دخولتسجيل الدخول

الدرس 8 - الأبيات (٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠، ٣١، ٣٢)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام، أهلاً وسهلاً ومرحباً. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم.

الحمد لله، كل من ألقى السلام؛ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا؛ حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً.

هذا هو مجلسنا الثامن من مجالسنا في الشرح التفصيلي المطول، الشرح الشعري التفصيلي البياني المطول، على زائية الشماخ بن ضرار، التي هي عين من عيون كلام العرب المطبوع بعيد المرمى. هذا مجلسنا الثامن، ونشرح إن شاء الله تعالى فيه الأبيات السابع عشر، والثامن عشر، والتاسع عشر، والأول والعشرين، والثاني والعشرين إن شاء الله تعالى.

عَفَتْ بَطْنَ قَوْمٍ مِنْ سُلَيْمٍ فَعَالِزُ ... فَذَاتُ الغَضَا فالمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرَ هَاضِمِ نَفْسِهِ ... لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَاءَ أَوْ مُعَارِزُ وَمَرْبَعَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى ... تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الجَهْلِ حَاجِزُ وَعَوْجَاءَ مِجْذَاةٍ أَمَرَّ صَرِيمَةٍ ... تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَابٍ مُطَرَّدٍ ... مِنَ الحُقُبِ لَاحَتْهُ الجِدَادُ الغَوَارِزُ طَوَى وَضَمَّهَا فِي بَيْضَةِ القَيْظِ بَعْدَمَا ... جَرَتْ فِي عِنَانِ الشَّعْرِيَّيْنِ الأَمَاعِزُ فَظَلَّتْ بِمَيْؤُودٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا ... إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُكِيَّ نَوَاكِزُ لَهُنَّ صَلِيلٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ ... بِضَاحِي عُذَاةٍ أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا الوِرْدَ مِنْهُ صَرِيمَةً ... مَضَى وَلَاقَاهُنَّ خِلٌّ مُجَاوِزُ وَلَمَّا رَأَى الإِظْلَامَ بَادَرَ بِهَا كَمَا ... بَادَرَ الخَصْمَ اللَّجُوجَ المُحَافِزُ وَيَمَّمَهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رَمَّةٍ ... وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانَ مَفَاوِزُ عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِئَاتٌ كَأَنَّهَا ... هَوَادِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الجَزَاجِزُ تَفَادَى إِذَا اسْتَذْكِي عَلَيْهَا وَتَتَّقِي ... كَمَا تَتَّقِي الفَحْلَ المَخَاضَ الجَوَامِزُ وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الإِرَاكِ عَشِيَّةً ... فَصَدَّتْ وَقَدْ كَادَتْ بِشَرْجٍ تَجَاوُزُ وَهَمَّتْ بِوِرْدِ القِنْتَيْنِ فَصَدَّهَا ... حَوَامُ الكُرَاعِ وَالقِنَانُ اللَّوَاهِزُ وَصَدَّتْ صُدُوداً عَنْ ذَرِيعَةِ عُثْبَةٍ ... وَلَابْنِي غِمَارٍ فِي الصُّدُورِ حَزَائِزُ وَلَوْ ثَقَفَاهَا دَرْجَ مِنْ دِمَائِهَا كَمَا ... جَلَلَتْ مَضَوْا القِرَامَ الرَّجَائِزُ وَحَلَّاهَا عَنْ ذِي الإِرَاكَةِ عَامِرٌ ... أَخُو الخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّوَاحِزُ قَلِيلُ التِّلَادِ غَيْرَ قَوْسٍ وَأَسْهُمٍ ... كَأَنَّ الَّذِي يَرْمِي مِنَ الوَحْشِ تَارِزُ مِطَالاً بِزُرْقٍ مَا يُدَاوَى رَمْيُهَا ... وَصَفْرَاءَ مِنْ نَبْعٍ عَلَيْهَا الجَلَائِزُ تَخَيَّرَهَا القَوَّاسُ مِنْ فَرْعِ ضَالَةٍ ... لَهَا شَذَبٌ مِنْ دُونِهَا وَحَوَاجِزُ نَمَتْ فِي مَكَانِهَا فَاسْتَوَتْ بِهِ ... وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ... وَيَنْغُلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ فَانْحَى عَلَيْهَا ذَاتَ حَدٍّ غَرَابُهَا ... عَدُوٌّ لِأَوْسَاطِ العِضَاةِ مُشَارِزُ فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ فِي يَدَيْهِ رَأَى غِنًى ... أَحَاطَ بِهِ وَازْوَرَّ عَمَّ يُحَاوِزُ فَمَضَعَهَا عَامِينَ مَاءَ لِحَائِهَا ... وَيَنْظُرُ مِنْهَا أَيُّهَا هُوَ غَامِزُ أَقَامَ الثِّقَافَ وَالطَّرِيدَةَ دَرْهَا ... كَمَا قُوِّمَتْ ضِغْنَ الشُّمُوسِ المُهَامِزُ فَوَافَى بِهَا أَهْلَ المَوَاسِمِ فَنَبْرَى لَهَا ... بَيْعٌ يُغَلِّي بِهَا السُّومَ رَائِزُ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَشْتَرِيهَا فَإِنَّهَا ... تُبَاعُ بِمَا يُبِيعُ تِلَادَ الحَرَائِزُ فَقَالَ أُزَارُ شَرْعَبِيٍّ وَأَرْبَعٌ ... مِنَ السِّيرَا أَوْ أَوَاقٍ نَوَاجِزُ ثَمَانٌ مِنَ الكِيرِي حُمْرٌ كَأَنَّهَا ... مِنَ الجَمْرِ مَا ذَكَّى عَلَى النَّارِ خَابِزُ وَبُرْدَانُ مِنْ خَالٍ وَتِسْعُونَ دِرْهَماً ... وَمَعَ ذَاكَ مَقْرُوضٌ مِنَ الجِلْدِ مَاعِزُ فَظَلَّ يُنَاجِي نَفْسَهُ وَأَمِيرَهَا ... آيَاتِ الَّذِي يُعْطَى بِهَا أَمْ يُجَاوِزُ فَقَالُوا لَهُ بَايِعْ أَخَاكَ وَلَا يَكُنْ ... لَكَ اليَوْمَ عَنْ رِبْحٍ مِنَ البَيْعِ لَاهِزُ فَلَمَّا شَرَاهَا فَاضَتِ العَيْنُ عَبْرَةً ... وَفِي الصَّدْرِ حَزَازٌ مِنَ الوَجْدِ حَامِزُ وَذَاقَ فَأَعْطَتْهُ مِنَ اللِّينِ جَانِباً ... كَفَى وَلَهَا أَنْ يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ إِذَا انْبَضَّ الرَّامُونَ عَنْهَا تَرَنَّمَتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا الجَنَائِزُ هَتُوفٌ إِذَا مَا خَالَطَ الضَّبْيَ سَهْمُهَا ... وَأَرَّغَ مِنْهَا أَسْلَمَتْهُ النَّوَاكِزُ كَأَنَّ عَلَيْهَا زَعْفَرَاناً تَمِيرُهُ ... خَوَازِنُ عَطَّارٍ يَمَانٍ كَوَانِزُ إِذَا سَقَطَ الأَنْ صِينَتْ وَأُكْرِمَتْ ... حَبِيراً وَلَمْ تُدْرِجْ عَلَيْهَا المَعَاوِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا المَاءَ قَدْ حَالَ دُونَهُ ... زُعَافٌ لَدَى جَنْبِ الشَّرِيعَةِ كَارِزُ شَكِكْنَ بِأَحْسَاءِ الذُّنَابِ عَلَى هُدًى ... كَمَا تَابَعَتْ سَرْدَ العِنَانِ الخَوَارِزُ وَلَمَّا اسْتَغَاثَتْ وَالهَوَادِي عُيُونُهَا ... مِنَ الرُّهْبِ قَبْلُ وَالنُّفُوسُ نَوَاشِزُ فَأَلْقَتْ بِأَيْدِيهَا وَخَاضَتْ صُدُورَهَا ... وَهِنَّ إِلَى وَحْشِيَّتِهِنَّ كَوَارِزُ نَهَلْنَ بِمَدَانٍ مِنَ المَاءِ مُوهِنًا ... عَلَى عَجَلٍ وَلِلْفَرِيسِ هَزَازِزُ غَدَوْنَ لَهُ سَعْرَ الخُدُودِ كَمَا غَدَتْ ... عَلَى مَاءِ مَيْؤُودٍ الدِّلَاءُ النَّوَاهِزُ يُحَشْرِجُهَا طَوْراً وَطَوْراً كَأَنَّمَا ... لَهُ بِالرِّغَامِ وَالخَيَاشِيمِ جَارِزُ وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ ... دَوَائِرَ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الجَرَامِزُ حَذَاهَا مِنَ الصَّيْدَاءِ نَعْلَ طِرَاقِهَا ... حَوَامُ الكُرَاعِ المُؤَيَّدَاتُ العَشَاوِزُ فَأَقْبَلَهَا نِجَادٌ قَوِيٌّ وَانْتَحَتْ بِهَا ... طُرُقٌ كَأَنَّهُنَّ نَحَائِزُ حَدَاهَا بِرَجْعٍ مِنْ نَهَاقٍ كَأَنَّهُ ... بِمَا رَدَّ لِحَايَاهُ إِلَى الجَوْفِ رَاجِزُ فَأَوْرَدَهُنَّ المَوْرَ مَوْرَ حُمَامَةٍ ... عَلَى كُلِّ أَجْرِيَائِهَا هُوَ رَائِزُ يُكَلِّفُهَا طَوْراً نِدَاهُ إِذَا ... الْتَوَى بِهِ الوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ المَجَاوِزُ مَحَامٍ عَلَى عَوْرَاتِهَا لَا يُرَوِّعُهَا ... خَيَالٌ وَلَا رَامُ الوُحُوشِ المَنَاهِزُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ النَّشْزِ نَشْزُ حُمَامَةٍ ... لَهُ مَرْكَضٌ فِي مُسْتَوًى الأَرْضِ بَارِزُ وَظَلَّتْ تُفَالِي بِاليَفَاعِ كَأَنَّهَا ... رِمَاحٌ نَحَاهَا وَجْهُهُ الرِّيحُ رَاكِزُ

تمت القصيدة.

شرحنا إلى قوله: فلما اطمأنت في يديه رأى غنى أحاط به وازور عم يحاوز، فمضعها عامين ماء لحائها، وينظر منها أيها هو غامز، أقام الثقاف والطريدة درها، كما قومت ضغن الشموس المهامز.

لا، وأنا أعرف أنها ليست جميلة، يعني ليست بالجمال، إنها مدينة صناعة وتلويث وكذا. انظر ماذا يقول، هو مسكين، والله مسكين جداً.

أقام الثقاف والطريدة درها. أيها الإخوة، الثقاف هي خشبة قالب من الخشب تقوم فيه الرماح، توضع فيه الرماح تكون أحياناً لدنة أو في أوقات صناعتها، فتوضع الرماح في هذا القالب المستقيم ويسمى الثقاف، ويُشد فيه. ومن بالمناسبة جاءت الثقافة بهذا المعنى، لأن الثقافة هي التقويم، وفلان مثقف يعني مقوَّم، أي قومه العلم، ثقفه العلم.

ثقفه العلم وقومه العلم، فهذا من المفردات الكثيرة التي تسللت من لغة العرب إلى لغتنا العامة. أنت تقول "المنزل"، وأنت تصعد تقول: "أنا سأصعد إلى المنزل"، كيف تصعد إلى المنزل؟ العرب تسميها المنازل.

قال امرؤ القيس: ﴿قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ﴾. البعض يتصور أن المنزل في كلام امرئ القيس هو هذا البيت، لا، المنزل هو الحي، الحي الذي قالوا يبدأ من مئتي بيت تقريبًا، هو ليس واحدًا من مئتي بيت، هو الحي كله، يسمى "منزل بني فلان ينزلون هنا". وهكذا بالضبط، الربع كله منزل، والديار منزل، والداره منزل. قد تكون الداره في المعنى الأوسع، لماذا سمي منزلاً؟ لأن العرب إذا سكنت هبطت بين الجبال واتخذت الجبال جدرانًا وحصونًا ومسائل للمياه. فالعرب ينزلون لأنهم يسكنون في مكان هابط مطمئن بين الجبال، فلذلك لا يذهبون على رؤوس الجبال ولا على الأماكن المرتفعة، ليس في مصلحتهم. الجبال تظلهم، إذا جاءت في اتجاه الشمس تظلهم مدة طويلة، فإذا غربت بدأت تظلهم أيضًا، فيحتمون بها من الشمس، وكذلك يحتمون بها من الغارات المفاجئة إذا وقعت غارات عليهم، وتكون الجبال حصونًا ومسائل للمياه، فالعرب ينزلون كذلك.

الآن كلمة "فلان مثقف"، والتثقيف جاء من الثقاف الذي تُثقف به الرماح، فهذا معنى الثقاف، وهو خشبة آلة التثقيف، وهي خشبة قالب تُشد فيه الرماح. وقال: "والطريدة"، الطريدة كذلك يمكن أن تقول إنها قصبة لكن توضع بها سكين تبرأ بها، أو هي نفس السكين، الطريدة تُبرى بها القداح، تُصنع بها وتُزال بها النتوءات والدرء العوجاج. فهي إما خشبة توضع بها سكين، أو تشبه الثقاف، أو هي آلة خشبية بآلة حادة على هيئة معينة، ويظل يتعهد بها هذه القوس أو هذا الفرع الذي أخذه.

قال: "كما قومتُ ضغن الشموس المهامز". الشموس يعني النافرة العنيفة الشاردة عنه غير المطيعة، هذا معنى الشموس، وشمسٌ يعني تشرس وصار عكس الأليف. فالشموس هي العصبية الشديدة، والشموس هنا على وزن "فَعُول" بمعنى المبالغة في هذه الصفة، مثل شمس العداوة. والمهامز جمع مِهْمَزَة، وهي حديدة تُنخس بها الدابة لتؤلمها في ترويضها وتعاقبها.

انظر هنا يقول: "أقام الثقاف"، يتكلم عن عامين مكثهما مع هذه القوس يقومها، "أقام الثقاف"؛ لم أبين معنى الدرء، والدرء هو العوجاج. فيقول أقام الثقاف، هذه الآلة القالب، والطريدة هذا السكين، درَّها يعني عوجاجها، وكيف وعلى كم من المدة؟ "كما قومتُ ضغن الشموس المهامز". هذا البيت تفسير للغمز الذي ذكره في البيت السابق، وينظر منها أيها هو غامز، يعني أيها هو دافع ومقوم ويدرُّ من الاعوجاج فيها، فيقول وينظر منها على طول العامين أيها هو غامز.

فكان أن أقام الثقاف والطريدة درَّها، وفي هذا البيت أسند الفعل هذه المرة إلى الآلة لأنه بين لك من هو الفاعل، فأراد أن يسحب نظرك إلى الآلة فقال: "أقام الثقاف والطريدة درَّها" يعني عوجاجها على طول العامين. فكان ذلك كما قومتُ ضغن الشموس المهامز.

البيت فيه تشبيه ولكنه تشبيه غريب عجيب، واختصر فيه الكثير من الكلام؛ لأن المهامز إنما تعمل في الحقيقة على ظاهر جوارح الشموس، يضرب بها الشموس، والشموس هي الخيل الشموس، يعمل بها في الشموس التي كأنها كالوحشية، كالآواب، في الفلوات لا تقبل رياضة، ولكنه روضها. فيقول: "كما قومتُ ضغن الشموس المهامز". فهذه المهامز التي هي جمع مِهْمَزَة، الحديدة التي تُنخس بها الدابة، إنما تعمل على الحقيقة في ظاهر جوارح الشموس وظاهر حركاتها.

أما الضغن فصفة أو شملة قلبية، وهو يقول "كما قومتُ ضغن الشموس"، وجعل ما في داخلها ضغنًا، أي قريبًا من الحقد والغيظ على الرجل الذي يروضها، فهذه ضغينة. هل المهامز تعمل في الضغن على الحقيقة؟ لا، وإنما تعمل في جسم الدابة المضغنة إلى أن يذهب هذا الضغن، سواء كانت الخيل أو ربما أراد الإبل. فيقول: "أقام الثقاف والطريدة درَّها كما قومتُ ضغن الشموس المهامز". الضغن صفة أو شملة قلبية، فجعل تقويم الظاهر تقويمًا للضغينة الداخلة في النفس، جعل تقويم الظاهر تقويمًا للباطن وهو الضغينة التي تكتن في النفس.

وقوله: "الثقاف والطريدة" فيه نوع من البديع الذي يسمى التقسيم. تذكرون عمر بن أبي ربيعة: فلا الشمل جامع ولا الحبل موصول ولا القلب مقصر ولا قرب نعم إن دنت لك نافع ولا نايها يسلي ولا أنت تصبر

التقسيم هو استيفاء صفات الشيء، وبعضهم قال لا يشترط فيه الاستيفاء، بل يشترط فيه الأكثر أو ما يقترب من إظهار القصد إلى الاستيفاء، أما عمر فاستوفى.

وترى هنا ماذا أراد من التشبيه؟ أراد طول الرياضة، أيها الإخوة، طول الرياضة وطول التقويم، وجعل استقامتها التي حصلت كالإعتياط والطاعة الواقعين بعد طول معالجة للدابة الشموس. فهنا يوجد ما يعرف بالانسنة، إنسنة هذه القوس التي تعامل معها، ولذلك بكى عليها بعد ذلك، ولا تنسى أن كل هذا في عامين. ولهذا قدم المفعول هنا لغاية "أقام الثقاف"، "كما قومتُ ضغن الشموس المهامز"؛ هذا التقديم للمفعول يؤكد معالجة القوس للقوس، على أنها حي، على أنها شيء له نفس حي، يضفي عليها صفة الإنسان المعاند أو الدابة المعاندة المضغنة، ويؤكد ذلك قوله في نفس البيت: "درَّها"، كأنه يعالج دبته لعامين.

يؤكد ذلك قوله: «أقام الثقاف والطريدة درها، كما قوّم ضغن الشموس المهامز». بإضافة الدرء إليها كما أضاف الضغن إلى الشموس؛ لأنه يقول: «أقام الثقاف والطريدة درها كما قوّم ضغن الشموس المهامز». تقويم درء القوس وتقويم ضغن الشموس، فكل هذا يؤول إلى بث الحياة والنفس في هذه القوس، وأن يجعلها صاحبه كصاحب الدابة، وإنه يعالج القوس كما يعالج صاحب الدابة ضغن هذه الدابة الشموس إلى أن استقامت له بعد عامين أو أعوام.

«فمضعها عامين ماء لحائها، وينظر منها أيها هو غامز». أقام الثقاف والطريدة درها، يعني على طول عامين، كيف يغمزها الثقاف والطريدة؟ الثقاف والطريده إلى أن لانت له. كما قوّم ضغن الشموس المهامز، أعد الدنيا خلاص جهزها. انظروا إلى المفاجأة الانفجارية: «فوافى بها أهل المواسم، فنبرا لها بيع يغلي بها السوم رائز».

يا أخي، الشعر لمح، تكفي إشارته وليس بالهذر. طولت خطبة؟ الشعر فن، الشعر فن وكلام عالي رفيع. «فوافى بها أهل المواسم»، وليس كل عقل يتحمل الضغط العالي في الشعر. ربما مثلا الشماخ أيسر من بعض الشعراء في هذا، تستغربون؟ لا، هو أيسر، أنا أعرف هذا، هو أيسر من بعض الشعراء. هناك شعراء أعلى إذا كانوا من أهل الطبع والشعراء الفحول، لما يكونون من أهل الطبع والمرمى البعيد، هذا فهمهم صعب ويحتاج ضغط.

أنتم ترون هنا الكلمة: «فوافى بها». وافى يعني أتى وقصد، وانتبهوا إلى كلمة وافى بها وما تلمح به من وجود ميعاد سابق، كأنه كان يقصد قبل ذلك، فوافاهم يعني فلقيهم. لاحظتم الإشارة في البيت؟ كلمة وافى لم يقل فلقي بها أهل المواسم. لو قال فلقي بها أهل المواسم، لقي بها، ماشي صحيح، لكن فوافى بها، وافاهم يعني كانوا على موعد، كأنهم كانوا على موعد واحد. يقول لك أبو قيس، كان هناك اتفاق: «فوافى بها».

والشعر لمح، تكفي إشارته وليس بالهذر، طولت خطبة. إشارة لمح، إذا لم تلمح أنت خسران. إذا كنت شاعراً قادراً، فأخذت تبين قصيدتك بالمعاني المباشرة حتى يفهمها الجمهور، فأنت تخسر من الشعر نفسه، الشعر اللمح. إذا لم يفهم الجمهور، ولم يفهم النقاد، يفهم أهل الذوق، وعنهم النقاد الزور، ما فهمه نقاد الزور عنهم، ما فهمه بتوع أشعار المتأخرين. أنت فهمتها، لكن لم تفهم الشعر الذي عند القدماء.

انظر، «فوافى بها أهل المواسم»، وافى بها يعني موعد، الموضوع ليس اعتباطاً. وأهل المواسم المقصود بهم أهل المجامع الخبراء. أنت رايح موسم يا حبيبي؟ أنت رايح سوق السلاح مثلا تبيع سيف، هتروح بسيف عبيط هتاخد على آفاق؟ أهل المواسم هم أهل المجامع الخبراء، والإضافة تفيد الاختصاص، يعني المعتادون، التجار المعتادون على المواسم التي يأخذون فيها البضاعة ويساومون وينظرون ويزايدون في الجودة أصلاً. فالمواسم هي مجامع الناس، وهي هنا يراد بها الأسواق، نابغة الأسلحة بالضبط. يعني رايح يبيع الميه في سوق السقايين، زي ما بيقولوا رايح يبيع الميه في حارة السقايين.

أذكر مرة في مقتبل حياتي، عملته مع مصنع ملابس، حينما بدأت حياتي وأريد أن أعتمد على نفسي في الدخل، لا أعتمد على راتب من والدي وكذا، وأريد الزواج، فذهبت وعملته مع مصنع ملابس. أخذت حقيبة فيها نماذج من الزي، قميص كهذا، وعالي بالمناسبة، ماركة مصرية عالية، فكنت أطوف بها، أسافر محافظات وكذا، وإذا عقدت صفقة يكون لي نسبة من الصفقة.

أذكر سافرت محافظة الإسماعيلية في مصر، التجارة كلها، وشارع أظن كان اسمه شارع التسعين تقريباً في الإسماعيلية، لا أذكر. وحتى أذهب، ركبت من محطة الأتوبيس أو الباص أو القطار، لا أذكر، كان هذا في أول العشرينيات من عمري، كان عمري واحد وعشرين عاماً أو اثنين وعشرين، أذكر هذا جيداً. ركبت إلى الإسماعيلية، وأذكر هناك أخذت التاكسي من القطار أو محطة الباص إلى شارع التسعين، والتاكسي كان الأصفر، هذا أصفر في أسود تقريباً، تاكسي الإسماعيلية.

ما التقي بأحد يحدثني في كرة القدم، وأنا رجل لا أحب كرة القدم ولا أعرف فيها شيئاً إطلاقاً، ولا أراها مما يشتغل به العقلاء. ركبت مع التاكسي يحدثني عن كرة القدم، يسمع لهجتي من مصر، أنت جاي ليه؟ ببيع شغل. وكان في هذا اليوم فريق الإسماعيلي وفريق آخر لا أذكره، طبعاً ما أعرفش، بس كان الإسماعيلي عشان كنت في الإسماعيلية.

نالني الجوع، فأخذت سندوتشات وجلست على مقهى مع كوب شاي وآكل سندوتشات، والناس من حولي، والله وصرت محط نظر: «كل دقيقة أنت منين يا كابتن؟ أنت منين يا كابتن؟». أنا من القاهرة، ماشي، شفت بقى؟ «أنا جاي أبيع هدوم». والله لا أنسى أبداً. الشاهد من هذا أنني، يا أخي، رجعت ربع قرن، رجعت ربع قرن بالضبط، خمسة وعشرين عاماً من هذا الكلام. أذكر دخلت إلى عدد من المحلات، فدخلت على أحدهم ومشهور.

فقال لي: أنت رحت لفلان، فلان هذا أصبح كبيراً، فقلت له: نعم. قال لي: أخذت شيكو؟ فكنت واقفاً ساكناً، فقال: أخذت شيكو؟ وظللت ساكتاً، لا أخذت شيكو، يمكن أنا مش فاهم. قال لي: أنت جديد في الشغل ده؟ قلت له: نعم. قال لي: تمام، أخذت شيكو؟

أنا كنت مش فاهم، أخذت شيك يعني؟ كنت خائفاً أقول له نعم فأكذب، ولو قلت له نعم مثلاً وخلاص وكلام فقط أكون قد ورطت نفسي وشكلي أصبح سيئاً، فبقيت ساكتاً. يقول لي: أنت جديد في الشغلانة؟ قلت له: جديد في الشغلانة.

فهذا هو؛ أهل السوق لهم أهل المواسم، لهم خبرة. هو شرح لي كيف أخذ شيكو، يعني ماذا يعني أخذ شيكو؟ لها رتبة عندهم أن تأخذ شيكو، شغل ثانٍ، يعني ليس مجرد قطاع، أخذت شيكاً يعني أخذ منك فوق كذا قطعة عندما يعطيك الشيك.

عمري ما أنسى، كنت غريباً في الكره وغريباً في التجارة، لكن اكتسبت خبرة في الحياة وصلابة، أنني صرت أواجه الناس وأعاملهم، وصرت مستعداً لأي مواقف غُربة وأي مواقف صعبة. وعلى ذلك، ينبغي على الإنسان أن يخشوشن، والخشوشن ليس في الجسد فقط يا إخوة، هو طبعاً الجسد جزء من الخشوشن، لكن الخشوشن ينبغي أن يكون في النفس أيضاً. ينبغي ألا تكون لينة النفس في مواجهة الحياة، وإلا هو رست، خلاص، توطأ بمنسله كما قال سيدنا زهير.

لابد أن تواجه الحياة. أما فكرة أن تحمي ابنك دائماً وأنت تضره، فاجعله يذهب، اجعله لو تعارك يتعارك، اجعله لو تخاصم مع أحد أرشده من بعيد، قل له سيغدر بك، ستكتشف أنه كذا، ستنتبه إلى كذا، والناس رايحة جاية عليك، لا تتعلق بأحد، الناس تذهب وتجيء، هذا الذي صاحبك اليوم غداً ستراه عدواً غادراً، اجعله يعلم هذا، اجعله يعلم أن هناك من سيخدعه وينصب عليه، كما نقول يضحك عليه ويغشه ويخسر أموالاً، لا تعامل ذلك على أنها أمور شخصية، واجه الحياة.

نعم، فهذا أنا استفدت منه كثيراً، رأيت ألواناً من الناس، ومع ذلك تألمت حينما خُدعت أيضاً، فجماهير الكرش شيء وجماهير الصحب والناس القريبين شيء آخر. المهم، أخذت شيكو أم لم آخذ شيكو؟ لحد دلوقتي ما أخذتش شيكو.

أهل المواسم هؤلاء، فوافى بها أهل المواسم. أهل المواسم هم خبراء رؤوس الأسواق، مواسم وليس أسواق عادية، التي يأتي كل أحد فيها بما عنده. "فوافى" يعني أتى وقصد على ما يشبه الميعاد. أهل المواسم المجامع، الخبراء الذين يأتون إليها عادة ويعتادونها، ويأتون ويعلمون بأجود ما يكون، وإذا عندك جيد، فقد رأوا الأجود، خلاص.

ولهذا حتى في الشعر، إذا أردت أن تأتي الناس، ائتِ أهل المواسم. أهل المواسم مش أمير الشعراء في دبي، أهل المواسم مش كثرة في قطر، أهل المواسم ليس شيئاً من الموجود الآن، أهل المواسم هم أهل الخبرة، أهل العلم بالشعر، هؤلاء من تأتيهم وتخاف منهم وتعمل لهم حساباً. إذا كنت في الجاهلية تذهب إلى عقاد، والنابغة يجلس تحت القبة الحمراء، قبة إعدام، يا شجاع اعرض شعرك على النابغة الذبياني، يا شجاع اعرض شعرك على ورثة هذه العلوم، ورثة هذا الشعر، لو أنك قلت إنما تحتمي في الجماهير، لم تأتِ أهل المواسم.

الله تعالى في القرآن ماذا قال: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِی رَیۡب௧ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُوا۟ بِسُورَةࣲ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِینَ﴾ [البقرة: 23]. "وادعوا شهداءكم" بإضافة الشهداء إليهم، يعني هم فيهم شهداء، فيهم محكمون، فيهم أهل الشهادة. هؤلاء شهداؤنا في الشعر، فهمتم؟ ادعوا شهداءكم، ائتوا بهم يشهدون.

هؤلاء أهل المواسم. "فانبرى" معنى انبرى يعني تصدى واعترض وواجه. شوف كلمة فانبرى، تشعر أنهم في ميدان للتحدي والمنافسة. لم يقل فظهر أو أتى أو خرج، بل قال "فانبرى لها". يقال عند أجواء التصدي والتحدي خرج فلان يطلب المبارزة، فانبرى له فلان، أي اعترضه وتصدى له.

والله على كلمة "لها"، فانبرى لها، وليس انبرى له؛ هذه المرة انبرى لها كأنها هي التي نادت على المختبر، صار هناك تفاعل بين البيع الخبير من أهل المواسم الذي انبرى، وبين القوس، فانبرى لها. رأيتم الآن الصورة الثنائية بين القوس وبين البيع الخبير الذي انبرى؟ رأيتم هذا الذي انبرى فانبرى لها؟ ليس هناك كلمة في فراغ، لم يقل فانبرى له، قال: "فانبرى لها بيع".

والبيع هنا يا إخوة هو المشتري، وهو من الأضداد، يقال في المشتري ويقال في البائع، والبيع مشتري. ولا يخفاكم ما في كلمة بيع من إشارة إلى كثرة ذلك منه وخبرته، يغلي بها السوم، يرفع السوم، المفاوضة. الرائز هو الاختبار، والسوم هو السوم في البيع والمفاوضة فيه، فالرائز يعني المختبر، ويغلي يعني يبالغ ويرفع.

قال: "فوافى بها أهل المواسم فانبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز". يا لدهاء الشاعر في هذا البيت، إذ يبدأ بلفظه "فوافى" التي توحي كما قلنا بسبب موعد وبسبق قصد وتربص، ثم إن اجتمعت مع "انبرى لها" كأنه لقاء تنافس. "وافى بها" من كأنه كان عامين يعد نفسه ليكون أهلاً ليلقى أهل المواسم، وأهل المواسم هنا كما قلت ليسوا عشوائية، بل وافى بها أهل الخبرة لينافسهم ثقة بما صنع.

وهكذا يا إخوة، صاحب كل شيء يعرف ما أودع فيه فهو يغليه وينظر فيه، وصاحب كل شيء يقدره ينظر في يغلي به السوم. الشيء القيم في ذاته، الشيء ذو القيمة، يطلب لذاته ولا يخضع ذلك لعمليات الترويج أو لممارسات الترويج الزائفة، التسويق الزائف، التسويق القذر، اعمل ضجة، اعمل كذا، إذاً هذا فيه شيء وليس فيه شيء. ومن ذلك كل ما يعرف بالترندات، أنت تهتم بها لكثرة اهتمام التافهين، ولو أنك جردت نفسك على طريقة القرآن: ﴿قُلۡ إِنَّمَاۤ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ﴾ [سبأ: 46]. قم واحد واثنان فقط، انظر، أكثر هذه الترندات ما كنت ستنظر إليها.

لولا أنكم رأيتم الناس تكتب وتشتغل وتتظرف وتعمل نكات، فلا بد أن أدلي بدلوِي. أريد أن أدلي بدلوِي.

كلام فارغ، وأرى تافهاً يراسلني يقول: «يا أبا قيس، ما رأيك فيما هو حاصل وثائر هذه الأيام؟» وكذا. لماذا لم تقل رأيك فيه؟ رأيي في ماذا يا تافه؟ في تفاهة! أنا استصغر بعض الدعاة الذين ليس عندهم أدنى الرشد، ليس فيهم أدنى الرشد، يقفزون ويركبون كل «ترند»، أي شيء حتى لو ظهرت امرأة، يقول لك واحد: «امرأة أخرى وصور ونشر الصورة»، طب ماشي، خلاص هي تلبس عارية، ماشي، عايز إيه؟ الحرام واضح، خلاص لازم الشيخ يطلع يبين حكم الله.

لا يا حبيبي، أنت بتعمل، بتجيب معجبين، وبتعلل اسمه «الريتش»، أو بتعمل، بتركب «الترند»، يعني لا بد وأن أكتب وأن أعمل، وجمهورك من الشباب في العشرين الصغير، هو أدّ له يا شيخ، أدّ لهم يا شيخ. عيب، هذا عيب، هذا السفه، هذا التظرف، هذا الصغر لا يليق بداعية. الحرام حرام واضح.

أنا أتخيل شيخاً كالمشايخ الأزهريين القدامى الذين أدركت بعضهم، كالشيخ عطية صقر رحمه الله وزرته في بيته، إذا سئل عن شيء كهذا، سيقول: «ماذا تقصدون من السؤال؟ فهو ظاهر، فالجواب ظاهر، فما تقصدون من السؤال؟ هذا لا يحتاج إلى سؤال، هذا مما يغضب الله، وأنتم لكم غاية أخرى بالسؤال». هكذا كانوا يتكلمون.

فاحترسوا من هذا السفه يا إخوة، الكلام في كل شيء، والترندات. انظر إلى القيمة في ذاتها، فانبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز. كل شيء تعرف قيمته التي أودعت فيه بذاته.

وبمناسبة هذا، ليس ما أخذه من الفاء كما قال الدكتور عبده زايد. الدكتور عبده زايد في كتابه -لحظة- تحدث بشيء من هذا حول قضية أهل المواسم وكذا، فعلق الأمر بالفاء. هذا طبعاً كتاب «قوس العذراء»، التي فيها الذي فيه قصيدة محمود شاكر رحمه الله. لمن لا يعرف هذا، محمود شاكر رحمه الله هو أبو فهم، محمود محمد شاكر، الناقد المصري الكبير المعروف، والكتاب هذا يضم قصيدته «قوس العذراء» التي بناها على أبيات القوس من زائية الشماخ، ثم المقالات التي كتبها البعض على «قوس العذراء»، مقال لزكي نجيب محمود، مقال لإحسان عباس، مقال لمحمد مصطفى الهدارة، مقال لسعد أبو رضا، مقال لعبده زايد، صفحة 138.

كنتم تسمعون يا إخوة؟ يقول هكذا على الترتيب والتعقيب الذي تشعر به الفاء في «فوافى»: «فلما اطمأنت في يديه هي الثمن الربيح الذي سيحصل عليه من بيعها، والدليل على ذلك أنه ما انتهى من صنعها وإتقانها وتجربتها حتى صانها ووافى بها أهل المواسم، فوافى بها أهل المواسم».

هكذا على الترتيب والتعقيب الذي تشعر به الفاء في «فوافى» واختيار الجمع في «أهل المواسم»، يعني أنه أتى بها قوماً يترددون على الأسواق، هذا هو فهم أهل الخبرة بما يعرض فيها. ليس هذا فحسب، بل إنه لما رأى هذا الخبير بالقوس يروزه بادره بقوله: «هل تشتريها؟»، فإنه يريد بيعها ويعرف قيمتها، فهي من النفائس التي لا تباع إن بيعت إلا بثمن كبير.

هو لم يبين رحمه الله أن العبرة في «فوا»، جعلها كأنها اللقاء، والصواب أن نقول العبرة هنا في كلمة «وافى» التي أشارت إلى وجود أعداد وتربص وترقب سابق، فوافى بها أهل المواسم، كأنه من قبل أن يمر العامان وأن يمضعها ماء لحائها، وقبل أن ينظر منها أيها هو غامزة، وقبل أن يقوم الثقاف والطريدة درها، كما قومت ضغن الشاموس المهامز، قبل ذلك ما كان يوافي أهل المواسم لينبري لها بيع.

انظر: «انبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز». وما أروع هذا النسق بالفاء؛ لأنه بناه على حسن صنيعه الذي سبق فعله في البيتين كما قلنا، واختصر الكلام طويلاً من حديث الثقة والإدلال بصنعته. يقول لك لأنه قال: «وأقام الثقاف والطريدة ضرائها كما قومت ضغن الشاموس المهامز»، فوافى بها أهل المواسم، لم يقل لك حتى اطمأن وحتى تأملها وحتى نظر فيها، رأيتم هذا؟ ليس شيئاً من ذلك، توافى بها أهل المواسم.

والشعر كل الشعر في قوله: «فانبرى لها». أصل المعنى جاء رجل يشتري، لكن أصل الانبراء كما قلنا هو التصدي والاعتراض والمواجهة، وفيه معنى المنافسة، «انبرى لها» أي لأجلها، انبرى لها، اعترض لها، ظهر لها.

«يغلي بها السوم رائز». قوله «رائز» هذا في نعت البيع الذي يغلي السوم، يعني أنى لها بيع رائز يغلي بها السوم، وهو يروزه، أي يختبره. «لا ترزني» كما قال البحتري تمثيلاً لا استشهاداً. فهو يغلي السوم، و«رائز» يعني بيع رائز يغلي السوم. وهذا فيه الإشارة الخفية ومكر الشاعر، وهو يكشف عن نفاسة هذه القوس، انظر: «فانبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز».

لقد جمع بين «رائز» وهذه النعت للبيع، ولكنه أخره، فلما أخره أوقعه في ذهنك متأخراً ليجعله متوازياً معها، متماشياً لها؛ «بيع يغلي بها السوم رائز»، يعني حال كونه يروزه. أصل الكلام: «فانبرى لها بيع»، لو قال «فانبرى لها بيع رائز يغلي بها السوم» لكانت سخيفة، وصفه بأنه يروز ثم هو يغلي بها السوم، لم يركب المعنى على المعنى مع أنه في الظاهر حصل في نفس الوقت، لكن لم يترتب في ذهنك كذلك.

إنما لما قال «لها بيع يغلي بها السوم رائز»، كأنه قال: «وهو يروزه». ولذلك لما فصل بين الصفة التي هي «رائز» وبين موصوفها، أعطاها معنى الحال. من جهة النحو والترتيب، فإنه يقول: «يغلي حال كونه يروزه».

شوف الدكتورة شيماء، يا مرحبا دكتورة، الله يرضى عليكم، أه شعرتم صح؟ «فوافى بها أهل المواسم»، ها، التحدي الآن من عنده؟ «فانبرى لها بيع يغلي بها السوم»، ماذا تريد فيها؟ أعطيك، وأعطيك ماذا تريد؟ «رائز»؛ يختبر. فصور لك وهو يغلي ويختبر، تعجبه الرجل يعمل شيئاً في وقت واحد؛ يختبرها ويغلي في وقت واحد، لكن لو قال: «فانبرى لها بيع رائز يغلي»، وقع المعنى في ذهنك بارداً متعاقباً.

انبرى لها بيع يغلي رائز، المعنى صحيح، يعني لو فكرت قليلاً ستقول يفعلها في نفس الوقت، لأنه رائز يغلي بها السوم، كل هذا متعلق بالبيت في نفس الوقت. لكن لما مكر الشاعر، آخر رائز على زينه فاعل، وقدم بيع يغلي بها السوم، صار كأنه حال كونه يروّز، حتى تكاد أن تنطق رائز بالنصب.

فانبرى لها بيع يغلي بها السوم رائزاً، تشعر أنك ستذهب معك في الفتح. فانبرى لها بيع يغلي بها السوم رائزاً. وأخيراً ترونه هنا وصف البيع بالوصفين: يغلي ورائز؛ ظاهرهما النعت وحقيقتهما الحال. فانبرى لها بيع، هذا البيع بانبرى حال كونه يغلي ويروز، فهمتم؟ قلت لكم الشعر العالي، الشعر العالي فهمه ثقيل على العقل العادي، لا يستطيعونه.

فوافى بها بالضبط يرفع السعر وهو خبير، فوافى بها أهل المواسم، هذا البيع من أهل المواسم الذي انبرى يختبر وهو يغلي السوم، فإذاً يقول لك لقد عرف قيمتها من اختبارها فصار يغلي السوم. وأنا أرى السوم هنا معناه العطاء في السعر، الرفع في السعر، وليس أنه يقول له خفض السعر وكذا، والسياق يدل على هذا.

فقال له: «هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيعت به التلاد الحرائز». من الذي قال الآن؟ صاحب القوس، هل ربطت الآن؟ فهمت الوحي الذي حصل في «يغلي» و«رائز»؟ الوحي من يغلي ويروز، أي يختبر ويغلي، والوحي الحاصل منها أن هذا يريدها، فبقي شيء في نفس البائع، شيء صغير في نفس البائع وهو ما يسمونه الإخوة في السيلز (Sales) في البيع: "تتميم الصفقة".

هناك مراحل يا إخوة، الغرب، لا سيما الأمريكيون، أخذوا أكثر من درس في الماركتينج (Marketing) والسيلز والإدارة والبزنس، ومنهم النظيف ومنهم غير النظيف، لكنهم على كل حال رأسماليون جداً؛ نصيبهم هو المال، ليس عندهم من الحياة إلا المال، والمال هو ما يحركهم، المصلحة الصرفة، وهذا ما يفرقهم عن العرب. حتى إن لم يكونوا مؤمنين، عندهم قيم في الحياة هي منافع الحياة أيضاً، قيم نفسية.

ولذلك العرب أفضل أمة، هذا ليس كلامي، بل كلام الكثيرين حتى من غير العرب، كثير من الفرس ومن غيرهم يذكرون في رسائلهم وكلامهم فضل العرب، أنهم أمة من شمائلها أن هذه القيم هي في طبيعتها، وإن كان مذهبهم أنها أرحام تدفع وأرض تبلع. الحياة الأمريكية حياة مادية جداً، والمصلحة فيها مالية جداً، طبعاً هناك أناس فيهم خير، لكن أتكلم عن الثقافة عموماً، هم براجماتيون جداً كما يقال.

عندهم مثلاً من خبراء البيع توم هوبكنز، وعندهم مسيح التسويق الكبير فيليب كوتلر، وهو يهودي، وهناك متخصصون مثل كيفن لين كيلر. لكن كبيرهم الذي كان في شيكاغو، وهو يهودي مهاجر وصار يلقب بـ "Father of Marketing" أو أبو التسويق، يقولون عن كتابه "Marketing Management" إنه "Marketing Bible" أي إنجيل الماركتينج. وعندكم خبير التسويق توم هوبكنز.

هذا فيليب كوتلر، خبير التسويق في جامعة كارولينا، والأمريكان يقولون فيليب كوتلر، وهو مسن الآن، لا أدري إذا كان قد مات، كنت أقرأ كتبه وهو في التسعين من عمره أو بعدها. المهم، هم استولوا على البنوك وكل شيء، النظام المالي الربوي بالكامل.

وعندهم حتى التسويق له "موديل" (Model) أو له "بروسيس" (Process)، أي له عملية، هناك عملية تسمى "تتميم الصفقة"؛ يقول لك ربما تنجح في كل خطوات البيع والإقناع ولكن تقف في الأخير عند شيء، إذا تركت العميل وحده ربما ينصرف ولا يشتري. فيليب كوتلر -ولسله عمر طويل، دخل على مئة سنة- يقول: إذا تركت العميل دون تدخل لابد من أن تساعده.

وقرأت كتب بيتر دراكر كذلك، وهو يهودي نمساوي بالمناسبة، لكن بيتر دراكر عقله الفلسفي والفكري أعلى، وهو الذي تقوم عليه أفكار المؤسسات الأمريكية الآن، وإن كان اسمه لا يظهر كثيراً في الثقافة العامة. فيقولون لابد أن تتم الصفقة، يعني إذا تركت العميل دون أخذ خطوة، قل له: "طيب، الآن أنت إذا أخذتها اليوم متى تريدها؟ أرسل لك على البيت؟".

أحياناً العميل يحتاج كما نقول في مصر "زقة"، العميل يحتاج زقة. البائع الخائب هو الذي يعرض ميزاته جميعاً ثم يتركه وينتظر هكذا وينشغل عنه فيمشي، أما البائع الجيد فيساعده على اتخاذ القرار، يريد أحداً يشجعه ويطمئنه. هذه عملية في عملية التسويق والبيع، والبيع جزء صغير من التسويق لأن التسويق يبدأ من قبل وجود المنتج أصلاً.

فأنت ترى هنا بقي شيء في نفس البائع، لم يطمئنه إلى شراء البيع، ولهذا أغراه: «هل تشتريها؟». وهذا من دقيق البناء لمن يفهم؛ لأنك ربما تقول هو يساومه فلماذا يقول «هل تشتريها؟». هو يؤهله لذلك، وترى في بداية السؤال «هل تشتريها» بهذه المباشرة، هذه مناورة توحي بكلام فخم، يلي الكلام الأول، ثم يأتي الكلام المهم للسؤال المعهود.

هذا كلام فخم يلي الكلام، لما قال لك هو يسوم الآن، يغلي بها السوم رائزاً، فقال له: «هل تشتريها؟». هي ظاهرها سؤال، وفي الحقيقة هو أمر مهول؛ هو يحضه ليس فقط على الشراء لأنه يغلي بها السوم رائزاً، بل يحضه على رتبة أعلى وهي أن ثمنها فوق ما ربما تعرضه أنت، فقال له: «هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيعت به التلاد الحرائز». عرفنا أن التلاد هي المال القديم الموروث.

اتحداكِ يا أستاذة آثار، عبّر عن هذه بالفصحى.

اتحداكِ عبّر عنها بالفصحى، أنتِ قدها، وريني الفصحى بقى.

على قدرها، لا هي مش تبعنا، ردها إن استطاع. أكفو، أنت يا عيني برضه مش شغالة. لسه، لسه هقول، اقتربت اقتربت أختكم كوثر. أنا كنت أقول كلمة واحدة من الكلمات لها: «أو أنت لها»، أو «لها أنت»، هذا هو «لها أنت».

يا سلام! في الفصحى هل تشتريها؟ لا يا حبيبي، في الفصحى هل تشتريها؟ الفصحى هي الذوق، لأنك أهل لها، لأنك أهل لها. هذا هو أحلى شيء جبتُه أنا، صح ولا لا؟ اعترفوا، اعترفوا أن بتاعتي أحسن واحدة، مش مجاملة. «لها أنت»، هي دي بس.

في نفسك شيء منها؟ ماشي يا عم، بس هي أعم، صح؟ بتاعة كوثر، آه ما هو أختك، ماشي يا ست مش هقول عشان أختك، وكوثر أختنا.

فصحى وتصوير ماشي يا عم. هل فعلت ذلك؟ إيه يا عم اللي أنت جايبه ده؟ أنت بتترجم ده؟ أنت ما بتشتغلش في الدبلجة خالص! بالعكس، تشتغل في الدبلجة.

«لها أنت»، يا سلام! أنا عاجبني بتاعتي صراحة، «لها أنت».

تمام، فقال له: هل تشتريها؟ لكن طبعًا هنا أنا كنت أدربكم على ترجمة المعنى المصري الذي شرحت به، لكن هو غير؛ «هل تشتريها؟» هذا معنى آخر. «هل تشتريها؟» أنت أجاد في ذلك. أحقا تشتريها؟ كلمة «لها أنت» بتاعتها دي أنا فقط شرحتها لأعطي الطرف الآخر الفهم، فقال له: هل تشتريها؟

«سيرفع فإنها...». طب يعني إيه «هتشتريها فإنها»؟ بنى بالفاء على ما يُفهم من السؤال؛ هل تشتريها حقًا؟ وكأنه قال وتراني أعجب، أرفع لك من شأن شرائها؛ «فإنها تباع بما بيع تلاد الحرائز».

أجاد! أنت في شرائها؛ «فإنها تباع بما بيع تلاد الحرائز». وكل «الحرائز» يا إخوة هي التي تُحرز ولا تُباع ظنًا بنفاستها. الحرائز التي تُحرز ولا تُباع ظنًا بنفاستها، نعم.

رأيت الآن هذا الربط؟ وفي بداية السؤال، كما قلنا ترون، هذه العبارة التي يمكر بها الشاعر عبارة عادية، وجملتها يراد بها شيء آخر، وهنا ترونه قاسها قياسًا؛ إذ يخبر بقيمة غريبة لهذه القوس. «هل تشتريها؟ فإنها تباع...» يعني قوس تُباع بما بيع به تلاد الحرائز.

ليس فقط، ركزوا معي يا إخوة، هناك تلاد وهناك تلاد لا تُباع؛ يعني هناك تلاد ربما تُباع، وهناك تلاد لا تُباع، فيقول هذه تُباع بالتلاد الذي لا يُباع؛ يعني تُشترى بالتلاد الذي يُدفع فيها ولا يُباع، التي تُحرز. صُنعت في عامين، ظل يقومها في عامين! تتخيلون؟

من منكم جاءه هذا الشعور؟ كنا نتمنى أن نرى هذه القوس. من منكم تمنى أن يراها؟ هذه التي صُنعت في عامين وتوقع أن لها رونقًا هكذا، وأن لها هيئة معينة وفخامة. من منكم تخيل؟ كلنا، أنا تمنيت أن أراها والله.

أنا تخيلتها يا إخوة، يعني غليظة، كبيرة، وفيها غلظة وشدة وفيها فخامة. أنا تخيلتها فيها فخامة، حتى والله تخيلتها كهذه لكن أكبر، يعني قريبة في الصورة لكن أكبر وأفخم. نعم، القوس العربية صغيرة بالنظر إلى ما يبالغ فيه في غيرها، لكن ليست صغيرة.

«فوافى بها أهل المواسم»، فقال له: هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيع تلاد الحرائز. أي تُباع بما بيع به تلاد الحرائز. وتلاحظون هنا أنه قدم صفة «التلاد» على «الحرائز»؛ «تلاد الحرائز»، وهذا ليس اعتباطًا وليس للقافية أو الروية يا إخوة.

لماذا؟ لأنه لو قال «الحرائز التلاد» -ركزوا معي لو سمحتم واستحضروا المعنى- لأنه لو قال «الحرائز التلاد» يكون قد عكس القضية؛ لأن الحرز دون التليد. يعني ما الفرق بين «تباع بما بيع الحرائز التلاد»؟ التلاد أوسع، والحرز أوسع؛ فمن الممكن أن يُحرز الشيء وهو ليس ثمينًا، انما لو قال «التلاد» أعطاها قيمة الموروث ثم قال «الحرائز».

يعني لما قال «التلاد» أوقفَك في الأول على ثمين من الموروث، خلاص، لا عجب في بيع الحرائز، إنما العجب في بيع التلاد؛ الأشياء التي تُحرز. الحرز واسع، إنما تركيب الحرز على التليد هنا القيمة عالية. أما إن تبدأ بالحرز المحترز التليد، سيقول إلى نفس المعنى لكنك أخللت بالبيان، أخللت بالترتيب؛ لأنه لما قال «التلاد» أوقفَك في الأول على ثمين من الموروث، فلما قال «الحرائز التلاد» نقلك إلى الأعلى، وهو خاص من الخاص، يعني ما يُحرز من هذا التليد ولا يمكن الاستغناء عنه بحال من التليد. أما «الحرائز التليدة» فدخل بالضعيف ولم يقوِّ المدخل. شعرتم بهذا؟ «الحرائز التليدة» لم تفعل معي شيئًا.

تعالوا الآن إلى هذه الأبيات الثلاثة؛ الأبيات الثلاثة يا إخوة لها عقدة واحدة لابد وأن أشرحها أولًا. يقول: فأزار شرعبي وأربع من السيراء ... أو أواق النواجز وثمان من الكيري حمر جمر كأنها من من الجمر ما ذكى ... على النار خابز وبردان من خال وتسعون درهما ... اسمع انظر إلى ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز

ما عقدة الأبيات؟ هو لا يفصل له، يساوي معثماً، غلط! من فهم هذا فقد أخطأ الطريق. لا، ليس الثمن، ركزوا في الكلام. لما قال له: «هل تشتريها؟» وكان يراها وكان يختبرها، «هل تشتريها فإنها تباع بما بيع تلاد الحرائز». هو قال له جملة واحدة، أو في الحقيقة المعنى الذي قاله يتلخص في جملة واحدة. أحسنت يا هشام، أخونا هشام.

جملة واحدة، خذ الجمل بما حمل، ولكنه صار يفصله له. إذاً العقد الذي عُقدت عليه الأبيات الثلاثة في عرض الثمن، هي أنه يشرح له كل ما عنده ويغريه به وهو البيع، من أهل المواسم. يقول له: أنا جئت للسقب كذا، وخذ كل شيء وأنا سأنصرف، أعطني القوس. لا تنسَ أنه من أهل المواسم، ولذلك ترى الأبيات الثلاثة بُنيت على التنكير؛ فلذلك قوله «أزار شرعبي» يمكنك أن تقدر فيه معي «أزار شرع»، خذ كل ما معي، أزار شرعبي. انظر، هذا التنويع ليس في الشاعر، ليس لأنه هو الذي كان حاصلاً في الحقيقة، إن البائع كان معه هذا عشان بس نفهم موضوع الشعر، وليس ركزوا معي، وليس أنه ينسقه عشوائيًا كيفما اتفق كما بعض الناس يفعل الآن، الحداثي العقل.

المتخلف الذي يأتك بكلام، يعمله هكذا ويعمله كذا، لا، ليس هكذا، وإنما هو نسقه لك قصدا ليظهر لك أن هذا هو ما عنده، وخذ كل ما معي، وبناه على التنكير. ولهذا تراه ينكر ويصف، حتى إن بيتاً كاملاً في الوصف والشرح هو البيت الثاني الذي هو الواحد بعد الـ... تخيل الآن فقال له: هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيع التلاد الحرائز. فأجاب له بكل بضاعته، هذا تفسير البضاعة.

هذا الذي يبدو لك عشوائياً، هم لا يفعلون هذا في الشعر؛ أن ثمانية وأزار واحد، وأربع سيارات وثمانية من الكيري وبردان من خال و90 درهماً ومع ذاك مقروض. لا، هذا الذي يظهره لك كأنه اتفاقي، هو أظهره لك كذلك ليقول إنه ما حواه واحد انبرى لها من أهل المواسم، خذ هذه البضاعة التي معي كلها مقابل القوس. ومع ذلك عيط لما بقى، عيط في الشام يعني ندى أو صرخ، لا، عيط عندنا بمعنى بكى.

انظر، فقال له: هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيع تلاد الحرائز. كأنه أعطاه الجمل فقال: أزار شرعبي وأربع من السيراء، أو قالوا "أو" هنا بمعنى "واو" يعني إن كنت تريد خذ هذا، أو أواقٍ نواجز. ما هي الأواقي؟ انظر التنكير في الأواقي، الأواقي وزن، الأواقي هنا أوزان وقية معروفة. أواقٍ نواجز الآن معي، ليس لا أعدك بها، معي الآن أواقٍ نواجز؛ ما هي؟ ثمان من الكيري، الكير الذهب المحمل في النار الخالص الذي ليس فيه شيء، صافي، ثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر ما ذكي على النار خابز، وبردان من خال من اليمن، و90 درهماً، ومع ذاك خذ مقروض.

يعني مدبوغ من جلد الماعز، شديد، مش ماعز الماعز، يعني شديد الماعز، الماعز الجبلي أصلاً هذا سمي ماعزاً من هنا من معنى الشدة. وأنت عندك الحجارة تسمى المعزاء، أصل الماعز يا أخوه كلمة ماعز ومعزاء هذه من الشدة، والماعز التي هي قرنة الضأن سميت ماعزاً لأنها تعيش في الجبال وشديدة في الأصل. والمقروض ليس جلداً، لا، ليس جلد الماعز، مقروض من الجلد يعني مدبوغ من الجلد. بالضبط يا خالد، مقروض من الجلد يعني مطبوغ بالقرض، وهو نبات كان يدبغون به قديماً وما زال إلى الآن يستعمل في بعض الأماكن، بالمناسبة الآن صار بوايماويه، كان يدبغ به قديماً والآن يدبغ به ويكون أصلب والجلد أسمك شديد.

ومع ذاك مقروض، اسمع: ومع ذاك يعني خذ معي أيضاً جلد لا عد له، خذه مقروض ماعز شديد، جلد قوي مدبوغ دباغة قوية تصنع منه السرج وأجبّة السيوف، أعطاه بضاعته. ولهذا كان واضحاً أن هذا يحصل في السوق؛ لأنه لما قال بعدها: "فظل يناجي نفسه"، وأميرها قالوا... ماذا قال الشاعر؟ فقالوا له: "بايع أخاك"، وكأن الكلام ده كان موجوداً قدام الناس، خذ هذا الجمل فيه كذا، فقال أزار شرعبي... لا بد من شرح عقدة الأبيات، أسميها عقدة الأبيات، هذا ما عقدت عليه الأبيات، وهذا تعبير محمود شاكر في بعض مقالاته وهو ينقد كلام العقاد في الغزل الفلسفي.

رحمهم الله جميعاً، غزل فلسفي! فلا بد من بين عقدة الأبيات، فلا أوضحها الآن، فقال: أزار شرعبي وأربع من السيراء، أو أواقٍ نواجز، ثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر ما ذكي على النار خابز، وبردان من خال، هو كل ما معي، و90 درهماً، ومع ذاك مع كل ما ذكرته مقروض من الجلد ماعز لا عد له، خذ بس أديني القوس. وذاقه فأعطته، من اللين، يعني أنت سبت كل ده وخذت القوس ومبسوط؟ اه مبسوط، أنا عايز القوس دي، اضرب بيها مرة واحدة، ارمي بيها مرة.

وذاقه فأعطته، هو شكله اتجوزها مش اشتراها، شكله اتجوزها والله، عايز أذوق. وصفوها وصفاً عجيباً، "هتوف". عارفين يعني إيه هتوف؟ البيت رهيب معجز، هذا البيت معجز، يقول: «هَتُوفٌ إِذَا مَا خَالَطَ الظَّبْيَ سَهْمُهَا * وَإِنْ رَاغَ مِنْهَا أَسْلَمَتْهُ النَّوَاقِذُ». معنى هتوف يعني تنادي تطلب الطريدة. يقول هتوف إذا خالط الظبي سهمها، وإن راغ منها أسلمته النواقذ، والنواقذ هي الأقدام والقوائم. فيقول سواء خالط الظبي سهمها أو راغ منها لم يصبه، أسلمته النواقذ لأنها هتفت عليه نادته.

ما معنى هذا؟ أن الطرائد تعرف صوتها، فهمتوا؟ هتوف الشاعر لخص القصة في هتوف، هتوف على وزن فعول، ضرب بها كثيراً فصار صوتها معروفاً، فسواء السهم اخترق الظبي أو لم يخترقه، من خوفه وقف لأنه يعرف صوتها. لذلك حلا حلقها، عرفتوا ليه حلقها؟ هتوف، إذا ما خالط الظبي سهمها وإن راغ منها أسلمته النواقذ، رجله التي سلمته وقف لماذا؟ هتوف، هتفت عليه، انتهى. هذا الصوت تعرفه الطرائد، صاد أخواتها من قبل، فإذا سمعت من خوفها وقفت كأن الذي يرمي من الوحش تارزه.

خلاص، الفكرة هنا ليست فقط في أن الصوت مرعب أو كذا، الفكرة هنا في أن الصوت عند هتوف هي ربطته كما تقول بالموت، فإذا سمعت الصوت، وربما كان السهم لم يصب يعني أخطأها السهم، وإذا جرت نجت، لكن من معرفتها بالصوت وقفت. شفت الإيجاز؟ سأظل أقول طول عمري والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر، طولت خطبته، الشاعر المعاصر يستطيع أن يضمر كل هذا الاختصار في لفظة "هتوف". إذا ما خالط الظبي سهمها وإن راغ أسلمت النواقذ؛ الظبي سواء خالطه السهم أو راغ منها، رايته.

فقال أزار شرعبي، عرفتم في ماذا دفع كل هذه الأموال؟ فقال: أزار شرعبي وأربع من السيراء، أو أواقٍ نواجز. الشرعبي أخوه قالوا هو جنس من البرود منسوب للشرع، أو جاء من الشرع، والشرعبه هي قطع الأديم واللحم طوالاً، إذا قطعوا اللحم أو الجلد شرائح طويلة يسمى ذلك شرع، فالشرعبي نستطيع أن نتخيله كأنه شيء يدخله شيء مشرعب، يعني فيه جلد مخيط بجلد مع الكتان أو كذا، فيسمى شرعبياً، لذلك ليس فقط مقلما، أنا أتخيله كأنه تدخله الشرع من الجلد فعلاً القديم.

لأنه قال: «أزارٌ شَرْعَبِيٌّ»، فإذا كان أزارٌ واحدٌ شَرْعَبِيٌّ، فهذا ثمين، كأنه مُشْرَعِب، يعني فيه شيء من ذلك، فيه صنعة الجلد مع الكتان أو كذا أو كذا، والله أعلم.

خلاص، فاصل الشرع، قطع القديم واللحم. إذا قطع الشرع، أن تقطع قطع اللحمة والأقديمة هكذا. وأربعٌ من السيراء، قالوا: برودٌ مسيرةٌ فيها خطوطٌ كالسيور، وربما أقول ربما كانت الأخوة خطوطًا من ذهب، لماذا؟ لأن السياغ الذبياني من يُذكر: «صفراء كالسيراء»، أي صفراء كالسيراء، فسروها بالذهب، صفراء كالسيراء، يعني كالذهب.

فيقول: «وأربعٌ من السيراء»، يمكن أن تكون أكمل خلقها، أحسنت، «أكمل خلقها كالغصن في غلوائه المتاين». فيقول: «كالسيراء» يعني كالذهب، هناك في قصيدة النابغة الذبياني الدالية، فربما السيراء التي هي البرود المسيرة يكون فيها خيوط من الذهب بالفعل أو مذهبة فعلاً؛ لأن هذه أيضًا أشياء ثمينة، هذا من أهل المواسم، يعني جاء بشيء ثمين: أزارٌ شَرْعَبِيٌّ، وأربعٌ من البرود المسيرة فيها خطوط كالسيور. أنا أقول ربما هي سيور الذهب فيها، حتى يقال فيها مسيرة، يعني لا سماها وأن ما فيه خطوط، هذا الذي يقولونه، يوصف بأوصاف أخرى أيضًا عند العرب، كذلك «أواقٍ نواجز».

«أواقٍ» جمع أوقية، والوزن المعروف، و«نواجز» يعني حاضرة نقداً، وهنا يريدون كما قالوا أوقية الذهب ووزنها أربعون درهماً. الأوقية هنا يا إخوة وزنها أربعون درهماً، يعني كم بالجرامات؟ نحسبها؛ الدرهم أقل بقليل من ثلاثة جرامات، حوالي مائة وتسعة عشر جراماً، هذه الأوقية.

يعني تسعمائة واثنان وخمسون جراماً، ما يقرب من كيلو من الذهب. لماذا الأوقية؟ شوفوا يا إخوة، الأوقية كما قالوا أربعون درهماً، والدرهم جرامان وتسعة وسبعون بالمائة وخمسون جزءاً، أي أقل بقليل جداً من ثلاث جرامات، والأربعون درهماً التي هي الأوقية تساوي مائة وتسعة عشر جراماً. هذه الأوقية الذهبية التي هي أربعون درهماً تساوي مائة وتسعة عشر جراماً، وهذه إذا ضربناها في ثمانية تساوي تسعمائة واثنين وخمسين جراماً، يعني ما يقرب من كيلو من الذهب، يمكن عشان كذا مد حط لها بيت لوحده.

فقال: «أزارٌ شَرْعَبِيٌّ، وأربعٌ من السيراء، أو أواقٍ نواجز». الأواق هي جمع أوقية، وهي أوقية الذهب وهي أربعون درهماً. استوقفني هنا يا إخوة، كما قلت لكم مباشرة، البيع للثمن الذي كان يغلي رائز، هل أوعبتم الآن نسق الكلام الرهيف؟ هل لاحظت أن الشاعر صار يخبرك بما آل إليه أمر الرائز؟ كان قبل قليل رائز يغلي بها السوم، الآن: «أزارٌ شَرْعَبِيٌّ»، وأنت فهمت عقدة الأبيات، ما عقدة عليه الأبيات؟ يعني أنه يقول له: خذ ما معي، أزارٌ شَرْعَبِيٌّ وكذا وكذا وكذا.

وقوله هنا «أزارٌ شَرْعَبِيٌّ» على التنكير، الذي يطلب التمام والاقتران والإضافة، لما أقول أزارٌ شَرْعَبِيٌّ وهذا يشوقك لما بعده. ثم لم يقل لك أربع سيراء، أو أربعة سياراء أو كذا، لم يقل لك شيئاً من هذا، إنما قال: «أربعٌ من السيراء». لماذا لم يقل أربع سيراء؟ قال: «أربعٌ من السيراء»، هذا أسلوب يا إخوة، ربما تحضرني شواهد عنه، تعظيم للسيراء.

لكن كيف هو لما يقول: «أربعٌ من السيراء»؟ يعني من جيدها، لما تقول مثلاً: هل تشعر بفرق لو قلت لك أعطاني خمسة، أو أعطاني خمسة إبل بيض؟ هل تشعر بالفرق بين «أعطاني خمسة إبل بيض» وبين «أعطاني خمسة من الإبل البيض»؟ هل شعرت بفرق بين الاثنين؟ الثانية تفيد من أحسن الأنواع، تعظيم النوع يغري أكثر.

«خمسة من الجمال البيض»؛ لما تقول: «خمسة من الجمال البيض»، أنت هنا تظهر احتفاءك بالنوع فترفع النوع، لكن «خمسة جمال بيض» فما هي؟ أي خمسة من الجمال البيض، لكن «خمسة من الجمال البيض» تعظيم. و«أربعٌ من السيراء» يعني الجياد، لأن قوله: «من السيراء» لا يكون بحساب النوع الرديء، لا يكون إلا وقد احتفيت بالعالي منها، فهمتم؟ احتفيت بالعالي منها. فقال: «أزارٌ شَرْعَبِيٌّ وأربعٌ من السيراء»، شوف احتفاء «أربعٌ من السيراء».

«أو أواقٍ نواجز»، وقالوا هنا يا إخوة إن «أو» بمعنى الواو، قالوا: «أو» هنا بمعنى واو العطف، ولكن تشعر هنا بالفرق بين استعمال «أو» التي هي بمعنى الواو في الأخير في التحصيل، وكأنه يقول لك: أو خذ ما تشاء، أو خذ هذه، أو هنا ليست بمعنى هذه أو تلك على التخيير. فقال: «أزارٌ شَرْعَبِيٌّ وأربعٌ من السيراء، أو أواقٍ»، كأنه يقول لك: خذ أيضاً أواقٍ.

هذا التخيير ليس كـ«أو»، بل هي واو هنا بمعنى «و»، هذه مستعملة، ادرس الفقه أو الحديث أو الأصول وأنت تريد «و»، يعني اختر ما تشاء، كأنك تقول: مد يدك وخذ كل شيء وابدأ بما تشاء، خذ كل شيء وابدأ بما تشاء، «أو أواقٍ»، كل هذا متاح.

وتلاحظون هنا في «أو»، تلاحظون أنه لما ختم بالمجمل «أو أواقٍ»، كأنه قال: أو خذ ما تشاء من أواقٍ، أو خذ هذه التي هي «أواقٍ نواجز»، أو هنا فخّم الأمر لما خالف الواو فقال: «أزارٌ شَرْعَبِيٌّ وأربعٌ من السيراء، أو أواقٍ»، فخّمها لك وأجملها ليهيئك للبيت التالي، فـ«أو» هنا التقت مع الإجمال في «الأواق النواجز»، يعني تأخذها الآن ناجزة.

«ثمانٍ من الكير حمر، كأنها من الجمر ما ذكاه على النار خابز».

ثمان من الكير، يعني ثمان قطع، كل قطعة مئة وتسعة عشر جرامًا، خلاص ثمان من الكير يعني قريب من الكيلو. ثمان من الكير حمر، كأنها من الجمر ما ذكاه على النار خابز. تأمل هنا كيف أنه أغرق بتفسير البيت السابق ببيت كامل.

سرها عند أو.. تخيل، سرها الآن عند أو.. كأنه ينظر في وجهه، أو أواق النواجز، ثمان من الكير، ثمان من الكير، ثمان من الكير حمر، كأنها من الجمر ما ذكاه على النار خابز. غريب هذا البيت في شيء.

أهلاً يا عمر غانم حبيبي، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. لا قطع الله لكم زيارة يا ولدي، ولا أسكت لكم حسة. تخرجت ما شاء الله من الثانوية؟ ما شاء الله، مبارك يا عمر، مبارك يا ولدي، مبارك، جميل جميل.

هنا شيء غريب يا إخوة، والله يا حبيبي الله يبارك فيك يا رب، وسلامي للوالدة الكريمة. لا، لم يقل: كأنها الجمر، ثمان من الكير حمر كأنها الجمر، ولم يقل: كأنها ما ذكاه على النار خابز، ولم يقل: كأنها الجمر، ولم يقل: كأنها ما ذكاه على النار خابز.

يعني: «ثمان من الكير حمر كأنها ما ذكاه على النار خابز»، ليه كلاهما لم يقله؟ كان له أن يقول: «ثمان من الكير حمر كأنها الجمر»، أو «حمر من الجمر»، ولم يقل: «كأنها ثمان من الكير حمر كأنها ما ذكاه على النار خابز» وسنفهم أنها من الجمر، بل قال: «كأنها من الجمر ما ذكاه على النار خابز».

اسم «كان» الضمير «ها» العائد على الثمان الكيرية، وخبر «كان» ماذا؟ أين خبر «كان»؟ نختبركم، أين خبر «كان»؟ هل خبر «كان» من الجمر؟ أين الجملة؟ «ما ذكاه»؛ نعم، الموصول وجملة الصلة هذا خبر «كأن».

إذن، يكون قوله «من الجمر» اعتراضيًا مقدمًا. فهو قال: «كأنها من الجمر ما ذكاه على النار خابز»، وقصد إلى ذلك قصدًا، بدليل أنه قدم وفصل بين اسم «كان» وخبرها. وكان الأصل إذا استعمل «من الجمر» أن يقول: «كأنها ما ذكاه خابز من الجمر».

«ما ذكاه» فعل، و«خابز» فاعل، و«من الجمر» هنا مكان المفعول، هو المفعول خلاص. أو «ما ذكاه على تقليل ما ذكاه من الجمر»، لكنه على كل حال قدم لأنه أراد تخصيص عمل الخباز بالجمر، وأراد تخصيص الجمر بما ذكاه الخباز.

هناك خباز، لو قال: «كأنها ما ذكاه على النار خابز» لم يخص الجمر الذي يشبه به، ولو قال «كأنها من الجمر» فلم يذكر الخباز، يكون قد أفقدها صفة؛ لأن الجمر الذي يذكيه الخباز يضعه وينفخ فيه فيشتعل.

وقوله «على النار» ليس حشوًا؛ لأنه يكون مكتمل الاتقاد، قال: «ذكاه على النار» وليس فحمًا بفحم، لا، ده هو نار مباشرة وذكاه الخباز، أي أشعله الخباز.

لماذا ذكر الخباز؟ لماذا لم يذكر الجمر فقط أو ذكر أحدًا غير الخباز؟ قلنا هو أراد تخصيص عمل الخباز بالجمر، وأراد تخصيص الجمر بما ذكاه الخباز. لأن الخباز يا إخوة يشعل في التنور، والتنور يمنع الهواء فيتقد اتقادًا كاملاً، وتكون الحمرة كاملة داخل التنور. أما الذي يشعل للشواء من الخارج، يكون بعض الفحم مسودًا من جهات معينة، أو يسود ويحمر على التبادل بحسب الهواء. أما الذي يكون في التنور وعلى النار في التنور، هذا أحمر صرف.

تخيلتم؟ من يعرف التنور؟ أنا شفت الفرن البلدي بتاع جدتي، كانت تخبز فيه جدتي لأمي في بيتها، في غرفة هكذا، التنور من الطين، قبة من الطين فيها الصاج، وتحت يوجد فتحة مربعة تدخل الأخشاب والأشياء التي تشعل بها. كنت أجلس معها وأنا طفل أضع الأخشاب، قطع أخشاب وفروع، وتعمل الخبز، ويسمونه «المطرحة»، وهي عبارة عن خوص أو خشب، لها مقبض ومستديرة كبيرة بحجم الرغيف، تعمل يمين وشمال حتى ينفصل الدقيق ثم ترميه في الفرن. كنت أشاهدها وأقول: «أهو، استوى، استوى».

رحمها الله ورضي عنها جدتي لأمي، اغفر الله لها وأسكنها فسيح جناته، آمين. فهمتم لماذا قال «الخابز»؟ أنا رجعت كم سنة؟ أربعون عامًا، والله رجعت. لماذا قال الخباز؟ لأن الخباز هذا تنور، ليس خبز الأفران الفرنجية أو الآلية، لا، هذا تنور من الطين يشعله في الداخل، فلا يوجد هواء، فإذا أشعله على النار في التنور كان أحمر صرفًا.

هذا يا أخوة الطين من الطين، بالضبط، قبة بالضبط. هو هذا يصنع باليد يا أخوة بالطين واليد هكذا يصنع باليد، نعم، ما ذكي على النار خابز.

كل هذا الذي أوقعه الشاعر من المعنى يرمي به في نظم الكلام إلى تقوية التشبيه، ليغريه بهذه الثماني من الكيري، الأوقيات الذهبية حمر، وبردان من خال وتسعين درهما، ومع ذاك مقروض من جلد ماعز. أذكركم بعقدة الكلام: «هل تشتريها فإنها تباع بما بيع تلاد الحرائز».

أزار شرعبي وأربع من السيراء أو أواقي النواجز، ثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر ما ذكي على النار خابز، وبردان من خال وتسعين درهما، ومع ذاك مقروض من جلد ماعز. الخال يا أخوة قالوا بردان يماني، الخال برد يماني فيه الحمرة والسواد، أو الحمرة والخضرة، والخضرة عند العرب سواد دكنة، يعني مخطط بالحمرة والسواد.

خلاص تذكرون أبو ذئيب ماذا قال؟ قال: «فأبدهن حتوفهن فهارب بذمائه أو بارك يعثر، ثرن في علق النجيع كأنهن يعثرن في علق النجيع كأنما تكسى برود بني تزيد الأذرع». قالوا هذه برود يمانية، أذرع، اسمعوا، أذرع هذه الحيوانات داكنة، يعثرن في علق النجيع كأنهن تكسى برود بني تزيد الأذرع، تنزل بخطوط حمر على الدكن أو السواد الذي في الأسفل، فكان الأذرع من الخطوط كسيت برود بني تزيد، هذه الخال.

قالوا برود يمانية فيها الحمرة والسواد، أو قالوا الحمرة والخضرة، كأنما كسيت برود بني تزيد الأذرع، وبردان من خال يعني من برود الخال، وبردان من خال وتسعين درهما. تلاحظون أن هذه التسعين درهما هي نقد، ولو كان من الأول يشتري، ولم تفهموا عقدة الكلام، لو كان من الأول يشتري كان الظاهر أن يبدأ بها لأقول لكم هذا مقصود، كان الظاهر أن يبدأ بها وأن يقدر القوس بالثمن النقدي، هذا الأصل.

لكن الشاعر كما علمت رمى بكل ما معه، وفي ضمنه النقد، فهو يقول للقواس كما عرفت: خذ ما معي من أعيان البضائع ومن النقد، والنقد آخر شيء كأنه كان ينساه، ترى النقد جاء في الأخير، وبردان من خال وتسعين درهما، النقد جاء من ضمن ليقول لك أعطيته كل شيء؛ النقد والأعيان والبضاعة.

لاحظت هذا ليس مساومة في الثمن، هذا الأصل لو كان ثمنا أن يبدأ بالدراهم والدنانير، أو يبدأ بالذهب نقد يوزن بالنقد أيضا، الأوقية وكذا، هو أعطاه كل شيء ومن ضمنها التسعين درهما، ثم قال: «ومع ذاك مقروض»، وهذا ليس اعتباطيا يا أخوة ليس اعتباطيا، لأن الجلد يدخل في أعيان البضائع وليس في النقد المذكور، «ومع ذاك» خلاص، ليس في النقد الذي ذكر بعد أعيان البضائع، فقوله «ومع ذاك مقروض» يعني مع كل ذلك الذي من ضمنه النقد، مقروض من جلد ماعز، يعني كأنه استدرك شيئا فاته من الأعيان، أعيان البضائع، ليدل على استيفاء كل ما معه ومع ذاك ما لا تعده.

ولذلك حتى لم يذكر عددا، لم يقل تسعين، لم يقل بردان، لم يقل أزار، لم يقل أربع، لم يقل ثمان، قال: «ومع ذاك» خذ كل ما معي لا أعده كثير، ومع ذاك استدرك كل شيء خذ الجمل بما حمل، ومع ذاك مقروض من جلد ماعز، شديد مقروض يعني مدبوغ، وماعز يعني شديد قوي يصنع منه الأشياء الجيدة.

خلاص، فهو أعطاه ما معه: «فمضعها عامين ماء لحائها وينظر منها»، تذكرون «وينظر منها»، أيها هو غامز أقام القثاء والطريدة درها كما قومت ضغن الشموس المهامز، فوافى بها أهل المواسم فنبرها لها بيع يغلي بها السوم رائز، فقال له: «هل تشتريها فإنها تباع بما بيع تلاد الحرائز؟»، فقال: أزار شرعبي، فقال: أزار شرعبي وأربع من السيراء أو أواقي النواجز، ثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر ما ذكي على النار خابز، وبردان من خال وتسعين درهما، ومع ذاك مقروض من جلد ماعز.

وهنا أوصله إلى مرحلة سنقف عندها طويلا، بيت لن نخرج منه بسهولة، فظل يناجي نفسه وأميرها: «آياتي الذي يعطى بها أم يجاوز»، وهذا ما يكون في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى. شكرا لكم وجزاكم الله خيرا. هذا هو الشعر يا أخوة، الشعر يشرح، هذا هو الشعر، وهذا شرح الشعر، الشعر الحقيقي يشرح هكذا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.