الصَّيْدَاءِ نَعْلَ طِرَاقِهَا حُوَامُ الكُرَاعِ المُؤَيَّدَاتُ العَشَاوِزُ فَأَقْبَلَهَا نِجَادٌ قَوِيٌّ وَانْتَحَتْ بِهَا طُرُقٌ كَأَنَّهُنَّ نَحَائِزُ حَدَاهَا بِرَجْعٍ مِنْ نَهَاقٍ كَأَنَّهُ بِمَا رَدَّ لِحَيَاهُ إِلَى الجَوْفِ رَاجِزُ فَأَوْرَدَهُنَّ المُورُ مُورَ حَمَامَةٍ عَلَى كُلِّ أَجْرِيَائِهَا هُوَ رَائِزُ يُكَلِّفُهَا طَوْرًا مَدَاهُ إِذَا الْتَوَى بِهِ الوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ المَجَاوِزُ مَحَامٍ عَلَى عَوْرَاتِهَا لَا يُرَوِّعُهَا خَيَالٌ وَلَا رَامُ الوُحُوشِ المَنَاهِزُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ النَّشْزِ نَشْزُ حَمَامَةٍ لَهُ مَرْقَدٌ مُسْتَوِي الأَرْضِ بَارِزُ وَظَلَّ التَّفَالِي بِالِي فُأً كَأَنَّهَا رِمَاحٌ نَحَاهَا وَجْهُهُ الرِّيحُ رَاكِزُ

تمت القصيدة أيها الإخوة في 56 بيتاً، وهذه من عيون شعر العرب. وإن كان الشماخ شاعراً مخضرمًا جاهليًا إسلاميًا، فهذه القصيدة جاهلية صرفة. شرحنا إلى البيت الأربعين: «إِذَا سَقَطَ الإِنَاءُ صِينَتْ وَأُكْرِمَتْ حَبِيرًا وَلَمْ تُدْرَجْ عَلَيْهَا المَعَاوِزُ».

أذكركم بأن هذه نجاة من النجاة، نجت مرة: «وَيَمَّمَهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رَمَّةٍ وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانٍ مَفَاوِزُ عَلَيْهَا الدُّجَى»، ونجت مرة ثانية.

ومرت بأعلى ذي الأراك عشية فصدت، وقد كادت بشرج تجاوزه. ونجت مرة ثالثة وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز. ونجت رابعة وصدت سدوداً عن ذريعة عثب، ونجت الخامسة وحلاها عن ذي الأراك عامر.

وفي هذا الطول وهذا الحدث التاريخي في وصف الشعر أو في وصف القوس، أريد أن أقف وقفة؛ طول النفس يا إخوة، طول النفس في الشعر هذا الذي نفتقده الآن إلى الآن، إن شاء الله يصلح، لكن نفتقده الآن حتى عند الشعراء المجيدين. رأيتم كل هذا الوصف للقوس هو نجاة من النجاة؛ النجاة الخامسة من نجاتها، و"وحلاها" تسبقها "وصدت صدوداً" يسبق ذلك "وهمت بورد القنتين" يسبق ذلك "ومرت بأعلى ذي الأراك" يسبق ذلك.

يممها من بطن ذروة رمة، ثلاثة أبيات: «يممها من بطن ذروة رمة * عليها الدجى مستنشات»، تفادى إذا استذكى ثلاثة أبيات، ثم «ومرت بأعلى ذي الأراك» بيت، ثم «وهمت بورد القنتين» بيت، ثم «وصدت صدوده عن ذريعة عثب» بيتان: «وصدت صدوده عن ذريعة عثب * ومن دونها ولابني غمال»، «في الصدور حزائزه ولو ثقفاها درجت» بيتان، ثم «وحلاها عن ذي الأراك عامر» إلى البيت الأربعين.

إذا سقط الآن، هذا ما نجت منه، ثم يقول الشاعر: «فلما رأينا الماء قد حال دونه * زعاف لدى جنب الشريعة كارز». هذا البيت الواحد بعد الأربعين شهادة صريحة جلية على منهج العرب في بناء القصيدة على طول النفس. الشاعر الشماخ بن الضرار يقول لك: «فلما رأينا الماء»، وكأنه أخذك من البيت الثامن عشر إلى البيت الأربعين، من البيت الثامن عشر إلى البيت الثالث والعشرين، يا إخوة معروف أبيات القوس ثلاثة وعشرون بيتاً، عادي، "وحلاها عن ذي الأراك عامر" في البيت الثامن عشر، ودخل في قضية القوس وتوارث القوس وصناعة القوس إلى أن انتهى بالبيت الأربعين.

خلاص، وقال: «إذا سقط الآن أصنت وأكرمت حبيراً ولم تدرج عليها المعاوز»، «فلما رأينا الماء قد حال دونه». طبعاً أنتم الفيسبوكيون والتويتريون، أو الـ "إكس"، عقلكم قصير هكذا، الإخوة مواليد الفيسبوك، عقرهم ريلز، ريلز قد كده، ما يلحقون. سأقول له: هو من الذي «رأينا الماء»؟ «فلما رأينا الماء» الشماخ بن الضرار، ليس له علاقة، يقطع بك سنوات ضوئية بالقصيدة، ثلاثة وعشرون بيتاً في معيار الشعر سنة ضوئية، سنتين ضوئيتين، وفي الأخير: «فلما رأينا الماء قد حال دونه زعاف».

من الذي «رأينا الماء»؟ يا أيها الشاعر أين ذكر الماء؟ ما أنا قلت لك في البيت الثامن عشر: «وحلاها عن ذي الأراك عامر»، لكنك قطعت به إلى البيت الأربعين في القوس وتوارث القوس. قطعت ذهني عن الكلام، لم ينقطع، لماذا تقطعه؟ هو من أين قطعته؟ أنت الذي لم تفهم، أنت الذي لم تفهم!

خلاص، «فلما رأينا الماء» هذا الذي لم يفهمه المستشرقون العجم، قالوا القصيدة العربية مفككة، تخيلوا الإجرام في حق الشعر العربي! بهذا الاتصال بالفاء وكأن شيئاً لم يقع، وكأنه لم يقطع ثلاثة وعشرين بيتاً، «فلما رأينا الماء»، ثم يقولون لك القصيدة الجاهلية مفككة، عرفتم ما هي المفككة؟ دماغه، دماغ المستشرق أو الأعجمي هذا. انظروا إلى الصلة، انظروا إلى طول النفس عند الجاهلية. أنا الآن أدعي؟ أخبروني هل أنا الآن أدعي في الشعر شيئاً؟ الرجل يتكلم، الشاعر: «فلما رأينا الماء»، «وحلاها»، «فلما رأينا الماء».

صح يا دكتورة شيماء، «فلما رأينا الماء قد حال دونه» في البيت الأول بعد الأربعين، وفي البيت الثامن عشر «وحلاها عن ذي الأراك عامر». أنا ذنبي ماذا؟ هل الناس مخها قصير؟ ذنب الشاعر ماذا؟ أنا لا أدعي، هل أقول القصيدة الجاهلية متماسكة هكذا بالقوة؟ ليس بالقوة، بل بالدليل، «فلما رأينا الماء» صريح القصيدة، لما أطال في هذا ذكرت أنا، ولما أطال راجع الشروح. أنا ذكرت لماذا أطال، ذكرت هذا جيداً وفصلته، ارجع إلى المسجل، حبيبنا الشيخ خالد الدبيخي، شفت يا مولانا؟ عرفت ماذا التي مفككة يا مولانا؟ دماغهم مفككة، رأسهم مفكك، رضي الله عنك يا سيدي.

«فلما رأينا الماء قد حال دونه * زعاف لدى جنب الشريعة كارز». يا إخوة بالزاي "زعاف"، و"زعاف" يعني قاتل شديد القتل. وقالوا الأصل بالذال وأبدل منه، كيف؟ قالوا الأصل "ذعاف" بالذال، والعرب تقول كذلك "زعاف" بالزاي على الإبدال.

«لدى» يا إخوة قالوا إنها بمعنى "عند"، وهذا تفسير للتقريب، ولكن "لدى" أشد في التلبس من "عند"، لما تقول "كنت عند بيتك" بخلاف ما تقول "كنت لديك" أو "لدى بيتك"، "لدى" يدل على شدة التلبس، على قوة التلبس.

نعم، الله يرضى عليك يا شيخ خالد، رضي الله عنك ورفع قدرك يا سيدي، "لدى" أشد. فقلت: «يمين الله أبرح قاعداً * ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي»، "لديك" يعني بين يديك، هكذا عندك بجوارك بالقرب منك، مع قرب شديد. فـ "لدى" أشد تلبساً يا إخوة.

ونعود لقول امرئ القيس: «فجئت وقد نضت لنوم ثيابها * لدى الستر». وأنا أقول "لدى" متعلقة بـ "جئت"، وقوله "وقد نضت لنوم ثيابها" جملة اعتراضية، يعني "فجئت لدى الستر وقد نضت لنوم ثيابها". والستر هنا هو الغرفة المفصولة للفتاة التي لا يدخلها حتى محارمها. فيقول "لدى الستر"، جئت لدى الستر، ولا تتعلق بنضت ثيابها، لأننا لا يمكن أن نقول إنها نضت ثيابها لدى الستر، فالفتاة تخلع ثيابها في سترها، فلا فضل في تلبسها بخلع الثياب في داخل سترها. إنما لو علقتها بـ "جئت"، يعني "جئت لدى الستر وقد نضت أو نضت لنوم ثيابها"، هذا هو المؤثر.

فهمتم؟ ولذلك أنا أقول "فجئت" أفسرها بتعليق "لدى" بـ "جئت"، العامل في "لدى" هو الفعل "جئت"، فجئت لدى الستر وقد نضت أو نضت لنوم ثيابها. المهم الآن أن تفهموا أن "لدى" أشد من "عند"، لكن تجدون في الشروح تفسير "لدى" بعدها.

والحقيقة أن لدى أشد تلبسًا. والشريعة هي مورد الشاربة، والشريعة ومنه سميت الشريعة عندنا يا إخوة؛ الشريعة الإسلامية سميت شريعة؛ لأننا نأخذ منها ونردها ونحتكم إليها ونتزود منها. وهذه هي، ومنه الشارع نسميه الشارع، كما في مصر الشارع، والشروع في الشيء، فالشارع هو الذي بدأ فيه وسلك فيه.

الشريعة هي مورد الشاربة، وكارز يعني كامن مستخف، كامن مستخف هذا معنى كارز؛ فاعل أي كامن مستخف. «فلما رأينا الماء قد حال دونه، زعاف لدى جنب الشريعة كارز». هذا البيت يا إخوة يناظر به من قبل: «ومرت بأعلى ذي الإراك عاشية، فصدتها إذا يناظر فصدها، وهمت بورد القنتين فصدها». حوام الكرعي خلاص، ويناظر وصدت، وصدت صدودًا عن ذريعة عثلبة.

لكن طبعًا بالنظر إلى البيت التالي كذلك، شككنا بإحسان الذناء؛ يعني من أول هذا البيت نجاتها كما في «فصدت فصدها» و«صدت صدوده» خلاص، ولكن الشاعر هنا الشماخ بن ضرار قصد قصدا إلى التضمين، وهذا من حسناته. المتأخرون يحبون التسهيل، فمما سلكوه في ذلك أن يكون البيت دائماً وحدة مغلقة في المعنى نفسه، في تمام المعنى النحوي. أما المتقدمون الجاهليون الكبار ومن بعدهم أيضًا أحيانًا يضمنون بقصد فني؛ لأنهم يريدون أن يأتوا لك بوحدة معنوية يتعلق بها ما بعدها، ولكن ما بعدها يعتمد عليها مع كون الأولى مخيلة كذلك: «فلما رأينا الماء قد حال دونه، زعاف لدى جنب الشريعة كارز». ماذا فعلت وقد رأت زعافًا لدى جنب الشريعة كارزًا؟ فهمتم؟ فهو قصد هنا إلى التضمين.

«فلما رأينا الماء قد حال دونه»، دون الماء دون سبب الحياة زعاف لدى جنب الشريعة كارز. الضمير هنا يعود على الأتان التي صارت الأفعال تنتسب إليها، لماذا؟ يعني هو قال مرة يمها من بطن ذروة رمه، وخلصنا في الأول، ولكن لما رأى الإظلام بادره بها، ثم يمّمها من بطن ذروة رمه، بعد ذلك كل الأفعال لها: «فصدت»، «وقد كادت بشرج تجاوز»، «فصدها»، الكلام عنها أيضًا: «فصدها حوام الكرعي والقنان اللواهز»، «وصدت هي صدودًا عن ذريعة عثلبة». الحمار هنا غير موجود، الحديث صار عن الأتان التي يشتد بها العطش خلاص، وصار الشاعر يذكرها دون الجاب، مع أن الأفعال الأصلية للجاب أصلاً هي صدت، هو صدها أصلاً، هو حلقها عن ذي الإراك، هو حلقها أصلاً.

يعني هو حلق، ولكن الجاب هنا علمنا منه الصبر وعلمنا منه القيادة، وصار الحديث يدور في قطب الأتان التي يتحمل الجاب مسؤوليتها، والجاب هو الذي تشبه به الناقة، فالشاعر يحدثك عن المسؤوليات والإغراءات والضغوط. «فلما رأينا الماء قد حال» كل هذا عن الجاب أصلاً هو المتحكم، ناقته المتحكمة، كان، لا تنسى، كان قتول البيت الرابع من القصيدة: «كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب، لاحته الجداد الغوارز، تواظمها». إلى أن وصلنا هنا، لا تنسى هذا؛ فالضمير يعود على الأتان التي صارت الأفعال تسند إليها وتنسب إليها لأنها هي التي يشتد بها العطش، فصار الشاعر يذكرها دون الجاب الذي علمنا منه الصبر والتوجيه، صارت مشكلة الضغوط والمسؤوليات والإغراءات ليست مشكلة الناقة، أقصد الجاب، والناقة تمثل صاحبها الشاعر. فهمتم الشعر الجاهلي ودقته؟

عندنا تاريخ من العبقرية البيانية. لا تسألني ما الذي جرى بعد ذلك، أشياء كثيرة ربما تحتاج إلى جهود الدارسين، لكن أنا أرى فرقًا كبيرًا؛ الحاصل نراه جميعًا بالنظر المجرد: كيف كنا وكيف أصبحنا؟ ماذا كنا عليه وماذا أصبحنا عليه أو صرنا إليه؟ كيف حصل؟ لا أنشغل بهذا بقدر ما أنشغل بالإصلاح؛ كيف وقع حتى لا يتكرر هذا، لابد من دراسته ولا بد من معرفته ولو إجمالًا. وأنا أعرفه، أتطلع إليه إجمالًا، أشياء كثيرة جدًا حصلت في الأمة، أشياء كثيرة جدًا يختلط فيها أسباب تتداخل، منها اختلاط الأمة بالعجم وهذا من أسباب السياسة أصلاً؛ بني العباس استعانوا، بنو العباس حولوا الدولة إلى فارسية تقريبًا، الدولة تحولت إلى فارسية، وجود كبير في اللغة والبيان والسلطة وتداخلت الأمور وضعفت اللغة. ومن قبل مارست بنو أمية سياسة شجعت الشعوبية وجعلتها تغلي تحت السطح ولم تمتصها كما كان في صدر الإسلام، وفارسية ومن بعدها تركيا والمملوكية والايوبية والأكراد، هذه أسباب منها أسباب سياسية.

وهي جحوشية؛ كثير من الذين يعرفون بالخلفاء جحوش، لا تستغرب، جحوش، أنت تحسب أن الملوك كانوا يفهمون الشعر؟ روى أبو القاسم، وخذوا هذه الجملة الطريفة وانقلها لكم بنصها عن لسان المتنبي. روى أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني، عن أبي الحسن علي بن محمد البديهي البغدادي، وكان من معاصرة أبي الطيب المتنبي من القرن الرابع، وأيضًا أبو القاسم الأصفهاني من القرن الرابع صاحب كتاب الواضح في مشكلات المتنبي؛ روى أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الأصفهاني عن أبي الحسن علي بن محمد البديهي البغدادي أن أبا الطيب المتنبي قال -وهو بالرجاء-: «الملوك قرود».

هذا أشهر مادح في التاريخ للملوك قال: «الملوك قرود، يشبه بعضهم بعضًا، لا على الجودة يعطون». هذه قوله المتنبي بحرفها كما نقلها البديهي: «الملوك قرود، يشبه بعضهم بعضًا، لا على الجودة يعطون». فإذاً أين ذهبت اللغة؟ ما الذي حصل؟ من أول زمان المتنبي يخبر أنهم قرود، كيف كنا في الجاهلية؟ يقول لك أبو قيس يدعو إلى الجاهلية، أنا الصراحة في اللغة، كيف كنا في الجاهلية؟ كان الذي يتكلم أمام ملك الحيرة هو الأستاذ المحكم في سوق عكاظ، النابغة الذبياني.

النابغة الذبياني، نعم، لم يكن ممدوحوهم النعمان بن المنذر أو غيره أو من قبله، عمرو بن هند، لم يكونوا طبعًا كالشعراء وأهل العلم بالشعر في الجاهلية، لكن لم يكونوا كالقرود الذين جاؤوا بعدهم أيضًا في فهم اللغة. تكلم عن اللغة، يا أبو قيس عمرو بن لحي هذا العصر كما قالها بعضهم، عمرو بن لحي هذا العصر يدعو إلى الجاهلية، أتكلم عن الشعر والبيان، والحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، إنما تحدث عن الشعر والبيان، نعم لم يكونوا كالقرود الذين جاؤوا بعدهم. محمد بن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء أتى بأبيات تنسب للملبد بن ربيعة أو للنابغة الذبياني وتروى بين يدي الملوك، يقول: «والملوك لا تستقصي».

يقول ابن سلام: «والملوك لا تستقصي الملوك لا يهمها». تحققت الأبيات لمن؟ لمن لا يهمها؟ عجباه وخلاص. هل يهمه إلى من تنسب؟ ولا شيء من هذا.

فهكذا وصلنا، هذا البيان ما الذي أثر معه؟ هذا الشعر الجاهلي أيها الإخوة، وهذا عمق الشعر الجاهلي والإشارة في الشعر الجاهلي. ما الذي حصل؟ أشياء كثيرة جدا، ونحن الآن نحيي هذه العصور المزدهرة إن شاء الله. ولهذا، أحسنت يا أضواء، وجياد البحتري لم يفهمها المتوكل، صح؟ صرح بهذا القاهر، قال المتوكل: «أعجب بالتافه من شعر البحتري». قال البحتري: انحط له في نصوص حتى يفهمها؛ يعني البحتري تفّه في بعض النصوص حتى تعجب المتوكل، ومن هو المتوكل؟ هو الخليفة العباسي، المتوكل القرشي في زمن العباسيين، ينحط له البحتري حتى يفهمه.

نعم، صحيح مولانا صحيح. الدنيا خربت من قديم، ونحن نحتاج إلى نهضة جديدة، ولهذا النهضة الجديدة لا تحتمل طبطبة وتدليع. الإخوة الذين يطبطبون ويدلعون، هذه الطبطبة والدلع التي يتكلم بها البعض لا تصح مع نهضة قوية تحتاج إلى مجابهة، تحتاج إلى لين وسياسة، لكن تحتاج أيضاً إلى جانب مجابهة يصدع بالكلمة؛ يقول للتافه: أنت تافه، الزم حدك، قف هنا.

لسه سنطبطب وندلع؟ نحن نخرج من تحت أنقاض يا إخوة، أنقاض منذ قرون. وها أنتم رأيتم الآن، لم يؤرخ أحد الآن لحركة البارودي وشوقي من بعده، ثم حركة الديوان؛ أين أثرها الآن؟ انتهت. لماذا؟ لأنها استنزفت في معارك داخلية، ولأنها لم تؤسس جيداً، ولأنها لم تُرعَ ولم تكن لها دوافع ذاتية من الأشخاص؛ مات أصحابها، حتى أصحابها لم يكونوا مقاتلين على القدر الكافي في أكثر الحركة.

هذا تاريخ لا بد أن نقوله ولا بد أن نتكلم فيه. بدأ البارودي في القرن التاسع عشر، أين حركة البارودي الآن؟ أين حركة شوقي الآن؟ شوقي الذي صار في ذاكرة التاريخ. الآن صارت مصر -أسمع غير المصريين يقولون لي مصر- عندكم هشام الجخ وأحمد بخيت، والفرق طبعاً بين الاثنين. أين امتداد شوقي؟ أين امتداد محمود حسن إسماعيل؟ أين امتداد علي محمود طه؟ أين امتداد زكي أبو شادي؟ هذه المدارس وقعت، لم تكمل، تبددت. لماذا؟ فقدت كثيراً من الخصائص والمقومات التي ينبغي أن تتحقق في الدعوة حتى تستمر، منها التحقيق الشديد والمبادرة والمجابهة.

المبادرة ليست أن تنتظر، بل أن تبادر، وأن تضع الفساد في حد الدفاع عن نفسه، وليس أن تبدي معتذراً؛ لا، الفساد أنت فاسد، الهبوط أنت هابط، قم انهض. استمر ما أنت فيه، عليك المعول. أنت فاسد، ويتكلم في نصك ويكشف مستواك ويقال لك: أنت لست شاعراً، انتهى هذا. هذه مقدرات أمة.

لماذا لا نجد مثل هذه القصيدة بين أيدينا الآن؟ بسبب الساكتين. كثير من رجال العلم والفضل الآن، أعرفهم شخصياً، لما أجلس معهم يقولون: نوافقك في كل شيء وفي الحركة وتمام، بس نحن لسنا قادرين على هذه المواجهات. أعتذر، أو أتكلّف قبول العذر، أتكلّف قبول العذر لكن لا أراه عذراً على طول الخط؛ قد يكون هناك استثناءات لكن كقاعدة لا. ولهذا لأجل إعادة هذا الكلام لا بد من المجابهة؛ الملاطفة لا مجال لها، المساومة لا مجال لها، الخطأ خطأ.

طالما كان عندنا البراهين والمناقشة والقدرة، نصدع بالكلمة، لماذا أنتظر؟ أنت خطأ، نصك تافه، أسلوبك أو طريقتك التي ارتضيتها ليست متسقة. العربية لا تتسع لهذا الاتساع، العربية لها العربية، حادة جداً في قضية البيان. اقرأوا كل ما طبع من كتب النقد، ها هي أمامي أمطار من الكتب قرأتها جميعاً، وأقرأها وأعيش معها، كل النقاد حديثهم في البيان، كل عندهم العربية فيها شرط حاد في البيان العالي. هذه البدعة المنتشرة الآن أن العربية واسعة؛ لا والله، الواسعة هي دماغك ورأسك، وليست العربية. يقول لك العربية واسعة والأذواق... ولولا اختلاف الأذواق لبارت السلع. خلاص، كله عربية واسعة لكل شيء؟ لا والله، العربية شديدة التضييق في مجال البيان، لا بد للشعر من بيان.

وحذروا تحذيراً شديداً أن يقول الإنسان شعراً وهو لا يتأكد من كونه شاعراً. وحذر الجاحظ قال: «إذا تشجعت وتجشمت وكتبت قصيدة إياك أن تنتحلها»، يعني إياك أن تقول هذه لي، لكن اعرضها على أهل الفن، فإن عرضت كلاماً آخر فانظر إذا تطلعوا إليها وجحظت أعينهم عندها، فانتحلها، وإن وجدت خلاف ذلك اصمت كأن شيئاً لم يكن، أنا ما قلت شيئاً.

وكثرة المخالفين لنا والمتهمين بالتشدد لا تفل في عضدنا، ولا تفل عزمنا، ولا تهز منا شعرة. ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَا الْمَاءَ قَدْ حَالَ دُونَهُ زُعَافٌ لَدَى جَنبِ الشَّرِيعَةِ كَارِزٌ﴾. تأمل هنا، كيف جعل سبب الموت موتاً؟ نعم، أحسنت يا جاسر، سررتني وسئتني.

شفت الكلام؟ أخوكم جاسر يحكي عن قصة مروان بن أبي حفصة لما ذهب إلى يونس بن حبيب، وفي رواية إلى الأصمعي، وقال له: اسمع مني قصيدتي، فإن أذنت لي نشرتها، فإني أرى أناساً... وقال له: والناس يخدعون على أشعارهم، وقال: إني أرى أناساً ينشرون أشعاراً، لأن يكشف أحدهم سواته ويمشي هكذا في الطريق خير له من أن ينشر مثل هذا الشعر. فلما سمعها منه قال: إنك والله أشعر من الأعشى إذ قال كذا وكذا. فقال له مروان بن أبي حفصة: «سررتني وسؤتني»، أما سررتني فلأن الشعر أعجبك، وأما سؤتني فلأنك رفعتني على الأعشى وأنت تعرف مكانه. هنهزر؟ هذا الأعشى! شوف الدقة في الكلام.

الآن لو قلت له: والله قصيدتك هذه من المعلقات وأنت شاعر هذا العصر، سيفرحون وينتحلون هذه الألقاب، ويتدرعون بالعامة. هؤلاء الأبقار التي تلوك الحروف بألسنتها، يسعدون بالرداء والعامة -تخيلوا يستشهدون بالعامة- ولما انتقدنا ذلك بأن الجمهور العامي ليس معياراً في الشعر، وهذا باتفاق العقلاء وجميع النقاد عبر التاريخ، قال لك: الجمهور هذا أهم معيار للشاعر. والله صدقته، أنا طبعاً أتفق مع الكلام، لا شك، مفهوم، يقول لك الجمهور هذا أهم معيار، والثاني يرد عليه...

يقول له: ما رأيك في معيار الجمهور في الحكم للشاعر الآخر؟ يقول له: هذا أهم معيار، اضرط! البلد التي لا أحد يعرفك فيها، اضرط! يقول لك هذا أهم معيار. لا، طالما لبست كرافتة وبدلة وعملت كذلك، فهذا أهم معيار. صح كده؟ اضرط في البدلة، اضرط في البدلة يا حبيبي، هذا أهم معيار.

كانوا يعلمون أن القصيدة إذا سارت في العامة وأعجبت بها العامة، أنها نازلة. نصوص لا تحصى عن القدماء في هذا، وحسبكم نص أبي العتاهية: «اعلم أن كل ما قلته رديء»، ولكن الفقهاء والعامة والزهاد وكذا يعجبهم هذا. وأعجب شيء إليهم ما فهموه، لأنهم فهموه. قال: أما الشعر العالي فهو ما كان كبشار كالقدماء، وكبشار وأبي نواس والفحول الكبار. وقال: وأما هذا الشعر في الزهد، فهو كما العوام وأهل الحديث والفقهاء وكذا، هؤلاء أحب شيء إليهم وأعجب شيء إليهم، يعني يعجبهم ما فهموه.

هذا هو النقاد، يعلمون، وأهل العلم يعلمون ما الشعر العالي. العامة إذا انتشرت القصيدة فيهم، فهذا دليل على أنها ليست... ما انتشرت في مصر نص أو قصيدة أخينا الكريم الأستاذ مصطفى الجزار: «كفكف دموعك وانسحب يا عنترة، فدموع عبلة أصبحت مستعمرة». وهذا ليس نصاً أصلاً، غلط، ليس شعراً، غلط في الدلالة أصلاً، وأول بيت لا يدل على معنى. يعني ماذا؟ كفكف دموعك وانسحب يا عنترة فعيون عبلة أصبحت مستعمرة، يعني هي عبلة سيئة؟ يعني عيونها طمعت؟ ولا هم احتلوا عيونها؟ لا تفهم الكلام لأنه يتعاطف مع عبلة ويأتي في كلام يُفهم منه ضد النص من أول بيت، دلالته مضطربة والنص كله تافه وشاع في الناسك.

يا سلام! لأن في مرة كان واحد يقرأ علي التحفة والجزرية، يعني يتلقى التحفة ويضبط التحفة سماعاً، فجاء إلى: فجاء إلى: «صَفَّ ذُبى ثَنَا كَم جَادَ شَخصٌ قَد سَمَى... دَمًا طَيِّبًا زِد فِي تَقَنُّضِ ظَالِمٍ أَوْ طِبْ ثُمَّ سُرَّ رَحِمًا تُفْسِدُ دَفْضَى... نَعَمْ دَعَسَ أظُنَّ زُرْ شَرِيفًا لِلْكَرَمِ». قال له: يا سلام على الشعر! قله: ليس الشعر. قال: لا، شوف المعاني. قله: ما فيش معاني، ما فيش شعر، لكن أي حاجة حلوة. فهمتوا؟

قضية الجمهور، كل القدماء لم يكونوا كذلك. الكميت ذهب إلى الفرزدق: «أفتني في الشعر»، والأحوص ذهب إلى الأصمعي وأبي يونس بن حبيب: «أفتني في الشعر». كل يذهب إلى شخص: «أخبرني في شعري، أخبرني في شعري». لأنها قضية خطيرة أن تخرج بنص. إنما هؤلاء التافهون يخرجون بما يسيء لهم، ثم يريدون أن يؤصلوا التفاهة التي هم عليها بأن يتكلموا كأنها من أصول النقد، فيفتضحون لأن الجماهير صارت تفهم الآن، الجماهير صارت تفهم بحمد الله.

انظر هنا في البيت يقول: «فلما رأينا الماء قد حال دونه زعاف». الزعاف هو الشديد القاتل، موت كالسم، يعني سم زعاف، أو ذعاف. لكن انظر كيف جعل سبب الموت سبباً تأكيداً على أنه موت محقق، ولم يقل هذا إلا بعد رحلة طويلة. انظر إلى قوة السبك، رحلة طويلة مع القوس انتهت إلى: «وعن ذي الأراكِ عامرٍ أخو الخضرِ... يرمي حيث تُكوى النواح».

وعندي هنا شيء، أنا ظني أن الماء الذي ذكره هنا هو كل المياه التي مر عليها من قبل. «فلما رأينا الماء قد حال دونه زعاف»، كل ما مر، لأن أيضاً: «ولو ثقفاها درجت من دمائها... عن ذريعة ولابن غمار في الصدور حزائزه». ابن غمار لم يكن بأقل خطراً من أخ الخضر. شوف يا شيخ خالد، «فلما رأينا الماء قد حال دونه»، لأن هذا شيخ خالد أولاً هو آخر موضع نجاة معي يا شيخ خالد، هو آخر موضع نجاة، «وعن ذي الأراكِ عامرٍ أخو الخضرِ»، وهو الموضع الوحيد الذي قال عنده: «فلما رأينا الماء قد حال دونه زعافاً»، فليس الماء الذي هو ذو الأراك فقط الذي حلاها عنه أخو الخضر، وإنما عن كل المياه، ولهذا قال بعدها: «شككنا بإحساء الذناب على هدى».

تعرف ما أين تذهب؟ ذهب. فهمت أين تذهب؟ «كما تابعت سرد العنان الخوارز... ولما استغاثت»، يعني وصلت إلى مكان يمكنها أن تشرب منه، كما سيأتي في الشرح الآن، وصلت إلى مكان يمكنها أن تشرب منه، فاستغاثت خلاص، لأن قوله «ولما استغاثت» يدل على أنها قطعت مسافة كبيرة لما شككنا بالذناب، فهي رأت أن هذه الأماكن من المياه التي هي في ظاهر الكلام متقاربة من بعضها لما رأت ذلك، ورأت أن الماء قد حال دونه زعاف، «شككنا بإحساء الذناب على هدى»، عرفت أين تذهب؟ لا مطمع في هذه المياه كلها، لا رجاء في هذه المياه، «فشككنا بإحساء الذناب على هدى»، وسياتي شرحها، على هدى تعرف أين تذهب. انظر، قد حال دونه زعاف، موت وعدم الشرب موت، لكنها ستنجو، لا تنسى يتحدث عن ناقته التي تقود هذه الأتان.

وتقدير الكلام هنا في قوله «لدى جنب الشريعة كارز». أصل الكلام «كارز لدى جنب الشريعة»، لكنه قدم «لدى جنب الشريعة» لأن ضفة الشريعة المورد، مورد الشاربة، هو مورد البقاء للكائنات. «فلما رأينا الماء قد حال دونه زعافٌ لدى جنب الشريعة»، لو قال: «زعافٌ كارزٌ لدى جنب الشريعة»، لم يهيجني ولم يخل لي ما ينهضني نحو قضية الحياة، لكن «زعافٌ لدى جنب الشريعة كارزٌ». شوف يا أخي كل حاجة بالنظم؛ «حال دونه زعافٌ لدى جنب الشريعة»، لأن الزعاف عين الموت أو سبب الموت المباشر أو صفة للقاتل، زعاف قاتل شديد القتل، «كارزٌ» هذا هو نفس الزعاف، و«لدى جنب الشريعة» سبب للحياة. زعاف موت لدى جنب الشريعة، يعني لدى الحياة، ولهذا قدم المتعلق على المتعلق.

أصل الكلام: كارز لدى جنب الشريعة، فقال: «لدى جنب الشريعة كارزٌ، فلما رأينا الماء قد حال دونه زعافٌ». شككنا هنا، خلاص وصلنا إلى يقين بأن المكان ليس مكان شرب ولا يرجى فيه المورد، فماذا فعلنا؟ «شككنا بإحساء الذناب على هدى»، كما تابعت سرد العنان الخوارز. ركزوا معي في المفردات، شكك، شك الأشياء يا إخوة، يعني جعلها على...

طريقة واحدة، وهذا للأسف من المندثر في استعمالنا، مع كونه فصيحًا جميلاً دالًا مصورًا لشكل الأشياء؛ جعلها على طريقة واحدة. فشك الأشياء هو جعلها على طريقة واحدة وخط واحد، يقال: «شك القوم بيوتهم»، يعني جعلوها على نظام واحد متتابعة على سرد هكذا، خلاص. هذا يقولون شك البيوت، يعني لما يأتي يصفها صفا متساويًا جدًا، فتظهر كأنها سلسلة منتظمة على نظام واحد. هنا يقولون: «شكوا البيوت»، أي جعلوها على نظام واحد.

والأحساء هنا موضع ماء، والعرب لهم أحساء كثيرة، لكن في الأخير الأحساء كلها مياه. والشك يستعمل في الخياطة لأجل هذا التنظيم على شيء واحد، بوجهٍ على الأقل. «شككنا بأحساء الذناب»، الذنب جمع ذنب، ويجمع كذلك على أذناب، وذنابة، وأذناب.

محمود علي يقول: «سمعتهم يستعملونها»، نعم جزاك الله خيرًا. فالذناب جمع ذنب الذي يجمع على ذيناب وأذناب. «على هدى»، يعني على علم ودراية وقناعة، على اهتداء. «شككنا بأحساء»، يعني نظمنا الأذناب، «على هدى» يعني تابع بعضها أذيال بعض على هدى.

وسآتي الآن إلى شرح البيت: «سرد العنان تضفيره... وخرزه». سرد العنان، العنان عنان الفرس يصنع من سيور الجلد، يؤتى مثلا بثلاثة سيور أو أربعة سيور وتضفر. والخوارز: النساء اللواتي جلست لصنع الأعرز، تسردها وتصنع منها ضفيرة.

الغاية من هذا البيت أيها الإخوة هي بيان اهتداء الأتن والناقة، لأن هذه الأتن تتحرك بالجاب، والجاب قال فيه: «كان قتودي فوق جاب مطرد». يقول: هذه الأتن لما رأت الماء قد حال دونه موت، لدى جنب الشريعة كآرز، «شككن بأحساء الذناب على هدى».

عجيب! والأحساء هنا اسم مكان وفيه مواضع مياه، تخيلوا انصرفت عن موضع المياه بانتظام وعلى هدى، تركت المياه قناعة. من المقصود؟ الشاعر وناقته، الذي ترك الأرض التي ظاهرها مطمع ومشى منها. «وعوجاء مجدا وامر صريمة»، تركت بها الشك الذي هو عاجز، «شككن بأحساء الذناب على هدى».

حدّ بباله من أحساء ودلالتها على المياه، مع كونها تنتظم أذيالها وتسرع على هدى من المكان الذي فيه المياه، وانتبه إلى دلالة ذلك على الشاعر في ناقته؛ الذي ترك الشك الذي هو عاجز. استلم يا عم، وعد الجمايل للشعر الجاهلي وليس لي.

لو بعض الإخوة يقعدني أخانا الكريم، يا إخوة، حساب التليجرام، حساب التليجرام رضي الله عنكم. الحمر والمياه قريبة منها وهي تسرع، في أثر بعضها، تنتظم في الذهاب في أثر بعضها على هدى. هذا البيت هو عينه، ولكن على وجه التصريح. تركت بها الشك الذي هو عاجز، لماذا هذه الحمر مع الجاب؟ «كان قتودي فوق جاب مطرد»، كل هذا تشبيه صريح، ليس تشبيهًا ضمنيًا، تشبيه صريح يا إخوة.

هو قال «كان»، الموضوع تشبيه صريح، ده أنت أمامك فرصة عشان تفهم، أمامك فرصة للفهم، قال «كان»، تشبيه صريح. «كان قتودي فوق جاب مطرد، شككن بأحساء الذناب على هدى كما تابعت سرد العنان الخوارز». انظر إلى اختياره لفظ الشك وهو التنظيم والتتابع على صفة وهيئة واحدة، يرمي بك الشاعر إلى المبالغة في قناعة الأتن في الانصراف، ولأجل هذا قال: «على هدى»، مستعملًا الحرف الدال على الفوقية والتمكن، وكأنها تمتضي الهدى أو تسير فوق الهدى.

يا سلام! «شككنا بأحساء الذناب»، تعرف الهيئة هذه؟ الحمر يعني أن انصرفت هكذا من مكان المياه، مثلاً على هذه الجهة خط الحمر هكذا، والمياه هكذا، الضفة التي فيها المياه، ورأت أن الموت على طول الضفة، طول ما صارت علمت أن هذه الجهة، سواء الأماكن التي مرت، أو حيث ذي الأراك، كل هذه الضفة ليس لها فيها مطمع، فماذا فعلت؟ تخيل جماعة من الحمر، خمسة أو ستة أو سبعة، فجأة هكذا كلها وراء بعضها حتى كنا «انتظمنا الأذناب»، يعني معنى «شككنا» قلنا «شككنا» يعني انتظمنا على طريقة واحدة، «شككنا أذناب الأذيال» يعني انتظمت وراء بعضها «على هدى»، يعني إذا نظرت إليها وجدتها تعرف أين تذهب.

اتخذت القرار بعد كل هذه المحاولات والنجاة، اتخذت القرار، من الذي اتخذه؟ الجاب، الذي هو المشبه به الصريح لناقته المشبهة. صراحةً أنا لا أفتي من عندي، هو قال: «كان قتودي فوق جاب»، تشبيه صريح. فانظر لفظ الشك، «شك الأذناب» يعني تتابع الأذناب وانتظام الأذناب في أثر بعضها على صفة وهيئة واحدة، يريد بها المبالغة في إظهار قناعتها، ولهذا قال بعد ذلك: «على هدى»، ليس مهتدية «على هدى» أو في ضلال مبين، شوف، «على هدى أو في ضلال» في القرآن، «على هدى أو في ضلال».

«شككن بأحساء الذناب»، والله استخرج وأنا أمضغ البيت: «على هدى». بعد ذلك تأتي عبارة التشبيه في الشطر الثاني بتمامه. والتشبيه هنا يشتمل هيئة اجتماع الشك، الشك اللي هو التتابع والانتظام، مع الهدى جميعًا، «كما تابعت سرد العنان الخوارز». السرد هنا الفعل نفسه، يعني غرز العنان، خرز العنان، تضفير العنان، كما ظفر العنان.

الخوارز قلنا: النساء اللواتي يخرزن هذا ويغزلنه أو يضفرنه، صنعتهن أو يجلسن يصنعنه سريعة هكذا. فقال الحمر فجأة تتابعت، شكت الذناب على هدى، وكأنك ترى هذا الزمام، وهو في ناحية سيور وفي ناحية ضفيرة. الحمر قبل الانتظام سيور، بعد الانتظام ضفيرة. «شككن بأحساء الذناب على هدى كما تابعت سرد العنان الخوارز». تحت يدها ثلاثة سيور، وفوق يدها أو تحت يدها ضفيرة، على حسب ما تصنع، إذا كانت السيور من فوق والضفيرة تحت أو الضفيرة تخرج من فوق والسيور تحت، على حسب الله أعلم.

ولكن الضفيرة تمثل من انتظم، والسيور تمثل ما كان متفرقًا ثم انتظم. ولهذا كما قلت، التشبيه هنا يشتمل هيئة اجتماع الانتظام مع الفعل «على هدى» جميعًا، وليس «على هدى كما تابعت» أو كذا. ونلاحظ هنا تقديم المفعول على الفاعل: «كما تابعت سرد العنان الخوارز»، لأن المفعول هنا هو الذي بني عليه الكلام أصلاً، لو قال: «كما تابعت الخوارز سرد العنان»، صارت صورة الخوارز هي التي تحضر إلى الذهن مباشرة.

بالنسبة لما لا نحتاج إليها، كما تابعت، الخوارز سرد العنان، أصل المعنى صح ومفهوم، وأصل التشبيه مفهوم. كما تابعت، الخوارج أرزّ سرد العنان، لكن كما تابعت، سرد العنان هو الذي يقابل الأتان اللواتي شككن باحساء الذناب على هدى، فهمتم؟ الله يرضى عليكم، رضي الله عليكم.

أيوة أستاذة يسرى، هذه الصورة هي المقصودة؛ فقدم المفعول. أنت هنا قد تسأل: لماذا قدم المفعول على الفاعل؟ تقول: لأن المفعول في هذا التشبيه المركب هو الذي يقابل الفعل، هو الذي يقابل الأتان في حركتها التي مجموعها المشبه به؛ ﴿رَأَيْتُ شَكَّكِنَ بِإِحْسَاءِ الذُّنَابِ عَلَى هُدَى﴾، هذا الفعل هو الذي يمثله سرد العنان كما تابعت.

«ولما استغاثت والهوادي عيونها، من الرهب قبل والنفوس نواشز».

«استغاثت» يعني بلغت إلى الماء فاستغاثت به، جعل ذلك استغاثة. استغاثت لأن هذا فيه إشارة أيضًا إلى أنها لما شككت الذناب على هدى مشت مشيًا طويلاً. هل هناك معنى لأن تمر على هذه المياه ومرت وهمت وصدت وصدها وأحلاها؟ هل هناك معنى لأن تمر على هذه المياه ثم شككت بإحساء الذناب على هدى ويكون المكان قريبًا؟ هل كلمة «على هدى» يليق بأن يكون المكان قريبًا، أم هذه إشارة إلى أن الطريق لولا الهدى الذي هي عليه لكان مضلًا؟ قوله «على هدى» يشير إلى أن المكان الذي ستذهب إليه بعيد وسيكون مضلًا لولا الهدى، ولذلك أشار في البيت السابق بكلمة «على هدى» إلى أنها ستمشي طويلاً، ومشت طويلاً.

«ولما استغاثت» يعني بالماء، هذا هو معنى استغاثت. «والهوادي» الهوادي أوائل الحمر التي تقودها وتهديها، وهذا يدل على أنها كانت عددًا كبيرًا، هذا يدل على أنها كانت جمعًا أقرب إلى سرب. الهوادي أوائلها التي تقودها وتهديها الطريق.

«والرهب» يقول: «والهوادي عيونها من الرهب قبل»، الرهب هو الخوف الشديد والرعب. وأظن هناك رواية ذكروها للبيت: «من الرعب قبل». «وقبل» جمع «قبلاء» من «القبل»، وهو الحول أو يشبه الحول، أو إقدام كما قالوا، إقبال إحدى العينين على الأخرى؛ يعني خلاص. فالقبل جمع قبلاء من القبل وهو الحول أو مثل الحول أو بعض الحول أو نصفه.

«والنفوس نواشز»؛ النواشذ تعني المرتفعات، يعني أن النفوس جاشت، جاشت النفوس وكادت تخرج من شدة الرهب. يقولون جاشت نفسه يعني ارتفعت، هنا يقال نشزت، والنواشذ كما عرفنا من قبل تعني المرتفعات.

باختصار: بلغت ماء واستغاثت به على فزع منها، ولكنها لا تأمن وجود المتربصين، ما زالت لا تأمن وجود المتربصين، فخاضت في الماء وشربت أو إذ جاءت لتستغيث. وهذا يا إخوة يشبه البيت الذي، أو يشبه ما ذكره أبو ذئيب الهذلي حتى أتى بذات الهيئة.

ماذا قال أبو ذئيب؟ قال: «مقعد رابئ الضرباء فوق النجم والعيوق، مقعد رابئ الضرباء فوق النجم لا يتتلع... فشرعن في حجرات عذب بارد حصب البطاح تغيب فيه الأكرع... فشربن ثم سمعنا حسا دونه شرف الحجاب وريب قرع يقرع، ونميمة من قانس متلبب في كفه جشء أجش وأقطع، فنكرنه فنفرن وامترست به عوجاؤه هاديه وهاد جرشع».

يقول: «ولما استغاثت والهوادي عيونها من الرهب قبل والنفوس نواشز»، يقول استغاثت، لجأت إلى الماء، استغاثت به والهوادي التي في الأمام خائفة، وعيونها؛ لأنها هي التي تنظر لهم والباقي يهتدي بها، ولذلك خص الهوادي، والهوادي عيونها من الرهب، من الرعب، يعني والخوف الشديد، قبل مقبلة على بعضها. والنفوس نواشز، تكاد نفوسها التي جاشت تخرج من أجسادها رعبًا وفرقًا، ولكنها عطشى لأنها سارت طويلاً على هدى. رأيت أهمية فهم الإشارة.

الواو في قوله «والهوادي عيونها» للحال، «ولما استغاثت والهوادي عيونها»، استغاثت بالماء وفي نفس اللحظة الهوادي التي في الأمام عيونها قبل، والحمر لها عين على هذه الصفحة وعلى هذه الصفحة، وحتى تكون العين قبلاء يعني مقبلة على الأخرى هكذا لابد أن تكون جاحظة جدًا. ووصف العيون بالقبل هنا فيه تلخيص حكاية يا إخوة؛ حكاية من الرعب، تعرفون لماذا؟ لأن معنى أن العين قبلًا، أو أن العيون قبلًا، أن كل واحدة منها أقبلت على الأخرى، ومعنى ذلك أنها لا تنظر في جهة واحدة، وإنما العين التي في اليمين من فزعها تحاول أن ترى في اليسار، والعين التي في اليسار من فزعها ورهبها تحاول أن ترى في اليمين، فأنت ترى العيون قبلًا.

وكان يمكن للحمار إذا لم يكن، أو للاتان إذا لم تكن مرتعبة مضطربة، أن تجعل التي في اليمين تنظر في اليمين والتي في اليسار تنظر في اليسار، لكن لما أقول لك «والهوادي عيونها من الرهب قبل»، يعني العين من اضطرابها لم تقنع بمكان كل عين، تحاول أن تنظر إلى ما غاب عنها في الجانب الآخر، كل عين تحاول أن تنظر إلى ما غاب عنها، لا تخشى جهتها هذه، كل عين خائفة مما غاب عنها، فترى الأعين قبلًا. رأيت قوله «والهوادي عيونها قبل»، رأيت ما لخصه من الحكاية، حكاية الرعب والفزع؛ لأنه يتكلم عن حمر عن أتان، فأنت لابد أن تتخيل المشهد وأن تفهم المعنى الذي أراده الشاعر، فهو يريد -لأنه لا يستقيم إلا بهذا التقدير- أنها من الرهب، الرعب والخوف الشديد، صارت كل عين قبلًا، يعني منقلبة إلى الجهة الأخرى لم تكتفِ بجهتها. الإنسان أو الحمار الهادئ ماذا يفعل؟ ينظر هنا وبهذه، ينظر هنا وهناك، لكن كل عين خائفة من الغيوب مما غاب هناك، فصارت العيون قبلًا.

رأيت الواو في قوله «والنفوس نواشز» للحال كذلك، يعني استغاثت والهوادي في الأمام التي تنظر لها ويتبعها من ورائها دون نظر، عيونها قبل ونفوسها نواشز، عيونها قبل ونفوسها نواشز، طائرة منها، هذا كله مجتمع في وقت واحد، ومن براعة الشاعر، ومن براعته، «فتوجست رز الأنيس»، فتوجست رز الأنيس، أحسنت.

ومن براعة الشاعر هنا يا إخوة تدريجه بين العيون القبل والنفوس النواشز، تعرفون لماذا؟ لأن الثاني كالعلة والزيادة على الأولى، والأول هو أول ما يظهر للرائي؛ يقول لك: «والهوادي عيونها من الرهب قبل والنفوس نواشز»، هذا ليس منفصلاً عن قبل العيون، بل قبل العيون بسبب أن النفوس نواشز، ولكن نشوز النفوس...

نشوز النفوس. سبب أعم وأعم وأعل وأسبب وشيء زائد.

«ولما استغاثت والهوادي عيونها، من الرهب قبل والنفوس نواشز». ما أروع تقديم «من الرهب»، يا سلام! من الرهب، على تمام الجملة الخبرية، لماذا؟ لأن الكلام على هذا التقدير: الهوادي عيونها من الرهب قبل. الهوادي عيونها قبل، الهوادي مبتدأ، وعيونها قبل، عيونها قبل هذا خبر، هذه الجملة نفسها خبر. فلم يقل: عيونها قبل من الرهب، قال: «والهوادي عيونها من الرهب قبل». فقبل أن يتم الخبر، قبل أن يذكر الخبر، قدم المتعلق به؛ لأن أصل الكلام: عيونها قبل من الرهب، ولكنه أراد أن يبرز لك الرهب، وأن هذا هو سبب القبل في أعينها.

ولما الآن أتممت الصورة في أذهانكم من خلال النظم: «ولما استغاثت والهوادي عيونها من الرهب قبل، والنفوس نواشز، فالقت بأيديها وخاضت صدورها، وهن إلى وحشيهن كوارز». ما زال الكلام بهذا البيت في جملة «لما». «ولما استغاثت فالقت بأيديها» لم يأتِ جوابه بعد. «ولما» مفككة القصيدة. «ولما استغاثت والهوادي عيونها من الرهب، من شدة الرهب قبل والنفوس نواشز، فالقت بأيديها وخاضت صدورها، وهن إلى وحشيهن كوارز».

الوحشي يا إخوة، الوحشي هو الجانب، كما قالوا الجانب الوحشي. أكثر المفسرين على أنه الجانب الأيمن وليس الجانب الأيسر، وبعضهم -أظن كالأصمعي- قال: هو الجانب الأيسر. أكثرهم يقول: هو الجانب الأيمن، قالوا: ومنه تفزع الدواب. نستطيع أن نفهم أنها كل الدواب؛ الذي يقول الجانب الأيمن تخشاه الحيوانات، لأنه لا يُركب منه ولا تُؤتى منه، كله يأتي. تُؤتى الخيل والبغال والحمير من الجانب الأيسر. هذا حيوان في البادية، لم يعتد على هذا، فالظاهر أنه الجانب الوحشي هو الجانب الذي تخشى منه، أو فيها غريزة والله أعلم؛ إما فيها غريزة عامة بعيدة عن استعمال البشر لها، وإما يراد بالجانب الوحشي الجانب الذي تخشى أن تُؤتى منه، هي تؤمن جانباً وهناك جانب آخر وحشي هو الذي تخشى أن تُؤتى منه. فهمتم؟ هذا هو، والله تعالى أعلم.

ومعنى «كوارز» يعني مائلات، مائلات. وتصوير البيت يقول: ألقت بأيديها في المياه، فشرعن في حجرات عذب بارد، حصب البطاح، تغيب فيه الأكرع. خاضت المياه ووصلت إلى المياه إلى صدرها، ولكنها ما زالت خائفة، ناشزة النفس، فهي مائلة إلى نحو جانبها الأيمن تخشى أن تُؤتى منه، أو جانبها الوحشي عموماً، الأيمن أو الأيسر قطع النظر، تخشى أن تُؤتى منه.

ولكن أول شيء يلقاني في هذا البيت شيء عجيب، أبو ذئيب ماذا قال؟ قال: «فشرعن في حجرات عذب بارد». هذا أبو ذئيب، «فشرعن في حجرات عذب بارد». هنا شيء غريب، قال: «فألقت بأيديها»، ألقت بأيديها في مكان، يعني كأنها ذهبت ودبقت. هذه عجيبة في تصوير استغاثتها ولهفتها على الماء، ماذا كان يصور؟ كان يصور ما يحيمه وهو يرشف من الحياة ويخطف من الحياة بين الموت الكارز له، وبين الموت الذي يترقبه. «فألقت بأيديها»، ثم قال، وهذا عجيب: «وخاضت صدورها»، لأن الذي يحصل هنا يا إخوة، تغيب فيها الأكرع بس، فشرعن في حجرات عذب.

بارد حصب البطاح تغيب فيه الأكرع، بس خلاص صح. لكنه قال: خاضت صدورها، يعني أيضًا صدورها نزلت في الماء ولم تعبأ. اختفت أقدامها وقوائمها تمامًا، وصدورها خاضت في الماء وصارت تشرب، وخاضت صدورها.

«وهن إلى وحشيهن كوارز»؛ الواو هنا هي واو الحال، خلاص «وهن إلى وحشيهن كوارز» مائلات خائفات، أي ألقين بأيديهن للحياة، وخاضت صدورها للحياة ماء الحياة، ومع ذلك هن -بواو الحال- إلى وحشيهن كوارز، مائلات خائفات، وهذا موت ليس حياة، كأنها تسرق الحياة وتنتهزها وتأخذها من حرزها، وتخشى أن تُكشف وأن تُخطف منها هذه الحياة، فألقين بأيديهن وخاضت صدورها وهن إلى وحشيهن كوارز.

وقدّم «إلى وحشيهن»؛ أراد أن يقول لك ويقدم في الكلام ما زال هناك جانب وحشي، وما زالت تخاف على الرغم من أنها متلهفة. ألقين بأيديهن وخاضت صدورها، ويأتي جواب «لما نهلن بمدان من الماء موهنًا على عجل وللفريص هزاهز».

«ولما استغاثت والهوادي عيونها من الرهب، والنفوس نواشز»، فالقين بأيديهن وخاضت صدورها وهن إلى وحشيهن كوارز، نهلن بمدان. طبعًا «نهلن» يعني شربن الشربة الأولى أو الوحيدة، هذه نهلة، وهذه نهلة، وبعد ذلك يكون العَلَق.

قال: «نهلن بمدان»، «مدان» يا إخوة ليس اسم مكان وليس «مدين»، خلاص ليس اسم مكان، «مدان» أصله «متدان»، متدان وأُدغمت التاء في الدال بعد تسكينها كما يقولون، وهو ما يعرف عند أهل التجويد.

إدغام الأول في الثاني بعد تسكينه، يعرفه بتوع التجويد، في كتاب «غاية المريد في علم التجويد» لعطية قابل نصرى، حتى التجويد، لا يوجد تجويد، بل علم تجويد القرآن يا جماعة.

«صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سمى، دم طيبًا زد في تقى ضع ظالمًا، طب ثم صر رحماً تفسد، دعس أظن ذل شريفاً للكرم». اللام الأولى سمّها شمسية، واللام الأخرى سمّها قمرية.

الإدغام فقط هو اندماج، يا إخوة إدغام الأول في الثاني بعد تسكينه فيه عمل كبير، فيسمونه إدغامًا كبيرًا. يسمى الأول إدغامًا صغيرًا؛ لأن الإدغام الصغير يكون الأول فيه ساكنًا والثاني متحركًا فيدخل فيه مباشرة، أما الإدغام الكبير فيسكنون الأول ثم يدغمونه في الثاني، فهو أصله «متدان»، فسكن التاء صارت «مدان»، فمتدان يا إخوة يعني متقارب من الدنو، يدنو بعضه من بعض.

«نهلن بمدان من الماء»، هذا هو «موهنًا»، الموهن هو نصف الليل أو بعد نصف الليل بساعة. «على عجل وللفريص»؛ الفريص جمع فريصة، وهي اللحمة التي ما بين مرجع الكتف إلى الثدي في الحيوانات، ما بين موضع الكتف إلى الثدي. في الحيوان أنا جعلتها هكذا لأن الثدي هناك بين فخذيه، أما في الإنسان فهو أقرب.

الفرائس يا إخوة، أو الفريصة، ما بين مرجع الكتف إلى الثدي، وهذه ترتعد عند الخوف الشديد، فيقال: ارتعدت فرائصه، أي بلغ من خوفه أن اهتزت هذه اللحمة. موجودة أيضًا في الحيوانات لكنها تمتد من تحت الكتف إلى الثدي بين الفخذين.

طبعًا قوله «نهلن» هنا هو جواب «لما»، والاهزاهز هو الاهتزاز والحركة المضطربة، وللفريص هزاهز.

انظر التوظيف في واو الحال في كل الأبيات السابقة، جميل والله وعجيب. يقول: «نهلنا بمدان من الماء في نصف الليل وكانت على عجل، ترتعد فرائصها من الخوف والفرق».

انظر الآن إلى ترتيب الحدث في نظم البيت. شربنا شربة واحدة؛ أولًا نهلنا بمدان. أول شيء نهلنا بمدان من الماء، وهو قريب من بعضه، إشارة إلى أنها اجتمعت على ماء مجتمع، هي سارت إليه على هدى تعرفه واستغاثت به لأنها بعد ذلك ستتحرر.

أصبح فوق النّش حمامة، له مركض في مستوى الأرض. له مركض في مستوى الأرض، ماذا؟ بارز، مركض، يعني يجري. هنا ما زالت في ضيق من أمرها وخوف، ولهذا للفريص هزاهزه. شربنا بمدان من الماء، ثم موهنا في نصف الليل في الظلام حيث تضمن أن الإنس نائم، ثم على عجل، شوف الرعب.

نهلنا بمدان، تذكر هذا الإدغام: نهلنا بمدان من الماء، موهنا في نصف الليل، أو بعد نصف الليل بساعة والإنسان نائم، على عجل، شوف متدان في نصف الليل على عجل، على عجل، ها شربنا بمدان في نصف الليل على عجل، وواو الحال، وأيضًا للفريص هزاهزه.

رتب الأفكار، رتب العبارات، وجرب أن تغير أماكنها وانظر ماذا سيحصل في التخييل الذهني والإنهاض النفسي. نهلنا بمدان من الماء، موهنا في الظلام على عجل، وللفريص هزاهزه. لو قدمت في الأول «للفريص هزاهزه» خسرت الظرف الذي يقع فيه ارتعاد الفريص، لكن لما جاء بالفريص بهزاهزه في الأخير وبعبارة الحال، وبعد ترتيب الكلام، أنت رأيتها في الظلام على عجل، مع تقاربها وتهتز فرائصها: نهلنا بمدان من الماء، موهنا على عجل، وللفريص هزاهزه.

فلما رأينا الماء قد حال دونه، زعاف لدى جنب الشريعة كارز، لدى حيث الشرب كارز، شكت بأحساء الذناب على هدى عرفت أين تذهب. كما تابعت سرد العناب الخوارز، ولما استغاثت والهوادي عيونها من الرهب، والنفوس نواشز، فلقّت بأيديها وخاضت صدورها، وهن إلى وحشيهن كوارز.

نهلنا بمدان من الماء، موهنا في الظلام على عجل، وللفريص هزاهزه. وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا. بقي أن تعيش الشعر، وأن يعمل النظم في نفسك عمله. ماذا أفعل معك أكثر من هذا؟ لا أملك فوق هذا شيئًا. وشكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعمتم صباحًا ومساءً.