دخولتسجيل الدخول

الدرس 10 - الأبيات (٣٧، ٣٨، ٣٩، ٤٠)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث واستقراره صوتاً وصورة من بعد إذنكم. لنبدأ مستعينين بالله سبحانه وتعالى.

يا مرحباً بالكرام، يا مرحباً بالكرام. كيف الصوت يا إخوة عندكم؟ لا، الصدى كان مؤقتاً لأجل التجربة عندي. نعم، الحمد لله. انتظر نصف دقيقة أو دقيقة ريثما يجتمع إخوانكم ونبدأ إن شاء الله تعالى. أرجو أيها الإخوة التفاعل مع البث حتى يصل إلى إخوانكم لو سمحتم.

هل توجد ضوضاء شديدة يا إخوة؟ الكلاب في الشوارع، فضلوا الكلاب على كثير ممن لبس الثياب.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا مجلسنا العاشر من مجالسنا في شرح زائية الشماخ بن ضرار. وأقدر أن الشرح يا إخوة يقع في ١٤ مجلساً، هذا ما أرجحه.

صار الآن والحمد لله يسهل أن يقدر، فأقدر الشرح في ١٤ مجلساً أو ١٥ مجلساً إن شاء الله تعالى، وهذا هو العاشر، ونستمر في المجالس في الخميس والجمعة من كل أسبوع.

عَفَا بَطْنُ قَوْ مَنْ سَلِيمَةَ فَحَالِزُ ... فَذَاتُ الغَضَى فَالْمُشْرِفَاتُ نَوَاشِزُ فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ ... لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِضِ وَمُرْتَبَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى ... تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الْجَهْلِ حَاجِزُ وَعَوْجَاءُ مِجْذَامٌ وَأَمْرٌ صَرِيمَةٌ ... تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَأْبٍ مُطَرَّدٍ ... مِنَ الْحُقُبِ لَاحَتْهُ الْجِدَادُ الْغَوَارِزُ طَوَى ظَمَأَهَا فِي بَيْضَةِ الْقَيْظِ بَعْدَمَا ... جَرَتْ فِي عِنَانِ الشَّعْرِيَّيْنِ الْأَمَاعِزُ فَظَلَّتْ بِمَيْؤُدٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا ... إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُقِيَّ النَّوَاكِزِ لَهُنَّ صَلِيلٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ ... بِضَاحِي عُذَاةٍ أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْوَرْدَ مِنْهُ صَرِيمَةً ... مَضَيْنَا وَلَاقَاهُنَّ خِلٌّ مُجَاوِزُ وَلَمَّا رَأَى الْإِظْلَامَ بَادَرَ بِهَا ... كَمَا بَادَرَ الْخَصْمَ اللَّجُوجَ الْمُحَافِظُ وَيُمَيِّمُهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رَمَّةٍ ... وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانٍ مَفَاوِزُ عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِئَاتٌ كَأَنَّهَا ... هَوَادِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الْجَزَاكِزُ وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الْأَرَاكِ تَفَادَى ... إِذَا اسْتُذِكَتْ عَلَيْهَا وَتَتَّقِي كَمَا تَتَّقِي الْفَحْلَ الْمَخَاضَ الْجَوَامِزُ وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الْأَرَاكِ عَشِيَّةً ... فَصَدَّتْ وَقَدْ كَادَتْ بِشَرْجٍ تُجَاوِزُ وَهَمَّتْ بِوِرْدِ الْقَنَّتَيْنِ فَصَدَّهَا ... حَوَامِلُ كُرَّاعٍ وَقِنَّانُ لَوَّهَزُ وَصَدَّتْ سُدُوداً عَنْ ذَرِيعَةِ عُثْلُبٍ ... وَلَابْنَيْ غِمَارٍ فِي الصُّدُورِ حَزَائِزُ وَلَوْ ثَقِفَهَا ضُرِّجَتْ مِنْ دِمَائِهَا ... كَمَا جُلِّلَتْ نُضْوَالَ الْقِرَامِ الرَّجَائِزُ وَحَلَّأَهَا عَنْ ذِي الْأَرَاكَةِ عَامِرٌ ... أَخُو الْخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّوَاحِزُ قَلِيلُ التَّلَادِ غَيْرُ قَوْسٍ وَأَسْهُمٍ ... كَأَنَّ الَّذِي يَرْمِي مِنَ الْوَحْشِ تَارِزُ مِطَالاً بِزَرْعٍ مَا يُدَاوَى رَمِيهَا ... وَصَفْرَاءُ مِنْ نَبْعٍ عَلَيْهَا الْجَلَائِزُ تَخَيَّرَهَا الْقَوَّاسُ مِنْ فَرْعِ ضَالَّةٍ ... لَهَا شَذَبٌ مِنْ دُونِهَا وَحَوَاجِزُ نَمَتْ فِي مَكَانٍ كُنَّهَا فَاسْتَوَتْ بِهِ ... وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِزُ فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ... وَيَنْغُلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ فَانْحَى عَلَيْهَا ذَاتَ حَدٍّ غِرَابُهَا ... عَدُوٌّ لِأَوْسَاطِ الْعُضَاةِ مُشَارِزُ فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ فِي يَدَيْهِ رَأَى غِنًى ... أَحَاطَ بِهِ وَازْوَرَّ عَمَّا يُحَاوِزُ فَمَضَغَهَا عَامِينَ مَاءَ لِحَائِهَا ... وَيَنْظُرُ مِنْهَا أَيُّهَا هُوَ غَامِزُ أَقَامَ الثَّقَافَ وَالطَّرِيقَةَ دَرْأَهَا ... كَمَا قُوِّمَتْ غِنَى الشُّمُوسِ الْمَهَامِزُ بِهَا أَهْلُ الْمَوَاسِمِ فَانْبَرَى لَهَا بَيْعٌ ... يُغَلِّي بِهَا السَّوْمَ رَائِزُ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَشْتَرِيهَا فَإِنَّهَا ... تُبَاعُ بِمَا بِيْعَتْ تِلَادَ الْحَرَائِزِ فَقَالَ إِزَارٌ شَرْعَبِيٌّ وَأَرْبَعٌ ... مِنَ السَّيْرِيِّ أَوْ أَوَاقٍ النَّوَاجِزِ ثَمَانٍ مِنَ الْكِيرِيَّةِ حُمْرٍ كَأَنَّهَا ... مِنَ الْجَمْرِ مَا ذُكِّيَ عَلَى النَّارِ خَابِزُ وَبُرْدَانٍ مِنْ خَالٍ وَ٩٠ دِرْهَماً ... وَمَعَ ذَاكَ مَقْرُوضٌ مِنَ الْجِلْدِ مَاعِزُ فَظَلَّ يُنَاجِي نَفْسَهُ وَأَمِيرُهَا ... أَيَأْتِي الَّذِي يُعْطَى بِهَا أَمْ يُجَاوِزُ؟ فَقَالُوا لَهُ بَايِعْ أَخَاكَ وَلَا يَكُنْ ... لَكَ الْيَوْمَ عَنْ رِبْحٍ مِنَ الْبَيْعِ لَاهِزُ فَلَمَّا شَرَاهَا فَاضَتِ الْعَيْنُ عَبْرَةً ... وَفِي الصَّدْرِ حَزَّازٌ مِنَ الْوَجْدِ حَامِزُ وَذَاقَ فَأَعْطَتْهُ مِنَ اللِّينِ جَانِباً ... كَفَى وَلَهَا أَنْ يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ إِذَا أَنْبَضَ الرَّامُونَ عَنْهَا تَرَنَّمَتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا الْجَنَائِزُ كَأَنَّ عَلَيْهَا زَعْفَرَاناً تُمِيرُهُ ... خَوَازِنُ عِطَّارٍ يَمَانٍ كَوَانِزُ إِذَا سَقَطَ الْأَنْدَاءُ صِينَتْ وَأُكْرِمَتْ ... حُبُوراً وَلَمْ تُدْرَجْ عَلَيْهَا الْمَعَاوِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْمَاءَ قَدْ حَالَ دُونَهُ ... زُعَافٌ لَدَى جَنْبِ الشَّرِيعَةِ كَارِزُ شَكَكْنَا بِأَحْسَاءِ الذُّنَابِ عَلَى هُدًى ... كَمَا تَابَعَتْ سَرْدَ الْعِنَانِ الْخَوَارِزُ فَلَمَّا اسْتَغَاثَتْ وَالْهَوَادِي عُيُونُهَا ... مِنَ الرَّهْبِ قَبْلُ وَالنُّفُوسُ نَوَاشِزُ فَأَلْقَتْ بِأَيْدِيهَا وَخَاضَتْ صُدُورُهَا ... وَهُنَّ إِلَى وَحْشِيِّهِنَّ كَوَارِزُ نَهِلْنَ بِمَدَانٍ مِنَ الْمَاءِ مُوهِناً ... عَلَى عَجَلٍ وَلِلْفَرِيصِ هَزَاهِزُ غَدَوْنَ لَهُ سُعْرَ الْخُدُودِ كَمَا غَدَتْ ... عَلَى مَاءِ مَيْؤُدٍ الدِّلَاءُ النَّوَاهِزُ يُحَرْجِجُهَا طَوْراً وَطَوْراً كَأَنَّمَا ... لَهُ بِالرَّغَامَى وَالْخَيَاشِيمِ جَازِلُ وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ ... دَوَائِرُ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ حَذَاهَا مِنَ الصَّيْدَاءِ نَعْلاً طِرَاقُهَا ... حَوَامِلُ كُرَّاعٍ الْمُؤَيِّدُ الْعَشَاوِذُ فَأَقْبَلَهَا نِجَادٌ قَوِيٌّ وَانْتَحَى بِهَا ... طُرُقٌ كَأَنَّهُنَّ نَحَائِزُ حَدَاهَا بِرَجْعٍ مِنْ نُهَاقٍ كَأَنَّمَا ... بِهِ رَدُّ الْأَحْيَاءِ إِلَى الْجَوْفِ رَاجِزُ فَأَوْرَدَهُنَّ الْمُورَ مُورَ حَمَامَةٍ ... عَلَى كُلِّ إِجْرَائِهَا هُوَ رَايِزُ يُكَلِّفُهَا طَوْراً مَدَاهُ إِذَا الْتَوَى ... بِهِ الْوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ الْمَجَاوِزُ مُحَامٍ عَلَى عَوْرَاتِهَا لَا يُرَوِّعُهَا ... خَيَالٌ وَلَا رَامِي الْوُحُوشِ الْمَنَاهِزُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ النَّجْدِ نَجْدُ حَمَامَةٍ ... لَهُ مَرْقَدٌ فِي مُسْتَوًى الْأَرْضِ بَارِزُ وَظَلَّتْ تُفَالَى بِالْيِفَاعِ كَأَنَّهَا ... رِمَاحٌ نَحَاهَا وَجْهَةَ الرِّيحِ رَاكِزُ.

تمت القصيدة.

هذا البيت رجوع إلى القوس من حيث نفسها على طول تاريخها. خرجنا من المشتري الأول، الرامي الأول، البيع الذي اشتراها، خرجنا منه خلاص. كنا مع ميلادها الآن، نحن مع تاريخها من ميلادها أو من وصولها إلى أيدي القواس الأول، إلى عامر أخي الخضر الذي حلاها عن ذي الأراك. فهذا رجوع إلى القوس؛ لأنها من التلاد التي توارثها الصيادون.

وهذا يشبه السيوف التي قال فيها النابغة الذبياني: تورثنا من أزمان يوم حليمة *** إلى اليوم قد جربنا كل التجارب ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم *** بهن فلول من قراع الكتائب

فهذا من التليد، السلاح التليد الموروث الذي يورث معه شرفه إذا كان سلاحًا. وقوله «ترنمت» من الترنم، وهو الترجيح في الصوت، وهنا لا بد أن تفهم معنى الترنم بمعنى الترجيح؛ أن تتخيله لأنك ستستعمله في القوس هنا، لأن فيه ترجيحًا، أي ترديدًا في الصوت. إذا قذف بها هكذا مثلاً، لا تعمل هكذا، قذف هكذا.

«وأنين المريض للمريض يجاوبه»؛ متفنون في وصف صوت القوس. فقال: «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت»، ومعنى أنبض يا إخوة يعني رموا عنها. فالإنباض هو الرمي عن القوس، انتبهوا؛ ليس صوت النبض، النبض أخذ من هذا المعنى، يقول نبض القلب يعني رميه وضخه، فهذا النبض والإنباض هنا هو الرمي عن القوس.

«إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلى»، والثكلى هي الفاقدة التي صارت على هذه الحال، وهذا مهم أن تفهموه. «أوجعتها الجنائز»، والجنائز هنا هي المسير بالميت، أو المرور بالخشبات التي فيها الأموات. ولا يصح أن تكون الجنائز هنا هي نفس النعش أو نفس الميت؛ وإن صح ذلك بالأصل، لماذا؟ لأنه جمع الجنائز، فقال: «أوجعتها الجنائز»، فلا يريد «أوجعتها الأموات» أو «أوجعتها النعوش»، ولأنه كذلك ذكر أنها ثكلى من الأول، انتبه إلى هذا؛ هو ذكر أنها من الأول ثكلى، وهذه الثكلى أوجعتها الجنائز.

ربما أعمل لكم مقارنة مع اللامية المعروفة بلامية الشنفرى، وليست للشنفرى، فهو يقول: «ترنم ثكلى»، فهي إذاً فاقدة مثكولة من الأول. فلما نقول: هذه امرأة ثكلى، توجعها الجنائز، هل معناه توجعها الخشبات؟ أو يوجعها الأموات؟ يعجبها المسير بالميت، هذا المطلوب هنا، والجنائز تطلق على كل هذا؛ يمر بها المشهد بالضبط، جنائز ليست لها، تمر بها الجنازة، المسير بالميت.

تمر بها الجنازة، المسير بالميت، فتوجعها الجنائز، لا سيما أنها لا تصرخ هنا، هو قال «تترنم»، أوجع، ثكلى، يعني هي ثكلى من سابق، من الأول، وكلما مرت الجنازة أوجعتها، ذكرتها بالفقيد. رأيتم؟ فأنت عندك معنى الترنم الذي هو الترجيع، وهذا لا يكون في أول المصيبة، هذا الصراخ أو الأنين، أما الترنم والترجيح المتكرر فلا يكون في أول المصيبة، بل يكون عند تذكر المصيبة.

وعندك كلمة ثكلى، فهي ثكلى من الأول، انتبه، قال «ترنم ثكلى»، لم يقل «ترنم امرأة أثكلتها»، هي «ترنم ثكلى». تذكرون كعب بن زهير؟ سيدنا كعب بن زهير ذكر: وكأن أوب ذراعيها إذا عرقت *** وكذا كذا شد النهار ذراع عيطال نصف قامت فجاوبها نكد مثاكيل

يعني هم من الأول مثكولون، الآن هي ثكلت، نعم، بالضبط، أحسنت، في أول المصيبة تصرخ، لا تترنم، ثم جمع عندك في الأخير أيضًا «أثكلتها»، ماذا؟ «الجنائز»، جمع الجنائز.

بالنسبة لزهير: كان أوبة ذراعيها إذا عرقت *** وقد تلفع بالقر العساقيل يوماً يظل به الحرباء مستخباً *** كان ضاحيه بالشمس مملول وقد جعلت أرق الجنادب يرقدن الحصى *** قيل شد النهار ذراع عيطال نصف قامت فجاوبها نكد مثاكيل

انظروا، «قامت فجاوبها نكد مثاكيل»، هي قامت كالمجنونة. فعندك الجنائز، وعندك ترنمت، وعندك الثكلى، وعندك الترنم، فهذا كله يدلك على صفة ينبغي أن تنتبه إليها، وهي أنها ثكلى من الأول، توجعها الجنائز التي تمر عليها. هذا تحتاجه حتى تعرف ما المراد بالجنائز هنا؛ قد يفهم من الجنائز النعوش، أو يفهم منها نفس الميت، لكن المقصود بالجنائز هنا المسير بالأموات.

انظر إلى ما يرمي إليه الشاعر بقوله: «إذا أنبض الرامون عنها»، أولًا طبعًا هو يحكي عن تاريخ لها، ومن هؤلاء الرامون؟ كل من ملكها، فهي من التلاد الأول القديم. فيقول دائمًا في أي عصر لها: «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت». لو أنه قال: «إذا أنبض الرامون ترنمت»، لصح الكلام، لكن لماذا قال: «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت»؟ هذه تحتاج إلى تأمل، كأنه كان يستغنى عن كلمة «عنها» باعتبار المعنى الأصلي، فلماذا قالها؟ فكروا في هذا يا إخوة، لماذا «عنها»؟

لماذا «عنها» وليس «منها»؟ لأنها تترنم بمجرد المجاورة. لو قال: «إذا أنبض الرامون»، لكان المعنى إذا زال السهم، و«عنها» فيها معنى المجاوزة. لماذا «عنها»؟ لتخصيصها، كأن ليس هذا هو المقصود هنا، بل هو التخصيص، لشدة الضربة، والمجاوزة، وشدة السحبة. لو تأملتم لفظ «عنها»، طبعًا هذا ليس سهلًا، فالتعبير عما نجده في النفس هنا ليس سهلًا.

كثيراً جداً ستظل أشياء في النفس يصعب التعبير عنها. إذا أنبض الرامون عنها ترنمت؛ هذا يشير إلى معنى المجاوزة، لم يقل منها، بل كأنه ذهب عنها، فإذا ذهب عنها ترنمت، إذا جاوز السهم منها أو عنها ترنمت.

أنتم بدأتم تقتربون، صرتم تتكلمون في شدة الضربة والسرعة وكذا بتخصيص لفظ «عنها»، بمجرد أن يجاوزها السهم، إذا جاز عنها ترنمت. ولو قال: إذا أنبض الرامون ترنمت، لما رأينا إلا الإنباظ والرمي ثم الصوت، لكن هذه العلاقة، المجاوزة السريعة، أن يجاوز السهم فيحصل هذا الترنم، هذا غير حاصل إلا باستعمال «عنها»، الإحساس بالقوة والانتشار. بعد لحظة الرمي، خديجة تقول: بعد لحظة الرمي، وديعة تقول: الإحساس بالقوة، هذا هو، أنتم الآن صرتم تعبرون يا إخوة.

الآن صرنا نعبر، أنا أستعين بكم في التعبير بالمناسبة في مثل هذا الموضع، نرى كيف ولماذا قال هكذا: «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت»، إذا جاز عنها السهم ترنمت، رموا عنها، إذا أنبضوا عنها ترنمت، عنـها، يعني إذا جاوز السهم عنها بالرمي. وهذا إسهاب عجيب في التشبيه، وصورة تشبيهية عجيبة، تشبيه غريب: «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز».

ثكلى من الأول، أوجعتها الجنائز؛ ركزوا الآن، أوجعتها الجنائز، لماذا أسهب في هذا التشبيه العجيب؟ لأنه لا يريد أن يعمل صوتاً هكذا، يريد أن يبين شيئاً. خذوا انتبهوا، هنا يوجد طول في القوس، الناس عمالة تغني لك، اسمعوا يحملون هذه القصائد أو هذه الصور عند الشماخ أو غيره، على خيال محمود شاكر؛ الأستاذ محمود شاكر رحمه الله خلق فناً جديداً، خلق قصيدة جديدة، جعل القوس تفقد السهم وتبكي عليه، هذه استفاضة أخرى.

أما الشماخ فأراد أن يبين لك طول القوس، أنها قوس طويلة فارعة، موروثة وصينت وأكرمت، فأراد أن يبين لك طول القوس، وأراد أن يبين لك شدة انشداد الوتر مع لينه، فقال: «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز». الثكلى الموجوعة بفقد ابنها، قولوا معي يا إخوة: الموجوعة بفقد ابنها. إذا مرت جنازة ماذا يحصل؟ تتذكر، إذا مرت جنازة تتذكر، فإذا تذكرت صرخت، ترنمت، تذكرت إذا مرت جنازة وهي ثكلى أوجعتها، كيف تترنم الموجعة بجنازة تمر؟ لأنها ثكلى من الأول، فكيف تترنم إذا أوجعتها جنازة تمر؟

الترنم هو الترجيع، «ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز»، هذا الصوت يدل على طول القوس وليونة الوتر وانشداده، لو صنع هكذا القوس مشدود جداً وقصير، لكنه طويل. «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز»، أي حال؟ أوجعتها الجنائز، أحسنت، دكتورة جميلة، ولا يأتي هذا العمق إلا إذا كانت القوس طويلة.

أنت طبعاً تأخذ الكلام وتفرح بالصوت وفرحان به، ركز في الكلام، ركز في الألفاظ. ماذا أراد الشاعر بالصوت؟ ما معنى الصوت الذي أتى به؟ وفي نفس الوقت ما دلالة هذا الصوت في القوس؟ الترنم معناه الترديد، والترديد يدل على طول القوس، لأن القوس مهما كانت مشدودة ومهما كان وترها سميكاً مشدوداً، إذا كانت طويلة لا بد أن يعمل شيئاً مع قوة الرمي، سيعمل اهتزازاً أطول لأنه طويل. عرفت لماذا قال: «ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز»؟ لأن الترنم ترديد مستمر، فهذا لا يكون إلا إذا كانت القوس طويلة وكان الوتر مشدوداً طويلاً.

«ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز»، هي ثكلى أوجعتها الجنائز، لم يقل أفجعتها فجيعة جديدة، لا، أوجعتها، ذكرتها، رأت نعشاً يمر. هل نمر على بيت اللامية؟ لامية الشنفرى، قال: «إذا زل عنها السهم حنت، كأنها مرزأة ثكلى ترن وتعول». طبعاً هذا البيت الذي يعجب به الناس ويطيرون به، صوت القوس جميل، لكن أنت لا تقف على جملة الشيء وألفاظ فصيحة، هناك معنى وغرض وسياق وتراكيب.

ماذا يا أبا قيس؟ هذا البيت فيه مشكلة، وبمقارنته بهذا البيت تعلم أن البيت الآخر فيه مشكلة. تعلمون موقفي من هذه القصيدة المعروفة بلامية الشنفرى والتي يسمونها بلامية العرب، وتعلمون أنني أستجيدها في الجملة أيضاً، لكن القلب عندي، قلب الناقد، مطمئن إلى أن هذه القصيدة ليست جاهلية، وهذا ليس كلامي وحدي بل كلام عدد من القدماء. وتقترن بها اللامية الحماسية التي أثبت أيضاً محمود شاكر جاهليتها: «إن بالشعب الذي دون سلع لقتيلاً دمه ما يطل، قذف العبء علي وولى أنا بالعبء له مستقل، ووراء الثأر مني ابن أخت مصع، عقدته ما تحل».

هذه القصيدة أيضاً قيل فيها أنها مصنوعة، وأثبت الأستاذ محمود شاكر جاهليتها وجاهلية اللامية، ومع الاحترام الشديد والتقدير العظيم للأستاذ محمود شاكر رحمه الله، العلم الإمام العظيم، نقدر كذلك ما نجد أنفسنا ونحترمه، ولسنا نطبل ولسنا تعمينا الهالة، نقدر الهالة على الأشخاص ونحبهم ونقدرهم، لكن لا تعمينا هذه الهالة عن الصواب وعما نعرفه ونراه. وأنا أخالف الأستاذ محمود شاكر رحمه الله هنا، وأوافق بعض المتقدمين في أن هذه القصيدة ليست جاهلية.

أنا ما تحدثت يا إخوة إلا لماما عن هذا الأمر لما قلت إن هذه القصيدة ما اجتمع فيها من طريقة التنظيم والتنضيد يدل عندي على أن قائلها أراد أن يحاكي الشعر الجاهلي أو شعر بعض الجاهليين وليست جاهلية، وكذلك فيما فيها من بعض الصنعة البديعية. وقاله هو أيضاً في المعاصرين أخ فاضل دكتور فيصل المنصور في مقالاته التي أهديت إليّ وقرأتها، قرأت فيها حول هذا المقال أيضاً أنه لا يراها جاهلية، وانتبه إلى قضية البديع التي فيها، هذا صحيح. ولكن لم أتكلم من قبل عن شيء من المشكلات الدلالية في القصيدة، هذه القصيدة فيها مشكلات دلالية أيها الإخوة، ولكن بيت الشماخ بن ضرار ساقنا إلى ذلك، بيت الشماخ بن ضرار ساقنا إلى هذا الحديث، هذا البيت الذي يعجب كل أهل عصرنا.

ويأتون به الله على التشبيه وكذا. إذا زل عنها السهم حنت كأنها مرزأة ثكلى ترن وتعول.

أولًا: قال إذا زل عنها السهم؛ هذا نفسه جيد، يعني إذا طار منها السهم، زل عنها، وهذا تعبير ممتاز. حنت، تعرفون حنين الإبل يا إخوة؟ تعرفون حنين الإبل؟ معنا أخونا البلوي، البلوي موجود؟ البلوي البدوي موجود معنا؟ حنين الإبل يا إخوة، أخونا السماوي صاحب إبل، حنين الإبل يا مولانا ترجيع وترنم، أليس كذلك؟ حنين الإبل ترجع وتردد، ترجيع وترديد.

السماوي يقول هو من أهل البادية، بادية السماوة في العراق، أظنك بالعراق، يقول هو صاحب إبل. الحنين يا إخوة. تذكرون قول عمرو بن كلثوم فيما وجدت في المعلقة؟ أنا لا آتي من عندي بكلام، هذا في المعلقة يقول: ﴿فَمَا وَجَدَتْ كَوَجْدِي أُمُّ ثَقْبٍ ... أَضَلَّتْهُ فَرَجَّعَتِ الْحَنِينَا﴾. عمرو بن كلثوم يقول: فما وجدت كوجدي أم ثقب أضلته، يعني أضلت ابنها، فرجعت الحنينا؛ ترجيع، حنين الإبل.

ويقولون لا يتركون كذا ما حنت الإبل، أو العرب لا يتركون كذا ما حنت الإبل؛ لأن الإبل تحن، تحن للديار، تحن لابنها، فتظل تصدر هذا الصوت المثير للقلب. فما وجدت كوجدي أم ثقب أضلته فرجعت الحنينا، فهو يقول في القصيدة التي وضعها من أراد زجها في الجاهلية: إذا زل عنها السهم حنت، واستحنت إلى أوطانها النيب. يقول: كأنها مرزأة ثكلى.

دعكم من مرزأة وثكلى وما في ذلك من عدم الاختصار لأن واحدًا يقوم مقام الآخر، دعكم من هذا، تعالوا إلى ما هو أوضح وأشد: ترن وتعول. مرزأة ثكلى ترن وتعول. لو قلنا ترن إضافة لتعول ما كل هذا؟ وكلمة مرزأة تدل على أنها مستقرة في البلاء، وثكلى كذلك أنها مستقرة في البلاء. أنا أحفظه: مرزأة ثكلى ترن وتعول. لماذا المرزأة الثكلى ترن وتعول؟ شوف الكلام، صاحب البيت ألقى لك بجملة ألفاظ فصيحة وجملة تشبيه، وأنت تعميت كتراب في عينك، خلاص مش شايف.

تعالوا نحدد أو نحلل دلالة البيت، هذا هو الشعر، هذا هو الكلام. هذا من الأبيات التي شككتني في القصيدة من الأول أصلاً. قال: ترن وتعول، يعني مرزأة ثكلى، مرزأة على وزن مفعلة، يعني إيه مرزأة ثكلى؟ ترن وتعول. وإذا كنت تحكي عن امرأة مستقرة في حال الثكل والرزء، يعني مصابة، مرزأة من المصيبة، وثكلى فاقدة لابنها، لكن مرزأة هذا يدل على كثرة المصائب، وثكلى يكفي فيه أن تفقد ابنًا واحدًا لتظل حياتها ثكلى، ومع ذلك كيف ترن وتعول؟ يعني هي جالسة هكذا، فهي مرزأة ثكلى، ترن وتعول.

فهمتم يا إخوة ما أحكي فيه من عدم تعلق المعنى والتئامه؟ لا طبعًا ليس السبب الوحيد، القصيدة ملآنة. لو جئتم إلى هذا البيت (بيت الزائية) تجده مستقيم الدلالة، صافي الدلالة، مستقر الدلالة، سالم الدلالة، بيت صافٍ مستقر في دلالته: إذا أنبض الرامون عنها ترنمت، يبقى في ترجيع، ترنم ماذا؟ ثكلى، يعني هي من الأول ثكلى، هذه ترن وتعول؟ لا، مش حنت. كأنها مرزأة ثكلى ترن وتعول، إيه كل الكلام ده؟ كثير أيضًا.

إذا زل عنها السهم حنت كأنها مرزأة ثكلى ترن وتعول، كل هذا؟ إذا أنبض الرامون عنها ترنمت، ترنم ثكلى، مالها؟ أوجعتها الجنائز. فمن الذي أخذ من الآخر؟ صاحب هذه الزائية أخذ من صاحب اللامية، أم صاحب اللامية حاول محاكاة صاحب الزائية؟ صاحب اللامية حاول محاكاة صاحب الزائية لأنه ليس جاهليًا، متأخر عنه، وليس أن الشنفرى سبق الشماخ إلى هذه الصورة وهذا التعبير، بل الشماخ -صاحب اللامية- حاول أن يحاكيه. رأيتم؟ هناك يوجد خلل، عدم صفاء في الدلالة، عدم استقامة، عدم استقرار في الدلالة.

إذا زل عنها السهم، تعالوا، دعوكم من الانبهار بالمفردات الفصيحة، إذا زل عنها السهم حنت، حنت خلاص، كأنها مرزأة ثكلى ترن وتعول. وهل المرزأة المستقرة في الرزء، والثكلى المستقرة في الثكل، ترن وتعول؟ طب فين السبب؟ أين الجنائز التي تمر؟ هي المرزأة الثكلى ترن وتعول؟ ده اسمه عبط. إنما هنا إذا أنبض الرامون عنها ترنمت، ترنم ثكلى، مالها؟ هي الثكلى قاعدة، من نفسها تقوم؟ أوجعتها الجنائز، أوجعتها الجنائز.

هذا البيت سليم، صافي، أصلي، لأن صاحبه كان صادقًا فنيًا، كان يصنع بيتًا حقيقيًا ليصنع منه شعرًا. الشماخ بن ضرار رضي الله عنه لما كان يصنع هذا البيت كان يصنعه ليصنع منه بيتًا من الشعر عظيمًا، له معنى شريف ودلالة قوية وتركيب يؤدي إلى ذلك، كان يصنع شعرًا من حيث كونه شعرًا، كان يصنع شعرًا ليكون شعرًا، لم يشغله غرض آخر. الذي صنع الآخر كان يشغله أن يلقي في وجهك -يا من سيدخل عليك في هذا النحل- معنى عامًا موروثًا وجملة من الألفاظ الفصيحة، فتدخل عليك والحقيقة البيت مضطرب.

أنت فرحان: إذا زل عنها السهم حلو، حنت، كأنها مرزأة ثكلى، يا سلام على الفصاحة، مرزأة ثكلى ترن وتعول، يا سلام على الفصاحة! الناقد لا يخيل عليه هذا الكلام، لا ينطلي عليه هذا الكلام. يعني مرزأة ثكلى ترن وتعول، هي المرزأة مستقرة في الرزء، مصابة، وثكلى مستقرة في الثكل، ترن وتعول؟ ده كلام من غير سبب. إذا أنبض الرامون عنها ترنمت، ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز، في سبب؛ حال مرت جنازة أوجعتها، خلاص مرت جنازة أوجعتها، هناك سبب.

فلا تفهم حنين ولا ترن وتعول، الحنين بعيد عن ترن وتعول يا إخوة. حنت كأنها مرزأة، والمرزأة والثكلى لا يليق مع ترن وتعول، لا يستقيم، لا يلتئم، ولا يلتقي مع الحنين. حنت كأنها مرزأة ثكلى ترن وتعول، وبالمناسبة ترن تصوت أيضًا، لكن هذا غير الحنين. وتعول بنفس ترن، لو رجعتم إلى بعض الشروح في شروح اللامية التي تنسب للشنفرى يذكرون أن ترن تصوت وتعول تصوت أيضًا، وكلاهما على قربهما لا يرتقي مع حنين الإبل. الحنين أقرب إلى الترنم كما هنا الذي فيه الترجيح، يعني ترديد. حتى لو كانت صورة جميلة، الحنين غير ترن وتعول، ولو قلنا إن ترن وتعول باعتبار جزء من الحنين الذي فيه معنى الترجيح، فهذا يكون حشوا، حشوا لا معنى له.

بل غلطاً في المعنى أصلاً؛ يكون غلطاً في المعنى. لماذا؟ لأنه قال: «ترنمت كأنها مرزأة ثكلى». ينبغي أن يقول: «تحن لولدها»، أو «لفقيدها»، «تحن على فقيدها». فرجع الحنين كما قالت أم كلثوم «لكن ترن وتعول»، حشو أو غلط في المعنى أصلاً.

رأيتم؟ وهذه واحدة. طبعاً لأن الذي كتب هذه القصيدة أو صنعها كان مشغولاً بإشغالك. أنا لا أقول القصيدة رديئة في جملتها، لكن فيها خللاً. هذا من المواطن التي فيها خلل دلالي وقفت عليه في القصيدة، وهذا عندي مكتوب؛ لأنني سأناقشه في كتابي «قراءة نقدية في كتاب نمط صعب ونمط مخيف» للأستاذ محمود شاكر رحمه الله.

لأنه لا يظهر علم العالم يا إخوة إلا بالنظر والتفتيش، لا بالتهليل، وإنما بالنظر والنقد والتقييد والتفتيش. هكذا يكون الإنسان مؤثراً، لا بالتطبيل والتصفيق والانبهار بالهالة. فأنا عندي كتابة حول هذه القصيدة وحول أختها الأخرى التي في الحماسية في ديوان الحماسة: «إن بالشعب الذي دون سرع لقتيلاً دمه ما يطل، إذا أنبض الرامون عنها».

قلنا هذا رجوع إلى تاريخها، من ميلادها وكونها واستقرارها في يد أول قواس. «جميعاً إذا أنبضوا عنها ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز هتوف، إذا ما خالط الظبي سهمها وأريغ منها أسلمته النواقذ».

تعالوا، هذا البيت من الأبيات التي تشكل بفهمها ورواياتها، فأرعها انتباهك. للبيت روايتان على الأقل من حيث اللفظة الأولى، وقراءتان من حيث الإعراب. انتبهوا، البيت له روايتان من حيث اللفظة الأولى، وله قراءتان من حيث الإعراب. وسنقف هنا قليلاً لأن هذا من صلب عمل الشعر.

رواية «هتوف»، ورواية «قذوف». ومعنى «قذوف» أنها شديدة القذف بالسهم؛ «قذوف» على وزن «فعول»، يعني إذا قذفت بالسهم كانت القذفة شديدة جداً. والرواية الثانية «هتوف»، يعني لها هتاف، لها صوت كأنها نادت. ركزوا معي جيداً؛ فيها «هتوف» وفيها «قذوف»، ومع كل واحدة منهما وجهان للإعراب.

الوجه الأول: بأن تجعل «هتوفاً» أو «قذوفاً» في علقة الشطر الأول وتفصل الشطر الثاني، مع معنى الشرط الذي في الكلام؛ «هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها»، «قذوف إذا ما خالط الظبي سهمها»، ثم في الحالين وفي الروايتين: «وإن ريغ منها أسلمته النواقذ».

الوجه الثاني: أن تجعل مولج البيت وهو «هتوف» أو «قذوف» كلاماً قائماً بنفسه، وتجعل ما بعده إلى آخر البيت كلاماً واحداً آخر. فتقول: «هتوف»، وتقف، أي هي هتوف، ثم تقول: «إذا ما خالط الظبي سهمها وإن ريغ منها أسلمته النواقذ»، وتجعل «أسلمته النواقذ» جواب «إذا ما خالط الظبي سهمها»، وتُقدر هذا الجواب بدلالة الكلام، أو على شريطة التفسير كما يقولون، أو على شريطة الكلام تقدره في الجملة الاعتراضية.

صار عندنا الآن أربعة أوجه: ١. «هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها». ٢. «قذوف إذا ما خالط الظبي سهمها وإن ريغ منها أسلمته النواقذ». ٣. «قذوف، إذا ما خالط الظبي سهمها، وإن ريغ منها، أسلمته النواقذ». ٤. «هتوف، إذا ما خالط الظبي سهمها، وإن ريغ منها، أسلمته النواقذ».

ومن كان جاداً في متابعة هذا الشرح سيحتاج الآن أو بعد الدرس إلى إعادة وكتابة الأبيات الأربعة. يكتب أولاً: «قذوف إذا ما خالط الظبي سهمها»، ويعمل خطاً بلون مختلف، أحمر مثلاً، ليقول هنا كلاماً مستقلاً قائماً بذاته، ثم «وإن ريغ منها أسلمته النواقذ». ثم يكتب البيت مرة أخرى هكذا: «قذوف»، ويعمل الخط الذي عمله بين الشطرين في الأول الآن يعمله بعد «قذوف». «قذوف، إذا ما خالط الظبي سهمها»، ثم يصل الكلام، لا يقسم شطر البيت؛ الآن نحن لا نكتب شعراً، نكتب العبارة النحوية. «قذوف، إذا ما خالط الظبي سهمها وأريغ منها»، ويعمل «وأريغ منها» بين شرطتي اعتراض، ثم «أسلمته النواقذ». ثم يكتب البيت مرة ثالثة: «هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها»، ثم شرطة، ثم «وأريغ منها أسلمته النواقذ». ثم «هتوف»، ثم شرطة، ثم جملة متصلة: «إذا ما خالط الظبي سهمها»، ثم جملة اعتراضية «وأريغ منها»، ثم «أسلمته النواقذ».

هل الشكل واضح يا إخوة؟ أنا أشرحه لكم ببطء وبتكرار لأنني أعيش فيه منذ سنين فأستحضره. هل الدنيا الآن واضحة تماماً؟

تعالوا، بعض العلماء كالبطليوسي في كتابه «الاقتضاب في أدب الكتاب» قال: الأجود هي «قذوف»، لأن «هتوف» هي بمعنى البيت السابق «ترنمت ترنم ثكلى»؛ لأنهم يقصدون بها أنها تصوت، تخرج صوتاً إذا قذف عنها السهم، وهذا هو معنى البيت. هل أصاب البطليوسي في ذلك؟ دعونا أولاً ننظر في معنى الكلام؛ هل «هتوف» في معنى «ترنمت»؟ الجواب لا. لأن الهتاف، وإذا وصفت القوس بأنها «هتوف»، لا يراد من ذلك مجرد التصويت، بل فيه معنى الندبة والنداء. فالشاعر يريد أن هذه القوس تهتف برميها تناديه ليثبت مكانه، كأن الذي يرمي من الوحش تارز، وهذه مبالغة في وصف صنيعها؛ وذلك أن صوتها وحده يشل الرمية رعباً منها.

«وحلاها عن ذي الأراكة عامرٌ *** أخو الخضري يرمي حيث تقوى النواحز» «قليل التلاد غير قوس وأسهمٍ *** كأن الذي يرمي من الوحش تارز» «مطلاً بزرع ما يداور رميها *** وصفراء من نبع عليها الجلائز»

فمعنى «هتوف» أن الهتاف فيه معنى النداء، يقال هتف به، يعني ناداه ورفع صوته هتافاً، ومن هنا سمي الهاتف. «هتف بنا الهاتف»، يناديك. فـ«هتوف» يعني كثيرة الهتاف والنداء، تنادي. فـ«هتوف» ليس بمعنى الترنم وليس بدلالته؛ لأن الشاعر لا يريد فقط أن يقول إذا خرج السهم صنعت صوتاً، لا، الترنم الذي في البيت السابق يدل على كبر القوس وضخامتها؛ لأنه ترنم، والترنم فيه ترجيع. كأنها مرزأة ثكلى أوجعتها الجنائز، ترنم فيه ترجيع. ارجعوا إلى المعاجم، ما معنى الترنم؟ الترجيع، ترديد صوت، ترجيعاً في الصوت، هذا هو الترنم. متى نقول ترنم؟

لو كنت ترنم هكذا، هذا ترجيع، هذا ترنم. هذا ترنم، ويقال ترانيم. في التلاوة الدينية يقال ترانيم، لماذا؟ لأن فيها ترجيعًا، ترديدًا للصوت. فهو لا يريد فقط أن لها صوتًا؛ هتوف شيء، وترنم شيء، فكلام البطليوسي هنا ظاهر الغلط بكل وضوح.

تعالوا الآن سنختبر. اكتبوا البيت أمامكم أربع مرات على الطريقة التي قلتها أو تخيلوه. سنبدأ بالترتيب الذي قلته: «قذوفٌ». ومعنى قذوف أنها شديدة الرمي، شديدة القذف بالسهم. «والنواقذُ القوائمُ»؛ أسلمته النواقذ القوائم الأربعة. ومعنى أسلمته يعني لم تتحرك، ثبتت مكانها، لا يدري أين يذهب من الرعب.

يقول: نبدأ في الأول «قذوفٌ». قذوف إذا ما خالط الظبي سهمها، يعني شديدة القذف إذا ما خالط الظبي سهمها، هنا تكون شديدة القذف. «وإن رغ منها»؛ رغ يعني راغ منها، راوغها، انفلت منها. وإن رغ منها الظبي أسلمته النواقذ، يعني أسلمته القوائم.

فمعنى الكلام: نعم، أخونا يستعجل بأن «أسلمته النواقذ» ترجح وضوحًا رواية «هتوف». تعالوا نرى المعنى هنا: «قذوفٌ إذا ما خالط الظبي سهمها، وإن رغ منها الظبي أسلمته النواقذ». فيه خللان؛ خلل في الأول لأنه علق شدة القذف على الإصابة فقط، يعني فقط إذا أصابت تكون شديدة القذف. هل شدة القذف معلقة بالإصابة يا إخوة؟

والثاني في الشطر الثاني، لأنه صار أجنبيًا عن الأول: «وإن رغ منها أسلمته النواقذ». يعني إن رغ منها لم يكن شديد القذف، وأسلمته النواقذ. إذا ربطنا في الدلالة تكلفناها؛ سيدل على أنه لن يكون القذف شديدًا إذا أسلمته النواقذ وراغ منها. لا، ممكن يكون قذوفًا وراغ منها، لكن «قذوف إذا خالط الظبي سهمها وإن رغى منها أسلمته النواقض»؛ لا، لأن إسلام النواقض لن يكون كذلك إلا من شدة القذفة وسماع الصوت. إذا قلنا شيئًا من هذا، ما معنى أن تكون القذفة ضعيفة؟ صار البيت مفككًا بالضبط.

نأتي إلى الوجه الإعرابي الثاني: «قذوفٌ»، يعني هي قذوف، شديدة القذف. وتفسير ذلك: «إذا ما خالط الظبي سهمها وإن رغى منها أسلمته النواقذ». يعني إذا ما خالط الظبي سهمها أسلمته النواقذ، وإن رغى منها أيضًا أسلمته النواقذ. لا، هذه زيادة، لا يربطها كلام. هل من الممكن أن يكون الشطر «وإن رغ منها» خاصًا لمن كان مختبئًا، فهرب عند سماع الصوت، فبهروبه أصبح ظاهرًا فأسلمته النواقذ؟ من أين أتكلم في هذا المعنى؟ «رغ منها» يعني مختبئ؟ لا طبعًا، هو قال رغ منها يعني ليس مختبئًا، ولا أحد يرمي مختبئًا. رغ منها يعني ظاهر وانحرف عنها.

الوجه الثاني: «قذوفٌ إذا ما خالط الظبي سهمها وإن رغ منها أسلمته النواقذ». طبعًا الأداء أسهل لكم في الإعراب جدًا؛ لأنكم لو قرأتم في بعض الشروح على هذه الوجوه، فالإعراب كثير وصعب، فلذلك الأداء مهم فيها. وينبغي لمؤدي الشعر أن يبين الوجه الذي يفهم به البيت في أدائه. يعني إذا كنت تقول «قذوف» بكلام تام، ينبغي أن تقف، أو على الأقل تعمل نبرة ضغط أن هذا معنى تام. «قذوفٌ. إذا ما خالط الظبي سهمها وإن رغ منها أسلمته النواقذ». يعني شديدة الرمي، هنا المعنى أصح، لكن هنا ضعف في معنى الإصابة وارتباط العبارة من أول «إذا ما خالط الظبي سهمها» بالمولج الذي هو «القذوف»، لأن القذوف هو الشديد القذف أو الكثير القذف. وهذا ضعيف التعلق بإسلام القوائم.

مفهوم بتكلف أن تقول أصل قذوف لها صوت، ما علاقة شدة القذف؟ قد تكون بدون صوت. أنا أظن في السيرة أن للنبي ﷺ قوسًا تسمى «الكتوم»، هكذا قرأت في السيرة، أن النبي ﷺ له قوس تسمى الكتوم، كانت تضرب دون صوت. فقوة القذف، كما يقول أحمد العسال، متعلقة بما إذا أصاب الصيد وليس إن راغ منها؛ لأن قوة القذف قد تكون من قوس ليس لها صوت. فإذن رواية «هتوف» خرجت، وبان توهم البطليوسي أنها زيادة فائدة عن «هتوف»، وهو لم ينتبه إلى معنى «هتوف» أصلًا، فسرها بالصوت وخلاص، فلم يفسرها تفسيرًا شعريًا.

نأتي إلى رواية «هتوف» على الوجهين. «هتوفٌ إذا ما خالط الظبي سهمها وإن رغ منها أسلمته النواقذ»، وهذا أفسد من نفس الوجه في رواية «قذوف». «هتوفٌ إذا ما خالط الظبي سهمها»، يعني إذا خالط الظبي كانت هتوفًا، «وإن رغ منها أسلمته النواقذ». لا طبعًا، لأنه لا معنى لأن تكون هتوفًا فقط إذا ما خالط الظبي سهمها، ثم حالة أخرى مقابلة: «وإن رغ منها أسلمته النواقذ». لماذا تسلمه النواقذ إذا كان هذا في حال مقابلة للهتوف؟

نأتي إلى الوجه الرابع، وهو برواية «قذوف» على الوجه الإعرابي الثاني، أو رواية «هتوف» منادية. «هتوفٌ!» تنادي بكلام تام، ثم يأتي الشرح: «إذا ما خالط الظبي سهمها وإن رغ منها أسلمته النواقذ». أسلمته تسليم أهالي؛ هتوف مصوتة، صوتها تسمعه الرمية، فتنادي على الرمية: «هتوف!». إذا ما خالط الظبي سهمها أسلمته النواقذ، وإن رغ منها أسلمته النواقذ لأنها هتفت عليه. فالهتوف لا يراد منها مجرد التصوير أو التصويت، بل في لفظ الهتوف معنى الندبة والنداء.

فالشاعر يريد هنا أن هذه القوس بصوتها تهتف على رميتها لتثبت مكانها. وكما قلت، هذه مبالغة في وصف صنيعها؛ وذلك أن صوتها وحده صار معروفًا للرمية، حتى أن صوتها وحده يشل الرمية رعبًا منها لعلمها بها وبصوتها.

«حَلأها عن ذي الأراكة عامر، أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواحذ». وأنا عرضت إلى هذا من قبل لو تذكرون، وهذا هو الوجه الذي أختاره، والوجوه الأخرى ما بين الضعف والغلط كما رأيتم.

«قذوف إذا ما خالط الظبي سهمها، وإن ريغ منها أسلمتهن النواقذ». الجملة، جملة المعنى، لا تتعلق بـ "قذوف". «هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها، وإن ريغ منها أسلمتهن النواقذ»؛ صارت العبارة من بعد "هتوف" تفسيرًا لـ "هتوف" الذي فيه معنى النداء والندبة، تنادي على رميتها. فإما أن يخالطها السهم، وإما أن يخالط السهم الظبية، وإما أن يروغ الظبي من السهم، فتسلمه النواقذ في الحالين؛ إما أن يخالط الظبي السهم، أو راغ الظبي من السهم، فيثبت في مكانه إما من السهم وإما من الصوت. وهذا ما يرجح رواية "هتوف"، ويبطل ما قاله البطليوسي.

ولا تستقيم رواية "قذوف" على الوجهين، ولا رواية "هتوف" على الوجه الأول. يبقى بعد ذلك سترون محقق الديوان يتحدث في تعلق الشرط؛ أنت عندك جملتان، تعلق الشرط ببعضهما، وفسر الآخر بها، أي ألحق دلالته بالسياق. «إذا ما خالط الظبي سهمها، وإن ريغ منها أسلمته النواقذ»، فيكون جوابًا لـ "إذا ما خالط". محقق الديوان قال: علقها بـ "وإن ريغ منها أسلمته النواقذ". وأرى ذلك بعيدًا في الحقيقة؛ لم أستسغه لأن الاعتراض نفسه هنا رفع شرف المعنى.

كثير ممن يفسرون الشعر للأسف الشديد من الشراح وأهل اللغة في زماننا لا يراعون فكرة شرف المعنى، وإنما يختارون الوجه الأقرب للمألوف عندهم. مرة أخرى، أحذر من هذا منذ سنين؛ لما تشرح الشعر احترس من أن تذهب إلى المألوف عندك، فتشعر أن هذا صنع ألفة بينك وبين البيت، فصار بالنسبة إليك جميلًا مألوفًا لأنه على مستوى ما تألفه حتى لو كان مستوى نازلًا. الشعر يفسر على شرف المعنى.

هنا باعتراض الجملة: «إذا ما خالط الظبي سهمها وإن ريغ منها أسلمته النواقذ»، وهذا ما لدي من فقهي هذا البيت ومن معرفة شرفه. هناك رواية عجبتني في "أساس البلاغة" للزمخشري، وهي بجعل "ريعة" بالعين مكان "ريغة": «هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها، وريعه منها أسلمته النواقذ». هتوف نادت، ثم توقفت؛ وريعه من صوتها -ولم تناد هي عليه- أسلمته النواقذ، إذا سمع وريعه سمع الظبية، أو سمع الظبي وريعه ولم يُرمَ أسلمته النواقذ. هنا يجوز الوجه الثالث؛ لأن "هتوف" على وزن "فعول" تظل عامة بعيدة. «هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها، وريعه منها أسلمته النواقذ»، وريعه من صوتها دون قذف، يعني إذا رميت رمية أخرى أسلمتها النواقذ (القوائم). لكن لم أعتمدها، وإن كانت أعجبتني؛ لأنها أوجدت ظبيًا آخر لم يُرمَ لكن خاف.

«هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها وإن ريغ منها أسلمته النواقذ، كأن عليها زعفرانًا تميره، خوازن عطار يمان كوانز». الآن يصف لونها، وعليها لون الصفرة، وهذه الصفرة لا تخلو من الحمرة يا إخوة. أظن والله أعلم أن الأفضل أن تُعلق "أسلمته النواقذ" بـ "إذا ما خالط" وليس "وإن ريغ"، لأن النواقذ تسلم على الأصل إذا أصاب السهم الصيد، فكأن المعنى: إذا ما خالط الظبي السهم هذا هو الأصل بالضبط. وهذا معنى قولي إن الاعتراض بـ "وإن ريغ منها" كأنك قلت بالضبط: "إذا ما خالط الظبي سهمها أسلمته النواقذ، وإن ريغ منها".

يصف الآن شدة صفرتها إشارة إلى النبعة التي أتت منها، وصفراء من نبع. في بيت مستقل يحكي ما يكشف عن شدة هذه الصفرة وصفائها. وهذه الصفرة كما قلت غالبًا مائلة للحمرة. يقول: «كأن عليها زعفرانًا تميره»، هذا الزعفران تميره، أي تصب فيه الماء الدافئ ليذوب. «خوازن عطار يمان كوانز»؛ نسوة يخزن الزعفران، يعملن مع عطار يخزن الزعفران. ويبدو أن هناك شيئًا في اختياره "النسوة خوازن عطار"، يسلط النسوة على الزعفران يعملن معه، فكأن هناك عند النساء في بعض الأعمال مزية.

وقالوا إن أهل اليمن معروفون بالعطارة والزعفران، وطبعًا ربما لا يستحضر هذا الآن اليمن الذي حولوه عن اليمن السعيد للأسف، حول الله وجوههم عن الهدى أو عن الخير. امرؤ القيس يذكر التاجر اليماني، والقدماء جميعًا يذكرون السيف اليماني والتاجر اليماني، واليمن كانت شيئًا غير ما هي عليه الآن. فهنا يقول: «خوازن عطار يمان كوانز»، كأنه يشير إلى أنهن يكنزن هذا الزعفران ولا يخرجنه. ولا زالت أرجو الله، الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله.

﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. شوف، يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها. ما معنى كوانز؟ يعني هن من الأول كوانز لهذا العطار اليماني، يبخلن بهذا الزعفران، يبخلن بهذه الأشياء.

الآن هذه الخوازن، الكوانز، هي التي تميره، تصب الماء الدافئ عليه، وتصبغ به هذه، أو يقول إن صفرة الخشبة كهذا الزعفران الذي أخرجته هذه الكوانز، البواخل، أخرجته وصارت تذوف الماء فيه أو عليه هكذا. كأن عليها زعفراناً تميره خوازن عطار يماني كوانزه. وكأنك ترى هذا الزعفران الذي يذوب في الماء الدافئ هو ماء هذه الخشبة. نعم، مع الاقتناص يصبح أغمق.

هذه أعرفها الآن فقط: كأن عليها زعفراناً تميره خوازن عطار يماني كوانزه. وأنا أقول ما زلت أجد أو أشعر في نفسي بوجود أشياء في هذا البيت لم أعرفها بعد، كأن عليها زعفراناً، يعني يخفى علي بعض الأمور في هذا البيت، أقول هذا لأني ربما أكشف عنها بعد ذلك.

كأن عليها زعفراناً تميره خوازن عطار يماني، يعني مختزنات. ثم بعد أن أوهمك بتمام الكلام قال كوانزه. ويصف حال القوس في آخر بيت في الحديث عنها، وفي فصل النجاة، أو في فصل أخي الخضر، نعم. فيقول: إذا سقط الأنداء صينت *** وأكرمت حبيرا ولم تدرج عليها المعاوز

الأنداء جمع الندى، وهو البلل الذي يكون في الصباح. والحبير هو الحسن الجديد، يفسر بالحسن ويفسر بالجديد، ويفسر هنا بالجديد الثمين أو بالحسن الثمين، أو يفسر بأنه ثوب جديد حسن، يعني جدد له. إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت حبيراً ولم تدرج عليها المعاوز. والمعاوز جمع معوز، والمعاوز هي الثياب الخلقة التي استغنى عنها الإنسان، مفردها معوز.

أذكر شيئاً طريفاً في هذه القصيدة؛ كنت في أول حفظي لها أسمعها أو أنشدها لأم قيس، هي تمسك الديوان أو تمسك القصيدة حسب ما أخرجتها من الديوان وأسمع عليها. فجئت إلى هذا البيت ونسيت كلمة المعاوز. أنا وقفت على كلمة تميره، أنها فعل مضارع وأنه يفيد التجدد والحدوث، وكأنها ضمنت معنى تجدده. كأن عليها زعفراناً تميره خوازن؛ عطار يعني هي تدوفه وتدهنه وتدهن القوس كل مدة.

ولكن لم أتسرع في هذا، عندي وقفة بعد ذلك مع هذا البيت: كأن عليها زعفراناً تميره، يعني تميره تظل تذيبه لتدهنه، فكأنه يجدد دهانه، فهي على هذا الإرث القديم لم يذهب لونها، فدائماً صفراء محمرة بلون الزعفران، وكأنها يجدد لها بالخوازن، خوازن العطار اليماني الكوانز، يجدد لها هذا اللون أو الطلاء، والحقيقة أنه لون خشبتها الأولى.

حتى كلمة كوانز، أتردد في أنها، يعني أشعر أنها قد تذهب إلى فعل في القوس، ولكن لأنني غير متأكد والبث محفوظ، لم أشأ إلا أن أذكر المعنى العام والوجوه الظاهرة، لأن حتى كلمة كوانز ربما تنصرف إلى فعل في القوس وليس في الزعفران. تميره خوازن عطار، يعني كوانز، فسأراجع معنى الكنز، هل يتعلق ويصح أن يتعلق بالقوس أو لا؟

يقول: إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت حبيراً. يا أخي أول شيء تنظر فيه هنا هذا البناء، المعنى العام للبيت يقول: إذا سقط الندى الذي يكون في الصباح، جدد لها أو أكرمت حبيراً بمعنى ثميناً أكرمت به ولففت في داخله، جعلت في داخله، ولم تدرج، يعني لم تلقى عليها المعاوز الخلقان، كما نقول الخلقان؛ الثياب الخلقان المهترئة التي يستغنى عنها، نحميها منها من أندائها، لم تدرج عليها.

ولذلك رجحت رواية «أكرمت حبيراً»، لكن قبل ذلك رأيت كيف بني البيت على الأفعال المبنية لما لم يسمى فاعله؛ انظر: صينت، وأكرمت، ولم تدرج، صينت وأكرمت ولم تدرج عليها المعاوز. لماذا؟ لأنها من التليد، فهذا حال كل من تحصل عليها وورثها يجد نفسه يصونها ويكرمها. إذا سقط الأنداء صينت، من؟ من كل من أنبط الرامون عنها ترنمت.

إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت، شوف صينت وأكرمت حبيراً ولم تدرج عليها. أيوة، من فعل هذا؟ الورثة على العهود، بالضبط. لأنها هي نفس القوس التي «فانبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز». إذا رجعت بالتاريخ وراء، القواس والبائع، والآن نحن مع الورثة. شوف: «يغلي بها السوم رائز»، وقبل هذا الرائز: «فلما اطمأنت في يديه رأى غنى أحاط به وازور عمن يحاوز». بمجرد وهي خشبة رأى الغنى الذي أحاط به من ثمانية، الخشبة التي كأن عليها زعفراناً تميره، خوازن عطار يماني كوانزه.

إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت حبيراً، تلك التي أعطت من اللين جالباً كفى، ولها أن يطلق السهم حاجز. هذه صينت وأكرمت حبيراً. رأيت هذا؟ انظر بعد أن جعل لك هذا فعلاً تنساق إليه الورثة، كلهم يكرمها، كأنها أنثى معينة. انظر هنا إلى كلمة «وأكرمت حبيرًا»، هذه الكلمة أوقفتني كثيراً، تعثرت فيها.

وكلمة «لم تدرج عليها» تقابل كلمة «أكرمت حبيرًا»، يقابل الإكرام الإدراج. هناك رواية أخرى: «وأشعرت حبيرًا»، وهذه أشد صراحة في مقابلتي الإدراج، لم تلقى عليها المعاوز. في رواية «وأشعرت حبيرًا» يعني جعل الحبير الثمين مماساً لها، مباشراً لها. الشعار هو الثوب الذي يمس جسمك، فإذا كان تحتها ما يمس الجلد فهو الشعار. فيقول في رواية «وأشعرت حبيرًا» يعني جعل الحبير الثمين مماساً لها مباشرة، يقابل «لم تدرج عليها المعاوز».

لكن «وأكرمت»، في مقابل «لم تدرج عليها»، لم تلقى عليها، من حس بها؟ أكرمت حبيرًا. سقط الأنداء، جئنا بالثوب الحبير ولففناها في الثوب الحبير. أكرمت، جاء صاحبها وأتى بالثوب الحبير وصار يلفها في الثوب الحبير، إنما لم تدرج عليها المعاوز، يعني لا تأتي بالأقمشة المهترئة وتلقي عليها حتى لا يتلف خشبتها. أكرمت حبيرًا، فيها شعور إقامة المراسم. وأيضاً قوله...

لم تدرج عليها المعاوز، فيه إشارة إلى ما يكون مع غيرها من الأقواس، صح؟ لماذا لم يكتف بقوله: "إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت حبيراً"؟ كان من الممكن أن يأتي بمعنى آخر بعد ذلك يتم به البيت.

لم تدرج عليها المعاوز، كما يفعلون مع غيرها من الأقواس، أو الحراب، أو السلاح الذي قد يتلف، أو قد يضعفه الندى. "إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت حبيراً". صينت وأكرمت. وليس فقط أدرجوا عليها المعاوز وخلاص، كما يفعلون في الحراب أو الرماح الخشبية وكذا التي تصنع من النبعة أيضاً كما أعرفه.

فصينت وأكرمت حبيراً. ما زلت أقف على "أكرمت حبيراً" وليس "بحبير". "أكرمت حبيراً"؛ لأن كلمة "أكرمت" كأنها ضمنت بمعنى "أودعت": "أكرمت حبيراً". هي أصلها "أكرمت بحبير"، "أكرمت حبيراً" كأنها أودعت حبيراً، أعطوها حبيراً، "صينت وأكرمت حبيراً"، وضمنت معنى "أشعرت". رأيتم؟

نحن قليل التلاد، صح؟ "إذا سقط"، وهذا يؤيد لكم ما قلته من قبل، وهو أن كلمة "قليل التلاد" غير "قوس وأسهم" ليست قليلة في حقيقتها، يعني هو قليل التلاد، لكن في هذه التلاد ما ليس بقليل، لا يوصف بالقليل. "قليل التلاد غير قوس وأسهم"، هذه قوس لا توصف بأنها قليلة، فكأنه حقر التلاد التي عنده، قليل شأن التلاد، إلا هذه ليست قليلة. "قليل التلاد غير قوس" ليست قليلة، هذا كله يؤكد لكم هذا التفسير الذي قلته، والله تعالى أعلم.

ونبدأ في الأسبوع القادم إن شاء الله في قوله: "فلما رأينا الماء قد حال دونه زعاف، لدى جنب الشريعة كازو شكنة بأحساء الذناب على هدى"، كما تابعت سرد العنان الخوارزمي، وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعمتم صباحاً ومساءً.