دخولتسجيل الدخول

الدرس 5 - الأبيات (١٤، ١٥، ١٦، ١٧، ١٨)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم، كما أرجو سرعة التفاعل مع البث حتى يصل إلى إخوانكم.

الحمد لله، كل من ألقى السلام فعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام، يا مرحباً.

بسم الله، رضي الله تعالى عنكم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد:

هذا أيها الإخوة هو لقاؤنا الخامس بعد انقطاع أسبوع العيد، مع شرح زائية الشماخ، الشرح التفصيلي الشعري على زائية الشماخ ابن درار الذبياني، الشاعر المخضرم، الجاهلي الإسلامي الذي عاش قدراً في الجاهلية وعاش قدراً في الإسلام.

يقول: عَفَى بَطْنُ قَوْمٍ مِنْ سُلَيْمٍ فَعَالِزٍ ... وَذَاتِ الغَضَا فَالْمُشْرِفَاتِ النَّوَاشِزِ فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ ... لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِزِ وَمَرْتَبَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى ... تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الْجَهْلِ حَاجِزُ وَعَوْجَاءُ مِجْذَامٌ وَأَمْرٌ صَرِيمَةٌ ... تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَابٍ مُطَرَّدٍ ... مِنَ الْحُقْبِ لَاحَتْهُ الْجِدَادُ الْغَوَارِزُ طَوَى ضَمَّهَا فِي بَيْضَةِ الْقَيْظِ بَعْدَمَا ... جَرَتْ فِي عِنَانِ الشَّعْرِيِّينِ الإِمَاعِزِ فَظَلَّتْ بِمَيْؤُودٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا ... إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُكًى نَوَاكِزُ لَهُنَّ صَلِيلٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ ... بِضَاحٍ عُذَاتٍ أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْوِرْدَ مِنْهُ صَرِيمَةً ... مَضَى وَلَاقَاهُنَّ خِلٌّ مُجَاوِزُ وَلَمَّا رَأَى الْأَظْلَامَ بَادَرَ بِهَا كَمَا ... بَادَرَ الْخَصْمُ اللَّجُوجُ الْمُحَافِزُ وَيَمَّمَهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رُمَّةٍ ... وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانٍ مَفَاوِزُ عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِتَاتٌ كَأَنَّهَا ... هَوَاجِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الْجَزَاجِزُ تَفَادَى إِذَا اسْتَذْكَى عَلَيْهَا وَتَتَّقِي ... كَمَا تَتَّقِي الْفَحْلَ الْمَخَاضَ الْجَوَامِزُ وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الْأَرَاكِ عَشِيَّةً ... فَصَدَّتْ وَقَدْ كَادَتْ بِشَرْجٍ تُجَاوِزُ وَهَمَّتْ بِوِرْدِ الْقَنَّتَيْنِ فَصَدَّهَا ... حَوَامُ الْكُرَاعِ وَالْقِنَانُ اللَّوَاهِزُ وَصَدَّتْ صُدُودًا عَنْ ذَرِيعَةِ عُثْبِ ... وَلِابْنِي غَمَارٍ فِي الصُّدُورِ حَزَائِزُ وَلَوْ ثَقَفَاهَا ضُرِّجَتْ مِنْ دِمَائِهَا ... كَمَا جُلِّلَتْ فِيهَا الْكِرَامُ الرَّجَائِزُ وَحَلَّاهَا عَنْ ذِي الْأَرَاكَةِ عَامِرٌ ... أَخُو الْخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّوَاحِ قَلِيلُ التَّلَادِ غَيْرُ قَوْسٍ وَأَسْهُمٍ ... كَأَنَّ الَّذِي يَرْمِي مِنَ الْوَحْشِ تَارِزُ مُطِلٌّ بِزُرْقٍ مَا يُدَاوَى رِيَاهَا ... وَصَفْرَاءَ مِنْ نَبْعٍ عَلَيْهَا الْجَلَائِزُ تَخَيَّرَهَا الْقَوَّاسُ مِنْ فَرْعِ ضَالَةٍ ... لَهَا شَذَبٌ مِنْ دُونِهَا وَحَوَاجِزُ نَمَتْ فِي مَكَانِهَا وَاسْتَوَتْ بِهِ وَمَا ... دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ... وَيَنْغُلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ فَانْحَى عَلَيْهَا ذَاتَ حَدٍّ غُرَابُهَا ... عَدُوٌّ لِأَوْسَاطِ الْعِضَاةِ مُشَارِزُ فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ فِي يَدَيْهِ رَأَى غِنًى ... أَحَاطَ بِهِ وَازْوَرَّ عَمٍّ مُجَاوِزُ فَمَضَعَهَا عَامِينَ مَاءَ لِحَائِهَا ... وَيَنْظُرُ مِنْهَا أَيُّهَا هُوَ غَامِزُ أَقَامَ الثُّقَافُ وَالطَّرِيدَةُ دُرَّهَا ... كَمَا قُوِّمَتْ ضِغْنَ الشُّمُوسِ الْمَهَامِزُ فَوَافَى بِهَا أَهْلَ الْمَوَاسِمِ فَنَبْرَى ... لَهَا بَيْعٌ يُغْلِي بِهَا السُّومُ رَائِزُ فَقَالَ لَهُ هَلْ تَشْتَرِيهَا فَإِنَّهَا ... تُبَاعُ بِمَا يُبِيعُ تِلَادُ الْحَرَائِزِ فَقَالَ أُزَارٌ شَرْعَبِيٌّ وَأَرْبَعٌ ... مِنَ السِّيْرَى أَوْ أَوْاقُ النَّوَاجِزُ ثَمَانٍ مِنَ الْكِيرِي حُمْرٍ كَأَنَّهَا ... مِنَ الْجَمْرِ مَا ذَكَّى عَلَى النَّارِ خَابِزُ وَبُرْدَانُ مِنْ خَالٍ وَسَوْدَاءُ دِرْهَمَا ... وَمَعَ ذَاكَ مَقْرُوضٌ مِنَ الْجِلْدِ مَاعِزُ فَظَلَّ يُنَاجِي نَفْسَهُ وَأَمِيرَهَا ... آيَاتِهِ الَّذِي يُعْطَى طَابَهَا أَمْ يُجَاوِزُ فَقَالُوا لَهُ بَايِعْ أَخَاكَ وَلَا يَكُنْ ... لَكَ الْيَوْمَ عَنْ رِبْحٍ مِنَ الْبَيْعِ لَاهِزُ فَلَمَّا شَرَاهَا فَاضَتِ الْعَيْنُ عَبْرَةً ... وَفِي الصَّدْرِ حَزَازٌ مِنَ الْوَجْدِ حَامِزُ وَذَاقَ فَأَعْطَتْهُ مِنَ اللِّينِ جَانِبًا ... كَفَى وَلَهَا أَنْ يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ إِذَا انْبَضَّ الرَّامُونَ عَنْهَا تَرَنَّمَتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا الْجَنَائِزُ هَتُوفٌ إِذَا مَا خَالَطَ الظَّبْيَ سَهْمُهَا ... وَإِنْ رِيغَ مِنْهَا أَسْلَمَتْهُ النَّوَى وَأَقَظُ كَأَنَّ عَلَيْهَا زَعْفَرَانًا تَمِيرُهُ ... خَوَازِنُ عِطَارٍ يَمَانٍ كَوَانِزُ إِذَا سَقَطَ الْإِنَاءُ صِينَتْ وَأُكْرِمَتْ ... حَبِيرًا وَلَمْ تُضْرَبْ وَلَمْ تُدْرَجْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ فَلَمَّا رَأَيْنَا الْمَاءَ قَدْ حَالَ دُونَهُ ... زُعَافٌ لَدَى جَنْبِ الشَّرِيعَةِ كَارِزُ شَكِكْنَ بِأَحْسَاءِ الذُّنَابِ عَلَى هُدًى ... كَمَا تَابَعَتْ سَرْدَ الْعِنَانِ الْخَوَارِزُ وَلَمَّا اسْتَغَاثَتْ وَالْهَوَادِي عُيُونُهَا ... مِنَ الرَّهْبِ قَبْلُ وَالنُّفُوسُ نَوَاشِزُ فَلَكَتْ فَلَقَتْ بِأَيْدِيهَا وَخَاضَتْ ... صُدُورُهُنَّ إِلَى وَحْشِيَّتِهِنَّ كَوَارِزُ نَهَلْنَ بِمَدَانٍ مِنَ الْمَاءِ مُوهِنًا ... عَلَى عَجَلٍ وَلِلْفَرِيسِ هَزَاهِزُ غَدَوْنَ لَهُ سُعْرَ الْخُدُودِ كَمَا غَدَتْ ... عَلَى مَاءٍ يَمْؤُودُ الدِّلَاءَ النَّوَاهِزُ يُحَشْرِجُهَا طَوْرًا وَطَوْرًا كَأَنَّمَا ... لَهُ بِالرَّغَامَى وَالْخَيَاشِيمِ جَارِزُ وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ ... دَوَائِرُ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ حَذَاهَا مِنَ الصَّيْدَاءِ نَعْلًا طَرَاْقُهَا ... حَوَّامُ الْكُرَاعِ الْمُؤَيِّدَاتِ الْعَشَاوِزُ فَأَقْبَلَهَا نِجَادٌ قَوِيٌّ وَانْتَحَى ... بِهَا طُرْقٌ كَأَنَّهُنَّ نَحَائِزُ حَذَاهَا بِرَجْعٍ مِنْ نُهَاقٍ كَأَنَّمَا ... بِهِ رَدَّ لِحْيَاهُ إِلَى الْجَوْفِ رَاجِزُ فَأَوْرَدَهُنَّ الْمُورُ مُورَ حَمَامَةٍ ... عَلَى كُلِّ أَجْرِيَائِهَا هُوَ رَائِزُ يُكَلِّفُهَا طَوْرًا مَدَاهُ إِذَا الْتَوَى ... بِهِ الْوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ الْمَجَاوِزُ مُحَامٍ عَلَى عَوْرَاتِهَا لَا يُرَوِّعُهَا ... خَيَالٌ وَلَا رَامُ الْوُحُوشِ الْمَنَاهِزُ فَأَصْبَحَ فَوْقَ النَّشْزِ نَشْزٌ حَمَامَةٌ ... لَهُ مَرْكَضٌ فِي مُسْتَوًى الْأَرْضِ بَارِزُ وَظَلَّتْ تُفَالَى بِالْيَفَاعِ كَأَنَّهَا ... رِمَاحٌ نَحَاهَا وَجْهُهُ الرِّيحُ رَاكِزُ

شرحنا أيها الإخوة إلى البيت الثالث عشر.

قلنا النجاة الأولى للحمر. وأذكركم بهذه الأبيات: "وَيَمَّمَهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رُمَّةٍ ... وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانٍ مَفَاوِزُ، عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِتَاتٌ كَأَنَّهَا هَوَاجِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الْجَزَاجِزُ، تَفَادَى إِذَا اسْتَذْكَى عَلَيْهَا وَتَتَّقِي كَمَا تَتَّقِي الْفَحْلَ الْمَخَاضَ الْجَوَامِزُ، وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الْأَرَاكِ عَشِيَّةً فَصَدَّتْ وَقَدْ كَادَتْ بِشَرْجٍ تُجَاوِزُ".

ذو الأراك أيها الإخوة، ذو الأراك مكان قرب مكة. الأخوة المشرفون أحضروا هذا الشخص غالباً لجان أو برامج أو كذا، واضح جاء للتهييج. هذا آخر صاحب آخر التعليق. لا، لا تتجاوبوا معه يا إخوة لو سمحتم، هذا داخل التشغيب وإفساد المجلس، أحضروه فوراً.

أختنا الكريمة، ليس هذا الذي قبله؛ ذو الأراك مكان قريب من مكة، وشرج فسر بماذا؟ شرج فُسر بمواضع واتفقت كلها، يعني فُسر بعدة مواضع يعينونها، اختلفوا في تعيينه لكن اتفقت كلها أنها مواضع مياه، لأن الأشراج مواضع المياه. أيها الإخوة، من الحراسة... خلاص، يقال أشراج وشراج وشروج. نعم، كما قال أبو ذؤيب في الجاهلية: "له هيدب يعلو الشراج"، فالشراج والشروج والأشراج، المفرد الشرج هو هذا الذي كالنهر الصغير تجري فيه المياه. فقالوا هنا هذا الموضع اختلفوا في تعيينه لكن اتفقوا على أنها مواضع مياه، وسُمي بشرج يعني على اسم المفرد مثلاً.

كم فيه عيون؟ سمي عين مكان فيه أنهار، وسمي نهر مكان فيه آبار، ثم بئر.

قال: «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية فصدت، وقد كادت بشرج تجاوز». ما معنى: «وقد كادت بشرج تجاوز»؟ سنتى إلى الحديث عن هذه الإشارة، لكن مدخل البيت أيها الإخوة هو: إياكم، دائماً يقع مدخل البيت من تنحنح الناس؛ للأسف يحسبون أن الشاعر كان بيسخن عربية، يعني بيسخن البيت عشان يطلع، فالأول تسخين والجمال يأتي بعده، لا يا حبيبي من أول حرف. مدخل البيت هذا يحدد لك اتجاه بيان البيت، افهم هذا، هذا خطير، ولا يمكنك أن تجهل البيت أو أن تتجاهل البيت في موقعه، لا يمكنك أن تتجاهل البيت في موقعه، هذه النجاة الثانية.

وتلاحظون أنه هذه المرة أسند الفعل إلى الأتان بضمير التأنيث، على خلاف ما كان سابقاً حين قال: «يممها من بطن ذروة رمه»، وصحيح حين قال: «تفادى إذا استذكى عليها»، يعني هو الذي يفعل. فهي الآن إن صاعت له وأنسلكت في خطته، فصار الفعل ينسب إليها ويسند إليها مع أنه هو القائد والفاعل، ولكنه الآن بعد أن أعطاها القيادة، أعطاها قيادة الأتان وصار المقصود للشاعر أن يضع عينك على الأذن وحمايتها، ولا تنسى أن ناقته هو يحميها، أو يحمي بها، لا تنسى هذا أنه يحمي بناقته.

فصارت الآن هذه المقدرات، هذه المحميات، لاحظتم هذه المقدرات وهذه المحميات صارت هي تتحرك وهي تحت أمره الآن، فهي أُنسلكت، وهذه لمحة خفية في الكلام، هذه لمحة خفية في الكلام لا ينتبه إليها من يمس الأبيات مساً سطحياً، لا يتأمل علل تراكيبها ولا يتأمل سياقات الكلام. أنت تقول: «ومرت»، يعني كان الشاعر جاءك من الخارج ويحكي لك عن أتان مرت، هي التي قال لها في البيت السابق: «تفادى إذا استذكى عليها»، يعني هو الذي كان يقودها «يممها»، الهاء هذا الضمير عائده أو مرجعه هو نفس مرجع الفاعل في «مرت».

«فيممها من بطن ذروة رمه، ومن دونها من رحرحان مفاوز، عليها الدجا...» إلى آخره. «تفادى إذا استذكى»، الضمير في «تفادى» الفاعل هو الضمير في «مرت»، لكن من استذكى عليها؟ إذا تراه راه لما أسند الفعل إلى الحمار: «يممها»، «اشتد فعله عليها»، «استذكى عليها»، «تفادى إذا استذكى عليها»، ولما أُنسلكت في خطته صارت الأفعال تسند إليها هي: «ومرت»، و«همت»، و«صدت». أين الحمار؟ أين الجواد؟ هو يقودها. إذا صرنا في حالة إسناد الفعل إلى الجماعة في حين أن الفاعل الذي يقود هو الغائب في الكلام، وهذا يشير إلى غرض في الكلام، إلى انسلاكها وإلى أن العناية بها.

لحظة يا إخوة، سترون بعد ذلك: «ومرت وهمت وصدت»، خلاص بعد كلام طويل: «فلما رأينا الماء قد حال دونه زعاف، شككنا بإحساء الذناب على هدى، ولما استغاثت والهوادي عيونها، فالتقت بأيديها وخاضت صدورها، نهن بمدان من الماء موهناً، متى ظهر مرة يحشرجها طوراً». خلاص حفظتم القصيدة؟ «يحشرجها طوراً وطوراً»، كأنما له قائد ظهر الآن بعد أن صار الفعل فعلها، رأيتم هذا؟ ثم تأمل قصد الشاعر وهذا حتى تفهم كل ما يأتي، القصيدة لحمتها ظاهرة وقوية جداً يا إخوة، انتبهوا، يعني هي من النوع الذي يُبنى بعضه على بعض بشدة، فيها نسق شديد.

يقول: «ومرت بأعلى ذي الاراك»، ثم «وهمت بورد القنتين»، فهو تأمل قصد الشاعر إلى تعدد صور النجاة، ولا تنسى أنه يتكلم عن ناقته؛ في الأول: «يممها»، «اشتد عليها»، «استذكى عليها»، ثم «مرت بأعلى ذي الاراك فصدت» هي، ثم «همت»، ليس «مرت همت»، يعني هناك عزيمة «همت». فصدها، شوف وهذا سيأتي في البيت التالي، هي «مرت فصدت»، هي مرت مروراً فصدت، انحرفت بسهولة، وكادت بشرج تجاوز؛ صدت لأنها رأت ما يريبها، أو صدت قدراً، وهذا هو الظاهر، صدت لأنه قال بعدها هنا: «وقد كادت بشرج تجاوز»، كانت ستهلك، شوف الشاعر يكلمك: «فصدت وقد كادت بشرج تجاوز»، الشرج الذي عليه الصيادون.

أهلاً أختنا الكريمة، مساءكم خير، أستاذة صافي، أهلاً وسهلاً. الشرج الذي عليه الصيادون، بعد ذلك البيت التالي: «وهمت»، هناك إذا «هم» ليس «مرت هم»، ولكن لما كان هناك هم تدخل القدر هنا، فصدها «حوام الكراعي والقنان اللواهز»، هذا ما صدها والحمد لله. إذا مرة «مرت وصدت وأعرضت» دون أن تشعر، ومرة «همت» فقدر الله لها ما يصدها، ثم مرة صدها في بعد ذلك وعيها، و«صدت صدوداً عن ذريعة عثب»، صدت صدوداً تتعمد تعرفه هذا اللئيم.

وبعد ذلك: «وحلاها عن ذي الاراكه عامر»، هذا الخطير، ولأنه نسب الفعل إليه في أنه «حلاها» مع أنه لم يفعل، هو يريدها، جعل له تاريخاً طويلاً. هل تشعرون؟ كان ينبغي أن أقول لكم هذا في الحديث عن بناء القصيدة، لما قال: «وحلاها»، يعني صدها ومنعها. أسألكم سؤالاً وأجيب بنعم أو لا: هل الصياد صدها حقيقة ومنعها حقيقة؟ هل الصياد صدها ومنعها حقيقة؟ لا، الحقيقة أن علمها به نزل منزلة أن صدها هو، يعني يا أخي أنت كرهته فيه، لكن جعل صوته أو جعل أفعاله معه بمنزلة التكريه فيه، أو حمله على أن يكرهه.

كذلك هنا: «وحلاها»، منعها، هو لم يمنعها، هو يريدها، ولكن من معرفتها به هذا الفظيع المرعب، صدها. ولذلك خذ هذه التي ستسمعها لأول مرة في التاريخ، كل ما جاء في حكاية القواس ووصف القوس وكذا هو التفسير لقوله: «حلاها»، حلاها صدها؛ لأنه لم يصدها في الحقيقة، ولكن عامر المسمى هذا حلاها. لماذا حلاها؟ تعال أحكي لك: «أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح، قليل التلاد غير قوس وأسهم، كان الذي يرمي من الوحش تارز مطلاً بزرق...» وكذا، وصفراء من تخيرها القواس. ليقول لك في الأخير: «هذا حلاها»، هذا الذي صدها قصته طويلة. كلمة «حلاها» هي مجمل كل ما جاء بعدها من أبيات مفسرة، أنا لا أقول كلاماً، انتبهت يا خالد لما أقول؟ شعرت بما أقول؟ فطنت له؟ كل كلمة «حلاها» هو: «أوه وحلاها عن ذي الاراكه عامر»، لماذا؟ «أخو الخضر يرمي حيث...»، قصته الطويلة وتاريخه الطويل هو السبب الذي جعلها تعلم عنه ما تعلم.

يصيد يرمي حيث تكوى النواحظ، فحلاها عن ذي الاراكة. فالآن، كتب الله تعالى على هذه الناقة أن تنجو، كالجاب، وإن مرة يممها هو عن ذي الاراكة، مرة هو يممها من بطن ذروة رمه، استذكى عليها، خلاص، والآن مرت بأعلى ذي الاراك عشية.

كل هذا مرت بأعلى همت فصدها؛ هذه المرة صدتها الحجارة والقطع، الجبال البارزة والحرار، وبعد ذلك صدودًا عن ذريعة عثلة، من الذريعة النار التي يمشي معها، وبعد ذلك وحلاها عن ذي الاراكة عامر. ستلاحظ تفاوت الأفعال وتفاوت طرق النجاة، لأنه ينقل هذا كله إلى ناقته، وهذا من الذروة في التمكن من صناعة الشعر يا إخوة؛ ذلك هو مخ عظام الشعر الذي لا يبلغ إليه إلا الفحول الذين هم أركان الشعر.

هل يمتنع أن يصل أحد إلى هذه المرتبة في عصرنا؟ الحقيقة لا، لكن دونه خرط القتاد. لكن خرط القتاد مهما اشتد عسره ليس مستحيلاً، خرط القتاد ممكن، هتتسلخ، بس هتعدي، هتخرط القتاد، هتتعور أو تتشكشك وتلتهب وتصوت ومش عارف تنام، بس هتبلغ، هتخرط القتاد وهتمر من خرط القتاد، دونه خرط القتاد ستبلغ، ستتجاوز خرط القتاد، ستخرط القتاد وتصل إلى بغيتك. لماذا يستعمل الناس كلمة خرط القتاد على أنه المستحيل؟ مش واخدين بالكم من الكلام الذي تسمعون؟ خرط القتاد ليس مستحيلاً، خرط القتاد ممكن، دونه خرط القتاد، نعم، فلنخرط القتاد هيا نخرط القتاد. تبدأ بـ ١٠٠ يبقوا ٩٠، ٨٠، كذا يوصلوا يخرطوا القتاد.

«ومرت بأعلى ذي الاراك عشية». وقوله بأعلى ذي الاراك؛ انظر، بأعلى ذي الاراك فيه إغراق تقييد المكان، وهو نوع من الإلماح والإشارة الشعرية إلى تعيين المكان، حتى إذا كنت لا تعرف المكان لما يقول: «ومرت بأعلى ذي الاراك». الشعراء يستعملون تقييدات المكان للإشارة إلى المبالغة في المعنى الذي فيها، وهذا ضائع في كلامنا الآن للأسف.

حاصل في القرآن وتحدثت عن ذلك من قبل؛ لما أتيت بأبيات من امرئ القيس والنابغة. امرؤ القيس يقول: فشبه نبهتهم في الأهل حين زهاهم ... حدائق دوم أو سفين مقرا المكرعات من نخيل بن يامن ... دوين الصفا اللائي يلين المشقرا

شوف «المكرعات من نخيل بن يامن دوين الصفا اللائي يلين المشقرا»، إذاً أنا أعين نخلاً معيناً له صفة معينة أريدها في التشبيه. والنابغة الذبياني يقول: لَعَمْرُكَ مَا أَقُولُ كُلِّينِي لَهُمْ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبِي وَلَيْلٍ أُقَاسِيهِ بَطِيءِ الْكُوَا لَعَمْرُكَ نِعْمَةً بَعْدَ نِعْمَةٍ لِوَالِدَةٍ لَيْسَتْ بِذَاتِ عَقَارِبِي، حَلَفْتُ يَمِيناً غَيْرَ ذِي مَثْنُوِيَّةٍ وَلَا عَلَمٍ، إِلَّا حُسْنُ ظَنٍّ بِصَاحِبِي لَأَنْ كَانَ لِلْقَبْرَيْنِ: قَبْرٌ بِجِلْقَ وَقَبْرٌ بِصَيْدَاءَ الَّذِي عِنْدَ حَارِبِي

فبعض الناس لا يفهم، يقول: لا، يقول هذا إلا ليحدد المكان لمن يشتبه عليه المكان. لا، هذا لما يكون بيكلم خالتك، لما يكون بيكلم خالتك يقول لها: «وقبر بصيداء الذي عند حاربي»، عشان خالتك ما تتهش وهي رايحة، عشان ما تروحش القبر الثاني. لكن لما يكون في الشعر، هذا له مغزى في الشعر؛ لأن كان للقبرين: قبر بجلق، وقبر بصيداء الذي عند حارب، يعني هناك قبر تعنى به الناس واستعمل له «الذي».

في القرآن: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ [القصص: 30]. فهذا مستعمل في القرآن؛ فيه تهويل للمكان. وانظري هنا أختي الكريمة، إسناد الآية، إسناد الشاطئ، وإسناد النكرة إلى المعرفة، واستعمال الألف والباء والتعريف، والمعرف يوافق المعرفة في الموصوف، النعت يوافق المنعوت في التعريف والتنكير. هذا كله سيدور في إيصال الذهن وتخليص الذهن إلى معرفة مكان معروف بأعلى ذي الاراك، مكان معروف.

«لأن كان للقبرين قبر بجلق وقبر بصيداء الذي عند حاربي»، شوف كلمة «الذي» لما يستعمل على خبر سابق، على علم بخبر، جاء «الذي» كان عندك أمس؛ «الذي» يستعمل إذا كان المخاطب عنده علم سابق بالمحدث عنه، فيسند إليه كلام جديد. يقول: «وقبر بصيداء الذي عند حاربي»، فالنابغة لما يقول «وقبر بصيداء الذي عند حاربي» لم يقل «وقبر بصيداء الذي عند حاربي»، فهو يشير إلى أن هذا مكان مقصود، مكان مرهوب، مكان مهاب، له مكانته عند الناس، هذا القبر العظيم. وأنت ماذا تقول؟ ربما تقول: والله لأشكونك إلى صاحب القبر الذي كذا وتصف مكانه، في الآخر القبر قبر النبي ﷺ، تقصد قبر النبي ﷺ لكن تخيل «قبر الذي»، هذا هو.

فيقول هنا: «ومرت بأعلى ذي الاراك»، فهو فيه إغراق، ويشير بذلك إلى أن هذا مكان فيه صيادون، بأعلى ذي الاراك. «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية»، ومعنى عشية يعني مشى بها طويلاً، فلما رأى الإظلام بعد ذلك عشية، يعني مشى ما يقرب من يوم في حسابنا. «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية وكان ينبغي أن تشرب، فصدت». يا أخي، على النجاة، كلمة عشية مربوطة بـ «فصدت»؛ كيف تصد وقد بلغت هذا المكان عشية وكان لابد أن تتزود وأن تتحمل وأن تشرب؟ «فصدت». وسبحان الله هي أقدار.

«وقد كادت بشرج تجاوزه». إذاً بعد ذلك إلى نظم البيت ونظرنا بين طرفي العبارتين في الشطرين، وجدنا قوله: «ومرت» ثم «فصدت». تأمل هذا التعقيب بالفاء بين «مرت» و«صدت»، وتأمل بناء اللفظتين على الفعل الماضي من نفس النوع، من نفس البناء: «مرت»، «صدت»، مع نوع من طباق بينهما؛ طباق بديعي، لأن المرور مؤذن بالولوج، وهي مرت خلاص يعني كانت ستدخل في هذا المكان، فهو مؤذن بالولوج، أما الصد فهو انعطاف عن الولوج وبعد عنه.

«ومرت بأعلى ذي الاراك عشية فصدت، وقد كادت بشرج تجاوزه». ما هي صور النجاة؟ «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية»، لا توجد كلمة «لا» ليست موظفة، تحتاج بعد ذلك إلى جهد في دمج الوظائف ولتشعر بها في أثناء القراءة الواحدة المتصلة: «ومرت بأعلى الاراك عشية فصدت، الحمد لله، الحمد لله، وقد كادت بشرج تجاوزه». تلقاك في الأخير هذه العبارة العجيبة: «وقد كادت بشرج تجاوزه»، وهي تشبه عبارة أبي ذؤيب، من يعرفها؟

أبو ذئيب له عبارة مثلها، من يعرفها؟ بالضبط نفس المنهج النفسي فيها، يعني نفس القصد والغاية في أصله. أحسنت يا سعد الرحموني، أحسنت، أحسنت.

«وبأي حين ملاوة تتقطع، حتى إذا جزرت مياه رزونة، وبأي حين ملاوة تتقطع، ذكر الورود بها وشاقى أمره شؤم وأقبل حينه يتنبع». شوف الكلام: «حتى إذا جزرت مياه رزونة، وبأي حين ملاوة تتقطع، قطعوا ومرت بأعلى ذي الاراك عشية، فصدت وقد كادت بشرج تجاوز». لكن هناك، على التسف والتحزن هنا، على السعادة والنجاة.

نلحم البيت الآن: «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية، فصدت، وقد كادت بشرج تجاوز». انظر كيف قدم «بشرج»، انظر في البيت؛ طبعاً يستحسن يكون البيت أمامكم يا أخي، يعني حتى أنا أحفظ القصيدة، لكن أكتب البيت أمامي لأحرك عيني على الكلمات، وهكذا. فهذا حسن، أن تفعلوا هذا، ولا أستطيع أن أشرح لكم بدون هذا، لكن حسن المتابعة بسرعة معكم في أثناء الحوار والنقاش فلا يفوت شيء.

انظر: «وقد كادت بشرج» لم يقل «وقد كادت تجاوز بشرج»، لا، «وقد كادت بشرج تجاوز». وكما قلنا «شرج» فُسر بعدة مواضع، ولكنها اتفقت على أنها مواضع مياه. يعني قال لك: «وقد كادت بشرج تجاوزه»، الذي عليه الصيادون، وشرجنا والصيادون يتقصدون الصيد على الأنهار؛ لأنها تأتي تشرب، ستموت بدون الماء فتأتي تشرب، فيكون قابعاً في القطرات، أو في الدجية.

«ومرت بأعلى ذي الاراك عشية، فصدت، وقد كادت بشرج تجاوز، وهمت، مرت، وهمت بورد القنتين فصدها، حوام الكراع، والقنان اللواهز». القنان يا إخوة، أو القنتان؛ لحظة... القنتان أيها الإخوة، لو سمحتم تفاعلوا مع البث ليظهر للإخوة، هذا ما صار خياراً ترفيهياً، تفاعلوا مع البث ليظهر لإخوانكم وكذلك الذين يشاهدون، أرجو أن يتفاعلوا مع البث.

القنتان يا إخوة موضع، والكراع قالوا هو ذلك الأنف أو العنق الذي يمتد من حرة أو جبل أو قطعة من الجبل تعرض في طريق هذا، سموه بالكراع. هذا سماه بالكراع، لسان هكذا، أنف، قالوا عنق هكذا يمتد من جبل يعكر طريق صفوه، قطعة من جبل تعرض في طريق، عُنق يمتد قطعة تبرز هكذا تفسد طريقاً ما كان متاحاً للناس.

والقنان هي الجبال الصغيرة المدببة، جمع قنة. القنة يقال في كل شيء مدبب هكذا، وقنة أو وقلة كسنان الرمح بارزة ضحيانة في شهور الصيف، محراق بادرت قنتها صحبي وما كسلوا حتى نميت إليها بعد إشراقي، لا شيء في ريدها إلا نعامتها، منها هزيم ومنها قائم، باقي بشره خلق يوقى البنان بها، شددت فيها سريحاً بعد إدراقي. فالقنان جبال صغيرة مدببة كروءوس الجبال لكن صغيرة.

وقيل يقال كذلك هو الجبل المنبسط المستوي، لا يكون واسعاً منبسطاً لكن له رؤوس كثيرة ولا يكون له ارتفاع في الأرض، وكذلك قالوا القنان لا تكون إلا سوداء، تكون صخرية شديدة سوداء. والظاهر أن المقصود هنا هو الجبال الصغيرة المتجاورة.

ومعنى اللواهز يعني التي تلهز الطريق، تضيقه وتدر به إذا التقت هذه الجبال الصغيرة والأكام، ضاق ما بينها إذا التقت، يقولون لاهزة، يعني كل واحد لاهزة على وزن فاعلة، يعني كل واحد يلهز صاحبه، فالقنان متلاهزة يعني متقاربة، أضرت بالمهيع وضيقته.

«فيقول: وهمت بورد القنتين، فصدها حوام الكراع، والقنان اللواهز». أشرح البيت جملة في الأول ثم أدخل في فقهه وبيانه. يقول: «وهمت بورد القنتين»، همت يعني أرادت وكادت أن تفعل، كان هناك رغبة بورد القنتين، وكل هذا يشير لك إلى أنه عليه الصيادون؛ لأن الورد يتصيدون فيه، الحيوان الوارد يتربصون فيه بالحيوان الوارد على الماء.

«فصدها»، ما الذي منعها من ورد القنتين؟ أرادت أن تذهب إلى ورد القنتين، ما الذي صدها؟ «حوام الكراع»، يعني ما حمى وما صد ومنع؛ موانع الكراع هي الأعناق الممتدة من الجبال التي عكرت صفو الطريق، والقنان اللواهز هي الجبال الصغيرة المدببة التي صنعت كما تقول أختنا أزقة فتعكر الطريق، فما بين الكراع الحوامي وما بين القنان عسر الطريق، فصدت عنه ولم ترد الورد الذي كان عليه الصيادون.

هل انتبهت الآن إلى التنوع الذي قام به هذا الشاعر؟ الشخصية الشاعرة، الشاعر الماكر مكر الشعراء، بمجرد المقابلة بين رؤوس الأبيات: «ومرت» و«وهمت»، بذات الصيغة الصرفية «فعلت» مع تباين المادة. انتبهت بمجرد المقابلة بين رؤوس الأبيات، يعني إذا أتى التناظر أو المناظرة بين بيتي رؤوس الأبيات: قال «ومرت»، «وهمت»، فأنت لا تستطيع أن تقرأ «همت» دون أن تذكر «مرتهم»، فوق «المر»، عرفت الآن أنك لا يمكنك أن تقرأ هذا البيت خارج القصيدة؛ لأن «وهمت» أولاً عندك الواو عطفت على كلام سابق، ثانياً كيف تقرأ «وهمت» دون «ومرت»؟

«ومرت بأعلى ذي الاراك وهمت»، واختلفت أسباب النجاء، «همت» هذه المرة؛ فجاء ليقول لك: انظر، أحكي لك أفعالاً تأخذ نفس الحكم في أنها وردت على هذه الأذن ونجت. فبمجرد التناظر بين مواضع رؤوس الأبيات في الصيغة، بذات الصيغة الصرفية «فعلت» مع تباين المادة وتدرجها في الحدث، هذا وحده بيان، وهذا ما يسمى أسر القصيدة وبناء القصيدة وانشداد بعضها إلى بعض، وهذا والله مكر الشعراء الذي يحرم منه من يمرون على الأبيات مرور الإذن على ذي الاراك.

في البيت السابق، انظر البناء والأحكام، هي «مرت» ولم تقصد الهم، «مرت» ما قال عزمت ولا قصدت ولا همت، ولهذا كان اللائق أن يقول «فصدت»، هي التي مرت مروراً وصدت. بالضبط، أختنا الكريمة، «همت» كان عندها الدافع أقوى. ركز معي في بناء البيت، تدرج درامي، لحمة في الكلام.

قوي كمان في لغة عبد القاهر ولغة ابن رشيق. خلاص المهم، من التداعي والبناء والتنسيق أو النسق، ابتناء الكلام.

انظر: «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية فصدت»، «مرت بأعلى ذراك عشداً فصدت». هي صدت، لكن لما همت كيف نقول همت فصدت؟ ليه لا يصلح فصدها؟ عند الهم هناك ما صدها، رأيت؟ فهنا هي همت، ولكن صدها تلك الموانع، تلك الحوامي الممتدة من الحرار والجبال الشديدة الصخرية التي أفسدت الطريق؛ فكان هناك شيء طبيعي، وكانت المحصلة أنها نجت. كذلك مرة هي مرت فصدت، ومرة همت فصدها، رأيتم تنوع أسباب النجاة؟

هو يقول لك إن ناقتي موفقة، توفيق. هذه الانت لمن؟ من أين أتيت بهذا يا أبا قيس؟ ما هو قال لك: «ما كل دين عوت المشبه به». يا حبيبي، كان قتودي فوق جب مطرد حالته هي كل الكلام ده. حالته هي كل هذا، صح ولا أنا غلطان؟ ولا أتعسف لك المعاني؟ ما أتعسف لك حاجة، هو قال أنت بقى نفسك قصير في الفهم، أنت حر. لا، أنا ممكن أقعد ساعتين في الكلام متصل، ولو ظهر لي تناقض انتبه، ولم أصل إلى هذا من يوم وليلة أو ما بين يوم وليلة، لا، زمن.. زمن ممارسة يومية، وكل شيء بالتدريب يمر، كل شيء بالتدريب يمر يا إخوة يقوى، كل شيء. الله خلق الحياة هكذا، كل شيء بالتدريب يقوى ويصل.

«ونمرت بأعلى ذي الاراك عشية فصدت، وقد كادت بشرج تجاوزه». شوف: «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية فصدت»، الحمد لله، «وقد كادت بشرج تجاوزه». قدم بشرج؟ الأصل تجاوز بشرج، «وقد كادت بشرج تجاوزه» الحمد لله. «وهمت ينهر أسود»، هي همت، وهمت بورد القنتين فصدها «حوام الكراع والقنان اللواهز».

ولا يمكنك هنا أيضاً أن تغفل المناظرة بالوزن في «مرت فصدت» و«وهمت فصدها»، ليس اعتباطاً، إنما الشاعر ينبهك إلى اتحاد النجاة مع اختلاف الأسباب. يعني نفس الأوزان في البيتين، نفس الأوزان النحوية الصرفية في البيتين مع اختلاف الأسباب؛ لأنها، انظر قلت لك، هذا ليس اعتباطاً، هو ينبهك إلى اتحاد النجاة مع اختلاف الأسباب. كيف؟ لأنها لما مرت فصدت ولما همت فصدت، وهذا من قوة إسباك القصيدة.

وفي البيت إشارة بديعة، أو بديعية خفيفة وخفية، لا يكاد ينتبه إليها إلا المشتغل بالبيان، المشتغل بحق. وهي أن الشاعر -انظر في البيت لو أجعله مكتوباً أمامك- الشاعر أخفى في البيت تجنيساً ومطابقة، وأخفى كليهما. وإن كان الجناس أظهر، لكن أخفى تجنيساً ومطابقة. ولا ينتبه إليهما من لا يقف إلا على التجنيس والمطابقة ذواتي الأجرام الظاهرة. يعني خشنت عليه، كأنك تقول: «والسيف أصدق أنباء من الكتب»، في حده الحد. ولا ينتبه إلى الجناس إلا إذا كان في حده الحد، ولا ينتبه إلى الطباق إلا إذا كان بين الجد واللعب. هكذا أنا أفهمها واضحة، هناك مراتب خافية.

انظروا يا إخوة، في البيت أما التجنيس ففي قوله: «القنتين» و«القنان»، «وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز». هو في هنا جناس، يعني القنتين والقنان، لكن ما المعنى بينهما؟ المعنى بينهما الطباق. خذ عندك، المطابقة هي الخفية هنا لماذا؟ لأنها في موضع التجنيس. هو كان يريد «ورد القنتين» وقلنا القنتان موضع فصده «القنان اللواهز»، وهذا ليس اعتباطاً من الشاعر. «همت بورد القنتين فصدها القنان»، يعني أسند الورد إلى القنتين، وسبحان الله، ورد القنتين صده عنه القنان اللواهز. فهذا صد عن الورد وهذا يطلبه، يغريها أن ورد القنتين الذي همت بالفعل به، «وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز»، ففي ورد القنتين صدها القنان.

رأيتم؟ وتأمل كيف تدرج من الحوامل التي هي الأرض الشديدة إلى رؤوس الجبال الصغيرة المتناثرة، فزاد من الأسباب الطبيعية التي تمنعها المرور إلى الماء الذي عليه هلاكها، إظهاراً لحسن التقدير من الله لها. شوف: «صدها حوام الكراع». هي الألسنة تخرج من الجبال، لكن الألسنة أكثر أم القنان اللواهز في الطبيعة الصحراوية؟ الألسنة التي تخرج أحياناً من الجبل، الأنف أو العنق، يكون أشد أم الأكثر عسراً، أم الجبال أم القنان؟ القنان قطع صغيرة، قطع صغيرة متناثرة وهكذا تعرقل عليها الطريق، ولا يتضح، تشعر أنها متاهة. فهو قال: «صدها حوام الكراع والقنان اللواهز»، يعني كأنها لما نجت أو انفتلت وراوغت الحوامي ظهرت لها القنان فصدها ذلك كله.

واعجبني هنا إضافته الصفة إلى الموصوف، إضافته الصفة إلى الموصوف؛ لما قال «حوام الكراع» وهو أراد الكراع الحوامي، أي الموانع. وانتبهوا أيها الإخوة، نحن نستعمل «الحوامي» فقط، يعني يحمي الديار، هذا من معانيها. أصل الحماية أو أصل هذه المادة هو المنع، منع أي شيء. فمثلاً لو وضعت شيئاً هكذا يمنع ماء تقول: حميت كذا، كما قال مجنون ليلى: «فإن تمنعوا ليلى وتحموا بلادها ... عليّ فلن تحموا عليّ القوافي» فإن تمنعوا ليلى وتحموا بلادها، هذه مشهورة تعرفونها. «فإن تمنعوا ليلى وتحموا بلادها عليّ فلن تحموا عليّ القوافي»، يعني أن تحرموها عليّ. فإذاً «حوام الكراع» يعني الموانع، الحوامي الموانع التي تحجب وتمنع وتقصر، فهو لم يقل الكراع الحوامي، قال حوام الكراع، فبدأ بالصفة وأسندها إلى الموصوف.

«وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز»، وتلاحظ هنا الشاعر سكت عن ذكر الصيادين عند ورد القنتين وعند شرج؛ لأنه يجعل الموتى القابعة عنده معروفاً، ويريد إشغال البال بصور النجاة. ولكن في الصورتين الآتيتين نحن الآن مررنا بصورة، الآن يمها من بطن ذروة رمة، ومرت بأعلى ذي الاراك عشية، وهمت بورد القنتين فصدها، مرت فصدت وهمت بورد القنتين فصدها.

بعد ذلك عندنا صورتان سيذكر فيهما البشر، سيكون للشاعر شأن آخر في الشعر الذي سيذكر فيه الصيادون، ولكل مقام مقال ولكل غرض مقتضى. قال: «وصدت صدوداً». يا أخي، إيه كده! مرت فصدت، وهمت فصدها، وصدت صدوداً. أكثر قصيدة فيما أذكر استعمل فيها الصد متلاحقاً هكذا: «وصدت صدوداً عن ذريعة عثب ... ولابني غمار في الصدور حزائز».

الذريعة يا إخوة التي نستعملها الآن، ذريعة حجة، الذريعة في الأصل هو الجمل الذي يستتر به الصائد، يمشي بجواره يختل به الصيد، كانت العرب قديماً -وهذه فائدة تعلمونها في شرح هذا البيت- كانت العرب تأتي بجمل، جمل يسيب...

في الفلوات، هم له أصحابه يتابعونه، لكنه يسيب في الفلوات أولا مع الوحش حتى تألفه الوحش، وهو يألف أصحابه أيضا، لكن ألفته الوحش. فيأتي يستتر في الجمل، سواء كان جالسا أو يسير، وقد أخفى أسفله مرتفع أو رمال، وربما إذا جلس اختفى في ظهره، هو يترك صاحبه لأنه يعرفه، وبعد ذلك يرمي منه من ورائه، وهذا الجمل ألفته الوحش، فصار نصفه من الوحش؛ تالفه عادي، مسيبها حيوان صحراوي عادي.

يقولون اتخذ كذا ذريعة، اتخذ فلانا ذريعة، يعني جملا يستتر به يرمي من ورائه، هذا معنى الذريعة أيها الإخوة. وابنا غمار صائدان كانا يتربصان في هذا الموضع. وعثب اسم رجل، والحزائز جمع حزازة، وهي الوجع في الصدر من الغيظ والغضب، الحزازة تكون وجيعة في الصدر شديدة، وكثيرا ما تكون من الغضب والغيظ.

كيف بالغ هنا ولماذا؟ وصدت صدودا؛ لماذا عندما قال: «ومرت بأعلى ذي الإراك عشية فصدت» لم يقل فصدت صدوده، بل قال: «فصدت صدودا». وهنا قال صدت صدودا، ولم يقلها هناك. وكذلك: «وهمت بورد القنتين»، لم يقل فصدها صدودا، وإنما: «وهمت بورد القنتين فصدها حوامي الكرع والقنا اللواهز».

لماذا بالغ هنا بهذه الطريقة؟ لأنها صورة رابعة للنجاة، لأنها تعلم وتعي أن هذا الجمل مكيدة، فتقول إنها خبرت أحوال الصيادين وعلمت جيدا، حتى إنها تعرف الذريعة، وصدت صدودا عن ذريعة عثب. يعني لما رأت الجمل هي تعلمت من الحياة من قبل، رأت أخوات لها ترمى من وراء هذه الذريعة، وإلا من أين علمت؟

تقول لي كل هذا عند الشاعر؟ آه والله كل هذا عند الشاعر، هو أنا جبت من عندي؟ هو يقول: «وصدت صدودا عن ذريعة عثب»، يعني ما معنى صدت صدودا؟ يعني يؤكده لك ويقويه، صدت صدودا يعني ليس فقط هربت، فهو يصورها لك نافرة من ذريعة عثب، يصورها لك نافرة، هاربة، رائغة، ليس مجرد صدت، لا، رائغة من ذريعة عثب.

و«صدت صدودا عن ذريعة عثب»، وواضح هنا أن عثبا كان معروفا بهذه الحيلة، أو كان معروفا في مكان ما هي مرت عليه. وابنا غمار صائدان يتربصان في هذا المكان، واضح أنهما يتعاملان مع عثب. «وصدت صدودا عن ذريعة عثب ولابني غمار في الصدور حزائز».

الواو في قوله: «ولابني غمار» واو الحال، ولها غاية جميلة؛ اسمع، واو الحال يعني حال كونها كذا، فهذا يفيد التزامن، مثل: جاء زيد راكبا، أي جاء في حال كونه راكبا، فالركوب يلازم المجيء. فلما يقول: «ولابني غمار»، يقول: «وصدت صدودا عن ذريعة عثب ولابني غمار في الصدور حزائز»، يعني والحال أنه لابني غمار في الصدور حزائز، يصور لك الرجلين يقفان وفي صدورهما وجع من الغيظ والغضب، وهما يريان الأتان تفر وتصد صدودا.

و«وصدت صدودا عن ذريعة عثب ولابني غمار في الصدور حزائز»، وإنها أحسنت، وكأن كان ينتظره، إنهما كانا ينتظران، لأن فجأة خرجوا لك من الفيلم. هل عندنا خبر عنهما من قبل؟ ليس عندنا خبر عنهما، إذا ما قيل: «ولابني غمار»، يعني كانا ينتظران، كانا ينتظران الأتان وكان يتربصان لها، وكان قد استعمل في ذلك ذريعة عثب، وهما في صدورهما حزائز، يعني كانا ينتظران ويأملان، ليست مجرد أتان مرت، كأنها يعرفونها أو طمعا فيها لما رأوها.

وعلى كل حال، واو الحال كتمت من المعاني والقصة ما لم يصرح به، وسأظل أذكركم والشعر لمح، تكفي إشارته وليس بالهذر، طولت خطبة. «وصدت صدودا عن ذريعة عثب ولابني غمار في الصدور حزائز».

سألت أختنا الكريمة: هل يمكن أن يكون «ولابني غمار» يعني حزائز في صدور الأتان؟ هذا بعيد، لأنها مغتاظة منه، ولأن الذي فاته الصيد هما. وتراه قدم في الصدور، انظر لتوكيد بلوغ نجاة الحمر وفوتها، ما بلغت من الصدور التي هي موقع الحزازة والألم.

«ولابني غمار في الصدور حزائز»، ليس مجرد شيء مر، لا، بل في الصدور؛ لأن كلمة «في الصدور» مع واو الحال تدل على أنهما كانا ينتظران، فالحزائز لا تكون في الصدور بهذه الصورة من المبالغة إلا إذا كان الذي فات شيئا منتظرا يطمع فيه، فإذا به فوت عليهما شيئا بذلا له.

«والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبة»، رأيتم الآن كيف تقرأون البيت بمعنى جديد أو بمعنى زائد بأضعاف المعاني الحقيقية المباشرة التي تقرأها أول مرة؟ أحسنت يا جمال، تعليقك جميل، تقول كأنهما في القصيدة من أولها بهذه الواو، أحسنت، يعني من أول ما يممها من بطن ذروة وهما ينتظران، هذا بالضبط الشعور.

تخيل فيلما هكذا يمشي معك، ثم عند هذه المرحلة «ولابني غمار الحزائز»، شخص مغتاظ لما مرت، كأنه كان ينتظر من الأول، كان حاضرا معنا من أول ما تحركت في الصحاري ينتظرها. رأيتم يا إخوة كيف: «والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبة».

«وصدت صدودا عن ذريعة عثب ولابني غمار»، يعني في أثناء الصد، والواو حال: «وصدت صدودا عن ذريعة عثب ولابني غمار في الصدور حزائز»، في قصة مضمرة بين الواو وفي الصدور.

وجمع حزائز، أي مع في الصدور؛ جمع حزائز، انظر، جمع لم يقل حزازه أو شيئًا مرادفًا، لأنه أراد تكرار الوجع وتواليه في الصدور، وكأنهما كانا يعولان على هذا الصيد ويتربصان به، وليس أنه مر بهما، بل كانا يعولان عليه. فهذا كله من جمع كلمة حزائز التي اختصر بها الشاعر كلامًا طويلًا، وبقوله "في الصدور" اختصر، وبواو الحال اختصر.

نقرا البيت الآن مرة أخرى: وصدت صدودًا عن ذريعة عثب ... ولابني غمار في الصدور حزائز

غيظ متكرر لأنهما انتظرا مددا، فالجمع للجمع. انتهت قصتهما؟ لا، نحن استخرجنا من هنا أشياء، والشاعر يعلم أنك يوم تفهم -ولو بعد عام- من قول القصيدة ستتعلق نفسك بحالهما وماذا لو ثقفاها.

إذا كان في الصدور حزائز ولو ثقفاها: درجت من دمائها ... كما جللت نضو الكرام الرجائز

فماذا لو تحصل على الآتي: "ولو ثقفاها، لقياها وظفرا بها، ضرجت، لطخت". عارف التلطيخ؟ واضح أنهما كانا سيحتفيان، هما في حالة جوع، ففهمت "درجت من دمائها"؟ "من" للتبعيض، أي يباعد منها. ومعنى "جللت" أي ألبست.

والقرام يقول فيها "القرام"، وأنا أختار رواية "نضو"، سأشرح الآن لماذا. يقول: "كما جللت نضو الكرام الرجائز"؛ النضو الخلق البالي، والقرام ثوب، والرجائز هي المراكب للنساء، وهي أصغر من الهودج، والرجائز جمع رجازة.

أخبركم أولًا بالمعنى العام، ثم أخبركم لماذا اخترت هذه الرواية، ثم نخوض في شرح البيت. يقول: "ولو ثقفاها ضرجت من دمائها"، لو لقياها وظفرا بها لطخوها من دمائها، كما ألبست "نضو الكرام" -أي الخلق البالي من هذه الأثواب البالية من الصوف أو غيره- الرجائز، وهي المراكب الصغيرة.

أنا اخترت رواية "نضو"، وهي رواية جمهور أشعار العرب للقرشي، رواية أبي زيد القرشي، ومذكورة أيضًا في لسان العرب وفي التاج. لماذا اخترتها؟ لأن قوله في الرواية الموجودة في الديوان المثبتة في متن الديوان: "كما جللت فيها القرام الرجائز"، فـ "فيها" هنا تعود على ماذا؟ يقول "ولو ثقفاها ضرجت من دمائها كما جللت فيها"، طبعًا "فيها" هنا ستعود على أقرب مكان، وهذا لا معنى له. ما معنى أن تقول "جللت فيها القرام الرجائز"؟ لماذا هذا المكان على الخصوص؟ وكأنك تقول كما وضعت القرام على الهوادج الصغيرة، هذا لا معنى له.

لكن الرواية الأخرى "كما جللت نضو القرام" هي الرواية المعتبرة هنا، هذه الصحيحة. الأخرى خطأ تقريبًا، "كما جللت فيها القرام الرجائز" هذه خطأ تقريبًا. فاخترت الرواية "نضو"، وكما قلت هي رواية أبي زيد القرشي في جمهور أشعار العرب، وأختار "نضو" وهذه الصحيحة، والأخرى تكاد تكون خطأ صريحًا واضحًا، بل هي عندي خطأ. والنضو كما قلت الخلق، أي كما وضعت هذه الأثواب الخلق على الرجائز.

دعونا الآن نلج إلى شرح البيت. أول شيء ستلاحظ أنني شرحت المعنى جملة، يقول "ولو ثقفاها". أولًا مطلع البيت مولج، ولماذا وجد البيت أصلاً؟ "ولو ثقفاها"، كلمة "ثقفاها" أي لقياها، جاء ليقابل بها أو يصدر عنها "ولابني غمار في الصدور حزائز"؛ لأن الحزائز دلت على المدة التي انتظرا فيها، وعلى أنهما كانا يريدانها، وكانا يعولان على هذا الصيد ويتربصان به. وليس يقول "ولو ثقفاها" فقط أن يلقياها، بل الإشارة إلى "درجت" بمعنى لطخت، التدريج هو التلطيخ.

يشير إلى أنهما لن يعاملا هذا الصيد معاملة الصيد الذي يحصل عليه على احتياج عادي، بل كانا يعولان في الصدور حزائزه، فلذلك كانا سيحتفيان لو ظفرا بها، ولهذا قال "من دمائها". اسأل نفسك: لماذا لم يقل "ولو ثقفاها ضرجت بدمائها"؟ أسألكم سؤالاً: "درجت بدمائها" غلط؟ لو قال "درجت بدمائها" غلط؟ لا طبعًا. وإنما قال "من دمائها"؛ يعني بالأخذ من الدماء، ليصور لك الرجلين وهما يغمسان أيديهما في دمائها ويأخذان من الدماء يلطخان بدنها.

لو كانت وقعت في يده، الحمد لله، صدت صدودًا. لا تنسى أنه يصف ناقته التي نجت ممن كان سيتشفى فيها وفي صاحبها. "ولو ثقفاها درجت من دمائها"، درج هذا من ذلك الصبغ. ويا سلام على "ثقفاها ودرجت من دمائها"، عايزك تحس بالربط، ليس كل شيء سيسعفني الشعور أن أقوله لك.

ياخذان من دمائها ويلطخان، يحتفيان بصيدها، لا يحصلان عليه كما يحصلان على صيد متصل، هما ينتظران: "ولابني غمار في الصدور حزائز"، ولو ثقفاها فقط، لو ثقفاها ما مرت منهما، ولو ثقفاها درجت من دمائها. "من دمائها"؛ لازم من "من" تنبر عليها، تنبر أنها خطيرة. لم يقل "درجت بدمائها"، ولو ثقفاها "درجت من دمائها"، من دمائها! يغمسان، يلطخان، يحتفيان، إذ سيفعلان هذا إذا ثقفاها فقط.

ولذلك هي "صدت صدودًا"، هي صدت صدودًا عن ذريعة عثب، ولابني غمار في الصدور حزائز، ولو ثقفاها فقط، ولو ثقفاها درجت من دمائها كما جللت نضو الكرام الرجائز. تعال للتشبيه البشع، تشبيه بشع يا رجل.

وما زال يشدك إلى نجاة الأذن، ولو ثقفاها، لكن الحمد لله لم يثقفاها. وتأمل قبل الحديث في التشبيه، من بناء الفعل لما لم يسمى فاعله، مع أن الفاعل -أي الذي وقع منه الفعل في المعنى وكان يناسب أن يسند إليه في الإعراب- هو الضمير في "ثقفاها"، يعني ولو ثقفاها "درجاها" من دمائها. لو قلنا "ولو ثقفاها درجاها من دمائها"، هل هذا خطأ يا إخوة؟ ليس خطأ طبعًا، ولو ثقفاها درجاها من دمائها. لكن "درجت" غريب. لم يقل "درجاها"، وهذا أعظم دليل هنا في هذا البيت على أن بناء الفعل لما لم يسمى فاعله لا يكون لنكتة بيانية وليس لتجرد المعنى أو عدم حضور الفاعل أصلاً أو للاختصار.

الصرف، لا، بعض يقول لك هو اختصار للعلم به، البعض يا إخوة يشرح مثل هذه المواضع مثلاً يقول لك: حذف لعلة العلم به. هذا غلط، العلم به غلط، هذا مجرد اختصار. اكتبوا هذه الفائدة يا إخوة، فهي مهمة جداً؛ قضية العلم بالشيء فقط هي شرط حتى لا يحصل لبس، لكن علة الحذف شيء آخر.

ففي قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، لا يقال للحذف هنا للاختصار، بل يقال لصرف الذهن إلى حال خلق الإنسان؛ لأن قولنا هنا: «وخلق الله الإنسان ضعيفاً» سيأخذنا إلى غرض آخر، وهو إظهار جلال الخالق والفاعل للخلق، وخلق الله في عظمته للخلق هنا فيه تعظيم للذكر. أما «وخلق الإنسان ضعيفاً»؛ ففي الفرق بينها وبين «وخلق الله الإنسان ضعيفاً» أن ذهنك ينصرف إلى الإنسان. هناك فرق، فبينما قابلت القوة والعظمة في الله بالإنسان المخلوق الضعيف، لو قلت كما في القرآن العزيز: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾، انصرف ذهنك بتمامه إلى خلق الإنسان، وهذا هو المراد في السياق القرآني.

فلما قال: «ولو ثقفاها ضرجت من دمائها»، صار الآن يقول لك: لا تنظر إلى الفاعلين، انظر إلى الفعل، انظر إلى التلطيخ، انظر إلى المذلة والإهانة والانتهاك والنكاية التي تقع بها، وانظر إلى ما يقع بها من امتهان ومن وحشية تقع عليها، حتى إنها «ضرجت من دمائها» وليس «درجاها»؛ فالتركيز أو صرف الذهن هو إلى حالها إشفاقاً عليها، وكأنه لا يعني هنا بالفاعل. «ولو ثقفاها ضرجت»، صار الهم كله مصروفاً إلى الفعل. رأيت الفرق بين «درجاها» و«ضرجت»؟ «ضرجت» جعلت الهم مصروفاً إلى وصف حالها.

«ولكن والحمد لله نجت، وصُدت صدوداً، عن ذريعة عثَلٍ لُبٍ، وأبني غمارٍ في الصدور حزائز، ولو ثقفاها ضرجت من دمائها، كما جللت نضو القرام الرجائز».

قل يا خالد، أظن أنه يقصد من قوة الرمي وكثرة النزيف «ضرجت من دمائها»، كما قال أبو ذؤيب: يعثرن في علق النجيع كأنما ... كسيت برود بني تزيد الأذرع

لو قال «ثقافاها» أراد لقياها فكنّها عن ثقاف، هذا المعنى سيكون ضعيفاً، وسأقول لك لماذا؛ لأن «فكان» أعدّ لقيانهما. ركز معي الآن؛ أولاً التلطيخ غير السيلان، فهناك: «فأبد هن حتوفهن فهارب بدمائه»، أو «يعثرن في علق النجيع كأنما كسيت»؛ أي إذا الدم سال، وهذا لا يلتقي تماماً مع دلالة «ضرجت» بمعنى لطخت، ولن يلتقي مع التشبيه بالمناسبة، وستعرف الآن لماذا.

التشبيه بـ «نضو القرام الرجائز» هو عبارة عن قطع مهترئة ليست متساوية الأطوال، بخلاف ما لو كان المقصود السيلان؛ فالسيلان لا يوصف بأنه كـ «نضو القرام» (قطع الصوف المهترئة البالية أو الأثواب التي يلبد بها وتكون مهترئة)، لأنها إذا صُفّت بالبرود أو بالسيا، أو صُفّت ببرود بني تزيد، فإن التلطيخ كـ «كما جللت نضو القرام الرجائز» تكون صورته بعيدة.

وهناك علة أخرى؛ الفرق بين قوله «يعثرن في علق النجيع كأنما كسيت برود بني تزيد» حيث يقول: «فأبد هن»، أي رمى عدداً كبيراً حتوفهن فسالت خطوطاً فانزلقت فيها، وبين هذا السياق. «ولو ثقفاها ضرجت»، ما هو أنت تتحدث عن شيء طبيعي؛ ما هو لو لقياها قتلوها، فما الفائدة أن يقول: «ولو ثقفاها قتلوها فسالت دماؤها»؟ هذا طبيعي. لكن الذي يفيد هو اختزال الفعل، وأن يذكر القتل ويختزله ويقول: «ولو ثقفاها»، ويتعدى إلى شيء بعد القتل، الذي هو بدهي أنه سيحصل وليس هو المهم، فلو ثقافها فالقتل مضمون، وتجاوزنا عنه إلى «ولطخت من دمائها». هكذا أحاول أن أشرح لك فكرة «ولو ثقفاها ضرجت»، فالتركيب كبير عليها، حاول أن تشعر معي بهذا.

أما هنا فالمَدح ظاهر، من شعر بما أقول يا إخوة، أو من حسّ به: «المحظور أشنع من الموت». التشبيه في «جللت» فيه تزيين. ستلاحظون أنه قلب عناصر التشبيه. انظروا، يقول: «ولو ثقفاها ضرجت من دمائها»، أي إذا فُعل التدريج، ثم «هي»؛ الضمير هنا «هي»، ثم الدم. ولكن لانتباه القارئ بعد ذكر المشبه «ولو ثقفاها ضرجت من دمائها»، لما خُتم بذكر المشبه به وهو الدم، صار الانتباه مصروفاً إلى الدم، وصار هو قطب الكلام في تصويرها لك.

انظر آخر سطر في ذهنك: «ولو ثقفاها ضرجت من دمائها»، فصارت الدماء الملطخة هي العالقة في الذهن، فلما وصل إلى ذلك قلب عناصر التشبيه، وقدم المفعول الثاني «نضو القرام» على المفعول الأول الذي هو «الرجائز»؛ لأن أصل الكلام «كما جللت الرجائز نضو القرام». لكنه قدم المفعول الثاني «نضو القرام»، والرجائز على أصل الترتيب لأنها تناظر الضمير في «ضرجت»، فهي نائب الفاعل في الموضعين، و«ضرجت» تناظر «جللت». كونوا معي خطوة بخطوة: «ضرجت» تناظر «جللت»، و«الآتين من دمائها» تناظر «الرجائز»، فلماذا لم يعتمد هذا الترتيب؟ بعد ذلك قدم المفعول الثاني فقال: «نضو القرام»، و«نضو القرام» يناظر الدم في المشبه به، ولذلك قدمه لأن ذهنك عالق في المشبه بماذا؟ بالدم؛ «ولو ثقفاها ضرجت من دمائها».

كما جللت نضو القرام الرجائز؛ الهوادج الصغيرة ستصير الاتن وهي ساقطة في الأرض. ستصير الاتن وهي ساقطة في الأرض تشبه الهوادج الصغيرة التي جاؤوا وزينوها بالبالي الخلق؛ من هذه الأثواب الحمر قطع مهترئة، فصارت ملقاة عالية منتفخة جنوبها هكذا لأنها منتفخة الأجناب، وهكذا ملطخة بالدماء، كما جللت نضو القرام الرجائز.

وكما قال هناك: «جللت» أو «درجت». قال هنا «جللت»، والسر والأصل في هذا كله هو الحرف؛ من الذي بشع الأمر في الأول وجعلهم يأخذون الدماء؟ جعلهم يأخذون بعض الدماء منها ويضعون، فالصق صورة الدماء في الذهن وأنه هو الذي أخذ من داخلها، فجللت نضو القرام الرجائز.

فلا كلمة عند الشاعر الفحلي يأتي بها لأجل تقديم عشان التفعيلة، وعشان كذا لأجل الروي. هو الشاعر معصوم عن العبط بتاعك، معصوم عن التخلف الذي أنت تحكي فيه، معصوم عن مستوى الهبل الذي أنت فيه.

يجي لك أخ من هؤلاء المجتهدين الذين طالعون، عمرهم 17 سنة و16 سنة، يقول لك يجتهد ويؤلف كتاباً ويفتي ويخالف الأئمة الأربعة الذين خالفوا السنة. فهل هم معصومون؟ أقول له: والله العظيم عن فهمك معصوم، وأحلف لك: عن فهمك معصوم. معصوم عن دماغك، عن عقلك، عن فهمك. والله معصوم، عصمه الله عن ذلك.

يقول لك: "أُخذ على الكبار أحلام"؛ يعني المعاصرون، عشان يقول لك يبقى أُخذ على الكبار أحلام. أحلام؟ لا، أقول لا يؤخذ، بس أنك توصل للماخذ عليهم هذه حاجات المجتمع لم يصل لها بعد، مجتمع الشعر لم يصل لها أن يتكلم فيها، وبالمناسبة لي مواقف كهذه أعرفها، لكن لا يليق لأنهم لن يفهموها أصلاً، سيقول هي منطق لم يستطع عقل العمل فيها، فيفكر فيها، خلاص.

دقيقة جداً جداً، لكن انظر هنا الترتيب: «ولو ثقفاها درجت من دمائها كما جللت نضو القرام الرجائز». عرفتم لماذا؟ ماذا قالوا؟ القصيدة سبعة أبيات، والبيت شديد، والبيت شديد: «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية ... فصدت وقد كادت بشرج تجاوز». و«صدت صدوداً وهمت بورد القنتين فصدها»، هذه المرة صدها، «وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز».

«وصدت صدوداً عن ذريعة عثب ... ولأبني غمار في الصدور حزائز»، «ولو ثقفاها درجت من دمائها». شوف يا عم خالد الشيباني، هو هذا الاختصار وتكتيم المعاني في الشعر: «ولو ثقفاها درجت من دمائها»، يعني قتلاها وفعل كذا وسعد بها سعد، هو يحكي عن احتفال واحتفاء.

«ولو ثقفاها درجت من دمائها كما جللت نضو القرام الرجائز، وحلاها عن ذي الاراكه عامر أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح». شكراً، تسلم يدك، رضي الله عنكم. «ولو ثقفاها درجت من دمائها»، هذه خطيرة، من 60 في 70: «ولو ثقفاها درجت من دمائها كما جللت نضو القرام الرجائز، وحلاها عن ذي الاراكه عامر أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح».

«حلاها» أي منعها وحجزها، و«ذو الاراكه» موضع ماء من اليمامة لبني عجل، قالوا هو موضع ماء من اليمامة لبني عجل، و«عامر» قانص مشهور، قالوا كان من أرمى الناس وحتى إنه سمي بالرامي، وبالمناسبة قيل كان شاعراً أيضاً. و«آل الخضر»، الخضر هم من ولد مالك بن طريف من قيس عيلان، سموا بذلك لشدة سمرتهم، والخضرة في الناس هي السمرة.

و«النواحز»، قالوا هي الإبل التي بها نحاز، داء يصيب الإبل أو الناقة تكون ناحزة، مرض يقال فيه النحاس، داء يصيب الإبل في رئتها فتظل تسعل شديداً. قالوا كانوا يكوونها في جنوبها وأصول أعناقها في مواضع دقيقة، إذا أصابوها شفيت من هذا المرض، من النحاس الذي هو داء يصيب الرئة فتسعل، قالوا يكوونها في جنوبها وفي أصول أعناقها، يعني قاعدة العنق أو بطن العنق في مناطق معينة، مواطن معينة، قالوا إذا أصابوها بالكي شفيت، وهي مواطن دقيقة جداً.

«أخو الخضر» أيها الإخوة هو شخصية حقيقية مترجمة في الصحابة. هنا بعض الإعراب الضروري في البيت: «طعن المبيطر إذ يشفي من العضد». هنا بعض الإعراب ضروري في هذا البيت، «أخو الخضر» يا إخوة هو عطف بيان أو بدل، «وحلاها عن ذي الاراكه عامر أخو الخضر»، فهو أخو الخضر عطف بيان أو بدل من عامر.

وجملة «يرمي حيث تكوى النواح» جملة استئنافية لا محل لها من الإعراب، ولا يصح أن تكون حالاً من «أخو الخضر» كما لا يخفى سببه؛ لأنه سيكون المعنى: وحلاها عن ذي الاراكه عامر أخو الخضر يرمي، أي حال كونه يرمي، طبعاً هذا عبط، هذا اسمه عبط. عارفين معنى عبط؟ لو قلت إن عبارة «يرمي حيث تكوى النواح» عبارة حالية من «أخو الخضر» فهذا يساوي عبطاً، المعنى: حلاها عن ذي الاراكه عامر حال كونه يرمي حيث تكوى النواح، يعني أصابها، خلاص وهذا غلط.

لا تصلح نعتاً يا ولدي، لا تصلح. أفيقوا، هل تصلح العبارة نعتاً يا إخوة؟ هل تصلح النعت؟ صحصح معي، ما ينفعش يا مولانا، هل تصلح نعتاً؟ العبارة «يرمي حيث تكوى النواح»، هل تصلح نعتاً لأخ الخضر؟ ولماذا نقول إنها في معنى الكذا وفي معنى المعرفة؟ لماذا لا نقول إنها عبارة مستقلة لا موقع لها من الإعراب، استئنافية؟ أنت تخبر عنه، أنت تريد أن تقول إنها في معنى الرامي حيث تكوى النواح، ولكن لو أنك استأنفت بها رفعت شرف المعنى: «أخو الخضر الرامي حيث تكوى النواح»، أنتم تريدون هذا، «أخو الخضر» وكأنك قلت «يرمي حيث تكوى النواح»، هذا وجه على تأويل بمعنى «الرامي حيث تكوى النواح».

سأوضح الآن لماذا. أريد أن أنبه على شيء في الإعراب كان في ذهني، قوله «حيث» هنا يا إخوة، «حيث» هنا اسم مفعول به وليس ظرفاً، «يرمي حيث تكوى»، ليس ظرفاً كما قد يظن البعض لأن المقصود به المكان الذي يقع عليه الرمي، يعني الذي يُرمى وليس المكان الذي يقع فيه الرمي، فالكلام فيه مفعول به، «يرمي حيث»، فهذا اسم، فهمتم؟ هذا اسم مفعول به، «يرمي حيث» يعني يرمي هذا.

كأنه قال يرمي موضِع الكي، فحيث هنا اسم مفعول به وليس ظرفاً كما قد يظن الأوائل.

ترون هنا الصورة الأخيرة؛ اختلف الفاعل الظاهر، وإن كان الفعل يؤول في الأخير إلى ماذا؟ إليها هي التي تمتنع حلاها، هي التي حلاها. في الأول الحمار الوحشي استذكى عليها، ثم صدت، ثم مرت فصدت، ففهمت فصدها، فصدت صدوداً فحلاها. وحلاها عن ذي الأراك، ومعنى حلاها يعني منعها شديداً.

وقلت لكم كلمة: حلاها هنا سرها خطير؛ لأنه لم يحلها ولم يمنعها في الحقيقة لأنه يريدها، وإنما امتنعت هي عنه شديداً لما تعلم منه، فصار كأنه هو حلاها. فكل ما يأتي بعد ذلك من حديث هذا الصياد ومن حديث قوسه هو في الأخير لماذا؟ صدت عنه وامتنعت حتى كأنه حلاها.

نعم، ذو الأراك موضع كما قلنا للماء، بلغته بعد لائي وسفر طويل، ولهذا قدمه. ألا ترى القدر الذي مشت به؟ وبعد ذلك سيأتي قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْمَاءَ قَدْ حَالَ دُونَهُ زَعَافٌ﴾. يقول وحلاها عن ذي الأراك، يعني بعدما مشت كل هذا وصد عن ذريعة عثب ولابني غمار، كل هذه مواضع العرب يعرفونها، يعرفون المسافات التي مشتها ونحن نعرفها بنسق الشعر.

بعد كل هذا حلاها عن ذي الأراك عامر. لأنك هنا طبيعي ستسأل: لماذا قدم ذي الأراك؟ أو «عن ذي الأراك»؛ لماذا لم يقل وحلاها عامر عن ذي الأراك؟ لو قلت وحلاها عامر عن ذي الأراك فأنت صرت تتحدث عن المكان حديثاً عادياً لم يهمك أن تشير أو لا، يعني لا يعنيك أن تشير إلى أنها بلغته بعد شق الأنفس وبعد كذا وكذا فبلغت إلى هذا المكان.

لا، الشاعر يريد أن يقول لك كان ينبغي أن تشرب بعد كل هذا، ومع ذلك حلاها عن ذي الأراك عامر. ألا تراه سيقول في آخر القصيدة: ﴿فَلَمَّا اسْتَغَاثَتْ﴾، وسيقول: «أغدونا غدونا له سَرع الخدود»، وكيف أنها شربت: «نهلن بمدان من الليل موهناً على عجل، وللفريص هزاهز، رغم الخوف تشرب وهن إلى وحشيهن كوارز». فالموضوع كبير هنا.

حلاها عن ذي الأراك عامر، رضي الله عنكم، وحلاها عن ذي الأراك عامر أخو الخضر. كما قلنا ذو الأراك موضع للماء بلغته بعد لائي وسفر طويل، ولهذا قدمه: «حلاها عن ذي الأراك»، ثم أفرغ الكلام لعامر؛ ففي الأول سماه عامر وترك ذكر كنيته، ثم حرك: «وحلاها عن ذي الأراك عامرٌ أخو الخضر».

أخو الخضر، وهي طريقة العرب؛ أخو فلان، أخو الخضر، يعني كأنه من سطوتهم ومن ممثليهم ومن أشرافهم. ومن هنا كان وجه البدلية هو المختار عندي، ليس عطف البيان؛ لأن عطف البيان سيكون يظهر أن ما انقصدته بقولي عامر، لكن البدلية تكون على نية إعادة العامل، فكأنه قال: وحلاها عامر، حلاها أخو الخضر، كأنه أعاد الكلام. فالبدلية هنا أشد فيما يظهر لأن فيها هذا الوجه، لأن فيها الاكتفاء بالبدل وهو ما يتناسب مع الوصف على طريقة العرب: «بأخي الخضر».

لما اشتد هكذا، هذا ناسب أن يكون وجه البدلية. ثم استأنف الكلام عن أخي الخضر بعبارة خبرية تستقل في بنائها ولا موقع لها من الإعراب، فقال: «يرمي حيث تكوى النواح». قلت سأشرح لماذا أقول هي استئنافية؛ لو قلتم: «يرمي» وأولتموها الرامي، يعني أخو الخضر الرامي حيث تكوى النواح، هذا وجه قد يُعتبر، لكن تخيلوا أن تكون العبارة المنفصلة التي هي مستأنفة تفسيراً لأخي الخضر.

وحلاها عن ذي الأراك عامر أخو الخضر، ثم كأنه -افترض السؤال- يرمي يعني ماذا يفعل؟ لماذا قلت أخو الخضر الذين هم قوم من الرماة وكذا أو مشهورون بالرمي، فقلت: يرمي؟ كأنك تعلل لماذا ذكرته وخصصته: «يرمي حيث تكوى النواح».

وصلت يا خالد الشيباني. لماذا كان هذا الوجه خيراً من وجه النعتية؟ في الأخير هي فكرة تعاطف مع النظم، مع نظم الكلام وشعور بالمعنى، وبقدر ما عندك من الوجوه التي أخذتها خبرة من الشعر تستطيع أن ترى الوجه المناسب أو الصحيح. «وحلاها عن ذي الأراك عامر أخو الخضر يرمي»، يا سلام! شوف يحكي، «يرمي حيث تكوى النواح» بالضبط كأنها تفسير.

هذا ما شعرت به، أيوه كأنها جملة اعتراضية، أحسنت. ستقول كأنها جواب سؤال مقدر في النفس إثر قوله «أخو الخضر»، ستقول ربما غير هذا، لكن أنت في الأخير ستنضج الشعور في نفسك وتعبر به أو عنه. طبعاً الاستئناف بليغ هنا: «وحلاها عن ذي الأراك عامر أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح»، بخلاف «أخو الخضر الرامي حيث تكوى النواح». فالإخبار والتفسير بكلام من جديد فيه إذهال، فيه إبهار.

أنا اخترت وجه الاستئناف. استأنف الكلام عن أخي الخضر بعبارة خبرية تفسيرية تستقل في بنائها، وكما ذهبت إلى أنها لا موقع لها من الإعراب، فقال: «يرمي حيث تكوى». «يرمي حيث»؛ هذا مفعول به، يرمي حيث تكوى النواح.

خذوا هذا، ترونه هنا قد شبّه الرامي بالطبيب في تشبيه غير صريح، وقياس ناعم غير مقسم الأجزاء؛ لأنه يقول يرمي حيث تكوى، من يكوي الطبيب الذي يعالج الناقض؟ فترونه شبّه الرامي بالطبيب، ويا سلام على ذكر الطبيب في القتل: «أن تغدو في دون القناعة فإنني طبٌّ بأخذ الفارس المستئم»، طب يعني خبير. فبعضها من بعض، فشبه الرامي بالطبيب في تشبيه غير صريح وقياس ناعم غير مقسم الأجزاء؛ فالذي يرمي ليقتل كالذي يكوي ليشفي، نفس الدقة. لأن الأصل يا إخوة في الرمي أنه يرمي في مقتل، الذي يريد أن يقتل يهمه أن يخترق الأحشاء، أن يخترق الصدر، أن يخترق البطن، أن يخترق الدماغ، أن يخترق مقتلاً، أي لا يشوي.

ألا يرمي؟ يقول رماه فاشوى أو فاشواه، يعني أصاب أطرافه ولم يصبه في مقتل. فهو هنا يريد الإصابة في المقاتل، في الأحشاء، وإذا رميت في أي مقتل. لكن هذا كالطبيب حتى في القتل، مع اتساع مساحة القتل، لا، هو يصيب كالطبيب، كالطبيب.

فالذي يرمي هنا كالذي يكوي، والذي يرمي هنا عامر الصائد، الذي يرمي هنا هو عامر الصائد، والذي يكون هو الطبيب الذي يعالج في نفس الوقت. والنواحز التي أتقن عامر رميها كما أتقن الطبيب كيها، هي مواضع الشفاء الدقيقة التي صارت مواطن للقتل دقيقة بعدما صار الصائد طبيبًا لدقته في الإصابة؛ هذا معنى التشبيه.

الذي يرمي كالذي يكوي، وعامر هنا الصائد صار هو الطبيب الذي يعالج. فسبحان الله أن يقول لك الذي يرمي للقتل كأنه الذي يكوي للشفاء، والذي يرمي يرمي من بعيد والذي يكوي يكوي من قرب، فأصابته أدق. يرمي من بعيد، ماذا يرمي؟ يرمي حيث تُكوى النواحز، يرمي المكان الذي تُكوى فيه الإبل، النواحز المصابة بالنحاز، يرمي حيث تُكوى النوق المريضة، يرمي الموضع الذي تُكوى فيه النواحز.

وحلاها عن ذي الأراك، يعني بعد ما أردت أن تشرب، حلاها خافت ارتعبت. متى عن ذي الأراك؟ انظر الإشارة في المعنى في كل لفظه؛ "وحلاها" أرعبها، حتى كان هو الذي صدها وأبعدها، حلاها عن ذي الأراك. عامر أخو الخضر، يرمي حيث تُكوى النواحز، ولذلك هي تخاف منه، واضح أن له قصة نشرع فيها غدًا إن شاء الله.

ونكتفي يا إخوة اليوم، أنا حددت هذه الأبيات، والله هذا من أمدح الأبيات، حتى لو ما قصد، في "يرمي حيث تكوى النواحز". شكرًا أيها الأحباب، لكم وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عمتم صباحًا ومساءً.