دخولتسجيل الدخول

الدرس 7 - الأبيات (٢٣، ٢٤، ٢٥، ٢٦)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام، تحية طيبة. كيف حالكم أيها الإخوة؟ أرجو أيها الكرام طمأنتي إلى سلامة البث، صوتاً وصورة من بعد إذنكم. طمأنوني إلى سلامة البث.

الحمد لله، الحمد لله، تمام، الحمد لله. يا مرحباً، يا مرحباً. كل من ألقى السلام فعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً. أهلاً وسهلاً ومرحباً، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

لا سؤال قبل البث، قبل الدرس، ولا أي شيء؟ لا شيء. أرجو أيها الإخوة، سواء الإخوة الذين هم حاضرون معنا، أو الإخوة الذين يستمعون، أرجو منهم أن يتفاعلوا مع البث حتى يساعد ذلك في الظهور لإخوانهم.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد. هذا أيها الإخوة هو مجلسنا السابع من المجلسين الأسبوعيين في الشرح التفصيلي المطول على زائية الشماخ بن ضرار. وفي الشرح التفصيلي المطول على زائية الشماخ بن ضرار، أحسب أنه بعد انتهاء هذا الشرح لا عذر لأحد لم يحفظ القصيدة، هذا فيما أظن؛ لأنني كما قلت، سألتزم هذا، أشرح أو أنشد القصيدة في صدر كل مجلس.

اسمحوا لي فقط أن أطمئن إلى الصورة من هاتفي. كيف الأمر عندكم يا إخوة؟ يبدو جيداً عندي. نعم، رائقة، يعني الصورة، الصوت هكذا؟ نعم، رائقة. تمام، افتح الصوت. جميل، الحمد لله.

عفى بطن قو من سليمه .. فعالز فذات الغضا فالمشرفات النواشز فكل خليل غير هاضم نفسه .. لوصل خليل صارم أو معارز ومرتبة لا يستقال بها الردى .. تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز وعوجاء مجذام وأمر صريمة .. تركت بها الشك الذي هو عاجزه كان قتودي فوق جاب مطرد .. من الحقب لاحته الجداد الغوارز طوى ظمها في بيضة القيض بعدما .. جرت في عنان الشعريين الإماعز فظلت بيمؤود كأن عيونها .. إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز لهن صليل ينتظرن قضاءه .. بضاحي عذات أمره وهو ضامز فلما رأينا الورد منه صريمة .. مضينا ولاقاهن خل مجاوز ولما رأى الإظلام بادرة بها .. كما بادر الخصم اللجوج المحافز ويممها من بطن ذروة رمة .. ومن دونها من رحرحان مفاوز عليها الدجا مستنشات كأنها .. هوادج مشدود عليها الجزاجز ومرت بأعلى ذي الاراك عشية .. فصدت وقد كادت بشر خرج تجاوزه وهمت بورد القنتين فصدها .. حوام الكراع والقنان اللواهز وصدت صدوداً عن ذريعة عثب .. ولابني غمار في الصدور حزائز ولو ثقفاها درجت من دمائها .. كما جللت نضو القرام الرجائز وحلاها عن ذي الاراكه عامر .. أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح لاحظوا قليل التلاد غير قوس وأسهم .. كان الذي يرمي من الوحش تارز مطلا بزرق ما يداوى ريها .. وصفراء من نبع عليها الجلائز تخيرها القواس من فرع ضالة .. لها شذب من دونها وحواجز نمت في مكان كها فاستوت به .. وما دونها من غيلها متلاحظ فما زال ينجو كل رطب ويابس .. وينغل حتى نالها وهو بارز فانحى عليها ذات حد غرابها .. عدو لاوساط العضاه مشارز فلما اطمانت في يديه رأى غنى .. أحاط به وأزور عمن يحاوز فمضعها عامين ماء لحائها .. وينظر منها أيها هو غامز أقام الثقاف والطريدة درها .. كما قومت ضغن الشموس المهامز فوافى بها أهل المواسم فنبرى .. لها بيع يغلي بها السوم رائز فقال له هل تشتريها فإنها تباع .. بما بيع تلاد الحرائز فقال أزار شرعبي .. وأربع من السيراء أو أواق النواجز ثمان من الكيري حمر كأنها .. من الجمر ما ذك على النار خابزه وبردان من خال وس صفر درهما .. ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز فظل يناجي نفسه وأميرها .. آياتي الذي يعطى بها أم يجاوز فقالوا له بايع أخاك ولا يكن .. لك اليوم عن ربح من البيع لاهز فلما شراها فاضت العين عبرة .. وفي الصدر حزاز من الوجد حامز وذاق فأعطته من اللين جانباً .. كفى ولها أن يغرق السهم حاجز إذا انبض الرامون عنها ترنمت .. ترنم ثكلة أوجعتها الجنائز هتوف إذا ما خالط الضبي سهمها .. وأرغ منها أسلمته النواقز كان عليها زعفرانا تميره .. خوازن عطار يمان كوانزه إذا سقط الآن صينت وأكرمت .. حبيراً ولم تدرج عليها المعاوز فلما رأينا الماء قد حال دونه .. زعاف لدى جنب الشريعة كارز شككنا بإحساء الذناب على هدى .. كما تابعت سرد العنان الخوارز ولما استغاثت والهوادي عيونها .. من الرهب قبل والنفوس نواشز فألقت بأيديها وخاضت صدورها .. وهن إلى وحشية كوارز نهن بمدان من الماء موهناً .. على عجل وللفريص هزاهز غدون له سعر الخدود كما غدت .. على ماء يمؤود الدلاء النواهز يحشرجها طوراً وطوراً كأنه .. له بالرغام والخياشيم راجز ولما دعاها من أباطح واسط .. دوائر لم تضرب عليها الجرامز حذاها من الصيداء نعلاً طراقها .. حوام الكراع المؤيدات العشاوز فأقبلها نجاد قوين وانتحت بها .. طرق كأنهن نحائز حداها برجع من نهاق كأنه .. بما رد لحياه إلى الجوف راجز فأوردهن المور مور حمامة .. على كل أجرائها هو رائز يكلفها طوراً مداه إذا التوى .. به الورد واعوجت عليه المجاوز محام على عوراتها لا يروعها .. خيال ولا رام الوحوش المناهز فأصبح فوق النشز نشز حمامة .. له مركض في مستوي الأرض بارز وظلت تفالى باليفاع كأنها .. رماح نحاها وجهه الريح راكزوا

تمت القصيدة.

أيها الإخوة، رضي الله عنكم. حبيبي الشيخ الدباخي رضي الله عنكم مولانا. انتهينا في الشرح أيها الإخوة، ما زلنا طبعاً في الرحلة الخامسة. "وحلاها عن ذي الاراكه عامر" وانتهينا إلى البيت الثاني بعد العشرين "وحلاها عن ذي الاراكه عامر". إلى وصف القوس: "نمت في مكان كها فاستوت به، وما دونها من غيلها متلاحظ". يقول: "تخيرها القواس من فرع ضالة، لها شذب من دونها وحواجز، نمت في مكان كها فاستوت به، فما دونها من غيلها متلاحظ، فما زال ينجو كل رطب ويابس، وينغل حتى نالها وهو بارز". هذا البيت الثالث بعد العشر، ونكمل الشرح منه.

انتهينا في الشرح إلى "نمت في مكان كها فاستوت به"، وقلت لكم اختار رواية الجمهور، جمهور أبي زيد، إذ جعل الفاء في "استوت" وجعل الواو في الشطر الثاني "وما دونها". فمكان الديوان الذي هو "نمت في مكان كها".

«نَمَتْ فِي مَكَانِ كَهْأٍ فَاسْتَوَتْ بِهِ ... وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ»

وهذه هي الرواية الصحيحة إن شاء الله تعالى، رواية أبي زيد القرشي في الجمهرة، بترجيح الدلالة واستقامة المعنى.

«فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ... وَيَنْغِلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ»

طبعاً أنبه الإخوة ألا يعلقوا إلا بما يطلب وبما يكون في النقاش، إنما التعليقات التي فيها دردشة وفيها ثمرة وسوالف، كما تقولون، هذه لا داعي لها وتضايقني، وربما أنتم متضررون منها، تؤثر على الشرح وتغلق صدري.

كذلك، وأنا أنشد يا إخوة، البعض تعجبه بعض الأبيات فينسخ البيت ويضعه، فإني أحسب ربما أنني أخطأت وتصححون، فأنظر وأشتغل بالنظر فإذا البيت هو؛ فأرجو ألا تفعلوا ذلك أيضاً. يعني هناك لكل مقام مقال، لو كنا جلوساً في مكانها كذا وثمرة ممكن أن أنشد وأنتم جلوس، فإحدهم يكتب فإني أظن أنني أخطأت فأراجع وأتباطأ لأصحح إذا كنت أخطأت، فيظهر أني لم أخطأ، وهذا بيت أعجبني فقط، أو يعيد كلمة أو جملة من البيت لأنها أعجبته، يكتبها؛ أعدها مع نفسك كأنك تجلس معي، إنما تكتبها لكي تفهم أنك تنبهني، فإذا بالآب وأظل أتذكر هل أنا قلت غير هذا؟ أحياناً أسألكم: قلت غير هذا؟ فلماذا هذا التشويش؟

لكل مقام مقال، وأنا أعلم أن كثيراً من هذا الجيل الصغير، الشباب العشرينيين، ولد في الفيسبوك وولد في التويتر، لا يرى هذه الآداب التي عرفناها في جيلنا، وأنا رجل أربعيني، تجاوزت منتصف الأربعينيات، فعندنا آداب في المجلس، وعندنا ما يتجاوز كونه «إتيكيت»، بل احترام وذوق، هذا الذي أحبه، كلمة ذوق؛ هناك ذوق وهناك رسم معين للمجلس، ولكل مقام رسمة وذوق.

فللأسف الجيل الذي ولد في الفيسبوك والتويتر وهذه الأشياء فاقد للذوق، غوغائي فوضوي، للأسف هذه حقيقة، والكلمة موجعة لكن هذه حقيقة جيل الفيسبوك، والجيل الصغير في أول العشرينيات وتحت العشرين جيل فوضوي غوغائي على ما وفر له من أدوات ومن تواصل، هو فقد الذوق وفقد الإنسان وفقد الحس الآدمي والاحترام. هو في الحقيقة بدائي إذا صح التعبير، في كلمة بدائي كما يصفونها في العلوم وكذا، غوغائي هكذا لا آداب له، حتى تراه في الشريعة يميل إلى التكفير والتشديد والسب، وأول شيء يستحل عرض المخالف، كل هذه شواهد على أن الجيل الذي ولد في هذه الأشياء فاقد للتربية وفاقد للأصول. أعرف أن هذا الكلام شديد، ولكن بما أنه لا يقال لكم أقوله لتنتبهوا لأنفسكم، هذا الجيل ربته وسائط التواصل أكثر مما رباه أبوه وأمه.

فلا بد أن أنبهكم إلى هذا، لكل مقام مقال، والشريعة لم تتغير، والذوق لم يتغير، والحس وحسن الذوق والإحساس لم يتغير، والشم لم يتغير. فلما نكون نتكلم في شيء مهم لا يأتي إنسان هكذا كأنه لم يتربَّ في كنيف، يخرج يقول عندي سؤال، يعني يراني أشرح شيئاً ومنجاة فيه، ما رأيك في كذا؟ ما حكم كذا؟ ماذا تقول فيه كذا؟ هذا لم يخرج من تربية. لما يراني أتحدث في شيء معين، أنا أنبه إلى هذا أننا داخلون على شرح ثقيل، فلا تعلقوا إلا بما يناسب الشرح.

وأنا أرجو من الإخوة المشرفين والأخوات المشرفات، أطلقوا أيديكم، احذروا بأقل شيء، احضروا حتى لو ذهب من القناة تماماً لا بأس، ربع الجمهور مربى وصاحب ذوق خير من هذه الجماهير، جماهير التواصل أو السوشيال ميديا التي هي غثاء، بل الغثاء فيه خير عنها. أنا لا أبتذل هذا العلم، لا أبتذل هذا الشرح وهذه المسائل حتى أشرحه بين من يجلس ويقاطع المجلس، حظر مباشر لمن يذهب من هنا.

لا أبتذل قصيدة الشماخ بن ضرار لأشرحها لغوغاء، فليحضر الإخوة مباشرة، أطلقوا أيديهم لكل من يشغب وكل من لا يراعي الذوق، حتى تبقى الصفوة، وليذهبوا إلى الفيسبوك عليه معارك وأشياء تافهة تناسبهم.

«نَمَتْ فِي مَكَانِ كَهْأٍ فَاسْتَوَتْ بِهِ ... وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ» «فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ... وَيَنْغِلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ»

ينجو يا إخوة يعني يقطع، "ما زال ينجو" يعني ما زال يقطع. "ينغل" أي يدخل، الله يخليك يا بلوي رضي الله عنك إنسان أصيل، ينغل يعني يدخل ويندس ويبالغ في الدخول، والتغلغل هو الدخول في الشيء على مشقة وجهد، فمعنى ينغل يعني يدخل ويندس ويبالغ في ذلك ويبذل فيه جهداً.

"حتى نالها" يعني بلغ إليها وتملكها، هذا معنى النوالي هنا يا إخوة وليس أنه أمسكها، لأنه لم يمسكها كما سيأتي في السياق. وقوله «وَهُوَ بَارِزٌ» يعني وهو ظاهر لا يستره شيء، لأنه أزال كل ما حولها.

«نَمَتْ فِي مَكَانِ كَهْأٍ فَاسْتَوَتْ بِهِ ... وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ» «فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ... وَيَنْغِلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ»

يعني وهو ظاهر بعد أن أزال كل ما حولها ووقف هو على هذا الشرف أو المكان الذي كنهى. يقول: «فَمَا زَالَ يَنْجُو»، والافضل يا إخوة -طبعاً قلت لكم مرات أن أضع البيت أمامي وأنا أشرح، وحتى أضع رؤوس أقلام هكذا على الكلمات- من عجيب وبارع الشاعر هنا أنه أضمر بدء القواص، أضمر بدء القواص في ماذا؟ في قطع ما حول الضالة، الضالة الشجرة التي قلنا من السد، أضمر ذلك، يعني كان الأصل الحكائي أن يقول عبارة أخرى مثل: فأخذ ينجو، أي أخذ يقطع، هكذا أي أنه بدأ واستمر وأطال، ولكنه قال: «فَمَا زَالَ يَنْجُو»، يعني اختصر لك الفعل وأضمره، وهذا من أسرار الشعراء.

طبعاً تريد أن تقرأ الشعر بالطريقة المعاصرة فتقول: نمت في مكان كذا، فما زال ينجو، فيلم آخر ونقلة أخرى لا، لأن الكلام مبني بعضه على بعض وأنت في سرد واحد، هذا يسمى السرد والحكاية. أنت في سرد واحد، والأصل في الكلام المباشر في الإخبار أن يخرج كل أحداث السرد، ولكن لما يختصر الشاعر يضمر لك شيئاً في شيء، وهذا من أسرار العربية.

لما يُضمر الشيء فأنت تفهم حصوله، كقوله: «ابن عمه وشبهه»، ما يعرف بالتضمين. وفي الكلام إجراء آخر وفعل آخر، ولكنه فيه نفس الفكرة؛ فكرة الدلالة على معنى كلمة أو معنى كلام بكلام آخر، وإدخال كلام في كلام، وهذا مما يميز الناقد عن غير الناقد، أو يميز الناقد عن البلاغي.

البعض يظن أن البلاغي هو الناقد الذي ينقد الشعر، وكلا؛ كنت أتحدث اليوم مع بعض الفضلاء حول النحوي والبلاغي، فقلت له: النحوي أسرع توضيحاً إلى الناس، ولكنه لا ينقد الشعر، هذا أسهل وأسرع. أما البلاغي فاعصر، لأن مادته البلاغة، ولكن أيضاً تحرير المسائل وتحليل المسائل في البلاغة لا يعني أنه قادر على أن يتناول النص كأصولي؛ ليس كل أصولي يستطيع أن يكون فقيهاً.

الأصولي والفقيه، هل شرط أن الأصولي الذي ينغل ويتغل في أصول الفقه يستطيع أن يكون فقيهاً؟ لا، فالفقيه قد يكون أصولياً، أو يكون قادراً على استعمال أصول الفقه وإن لم يكن أصولياً، أي إن لم يكن ممن يغوص في أصول الفقه ويحررها، لكن عنده أصول يستعملها.

كالشاعر الآن في عصرنا، ليس كل شاعر عنده علم وتغلغل بمعرفة العلم النقدي كالناقد، ولكن عنده من أصول الشعر ما يستعمله، فإذا اجتمع فيه الشعر والنقد كان الشاعر الكامل. كذلك الفقيه، إذا اجتمع فيه الأصول صار فقيهاً أصولياً، كان الفقيه الكامل.

فكذلك البلاغة؛ الذي ينتبه إلى هذه المعاني المشتركة بين التضمين وبين الإشارة إلى الكلام بالكلام، هذا هو النقد. البلاغي يفصل الصور معزولة عن بعضها، يحررها ويحللها بعيدة عن بعضها؛ لأنه بلاغي يتكلم في علم البلاغة.

فالبعض يحسب أن الذي يستطيع أن يشرح كتب البلاغة، كتلخيص القزويني والمختصرات من بعده، هو الذي يستطيع أن يكون ناقداً للشعر، وهذا غلط. رأينا من يشرح التلخيص ويشرح المتون المختصرة بعده، وإذا جاء عند الشعر كان حدثياً، يستجاد كلامه، وهو يشرح البلاغة؛ فإذا استجاد الشعر استجاد الحداثة، ولا يستطيع أن يطبق البلاغة فيه.

انظر هنا إلى الاختصار الذي أشار لك به، أن الشاعر بدأ الشيء تلهف عليه، وحكى لك استمراره فيه، لم يقل لك فبدأ، بل بدأ في النجو هذا حتى بدأ في النجو واستمر فيه: «نَمَتْ فِي مَكَانٍ كَأَنَّهَا فَاسْتَوَتْ بِهِ، وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ».

فما زال ينجو، يعني استمر؛ حكى لك البدء والاستمرار، أضمر لك البدء وحكى الاستمرار: «فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ». ثم تراه يصور لك بهذه العبارة: «كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ»، يصور ما اجتمع حول هذه الضالة حتى كان منه الرطب وكان منه اليابس، إشارة إلى أنها ليست جديدة، هذه الشجرة، هذه الضالة ضالة قديمة، شجرة قديمة.

انظر: «فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ»، ها هو القواس يلقى الرطب الذي يسهل قطعه، ويلقى اليابس الذي يقطعه أو يكسره، ويمكث عنده أطول. وهذه عبارة ريح المجاز.

انظر قوله: «يَنْغِلُ»، لأنه يشير بكلمة «ينغل» أنه يبالغ في الدخول، ويبين لك حرصه عليها. كلمة «ينغل» لم يقل «يدخل»، بل «ينغل»، يعني يندس ويبالغ ويتكلف الدخول بمشقة وجهد من التغلغل والتغلل.

«يَنْغِلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزٌ»، قوله «ينغل» يشير به إلى كثرة غيلها، والشعر لمح؛ لا تكفي إشارته، وليس بالهذر، «طَوَّلَتْ خِطَابَهُ». فيشير إلى كثرة الغيل، وإلى عمق المكان: «كَأَنَّهَا فَاسْتَوَتْ بِهِ»، إلى عمق المكان الذي كأنها فاستوت به؛ فالتغلل والتغلغل لا يكون إلا فيما كثر وبعد واشتد وتكاثف، حتى كان الدخول فيه على مشقة وجهد.

وتأمل هنا يا أخي شيئاً عجيباً، ركزوا في هذا الذي أقوله الآن، تأمل موازاته، تأمل موازاته: النجو والتغلغل، ودلالة ذلك على إصراره، ووازى بينهما. «فَمَا زَالَ يَنْجُو» و«يَنْغِلُ»، ينجو وينغل، ينجو يعني يقطع خلاص، انظر: «يَنْجُو» و«يَنْغِلُ»، لأن كلمة «ما زال» تدل على الاستمرار والطول في زمن الفعل.

فما زال ينجو، وما زال ينغل، كلاهما «ما زال»، شعرتم بهذا المعنى يا إخوة؟ شعرتم بتناظر التغلغل أو التغلل والنجو؟ «فَمَا زَالَ يَنْجُو وَيَنْغِلُ». مثلاً: «فَمَا زَالَ يَقْرَأُ وَيَضْحَكُ»، أو «فَمَا زَالَ يَقْرَأُ وَيُفَكِّرُ»؛ يعني ماذا؟ أنت تراه يقرأ ويفكر، يقرأ ويفكر، يقرأ ويفكر.

«وَالشِّعْرُ لَمْ تَكْفِ إِشَارَتُهُ وَلَيْسَ بِالْهَذَرِ طَوَّلَتْ خِطَابَهُ»، «فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَيَنْغِلُ». يعني كلما قطع الرطب واليابس ينغل، يدخل. رأيتم كيف اختصر لكم الفعل الكثير في العبارة القليلة على الهيئة المطبوعة؟ وكلمة «ما زال» هنا تدل على ما بعدها، لماذا قال «ما زال»؟ لأن حولها كثيراً، وهي حفظت له: «حَفِظَتْ لَهُ فَمَا زَالَ يَنْجُو وَيَنْغِلُ».

رأيت؟ «فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ وَيَنْغِلُ»، حسبتم أن انتهى فقه البيت؟ لا والله، لم ينتهِ فقهه ولم تنتهِ براعته. تستوقفك الآن عبارة الجائزة: «حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزٌ»، لحظة، تستوقفك الآن صورة الجائزة: «حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزٌ».

انظر إلى «حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزٌ»، والواو في «وهو بارز» للحال. فأول العبارة «وينغل»، وآخرها «وهو بارز»، وبينهما «حتى نالها». وهذا تصوير لبذل القواس لكبير الجهد في تحصيل تلك الضالة التي اختصه القدر بالعثور عليها. هو يقول لك إنها شيء ثمين عثر عليه هذا الصياد.

أنت تظن أن الشاعر يأتي ويقول لك إنها كانت ثمينة وكانت مخبأة مدة طويلة فصارت جيدة؟ فهذا هكذا كان الشاعر قد حصل على... أو يقول لك فيها رائحة الزمان اللامتناهي، وفيها رائحة الخشب، وإن كان طعمها الورق، إن طعمها المسامير! هذا حداثي متخلف، خلاص، متخلف حقيقي، عقل متخلف لغوياً، فعلاً شخص متخلف، أنا لا أمزح يا إخوة، والله الحداثي متخلف في تخلف عقلي لغوي شديد. الشاعر لا يقول هذا.

بالراحة يا خالد، بالراحة، الإخوة كانت تضحك، عادية. بالراحة يا ولدي، خلت دمه حامي. جزاك الله خيرًا.

الشاعر لا يقول لك هذا، بل يقول لك فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها. هو بارز إلى أن... حتى هنا بمعنى إلى أن خلاص. فأنت ترى في أول الشطر ينغل، وفي آخره وهو بارز، وبينهما حتى نالها وهو بارز. يصور لك، كما قلت، بذل القوّاس لكبير الجهد في تحصيل تلك الضالة التي اختصه القدر بالعثور عليها.

ألا تراه؟ اسمع، ألا تراه قد ترك أن يقول حتى بلغ إليها أو حتى بلغها وهو بارز، وهذا هو الأصل. يعني كان له أن يقول حتى بلغها وهو بارز، أو حتى بلغ إليها وهو بارز، ونحو هذا من العبارات كان يقول هذا ونحوه من العبارات، ولكنه قال حتى نالها، حتى نالها وهو بارز.

ألا يذكرك هذا بقول امرئ القيس: إذا نال منها نظره ريع قلبه ... كما ذعرت كأس الصبوح المخمرة

إذا نال منها نظره، يعني ظفر بنظره، وكان لها في سالف الدهر خلة، يسارق بالطرف الخباء المستر. إذا نال منها نظره ريع قلبه. هو الشعر انفعال يا إخوة، الشعر انفعال. إذا نال منها نظره ريع قلبه، كما ذعرت كأس الصبوح المخمرة. حتى نالها وهو بارز، انظر.

ثم إلى واو الحال، يا أخي عجيب، وهو بارز! كان يمكنه أن يقول حتى بلغ إليها فكان بارزًا، فكان ظاهرًا، لكن لماذا الحال؟ أنا أعجب، أو الأصل هنا أن يقال فصار بارزًا. الأصل أن يقال حتى نالها فصار بارزًا، لو قلنا حتى نالها فصار بارزًا، هل هناك خطأ في المعنى هنا؟ لا، ليس هناك خطأ في المعنى، بل هو الأصل. ركزوا معي، بل هو الأصل؛ ليس فقط نفس المعنى الأصلي بل هو الأصل.

هو الأصل حتى بلغ إليها فصار بارزًا؛ لأن بروزه مترتب على البلوغ إليها، وقد قطع كل رطب ويابس، فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز. فإذا قطعها وكذا، ترتب على ذلك أن بلغ إليها وصار بارزًا، لكن لماذا أتى بالحال؟ لأن الحالة، كما يقول النحاة، الحال تقيد الفعل، والنعت يقيد المنعوت. هذه فائدة مهمة: الحال تقيد العامل، والصفة تقيد عين الموصوف. يعني لما تقول جاء زيد راكبًا، "راكبًا" قيدت زيدًا أم قيدت العامل وهو "جاء"؟ هذا من كلام النحاة، أذكر ابن هشام، يقولون النعت يقيد المنعوت، والحال تقيد العامل.

لما نقول جاء زيد راكبًا، قيد ماذا؟ قيد "جاء"، يعني كان مجيئه ركوبًا. طيب "جاء زيد الراكب"، الراكب هنا النعت، قيد زيدًا أم قيد المجيء؟ قيد زيدًا بأنه الراكب، لكن لو قلنا جاء زيد راكبًا، فالحال قيد الفعل العامل. هكذا ضبط النحاة هذه الفائدة.

فلما يقول: حتى نالها وهو بارز، قيد النيل منها، قيد "نالها"، قيد العامل (الفعل). لم يقل حتى نالها البارز، حتى نالها وهو بارز، يعني ما نالها إلا وهو بارز، كان نواله لها أو كان نيله منها وهو بارز. إذاً أفاد ذلك أنك دمجت معنيين: النيل منها، والبروز. دمجت النيل منها والبروز، فجعلته ظافرًا بها وهو بارز. فأنت الآن لولا هذه الصورة، لولا هذه الصورة، ما استطعت أن ترى المعنيين في وقت واحد، لولا واو الحال. حتى نالها، والحال أنه بارز، حتى نالها وهو بارز. عرفتم واو الحال ماذا فعلت هنا؟

خذ الآن البيت: فما زال ينجو كل رطب ويابس، ورطب ويابس بما دلت عليه من كثرة ما حولها والقِدَم وطول العهد، فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز. أنت تقرأ "نالها" وتعديها، لا "نالها" شيء آخر، حتى نالها وهو واو الحال تفيد مزامنة معنى الحال لمعنى الفعل، حتى نالها وهو بارز.

انظر إلى البيت حتى تعلم إلى أي مدى تبلغ خطورة الدلالة الشعرية وتبلغ رهافتها. هل يملك منصت -ركزوا معي الآن، لا تكتبوا شيئًا- هل يملك منصت أو مرهف الحس، ومنصت الحس، دفعًا لرغبة الشاعر في تصوير الفوز والظفر والانتصار من خلال قوله: «وهو بارز»؟ انظر، «وهو بارز»، وتلاحظ هنا، إضافة إلى ما قلناه، أنها وقفة للحظات. ركزوا يا إخوة، حتى نالها، هذه وقفة للحظات، أوقف خلالها الشاعر الصورة وجعل القوّاس يتوقف عن القطع وكأنه ينظر هنا يتأمل تلك الضالة قبل أن يواصل عمله، قبل أن يواصل القوّاس عمله في الحصول عليها؛ لأن البيت الذي بعدها فانحى عليها ذات حد.

إذًا لما قال حتى نالها وهو بارز، لم يقصد أنه أخذها وبلغ إليها فقط؛ لأن البيت الذي بعدها "فانحى عليها ذات حد". فقوله "نالها وهو بارز" لا يتحقق في المخيلة إلا بتلك الوقفة، وذلك السكون القصير الذي يكون من القوّاس ومن صورته في مخيلة السامع الذي يسمع هذا الشعر. تأمل هذا وأطل التأمل ولا تبخل به لأنك واجده.

فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز. "وهو بارز" هذه صورة وقفت هكذا، "وهو بارز". فما زال ينجو، خلاص، هذه لحظة سكون بعد أن كان البيت مليئًا بالأفعال: فما زال ينجو، ما زال ينجو، ما زال استمر، فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز. لحظة وقوف، لابد، يعني أنت تراه بعد أن قطع كل شيء، وقف هكذا يده في جنبه، ولا بد أن تتخيل هذا. أتحداك ألا تشعر بلحظة السكون عند "وهو بارز". لحظة السكون عند "وهو بارز".

نمت في مكان كأنها فاستوت به وما دونها من غيلها. متلاحظ؟ فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز. حتى تتخيل، حتى تفسر في نفسك قول قوله: «وهو بارز»، لابد أن تقف وقفة سكون هكذا. جرب، مستحيل يقول لك حتى تفهم الشاعر وتأخذ كلامه لابد أن تقف لحظة، حتى نالها وهو بارز؛ هو الشاعر قصد إلى ذلك. أه والله قصد إلى ذلك، هو مش من عندي، هذا من كلامه هو. هل قصد الشماخ؟ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. معلش بقى الظروف، هذا خال الأولاد. إذا كان الشماخ... إذا كنت أنا أو عبتها من...

لغة البيت، الشماخ الشاعر الفصيح، الحجة، صانع القصيدة لم يشعرها، إذا كنت أنا شعرتها. ومن لغة البيت صانع اللغة لم يقف عليها.

ده كلام برضو، ده اسمه كلام. وماذا قال في البيت الذي شرحناه؟ «فما زال ينجو كل رطب ويابس». هكذا يشرح الشعر العالي، هذا هو الأصل والصحيح في الشعر العالي. هل هذا الكلام هو ما قصده الشاعر؟ نعم قصده الشاعر، بدليل أنه أتى به.

في لغة أمم كثيفة، قصيرة العبارات، مكثفة جداً ومحدودة المساحة، هذه التي يتبارون فيها، وأنت تظنهم يتبارون ويتعالون بالشرف في نظم يدغدغ المشاعر، هذا عندك أنت في هذا الزمان، لكن هم لم يكونوا كذلك. هم ينغلون في المتلاحظ من الأبيات حتى ينال البيت وهو بارز، حتى ينال المعنى وهو بارز.

بالضبط، وهو بارز كأنها عالية ومصعد، وأمسكها صحيح وصعد وأمسكها. فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل غل حتى نالها وهو بارز. وبارز هنا بمعنى ظاهر، يعني قطع كل ما حولها ووقف لحظة ظفر، طبعة ملوكية من الباب.

أنا دائماً أقول يا إخوة: أنا أعلى أني أعرف الشعر، أنا أعرف الشعر، أعرف هذا وأعرف ذاك. أعرف في شعر على قده غلبان وحتى اسمه جيد، وفي شعر لا شعر، هذا النمط آخر. لاحظوا يا إخوة، أشعار الجاهليين لا تبلغ عشر أشعار العباسيين بالمناسبة؛ أشعار الجاهليين في الكم لا تبلغ عشرة أشعار العباسيين، لكن هذه لها منهج وهذه لها منهج. ديوان أبي تمام أو ديوان البحتري أو ديوان ابن الرومي، ديوان واحد من هؤلاء يبلغ دواوين عدد من الفحول الجاهليين. رأيتم عدد من الفحول الجاهليين؟

انظر: «فما زال ينجو». الله يرضى عليكم: «فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل». يا إخوة، أنا أقاطب هنا الآن الشعراء، أو من كان منكم موهوباً؛ مثل هذه المجالس هي التي سترفع شعرك لأنها ستحضر لك هذه المعارف لما تصنع الشعر، فتحاول أن تبلغ على الأقل. وإذا سقطت دونه، وهذا غالباً ما سيحصل، ستسقط وأنت فوق، ستسقط دونه ولكن فوق كل أهل عصرك، ستسقط دونه ولكن دونك كل أهل عصرك. إذا أخذت الشعر من هذه الطريقة، نعم تسقط دون الشماخ، لكن دونك كل أهل عصرك.

ولهذا أنا أقول لطلابي في رواد القصيد، وأنا أعلم ما أقول: قصائد لكم ستمس الجاهلية. لا أقول ستكون هناك طبقة من الشعراء كاملة كالجاهلية أو فوقها، لكن قصائد هذا لا يمتنع ولا يعارض هذه القاعدة، ولكن قصائد ستمس الجاهلية، ستكون من نمطها ورتبتها.

سأسألكم شيئاً: هل كل شاعر جاهلي فوق كل شاعر إسلامي أو عباسي حتى؟ الجواب لا. إذا أتيت بمقلع سعلوك جاهلي مثلاً، يكون فوق البحتري وفوق أبي تمام أو فوق بشار؟ الجواب لا، طبعاً لا أقول بهذا. ولكن لن تكون هناك طبقة فوق طبقة الجاهلية، والبعض أصلاً جعل ذلك قاعدة، من العلماء البقลังي ومن بعده عبد القاهر، جعلوا ذلك قاعدة، قالوا: لا يجوز لأحد أن يدعي أنه فوق هؤلاء أو مثلهم. لماذا؟ قالوا لأن هؤلاء الذين لما بلغوا الذروة تحدى بهم القرآن، فالحجة تقوم عليهم وعلى من هو دونهم، لكن ليس هناك فوقهم، هم ذروة البيان. فبعضهم جعلها مسألة كلامية عقلية، يقول لك: لا يمكن أن ندعي تفوق طبقة على طبقة لأن هذه الطبقة هي التي تحدت بالبيان. لكن قد تمس قصائد لمن يجتهدون بعض القصائد الرتبة الجاهلية، وهذا لا يخرق الأصل في الطبقة.

فأقول: أحضّ من كان منكم يريد أن يكون شاعراً وكان موهوباً؛ هذه المجالس أنفع شيء له في التطبيق، لأنه سيتذكر الأساليب وكيف فعل. ما أنا أحاول أن أدلك هذه الدلالة: «فما زال ينجو» و«ينغل حتى نالها وهو بارز»، هذه الأدوات، ما أنا أحاول استعملها وأنا موهوب. هي ستخرج في الأول بيتاً عاملاً كذلك، أنا أعرف، في الأول سيظل يضبط، أنا أقول حتى لا تفزع إذا وجدت البيت عاملاً كذلك وأنت تحاول، لكن مع الوقت إن شاء الله لن يخرج هكذا.

«فما زال ينجو كل رطب ويابس، وينغل حتى نالها وهو بارز، فانحى عليها ذات حد غرابها، عدو لأوساط العضاه مشارز». تعالوا دخلنا في قصة ثانية، مولج البيت، لكن قبل المولج أبين المفردات. لا أقول الغريب كما قلت لكم: «انحى» يعني أمال يا إخوة، «انحى عليها» في أصل المعنى أمال إليها أو أمال منحرفاً إليها. «ذات الحد» هي الفأس التي لها حد، و«الغراب» هو الحد يا إخوة، غرابها هو حدها الشديد.

و«العدو» هنا معناه المعادي الشرس مستقر الأذى والقطع، المعادي الشرس مستقر الأذى والقطع. و«العضاه» شجر غليظ الخشب شديد، ومعنى «مشارز» من الشرز يا إخوة وهو القطع، ويقال الحديدة المشارزة هي التي تقطع كل شيء مرت عليه.

فيقول المعنى العام: «فانحى عليها»، والرواية في الديوان «انحى إليها»، أما أكثر مصادر القصيدة عليها هو الذي أرجحه كما سنبين الآن: «فانحى عليها»، أي أمال عليها فأساً ذات حد غرابها، حدها الشديد، عدو لأوساط العضاه، يعني لجذوعها، مشارز مقاطع. هذا هو المعنى العام للبيت.

يقول: «فانحى عليها»، مولج البيت يا إخوة، المولج يعني مدخل البيت من ما نلج منه إلى البيت. والرواية التي ينبغي اعتمادها هي «عليها» لأن أكثر مصادر القصيدة «عليها»، لماذا؟ أنما قلت ينبغي اعتمادها لأمور تظهر ليقظة الحس، منها أن «انحى» ركز معي، «انحى» معناه أمال، والميل إذا أتيت معه بـ «إلى» فهذا هو الأصل، «انحى إليها» أي أمال إليها، فهذا هو الأصل المباشر ولا خصوصية فيه ولا زيادة، لا خصوصية في لفظ «إلى» مع «انحى»، إلا ما يكون من تسليط الحد أو الفأس بأنحائه إلى الضالة، هو الأصل؛ «انحى إليه» هذا تحدد. أما إذا قلت «فانحى عليها» أثبتت معنى الانعطاف إليها بلفظ «انحى»، وزاد المعنى بتغيير الحرف بأن جعل للفأس نزولاً من علو إلى سفل، «فانحى عليها ذات حد». وفي هذا كشف عن تصميم القواسي وإنعامه فيما يقوم به. فهذا من حيث الرواية «فانحى عليها»، فإذا عدنا إلى مولج البيت بعد أن فهمنا لماذا.

فانحى عليها، إذا عدنا إلى مطلع البيت، وجدنا الشاعر يأخذنا لحظة. الآن سر في الشعر، سر بناء بعيد عن شوارب المستشرقين العجم، أن يفهموه؛ يقولون أنت فقط، بعضهم قديماً قال لي أنت فقط متأثر، بعصبية الأستاذ محمود شاكر على المستشرقين.

بل والله قصدت إلى تعمد مخالفته في المستشرقين، فوجدتهم لا يفقهون شيئاً. شكراً على المخطوطات، شكراً على مناهج التحقيق التي تجعل الكتاب الذي يكون ثلاث ورقات ثلاثمائة صفحة، حتى يثبت لك الدال والجيم والنسخ، شكراً على الأمانة في مراعاة ثلاثمائة وخمس وأربعين مخطوطة للقصيدة.

بعد ذلك، قصيدة "أنا عربي" أتعامل معها وأنتم عجب! لم أتخذ موقفي وها أنا أعلنها، أنا لست أتأثر بأحد، وأنا أقولها وعلى رأسي محمود شاكر، وعلى رأسي من هو مثله أو دونه أو فوقه، لكن أنا لا أتأثر بأحد ولا أتبنى رأياً إلا أن يكون مني ومن بحثي في شيء تفرغت عليه. لو كان هذا غير بابي، سأبحث عن أناس أثق بهم وأعلق الشأن بهم، لكن هذا بابي؛ لماذا أعلق على أحد وأعول على أحد تعويلاً كاملاً، تعويل المقلد أو تعويل المتعلق بالعنق؟ لا، ربما في علم آخر، ليس عندي وقت حتى لو كان عندي فيه تمييز في رجاله ومسائله، لكن ربما أحتاج في دقائقه إلى التعويل على أحد، أما هذا العلم فلا.

فأنا أقولها، موقفي حتى تعلموا عني موقفي من المستشرقين، ليس تأثراً بمحمود شاكر رحمه الله على جلالته، ليس تأثراً بمحمود شاكر، وإنما موقف اتخذته وأنا مشتغل بالشعر من طريقة فهمهم للشعر؛ يقولون: القصيدة الجاهلية مفككة، ده دماغك هي اللي مفككة، رأسك هي اللي مفككة!

تعالوا الآن إلى مطلع البيت وسر في بناء الكلام وتكوين الصورة، هل تظن أن «فانحى عليها» بدأت من هنا؟ لا. هل تذكر السكتة التي كانت في البيت السابق: «حتى نالها وهو بارز»؟ كانت هناك سكتة هكذا. وجدنا أن الشاعر الآن يأخذنا من السكتة التي كانت في البيت السابق حين قال: «حتى نالها وهو بارز»، لينفجر معنا في حركة انفجارية عنيفة، فيها هبة بعد سكون، كأنها انتباهه بعد شرود، كأنها انتباهه بعد شرود وحماسه بعد تأمل وشرود بالذهن، وكان فيها إعراض عن إضاعة الوقت في ذلك السكوت.

«حتى نالها وهو بارز.. فانحى عليها ذات حد»؛ وهذا من مرجحات الرواية وشهادتها أنها هي الرواية. ستقول: هل هذا مراعى أولاً؟ نعم، البيت جاء بعد البيت، والمعنى دلت عليه لغة البيت في الموضعين: «حتى نالها وهو بارز» ثم الفاء «فانحى عليها». كيف تتصور أنت الآن؟ اعمل مخيلتك، ليس لتسرح في الخيال الخيالي، لا، خيال اللغة الشعر، فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل، حتى نالها وهو بارز، ورجع إلى الحد: «فانحى عليها ذات حد». بين «انحى عليها» و«ينغل» وقفة تأمل، والله أحسبها، البيت أمامك، وأبو قيس ذهب، فاحسبها أنت.

«فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز»؛ عرفت لماذا أقرأ القصيدة ببطء وتلذذ وسكرة؟ وبعدها أراها أعيش داخل الحدث، تتجسّم عندي الأحداث والمعاني. «فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز»، يعني لم يقطعها بعد إلى أن كلمة «إلى أن» يعني توقف عن القطع، صح؟ توقف عن القطع، «فانحى عليها» رجع إلى القطع، إذاً بين ما بعد «حتى نالها» يعني بين نوالها و«انحى عليها» يوجد سكون، سكون.

«فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز، فانحى عليها». أحسن الشيخ، بدأ يفكر، خالد الشيباني بدأ يفكر، هو وقف ليه؟ يقول لك يرى كيف يقطعها، وربما لحظة الظفر التي حمسته لينحى عليها. «فانحى عليها»، لكن هناك لحظة سكون، لحظة الظفر. ليس من عندي، لغة البيت يا إخوة، لغة دلالات؛ حتى نالها، ما زال ينجو يقطع حتى نالها وهو بارز، لن يتحقق البروز وتصوير أنه نالها مع البروز إلا بلحظة سكون. لو كان يواصل لقال هكذا: «فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل فانحى عليها»، أما «حتى نالها وهو بارز» فرغم أن هناك لحظة سكون من الرجل، إلا أنه رجع إلى الحماس والحركة: «فانحى عليها ذات حد».

ثم نرى المفعول به، طبعاً المفعول به هو الفأس، لا، «ذات الحد» خلاص. يا أبا قيس، ساعة وربع تشرح بيتين؟ عادي، هذا هو الشعر العلي، وقلت شرح تفصيلي مطوع، هو هكذا البلاغة العالية، هكذا شعر الجاهليين، هكذا نفكر في اللحظة دي، لحظة السكون.

أنا آخذها من النص، أنه نالها وهو بارز، فأقرب شيء في النص أنه وقف عند البروز، وقف عند النوال، أنالها ونال منها، «فانحى عليها ذات حد». أرى الآن المفعول به الذي انحى عليه قد حذفه وأبقى وصفه، فقال: «ذات حد»، والأصل أن يقول: «فأساً ذات حد»، لكن قال: «ذات حد» ونكرها تهيئة لوصفها من قوله: «غرابها»، لأنها «ذات حد غرابها» إلى آخر ما قال.

هو نكرها ليصفها، واعلموا أن هذا التنكير وسيلة للتهويل والتعظيم، يعني ينكر الشيء ليصفه بما يهوله؛ لأنه لو عرّفه إذاً لابد أن يكون المعنى حاضراً في النفس من الأول، فالألف واللام للعهد تحضره، فإذا نكر فاسمع.

ولكن يستوقفك هنا أولاً قوله: «ذات حد»، طيب ما هو كل ما يُقطع به يكون ذا حد؟ نعم، سورة أنزلناها، أحسنت، كل ما يقطع به يكون ذا حد، ولكن هذا أيضاً من مكر البلغاء، أنهم يذكرون لك الشيء بصفة فيه ليرفعوا من هذه الصفة، يقول لك: «فانحى عليها ذات حد»، فهو يعلم أنك لن تسمع بـ«ذات حد» إلا إذا كان هذا الحد له ما يميزه، ولهذا جاء الوصف بعده: «غرابها»، يعني حدها الشديد هذا هو.

ولهذا قال: «ذات حد فانحى عليها ذات حد غرابها»، كأنه يحكي تاريخاً بلفظه الواحدة، لما قال: «غرابها عدو»، يعني هي فأس عتيقة، كالقوس عتيقة، هذه الفأس عتيقة لها عداوة.

مع أوساط شجر العضاه لا مع أطرافه، الأوساط هي الجذع السميك. غرابها عدو، ليست الفأس عدوه، غرابها عدو. الفأس أيضًا أيها الإخوة من التليد الموروث الذي قطع الشجرة التي صنعت منها قوسًا، صارت تليده، صارت مالًا تليدًا، فانحى عليها ذات حد. غرابها عدو.

يعني إيه؟ يعني أيضًا الفأس موروثه، وقطع بها ما قطع في يد من ورثوها، قطع بها ما قطع من أوساط العضاه، ليس من أطرافه، لا من الأطراف، لا من الأوساط، الجذوع. الفأس يا إخوة، هذه هي البلطة. بالمناسبة ليس الفأس المصري، انتبهوا يا إخوة، الفأس المصري عارفين الفأس المصري؟ هذا الفأس المصري عندنا الذي يحفر به في الأرض ويضع الزرع والسباخ ويعمل كذلك، هذا الفأس اسمه مسحاة عند العرب.

عند العرب مسحاة، ليس محراثًا، المحراث أظنه عامل أربعة، الشوكة هذه محراث، صح، هذا محراث يسمونه محرافًا أو محراثًا، إنما الذي يشبه الهلال هذه المنجل، الذي يقطعون به الزرع الأخضر. يدوي قديمًا، أنا قطعت به وأنا صغير في الأرياف، يمسك الحزمة هكذا يحش بها البرسيم. هذا يشبه الهلال، هذا المنجل. أما الساطور، مولانا الساطور طويل يقطع به اللحم والأجزاء، الساطور يقطع، وأهل مصر يستعملونه في تقطيع الأجزاء، هذا معروف الساطور. هذا تقطع به الذبائح وتكسر به العظام، عظام الأكارع واللحم الضخم والمفاصل وكذا، ويقطع به الأجزاء في مصر.

وعندنا فيلم "المرأة والساطور". خلاص، الذي يسمى الفأس عندنا في مصر، عند العرب مسحاة. ردت عليه: «أقاسيه ولبدة.. ضرب الوليدة بالمسحاة في الثد». هذه أستاذة سمية، يا مرحبًا، الأستاذة الروائية المصرية سمية الألفي معنا الآن، سمية الألفي.

الفأس هي تقول: الفأس يد خشبية طويلة في نهايتها قطعة حديد مهذبة تستخدم للحفر، هذه عند العرب مسحاة. في معلقة النابغة الذبياني ردت عليه: «أقاسيه ولبدة.. ضرب الوليدة بالمسحاة في الثد». هذه الفأس المصرية اسمها مسحاة، أما الفأس التي عند العرب في الشعر فهي البلطة، التي هي عصا طويلة وفي آخرها قطعة حديد، ربما كان يقاتل بها.

الساطور نستخدمه في المطبخ، هذا هو. الفأس هذه عند العرب هي البلطة يا إخوة التي تقطع بها الأشجار، عصا يد خشبية. هذه البلطة هي الفأس عند العرب، هذه المقصودة هنا: «ذات حد غرابها عدو لأوساط العضاه». هذه مصنوعة من قطعة حديد ثقيلة مسنونة، قطعة مذكرة، يقال الحديد مذكر، قوية جدًا.

التي يذكرونها هنا ويقطعون الأشجار، فهو يقول لها عداوة، شوف لها عداوة مع أوساط شجر العضاه لا مع أطرافه، يعني هي تستعمل من قديم في قطع جذور أو جذوع العضاه. هذه هي التي انحى بها على تلك الضالة، فهو قاطع عازم على تحصيلها، وإن لها قوة كقوة أوساط العضاه، ولكنه استعمل معها ما استعمل مع أشجار العضاه من عهد بعيد.

«فصلت عليها ألسنتها، غرابها مشارز». الغراب المشارز هو الذي لا يمس شيئًا إلا شزره، أي قطعة، وهو غراب، يعني حد شديد مشارز على وزن مفاعل، وليس شارزًا على وزن فاعل، بل مشارز يعني قطع كثيرًا.

أما عبارته في وصف غراب الفأس: «عدو لأوساط العضاه مشارز»، فلا يخفى ما فيها من استحياء. هذا الغراب، غرابها عدو، بينه وبين هذه الأشجار عداوة قديمة، قطعها كثيرًا، يعني صنع قوسًا جديدة فاستعمل فيها فأسًا قديمًا من التليد، وصارت القوس بعد ذلك من التليد.

ولا يخفى كذلك التدرج في الفعل بعد إيهام الاكتفاء بالأول، لأنه قال: «عدو مشارز لأوساط العضاه»، يعني مشارز لها، كان له أن يقول: «عدو مشارز لأوساط العضاه»، لكن قال: «ذات حد غرابها عدو لأوساط العضاه مشارز». مقاطع، ومعناه أنه مقيم هذا الغراب بما استعمل في أوساط العضاه كثيرًا، هو مقيم على الشراسة قاطع.

هذا الذي فعله، يؤكد على أنه أراد إشراك استحياء الغراب بتفريغ الذهن على العداوة قبل أن يذكر المشارزة، وهي شدة القطع، هو أراد أن تفرغ ذهنك أنه عدو ثم قال مشارز، مقاطع.

بما أنه المصري، نخلي الإخوة يروا ما يسمى عندنا في مصر الفأس يا إخوة، ليس الفأس عند العرب، وإنما هو المسحاة عند العرب. هذا عندي بالمناسبة استعملناه كثيرًا، كنت أزرع به الشجر في حديقة بيت آخر، هذا مسحاة عند العرب، وليس فأسًا. «ردت عليه أقاسيه ولبدة.. ضرب الوليدة بالمسحاة في الثد». هذه المسحاة نسميها في مصر فأسًا، لكن هي مسحاة. هذه الفأس عند العرب التي تقطع الجذور.

الثانية تسمى بلطة عندنا وفي مصر تسمى بلطة أيضًا، هذه الفأس عند العرب يا إخوة، وطبعًا أحجام وأشكال كما ترون. «فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز، فانحى عليها ذات حد، غرابها عدو لأوساط العضاه». وقال أوساط العضاه يعني الجذوع، ليست الفروع.

«فلما اطمأنت في يديه، رأى غنمًا أحاط به، وازورَّ عمن يحاوزه». اطمأنت يعني استقرت. ويحاوز، طبعًا هذا من الغريب عندنا الآن، يحاوز وربما عند بعض القدماء يحاوز يا إخوة، يعني يخالط ويعاشر، من يخالطهم ويحاوزهم من الأهل والأصحاب.

انتهينا، «فلما اطمأنت في يديه» استقرت في يديه، لما استقرت في يديه رأى غنمًا. لحظة، يقول لما اطمأنت في يديه، يعني إلى لحظة الحصول عليها وإلى أن انحى عليها ذات حد، ما سمح لعقله بالتفكير، ما سمح للتمني والأمنيات والأحلام اليقظة التي يعيش بها الشباب الصغير الآن. بيحلب لما أكبر، هعمل، تلاقي واحد عنده 40 سنة دلوقتي يقول لك لما أكبر، أنت كبرت يا ما، اللي اتعمل اتعمل، حبيبي خلاص. والشاب 20 يقول لك لما أكبر وهو سرحان، قعد نائم على بطنه وماسك الموبايل، نام على بطنه ومضيع عمره في حتة حديدة وشوية رمل.

وبلاستيك وحديد، مضيع عمره فيها وعايش خياله. فلما اطمأنت في يديه، ما كان واثقًا حتى صارت في يده؛ من هيأخذها؟ ما بقيت واقفة على جذعها في أرضها، لم تتح له، لم يتملكها، لم تنتقل إليه، مع أنه نالها وهو بارز، ومع أنه انحى عليها ذات حد.

لكن لما اطمأنت في يديه، الله على "اطمأنت"! هتقول لي الشاعر ما يقصدهاش؟ كيف لا يقصدها إذا كان يمكن أن يرى الغنى لما نالها؟ إذا كان الشاعر لا يقصد هذا ولم ينص عليه مع أنه نص عليه لما اطمأنت، وليس لما صارت. تعرفون الفرق بين "لما اطمأنت" و"لما صارت"؟ خطير! لما اطمأنت خلاص نامت كده، وبطبطبة في يده، رأى غنى. سمح لنفسه بأن يشرد، هنا سمح لنفسه بأن يشرد. قبل ذلك، حتى لما نالها وهو بارز، لم يقف يسرح، رأى غنى وهي لسه انحى عليها.

هذه أخلاقنا؛ تظل تعمل حتى يطمئن الشيء في يدك، إنما تسرح بسين التسويف، أو بسوف، فاسرح صح، ويجيلك بقى الدوبامين يملأ جسمك فتنام وما تكملش شغل. الدوبامين اشتغل، الشعور بالمكافأة اشتغل. صح يا أستاذة سمية، مش أنتِ تخافي لو جت لك فكرة رواية وظللت تسرحين بها أن تحسي بالمكافأة والدوبامين يشتغل في الجسم كده وما تعمليش الرواية؟ خلاص أنا شفت الرواية نجحت، والناس اتبسطت واشترت الرواية ومكسرة الدنيا وكرموني كمان!

أنا أعلم أن كل عامل ناجح يخاف من هذا الشعور، يخاف يهرب منه. لو تركتها في عقلي طارت. أنا قصدتك أنتِ لأنك روائية، وأعلم أنك ستمرين بهذا؛ ما أخرجت الروايات إلا بطرد الفكرة، طرد الخيال الذي هو: نجحت خلاص، راحت. كانت ساعة تروح وساعة تيجي، راحت ليه؟ اتبسطت خلاص! ده أنتِ كتبتِ الرواية وطبعتيها ونشرتيها، ووجه المعرض والطابعة نفدت وطبعنا طبعة ثانية ونفدت، والجمهور بيتكلم والبرامج... اتبسطنا! ما هو الخيال بيعمل كده.

حتى نالها وهو بارز فانحى عليها ذات حد، فلما اطمأنت في يديه سرح، رأى غنى. ومع ذلك لم يطل فمضعها عامين مائع لحائها، راح اشتغل على طول. يعني هو سرح لثوانٍ، رأى شطرًا وجزءًا، رأى غنى أحاط به، ثم بدأ شغل عامين. شوف الكلام، الخيال مصيبة يا إخوة! هذه الأمنيات والأماني، تحلم وتحلم وأنت عمال تكبر وتروح حياتك منك وأنت بتحلم: هعمل، هعمل، سوف، سوف.

أعرف بعضهم كان ينشر في الناس ويذيع: "سأشرح لكم كذا، وأشرح لكم ألفية ابن مالك، وأشرح لكم الأشموني..."، وأنا أعلم لما يفعل هذا، إنه لن يفعل؛ لأنه يظل يراقب إعجاب الناس. والله يا شيخنا فيأخذ المكافآت على الوعد وليس على الحقيقة، ليس على الفعل. مستحيل يعمل! خلاص، مُدح وكُوفئ ولم يعمل، ومرت سنون وعمر ولم يعمل، عقد ونصف عقد ولم يعمل. أنا أعرف هذه حقيقة، قصص حقيقية، أشخاص حقيقيون يعدون ويجمعون الشكر ولا يفعلون، والناس مساكين يوقعون للمشايخ والأساتذة على بياض، ولا يعطون لذي فضل فضله في الحقيقة.

الجهل للاسف أشد من الخيانة، أحيانًا الجهل والمسكنة وضعف العقل؛ والجماهير للأسف في عصرنا هكذا، أخذت العزم من مواقع التواصل، وصارت حتى المطبل القديم، مستوى المطبل المعاصر مسكين جداً، كأنه معاق.

فلما اطمأنت، استقرت في يديه، رأى غنى. رأيت كيف بنى الاطمئنان بسرعة على "انحى عليها"؟ رأيت كما في "فما زال ينجو"، لم يذكر لك أنه بدأ في القطع، واستمر كذلك؛ هنا "انحى عليها ذات حد"، لم يقل لك فقطعت فسقطت فتناولها، فلما اطمأنت... لماذا يا إخوة؟ لأن الشاعر لا يحتاج إلى الحكاية لأجل الحكاية.

مرة قديمًا سألت بعض الإخوة من سنين طويلة: لماذا قال عنترة: ﴿فَوَقَفْتُ نَاقَتِي وَكَأَنَّهَا فَدَنٌ لِأَقْضِيَ حَاجَةَ الْمُتَلَوِّمِ﴾؟ "فدن" يعني قصر. فهو يحكي أنه ذهب بناقته إلى ديار محبوبته، دار آنسة غضيد طرفها، طوع العناق، لذيذه المتبسم، فوقفت فيها ناقتي وكأنها فدن. لماذا قال "وكأنها فدن"؟ فقال أحدهم: لأنها كذلك فعلاً! قلت له: وهل لأنها كذلك يصف؟ إذا ذهب إلى المكان على حمار، أسيقول: ذهبت على حمار إلى هذا المكان؟ ما زال السؤال قائمًا: لماذا ذكر الناقة وكأنها فدن؟ ما العلة في ذكر ذلك في الكلام؟

لابد أن يكون لذلك مدخل في الغرض، وإلا لم يذكر. لماذا لم يقل: "وكنت ألبس أزارًا ورداءً أبيضين"؟ أكيد كان لابس، وربما يشد عمامة، لماذا لم يذكر ذلك؟ لأنه لا مدخل له في الكلام. هذا هو. رأيتم؟ فكذلك هو، لم يقل فقطعت فكذا، لأنه لا يحكي حكاية مجردة، وإنما قطعت وسقطت كل هذا غير محسوب، لا قيمة له.

رأى غنى لما اطمأنت في يديه. ويا سلام على كلمة "في يديه"، ودلالة اللفظة بذكر اليدين على التمكن والاستحواذ. حازها، فاستحوذ عليها، فلما اطمأنت في يديه هكذا أمسكها، رأى غنى. ويا عجباً من "رأى غنى" وهو لا يمسك سوى خشبة، ولكنه شرد بخياله. تعجبون هنا، وطبعًا كلمة "رأى" هنا ليست رؤية حقيقية، هذه مجازية.

لما اطمأنت في يديه رأى غنى، أحاط به. وهذه أعجب يا إخوة، "أحاط به" لأنها كالتأكيد على أنه رأى أسباب الغنى تحيط به. ما معنى رأى غنى؟ الغنى صفة ليس لها أجْر، فهو قصد هنا أسباب الغنى أو مظاهر الغنى؛ فرأى دارًا واسعة، رأى فرشًا ثمينة رفيعة، رأى ربما صحافًا من كذا أو كذا، رأى بضاعة عنده، رأى أشياء؛ ما هو الرجل بعد ذلك عُرض عليه مالًا شديدًا، مالًا ثمينًا، فهو رأى غنى أحاط به.

ربما يقول لك أحد: رأى غنى، هذا من الرأي. نقول له أولاً: هذا لا يستقيم من الأول؛ "رأى غنى"، الأصل أن تحملها على الرؤية المجازية لا على الرأي. وثانياً، يهدم قولك من أصله أو يستأصله؛ أنه قال: ﴿أحاط به﴾، فهو ليس رأياً. إذا رأى غنى أحاط به فهي رؤية مجازية، ومعنى أحاط به يعني كان حواليه في المكان، يعني رأى أسباب الغنى أو مظاهر الغنى حوله.

بعد ذلك انظر إلى هذا العجب في البيت؛ طبعاً أنت هنا لا تملك مخيلتك إلا أن ترى الشاعرة، أو ترى القوّاس يتلفت حوله ينظر إلى الغنى الذي أحاط به. ولكن العجيب بعد ذلك قوله بواو الاستئناف: «وزور». «أزور» يعني اجتنب، أخذ جنباً، اعتزل، «وأزور عمن يحاوزه». لماذا هذا عجيب؟ لأن الزور هنا ازورار حقيقي، يعني انعزال حقيقي مرئي، أما «رأى غنى» فهو خيال؛ فكأنه نزعك من خيالك الذي كنت غارقاً فيه من قوله: «رأى غنى أحاط به»، نزعك من خيالك هذا وأخذك إلى صورة حقيقية تحقق الصورة الأولى، فقال: «رأى غنى أحاط به، وأزور عمن يحاوزه». «يحاوزه» يعني يعاشره ويخالطه من الأهل والصحب.

«وزور»، أحسنت، «فزور من وقع القنا بلبانه» يعني انحرف انعطف. والجميل هنا أن يجعل ذلك انحرافاً حقيقياً؛ «زور» أخذ جنباً من الناس، راح أين ذهب؟ إلى القوّاس يضبطها ويصنعها وكذا ليصنع قوساً يحقق بها الغنى الذي رآه مجازاً. يحقق، أي جفى فزور. يا سلام على الشواهد والناس عمالة تجيب. واحد يقول لك: «فأزور من وقع القناة بلبانه»، وأختنا تقول: «جفا فزور»، أنا ما شرحت «فزور» في الأول، لأن كان واضحاً.

أقول هنا تراه ينزعك بقوله: «وزور»، لأن هذا من صورة الحاضر لا من صورة المستقبل، كما في «رأى غنى»؛ نزعك من خيالك، «فلما اطمانت في يديه، رأى غنى أحاط به، وأزور عمن يحاوزه»؛ يعني شرد قليلاً هكذا. راى غنى أحاط به، وحتى يحققه صورة، يزور، «وزور عمن يحاوزه». لاحظوا أن «وزور» هنا يا إخوة ليست في ذات المكان، بل «وزور» عنهم حيث يسكن، لا في الفلاة التي وصل فيها إلى العضاه أو إلى الضالة، وإنما في المسكن، في وسط الأهل بين الأهل.

«وأزور عمن يحاوزه»، «فمضعها عامين ماء لحائها، وينظر منها أيها هو غامز». التمضيع يا إخوة تشريب، «فمضعها» يعني شربها، والمقصود كما قالوا أن يترك لحاءها عليها حتى تشرب ماء لحائها، يعني لا يقشره، لا ينزعه من فوق لبها، وإنما مضعها تركها في الظل، يتركونها في الظل لا في الشمس، ويتعاهدون الشيء أو يذهبون ويجيئون عليه وهو في الظل، هكذا تشرب ماء اللحاء. اللحاء القشرة الخارجية، أي شجر له لحاء وله لب، فتركها تشرب ماء اللحاء لا تنفصل فجأة تسخين وشمس، وهذه تضعف، إنما تركها في الظل تشرب ماء لحائها لتظل فيها هذه الطراوة وتكون لدنة، هكذا كأنها طن بالضبط.

«وينظر منها أيها هو غامز»، والغمز هنا يا إخوة هو الدرء والتسوية للشيء المعوج، يغمزه يعني يدفعه، يبري منه، يظل يغمزه ليقوم المعوج، ومنه غمز القناة، غمز القنا لأن هذه هي التي يصنع منها الحراب وكذا، غمز القنا يعني يظل يقومها وكذا في الثقاف. رأيتم يا إخوة كثرة التنسيق بالفاء تأتي من الأول: تخيرها القوّاس من فرع ضالة لها ... شذب من دونها وحواجز نمت في مكان كها فاستوت به ... وما دونها من غيلها متلاحظ عد معي فما زال ينجو كل رطب ... ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز فانحى عليها ذات حد غرابها ... عدو لاوساط العظاة مشارز فلما اطمانت في يديه رأى غنى ... أحاط به وأزور عمن يحاوزه فمضعها عامين ماء لحائها

عد معي، فما زال ينجو كل رطب ويابس... فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز، فانحى عليها ذات حد غرابها، عدو لأوساط العظاة مشارز. فلما اطمانت في يديه رأى غنى أحاط به، وأزور عمن يحاوزه، فمضعها عامين ماء لحائها. رأيتم هذا التنسيق أو هذا النسق بالفاء؟ وفي الأخير يقول لك القصيدة الجاهلية مفككة، أنا قلت لك إن رأسك هي التي مفككة.

قوله «فمضعها عامين» غريب يا إخوة، غريب لما تأمل هذا بطلت التأمل فيه؛ لأن فيه هذا الغريب، لأن فيه إسناد الفعل إلى نفسه، هو مضعها وهو يريد الرعاية والمراقبة. ركزوا معي، «فمضعها عامين» هذا غريب، شربها، هو أسند الفعل إلى نفسه. لو أسألكم سؤالاً: لو قال «فتركها تشرب ماء لحائها»، هل يكون أخطأ؟ لو قال «فتركها تشرب ماء لحائها» هل يكون أخطأ؟ بل هو الأصل، بل هو الأصل. لكن «مضعها ماء لحائها»، انظر، «مضعها» هو لما أسند الفعل إلى نفسه دل على قيامه عليها، أنه قيم عليها وأنها رعاية. ما الفرق بين «تركها تشرب ماء لحائها» و«مضعها ماء لحائها» مع أن الحاصل في ذات الأمر واحد في الاثنين؟ والفعل في الحقيقة هي التي تفعله، هي التي تشرب ماء لحائها. «مضعها» أضمر معنى الرعاية في قوله.

أقولها: «والشعر لمح تكفي إشارته ... وليس بالهذر طولت خطباه». كان يمكنه أن يحكي لك كلاماً طويلاً وهي شرب وظل يراعيها ويشرف عليها ويراقب شربها ماء لحائها، لكنه قال: «فمضعها عامين ماء لحائها». هل تظن أننا وقفنا هنا في العجب؟ لا، في التمضيع نفسه لم ننتهِ. صيغة المبالغة «مضعها» مع طول المدة «عامين»، مع إسناد كل هذا مع بعضه، مع إسناد اللحاء إليها «لحائها»، مع كونه هو «مضعها»، هذا من أبدع البيان.

«مضعها عامين ماء لحائها»، عارف طفحها؟ التسلط والإشراف والقوام عليها، فهو قيم عليها، كأنه يربيها بالضبط، هو قوام عليها، انظر. قلت لك اسمع صيغة المبالغة، كل هذا يعمل عملاً واحداً مع بعضه. صيغة المبالغة يا إخوة هذا هو طريق فهم القرآن، هذا هو طريق فهم القرآن، لا طريقة أخرى؛ الإعجاز العددي، الفهم الميثولوجي، الكولولوجي، البولوجي... كل هذا كلام فارغ. كل هذا كلام فارغ، القرآن بيان، القرآن بيان، أعجز في البيان. تريد أن تستخرج براحتك، لا بأس، روح حلل الإبل وحلل البحار والماء والنار كما تشاء، لكن في الأخير إعجاز القرآن هذا البيان، والقرآن في الأخير بيان من الله. انظر، كله مع بعضه: «مضعها» بصيغة المبالغة، مع طول المدة في الظرف «عامين»، يعني إيش؟ بيشربها ماء لحائها عامين! يا نهار أزرق. فم الإنسان كان يظن القوس عند العرب يجيب جريدة ويشدها كذا ويعمل...

تنتهي بكلمة: "يبقى عنده قوس".

أخونا سليمان يقول: أين الحمار والناقة؟ يا سبحان الله، يتحدث عن القوس التي حلات الحمر التي يشبه بها ناقته، عن الماء، عن ذي الأراك. يتحدث عن القوس التي حلات الحمر التي يشبه بها ناقته، عن ماذا؟ عن ذي الأراك. أنا كنت هكذا أفكر: أين القوس؟ أين الحمر؟ أين الناقة؟

شوف الكلام، هذا معنى التدبر. أتظنون أن القرآن تحدى العرب وهم ليسوا على هذه القدرة؟ أتظنون أنكم الآن تفهمون القرآن؟ أنتم تفهمون ظاهراً منه، تفهمون ما تقيمون به الدين، لكن أنتم لا تعرفون فضله. خير الكلام ما فهمت الخاص والعامة معناه، وعرفت الخاصة فضله، فأنتم تفهمون القرآن لكن لم تعرفوا فضله.

"فمضعها عامين ماء لحائها"؛ صيغة المبالغة "مضعها" مع طول الظرف "عامين"، ثم إن أسند الماء إلى لحائها، "ماء لحائها" هذا كأنه من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: 44]، و﴿وَقِيلَ بَعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 43]. الإضافة هنا إلى الضمير مكان الألف واللام، الإضافة جاءت مكان الألف واللام. لو قلنا نحن الآن: "وقيل يا أرض ابلعي الماء"، هل هو خطأ في المعنى؟ "وقيل يا أرض ابلعي الماء الذي خرج منك"، هل يوجد خطأ في المعنى؟ لا، لأن الماء المعهود الذي خرج، "يا أرض ابلعي ماءك"، تحكمي فيما تملكين. "وقيل يا أرض ابلعي ماءك"، أحسنت، فـ "ماء لحائها" بدلاً من "ماء اللحاء"، لماذا؟ لأنه قوام عليها.

"فمضعها عامين ماء لحائها، وينظر منها أيها هو غامز". ثم ترى كلمة "وينظر منها"، لا، تعالى، ده في فقه في الكلام في بيان عجيب هنا، يقول: اسمع، "وينظر منها"؛ مضعها، "وينظر منها"، هل رأيت هذا الإشراف وهذه القوامة عليها؟ وأشد البيان براعة وخفاء في البيت، وهو الدليل على الصفة، صفة الشاعر وصنعته بناء العبارة الثانية في الشطر الثاني "وينظر منها".

لماذا؟ لأن النظر معبر عنه هنا بالمضارع، وواقع في مدة التمضيع المعبر عنها بالماضي، لأن النظر المعبر عنه بالمضارع واقع بمنطق المعنى في مدة التمضيع المعبر عنها بالماضي. "فمضعها شربها عامين ماء لحائها، وينظر منها"، ففي ذلك تشمون معنى ماذا؟ من منكم شم المعنى؟ أنا أريد أن أساعدك، أريدك أن تشم المعنى. عندما يكون "مضعها" ثم "وينظر منها"، تشعرون بمعنى ماذا؟ لا، في معنى نحوي، أريد التعبير النحوي.

قال: أحسنت يا أحمد العسال؛ "وينظر منها" بل تكاد أن تكون وهو الحال، أي: وهو ينظر منها وقت التمضيع، أيها هو غامز. أحسنت يا أحمد العسال، شعرت أنت بمعنى الحالية، صح؟ سليمان يقول: قلت ذلك ولكن فاتكم مولانا، إذاً جيد، أنت قلت الآن وليس الحال، بل يترجمون يا أخي.

"فمضعها عامين وينظر منها"، والحال أنه ينظر منها، أيها هو غامز. فيه معنى الحالية؛ لماذا يا إخوة؟ لأن الحال يقيد العامل، كما قلنا، بخلاف الصفة التي تقيد الذات. الحال يقيد العامل، احفظوا هذا وانتبهوا إليه: الحال يقيد العامل والصفة تقيد الذات. فالحال هنا يقيد ماذا؟ يقيد مدة التمضيع.

"فمضعها عامين ماء لحائها، وينظر منها أيها هو غامز". هو الذي يلوذ عليها، أيها يوصف بأنه هو يغمزه. "فمضعها عامين ماء لحائها"، فمضعها هو مشرف عليها، "وينظر منها أيها هو غامز"، هو غامز هنا فيها إظهار الفاعل في جملة مبتدأ وخبر، فهو قائم عليها.

ويؤيد لك، يؤكد لك ذلك البيت التالي: "أقام الثقاف والطريدة درّها، كما قوم ضغن الشموس المهامز". وهذا تشبيه عجيب، لكن نؤجله لمجلس الغد إن شاء الله؛ لأنه في قوله "أقام الثقاف والطريدة درّها كما قوم ضغن الشموس المهامز"، الضغن هنا هو هذا النفور والشدة والبغضاء لمن يسيطر عليها، والشموس الخيل ولا تقومها المهامز إلا بعد لأي وطول مدة. فيقول إنه عاش معها عامين يروضها فاستقامت له، كما استقامت الخيل المضغنة الشموس، غير المدربة التي فيها وحشية وبرية، استقامت بعد أن قومها كثيراً بالمهامز، فاستقامت له على طول، فعاشت معه، يعني طاعت له ولانت.

عرفتم لماذا بكى حين باعها؟ هذا آخر ما أردت أن أشرح من الأبيات الأربعة. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، رضي الله عنكم. رأيتم الشعر كيف يكون يا إخوة؟

نبدأ غداً إن شاء الله من البيت السابع: "أقام الثقاف والطريدة درها"، ونرى ماذا حصل معه في السوق في المواسم لما باعها. شكراً لكم وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عمتم صباحاً ومساءً.