السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. أرجو أيها الكرام طمأنتنا إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم، أرجو طمأنتنا إلى سلامة البث صوتاً وصورة. يا مرحباً، مساء الأنوار، أهلاً وسهلاً.
الحمد لله، ما شاء الله، كل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا، حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
هذا لقاؤنا السادس، أعقده في يوم السبت مكاناً ليوم الجمعة أمس، وأعتذر إليكم أيها الإخوة عن إلغاء مجلس أمس، أو عدم الشروع فيه وعدم تمكني من ذلك. كان اعتذاري لأنني كنت في دعوة كريمة من أخي الكبير الدكتور محمد جمال صقر لتوقيع كتابه وإهدائه، وهو كتاب في مقام شاكر، فكنا عنده أمس في جمع من النخبة والمعتنين، لعدة ساعات، ورجعت في وقت متأخر من الساعة الصباحية.
ولم أتمكن هناك من كتابة اعتذار لأن شبكة الإنترنت لم تكن متوفرة هناك، كما نقول الشبكة واقعة في المكان الذي كنت فيه، وحتى شبكة الهاتف عموماً، فأعتذر منكم. واليوم أعقد المجلس السادس في يوم السبت استثناءً أيها الإخوة استثناءً. وأرجو من كل من هو حاضر، وكذلك من كل من يشاهد بعد ذلك البث، أو البث المحفوظ، أن يتفاعل معه حتى تزيد فرصة ظهوره لإخوانكم ليستفيدوا إن شاء الله تعالى، رضي الله تعالى عنكم.
عفى بطن قو من سليمة فعالزوا ... فذات الغضا فالمشرفات النواشز فكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز ومرتبة لا يستقال بها الردى ... تلافي بها حلمي عن الجهل حاجز وعوجاء مجذا وامر صريمة ... تركت بها الشك الذي هو عاجز كانت قتودي فوق جاب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز طوى ضمئها في بيضة القيض ... بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز فظلت بيمؤود كأن عيونها ... إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز لهن صليل ينتظرن قضاءه ... بضاحي عذات أمره وهو ضام فلما رأينا الورد منه صريمة ... مضى ولاقاهن خل مجاوز ولما رأى الإظلام بادره بها ... كما بادر الخصم اللجوج المحافز ويممها من بطن ذروة رمة ... ومن دونها من رهرحان مفاوز عليها الدجى مستنشات ... كأنها هوادج مشدود عليها الجزاجز تفادى إذا استذكى عليها وتتقي ... كما تتقي الفحل المخاض ومرت بأعلى ذي الأراك عشية ... فصدت وقد كادت بشرج تجاوزه وهمت بورد القنتين فصد ... حوام الكراع والقنان اللواهز وصدت صدوداً عن ذريعة عثب ... ولابني غمار في الصدور حزائز ولو ثقفاها درجت من دمائها ... كما جللت نضوى القرام الرجائز وحلاها عن ذي الأراك عامر ... أخو الخضر يرمي حيث تقوى النواح قليل التلاد غير قوس أسهم ... كان الذي يرمي من الوحش تارز مطلا بزرق ما يداوى ريها ... وصفراء من نبع عليها الجلائز تخيرها القواس من فرع ضالة ... لها شذب من دونها وحواجز نمت في مكان كها فاستوت به ... وما دونها من غيلها متلاحظ فما زال ينجو كل رطب ويابس ... وينغل حتى نالها وهو بارز فانحى عليها ذات حد غرابها ... عدو لأوساط العضاه مشارز فلما اطمانت في يديه رأى غنى ... أحاط به وأزور عمن يحاوز فمضعها عامين ماء لحائها ... وينظر منها أيها هو غامز أقام الثقاف والطريدة درها ... كما قومت ضغن الشموس المهامز فوافى بها أهل المواسم فنبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز فقال له: هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيع التلاد الحرائز. فقال: أزار شرعبي، وأربع من السيراء أو أواق النواجز، ثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر على النار خابز، وبردان من خال، وسو درهماً ومع ذاك مقروض من جلد ماعز. فظل يناجي نفسه: أم آتي الذي يعطى أم يجاوزه؟ فقالوا له: بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز. فلما شراها فاضت العين عبرة، وفي النفس حزاز من الوجد حامد، وذاق فأعطته من اللين جانباً كفى. ولها أن يغرق السهم حاجزه ... إذا انبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلاً أوجعتها الجنائز هتوف ... إذا ما خالط الظبي سهمها والريغ منها أسلمته النواقز ... كان عليها زعفرانا تميره خوازن عطار يمان كوانز ... إذا سقط الآن صينت وأكرمت حبيرا، ولم تدرج عليها المعاوز. فلما رأينا الماء قد حال دونه ... زعاف لدى جنب الشريعة كارز شكك بإحساء الذناب على هدى ... كما تابعت سرد العنان الخوارز ولما استغاثت والـهـوادي عيونها ... من الرهب قبل والنفوس نواشز فألقت بأيديها وخاضت صدورها ... وهن إلى وحشيهن كوارز نهن بمدان من الماء موهناً ... على عجل وللفريص هزاهز غدونا له سعر الخدود ... كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز يحشرجها طوراً وطوراً ... كأنما له بالرغام والخياشيم جارز ولما دعاها من أباطح واسط ... دوائر لم تضرب عليها الجرامز حذاها من الصيداء نعلاً طراقها ... حوام الكراع مؤيدات العشاوز فأقبلها نجاد قوين وانتحت بها ... طرق كأنهن نحائز حداها برجع من نهاق كأنه ... بما رد لحياه إلى الجوف راجز فأوردهن المور مور حمامة ... على كل أجرئائها هو رائز يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد ... واعوجت عليه المجاوز محام على عوراتها ... لا يروعها خيال ولا رام الوحوش المناهز فأصبح فوق النش حمامة ... له مركض في مستوي الأرض بارز وظلت تفالى بالياع كأنها ... رماح نحاها وجهه الريح راكزوا.
هذه القصيدة، على عادتنا ننشدها في كل مجلس حتى تألفوها وتحفظوها.
انتهينا في الشرح أيها الإخوة إلى البيت الثامن عشر، لحظة، أو ولجنا إلى النجاة الخامسة، ولجنا إلى النجاة الخامسة: «وحلاها».
«وحلاها عن ذي الأراكَة عامرٌ ... أخو الخضرِ يرمي حيثُ تكوى النواحُ»
قال: «وحلاها عن ذي الأراكَة عامرٌ، أخو الخضرِ يرمي حيثُ تكوى النواحُ». شرحنا هذا أمس أو أول أمس. ثم قال متحدثاً عن أخو الخضر: «قليلُ التلادِ غيرَ قوسٍ وأسهمِ... كان الذي يرمي من الوحشِ تارزُ».
أذكر الإخوة الحاضرين والمشاهدين أن يتفاعلوا مع البث ليظهر لإخوانكم؛ لأن قنواتي كما تعلمون صار عليها نوع من التقييدات، فتفاعلوا مع البث يا إخوة؛ ما صاروا يتشجعون لإرسالها وإظهارها.
«قليلُ التلادِ غيرَ قوسٍ وأسهمِ... كان الذي يرمي من الوحشِ تارزُ». التلاد يا إخوة هي كل مال قديم، نبدأ ببيان المفردات. التلاد هي كل مال قديم موروث. أنا أحب استعمال كلمة "أبدأ ببيان معاني المفردات"، لا أحب هذه، هذه فائدة على هامش.
التلاد أو أقول المفردات، أحب استعمال كلمة المفردات ولا أحب استعمال كلمة الغريب؛ لأن الغريب لا يُفهم دائماً على أنه الغريب النسبي، يعني الغريب علينا نحن، كما في مثلاً مصنفات غريب القرآن، فالبعض يقول: "إذا فيها غريب إذاً هي معيبة"، لا، ليس عندك غريب القرآن معيب -استغفر الله-، هل في القرآن غريب؟ هل في القرآن غريب بالمعنى الذي يقدح في البلاغة؟ لا، ولكن غريب القرآن بمعنى الذي هو غير مألوف بالنسبة إلينا أو بالنظر إلينا نحن. ومع هذا أحب استعمال كلمة المفردات؛ لماذا؟ هي مفردات غابت عنك أنت، هي مفردات أنت صرت لا تعرفها. التلاد والتليد معروف، لماذا أسميها الغريب؟ طبعاً على الاصطلاح لا بأس، لكن هل الجميع يعلم الاصطلاح؟ لا، فأحب أن أبتعد عن هذا احتياطاً.
التلاد أيها الإخوة هو كل مال قديم موروث مقدر. يعني مثلاً سلالات الإبل هذه تلاد، سلالات الإبل الجياد العالية هذه تلاد، سلالات الجياد الخيل هذه تلاد، تلاد السيوف العريقة الثمينة تلاد، بل هي تلاد وشرف؛ لأن يشهد لها بأنها استعملت، يعني هي أداة العز للأجداد، ففوق كونها تلاداً تحمل تاريخهم في حروبهم.
«ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائبِ»
هذا النابغة؛ تورثن من أزمان يوم حليمة إلى اليوم قد جربن كل التجارب. فالتلاد هو كل مال قديم موروث مقدر، هذا شرط مقدر. والتارز هو الجامد، والتارز هو اليبس. وكثر في كلام العرب هذا الحرف، يعني الكلمة، ولا بد أن تتعلموا هذه "الحرف"، يعني هذه الكلمة يا إخوة، هذا الطرف من الكلام، والقطعة من الجبل تسمى حرفاً. أقول كثر في كلام العرب استعمال هذا الحرف حتى سموا الميت تارزاً.
وفسروا البيت هنا بأن الذي يرميه من الوحش كأنه أصلاً ميت من الأول، كأنه في الأصل ميت. قال: إذاً التلاد هو المال القديم، والتارز يعني اليابس؛ كان الذي يرمي من الوحش تارزاً أي يابساً. وأنا سأذهب إلى أنه ليس كأنه ميت، هذا تفسير لهم، بل تارز يعني كأنه متيبس متشنج، شيء من هذا، كأنه تمثال أو حجر لا روح فيه، والله أعلم.
«فكبى كما يكبو فنيقٌ تارزٌ ... بالخبطِ»
تارز يعني شديد صلب. وكما قال امرؤ القيس: «وقد اغتدي والطير في وكناتها ... لغيث من الوسمي رائده خالي» «تحاماه أطراف الرماح تحامياً ... وجاد عليه كل أسحم هطال» «بعجلزة قد اترز الجري لحمها»
اترز يعني شد لحمها، يبس.
«قليلُ التلادِ غيرَ قوسٍ وأسهمِ ... وحلاها عن ذي الأراكَة عامرٌ ... أخو الخضرِ يرمي حيثُ تكوى النواحُ»
أول ما استوقفني من براعة الشاعر في هذا البيت هو قوله: "قليل التلاد"، لكن قبل ذلك أنا أريد أن أتكلم عنها قبل الكلام عن معناها، أتكلم عنها شاهداً على شيء آخر. هذه العبارة "قليل التلاد غير قوس وأسهم" تعدد ما ذهبت إليه في الصفة النحوية للعبارة من البيت السابق. تذكر يا خالد الشيباني نقاشنا أمس في قوله: «يرمي حيث تكوى النواح»، لما قلنا "أخو الخضر" لا يصح أن يكون "يرمي" حالاً؛ لأن معناه أن حلاها حال كونه يرمي هذا لا يصح. فقلتم إذاً تكون في موقع المعرفة، يعني: "أخو الخضر الرامي حيث تقوى النواح"، تموهوا على ذلك، قلت لكم قد يجوز بالتأويل، ومع ذلك لم أردها من جهة التأويل، وإنما رددتها من جهة أخرى، وهي استئناف الكلام عنه: "يرمي حيث تكوى النواح".
كأنه لما أتى لك باسمه العلم، وأتى لك بالبدل "أخو الخضر"، أثار عندك السؤال عنه: ما شأنه؟ فقدر السؤال بين الكلام، وتعبير عبد القاهر يقول: "قدر في البين". هذه فائدة، خذوها. عبد القاهر يقول "في البين"، انتبهوا لهذا الاستعمال؛ "في البين" يعني بين الكلام في الوسط، فقدر كذا في البين، في البين اسم مكان الوسط. فأنا أقول فقدر هنا بين كلامه، وهو السؤال وهو حيرة المخاطب، وأنت تقول له: «وحلاها عن ذي الأراكَة عامرٌ»، وكان هذا لم يكفِ، أثار تشويقه: من هو؟ فقال لك: «أخو الخضر»، فوقفت هنا أيضاً: ما شأنهم وما شأنه؟ فجاء الجواب: «يرمي حيث تكوى النواح».
رأيت؟ فالاستئناف لعبارة "يرمي" لائق بوجه البدلية، ويرفع شرف المعنى على قدر هؤلاء الشعراء. وبالمناسبة هذا هو الفرق بين قراءتين؛ قراءة الناقد الذي يرى شرف المعنى في الشعر بدلالة الكلام، لا يخترع، ويرى القراءة العادية؛ إذا كان بيت الشعر أمامك تحمله على قراءة عادية وهو شعر فلا يصح هذا الوجه عندي. مثال على ذلك يعجبني جداً ذكره عبد القاهر في شرحه الذي طبع حديثاً على ديوان المتنبي، طبع في السعودية، وأنا قرأت أجزاءً من هذا الشرح، وأقطع دون تردد أن هذا الكتاب لعبد القاهر كتب بيد عبد القاهر. يقول في قول المتنبي: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ» تقول: طوى الجزيرة، ما فاعل طوى؟
ما فاعل «طوى طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»؟ قال أهل الظاهر العامة -يعني أهل الظاهر- يجعلون فاعل «طوى» هو «الخبر»، ويجعلون فاعل «جاءني» مضمرًا على شريطة التفسير بفاعل «طوى»، ويجعلون فاعل «جاءني» مضمرًا كما يقول النحاة على شريطة التفسير. تعبير النحاة يقولون: على شريطة التفسير بفاعل «طوى» أي طوى الجزيرة خبر حتى جاءني الخبر، خلاص طوى الجزيرة خبر حتى جاءني الخبر.
«فزعت فيه بأمالي إلى الكذب»؛ هذا بقية البيت: «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر، فزعت فيه بأمالي إلى الكذب». ليس لنا عمل في الشطر الثاني. فيقول: هذا نظر أهل الظاهر، الذين هم كل الناس، والعلماء وعادي كلهم يفسره هكذا، كله يفسر هكذا. «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر»، كل ما عبد القاهر سماهم أهل الظاهر، تخيل! أهل الظاهر يعني من شراح الشعر المعروفين بشرح الشعر، من هم عند عبد القاهر من أهل الظاهر؟
الناس مقامات يا إخوة، ما هو أنت لو واجهت الناس بكل ما تعرف وبكل ما تدركه لن يستطيعوا إيعابك، وربما أضرت بهم في بعض المجالس الخاصة لما يأتي ذكر بعض الأفراد من المشهورين معاصرًا أو في الجيل الماضي يشتغل بالشعر، كلهم هو لا، هو في علم عمل الشعر ليس بذلك، ففزعون كيف شرح كذا وقيل عنه كذا، براحتك، الزمان مع الوقت سيثبت، وكلما علمنا الناس قربناهم مسافة من استيعاب أو قدر من استيعاب ما نقول.
هذا عبد القاهر يقول: من جعل خبرًا أو خبرًا فاعلاً لـ«طوى» قال هذا أهل الظاهر. قال: وأما أهل التحقيق فهو يقول هكذا؛ فيجعلون الخبر فاعلاً لـ«جاءني»، ويجعلون فاعل «طوى» هو المضمر على شريطة التفسير. فلما قال «طوى الجزيرة» أضمر الفاعل وجعلك تتساءل: من الذي طوى الجزيرة؟ حول ما الذي طوى الجزيرة؟ طوى الجزيرة، فشرع لك في كلام جديد: «حتى جاءني خبر»، فخبر فاعل «جاءني» هو الذي يفسر الفاعل في «طوى الجزيرة حتى جاءني خبر».
إذا صار المعنى: طوى الجزيرة خبر حتى جاءني الخبر. وهنا لما أقول لك: «عامر أنا رأيت في عامر باسم العالمية»، ثم في «أخو الخضر»، على طريقة البدلية، أثار سؤالًا في البين: عمن تتكلم؟ وحلاها؛ لأن هذا مشدود إلى حلاها، كذلك لأنه لم يحلئها، الذي حلاها هي حلقت نفسها، لكن هو أسند الفعل إليه باعتبار خطورة أمره، فصار كأنه هو الذي حلاها. فهمتم؟ أسند الفعل إليه إسنادًا حكميًا فيما يظهر، على أساس أن العلم بخطورته وبحاله نزل منزلة أنه هو الذي حلاها.
لما شخص يقول لابنه: «كرهتني في عيشتي»، هو لم يكرهك في عيشتك ولم يرد ذلك، هو لم يقتلك، لكن جعل أفعاله بمنزلة هذا الفعل فقال: «قتلتني». صدها هي صدت نفسها، هو كيف حلها وهو الصياد؟ هو يريدها لن يحلئها، هي التي ابتعدت وحلاها عن ذي الأراك، عامر الله من عامر! أخو الخضر أثار فضولك أكثر، يرمي حيث تكوى النواح.
ويجيء البيت التالي، بيت اليوم، ليدعم ما قلته في البيت السابق، وهو قليل التلاد غير قوس وأسهم. قليل التلاد غير قوس وأسهم، ليدعم أنه ليس معرفة ولا يؤول بالمعرفة، وإنما هو كلام جديد يستأنف عنه وأخبار متتالية. يرمي حيث تكوى النواح، قليل التلاد، أي هو قليل المال الموروث ذي القدر. لماذا خص التلاد من الأول؟ لم يقل لك قليل الشيء لا شيء عنده إلا القوس كما يبادر إلى الذهن، قال: قليل التلاد، يعني قليل الموروث.
إذا صار كلامه محصورًا في التليد، الذي هو الثمين الموروث المقدر؛ لأنه حين يستثني لا يريد أن يستثني من العموم، وإنما سيستثني من ثمين. لم يحكِ فقرة من التليد والطريف ليأخذنا في ذات الطريق، لم يقل لك قليل المال أو قليل المتاع إلا من القوس، لأن هذا سيكون مظهراً لعزة القوس عليه. أما عزة القوس فتكون بأن يحصرها من التليد، والشاعر يتكلم عن القوس لا عن كل المال.
الشاعر لو قال لك: «قليل المتاع غير قوس وأسهم»، ما المشكلة؟ زي الفل، لكن صار معنى آخر، سيظهر هذا غلاء القوس عليه، لن يظهر عزة القوس. لو قال: «قليل المتاع غير قوس وأسهم»، أنت ستشعر بغلاء القوس على صاحبها لأنه فقير من التليد والطريف، إنما لما قال: «قليل التلاد»، حصرك بأن ما يأتي من الحديث سيكون في الثمين، وهو استثناء الثمين من الثمين. ولهذا قال: «قليل التلاد» التي تمرون عليها دون شعور وانتباه.
قليل التلاد غير قوس وأسهم، الحديث محصور في التلاد، في الموروث الثمين، يقول لك قليل الموروث الثمين. انظر إلى البيت: «قليل التلاد غير قوس وأسهم»، لما هيأنا في قضية التلاد التي حصل فيها الشاعر بمكره، صار عقل المتلقي الصحيح الذي يقف على الكلمة، ليس الذي يقول: «قليل التلاد غير قوس وأسهم» يعني قليل المال الحلو، لا، التلاد بعد أن حصرنا الشاعر في المال الثمين الموروث المقدر قال: غير قوس وأسهم.
إذن القوس والأسهم موروثة. السهم لا يضيع إذا ضرب به، بل أحيانًا يصفون هيئة تدل على قدم السهم في الصيد به، لا يظل عوده كما هو بل يتشرب بدماء الطرائد، وتظل حديدته لامعة صافية ومرهفة مسنونة، لكن السهم يكون قديمًا، والسهم كذلك يكون موروثًا لأنه إذا رمى به يخلعه يحتفظ به. أخونا خالد يقول: السهم لا يضيع إلا إذا تكسر.
وتعالوا هنا، لابد أن نذهب في رحلة تفسيرية، لأنه في استثناء القوس والأسهم وجهان. الأول هو المتبادر عند أهل الظاهر -على تعبير عبد القاهر- وهو أن يكون المستثنى تفسيرًا للقليل، يعني هو قليل التلاد، وهذا القليل هو القوس والأسهم، خلاص كأنه قال: هو قليل التلاد.
فلا يملك من التلاد إلا القوس والأسهم. هو قليل التلاد فلا يملك من التلاد إلا القوس والأسهم، هذا الوجه الأول يا إخوة، وهذا على أنه فيه تقديرات كما رأيتم في فهمه. هو المتبادر من جملة العبارة إلى ذوق أهل الظاهر، كما يمكن أن نقول الذين يمشون على الكلام أو يمرون على الكلام ويمسونه مساً ويمرون عليه حاملين إياه على جملة المعنى فقط.
قليل التلاد غير قوس وأسهم، خلاص هذا هو الذي يأتي. قليل التلاد غير قوس وأسهم، وهذا كما قلنا مبادر، ولكن على تأويل تقديرات؛ يعني هو كأنه قال: هو قليل التلاد وهذا القليل هو القوس، كأنه قال: هو قليل التلاد فلا يملك منها إلا القوس والأسهم. قليل التلاد غير قوس وأسهم، ويكون قد ضمن كلمة قليل معنى المعدوم، لأنه استثنى بعد ذلك، فكأنه قد ضمن أيضاً قليل التلاد غير قوس وأسهم، فهذا القليل هو القوس والأسهم، وبالاستثناء يكون قد ضمن معنى العدم، معنى عدم التلاد، خلاص، فقليل التلاد شيء من هذا القبيل، وهذا من رهيف الدلالة على الفقد.
لكن الوجه الثاني، وهو لا تقدير فيه، غير أنه ربما كان أعرق في عظم الشعر، وهو أن يكون الاستثناء لا من عدم ملك التلاد، ولا أن تكون القوس والأسهم تفسيراً للقليل كما في الوجه الأول، وإنما هو استثناء لبعض التلاد، يعني هو له تلاد، واستثنى من بعض التلاد من صفة القلة؛ استثنى بعض التلاد من صفة القلة. وتقدير الكلام هو: قليل التلاد، إلا القوس والأسهم ليست بقل قليلة، إذاً عنده تلاد قليلة، أما القوس والأسهم فكثيرة بقيمتها.
قليل التلاد، وكلمة قليل التلاد أوحت بحقارة هذه التلاد أنها من المحرات؛ قليل التلاد غير قوس وأسهم ليست قليلة، فالاستثناء هو استثناء لبعض التلاد من صفة القلة، خلاص، وتقدير الكلام هو: قليل التلاد، يعني عنده ربما ناقة تليد من نسل، عنده ربما سيف تليد، عنده ربما كذا، هو قليل التلاد، لكن من هذه التلاد يستثنى من القلة في الشأن: القوس والسهم ليست بقليلة. فمولج البيت، وفيه التقليل من قدر تلاده الموروثة، استثنى بعده من التلاد شيئاً لا يوصف بأنه قليل، وهو القوس والأسهم.
وهذا التفسير هو عندي الذي يفسر وصفه التلاد بالقلة لا بالانعدام. لاحظ أنه لم يقل لك هو لا تلاد له، بل قال: قليل التلاد. يا إخوة الكلام الكثير لن أقرأه، قال: هو قليل التلاد. فهذا التفسير هو عندي الذي يفسر وصفه التلاد بالقلة لا بالانعدام؛ لأن الشاعر ما كان عاجزاً عن القول: لا تلاد له سوى قوس وأسهم، ما كان عاجزاً عن أن يقول: لا تلاد له سوى قوس وأسهم، ولكنه أراد قلة التلاد والتقليل أو التحقير من شأنها ليجعل بعضها كثيراً بنفسه بقيمته، ليكون قد هياك للحديث عن هذا القليل.
ثم نرجع إلى تنسيق الكلام، لما قال لك: قليل التلاد، ألا ترى أن قوله "قليل التلاد" بهذا الوصف وبالإقدام عليه، ألا تراه قد أظهر لك شديد قلة هذه التلاد وحقارتها، وأن ذلك صفة بارزة فيه؟ قليل التلاد صفته، كما تقول في شخص قليل المال، هذه صفته، قليل الجاه كذا، أو معدم الجاه أو إلى آخره، هذه صفة بارزة فيه.
ثم إلى قوله: "غير قوس وأسهم"، تأمل ترتيبه: القوس أو الأسهم، ألا تراه بهذا الترتيب المقصود؟ كأنه يعدها في مخيلتك للرمي، لم يقل غير أسهم وقوس، قال: غير قوس وأسهم. القوس الآلة الأساس، ثم الأسهم التي تضرب منها وتباشر القتل، كأنه يعدها لك في ذهنك: قليل التلاد غير قوس وأسهم، قوس وأسهم.
ثم تراه خص الاسم بـ "كان الذي يرمي من الوحش تارز"، ركز، لو قال: كان رميه تارز، كان الرمي تارز، ولكن قوله "كان الذي يرمي" أوحى إليك باستعمال "الذي" أن هناك حديثاً عن رميه له نسأل عنها، "كان الذي يرمي"، ما شأن الذي يرمي من الوحش؟ فقال: كان الذي يرمي من الوحش تارز. وجاءت جملة التشبيه الشطر الثاني: "كان الذي يرمي من الوحش تارز" خبراً ثانياً. لاحظت؟ حيث يرمي حيث تقوى النواح، هذا هناك، قليل التلاد غير قوس وأسهم كلام ثاني، كان يرمي من الوحش تارزه كلام ثالث، ما رأيك؟ هذا كلام ثالث: كان الذي يرمي من الوحش تارزه.
خلاص، وترى هنا العبارة طبعاً فيها اختصار، أي هو قليل التلاد، هو يرمي حيث تقوى النواح وهكذا. وتلاحظ أن الضمير سيكون عائداً على من؟ الضمير عائد على من يا إخوة؟ هو قليل التلاد، على من؟ على من يعود الضمير؟ أحسنتم، أخو الخضر، يرمي حيث تقوى النواح، أخو الخضر يرمي، أي هو يرمي حيث تقوى النواح. هذه هي قليل التلاد، رأيتم كيف يفسر الكلام؟ قليل التلاد غير قوس وأسهم، هو كان الذي يرمي، أي يرميه من الوحش تارزه، رأيت؟
فهكذا ترى الأبيات تلاحمت عن طريق الحبك، حبك المعنى وعن طريق السبك، وإن لم تظهر الضمائر العائدة، وإن لم تظهر الضمائر العائدة، وحلاها: عن ذي الأراك عامر، أخو الخضر، يرمي حيث تقوى النواح، قليل التلاد، ركز الآن، هذا حديث الشعر يا إخوة، هكذا يقرأ النص.
هل تظنون أنني حينما استعليت على المستشرقين الذين قالوا إن قصائدنا قصائد الجاهليين أو القدماء مفككة وكذا، وقلت عقلهم هو المفكك، هل تظنون فعلت هذا عصبية ونعرة؟ لا والله، أنا آخذ على العرب أشياء، آخذ عليهم ضعفهم في أشياء، أنا أعترف بأن ليس أخذه، لكن أنا أعترف بأن العرب ليس لهم فضل في الرواية كالغربيين.
خلاص، الرواية فن، فن الرواية فن غربي، أنا معترف بهذا، فن الرواية وحبكة الرواية وعبقرية الرواية فن غربي يا إخوة. أنا أرفض تماماً أن تقول إنها فن عربي، أو عندنا في كتب أبو العلاء المعري رسالة الغفران وكذا أنها أصل الرواية والمقامات عندنا، لا. يعني أنا لو كنت أتحين وأتلمس من الكلام الذي قيل ما ينصرنا تعصباً ونزعة للعرب وكذا فقط، لتعلقت بهذا، هناك أكاديميون يقولون: فن النثر عندنا والرواية ورسائل الغفران لا يوازيها شيء، لا يوازيها.
يوازيها؟ روح يا عم بلاش تروح بعيد، اذهب وانظر إلى كتاب ك. دام براون صاحب شيف ردبنشي. لا، معلش، لو تكلمنا على مقياس فن الرواية، هذا فن، فن غربي، وأنا أقول إلى الآن العرب ليس لهم طبقة في فن الرواية يوازون الغرب.
ما زالت ملوك الرواية غربية باستثناء نجيب محفوظ، وممكن استثناء أشخاص آخرين. يمكن أن أتكلم عن طبقة نجيب محفوظ، لا، روائي وعظيم، روائي خلق روائيا، خلاص طبيعته روائي.
من جهة الرواية تقول لي مثلا: أين الرافعة؟ أقول من جهة الرواية، الرافعي ما زال نحو اللغة الفنية، ما هذا؟ الرواية ليست لغة فنية، لا، هناك فن الرواية، واللغة الفنية ما يسمى بالنثر الفني شيء آخر. ولهذا أنا رفضت أن يكون كلام علاء المعري أصلا للرواية؛ فيه خيال عالي وفيه كذا، لكن هو شيء آخر. الرواية الضخمة هي رواية ٥٠٠ صفحة وأنت طالع، شيء آخر. الفن كالمقامات، مقامات الهمذالي ومقامات الحريري، هذا الفن أيضا شيء آخر، بل هم حاولوا تقريب هذا النص الفني من الشعر.
ونبه إلى هذا الدكتور عبد الله الطيب السوداني لما قال إن هذه النصوص في القرن الرابع، لما وجد بعض الشعراء كالصاحب، بعض الأدباء كالصاحب بن عباد وكذا، الذي كان يحقد على المتنبي، لما وجدت هذه الزمرة نفسها ليست عندها قدرة الشاعر على أن يأتي بالمفلق من الشعر، ذهبوا واستلوا من الظواهر الشعرية الفنية ما وضعوه أو ما قبلوه في النثر، فظهرت نصوص استقرت بعد ذلك أو تفرع منها المقامات مثلا.
هذه الجمل الموزونة على مساحات واحدة بالسجع، هذا كله ظواهر شعرية أصلها في الخطابة. اقرأ خطب الحجاج، اقرأ جمهره خطب العرب ثلاث مجلدات، اقرأ نثر الجاحظ القديم. فحتى اللغة التي تفرح بها وتقول لغة فنية، كلما صارت فنية ابتعدت عن الرواية؛ فن الرواية فن آخر.
فأنا لما قلت قصيدتنا شديدة الأسر، قوية الأسر، أنا أعلم ماذا أقول، ولو ظهر لي أنها مفككة والله لقلت هذا، وأنا إلى الآن أقول شعر بعض الإسلاميين كجرير عندي فيه إشكالات. تلاحظون لم أهتم كثيرا بجرير لأنني إذا شرحت قصيدة أو عنيت بقصيدة أريد أن أفهم بناءها. واتفق معي بعض الإخوة الباحثين في مجالس خاصة، يعني من دار العلوم وكذا، سألتهم عن هذا ووجدتهم موافقين لي، لكن لم أكتفِ بهذا، لهذا لم أنقله أو لا أعتمد عليه.
وهو أن الشعراء الإسلاميين كجرير، أو من أظهرهم جرير، كانوا يستعرضون القدرة على الإتيان بمطالع طللية، وبعد أن أقاموا بالبصرة وبالكوفة، يعني بأمصار العراق، كانوا يستظهرون قدرتهم على أن يأتوا بمثل شعراء نجد في الجاهلية أو شعراء شبه الجزيرة العربية، بأن يأتوا بالمقدمات، وتأتي وليس لهم غاية إلا هذا، فتأتي مفصولة عما بعده. أنا وضعت هذا احتمالا على الورق كتبته عندي، ولما حاورت فيه وجدتهم يقولون بنفس الكلام، يقولون نعم؛ هم كانوا يقصدون الاستظهار. جرير يقول: «سأهجوك يا فرزدق»، لكن يعمل مقدمة أظهر فيها قدرتي وأطعم القصيدة بكلام القدماء، خلاص بالأطلال وكذا، يبكي وفجأة أعدت للشعراء سما ناقع الفرس... فجأة هكذا. أنا مثلا أعتبر هذا لم يحل عندي، لكن القصائد الجاهلية لا تُبنى من أولها إلى آخرها بناء متينا.
انظر هنا إلى البناء: وحلاها عن ذي الأراك عامرُ .. أخو الخضر يرمي حيث تُكوى النواحُ قليل التلاد غير قوس وأسهمٍ .. كان الذي يرمي من الوحش تارزُ مطلاً بزرقٍ ما يداوى ريهاُ .. وصفراء من نبعٍ عليها الجلائزُ
أول ما قال «مطلا» على معنى الإشراف بالسهام، وعلى وجه النصب، يكون الشاعر هنا قد ردك؛ اسمع ردك إلى البيت قبل السابق، لماذا؟ لأن النصب على الحال، حال من ماذا؟ أخبروني «مطلا» منصوب على الحالية من ماذا؟ طبعاً هو حال من الضمير في «حلاها»، يعني «حلاها» حلقها، هو حلاها حيث تُكوى النواح، حلاها «مطلاً بزرق»، يعني هي رأته مطلاً بزرق.
ما بين «حلاها» إلى البيت قبل هذا البيت، بيت العشر جمل معترضة: وحلاها عن ذي الأراك عامرُ .. أخو الخضر يرمي حيث تُكوى النواحُ قليل التلاد غير قوس وأسهمٍ .. كان الذي يرمي من الوحش تارزُ مطلاً بزرقٍ
أخونا وأختنا يقولون: «أو حلاها وهو مطل» أو «يرمي مطلاً»، هل يوجد معنى لهذه الحال؟ يعني بعد «يرمي» وكأنه تارز يرمي مطلاً بذرق، هل هذا ينفع؟ هذا أي تلبيس! يا إخواني الكرام ويا أختنا الكريمة، لازم نحسبها شوية، نعقل الكلام ونزنه، نحن لسنا حديثيين نُمشي على الحيطة. فينفع أقول لك يرمي مطلاً بزرق وهو رمى الزرق خلاص؟ ما فائدة «مطلاً بزرق»؟ حلاها، خوفها فصدت عنه، أعرضت مطلاً بزرق.
نقرا الأبيات الآن: وحلاها عن ذي الأراك عامرُ .. أخو الخضر يرمي حيث تُكوى النواحُ قليل التلاد غير قوس وأسهمٍ .. كان الذي يرمي من الوحش تارزُ مطلاً بزرقٍ
«مطلاً بزرق»، «حلاها مطلاً بزرق»، أمال كل الذي فات ماذا كان؟ كان يخبرك عن عامر وأخي الخضر، ما أنت مش عارف. «وحلاها مطلاً بزرق»، هو هذا التشعيث في الشعر يا إخوة، هذا ما سماه محمود شاكر «التشعيث في الشعر».
«وحلاها عن ذي الأراك عامر»، يا سلام! الشاعر نساج وليس صانع قماش، ليس صانع أثواب، أنت أنتج، يلا أوزن بالمتر، هات المازورة يا ابني، أعطه. الشاعر فنان نساج، يصنع الوش ويتخيل الثوب كاملاً، ويأتي من هنا ويتحايل من هنا، يركب الحيلة ويبيت يفكر وتأتيه الرؤى، ويقوم إلى أن تقف العروس على قدمها أمام العالم وأمام التاريخ، وهي القصيدة الخالدة. وهل تخلد القصيدة من فراغ؟ هل تؤبد من فراغ؟
«مطلاً بزرق»، نبين مفردات البيت: «مطلاً» يعني مشرفاً من الأطلال على الشيء، وهو الإشراف عليه، أطل على الشيء أشرف عليه. «مطلاً بزرق»، والزرق هي النصال الجيدة الصافية الحديدة، لأنه ينعكس فيها زرقة السماء، تنعكس فيها زرقة السماء فتكون كالمرآة. و«النبع» هو شجر أصفر، وهو أجود ما يصنعون منه القسي.
وهو أجود ما يصنعون منه القسي والجلائز. والجلائز جمع جلاز وجلازة، وهي أشياء تلوى على كل موضع من القوس لتشدها وتمنعها أكثر، وتكون من غير عيب؛ هذا شرطها.
الجلائز يا إخوة، جمع جلاز وجلازة، هي أشياء يشدونها كأنها حبال، كأنها فروع كانت لينة وجفت، يشدونها على القوس كأنهم يشدونها على مناطق معينة في القوس، على أماكن العقد أو في مواطن معينة؛ يعلمون انثنائها حين الشد. طبعاً صاحب كل خبرة يعلم أين يضع هذا، هو ليس اعتباطياً، يشدونها على مناطق من القوس تجعل صلابتها أشد لتكون رميته أبعد، تجعل عود القوس أشد.
«وأطلس ملء العين البحتور الدالية، وصف الذئب: وأطلس ملء العين يحمل زوره، وأضلاعه من جانبيه، له ذنب مثل الرشاء يجره، ومتن كمتن القوس أعوج مند».
«ومتن كمتن القوس» هكذا ومشدود هكذا، يكاد ينفلت من الانقباض. شوف، في انقباض هكذا. «ومتن كمتن القوس أعوج مند»، يا أخي شوف كل لفظة في الشعر الجيد تخاطب مشاعرك لتهيجك، هذا هو نبل الشعر العربي؛ كل لفظة تخاطب مشاعرك. إذا دخلت تذكر هذا، أيها الشاعر الذي -كما يسأل أحد الإخوة الآن- كيف أكون بهذا المستوى من الشعر؟ تذكر هذا المبدأ الكبير، القضية الكبرى: إذا دخلت في الشرح والتفصيل لأجل المعلومة أو المعرفة والفائدة، سقط الشعر. كل لفظة في الشعر موضوعة لتهييج النفس.
هذا معنى الجلائز التي هي جمع جلاز وجلازة: عقبات تلوى على كل موضع أو على مواضع من القوس لتشدها وتمنعها أكثر من مكانتها الأصلية، وشرط هذا أن يكون بدون عيب، يعني تشد للتقوية بدون أن يكون فيها عيب.
أقول هنا: أول ما قال «مطلاً» على معنى الإشراف بالسهام على وجه النصب، ليكون الشاعر قد ردني إلى البيت قبل السابق كما قلنا، لأن النصب على الحال من «حلاها». «حلاها» بمعنى عامر، فالنصب على الحال من «عامر» وقت أن حلاها، خلاص، «حلاها عن ذي الأراك عامر»؛ أي منعها وحجزها، حال كونه قد أطل بالزرق.
انتبهوا، انتبهوا لامر خطير جداً، أن تنتبه إلى أن «مطلاً» حال من «حلاها»؛ لأنه سيصف القوس من هنا، وكانت الأتان تعرف هذه القوس. «مطلاً بزرق»؛ يعني إذا هو منعها وحجزها، «حلاها» حال كونه قد أطل بالزرق، فمنعها وحجزها. «حلاها» لما رأته هي مشرفاً بهذه السهام الزرق.
«مطلاً بزرق»، ثم ترى هذه الباء المرعبة، انظر: «مطلاً بزرق»، أي بأسهم زرق، والباء هنا للمصاحبة، فهو يطل، يشرف على المتون والإيفاع ليراقب الصيد وهو يصحب معه تلك النصال الزرق التي هي سبب هلاك الصيد. ولهذا وصف هذه الزرقة بعد أن نكرها فقال: «مطلاً بزرق ما يداوى رميها». فهو يصحب معه تلك النصال الزرق يشرف بها وهي لا يداوى رميها.
وباشر الشاعر باء المصاحبة هذه بالآلة التي هي سبب الموت على جهة المباشرة، وهي النصال الزرق. انظر: «مطلاً بزرق ما يداوى رميها»، جعل الباء لما قدم في الكلام مع الزرق، مع السهام النصال الزرق، ثم عطف عليها «صفراء» التي هي القوس، يعني الآلة. وصف «صفراء» يعني النصال الزرق، «مطلاً بالزرق» ثم عطف عليها آلة وهي القوس نفسها.
السؤال الآن: لماذا؟ مع أنه في البيت السابق قال: «قليل التلاد غير قوس وأسهم»، كأنه أحضر القوس وأحضر الأسهم، صور الآلة ثم آلة القتل، لكن جاء أولاً بالقوس ثم جاء بالأسهم. وهنا قال: «مطلاً بزرق وصفراء». من يعرف لماذا؟ يلا، اختلاف المقامات، دققوا، من يعرف لماذا يا إخوة؟
لأنه هناك، لما قال «مطلاً بزرق» أو لما قال «قليل التلاد غير قوس وأسهم»، كان يتكلم عما يملكه، والأصل هو القوس والأسهم، معينة القوس ورسول القوس إلى الطريدة. أما هنا، فـ«مطلاً» حال من «عامر» لما «حلاها»، فهي لا تنظر إلى القوس بقدر ما تنظر إلى السهام التي اخترقت أخواتها، هي سبب الموت هنا.
وهنا تعلم كيف أن بلاغة الكلام مطابقة لمقتضى المقام، والمقام معناه الغرض. «مطلاً بزرق»، هل أنت إنسان من حيث كونك إنسان يشغلك الزرق أم القوس؟ أسألك أنت، يشغلك الزرق أم القوس أكثر؟ أنت الإنسان تذهب نفسك إلى القوس، فلما قال «مطلاً بزرق» هو لا يتحدث عنك، يتحدث عن الأتان التي ترى السهام أكثر ما ترى؛ لأنها رأت مثلها قد اخترق أخواتها، ولذلك هربت منه وحلاها.
وما الدليل على أن الكلام عن الأتان؟ أن النصب في «مطلاً» على الحالية من «عامر إذ حلاها»، والضمير في «حلاها» يعود على الأتان، يعني صدت عن المكان لما رأته. «مطلاً بزرق»، وهذا يؤكد لك ضرورة أن تنتبه إلى النصب في «مطلاً» وهي مولج البيت.
لما يقول «مطلاً»، عقلك اللغوي انتبه، أنت لست حداثياً، الحداثي لا يرى تحت قدميه في اللغة، لا يعرف يركب سطراً سليماً. أول ما قال «مطلاً»، عقلك اللغوي يربط فوراً، يربط الربط الإعرابي «مطلاً» بماذا مربوط؟ ما العامل فيه؟ العامل فيه قبل ذلك ببيتين: «حلاها». يبقى لما قال «بزرق» وقدمها على «الصفراء»، فذلك لأجل أنها هي التي ترى ذلك، إذ حلاها، «مطلاً بزرق».
«مطلاً بزرق ما يداوى رميها وصفراء». طبعاً أعلم أنني أطيل، نحن ساعة وثلث في بيتين، عادي، أنا قلت هذا الشرح طويل، وحتى اليوم نظرت في الأبيات فوجدت أنها سيطول شرحها، فقلت اليوم أربعة أبيات فقط.
«مطلاً بزرق ما يداوى رميها وصفراء»، وهنا سنراه اعتمد، انظروا في نظم الكلام وكيف صنع الدلالة.
قلت لك الشاعر ساحر، والشعراء سحره ماكرون؛ الشعراء ماكرون. نراه اعتمد في المعطوف والمعطوف عليه أمرين: فعل أمرين. لما قال: «بزرقٍ وصفراءَ من نبعٍ»، أول شيء اعتماد اللون كناية عن الصفة؛ اعتماد اللون أنت ممكن ما تخدش بالك بزرق وصفراء، ما هو الزرق لها دلالة، وكان الشاعر يقول لك سنعتمد الآن الألوان كناية ودلالة.
فاعتمد اللون كناية عن الصفة؛ لأن الزرق كناية عن صفاء الحديدة ونقائها، والصفراء كناية عن جودة الشجرة ونوعها، أي الشجرة التي اتخذت منها القوس. هذا الأمر الأول، الأمر الثاني: التنكير. التنكير لأجل تهيئة الموضعين للنعت، فقال «بزرقٍ» نكرة، ثم وصفها: «ما يداوى رميها»، لأن الجملة التي بعدها نكرة والزرق نكرة، فهذه جملة نعتية؛ «بزرقٍ ما يداوى رميها». ليست جملة اعتراضية، «ما يداوى رميها» جملة نعتية لـ «بزرقٍ». ثم قال: «وصفراءُ» نكرة أيضاً، «من نبعٍ عليها الجلائزُ صفراءُ»، نكرها أيضاً ثم تحدث عنها ونعتها بعد أن نكرها.
وبهذا ترى كيف هيأ الشاعر بيته كله من بعد لفظه «مطلاً» لأجل وصف السهام والقوس، وكيف رتب بذكر آلة الموت المباشرة أولاً، ثم ذكر آلة الآلة، خلاص، على خلاف البيت السابق؛ كما قلت لأنه اختلف المقام وقد أوضحت هذا.
«مطلاً بزرقٍ ما يداوى رميها، وصفراءَ من نبعٍ عليها الجلائزُ». تأمل قوله: «ما يداوى رميها» ببناء الفعل لما لم يسمَّ فاعله، يعني لم يقل لك لا يداويه فلان، بل «ما يداوى»؛ يعني الدواء منقطع من أي جهة كانت، ما يداوى رميها، لم يُخلق له دواء. ثم أسند الرمي إلى الزرق؛ لا تعالى أنت مش واخد بالك ولا إيه؟ «ما يداوى رمياً»؛ رمي هذه الزرق. أسند إلى الضمير العائد على الزرق ليحضر في ذهنك شخصاً مسكيناً منفرداً عن أي رمي آخر، أو هذا صيداً طرداً مسكيناً منفرداً عن أي طرد آخر، هو رمي هذه الزرق.
«ما يداوى رميها، تناذرها الراقون من سوء سمها». لم يقل ما يداوى الرمي منها، هو لا يريد أن يقول الرمي ويعمم، أنا أريد الرمي المخصوص بها، أحضره في ذهنك؛ «ما يداوى رمياً». شعرتم بها ولا لا؟ «ما يداوى رميها»، رضي الله عنكم.
ثم تأمل قوله: «من نبعٍ عليها الجلائزُ»، وكيف اجتمع الوصفان أو النعتان على أسباب الموت أو حتمية الموت؛ لأنه قال «وصفراء من نبع»، يعني من شجر النبع القوي المعروف، «عليها الجلائز»؛ هذان وصفان في نفس الجهة التي تؤول إلى المتانة والجودة، كأنك قلت: جئت بقضيب من حديد، ومدرع أو مقوى. «وصفراء من نبع عليها الجلائز» هي أصلاً قوية، ثم قويت بكونها مشدودة عليها الجلائز.
ترى هكذا القوس وقد قسمت؛ والله أنا أظن عندي صورة لها صنعتها قبل التي أعطيتها لمصمم الغلاف، ربما أجدها صنعتها بالذكاء الاصطناعي، هكذا بالمحاورة معه إلى أن صنعها. هي صورة تقريبية، انظروا هذه الأشياء الملفوفة، هذه الحبال والاشياء الملفوفة كالجلد الملفوف أو جدائل هكذا، وحبال وكتان؛ هذه الجلائز يا إخوة تشد على غير عيب، انظروا هذه تقويها تجعل صلابتها أشد. فهي أصلاً صفراء من نبع، وعليها الجلائز. فانظروا إلى اجتماع الأوصاف التي تؤول في الأخير إلى متانتها؛ إذا لو سئلت لماذا قال: «من نبع» ثم «عليها الجلائز»؟ من نبع يعني من أقوى الأخشاب، والفرع الذي يؤخذ منه القوس، وعليها الجلائز أي قوي فوق قوتها. وكيف اجتمع ذلك أيضاً مع ترتيب «الصفراء» التي هي آلة الآلة، مع «الزرق» التي هي آلة الموت؛ هذه زرق وهذه صفراء من نبع عليها الجلائز.
والآن اقرأ البيت بما أوعبته من هذا الحشد الفني الدلالي الممثل في كل ما قلناه. أنا لم أخلع نفسي، جئتك بدلالات لغوية كل ما هنالك أنك لم تكن منتبهاً إليها، خلاص. اقرأ مع هذا الحشد الفني الذي تأخذه من دلالات الكلام، أنا فقط نبهتك إليه؛ من حذف وإثبات وتنكير ونعت وبناء لما لم يسمَّ فاعله. انظر في كل هذا.
وبالمناسبة، يجب أن تعود من التحليل والتفصيل إلى الغاية العظمى، وهي أن تقرأ البيت على هذا الوجه من البيان، بحيث توعب في قراءته ما شرح لك البيت؛ ليس الشرح للبيت، بل البيت للتلقي. القرآن ليس للتفسير، مجالس التفسير مجالس علم، إنما القرآن تأخذه وأنت تقرأ، ليس كقراءة أهل القراءات، ليسوا هؤلاء المحترفين الذين يتخذونه حرفة. وليس حتى تلاوة القرآن في موضع التسميع ومجالس العلم وتعليم التجويد، أو في التسميع على الشخص من الصدر للإجازة أو للإتقان، ليس هذا أيضاً، وإنما قراءة القرآن في خلوتك؛ تقرأ النص نفسه وتستحضر المعاني التي تعلمتها في التفسير والتدبر. فالتدبر أو الشرح البياني شيء، وقراءة هذا بث ثمرة هذا الشرح شيء آخر، وهذا تفعله في الشعر وفي غيره.
وحلاها عن ذي الأراكة عامرُ، وحلاها صدها خوفها أفزعها فصدت. يرمي حيث تكوى النواح، استئناف، قليل التلاد غير قوس وأسهم. كان الذي يرمي من الوحش تارز، مطلاً؛ يبقى حلقها مطلاً، أول ما يقول: «مطلاً بزرقٍ ما يداوى رميها، وصفراءَ من نبعٍ عليها الجلائزُ».
رأيتم؟ هذا هو المستوى الذي يشرح به الكلام العالي؛ أن تصبر عليه وأن تطيل وأن تغرق، هذا هو. وتذكر دائماً، لا يوجد فيه -بمناسبة ذكر غير قوس وأسهم- زرق وصفراء؛ القوس وأسهم ذكر القوس أولاً، بزرق وصفراء ذكر الأسهم أولاً، لا يوجد تقديم كلمة على كلمة ليتساوى مع هيئة أخرى إلا لابد من علة، وإن دقت ورهفت. والذي يقول لك: «رب هارون وموسى» هي «رب موسى وهارون» خلاص، والفرق هو مراعاة الفاصلة، فهو مخطئ مهما كان اسمه؛ لأن القاعدة القطعية إذا اختلف...
نظم الكلام أدنى اختلاف يختلف المعنى، وأدنى اختلاف. والذي يقول لا فرق بين موسى وهارون، وموسى وهارون مخطئ، ولكن أيضًا نحتاج إلى تعليل صحيح.
وأبشركم بأن هذا مما يطعنون به، يقولون: انظروا، تقولون عندكم علماء يقولون لا فرق وكذا، وأخبرونا بأي فرق غير الصوت، صوت الفاصلة، في تقديم هارون على موسى أو موسى على هارون؟ لأنه في القرآن تقديم موسى على هارون في الأعراف وغيرها، وفي سورة طه تقديم هارون على موسى. لها علة، وأبشروا بها في الإصدار الثاني من كتاب "دفاع عن القرآن" بشرح مفصل جداً بحمد الله سبحانه وتعالى.
تخيرها القواسُ، من فرع ضالةٍ، لها شذبٌ من دونها وحواجزُ. وقد أُهل الكلام لوصف القوس وتخيرها. بالمناسبة يا إخوة، لن تقسم ظهر الطاعنين في القرآن بالكلام القريب السطحي، بل بهذا الصبر الذي ربما تملون منه على الأبيات وعلى الكلام العالي وإن تحلله، هذا ما تقسم به ظهر هؤلاء.
وها أنا من بعد الرد على هذا العي الباحث الذي تعرفونه، أجبت عن كلامه كلمة، وطالبته بالجواب عن كلامه المسجل كما تكلمت عن كلامه المسجل. من كان منكم يعرفه فليراسله، يقول أبو قيس: أنت عامل إيه أخبارك؟ وإني والله لأتمنى من الله أن يخرج ويحاول الرد على كلامه ليكون مسخرة وأضحوكة، لكنه لا يستطيع أصلًا لأنه جاهل، جاهل صفر، لكن يطعن بالظن، وللأسف هناك مسلمون يهترئون.
المشكلة أن جواب هؤلاء، حتى لو كان كلامهم سفيهاً وخطأً جداً مئة بالمئة، الرد عليه لا يكون بالكلام القريب، لا يكون بالكلام السهل الذي تقنع نفسك به، لا، بل بالصبر على اللغة لتقسم ظهر المغرض. فهمتم؟ ولا يكون إلا بهذا، ولذلك أنا أصبر على الشعر، لا أقعد أسبوعاً في بيت عادي، بل شهراً في بيت عادي ولا إشكال.
تخيرها القواسُ، من فرع ضالةٍ، لها شذبٌ من دونها وحواجزُ. هذه الصفراء تخيرها القواس. هو لم يستهدف أحداً يا أخي الكريم، يحيى هو نشر على... أنا من أين جئت؟ جئت بكلامه، له مقطع مشهور في نقد النبوة، الكلام على مشكلات في بلاغة القرآن. تعال يا حبيبي، تعال يا بابا، وقعت ولا الهواماك، أنت وقعت ولا الهواماك، تعال بلاغة القرآن نتفرج عليك.
وبمناسبة، كل ما قاله الرد عليه في الإصدار الجديد من "دفاع عن القرآن"، كل ما طعن فيه في القرآن الرد عليه في الإصدار الجديد من "دفاع عن القرآن". وأنا أطلب منكم أن تدعوا أي أحد يطعن في القرآن إلى أن يطعن في البلاغة، أتكلم عن البلاغة، يتفضل، أنا أريد أن أكثر المسائل في الكتاب، عايزين الكتاب يكبر كده يا جماعة. خلاص، أنا صريح معك تماماً، أنا عايز أكبر الكتاب. فادعوهم إلى أن يأتوا بطعوناتهم في البلاغة القرآنية، ونتناولها إن شاء الله تعالى.
ماذا سنفعل؟ هذا شغلي، إذا لم أرد على طعونات هؤلاء المغرضين في بلاغة القرآن، أنا ماذا أفعل؟ ما فائدتي في الحياة؟ أنزل أفتح كشكاً وأبيع بسكويت أو سجاير؟ هم فين؟ خليهم يجوا، عايزين نشتغل.
أستاذة سمية، نعم، مجلدات الإصدار اللي جاي مجلد واحد كبير. صحيح يا الشيخ خالد الدبيخي، هذا مما قالوه، قالوا أحزنني جداً أن البعض دخل عليهم، شاهدت هذا على اليوتيوب، البعض دخل إليهم وناقشهم في موضوع الأوزان في القرآن، لأنهم يستعملون فكرة الأوزان في القرآن في أن النبي ﷺ كان يعرف الشعر، فليس غير شاعر كما تقولون، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]. قالوا ليس كذلك، يعرف الشعر جيداً، أتى بأوزان كاملة في القرآن.
فللأسف أحد الإخوة دخل إليه وقال: أنت لن ترى بيتاً كاملاً، ترى بعض تفعيلات غير مقصودة، لن ترى بيتاً كاملاً. فقال له أحدهم -ويخزيهم وينصركم عليهم ويشفي صدور قوم مؤمنين-: «ألا هبّي بصحنكِ فاصبحينا.. ولا تبقي خمور الأندرينا». وقال له: هناك عدد آخر من المواضع في القرآن فيه البيت كامل، وفيه بحر كامل أيضاً بالمناسبة، وشطر الطويل أظنه. فطبعاً سكت. لماذا إذا لم تكن محكماً للمسألة تدخل في مثل هذا؟ فهذا أيضاً مما في الإصدار الجديد من الكتاب: الأوزان التي في القرآن تفصيلاً بحمد الله تعالى إن شاء الله.
تخيرها القواسُ، من فرع ضالةٍ، لها شذبٌ من دونها وحواجزُ. ما هي الصفراء التي سيرمي بها الزرق؟ تخيرها القواس من فرع ضالة، لها شذب من دونها وحواجز. الضالة يا إخوة، واحدة الضالة، وهي شجر السدر خاصة من أشجار الشوك، هناك أشجار لها الشوك كالقَتاد، فهذا شجر السدر خاصة من أشجار الشوك، وفرع الضالة أعلاها. والشذب ما تكاثر وتفرق وتهدل من الأغصان حول قطبها ولبها، والحواجز هي الموانع كصخور ونباتات ونحو ذلك.
أنا حقيقة عجبت من شيء، عجبت من حيرة الدكتور عبده زايد رحمه الله في تحديد القواس، إن كان هو عامر نفسه أو كان شخصاً آخر. أنا عجبت من هذا جداً، يقول: لا ندري إذا كان القواس هو عامر نفسه أم هو شخص آخر. وقد قال الشاعر في وصف عامر: «قليل التلاد غير قوسٍ وأسهمِ». التلاد فالقوس موروث من التلاد، والقواس هو الذي صنعها في الزمن البعيد، فهذا البيت "تخيرها القواس" رجوع في الزمن، ليس بالظن أنه شخص، هو قطعاً شخص آخر لا يصح يا إخوة.
وهذا ظاهر صريح جداً، حتى لا أكون قد قلت شيئاً عن غير ضبط، أحضرت الكتاب هذا "القوس العذراء" لمحمود شاكر، وعليها بحوث كما ترون. يقول في صفحة 135: «وإذا كان الأمر كذلك -وهو ما أميل إليه في قصيدة الشباب- فإننا نجهل القواس، فلا نعرف من هو ولا من أي قبيلة، وإن كنا نعرف صفته، ونعرف دقته وإتقانه لعمله وعشقه لقوسه وشدة وجده بها، ولكننا من ناحية أخرى نعرف الرامي بهذه القواس، أنه شخصية حقيقية ترجم لها».
لها شذب من دونها وحواجز، فهل القواس هو عامر نفسه؟ وبذلك يكون قد جمع بين الإتقان في صنع القوس والإتقان في الرمي أيضًا، ذلك أمر محتمل. أنا لا أدري كيف، أمر محتمل.
وقد قال الشاعر في وصف عامر: «قليلٌ التلادُ غيرَ قوسٍ وأسهمِ». وبهذا يكون الشماخ قد عبر بالظاهر "القواس" عن الضمير، حتى يفيد أنه خبير بصنع القسي كما هو خبير بالرمي بها، أم القواس شخص آخر غير عامر؟ وبذلك يكون الرامي غير القواس، ذلك أمر محتمل أيضًا. هذا غريب صراحة.
الدكتور عبده زايد لما قال «تخيرها القواس»، سأل هنا ودرس: لماذا لم يسمِّ القواس؟ نرى ما قال في الصفحة 137: يقول إننا من ناحية أخرى نعرف الرامي بهذه القوس أنه عامر أخو الخضر، وهو شخصية حقيقية ترجم لها البلاذري في "أنساب الأشراف"، وابن حجر في "الإصابة"، وابن الأثير في "أسد الغابة". عامر هذا معدود في الصحابة الذين عاصروا النبي ﷺ.
وإذا كان القواس قد أجاد صناعة القوس فإن الرامي أجاد بها الرمي، فلما أبهَم الشماخ القواس وعرَّف الرامي، فإننا إذا رجعنا إلى القوس كما صوره الشماخ، سنجده صانعًا محترفًا متقنًا لصنعته، صابرًا عليها حتى تخرج في أفضل صورة ممكنة، ولكنه ما كان يصنع القسي لنفسه، وإنما كان يصنعها ليبيعها لمن يعرف قيمتها.
وإتقان القواس لصنعته، لصنع قوسه، هو الذي شغل الشماخ، وهو الذي لفت الشيخ محمود شاكر إلى هذه القصيدة حينما كان يتحدث عن إتقان العمل مع شفيق متري. وفي رأيي أن الغنى الذي رآه القواس حينما قطع الفرع الذي سيتخذ منه قوسه واطمأن في يده، هو الثمن الربيح الذي سيحصل عليه من بيعها. والدليل على ذلك أنه ما إن انتهى من صنعها وإتقانها وتجربتها، حتى صانها ووافى بها أهل المواسم؛ هكذا على الترتيب والتعقيب، يريد بيعها ويعرف قيمتها، فهي من النفائس التي لا تباع إن بيعت إلا بثمن كبير.
وهنا لم يكن تردده برغم الثمن البهيج الذي عرضه المشتري إلا لأنه يطمع فيما هو أكثر، ولو طلب فوق ذلك لما تردد المشتري إلى آخره. ذلك هو قواس الشماخ، فهو صانع ممتاز يمكن أن يتكرر في حرف وصناعات أخرى كما هو الواقع، فهو على هذا واحد من مئات أو آلاف يتكررون على اختلاف الأزمان والأوطان.
هذا الكلام الذي حاوله رحمه الله، أن نهج كلام العرب ونهج الكلام البليغ ونهج القرآن، لماذا لم يسمِّ القواس وسمى عامرًا؟ ليس لكل هذه المراوغة الرومانتيكية؛ هذه مراوغة رومانتيكية في الحقيقة، تفاعلوا مع البث لو سمحتم يا إخوة. الفكرة هنا ليست أن القواس موجود ومثله كثير، والرامي ليس مثله كثير، وإنما هو نهج الكلام العربي ونهج القرآن.
وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى؛ هذا هو خلاص، فلا عائدة من ذكر القواس، لا نعاقبه أنه باعها وإن مثله كثر، وإنما العائدة فوق ذكر القواس أنه صانع قوي حتى لو قلنا إنه واحد. والاسم الذي فيه تعيين غير مطلوب، لأن المقصود هو قواس قديم خبير فقط، هناك قواس صنعها، لكن من الذي تخاف منه الحمر؟ عامر أخو الخضر. أما هذا فـ«قواس» صنعها وأتقنها.
الاستاذ عبده زايد رحمه الله لم يقصد أن مثله كثر، بل حتى لو كان واحدًا فهو يراد منه صنعته، قواس صفته كذا وكذا، وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى. إنما عامر شخص صَدَّ الحمر كذريعة عثب وابني غمار.
«تخيرها القواس من فرع ضالِّ»؛ نأتي إلى «تخيرها القواس»، لم تستطع نفسي أن تخرج من آثار الشعور بالانتخاب والجودة من اجتماع اللفظتين. «تخيرها القواس» جميعًا، وذلك أولًا بمادة كلمة التخير في اللفظة الأولى، وبالإضافة إلى الألف واللام في اللفظة الثانية؛ لأن القواس هنا مجهول العين، وكان للشاعر أن يقول «تخيرها قواس»، أما «القواس» فلا يمكنك أن تدفع عن نفسك ما فيها من العهدية، بقواس عُرِف بخبرته على الرغم من إطلاق الصفة في عينه.
وأما التخير فهو نقيض الاعتباط؛ التخير يقتضي الفحص والتفتيش والانتخاب، لما يكون الأعلى في خير. فبمجرد أن تسمع هذا المجموع الآن «تخيرها القواس»، لو كان معروفًا لديهم فهذا يؤكد كلامي أكثر، تنطبع في نفسك جودة هذه القوس وأنها فوق أفراد جنسها، وهي كذلك فعلًا كما ستعلم مما يأتي.
أما قوله «من فرع ضالِّ»، فهو التأهيل لك، كل التأهيل بإضافة نكرة إلى نكرة ليشع في وصف طويل ممتد؛ «من فرع ضالِّ»، نكرة ونكرة، أضاف نكرة إلى نكرة؛ لأنه سيصفه. «تخيرها القواس من فرع ضالِّ»، الضال شجر السدر.
«تخيرها القواس من فرع ضالِّ، لها شذب من دونها وحواجز». كما أهل البيان يعلمون كيف أن التنكير من مقدمات النعت ليفخم الشيء، يبدأ في نعتها: «لها شذب»، أي أغصان مما يخفيها. قلنا الشذب: ما تكاثر وتفرق وتهدل من الأغصان حول جذعها وأساسها وقطبها أو لبها من الداخل. فقال «لها شذب»، يعني أغصان منها تخفيها وتحيط بها.
لو قال «لها شذب» هل نقص ذلك من أصل المعنى شيئًا؟ هل ستتخيل أن الشذب يخفيها؟ انتهينا. لكن لما يقول: «اسمع، لها شذب من دونها»، «من دونها» يعني أي لها شذب يحجب، فحين يقول «لها شذب من دونها» أشار إلى أن هذا الشذب يحجب قلبها ولبها الذي هو مقصد القواس، يحجبه عن أعين الناظرين الطامعين، وكأنها قد حفظت له حور العين.
وهذا يردك أيها المتذوق المتحقق إلى قوله: «لها شذب»، كان يمكنه في أصل المعنى أن يستغني عن ذلك، يقول: «وشذب من دونها».
لو قال: «وهناك شذب من دونها»، فالضمير في «من دونها» يردك إلى الضمير في «لها»، لتجد العبارة: «لها شذب من دونها»، أي لها حماية. ثم يردك إلى حاجز آخر يحجبها، يعطفه على «شذب» بعد أن أوهمك بتمام الكلام، فقال: «لها شذب من دونها وحواجز»، أي لها شذب وحواجز من دونها، كأنها أشجار أخرى وصخور أخرى ونحو ذلك. فالبيت فيه ما يعرف بالإيغال.
تخيرها القواس، رجع في التاريخ إلى صناعتها، تخيرها القواس من فرع ضالة، يستطرد في نعت الضالة التي منها كانت القوس المعجبه الصفراء العجيبة؛ نمت في مكان كَنَها واستوت به. هناك رواية أخرى في ديوان أضواء متن الديوان: «نامت في مكانها واستوت به، فما دونها من غيلها متلاحظ».
أريد أن أبدي هنا غبطتي وسعادتي؛ لأنه لما قرأت هذا البيت في الأول، في الديوان: «نمت في مكان كَنَها واستوت به، فما دونها من غيلها متلاحظ»، قلت ينبغي أن تكون الرواية -والله هذا ما حصل بالضبط- أن يكون البيت الذي قاله الشاعر: «نمت في مكان كَنَها فاستوت به، وما دونها من...»، قلت هكذا يستقيم الكلام. أما «نمت في مكان كَنَها واستوت به، فما دونها من غيلها متلاحظ»، فكلام يتهاوى؛ لأن الذي يستدعي التأمل هنا في أسرار الكلام هو بناؤه، بناء الشطر الثاني على الشطر الأول بالفاء، فلم أجد لهذه الفاء وجهاً مستقيماً يرقى للشعرية.
لقد تأملت الكلام طويلاً، هذه القصيدة أسمعها مدة طويلة، تعيش معي من قديم، لكن ركزت فيها هذه الأيام وتأملتها مرات أخرى كثيرة حتى أتقنها معكم في الشرح ليكون مبثوثاً محفوظاً.
أقول: هذا بناء الشطر الثاني، بناء الشطر الثاني على الأول بالفاء، لم أجد له وجهاً مستقيماً يرقى إلى الشعرية أو استقامة المعنى. لماذا؟ لأن تزاحم الشجر حول الضالة لا يترتب بالفاء على كونها نمت في مكان واستوت به. ما معنى أن تقول: «نمت في مكان واستوت به، فما دونها من غيلها متلاحظ»؟ أنت لا تقول: «أقمت في مكان أخفاني عن الناس، فما حولي من المنازل قريب متلاحم»، وإنما يستقيم المعنى ويضاف لو استعملت الواو، فقلت: «ونمت في مكان أخفاني عن الناس، وما حولي من المنازل قريب مزدحم»، لأن الثاني امتداد للأول وتعليل له، وليس معقباً به عليه.
فهنا قلت الرواية لابدسة في الحروف، وطبعاً المخطوطات القديمة يستشكل فيها مثلاً الواو قبلها قد تظنها فاءً، وسهل جداً أن تكون هناك ما يشبه النقطة، فـ«فاستوت» قد تقرأ «واستوت»، أو «فما دونها» تقرأ «وما دونها»، أو «فاستوت» تظنها «واستوت»، هذا يحصل.
فراجعت بعد ذلك إلى الروايات، فإذا برواية أبي زيد القرشي: «نمت في مكانها فاستوت به، وما دونها من غيلها متلاحظ». قالت: «كانها سترها»، والغيل هو الشجر الكثير الملتف، متلاحظ يعني متداخل متزاحم. فيقول: نمت هذه الشجرة في مكان كَنَها، أي عمرت وأخفيت عن أعين الناس زماناً طويلاً حتى انتهى إليها القواس. ثم يبني بالفاء: «فاستوت به»، استوت يعني بلغت كمالها، الفاء هنا أبلغ من الواو؛ لأنها ستجعل الكَنَّ علة للشيء، «كانت كَنَها فاستوت»، أي تمت لأنها كانت تكنها وتسترها.
ثم كأنه يعلم منك انتظار العلة والهيئة، يقول لك: «وما دونها»، يعني ما هو قريب منها من غيلها أشجار كثيرة حولها متلاحظ، متزاحم متداخل ملتف، فهذا أجود. رواية أبي زيد القرشي للقصيدة في جمهرة أشعار العرب وافقت ما في نفسي، وإن المعنى يستقيم وإن النظم يستقيم على هذا، فالحمد لله الذي أنعم على عبده بهذا، الحمد لله رب العالمين.
ووجه ذلك كما قلت، أن الشطر الثاني هو من جنس الأول، يضاف إليه لا يضاف إليه على جهة الإيغال في الستر، وليس يترتب عليه على جهة التسبب؛ فما دونها ليس سبباً لأن استوت. «نمت في مكان كَنَها فاستوت به، وما دونها من غيلها متلاحظ»، وبهذا يستقيم البيان ويضيء. يقول إنها قد نمت في مكان سترها، وظلت مستورة به حتى استوت وتمت واستقامت وبلغت مبلغها من الاستواء، وكان ما دونها من غيلها متزاحماً متشابكاً يسترها. وتراه هنا قال: «ما دونها»، كما قال هناك أيضاً، يتحدث عن الحماية والإخفاء والكن، يقول لك: «إن دونها ما يحجبها».
عن أعين الناس. توجد مشكلة في البث يا إخوة، هل توجد مشكلة؟ لا، الحمد لله. بقطع النظر، قد يكون عند بعض الإخوة ولا يكون في أصله، أنا أبث من اللاب توب ليس من الـ... لا يتقطع. الحمد لله، توجد المشكلة.
ولا أستطيع هنا في الحقيقة أن أدفع عن قيام البيت في نفس... كون هذه الواو للحالية، وليست واو الاستئناف أو عطف الكلام على الكلام؛ يعني نمت في مكانها واستوت به وما دونها من غيلها متلاحظ. هذا ليس عطفًا وليس استئنافًا وإنما هو حال، ليجمع لك وليحشد لك كل هذه الصور من الكن والإخفاء؛ لأنه قال في السابق: ﴿لَهَا شَذَبٌ مِّن دُونِهَا وَحَوَاجِزُ أَحْجَارٌ﴾، وربما أكام صغيرة وقنان صغيرة كالتي مرت معنا في طريق الحمر.
خلاص، القنان اللواهز فحواليها من القنان اللواهز؛ لأنه قال شذب وحواجز. حواجز يعني موانع، صخور وأحجار وكذا، ثم هنا يقول: نمت في مكانها، أخفاها واستوت به. تمت أو فتمت، ثم وما والحال أنه ما دونها من غيلها.
وأضاف الغيل إليها، انظر! أضاف الغيل إليها؛ فما دونها من غيلها متداخل، متزاحم، متشابك. وانظر قوله: "من غيلها"، عجيب! قوله: "من غيلها" غريب، جعل الغيل الذي حواليها غيلها. عجيب، أحسنت يا جمال الصورة من بعيد. وما دونها... لا، هو يقول "من غيلها" لأنه يسير بك بالمعنى في اتجاه أن هذه الآل الشجر، فما حواليها يحفظها، شذبها يحفظها، المكان يكنها، ما حواليها هو غيلها، هي محفوظة له، مصونة له.
ولذلك هذا الحشد يفاجئك بقوله: فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها، وصل إليها وهو بارز، قطع كل شيء. وهذا البيت نبدأ به الخميس القادم إن شاء الله، وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عمتم صباحًا ومساءً. هذا هو الشعر، هذا هو الشعر.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد