دخولتسجيل الدخول

الدرس 9 - الأبيات (٣٣، ٣٤، ٣٥، ٣٦)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة، من بعد إذنكم. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من ألقى السلام أقول له وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا أقول له حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.

هذا أيها الإخوة هو مجلسنا التاسع من مجالسنا في الشرح الشعري المطول المفصل على زائية الشماخ بن ضرار، التي هي عين من عيون كلام العرب. ومجلسنا فيها كما تعلمون هو في يومي الخميس والجمعة من كل أسبوع. ولذلك اخترت أن أقطع سلسلة البرهان على منكري إعجاز القرآن، ونرجع إليها إن شاء الله تعالى يوم السبت في مجلس السبت، نرجع إن شاء الله تعالى إلى سلسلة البرهان، نتناول البراهين التي قالها بعض المعاصرين في إنكار الإعجاز البياني للقرآن إن شاء الله تعالى.

لكن لم أشأ أن أتوقف -ولو كان توقفاً مؤقتاً- عن هذه المجالس أو عن هذا الشرح الذي هو شرح زائية الشماخ، رضي الله عنكم، لأن هذا من عزائم العمل. بل هو كذلك في نفسه من عزائم العمل، فليس بالشيء الذي يقطع ويؤجل، بل هو عمل يطلب إتمامه، وعمل يطلب اتصاله، وجدير بالاتصال.

عَفَا بَطْنُ قَوْمٍ مِنْ سُلَيْمَةَ فَالْعَزْ فَذَاتُ الغَضَى فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِضِ وَمَرْتَبَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الْجَهْلِ حَاجِزُ وَعَوْجَاءُ مِجْذَامٌ وَأَمْرٌ صَرِيمَةٌ تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَأْبٍ مُطَرَّدٍ مِنَ الْحُقُبِ لَاحَتْهُ الْجِدَادُ الْغَوَارِزُ طَوَازِمُهَا فِي بَيْضَةِ الْقَيْظِ بَعْدَمَا جَرَتْ فِي عِنَانِ الشَّعْرِيَّيْنِ الْأَمَاعِزُ فَظَلَّتْ بِيَمٍّ أَوْدَ كَأَنَّ عُيُونَهَا إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُقِيَّ النَّوَاكِزِ لَهُنَّ صَلِيلٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ بِضَاحِي عُذَاةٍ أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِزُ

فَلَمَّا رَأَيْنَا الْوِرْدَ مِنْهُ صَرِيمَةً مَضَيْنَ وَلَاقَاهُنَّ خِلٌّ مُجَاوِزُ وَلَمَّا رَأَى الْإِظْلَامَ بَادَرَ بِهَا كَمَا بَادَرَ الْخَصْمَ اللَّجُوجَ الْمُحَافِظُ وَيَمَّمَهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رَمَّةٍ وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانٍ مَفَاوِزُ عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِئَاتٌ كَأَنَّهَا هَوَادِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الْجَزَازِجُ تَفَادَى إِذَا اسْتُذْكِرَ عَلَيْهَا وَتَتَّقِي كَمَا تَتَّقِي الْفَحْلَ الْمَخَاضَ الْجَوَامِزُ وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الْأَرَاكِ عَشِيَّةً فَصَدَّتْ وَقَدْ كَادَتْ بِشَرْجٍ تُجَاوِزُ وَهَمَّتْ بِوِرْدِ الْقَنَّتَيْنِ فَصَدَّهَا حَوَامِلُ كُرْعٍ وَالْقَنَانُ اللَّوَاهِزُ وَصَدَّتْ صُدُوداً عَنْ ذَرِيعَةِ عُثْلُبٍ وَلَابْنَيْ غَمَارٍ فِي الصُّدُورِ حَزَائِزُ وَلَوْ ثَقِفَهَا دَرْجٌ مِنْ دِمَائِهَا كَمَا جَلَّلَتْ مُذْلٍ وَالْكِرَامَ الرَّجَائِزُ وَحَلَّأَهَا عَنْ ذِي الْأَرَاكَةِ عَامِرٌ أَخُو الْخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّوَاحِزُ قَلِيلُ التَّلَادِ غَيْرُ قَوْسٍ وَأَسْهُمٍ كَأَنَّ الَّذِي يَرْمِي مِنَ الْوَحْشِ تَارِزُ مِطَالاً بِزَرْعٍ مَا يُدَاوَى رَمْيُهَا وَصَفْرَاءُ مِنْ نَبْعٍ عَلَيْهَا الْجَلَائِزُ تَخَيَّرَهَا الْقَوَّاسُ مِنْ فَرْعِ ضَالَّةٍ لَهَا شَذَبٌ مِنْ دُونِهَا وَحَوَاجِزُ نَمَتْ فِي مَكَانٍ كَالنَّهَارِ فَاسْتَوَتْ بِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَيَنْغَلُّ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ فَأَنْحَى عَلَيْهَا ذَاتَ حَدٍّ غَرَابُهَا عَدُوًّا لِأَوْسَاطِ الْعِضَاةِ مُشَارِزُ فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ فِي يَدَيْهِ رَأَى غِنًى أَحَاطَ بِهِ وَازْوَرَّ عَمَّنْ يُحَاوِزُ فَمَضَغَهَا عَامَيْنِ مَاءَ لِحَائِهَا وَيَنْظُرُ مِنْهَا أَيُّهَا هُوَ غَامِزُ أَقَامَ الثِّقَافُ وَالطَّرِيقَةَ دَرْءَهَا كَمَا قَوَّمَ الضِّغْنَ الشُّمُوسَ الْمُهَاجِمُ فَوَافَى بِهَا أَهْلَ الْمَوَاسِمِ فَانْبَرَى لَهَا بَيْعٌ يُغَلِّي بِهِ السَّوْمَ رَائِزُ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَشْتَرِيهَا فَإِنَّهَا تُبَاعُ مَبَابِيعَ التَّلَادِ الْحَرَائِزُ فَقَالَ إِزَارٌ شَرْعَبِيٌّ وَأَرْبَعٌ مِنَ السِّيرَاءِ أَوْ أَوَاقٍ نَوَاجِزُ ثَمَانٍ مِنَ الْكِيرِي حُمْرٌ كَأَنَّهَا مِنَ الْجَمْرِ مَا ذَكَّى عَلَى النَّارِ خَابِزُ وَبُرْدَانُ مِنْ خَالٍ وَتِسْعُونَ دِرْهَماً وَمَعَ ذَاكَ مَقْرُوضٌ مِنَ الْجِلْدِ مَاعِزُ فَظَلَّ يُنَاجِي نَفْسَهُ وَأَمِيرَهَا أَيَأْتِي الَّذِي يُعْطَى بِهَا أَنْ يُجَاوِزُ؟ فَقَالُوا لَهُ: بَايِعْ أَخَاكَ وَلَا يَكُنْ لَكَ الْيَوْمَ عَنْ رِبْحٍ مِنَ الْبَيْعِ لَاهِزُ فَلَمَّا شَرَاهَا فَاضَتِ الْعَيْنُ عَبْرَةً وَفِي الصَّدْرِ حَزَازٌ مِنَ الْوَجْدِ حَامِزُ وَذَاقَ فَأَعْطَتْهُ مِنَ اللِّينِ جَانِباً كَفَى وَلَهَا أَنْ يُغْرِقَ السَّهْمُ حَاجِزُ إِذَا أَنْبَضَ الرَّامُونَ عَنْهَا تَرَنَّمَتْ تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا الْجَنَائِزُ هَتُوفٌ إِذَا مَا خَالَطَ الظَّبْيَ سَهْمُهَا وَإِنْ رِيغَ عَنْهَا أَسْلَمَتْهُ النَّوَاكِزُ كَأَنَّ عَلَيْهَا زَعْفَرَاناً تُمِيرُهُ خَوَازِنُ عِطَارٍ يَمَانٍ كَوَانِزُ إِذَا سَقَطَ الْأَنْدَاءُ صِينَتْ وَأُكْرِمَتْ حِبَراً وَلَمْ تُدْرِجْ عَلَيْهَا الْمَعَاوِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْمَاءَ قَدْ حَالَ دُونَهُ زُعَافٌ لَدَى جَنْبِ الشَّرِيعَةِ كَارِسُ شَكَكْنَا بِأَحْسَاءِ الذُّنَابِ عَلَى هُدًى كَمَا تَابَعَتْ سَرْدَ الْعِنَانِ الْخَوَارِسُ وَلَمَّا اسْتَغَاثَتْ وَالْهَوَادِي عُيُونُهَا مِنَ الرَّهْبِ قَبْلُ وَالنُّفُوسُ نَوَاشِزُ فَأَلْقَتْ بِأَيْدِيهَا وَخَاضَتْ صُدُورُهَا وَهُنَّ إِلَى وَحْشِيِّهِنَّ كَوَارِسُ نَهَلْنَ بِمَدَانٍ مِنَ الْمَاءِ مُوهِناً عَلَى عَجَلٍ وَلِلْفِرِيسِ هَزَاهِزُ غَدَوْنَ لَهُ سَعْرَ الْخُدُودِ كَمَا غَدَتْ عَلَى مَاءٍ يَمْؤُدُ الدِّلَاءَ النَّوَاهِزُ يُحَشْرِجُهَا طَوْراً وَطَوْراً كَأَنَّمَا لَهُ بِالرِّغَامِ وَالْخَيَاشِيمِ جَارِسُ وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ دَوَائِرَ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ حَدَاهَا مِنَ الصَّيْدَاءِ نَعْلٌ طِرَاقُهَا حَوَامِلُ كُرْعٍ الْمُؤَيِّدَاتُ الْعَشَاوِزُ فَأَقْبَلَهَا نِجَادٌ قَوِيٌّ وَانْتَحَتْ بِهَا طُرُقٌ كَأَنَّهُنَّ نَحَائِزُ حَدَاهَا بِرَجْعٍ مِنْ نَهَاقٍ كَأَنَّهُ بِمَا رَدَّ اللُّحَيَاةَ إِلَى الْجَوْفِ رَاجِزُ فَأَوْرَدَهُنَّ الْمَوْرَ مُورَ حَمَامَةٍ عَلَى كُلِّ هِجْرِيَّاتِهَا هُوَ رَائِزُ يُكَلِّفُهَا طَوْراً مَدَاهُ إِذَا الْتَوَى بِهِ الْوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ الْمَجَاوِزُ مَحَامٍ عَلَى عَوْرَاتِهَا لَا يُرَوِّعُهَا خَيَالٌ وَلَا رَامِي الْوُحُوشِ الْمُنَاهِزُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ النَّشْزِ نَشْزُ حَمَامَةٍ لَهُ مَرْقَدٌ فِي مُسْتَوَى الْأَرْضِ بَارِزُ وَظَلَّتْ تُفَالَى بِالْيِفَاعِ كَأَنَّهَا رِمَاحٌ نَحَاهَا وَجْهَةَ الرِّيحِ رَاكِزُ

تَمَّتِ الْقَصِيدَةُ فِي سِتَّةٍ وَخَمْسِينَ بَيْتاً.

وكل من ألقى السلام أقول له وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أرجو أيها الإخوة أن تتفاعلوا مع البث، وأرجو ألا أطلب ذلك في كل مرة، لأن هذا مهم أيها الإخوة، اجعلوه فعلاً أساسياً. هذا مهم لظهور المقطع أو البث إلى إخوانكم، وأصبح أكثر الناس يشتكي بأنه لا تأتيه اختيارات البثوث للأسف الشديد، فأرجو التفاعل مع البث لأن هذا يزيد من نسبة ظهوره للناس.

تأتيهم اختيارات ربما شاء الله. تخيلوا الآن يا إخوة، نحن بلغنا إلى البيت الثاني بعد الثلاثين. الآن نحن في السوق، في الموسم.

وليكن هو القواس، فوافى بها أهل المواسم، وانبرى لها بيع. يغلي بها السوم رائز، فقال له: هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيعت تلاد الحرائز. فقال: إزار شرعبي وأربع من السيراء أو أواقٍ نواجذ، ثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر ما ذُكي على النار خابز، وبردان من خال وتسعون درهما، ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز.

أعطاه الثمن، وأغراه به بعد أن أغراه بشرائها، وعرفنا أن إغراءه بالثمن من أول ما قال: «إزار شرعبي وأربع من السيراء»، أنه عرف ماذا يشتري. يغلي بها السوم رائز، فقال: خذ كل شيء معي، أنا خلاص سأرجع من الموسم، لن أبيع شيئًا، لن أشتري شيئًا بما معي، سأشتري هذه فقط القوس. فلما عرض عليه ذلك كله، فظل يناجي نفسه وأميرها.

أيأتي الذي يعطى بها، أم يجاوز؟ يناجي نفسه، يعني يختلي بها ويحدثها؛ المناجاة. وفي الحديث الشريف أن النبي ﷺ نهى عن النجوى، والنجوى يعني بما فسروا فيه؛ أن يكونوا ثلاثة مثلا، وأن يأخذ واحد واحدًا هكذا ويترك هذا الثالث منبوذًا، نهى النبي ﷺ عن مثل هذا.

فظل يناجي نفسه، والمناجاة يعني حديث النفس. يناجي النفس يعني يخلو مع نفسه يحدثها حديثًا خاصًا لا يسمعه غيرها، هو بينهما. وأما أميرها، يناجي نفسه وأميرها، الأمير هو القلب، وإنما سمي أميرًا لأنه مؤمر على الإنسان. تذكرون عمر بن أبي ربيعة؟ «فأنت أبا الخطاب، غير مدافع علي أمير ما مكثت، مؤمر، أنت علي أمير ما مكثت، أنت أميري». الأمير هو صاحب السلطان والكلمة والتحكم والمسير.

فمعنى أمير النفس هنا القلب المتحكم فيها؛ لأن الإنسان يا إخوة كثيرًا لا يتحكم في قلبه، بل الأصل ألا يتحكم في قلبه. الإنسان محب، الإنسان كائن خلقه الله تعالى محبًا، لا يتحكم في قلب نفسه، قلبه هو أميره، هو من يسيره. أحيانًا يحتاج الإنسان إلى عزم ليقضي في الأمر وإلى تحكيم العقل كما يقولون، لكن هذا ليس أصلًا في الإنسان، الأصل في الإنسان أن أميره هو قلبه.

فظل يناجي نفسه وأميرها: أيأتي الذي يعطى بها، أم يجاوز؟ وكلمة «أم يجاوز» هنا يعني قالوا: أم يجاوز عن البيع؟ هكذا بعضهم قال، أم يجاوز في السعر؟ وسأبين الآن إن شاء الله تعالى في أثناء الشرح.

نرى هنا انتهى الإغراء، كان هناك إغراء من الطرفين، وبقي اتخاذ القرار من البائع، القواس. مع أن القواس هو الذي أغراه بالثمن، فقال له: هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيعت تلاد الحرائز، والآخر من أهل المواسم صدق على كلامه. نعم، أنت محق، ظل عامين يصنعها، عامين يمضغ ماء لحائها فقط وينظر منها أيها هو غامز، ولما اطمأنت في يديه رأى غنى أحاط به، فالموضوع كبير.

فهو صادق في كلامه، والآخر صدقه، وهو من أهل المواسم الذي انبرى لها، يغلي بها السوم رائز، فهو أغراه: «هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيعت تلاد الحرائز». فالآخر أغراه بالثمن: إزار شرعبي، أو أعطيك الثمن إزار شرعبي وأربع من السيراء أو أواقي النواجذ، وثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر ما ذكي على النار خابز، وبردان من خال وتسعون درهما، ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز؛ خذ الجمل بما حمل.

جئنا إلى الجد، كل ما سبق كان محاورة نفس، وكان الرغبة؛ هذا يريد الغنى والثمن، وهذا يريد قوسًا عتيدة. لما جئنا إلى لحظة انتقال الملكية تدخل الأمير، فظل يناجي نفسه وأميرها. انتهى الإغراء، وانتهت المساومات، كل يرغب بما عند الآخر.

وانتقل الهم الآن إلى صدر القواس. ما أقوله ليس رواية، ما أقوله سياق مهم لفهم دلالات الكلام. لماذا بعد أن قال له: هل تشتريها؟ الآن ظل يناجي نفسه وأميرها؟ لابد أن تفهم الكلام والسياق. انتهى الإغراء، وانتقل الهم الآن إلى صدر القواس، بعد ما ألقى له البيع الخبير ثمنًا جديراً بأن يناجي نفسه لأجله في نظير قوس تباع بما بيعت تلاد الحرائز، مع أنه هو عرض عليه.

فظل يناجي نفسه وأميرها: أيأتي الذي يعطى بها؟ أم يجاوز؟ وكلمة «ظل» إذا حملتها على استعمالنا نحن، فضل يعمل فضل، أما «ظل» فلها مدلولها في اللغة والبيان، فكلمة «ظل» تدل على طول المدة. وهذا يجري في سوق، والأصل في السوق الحركة والسرعة والبيع والشراء.

فقوله: «فظل يناجي نفسه»، كأني أنظر هنا إلى البائع يفكر ويضطرب ويتردد بين النفس والقلب، مضطرب عقله يقول وقلبه يقول، كأني أرى وجهه وهو يريد العزم بعقله ولكن يصده القلب. وكأني -لأنه في سوق- أرى الناس حوله الآن؛ هذا يقول بع، وهذا يحثه، لكن هو الآن غائب في القلب، غائب في العقل، في الحوار بين القلب والعقل. هناك ثلاثة أطراف: القواس، والقلب، والعقل.

فظل يناجي نفسه وأميرها، القلب يقول له: لا تبع، أو النفس تقول له: بع، وعقله يقول: بع، هو راغب، نفسه تقول: بع، وقلبه يقول: لا تبع. واجتمع الناس في هذا الوقت، لأن القواس لن يقف، والمشتري -البائع المذكور من أهل المواسم- لن يقف ساكتًا، وهو يناجي نفسه، وإنما يراوده ويجاذبه، ينازعه الحديث وهو ينقطع عنه.

وكأني هنا بالناس تجتمع، يدل على ذلك أنه في البيت التالي سترون الضمير يرجع على غير مصرح به، فقالوا له: «بايع أخاك». من أين ظهروا؟ من الذين قالوا له: بايع أخاك؟ أين هؤلاء؟ ما كانوا موجودين، هل ترون لهم ذكرًا قبل ذلك؟ ظهر هؤلاء لما ظل يناجي نفسه وأميرها وهو في الموسم في السوق، والآخر يراوده، ليس معناه أنه اختلى بنفسه فظل هكذا ساكتًا، والآخر صنم، هذا تفكير متحجر؛ «ظل يناجي نفسه» هذا لم يخرج من سياق السوق والمساومة.

هو ظل يرجع إلى نفسه والآخر يغريه، لكنه يرجع إلى نفسه، تخيلتم الفكرة يا إخوة؟ تخيلتم الفكرة؟ فظل يناجي نفسه وأميرها. أيأتي الذي يعطى بها أم يجاوز؟

هو في السوق، واجتمع الناس لذلك، ورأوا قوسًا ثمينة، ورأوا مساومة وإحجامًا؛ رأوا مساومة من أهل المواسم، ورأوا إحجامًا وتفكيرًا ونجوى في صدر القواس البائع. والدليل على ذلك فقالوا له: «بايع أخاك». فالشاعر يتكلم وهو يعلم أن السامع يعلم أن أهل السوق حاضرون. هذا كله في كلمة «ظل يناجي نفسه». فلا بد وأن تعلم ما هو الحشد الذي يدل عليه اللفظ بدلالة السياق مرة أخرى في الشعر، وهذا أخطر شيء، والشعر لمحة تكفي إشارته.

قالك والناس اجتمعت، وظل يتكلم، وهذا يقول وهذا يقول، والشعر لمحة تكفي إشارته، وليس بالهذر طاولت خطبه؛ فأنت مرة أخرى لا بد وأن تنتبه إلى اللفظة وإلى حشد دلالتها بالسياق، أو حشد معناها بدلالة السياق والموقع. «فظل يناجي»، هذا حدث. فهمتم؟ «ظل يناجي نفسه وأميرها». أيأتي الذي يعطى بها أم يجاوز؟ ظل يناجي من؟ ظل يرجع، لا يناجي البيع، البيع واضح، خذ هذا كله.

«ظل يناجي نفسه وأميرها»، نفسه وأميرها، هذا ما أقف عنده، يا الله كم وقفت عنده وكم ذهلت منه. يناجي نفسه وأميرها، يعني عقله أو نفسه الراغبة وقلبه الرافض. هاتان اللفظتان يا إخوة: «ظل يناجي نفسه وأميرها»، وتؤدى هكذا. مع أن كلمة مناجاة النفس كافية في صدره، لكن «وأميرها» بإضافتها إلى ضمير عائد على النفس -انتبه لم تنتبه إلى أميرها وأنه مضاف إلى ضمير عائد على النفس- لما قال «وأميرها» كأنه ينقض لك عمل النفس، وكأنه دخل فيه، كأنه دخل في حلقة مفرغة من المناجاة؛ النفس تقول، ويأتي أميرها يهدم سلطان أوامر سامية.

لم يقل: «فظل يناجي نفسه وقلبه»، أوف! أوف! على الفرق! ركزوا معي، ركزوا في هذا، والله إن هذا لهو الكلام النبيل، وإن هذا الشرح لهو الشيء النفيس الثمين، وأنا أعلم ما أقول ولا أستحي من هذا ولا أحرج، ما أقوله لكم ثمين في فهم الشعر. لو قال: «فظل يناجي نفسه وقلبه»، هل أخطأ في أصل المعنى؟ دعكم من الوزن، كان يمكن أن يتصرف الشاعر، لو قال: «فظل يناجي نفسه وقلبه» أو «وفؤاده»، هل كان سيغير شيئًا من أصل المعنى؟ أجيبوا من أصل المعنى، هل كان سيتغير شيء؟ لن يتغير شيء.

الإخوة المشرفين، من يظل بقلة أدب وقلة تربية يسأل في أشياء خارجة عن الكلام ولا يراعي السياق ولا يراعي الأدب، احضروه فورًا، ليس حذف الرسالة، بل احضروا الشخص أصلًا. الذي يظل ونحن نتكلم بمثل هذا، يسأل خارج الكلام وكأنه ولد سفيه، وينم عن تربية أمه وأبيه المتدنية الوضيعة؛ فاحضروه، وليذهب إلى أبيه وأمه ممن أساء إليه، فهو أليق بهما وهما أليق به. من لا يراعي المجلس احضروه.

فلو قال: «فظل يناجي نفسه وقلبه» أو «نفسه وفؤاده»، لم يكن قد خالف أصل المعنى، ولكن الشعر لمحة تكفي إشارته، وليس بالهذر طاولت خطبه. الشاعر أراد أن يقول: كلما أبرمت نفسه رأيًا، انقلب عليها القلب ونقض لها هذا الإبرام، فكيف شرح ذلك في لفظ قليل جدًا في الجرم؟ قال: «وأميرها». فما قال «وأميرها» إلا وهو يوحي وحيًا بأن الأمير يقول خلاف النفس، وبأن هناك رأيًا وهناك رأيًا ينقضه، وأن هناك إبرامًا وهناك نقضًا.

انتبهتم إلى إضافة الأمير؟ لفظ «أمير» مضاف إلى الهاء العائدة على النفس، «فظل يناجي نفسه وأميرها»، كأنه يقول: والمخالف، صاحب السلطان عليها، فظل يناجي نفسه وأميرها. يعني إذًا هناك رأي وهناك نقض لهذا الرأي، هناك إبرام وهناك نقض، هناك رأي ولكن هناك مخالفة من أمير. ولهذا احتاج بالضبط سلطان القلب على النفس. الشعراء ماكرون، هذا مكر الشعراء يا إخوة، هم لم يخلدوا نجومًا في السماء من فراغ.

«فظل يناجي نفسه وأميرها»، ولهذا احتاج إلى الناس حتى يُمضوا أمر النفس، لأن أمر القلب متسلط. ولو قال: «فظل يناجي أمير النفس والنفس» لفقدنا هذا، لأنه أشار بتأخير الأمير إلى أنه الرأي المستقر الأخير الغالب. هو الرأي الأخير الغالب، صح؟ «فظل يناجي نفسه وأميرها»، يعني يوافق وينقضه القلب. كلما أرادت النفس راغبة، يأتي القلب: لا، لا، لا تفارق هذه القوس. ولهذا احتاج إلى الناس حتى يُمضوا أمر النفس، لأن النفس هنا أضعف من الأمير، ولولا أن الأمير يأمره بعدم البيع، وأن هذا هو الرأي المبرم أو الرأي الأخير المستقر الغالب وأن له السلطان، ما احتاج إلى إغراء الناس لإمضاء رأي نفسه، ومع ذلك سيحضر الأمير، فاضت العين عبرة وكأن الأمير يقول له: «ألم أقل لك لا تبع؟».

«فظل يناجي نفسه وأميرها»، أيأتي الذي يعطى بها؟ هنا يوجد اختصار. شوف يناجي، فاختصر حكاية القول؛ يقول لنفسه ولقلبه، لأمير النفس: «أيأتي الذي يعطى بها؟». لكنه اختصر هذا، وهذا موجود في القرآن وموجود في الشعر، اختصار القول. ستسأل: هل دائمًا ظهور القول أجود أو اختصار القول أجود؟ الجواب: لا، في مواطن حكاية القول مهمة قبل قول القول، مثل: «فقال له: هل تشتريها؟»، هذه مهمة لأن حكاية القول مطلوبة في إبراز أنه فعل شيئًا.

وهذا يظهر عند امرئ القيس في «قفا نبك»، «فقالت لك الويلات إنك مرجلي»، «تقول وقد مال الغبيط بنا معما»، «فقلت لها سيري وأرخي زمامه»، «قلت لها». طريقة «قال وقلت» هذه في أشعار الصبابة، وكذلك في أشعار الحماسة. لأن القول نفسه مطلوب، بدليل: «صبورٌ ولو لم تبقى مني بقيةٌ .. قؤولٌ ولو أن السيوف جُوابُ»

وكذلك عند تأبط شراً: «حمالُ ألويةٍ شهادٍ أنديةٍ .. قوالُ محكمةٍ جوابُ آفاقِ»

وعند زهير بن أبي سلمى: «وقد قلتما إن ندرك السلم واسعًا»

بمال ومعروف من الأمر نسلمي، فأصبحتما منها على خير موطن، أحسنتم.

وفي مواضع أخرى، هو وضعك الآن في صورة الذي يناجي نفسه؛ "يناجي نفسه" كلمة يقول هنا حشو محض لو ظهرت، "يناجي نفسه" يقول: أيأتي الذي... "يناجي نفسه" يقول: أيأتي الذي أعطى بها؟ فظل يناجي نفسه وأميرها، أيأتي الذي يُعطى بها؟ كأنه اختصر القول، يسائلها أو يسائل النفس والأمير: أيأتي الذي يُعطى بها؟ لكن خلاص نحن أصبحنا في السياق، أصبحنا في قلب الحدث، أصبحنا نرى.

ولذلك هناك: «أفاطمُ مهلاً بعض هذا التدللِ»، فاطمة هي عنيزة، فاطمة هي عنيزة. ويوم دخلت الخدرة، خدرة عنيزة، فقالت له: «الويلات إنك مرجلي»، تقول وقد مال الغبيط بنا معًا، «عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلي»، فقلت لها: «سيري وأرخي زمامه ولا تبعديني من جناك المعلل، فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعًا فألهيتها عن ذي تمائم محولي، إذا ما بكى من خلفها انحرفت له بشق وشق عندنا لم يحولي، ويومًا على ظهر الكثيب تعذرت علي وآلت حلفةً لم تحل لي، أفاطمُ مهلًا».

ناديت: «أفاطم مهلاً»، الحذف هنا مقصود، كما هنا؛ لأنه في قلب الحدث وننتظر منه فعلًا، فإذا قال: «أفاطم مهلاً» فهمنا أنه اختصر فعل: ناديتها، ناجيتها أو ناديتها. فظل يناجي نفسه وأميرها: أيأتي الذي يُعطى بها؟ أم يجاوز؟ وهنا بعضهم قال: "يجاوز" كالدكتور، يعني هذا خلاف أصلاً، قرأه بعض الشراح؛ قال: يحتمل أنه يجاوز في السعر، ويحتمل أنه يجاوز في فكرة البيع أصلاً.

الأستاذ عبده زايد يقول: «فلما شراها فاضت العين»، لا، ليس فيه مثل هذا؛ هل فاضت العين عبرةً لأنه كان يطمع فيما هو أكثر؟ أو لأنه فارق قوسًا خالطت وجدانه وقلبه؟ الأمران محتملان، والحقيقة ليس محتملين، وسأخبركم لماذا ليس محتملين. وكذلك نفس هذا البيت: أيأتي الذي يُعطى بها أم يجاوز إلى أعلى؟

الحقيقة أنك إذا نظرت إلى السياق وجدت أن المجاوزة لا تتأتى في السعر؛ لأن القضية فيها "الأمير" الذي هو القلب، وهذا لا يلتئم مع مجرد المجاوزة في الثمن. رأيتم؟ بعد كل ما سبق أجعله يفكر ثم سيبكي، تفيض العين عبرة لأجل زيادة في السعر؟ بعد أن أخذ الجمل بما حمل؟ يبكي على هذا؟ فالأمر هنا لا يلتئم مع مجرد المجاوزة في الثمن، لا سيما وأن الرجل قد غال له جدًا وأعطاه الجمل بما حمل، ثم هو يريد بيعها أصلاً؛ أتشتريها؟ هل تشتريها؟ «فإنها تباع بما بيعت تلاد الحرائز».

إنما المقصود يا إخوة مجاوزة البيع برمته، هذا الذي يقال فيه: «وفي الصدر حزاز من الوجد حامز». لا يقال فاضت العين عبرة وفي الصدر حزاز من الوجد حامز على زيادة كان سيزيدها على ما أعطاه وأغراه به في ثلاثة أبيات؛ هذا لا يلتئم، ولا أفهم كيف يفهم الشعر كذلك مع احترامي للأسماء وإجلالي لها، لكن كثير ممن تكلم في شرح الشعر هم باحثون مؤرخون في الأدب، باحثون تحليليون أو وصفيون.

هذا لابد أن نقوله؛ وصفيون في الشعر في ظواهر أدبية، يصفون لك التشبيه، يصفون لك كثرة الاستعارة، نسبة زيادة ظاهرة فنية على ظاهرة زيادة موضوع على موضوع، زيادة بعض الظواهر الفنية أو البديعية أو البيانية في عصر على عصر، هؤلاء مؤرخون. لكن إذا وهم كثر بالناس، بالمناسبة عندنا في مصر، الجيل الباحثين الذي تلى العقاد وهذه المدرسة، ومع ظهور الأكاديمية وكذا، شوقي ضيف رحمه الله، محمد حسنين، محمد حسن هيكل، أو حسن هيكل، ترى هؤلاء في أثناء الشرح حينما يتجاسرون على شرح الشعر ترى شيئًا عجبًا.

فأقول مع احترامي لهذه الأسماء: لا، هذا لا يلتئم؛ كيف وضعوا احتمالًا أن يكون في الصدر حزاز من الوجد حامز؟ ومنهم محقق الديوان بالمناسبة رحمه الله وجزاه خيرًا، كيف وفي الصدر حزاز لاحتمال لأنه أراد سعرًا أكبر؟ هذا أي كلام، هذا خروج عن نسق الشعر. أرجو التفاعل مع البث يا إخوة، سواء من الحاضرين أو ممن يشاهد البث المحفوظ بعد ذلك؛ لأن هذا يساعد في ظهوره لغيرهم، وللأسف تعلمون حساباتنا عليها تقييدات سيئة، والحمد لله فضل الله كبير.

«فظل يناجي نفسه وأميرها، أيأتي الذي يُعطى بها؟ أم يجاوز القضية برمتها؟». ولدلالة كلمة "ظل" على ما بينت جاء البيت التالي، وفيه ضمير عائد على غير مذكور ولكنه مفهوم، وهذا ينبغي أن يكون من الشواهد في كتب النحو؛ الشاهد المشهور في كتب النحو هو قول امرئ القيس من الشعر.

ألا يا لهف هند إثر قوم، همو كانوا الشفاء فلم يصابوا. إرجاع الضمير على غير مذكور لا بد أن تقرأ ما قبله لأنك ستفهم الذي يعود عليه الضمير؛ فهذه ثلاثة أبيات لامرئ القيس مروية لما دخل على قوم قتل فيهم ليلًا وأوقع فيهم مقتلة شديدة، يظنهم بني أسد، فإذا امرأة تقول له، طلبتك رحلت بليل، فقالوا أنشد هذه الأبيات. الأصمعي يقول: ليس مثلها في الدنيا هذه الأبيات الثلاثة:

«ألا يا لهف هند إثر قومٍ * همو كانوا الشفاء فلم يصابوا» «وقاهم جدهم حظهم ببني * أبيهم وبالأشقين ما كان العقاب» «فأفلتهن علباء جريدًا * ولو أدركناه صفر الوطاب»

قالوا: الضمير (النسوة) في «أدركناه»؛ أدركنا من أدركناه؟ قالوا: الخيل، وأين الخيل؟ لم تذكر الخيل من قبل، قالوا: فهمت من سياق الحديث عن مقتله، فالعرب تقاتل بالخيل، ويفهم من حديث وجود من هرب، فإذا قال «لو أدركناه» كيف سيدركون الهارب؟ فهمتم؟ وهذا أيضًا يصلح شاهدًا.

فقالوا له: «بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم على الربح من البيع لاهز». أول شيء، طبعًا «لاهز» يعني دافع ومانع يا إخوة، اللاهز هو الدافع المانع، إذا دفعه عن شيء هكذا لهزه عنه، والفاعل لاهز. نجد الضمير كما قلت هنا يعود على غير مذكور، والشاعر يريد بذلك... والشاعر لا أهل المواسم، طبعًا أهل المواسم ذهبوا الآن صار في موقف خاص، لكن يفهم من سياق السوق عمومًا، ومنه أنه جاء إلى أهل المواسم، لكن لا يعود على أهل المواسم. فالشاعر هنا يريد بذلك.

يريد أن المناجاة طالت حتى تنبه لها أهل السوق، واجتمعوا وعرفوا ما يجري مع القواس والمشتري والبائع. فقالوا له: «أه ده فيه حضور بقى وفيه مشكلات»، فقام رجل يحثه، والآخر يناقش نفسه، والآخر يغريه، والآخر يقول: «اتركني قليلا، دعني ونفسي وقلبي»، وهكذا.

سآتي يا أستاذة إيثار، نعم، طبعاً مثلك يدرك هذا؛ أراد أن يوضح لك وجود زحام، وكيف أن الأمر ارتفع إلى ما بينهما من المساومة والتحريض على البيع، والشد والجذب، وحيرة القواس البائع إلى أن اجتمع الناس.

يقول لك: «فقالوا له»، يعني هم موجودون. طيب يا أبا قيس، من أين علمت بوجودهم من أول فظل؟ صدق أو لا تصدق، والله من قوله: «فظل». تعرفون لماذا؟ لأنني لم أكن هنا معكم، أنا كنت هناك في السوق معهم ورأيت ما يحصل، وقطعاً السوق ليس فارغاً. هذا ظل يناجي نفسه والناس تروح وتجيء، والقوس موجودة، لن يجتمعوا لأجل القوس، والرجل يحثه، والآخر يناجي، والآخر يحثه.

المشتري أصلاً واضح أنه من أهل المواسم، له مكان في السوق، ويساوم شخصاً وهذا الشخص حائر، نحن في سوق عربي، فأنا علمت باجتماع الناس من «فظل»، ولذلك لما جاء فقالوا له؛ لم أشعر بانقطاع بعضهم، قال لي إنه شعر بانقطاع، قالوا له: بايع. هم كانوا فين؟ من أين طلعوا؟ طلعوا من تحت الأرض! أنت الذي لم تكن معهم على نفس الأرض، أنا كنت هناك ووقفت، فظل يناجي نفسه ورأيت الزحام. والله رأيت الزحام؛ ظل يناجي نفسه، والآخر واقف مشلول، أي مقيد، متكتف.

فقالوا له: «أين هم من هؤلاء؟ أنت مش اللي موجودين أهم، أنت مش شايفهم؟». «أنا مش شايف أية أحد». «أهم يا ابني أهم!». أنت يا أفهبل هم فين؟ موجودين، أنت اللي مش شايف. بالضبط، هبطت القوس فجمعتهم، الموقف كله يجمع.

فقالوا له: «بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز». انظر هنا كيف حصل استعطاف مبطن بقولهم: «بايع أخاك»، ذكروا البيع له بوصف الأخوة، كأنهم يقولون هو أخوك ولا يخدعك، ولا خسران في مبايعته أو في عقد الصفقة معه، هو أخوك. ومن جهة أخرى «ولا يكن» إغراء وتليين للقلب، «ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز». عيب يا رجل، هذا أخوك، بايع أخاك ولن تخسر، لن تذهب إلى غريب كما تقولون، لن تخسر. انظر، استعطاف محشود إلى إغراء؛ لطفوا قلبه وأغروه بالثمن. كل هذا الحشد لأجل إتمام الصفقة، حشد عاطفي.

فقالوا له ولم ينافسوه. أرأيتم؟ أختنا تقول العجيب أنهم لم ينافسوه، ليس معهم ماله، وهذا مما يؤكد أنه بكى لفكرة البيع أصلاً. بالضبط يا أستاذة إيثار، ترهيب من ضياع الصفقة، هو بكى من الفراق وليس من الزيادة في الثمن التي لم ينافسه من أهل السوق فيها أحد. «بايع أخاك»، يعني هم برة الليلة أصلاً ومهتمون، ترأيتم هذا؟ الله يرضى عليكم يا رب، رضي الله عنكم، آمين. وهم مهتمون بالبيع، مهتمون بالقضية، بما أنهم لم يشتروها، فليعملوا خيراً: «بايع أخاك»، نحن لا يسعنا أن نشتريها كما معه. هم صاروا الآن كالحكم في مباراة، الرجل أعطى كل ما معه وهم ليس معهم الذي معه، فصار الفاضي يعمل قاضي.

والظاهر يا إخوة أن هؤلاء صادقون، لأنهم قد أغروا بعرض هذا البيع ولا قدرة لهم على منافسته، هم رأوا البيعة هنا مكسباً كبيراً، فهم أغروا كذلك بعرض الثمن ولا يريدون أن يفوت القواسة المكسب، بل قد بلغوا كما ترون في البيت من الإغراء والاندهاش من الثمن أنهم يتوددون للبائع القواس حتى لا يخسر: «بايع أخاك». ثم يغرونه: «ولا يكن»، يعني هم يستعظمون الثمن كبيراً.

وهذا فيه إشارة من الشاعر لمحة تكفي إشارته، وليس بالهذر، في إشارة كذلك إلى ثمن ما عرض من الثمن، وبالتالي إلى ثمن هذه القوس. الشاعر صنع كل هذا، يعني كل هذا داخل عقل الشاعر وصدره صنعه لك، ليس أن تراه أحداثاً وقعت وأنت تفسرها، الشاعر هو صانع الحدث. ولكن فيه إشارة كذلك إلى أن الجماهير تغفل عما في نفسك، الجماهير غافلة عما في نفسك، ولا تقدر بغير الظاهر، ولا تدري قيمة الشيء في نفس الإنسان.

فليته أطاع الأمير، ليس من فراغ سمي القلب هنا أميراً، لأن أثره ممتد إلى آخر لحظة بعدها، إلى أن يذوق. «فظل يناجي نفسه»، اربط الآن المسمار وأميرها؛ «أيأتي الذي يعطى بها أم يجاوز؟ فقالوا له: بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز. فلما شراها، فاضت العين عبرة، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز».

الأمير فجع القلب، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز، ويال الوجيعة لما يقابل بالآخر؛ «وذاق فأعطته من اللين جانباً كفاه». يا نهار أبيض على الدلع، شيء عالي جداً، سبحان الله، دلع ومؤانسة وملاعبة.

فظل يناجي نفسه، اغفروا لنا يا إخوان، نسرح مع الكلام، «فظل يناجي نفسه، وأميرها، أيأتي الذي يعطى بها أم يجاوز؟ فقالوا له: بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز». أحسنت يا جمال على البيان، في كل بيت لم ينزل رغم الدفقة الشعورية.

لم ينزل، وأنا دائما أقول يا إخوان تريدون أن تتعاملوا مع الشعر العالي، اعملوا حسابكم؛ طبعاً تحتاجون -وأنا أقول لكم هذا عن تجربة- تحتاجون إلى سنوات من التدرب، لكن إذا أرشدتم، إذا قيل لكم في هذا، تختصرون الوقت إن شاء الله. لكن نعم، تبقى سنوات لكن تقل.

خلاص؟ الشعر تعامل مع كل بيت أنت خلاص عرفت موقع البيت وتم، تعامل مع البيت على أنه البيت الموجود، على أنه الوحدة الموجودة، أنت الآن في عالم آخر. هكذا حتى فيما يبدو لك من الشعراء الكبار كـامرئ القيس، يبدو لك شعراً سردياً متصلاً.

يؤذيني جداً، يؤذيني جداً في الحقيقة أن أرى، أن أسمعهم يقرأون امرأ القيس كما يقرأون عمر بن أبي ربيعة. أحبك الذي أحببتني فيه، الله يرضى عليك. أقول يحزنني جداً أن أراهم يقرأون امرأ القيس كما يقرأون عمر بن أبي ربيعة.

لأن عمر بن أبي ربيعة هكذا ستقرأ: «فحييت إذ فاجأتها فتولّهت وقد كادت بمخفوض التحية تجهر، وقالت وعضّت بالبنان فضحتني وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر، أريتك إذ هنّ عليك ألم تخف؟ وُقيت وحولي من عدوك حضّر، فوالله ما أدري أتعجيل حاجة سرت بك أم قد نام من كنت تحذر؟». فأراهم يقرأون الطريقة السردية عند امرئ القيس بنفس الطريقة والحقيقة لا.

أنا رجل أعيش مع امرئ القيس منذ 15 عاماً، يومياً، من 15 عاماً، وأقول لك امرأ القيس غير هذا تماماً، حتى فيما يبدو لك أنه حكائي أو سردي. ولذلك توجد مشكلة في إنشاد الشعر يا إخواننا؛ أشتغل هذه الفترة يشغل بالي فلسفة في الموضوع، وهي فكرة إنشاد الشعر، الإنشاد أمام العامة، أمام الناس؛ لابد أن ينقل النص الشعري إلى قطعة واحدة كالخطبة، فبالتالي ينظر إليه من جهة السرد وتقل قيمة العمق في البيت، هذا لا ينشد في جمع.

أما الشعر العالي فيحتاج إلى مجلس، لو كان إنشاداً ليس للحفظ، لو كان إنشاداً لمعرفة الشعر. لو كان إنشاداً لمعرفة الشعر، هذا باب آخر تماماً. وبالمناسبة أنا أحرر هذه الفترة هذه المسألة في كتاب التأسيس، وأحرر مسألة إنشاد الشعر؛ لأننا نعيش مشكلة في الإنشاد، حتى أصحاب بعض الشعر العالي إذا أنشدوا أمام الجماهير سترون مثلاً يأتي إلى آخر البيت يسحبه سريعاً، ويدخل في الذي بعده، وقبل الآخر يسحب سريعاً، تلاحظون هذا؟ وكأنه ينهي الكلام في ذيل هكذا ختام كأنه معروف، وهكذا هذا غلط، هذا غلط غلط.

لأن البيت إلى آخر حرف أنت تغلق معناه، أنت تغلق معناه إلى آخر حرف تغلق معناه. فهذه السحبة، حتى أسمع بعض الشعراء المجيدين في عصرنا، حتى يقرأ السحبة أقول هو خالف حتى نفسه، خالف نفسه؛ لأنه هذا المعنى عنده أكبر من طريقة أدائه، لكن الوقفة الجماهيرية حكمت، قضت بذلك، اقتضت ذلك. فهمتم؟ الوقفة الجماهيرية اقتضت ذلك؛ لأنك لا تستطيع أن تتناول الشعر العالي الذي تقف فيه على تأمل الكلمة، حتى لو إنشاد متصل.

لو افترضنا الآن شخصاً رفيع المقام في الشعر، فحلّاً عظيماً، وكذا وكذا، أحسنت، الوضع لا يسمح. عظيم المقام، سيسمع من الشاعر حتى هذا السماع لا يجوز، لا. الذي لن يكرر فيه الكلام، حتى هذا السماع غير سماع الجمهور، غير سماع الجمهور. تذكرون كلمة المزرد بن ضرار لما قال: «تُرازُ فلا تزداد إلا استنارةً إذا رازت الشعر الشفاه العوامل».

من الذي يراز الشعر بالشفاه العوامل؟ فحول المستمعين. الآخرون يسمعون، لا. إذا راز، من الذي يختبر الشعر في الجاهلية؟ المحكمون الشعراء الكبار، يروزون الشعر، فمجلس يراز فيه الشعر، مجلس يراز فيه الشعر. فهذه مشكلة أيها الإخوة في أداء الشعر، هي مرتبطة بما بكلام أخينا جمال، قضية أن كل بيت واحد، نعم، كما قلت لكم مشكلة.

ومشكلة أخرى أن الذي يقرأ الشعر السردي للشعراء الكبار ترونه للأسف الشديد يسردوه كأنه قريب الغور، لأنه لم يفهمه. هذه الحقيقة تعرفون؟ هل تظنون أنكم فهمتم؟ «ويوم عاقرت للعذارى مطيتي، فيا عجباً من رحلها المتحمل». الناس تقرأها هكذا: «ويوم عاقرت للعذارى مطيتي فيا عجباً من رحلها المتحمل. يظل العذارى يرتمين بلحمها وشحم كهذاب الدبقس المفتل». يعمل لك كده؟ يا أهبل، يا عبيط، يا حافظ مش فاهم، هذه طريقة يقرأ بها الشعر.

«ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة». يعمل لك كده؟ يعني يوم دخلت الخدر خدر عنيزة، يعني ما معنى يوم دخلت الخدر؟ هل هو حكاية للزمن؟ هل هذه حكاية للزمن؟ لا. تعال من الأول: «ألا رب يوم لي». وأنا أقف على لي، أقف على لي، ليكون نعتاً كاملاً لمخفوض رب. يعني ألا رب يوم هو لي أو يكون لي. ألا رب يوم فمتعلق بكائن لي، واليوم هنا كامل وحده، لا يتعلق بشيء، أو كونه له، لا يتعلق بشيء آخر، هو كلام تام.

«ألا رب يوم لي»، ثم يأتي نعت جديد، «من البيض»، وليس بكائن لي من البيض، لا، يعني يكون لي من البيض، لا. «ألا رب يوم لي»، واليوم هنا مجمل ومبهم، كأنه يقول: هذه أيامي، هذا يومي، بقطع النظر عن شيء. ثم قوله «من البيض»، هذا يشبه التفسير، يعني كأن اليوم صار من كذا. «ألا رب يوم لي من البيض»، صالح. والعربي إذا ذكر صفة موجودة بالأصل فإنما يريد المبالغة فيها.

«ألا رب يوم لي من البيض»، هذه الرواية أنا مختارها من الإخوة، الرواية الأخرى أختارها منذ سنين طويلة: «ألا رب يوم لي من البيض صالح». اسمع، أجمل اليوم وأبهم، وفخم من شأنه في النفس. كونوا معي يا إخوة، فخم من شأنه في النفس. ولا سيما، «سي» يعني شبيه يا إخوة، أيضاً نقرأها هكذا: «ولا سيما» على طريقتنا، لا، «سي» السي شبيه، ويقال: سيان، هما سيان، خلاص، يعني شبيهان، السي شبيه، وما هنا زائدة للقوة والتوكيد.

«ولا سيما»، ماذا؟ «يوم بدارة جلجل»، يوم كان قضيته بهذه الدارة. وعظمة البيان هنا أن يكون اليوم مبهمًا كما أبهمه في أول البيت: «ألا رب يوم لي من البيض صالح، ولا سيما يوم بدارة جلجل». ضع في اليوم كل ما تشاء، فاليوم ليس زمناً، اليوم هنا أفعال. لما أقول هو يوم بدارة جلجل، اليوم هنا بما وقع فيه، المراد ما وقع فيه، كما في القرآن: ﴿يَوْمَ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: 17]. يعني ما هو في اليوم، ما في هذا اليوم.

ولهذا لما أبهم وقال: «يوم بدارة جلجل»، لتتخيل كل شيء، هو يوم بهذه الدارة. ثم قال: «ويوم»، إذاً اليوم هنا لا يحتفظ بماذا؟ لا يحتفظ بالزمنية فقط. اليوم هنا على ما سلكه من الكلام، هو يوم بما فيه من صبوة، بما فيه من متعة.

بما فيه من كذا، ولهذا لما قال وأسند "ويوم"، "اليوم" هنا ليس ظرفاً متحمضاً في الظرف. اليوم هنا لما يقول "ويوم"، يعني يوم بما فيه من المتعة التي هي من الصلاح، كان يوماً من الصلاح لي ومن البيض، وهذا اليوم لي، كان يومي.

يقول "ويوم"، يعني ويوم كان من كذا ومن صبوة ومن كذا، أن بلغت من متعته وعدم مبالاته أن عقرت للعذارى مطيتي. كأنك تسمعه يقول: "ويوم بلغت أن عقرت للعذارى مطيتي"، هذا مبلغ ما أدى إليه هذا اليوم، وليس أنه هو في يوم عقرت للعذارى مطيتي.

فيا عجباً! ألم تنتبه إلى "فيا عجباً"؟ نقرأها: "فيا عجباً". فيا عجباً من رحلها لأنه عقرها، يعني أهانها. لم يقل نحرتها، عقرها يعني ضرب عراقيبها فسقطت، فتنابهن رحلها. فيا عجباً في هذا اليوم، يتكلم عن الصبوة والمتعة واللامبالاة يا إخوة، فيا عجباً من رحلها المتحمل.

ولهذا قال: يظل العذارى يرتمين بلحمها. النبي ﷺ يقول: «الناس كإبل مئة لا ترى فيها راحلة»، يعني الناقة التي تطيعك وتسافر بك. هذه المطية غير الجزور؛ الجزور ناقة لحم، والمطية من بين مئة أو مئتي ناقة تطيعك واحدة وتسافر معك لأن حياتك مرهونة بها.

فيقول: بلغت من الصبوة والرعونة في هذا اليوم والخرق أن قمت وعقرت للعذارى التي أجلس معها مطيتي. كان مع العذارى وبلغت من نشوتي ومن صبوتي أن عقرت، ويوم عقرت للعذارى مطيتي، فيا عجباً صار المحور حول الناقة، فيا عجباً من رحلها المتحمل، يظل العذارى يرتمين بلحمها، وشحم كهداب الديمقس المفتل.

الهداب كانوا يأتون بالكساء أو الملاء من الحرير "الديمقس"، يضعونه ويضعون الرحل فوقه، فيمتاز بهدبه الأبيض عن الرحل، ليس كالشيفون الذي أتى به بعض الإخوان ونشروه. اسمه الهداب، فتنزل هذه الغزل الحمراء المنقوشة التي توصف في الأشعار كثيراً فوق الهداب، ويظهر من تحتها الهداب الأبيض الشديد المفتول المنسوج بقوة، فيكون ممتازة عن الحمرة؛ فحمرة وبياض الهداب.

فيقول إن هذه الناقة من ضمورها وطول سفرها لا يتخلل الدهن لحمها بل ينفصل عنها، فكأن الشحم فيها هداب الديمقس المفتل. ثم يقول: "ويوم دخلت الخدر". بعض الناس يحسبها "ويوم دخلت الخدر" فلما دخلت قالت لك الويلات إنك مرجلي، وبهذا صار امرؤ القيس أشعر الشعراء، ما فيش مخ، كان سيجلس تحت أقدام النابغة أو الشماخ لو كان الأمر كذلك.

لكنه قال: "ويوم"، استحدث كلمة "يوم"، فلما قال "ويوم دخلت الخدر" هو حكى خلاص، أخذت بالك؟ "ويوم بلغت فيه أو كانت متعتي أن دخلت الخدر". ومن تعظيمه للخدر وما كان فيه قال "الخدر" بالألف واللام، وكأنه أخذته الروعة وحدث اليوم عن أن يبين خدر من؟ وقال بعدها "خدر عنيزة"، أنت متخيل خدر مين؟

الحقيقة أنه في الشطر الأول بيّن ما فعل من الفجور والمتعة والصبوة. تذكر الشطر الأول في المطلع: "ولا سيما يوم بدارة جلجل"، لم يقل شيئاً، اعتبر هذا الشطر هكذا مؤقتاً: "ويوم دخلت الخدر"، هناك يوم دخلت فيه الخدر، "ويوم دخلت الخدر خدر عنيزة".

ولما قال "خدر عنيزة"، وكان في الأول ألمح بشدة صبوته ومجونه وما فعل، كأنه أثار في النفس سؤالاً: وما كان منها في هذا اليوم كله؟ فقالت، هذا ما فعلت، فقالت: "لك الويلات، إنك مرجلي"، يعني كل ما همها أنه سنفسد البعير بالغبيط، هذا ما يهمها، لا يهمها أنني أفعل كذا وكذا.

ولذلك فصل في البيت التالي وقال: "تقول"، يعني تكرر، انظر إلى الصبوة والتهكم، كأنه يحكي لأصحاب صياع له: "تقول"، تكرر، الفعل المضارع يفيد التجدد والحدوث، تقول: «وقد مال الغبيط بنا معاً»، وقد بلغ ما فعلناه إلى أن اختل الغبيط ومال بنا معاً. "عقرت بعيري"، تكرر: "عقرت بعيري يا امرأ القيسي، فانزلي". هذه كل المشكلة، "فانزلي"، فيها تهكم أنه أيسر شيء أن ينزل.

الآن إذا فهمت أعماق هذا البيان، لا يمكنك أن تقرأ الأبيات على الطريقة التي حكيتها في الأول. ونعود إلى سيدنا الشماخ رضي الله عنه، وهو طبعاً صحابي.

أكملوا، وأترك الشماخ؟ هو جمال قراطه الذي فتح لنا الكلام، فقالوا له: «بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز». أنا وقفت عند كلمة "اليوم"، كلمة "لك اليوم"، كان يمكن أن يقول "ولا يكن لك عن ربح من البيع لاهز"، هل سيكون الكلام مفهوماً أنه في يوم آخر؟

أحسنت، "اليوم" تعني أنه إن فات اليوم ليس هناك صفقة تأتيك، هذا يوم حظك، لا يكن لك اليوم، اليوم يوم حظك، تجنب الخسارة لكن اليوم هو يوم حظك. ثم كلمة "لاهز" ليست لأجل "إزاي" يا إخوة، "لك اليوم عن ربح من البيع لاهز"، كأنه يصور الذي يمنعه اليوم أو الشيء الذي يمنعه اليوم أنه لهزه، دفعه ومنعوه وآذوه، وكأنني أسمع اللهزة والوكزة.

«لا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز». إياك أن تترك هذا النحس يلهزك عن الربح اليوم، إياك، اليوم يوم حظك، كأنهم يقولون له اليوم يوم سعدك. لا يكن لك اليوم، شعرتم بمعنى اليوم وأثرها؟ فقالوا له: «بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز».

وانظر كيف قدم الجار والمجرور المتعلق على المتعلق؛ لأن أصل الكلام: «لا يكن لك اليوم لاهز عن ربح من البيع»، لكن هو قدم «عن ربح» لتجاور «اليوم»، «بايع أخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح بهذا اليوم، عن ربح من البيع لاهز». فقالوا له: «بايع أخاك»، يقولون له هذا يوم حياتك، الغنى الذي رآه يكون في هذا اليوم، فقالوا له: «بايع أخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز».

«فلما شراها فاضت العين عبرة، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز». شراها يعني باعها يا إخوة، وشروه بثمن بخس. والحزاز: الألم والغم، والحامز يعني الشديد المحرق.

انظر إلى العائلة الحرفية التي تكلم عنها ابن جني في الخصائص؛ حتى مع اختلاف الأصل والترتيب الجذري، يقول إن اجتماع الحروف ينسب اللفظ إلى عائلة كبيرة. انظر إلى: حازم، وحامز، كله فيه شدة، ومدت إزاي؟ حاء ميم زاء؛ زحم وزحام، وحامز وحازم، كل هذه أصول مختلفة لكن ترجع إلى عائلة كبيرة: حامز، حازم، زاحم، زحام. ما إذا اجتمعت الزاي والحاء والواو فيها فهي عائلة واحدة بقطع النظر عمن قدم، كما اجتمع القول واللقو.

كلام للأسف محرومون منه لأنكم لا تدرسون فلسفة اللغة وأصول فقه اللغة. سواء ابن جني أو السيوطي؛ السيوطي في الاقتراح وفي المزهر ينسخ ابن جني بالصفحة تقريباً، يأخذ كلام كل من سبقوه. هذا مهم جداً للناقد والمتذوق وللشاعر؛ الشاعر العالم هذا لا يوازيه أحد إذا كان شاعراً موهوباً عالماً.

«فلما شراها فاضت العين عبرة، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز». لماذا فاضت العين عبرة؟ هنا يتساءل الدكتور عبده زايد: «ولكن هل فاضت العين عبرة؟ لأنه كان يطمع فيما هو أكثر؟ أو لأنه فارق قوساً خالطت وجدانه وقلبه؟ الأمران محتملان». والحقيقة لا، والمتعين هنا هو الرجوع إلى جذر المعنى الذي انعقد عليه الكلام، وهو للأسف الشديد ما ينساه أهل عصرنا عادة عند اضطراد التفاصيل.

أقول: أهل عصرنا أنفاسهم قصيرة يا إخوة، لا يستطيعون الحفاظ على جو القصيدة وعقدتها، وعلى خطها الدقيق وغايتها، ويأخذون بيتاً بيتاً هكذا على سياقات من الخارج. تلاحظون أن الأبيات من الأول نسقت بالفاء: «فواف بها أهل المواسم»، «فقال له: هل تشتريها؟»، «فقال: إزار شرعبي»، «فظل يناجي نفسه وأميره»، «فقالوا له: بايع أخاك»، «فلما شراها فاضت العين عبرة».

هذا النسق بالفاء مقصود من الشاعر، هذا الاتصال بالفاء من أول الأبيات إلى آخرها، وهذا عجيب. وهذه في البيت الخامس بعد الثلاثين هي آخر فاء، يأتي بعدها تنسيق أو شروع بواو الاستئناف، لغاية ماكرة عند الشاعر سندركها في وقتها لما نأتي للبيت التالي.

ما أروع أن جعل الشاعر فيض الدمع جواباً لـ «لما» المتعلقة بمجرد البيع، وحذف ما بين ذلك مما هو عليه الترتيب الحقيقي؛ «فلما شراها... فاضت العين عبرة». لو أظهرنا المكنون والمكتم لكان: «فلما شراها انتبه وانتفض ففاضت العين عبرة». أسألكم سؤالاً: هل فاضت العين عبرة على مجرد البيع لأنه باع مختاراً؟ هل فاضت العين عبرة على عين البيع؟

أوحى لك بالسرعة وبشدة الصفعة التي حصلت بحدث البيع، مع أنك تعلم أن نفس البيع ليس الذي فاضت العين عبرة لأجله، بل لانتباهه وإفاقته التي حصلت له.

فلما شراها فاضت العين عبرة، وانتبه وأفاق. لم يقل لك وأفاق، والشعر لمح تكفي إشارته، وليس بالهذر، طولت خطب.

فلما شراها فاضت العين عبرة، وفي الصدر حزاز. الواو في قوله "وفي الصدر" تحتمل الحالية وتحتمل الاستئنافية. والأرجح في عظم الشعر أن تكون حالية؛ لماذا؟ سأقول لك لماذا، لكن بعد أن أطمئنك بإجرائي الاستئنافية أولًا.

معنى الاستئنافية أنه يستأنف بها كلامًا جديدًا: فلما شراها فاضت العين عبرة، خلصنا خلاص، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز، يعني كأنه يقول لك: وكان في صدره في نفس الوقت أيضًا حزاز من الوجد حامز. وهذا كلام جديد لم يفد أكثر من الحكاية.

لكنك لو قلت الحالية، وهذا الأظهر والأرجح في عظم الشعر، فستكون قد بلغت بالشعر مداه. لأنها تفيد حينئذ إذا جعلتها حالية هيئة من القهر مجتمعة في القواص، من الكشف عن حالة ظاهرة وحالة باطنة لا يحكى عنها حكيًا مستقلًا، فتنفصل الهيئة، وإنما هي هيئة واحدة تحصل أمامك في المخيلة: شخص تفيض عينه بالعبرات وصدره محترق من الوجد في نفس اللحظة.

هذا لو حملت الواو على الحالية. لو فسرتها بالحالية مكان الاستئنافية فقط، تكون حينئذٍ تفيد هيئةً من القهر مجتمعةً في القواص، لا تحتمل البعد في الذهن، ولا تحتمل أخذها في المخيلة من جهة الاستقلال أن تفصلها عن الأخرى، وإنما هي حالة واحدة. تفيض عبرةً وفي الصدر حزازٌ في نفس الوقت، تراه هكذا تفيض عينه عبرةً وفي الصدر حزازٌ من الوجد حامز، أي شديد محرق.

وتأمل الفصل بين الصفة والموصوف: حزازٌ حامز. ومن الوجد، والوجد هو أشد الحب، أشد التعلق والشوق الموجع.

فلما شراها فاضت العين عبرة، على طول. فقالوا له: «بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم عن ربحٍ من البيع لاهز». فلما شراها فاضت العين عبرة، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز.

وهنا شيء عجيب، لا أدري إذا انتبه إليه أحدكم، أنه ذكر البيع بعد قولهم مباشرة؛ لم يقل لك انصاع لقولهم، هو اختصر عليك. وموالاة البيتين بهذه الطريقة فيها إشارة قوية إلى فساد شأن من يسمع إلى الناس دون الأمير، دون القلب. ركزوا معي، هذا دقيق: فقالوا له بايع أخاك، فلما شراها فاضت العين؛ هذا الذي يسمع كلام الناس. لم يقل فاقتنع، فنظر، فتأمل، فراودته نفسه، فما زالوا به حتى باع، لا ولا شيء من ذلك. فقالوا له بايع، فسمع كلامهم فبكى، هذا آخرة الذي يسمع كلام الناس.

أكثر الناس يساق، أنت فاكر الناس عدد كبير وكلما نصحوك كان الرأي صوابًا أبدًا؟ لا، أنت توجه رأسه رأس القطيع والناس وراك. أنا بصراحة أحترم قلبي جدًا، أنا لا أحكم عقلي فقط، قلبي أيضًا، حتى لو أوردني المهالك. إنما أسمع كلام واحد يوردني المهالك؟ لماذا أسمع كلامك؟ على الأقل سمعت كلام قلبي، فعلت شيئًا مصلحةً لقلبي، أرضيت قلبي. رضا الأم والأب برضه، وطاعة ولي الأمر واجبة، وأنا أرضيت أميري حتى لو ضرب ظهري وأخذ مالي. إنما أسمع كلام شخص يوردني المهالك على ماذا؟

رأيتم هذا الربط يا إخوة؟ من شعر بهذا الربط؟ فقالوا: من شعر بهذه الدلالة التي أرادها الشماخ باختزال ما كان؟ "فلما شراها فاضت"، وهذا مدلول عليه بقوله: "فلما شراها فاضت". هذا موضع الدلالة.

الشماخ أخذك في قصة القوس، والبياع القواص وكذا، قوس عزيزة وصلت في الأخير مورثة إلى يد عامر أخي الخضر الذي حلاها. هناك قصة نجت من تاريخ من القتل، نجت القوس من تاريخ من القتل في قصة طويلة للقوس. من يصنع هذا في قصائدنا اليوم؟ لا يوجد ولا واحد، لأنه لن يفهم. وهذه من حيثيات الشعر الجاهلي التي أحاول إحيائها في المعاصرين.

ومن أسباب اختياري لهذه القصيدة هذه الطريقة في الدلالة على العمق، أن يأخذني في فصل طويل ينتهي إلى مجمل واحد مختصر، يمكن اختصاره في عبارة قصيرة: النجاة من قوس مورثة للقتل. فقد نجت من ميراث من القتل، وهذا كله دلالة على أن الله اختار لها النجاة.

كما مرت بأعلى ذي الأراك، وهمت بورد القنتين، وصدت سدودًا عن ذريعة عثلب، حلاها عن ذي الأراك عامر أخو الخضر. هذه القوس تحمل تاريخًا من القتل. هذا النفس الطويل والقدرة على الإيعاب نحتاج إلى إحيائه الآن، وأنتظر أن نراه يا إخوة إن شاء الله. طبعًا يحتاج إلى أن تحكم الشعر، أن يكون الشعر في حكمك وإلا تكون أنت في حكمه، يحتاج إلى أن تحكم قريحتك، لأنك ستلعب بالزمان في الداخل.

وفي الصدر حزاز. تأمل قلت الفصل بين الصفة والموصوف: حزازٌ من الوجد حامز. لأنه لما قال "حزاز من الوجد" أوهمك بأنه قال ألم شديد، ألم غم وألم في الصدر سببه الوجد، ولكن جاء وقال بعد أن تم الكلام، أو أوهمك تمام الكلام، قال: "حامز".

على طريقة: «ويا رب ليل قد لهوت ولي، ويا رب يوم قد لهوت وليلة، ويا رب يوم قد لهوت وليلة». بآنسة كأنها خط تمثال.

آه على مكر الشاعر! هذا: «فلما شراها وبكى، وفاضت العين عبرة في صدر حزاز، وذاق». من الذي ذاق؟ الذي اشترى. ويا لعنة الواو الاستئنافية هنا، ما أمكر هذه الواو! لم ينسق بالفاء «فذاق»، بل عطف كلامًا جديدًا بالواو على كلام قديم مستقل عنه.

لا، ليس هو المشتري، لماذا ليس هو المشتري يا إخوة؟ لأنه قال: «قليل التلاد غير قوس وأسهم». ولن يكون تلادًا قديمًا إذا كان المشتري هو عامر، من القواس الصانع. عامر ورثها يا إخوة، هو جاء من تاريخ قديم، ممكن مثلًا من عند جده أو الجد الثاني؛ تاريخ من القتل. هذه فائدة القصيدة أصلًا.

أنا تعجبت من رحمة الله الدكتور عبده زايد لما قال: ربما يكون عامر هذا هو القواس؟ هذا ضيع القصيدة أصلًا. الفكرة أنها تلاد، الفكرة أن الناقة -التي تشبه بها الناقة- نجت من قتل تليد، نجت من آلة موروثة في القتل. فلو قلنا عامر هو أخو الخضر، يبقى ماذا فعلنا؟ ضاعت القصيدة. ولذلك سبحان الله، يتكلم في الشعر أهله، يتكلم في الشعر الناقد، وليس أحدًا آخر. مع احترامي للعلماء والباحثين والدكاترة والبروفيسورات، يتكلم في الشعر الناقد.

لو قلنا إن عامر هو أخو الخضر، أو لو قلنا إن المشتري هو عامر، ضاع الفصل كله من أول «فلما شراها» إلى آخر الفصل، أي كل القصيدة تقريبًا. ضاعت؛ لأن الفكرة أن الناقة نجت من قتل موروث. فلو جعلت الذي اشتراها -الذي هو قليل التلاد- يشتري من القواس مباشرة، وأن عامر هو المشتري من أهل المواسم، ماذا فعلنا؟ لماذا أطال الشماخ أصلًا؟ قوس أول من استعملها هو عامر، فأين قليل التلاد؟ كأن الذي يرمي من الوحش كذا، لا يداوى رميها، هذا تاريخ.

شوف، عطف كلامًا جديدًا على كلام قديم مستقل. ولو استعمل الفاء لظل مرتبطًا بالأول، وربما مع صحة أصل المعنى سيظل سريعًا مع الأول، لكنه هنا عمل لك طفرة. هذا مكر الشعراء هنا؛ أراد أن يأخذك إلى حالة أخرى، ورجل آخر هو القواس، ليضعهما لك خاسر ورابح.

«فلما شراها فاضت العين عبرة، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز، وذاق». ذاق يعني جرب، لكن الذوق هنا ذوق مجازي. ذاق يا إخوة يعني وضع السهم في القوس وصار يختبر، ولكن المجاز في «ذاق» ينبئك بأن هناك لذة كأنه يتذوق. «وذاق وأنسنت» أو تأنس القوس؛ «فأعطته من اللين جانبًا». انظر كيف الشاعر أخذك من حال إلى حال.

يقول لك القصيدة الجاهلية مفككة، وأنا قلت قبل كده إن دماغك هي التي تفكك، جمجمتك هي التي تفكك. «فلما شراها فاضت»، «وذاق». إذاً الآخر، ما أصل ما ينفع تقول ذاق وهو خلاص خرجت من يده كيف يذوق؟ و«ذاق» هنا حذف لك الفاعل. أوف، رأيت؟ حذف الفاعل. وذاق من؟ من الذي سيذوق؟ هناك من بكى وفي الصدر حزاز من الوجد حامز، وهناك من اشترى وفاز. فمن الذي سيذوق؟

«وذاق» الثاني، اقلب الفيلم. مشهد انتقال حاد ليضع لك البكاء مع الربح والسعادة؛ مشهد فاقد العرس، ومشهد من فاز بعرس الفاقد. موجعة! والله كأنه شخص فاقد العرس، وشخص فاز بعرس فاقد عرسه.

انظر، أخذك من حالة إلى حالة؛ رجل خسر تفيض عينه بالعبرات وفي الصدر حزاز من الوجد حامز، ورجل آخر هو القواس. هذه الواو هي التي جعلتك تقارن بين الحالين، الواو أعطتك فصلًا وفراغًا بين الرجلين تنتقل فيه؛ هذه واو الاستئناف التي تعطف كلامًا على كلام استقل بنفسه.

«فلما شراها فاضت العين عبرة، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز، وذاق الآخر، وذاق فأعطته من اللين جانبًا، كفى ولها أن يغرق السهم حاجز». والله يا إخوة لا يدرك مدى مكر الشعراء إلا من يدرك الإيحاء باختيار لفظ «أعطته» مع إسناد الفعل إلى القوس، وبإختيار لفظ «اللين». كان الأصل مثلًا: «وجربها فوجدها لينة»، هل أخطأنا أصل المعنى؟ لم نخطئ في أصل المعنى، ولكن «فأعطته من اللين جانبًا».

أن تدرك مدى مكر الشاعر في الإيحاء باختيار لفظ «أعطته» بإسناد الفعل إليها، واختيار لفظ «اللين»، ثم أن تدرك أثر اجتماع الطرفين؛ «أعطته من اللين». القوس صارت امرأة آلت إليه. القوس هنا صارت امرأة آلت إلى الشاعر. تعجب؟ تستبعد هذا؟ تراني مبالغًا في إرهاف الحس إلى صوت هذه الكلمات وأثرها؟

ضع عينيك على «جانبًا»، «فأعطته من اللين جانبًا». القوس أعطته من اللين جانبًا، وعارفين «لين الجانب»؟ لين الجانب يشيع في كلام العرب مجازًا عن حسن المعاملة. بعد كل هذا تشك؟ «وذاق فأعطته من اللين جانبًا»، أما زلت تشك في أنها صارت أنثى؟ وهو يتذوق: «إذا ذقت فاها قلت طعم مدامة، معتقة مما تجيء به التجر، هما نعجتان من نعاج تبالة».

«ذقتُ فاهَا». أحب جداً «ذقتُ فاهَا» هذه. إذا قلت: «ذقتُ فاهَا»، قلت: طعم مدامة. يا سلام على «ذقتُ فاهَا» هذه، تنفع لقباً، اسم «ذقتُ فاهَا» مؤنث؛ يا «ذقتُ فاهَا». نعم، وبشرى خير إن شاء الله.

«وذاق فأعطته من اللين جانباً». لم يبقَ شك هنا يا إخوة في أنه ألقى بظلال الأنوثة الحقيقية وصفاتها على هذه القوس المنيعة، المنيعة على من يحوزها. «وذاق فأعطته من اللين جانباً»، كفى، حسبه، يكفيه الله. اكتفى بها، هذا اللين كفاه.

أما هي، ولها، أن يغلق السهم حاجز. انظر، ظلت هذه الأنثى في قوله: «ولها» ظلت هذه الأنثى قطب الكلام، ظلت أنثى خلاص. «وذاق فأعطته من اللين جانباً كفى». كفاه عليك يا معلم، كفاه عليك كذا. السنة القادمة سنعطيك جانباً من اللين أكثر.

اكتفى. لم يقصر، هذا اللين -هو طبعاً يتكلم عن القذف بالسهم- لكن أدخلها في إيحاء آخر تماماً. «وذاق فأعطته من اللين جانباً كفى رضي به، ولها أن يغلق السهم حاجز». تذكرون «لها» التي قيلت في الأول:

تخيّرها القواسي من فرع ضالة لها شذب من دونها وحواجز صينت هناك وتصان هنا لها شذب من دونها وحواجز نمت في مكان كأنها فاستوت به وما دونها من غيلها متلاحز

خلاص، فـ«لها» حتى هنا، «ولها» هي عزيزة في أصلها وفي قوسها. رأيت «ولها أن يغرق السهم حاجز». أصل العبارة: «ولها حاجز عن أن يغرق السهم». من الذي يغرق السهم؟ القوّاس الذي اشترى، ليس المشتري، الصائد الذي اشترى القوس، الذي هو أول مالك لها بعد القوّاس الرامي.

يقول: «ولها حاجز عن أن يغرق السهم». يا أخي لها حاجز، هذه غريبة، لها حاجز! هذا الحاجز هو قوتها وصلابتها. لماذا لم يقل: «وصلبت عن أن يغرق السهم»؟ يقول لك: «ولها أن يغرق السهم حاجز»، لأنه جعلها إنسانة، ما زال يوحي بإنسانيتها. «لها حاجز»، «لها شذب من دونها وحواجز»، «ولها أن يغرق السهم حاجز». هذا الحاجز هو قوتها وصلابتها، لكن لما صبغها بصبغة المرأة قال: «ولها حاجز»، كأن هناك حاجزاً منفصلاً عنها يحميها، لا يستطيع أن يغرق السهم، لا يستطيع أن يتجاوز ما كفاه من استعمالها.

وقدم لك: «ولها حاجز عن أن يغرق السهم». أصلها «ولها حاجز أن يغرق السهم». طبعاً لن أتكلم عن الاختصار هنا وحذف «عن» أو «من»، هذا صار فضولاً الآن بعد هذه الطبقات. وأحياناً لا أتكلم في أشياء كهذه، الحذف من أجل كثافة المعنى، هذا صار كلاماً شعرياً. هذه البلاغة الأخرى، ليست بلاغتنا في الشعر، لن نتكلم عن هذا، يعملها أي شاعر وهو مغمض، ليس هذا عمله الرئيسي الذي يميزه بوصفه شاعراً.

طبعاً نسب الحاجز لها ليبين أنه من أصلها ليس عارضاً. «ولها» لا، هو قال «لها» لأنه خصه، هو لها يحميها. سبحان الله، البيان هذا عجيب. «ولها أن يغرق، لهذه الأميرة»، «ولها أن يغرق السهم»، وكأن إغراق السهم هنا فيه جرم. محمية عن أن يغرق السهم، يحميها عن إغراق السهم حاجز، مع أن هذا الحاجز نفسه قوتها. لا، هو أراد أن يوظف لها حاجزاً.

ويرجع إلى القوس في حالتها الموروثة، يرجع إلى القوس من حيث نفسها على طول تاريخها، من ميلادها إلى عامر أخي الخضر، فقال:

إذا أنبض الرامون عنها ترنمت لأنها من التلاد توارثها الصيادون

وهذا يشبه السيوف التي قال فيها النابغة الذبياني:

توارثناها ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب

توارثناها من أزمان يوم حليمة إلى اليوم، قد جربنا كل التجارب. «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت، ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز». نختم بهذا البيت: «إذا أنبض الرامون عنها ترنمت».

ولا نكتفي يا إخوة؟ نكتفي غداً إن شاء الله، جاوزنا الساعتين، وصلنا ساعتين وربع. نكتفي، شكراً لكم وجزاكم الله خيراً. نجعل محاضرة الغد إن شاء الله رجوعاً إلى القوس من حيث نفسها وتاريخها، لا من حيث القوّاس وأول رامي يشتريها.

فظل يناجي نفسه وأميرها: أيأتي الذي يعطى بها أم يجاوز؟ فقالوا له: بايع أخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز. فلما شراها: فاضت العين عبرة وفي الصدر حزاز من الوجد

«وذاق فأعطته من اللين جانباً كفى، ولها أن يغرق السهم، ولها أن يغرق السهم حاجز». ونكمل غداً إن شاء الله. لا تنسوا التفاعل يا إخوان، من لم يتفاعل أن يتفاعل مع البث ليظهر لإخوانه. وشكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.