السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام. أرجو أيها الإخوة طمأنتي إلى سلامة البث واستقراره صوتاً وصورة من بعد إذنكم. أرجو طمأنتي إلى سلامة البث، واضحان، يبدوان جيدين كذلك، نعم، الحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد.
هذا مجلسنا الرابع من مجالسنا في شرح زائية الشماخ بن ضرار:
عفا بطن قو من سليما فالعالز ... فذات الغضى فالمشرفات النواشز فكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارض ومرتبة لا يستقال بها الردى ... تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز وأو جاء مجذام وأمر صريمة ... تركت بها الشك الذي هو عاجز كأن قدودي فوق جأب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز تواظمها في بيضة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشعريين الأماعز فظلت بيمؤد كأن عيونها ... إلى الشمس هل تدنو ركي النواكز لهن صليل ينتظرن قضاءه ... بضاحي عذاة أمره وهو ضامز فلما رأينا الورد منه صريمة ... مضينا ولاقاهن خل مجاوز ولما رأى الإظلام بادره بها ... كما بادر الخصم اللجوج المحافظ ويممها من بطن ذر من بطن ذروة رمة ... ومن دونها من رحرحان عليها الدجى مستنشآت ... كأنها هوادج مشدود عليها الجزا تفادى إذا استذكر عليها وتتقي ... كما تتقي الفحل المخاض الجوامز ومرت بأعلى ذي الأراك عشية ... فصدت وقد كادت بشرج تجاوز وهمت بورد القنتين فصدها ... حوامل كراع والقنان اللواهز وصدت سدودا عن ذريعة عثلب ... ولابني غمار في الصدور حزائز ولو ثقفها ضرجت من دمائها ... كما جللت مضوى الكرام الرجائز وحلاها عن ذي الأراكة عامر ... أخو الخضري يرمي حيث تكوى النواحز قليل التلاد غير قوس وأسهم ... كأن الذي يرمي من الوحش تارز مطلا بزرق ما يداوى رميها ... وصفراء من نبع عليها الجلائز تخيرها القواس من فرع ضالة ... لها شذب من دونها وحواجز نمت في مكان واستوت به ... وما دونها من غيلها متلاحظ فما زال ينجو كل رطب ويابس ... وينغل حتى نالها وهو بارز فأنحى عليها ذات حد غرابها ... عدو لأوساط العضاه مشارز فلما اطمأنت في يديه رأى غنى ... أحاط به وزور عما يحاوز فمضغها عامين ما لحائها ... وينظر منها أيها هو غامز أقام الثقاف والطريدة ضرأها ... كما قوم الضغن الشموس مهامز فوافى بها أهل المواسم فانبرى ... لها بيع يغلي بها السوم رائز فقال له هل تشتريها ... تباع بما بيعت تلاد الحرائز فقال إزار شرعبي وأربع من السيراء ... أو أواقي نواجز ثمان من الكيري حمر كأنها ... من الجمر ما ذكى على النار خابز وبردان من خال وتسعين درهما ... ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز فظل يناجي نفسه وأميرها ... أيأتي الذي يعطى بها أم يجاوز فقالوا له بايع أخاك ولا يكن ... لك اليوم عن ربح من البيع لاهز فلما شراها فاضت العين عبرة ... وفي الصدر حزاز من الوجد حامز وذاق فأعطته من اللين جانبا ... كفى ولها أن يغرق السهم حاجز إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها ... وأريغ منها أسلمته النواقز كأن عليها زعفرانا تميره ... خوازن عطار يمان كوانز إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت ... حبيرا ولم تدرج عليها المعاوز فلما رأينا الماء قد حال دونه ... زعاف لدى جنب الشريعة كارس شككنا بأحساء الذناب على هدى ... كما تابعت سرد العنان الخوارس ولما استغاثت والهوادي عيونها ... من الرهب قبل والنفوس نواشز فألقي بأيديها وخاضت صدورها ... وهن إلى وحشيهن كوارس نهلنا بمدان من الماء موهنا ... على عجل وللفريس هزاهز غدونا له سعر الخدود كما غدت ... على ماء يمؤد الدلاء النواهز يحشرجها طورا وطورا كأنما ... له بالرغاما والخياشيم جارس ولما دعاها من أباطح واسط ... دوائر لم تضرب عليها الجرامز حذاها من الصيداء نعلا طراقها ... حوامل كراع المؤيدات العشاوذ فأقبلها نجاد قوين وانتحت ... بها طرق كأنهن نحائز حداها برجع من نهاق كأنه ... بما رد الأحياء إلى الجوف راجز فأوردهن المور مور حمامة ... على كل إجريائها هو رائز يكلفها طورًا مداه إذا التوى ... به الورد واعوجت عليه المجاوز محام على عوراتها لا يروعها ... خيال ولا رامي الوحوش المناهز فأصبح فوق النشز نشز حمامة ... له مرقد في مستوي الأرض بارز وظلت تفالى باليفاع كأنها ... رماح نحاها وجهة الريح راكز
أظن أنه لا حجة بعد ذلك في عدم حفظ القصيدة كل مجلس إلى أن ننتهي من الشرح، فأنشدها لكم كاملة من الصدر حتى لا يقال صعبة، وكذا حتى التكرار يعلم ويحفظ الشطار. التكرار يحفظ الشطار، وبلاش "الشطار" دي مصرية مش حلوة، الشاطر، اللص، الأبرار. يلا خلينا نخش في الشرح ونستعين بالله تعالى.
شرحنا ثمانية أبيات شرحتها لكم في المرة الماضية إلى البيت الثامن:
عفا بطن قو من سليما فالعالز ... فذات الغضى فالمشرفات النواشز فكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارض ومرتبة لا يستقال بها الردى ... تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز وعوجاء مجذام وأمر صريمة ... تركت بها الشك الذي هو عاجز كأن قدودي فوق جأب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشعريين الأماعز فظلت بيمؤد كأن عيونها ... إلى الشمس هل تدنو ركي النواكز لهن صليل ينتظرن قضاءه ... بضاحي عذاة أمره وهو ضامز
حتى يتصل تذكر هذا الحمار الجأب الذي يشبه به ناقته؛ طوى ظمأها في بيضة القيظ، فهو يرمي من وراء ذلك إلى علة، طوى ظمأها في بيضة القيظ فهو يرمي إلى علة من ذلك، ويلتقي هذا مع قوله "وهو ضامز". هناك شيء في نفس هذا الجأب، ومن أول هذه الأبيات إلى آخر القصيدة، هناك شيء في نفس هذا الجأب هو الذي في نفس ناقته ونفس صاحبها.
"لهن صليل"، وحدثتكم عن الجملة الحالية وما متعلق الحال في "ينتظرن قضاءه"، وعلقتها بما في البيت من الضمير في "لهن"، أي: لهن صليل حال كونهن ينتظرن قضاءه، أو: لهن صليل وهن ينتظرن قضاءه. "أمره بضاحي عذاة"؛ بضاحي عذاة موضع لا ماء فيه، موضع ناءٍ مصحر.
"فلما رأين الورد منه صارمة مضينا، ولاقاهن خل مجاوز". الخل أيها الإخوة هو الطريق النافذ بين الرمال المتراكمة، يعني رمال، جبال من الرمال المتراكمة بينها طريق ضيق نافذ، هذا يسمى الخل. ومعنى مجاوز أي أنه مع تراكمه وتقاربه في الرمال وأنه خط رفيع هو نافذ، له نفاذ.
هذا معنى مجاوز، يعني يخلص إلى غيره، فهو له نفاذ، فله نفاذ.
والصريمة كما مر معنا؛ وأمر صريمة هي العزيمة وإحكام الأمر كما مر، يقال أمر صريم أي معتزم، وصريمة يعني عزيمة مقطوعة. وهنا تعلم الفرق بين الصريمة والعزيمة من أصل اللغة؛ فالصرم هو القطع، ومن هنا جاء لفظ الصريم، في قطعة الرمل التي اقتطعت أو اقتطعتها الرياح من قطعة أخرى أو من جبال كبيرة.
يقول زهير بن أبي سلمى لله دره: وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله غدوت عليه بكرة فرأيته ... قعودًا لديه بالصريم عواذله
يعني بقطعة الرمل، والصريم هنا على زنة فعيل بمعنى مصرومة. ومن هنا جاءت العزيمة بمعنى، أو إذا عبر عنها بالصريمة لأنها مقطوعة. ما الفرق بين العزيمة والعزم؟ العزم ما عزم عليه الإنسان، أما الصريمة ففيها إيحاء باقتطاع الأمر، يعني ليس الهم الذي في العزيمة فقط، وإنما فيه تأكيد بأن الأمر قُطع، قُطع من نفسه فخرج عن اللجاج وعن الحيرة وعن حديث النفس، فأصبحت كالصريم.
والصريم هنا يدخل في معانٍ كثيرة بسبب مادة (ص ر م)، الصرم يدخل في أشياء كثيرة، فأنت تقول على الجزمة صارمة؛ لأنها مقطوعة من جلد، وهي جزمة لأنها جُزمت أي قُطعت. فأمر صريمة يعني أمر مصروم، أي مقطوع من النفس، عزم عليه فصَل من نفسه، يعني النفس لا تعيد الفكرة فيه، فهو صريم.
ولهذا قال: «فلما رأينا الورد منه صريمة»، يعني فقط لما رأيناه رأينا الورد، والورد يعني الورود على الماء، سيتحرك بهم إلى الماء، رأوه صريمةً يعني عزيمةً قُطعت من نفسه. كان قبل ذلك في البيت السابق وهو ضامز، لكن رأينا الهم منه وعلمنا أن الورد صريمة. هذا هو معنى الصريمة هنا، يعني العزيمة وانفصال الأمر من النفس والقطع؛ قَطَعَه عن النفس، وهذا بات منتهياً، حتى كلمة «بات» مقطوعٌ به، صريمة بات مقطوع.
هذا هو الفرق الذي تشعر به أولاً قبل أن تراجعه في المعاجم، بينه وبين العزيمة؛ فهما يطلقان على شيء واحد، لكن لابد أن تفهم لماذا كان اختيار الشاعر لصريمة ولم يأتِ بعزيمة؟ الشاعر يختار، وقضية المترادفات هي أنه لا يوجد ترادف مطلق، وإنما الشاعر يختار؛ حتى في السيوف يعلم متى يختار الهندواني ومتى يختار الهندي، ومتى يختار البيض أو الأبيض، وهكذا يعلم متى يقول الشمس ومتى يقول الذكاء.
فالورد هو ورود الماء، والخل هو الطريق الذي يكون بين كثبان الرمال، والمجاوز يعني نافذ له نفاذ، فالخل هو الطريق الذي يتخلل في خط وفي مرور دقيق بين الرمال المتراكمة، والمجاوز الذي له نفاذ.
أول شيء تعجب منه لهذا الشاعر في ترتيب الأبيات، لأن الحديث في ترتيب الأبيات هو حديث في صلب النقد والشعر، بمناسبة ترتيب الأبيات ووجود شيء بعد شيء وفي ابتناء الأبيات على بعضها؛ لأن هذا له أثر في بناء البيت من داخله. فأنت تراه هنا يقول: «فلما رأينا الورد منه صريمة»، ثم تراه يقول: «ولما رأى الإظلام بادره بها».
وأنت عندك الأصل ماذا؟ أن يبدأ بحديث الجأب فيقول: «ولما رأى الإظلام بادره بها» ثم «ولما رأينا الورد منه صريمة»، أم على الوجه الموجود الآن؟ ما الذي يبادر إلى ذهنك في الترتيب المعهود للكلام بقطع النظر عن الشعر؟ فعل الجأب أم فعل الأتن؟ الأصل أن يقول في الترتيب الذي تريدون: «فلما رأى الإظلام بادره بها كما بادر الخصم اللجوج المحافظ، ولما رأينا الورد منه صريمة مضينا ولاقاهن خل مجاوز».
ولكنه هنا تراه ذكر الأتن أولاً؛ لماذا؟ بدأ بها ليتماشى مع خفتها وعجلتها، لأن الحديث كان عنها: لهن صليل ينتظرن قضاءه ... بضاحي عذات أمره وهو ضامز
فما نجاتها وخلاصها؟ هذه التي فيها الخفة والعجلة، فجعل «فلما رأينا الورد منه صريمة» ليجعلك بعد ذلك أنت تتساءل وماذا عنه؟ فيرجع بك في الزمن وليس العكس، وهذا من التشعيث في الشعر.
فهو أخذك من الأتن وجعلك تتساءل عن فعله، كأنه يقول: أنا الآن معك في حديث الأتن؛ «لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذاة أمره وهو ضامز»، فأنت مع الأتن تسأل: وإلى متى؟ وما شأنها؟ «فلما رأينا الورد منه صريمة»، فكأنك قلت: أنا تركته وهو ضامز، أي ساكت تحت الهجير، تحت لواهب الشمس، ضامز ساكت وساكن وملموم.
فماذا فعل؟ فحكى لك. ومن هنا تفهم قيمة الواو في البيت التالي: «ولما رأى الإظلام بادره بها»، يعني كأنك إذا كنت تسأل عن فعله الذي فعله لما رأينا الورد منه صريمة، فإنه حين رأى الإظلام بادره بها، هذا ما فعله. والشعر لمح تكفي إشارته، وليس بالهذر طولت خطبه؛ هذا مضمر بين البيتين يا أبا قيس، أنت الذي لم تعرفه.
أرعني سمعك، أيقظ حسك، شغل اللاقط للغة والدلالة؛ «لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره وهو ضامز»، كأنه تمادى في وصفها، فأنت تقول: أنا تركته ضامزاً فما حصل؟ «ولما رأى الإظلام بادره بها». والبيت التالي يأتي على عكس ما قد تشك أنت فيه في الأول، فتقول المفروض يكون الحمار ثم الأتن، لكنه لا يحكي لك ولا يقدم برنامج «ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي» لترى الأحداث كما هي على الشاشة، هو يلعب بمشاعرك، يستنفر مشاعرك، وهذا يدخل في مكر الشعراء؛ هذه هي العلة في تقدمة فعلها مع أنه متأخر عن فعله، وفسر لك فعله متأخراً.
وحتى تعلموا أن الشعر العالي...
يصل إلى 40 الحضور وينزل، أي بعد الـ 30 والـ 40، ونحن نتكلم في هذه الدلالات الرهيفة الدقيقة. اذهبوا إلى تفاهات يتشأ بها من لا رائحة لديه لقريحة الشعر، من لا يحمل منها مثقال ذرة، وترى التفاعل بالآلاف، ثم يحتجون لهذا أو يحتجون بهذا للنصوص أنها جيدة. أقول: انظر، بيتان أو ثلاثة أبيات جاءت بأكثر من 4800 تفاعل، وكاتبها جاب! عجيب! وترى إنسانًا آخر يخرج، أردت بالجاب هنا الشديد، أي شديد بها، وترى إنسانًا آخر يخرج يحتج له بهذه الكثرة الجماهيرية، شعره رائع، لماذا أتى بـ 5000 أو 6000 تفاعل؟
ها نحن نعيش معه الشماخ بن ضرار وهو يطبق، والشعر لمحة تكفي إشارته وليس بالهذر، طولت خطبته وأمامنا 38 حاضرًا، وأنتم في هذه الدقة. والشعر لمحة تكفي إشارته، فلذلك يمكنكم إذا أردتم أن تشفقوا على الناس، إذا تحدثتم قولوا لهم: كونوا كما تشاؤون فيما تريدون، لكن الشعر شيء آخر.
فلما رأينا الورد منه صريمة، مضينا. أول ما يقابلك في هذا البيت الفاء التي تشدك، أو تشد لك ما في هذا البيت إلى ما سبق.
تواظم أها في بيضة القيظ بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز. فظلت بيمؤد كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو رقي النواكز. لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره وهو ضامز.
فلما رأينا الورد منه صريمة مضينا. أول ما يقابلك في هذا البيت الفاء التي تشدك، كأنها تقول لك وهنا نهاية ما كان، خلاص، نهاية ما تسأل عن نهايته في نفسك؛ فلما رأينا. لو أتى بالواو، أنت ربما -الذي لا ينشغل بالشعر العالي كهذا الشعر- يقول لك ما المشكلة؟ ولما رأينا عادي، بيحكي أحداثًا، ما هو صحيح في جذر المعنى وأصله ومحصول المعنى وذاته صحيح.
لكن: «لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره وهو ضامزه، ولما رأينا الورد منه صريمة مضينا». لقد ساويت بين الإخبار وبين «ولما رأينا الورد منه صريمة مضينا»، حيث حصل لهن صليل فظلت بيمؤد، ولكن لما رأينا الورد حكاية حكاية. إنما الفاء رتبت الكلام على ما قبله، كأن أقول لك فانتهينا، فلما رأينا الورد منه صريمة، خلاص، خلص الذي فات. وليس أنه يحكي الأحداث من باب السرد وتساويها، رأيتم الفرق بين الفاء والواو هنا؟ أهل زماننا تقول له لو أتى بالواو يقول لك قريبة شغالة، هي شغالة عندك بس مش عند الشاعر ولا عند النقاد.
لماذا قال «صريمة»؟ لم يقل الشاعر هنا فلما رأينا سيره، أو مضاءه، أو وروده، بل رأينا العزيمة والقطع والبت في الورد. وهذا معناه أنهن أسرعن في المضى لمجرد أن رأينا منه إشارة تدل على بته في الأمر، وليس أنه مضى بالفعل. وهذا طب ما فائدته؟ يكشف لك عن الحال التي صارت إليها الأتن.
أما قوله: «ولاقاهن خل مجاوز»، الآن لو سمحت أرهف حسك وأوقظ ذهنك. قوله «ولاقاهن خل مجاوز» هذا من العبارات الإشارية العجيبة، من الإشارات التي قل لفظها وعظمت وبعدت دلالتها. شرح ذلك أن الخل، ما هو الخل كما قلنا؟ الطريق الضيق الذي يتخلل بين الرمال المتراكمة. فكونه خلًا يحمل صفة الصعوبة والمنع والمشقة على السلوك فيه، هو طريق ضيق بين الرمال يوشك أن يذهب.
وأما كونه مجاوزًا «ولاقاهن خل مجاوز»، فما معنى خل مجاوز؟ مجاوز هنا يعني نافذ يمر، هو خل ضيق لكن نافذ. فإذا كان كونه خلًا يحمل صفة الضيق والصعوبة والمشقة في السلوك، فكونه مجاورًا يحمل صفة الإغراء بالرجاء؛ هو مضيق متخلل ولكنه نافذ مطمع، هو مضيق عسر ولكنه نافذ مطمع. وهنا يريد الشاعر أن الحمر اندفعت نحو طريق عسير، ولكنه نافذ لا ينقطع عنه أمل المرور منه.
اسمع وركز لأن هذا الكلام كبير، هذا سيدك الشماخ. «ولاقاهن خل مجاوز»، أيها الشاعر ماذا تريد أن تقول؟ أنت قلت خل، فاعل، مجاوز، صفة ونعت؛ فأنت دللت بالفاعل على شيء هو في أصله صفة أيضًا، صفة للطريق المحذوف، وجئت بالصفة الصريحة هنا وقلت مجاوز، وهذه لو نظرت فيها فهي طباق خفي. فالشاعر يريد أن يقول إن هذه الحمر اندفعت نحو طريق عسير ضيق ولكنه مرهوب، فهي مشقة محتومة، مشقة مرجوة الثمرة، مشقة لكن لا تمتنع معها النجاة بالنفاذ إلى الورد.
ولم يكن، انظر هنا، لم يكن للأتن خيار في سلوكها. مما يدلك على صحة ما أقول أن الأتن لم يكن لها خيار في سلوكها، تعرف لماذا من لغة البيت؟ من يعرف لماذا من لغة البيت كانت الأتن لا خيار لها في سلوكها؟ اسأل وشغل دماغك.
أحسنت يا محمود علي، قال: «لاقاهن»، أتى بالمجاز العقلي، الحكم الإسنادي. يعني أسند الملاقاة إلى الطريق، والحقيقة أنها هي الداخلة في الطريق، ولكن هذا مجاز كما يسميه عبد القاهر «المجاز الحكمي»، ويسمى بالمجاز العقلي أو الإسنادي. أسند هنا الملاقاة إلى ماذا؟ أسند الملاقاة إلى الطريق، هو الذي لاقاهن، لم تلقه الأتن، الأصل أنها هي التي لقيت، هي التي تحركت ومشت، لكنه جعل الطريق هو الذي لاقى، وكأن الفعل منه حتى لا خيار لها، هذا قدرها. من الذي لاقاهن؟ خل مجاوز، لم يلقاها غيره.
أخونا خالد الشيباني يقترح أن الطريق ليس بين رمال بل بين صخور وجبال، فيكون هذا الطريق مرهوبًا لأن ربما يكون بين الصخور والجبال صيادون. يراجع ذلك لغة؛ أنا الذي أحفظه أو أعرفه أن الخل طريق في الرمال، لا أقول هذا خطأ ما تقول به، لكن أقول يراجع. وهذا بالمناسبة مجاز معروف في الكلام، أنت لما تقول: «سرت فلقيني طريق».
أنت تريد أن تقول أنت لم تبحث عنه، هو لقيك مع أنك أنت الذاهب إليه، لكن تقول لقيني طريقاً، من باب أنك كذلك لقيني شاطئاً، أنك لم تتوجه إليه فكأنه هو الذي جاءك. أنت لم تقصد إليه ولم تختر أن تصل إليه وإنما صادفته، هذا هو.
ثم تأملت واو الاستئناف التي وصل بها، اختار الوصل فقال: فلما رأينا الورد منه صريمةً مضينا ولاقاهن خلٌ مجاوزُ
تأملت هذه الواو لأستكنه ما أردفت به بيان البيت، فوجدت أثرها عظيماً أيها الإخوة. هذه الواو وصل الكلام بها؛ فلما رأينا الورد منه صريمةً مضينا، ولاقاهن خلٌ مجاوز، كأنه يبدأ لك كلاماً جديداً يعطفه على الكلام الأول، فهذا باب وهذا باب. هو يفصل هذه الأبيات عن حالها الأول، فوصل لأجل أن يكون ما يأتي في الاستقلال والقيام بنفسه له حكم السابق. أنت ربما تفصل لتصل، وربما تصل لتفصل، باب الفصل والوصل.
فلما رأينا الورد منه صريمةً مضينا، ولاقاهن خلٌ مجاوز. شوف الكلام يا خالد قبل أن ينفلت، وشوف الكلام. ويا أخي منصور لما تقول خل بكسر الخاء لا بنصبها، ليقال بكسرها أو بفتحها، وليس بنصبها لأن النصب إعراب، وهذا حرف مبني، وليس الحرف الذي عليه علامة الإعراب. فيقال وإن كان عند بعض القدماء يستعمل غير هذا لكن على العكس في الإعراب، لكن الصواب بفتحها وليس بكسرها.
فلما رأينا الورد منه صريمةً مضينا، تعرف لو قال مثلاً: مضينا لاقاهن خلٌ مجاوز، لكن لما يأتي بمضينا على صيغة الماضي ويبدأ كلاماً جديداً ويعطفه على الأول ليعطيه حكمه في الاستقلال، ولاقاهن خلٌ مجاوز، فبدأ بذلك باباً جديداً ومعنى جديداً. عليك أن تتذوق، أن تشعر دلالة هذه الواو، بأن تجرب الكلام بها وبغيرها، وببديلها. لو قال مثلاً: مضينا فلاقاهن خلٌ مجاوز. تعالوا نستكنه الفرق بين إذا ما جاء بالواو وإذا ما جاء بالفاء.
مضينا ولاقاهن خلٌ مجاوز، ومضينا فلاقاهن خلٌ مجاوز. لو قال بالفاء فهو فقط يرتب الكلام على كلام أو يعقب بالكلام على الكلام، فيصبح الفعل داخلاً في صلة الأول. لكن لما استعمل الواو قال: مضينا ولاقاهن، عاطف كلاماً على كلام ليس بحكم إعرابي، بل استأنف كلاماً جديداً، كأنه يستقبل الآتي وأما الذي سبق فقد انقطع منه. وأنت ربما تفصل لتصل أو تصل لتفصل، باب الفصل والوصل غريب وعجيب.
فلما رأينا الورد منه صريمةً مضينا، ولاقاهن خلٌ مجاوز، لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذابه وهو ضامز. شوف أشعر ينبغي أن تشعر به في الواو؛ مضينا ولاقاهن خلٌ مجاوز، كلام جديد. ولو قال: مضينا فلاقاهن خل، لكان رتب الكلام على الكلام، فهل فهمتم الفرق يا شيباني؟ حسيت بالفرق بين الفاء والواو في تقدير الكلام الآتي تقديراً جديداً.
أخونا مصطفى يقول: الواو ربما يفهم منه طول الطريق، أنت كيف فهمته؟ لأن الواو بدأ بها كلاماً جديداً، فشعرت بأن الآتي فيه مشقة، وبما أنه طريق فهو طويل، وتأويل المشقة أن يكون الطريق طويلاً وخطيراً.
فلما رأينا الورد منه صريمةً مضينا، ولاقاهن خلٌ مجاوز. وطب، والـ ماذا؟ «ولما رأى الإظلام بادره بها، كما بادر الخصم اللجوج المحافز». طبعاً الحرف يا مولانا الشيخ خالد الدبيخي، الحرف لما يتغير يغير سياق الكلام ويغير غرضه أصلاً.
اللجوج هو المتمادى في الخصومة، والمستمر بها، والخصم اللجوج خلاص معروف، خصم شديد لجوج يتمادى في الخصومة. لكن بقي معنا المحافز؛ المحافز من الحفز، وأصل الحفز هو الحث والإعجال، حتى يقال حفزه. وللـحفز تمثلات، منها ما ذكروه هنا وهو المداناة والجثو، يقولون: حافزت الرجل أي جاثيته، أي جلس له وجثى عنده، وهذا هو الذي اختاره بعض الشراح هنا.
لكن له معانٍ أخرى، وهذا لم يستقم شعراً، لماذا؟ لأن الليل ليس شيئاً مجتمعاً ينتهي عنده الحمار كانتهاء الخصم إلى خصمه بحيث تنقطع حركته، فنقول إن المحافز هو المداني والمجافي. فالمداناة والجثو هو المراد هنا، لكن الليل ليس كذلك، فهذا يكاد يكون خطأً بيانياً في إقامة التشبيه. وهناك معانٍ أخرى يستقيم بها التشبيه، منها الاحتفاز في المشي، وهو الاحتثاث فيه والاجتهاد والإسراع. الخصم اللجوج المحافز، أي خصم يتتمادى في الاحتفاز، ومعنى الاحتفاز في المشي هنا هو الاجتهاد، وهذا يؤول إلى نوع من المسابقة أو المنافسة في لعبة أو قتال.
ومن هذه المعاني أيضاً معنى المحافظة، أي تقارب النفس في الصدر، وهذان المعنيان أدنى إلى استقامة التشبيه من تفسير المحافز بالجاثي، لأن الحمار إنما يبادر الليل بالتمادى بالسير فيه، وليس الليل شيئاً مجتمعاً ينتهي عنده الحمار كانتهاء الخصم إلى خصمه بحيث يجثو عنده وتنقطع حركته.
أحسنت، أختنا تقول: هذا يستقيم مع لفظة بادر حيث تقتضي الإسراع، نعم بادره كما بادر الخصم اللجوج المحافز، شخص يسابقك في عدو، ولكنه لجوج محافز، خصم لجوج تنقطع أنفاسه أو يحتفز في عدوه وسيره بالاحتفاظ والاجتهاد والإسراع، والله تعالى أعلم.
ولما رأى الإظلام بادره بها، كما بادر الخصم اللجوج المحافز، لا تنسى هو يتحدث عن ناقته. العطف بالواو يا إخوة في مطلع البيت، والمطابقة في اللفظ: «فلما رأينا الورد» و«ولما رأى الإظلام». يا أخي سبحان الله، عينها عليه؛ رأينا الورد منه صريمة، وهو رأى الإظلام لأنه يواجه الحياة، يواجه القيادة والريادة. رأينا الورد منه صريمة، وهو رأى الإظلام، كأنها تقول لك: لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذابه وهو ضامز.
رأينا الورد منه صريمة، منه هو. وكلمة «منه» فاتنا التنبيه عليها، منه هو، رأينا الورد منه، منه صريمة، وليس رأينا الورد صريمة عادي، منه صريمة، منه صريمة.
ولاقاهن خل مجاوز، أما هو فلما رأى الإظلام بادره بها، بادر الإظلام؛ أي أسرع بنفسه بها. وهذا تشعر فيه أنه قد تكون باء المصاحبة، لكن ما زلت أجد فيها ريح الآلة، كأنه يقول: رميته بها، بادرته بها، فكأنه ساقها، وبادر الليل بها؛ فباء الآلة أشمها، كأنه يقول: بادرته بها أو بالاستعانة، هناك معنى الاستعانة والآلية.
أحسنت يا محمد الهاشمي، يقول: أنا أيضًا ومش عارف أقولك جثة بلا هوية صراحة، كأنه يقول: أحسنت يا يحيى، كأنه طعن الليل بالقطن، يعني بادره بها، جعلها آلة أو استعان بها في المبادرة، أو جعلها آلة للمبادرة: «ولما رأى الإظلام بادره بها». طبعًا المعنى هذا ليس صريحًا، لكن في هذا الشعر تكفي إشارته، لمحة.
الفعل: «فلما رأينا» و«ولما رأى». موقع هذا البيت يا إخوة، ما سابقه؟ يحثك على التأمل؛ لأن البيت السابق إنما يحكي حالة الأتن، وهذا البيت يحكي حالة الحمار، وكلاهما بدأا بـ «لما»، ومجمل الحدث واحد. فكأنه يقول لك: أما الأتن فلما رأت العزيمة منه الصريمة تحركت، وأما الحمار فما شأنه؟ وما الذي فعله ورأته منه الأتن؟ شأنه أنه لما رأى أول الإظلام، بل الإظلام، سبق الإظلام، بسوق الأتن حيث يريد الورد، وذلك ليتحرك في أول الليل ويستتر بالظلام.
ألم يكن ضامزًا وقت سكون الشمس في كبد السماء؟ والأتن لهن صليل وينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره، كان ضامزًا، الآن بادر. ولهذا المتلقي اليقظ، متلقي الشعر الذي يسمع هذا بحس يقظ، سيتفطن إلى صلة قول الشاعر: «ولما رأى الإظلام بادره بها» بقوله قبلها: «تواظمها في بيضة القيد بعدما وظلت بيأمؤود، ولهن صليل ينتظرن قضاءه».
ولما رأى الإظلام بادره، حتى كأن هذه الواو عطفت على كل ما سبق، كأنها عطفت على كل ما سبق. يعني بعد كل هذا العذاب الذي ظل محتبسًا به وحابسا الأتن عليه، رأى الإظلام وبادره بها، وكان الإظلام صارمة، يعني عزيمة، وكان ضموزه من قبل أيضًا صارمة وعزيمة؛ حمار حكيم، هذه ناقته التي تحمله، تركت بها الشك الذي هو عاجز، رأيت الحمار الجأب الذي لا ينساق للشك ضامزًا، بادر.
والصارمة التي ذكرت هناك: «وأمر وعوجاء مجذام وأمر صريمة»، ذكرت هنا: «فلما رأينا الورد منه صريمة». الآن الورد صريمة، تركت بها الشك الذي هو عاجز، «ولما رأى الإظلام بادره» بعد أن كان ضامزًا. رأيتم التشبيه؟ ووحدت الغرض.
ولا يفوتك أن الشاعر قال: «الإظلام» ولم يقل «الظلام»؛ لأن كلمة الإظلام تأخذك إلى الفعل. ما الفرق بين الإظلام والظلام؟ لو رأى الظلام فأنت لا تدري في أي قطعة من الظلام وما مقداره، لكن هو يبادر فعلًا بفعل، رأى الإظلام، أي بدأ الظلام يدخل إظلامًا شيئًا فشيئًا، فبادر بها في أوله حتى يستتر مدة طويلة بالسير في الظلام.
أيضًا يوقفك رغما عنك قوله: «بادره بها»، جعل فعله كله في مواجهة الإظلام بالآلة؛ يعني هو الجأب الذي يرعاها ويقضي أمره فيها وينتظرن قضاءه، «فلما رأينا الورد منه صريمة، مضينا ولاقاهن خل مجاوز»، وطبعًا رحلة أقسى رحلة في البيت الذي معنا هي رحلة الخطر كما سيأتي، لكن الرحلة بدأت من أول: «مضينا ولاقاهن»، أما الحمار فـ: «ولما رأى الإظلام بادره بها كما بادر الخصم اللجوج المحافز».
«ويممها من بطن ذروة رمة، ومن دونها من رحرحان مفاوز». يمّمها يا إخوة، يعني وجهها وقصد بها، و«ذروة» قالوا: مكان هو جبال تمتد وليست شوامخ، أي ليست جبالًا شاهقة، وإنما هي جبال تمتد أفقيًا لكن ليست مرتفعة، هذه اسمها ذروة. «ويَمَّمَها من بطن ذروة رُمَّة»، قالوا رُمَّة أو الرُّمَّة: قاع تجتمع فيه أودية، هو ذهب بها إلى الرُّمَّة.
«ومن دونها من رَحْرَحَان مَفَاوِزُ». رَحْرَحَان قالوا: جبل كثير القِنَان، أي الرؤوس المدببة، «وقِنَانُهُ سود بينها فروج»، أي رؤوسه كثيرة بينها فروج، كأنها مجموعة جبال أو صخور لها قِنَان، والقِنَان جمع قِنّة. «ورَحْرَحَان» مكان، هو جبل واحد كثير القِنَان، «وأَسْفَلُهُ سَهْلٌ».
فالشاعر يقول: «ويَمَّمَها»، يعني وجهها وقصد بها، «من بطن ذروة رُمَّة»، هذا القاع الذي تجتمع فيه أودية المياه، «ومن دونها من رَحْرَحَان مَفَاوِزُ»، يعني ما بين بطن ذروة ورُمَّة هناك مفاوز، وهي صحاري مفتوحة، وهذا أول ما بدأ به رحلته ونجاته.
فقد استأنف وعطف كلامًا على كلام واختار وجه الوصل فقال: «ويَمَّمَهَا». لو رجعت إلى ترتيب الأحداث سترى أن الخل المجاوز غالبًا هو في طريقه إذ يَمَّمَهَا، لأنه قال: «يَمَّمَهَا» على الحمار، وهو سبق بذكر الأتن، «رأينا الورد منه صريمة مضينا ولاقاهن خل مجاوز»، فكيف مضينا ولما رأى الإظلام بادره بها ثم يمّمها من بطن ذروة رمة؟ فهو هنا يشرح المكان الذي يصلون إليه بالخل المجاور، يعني خطوط بين الجبال أو الرمال، وهذا ربما يؤيد كلام أخينا خالد الشيباني في ذكر الجبال وصخورها.
«ويممها من بطن ذروة رمة». تعرفون لو قطع الكلام وقال: «ويممها من بطن ذروة رمة»، لم يعطِ الكلام هذه العناية وهذا الفعل المستقل.
أخونا يحيى يقول: «الرحرح» عندنا الأرض الجبلية، اسمه «رحرحان» أهو، لغة جاهلية قديمة. «ويممها من بطن ذروة رمة، ومن دونها من رحرحان مفاوز». يقول: أخرجها قاصداً بها من بطن هذه الجبال ذروة، وسار بها إلى مجتمع تلك الأودية البعيدة رمة؛ فخرج بها من جبال إلى قاع، مكانان يتباعدان، أماكن خيرها ألفة للنظر منها، وأرغب في الظاهر منها، ولكنه يمّمها إلى رمة، وصدها عن هذه المفاوز.
وهذه الواو فيها خطورة هنا. ما معنى أن يقول: «ويممها من بطن ذروة...»، واو الحال أقصد في أثناء البيت: «ويممها من بطن ذروة رمة، ومن دونها من رحرحان مفاوز». كأنه يقول لك: والحال أنه من دونها من رحرحان مفاوز؛ يشير إلى أن هناك شيئاً يعلمه الحمار، وأن قرب هذه المفاوز لا يغريه. والعلة في هذا ستعرفها، سيفصلها في البيت التالي، لكن هو الآن يريد منك أن تفهم الإشارة إلى حكمة هذا الحمار الذي هو ناقته.
«ويممها من بطن ذروة رمة، ومن دونها من رحرحان مفاوز، يسلك بها الصعب». الشمّاخ بناقته، هو هنا جاء الذي كأنّ قدودي، الشمّاخ عليه وليس على الناقة. لازم تفهم، أنا أجتهد حتى تظلّ أنت معلّقاً، مدرّباً على استحضار الناقة إلى أن تفعل ذلك بنفسك، إن شاء الله. أنا قلت: سأجتهد في هذا الخط أن تظلّ مستحضراً معنى التشبيه، لا تنسَ: «كأنّ قدودي»، كلّ هذا داخل تحت «كأنّ». ما المشبّه؟ الناقة، فكلّ هذا معناه ذهب للناقة، لكن ليس بمعنى الصور والهيئات، وإنما محصول المعنى.
قلت لكم من قبل: التشبيه في هذا نوعان، فهو يسلك بها الصعب، لكنه المسلك الآمن، يسلك بها المشقّة ولكنها تنجو. من أين أخذت هذا؟ والله من اللغة، إشارة. «ويمّمها من بطن ذروة رمّة»، ما المشكلة؟ رمّة بعيدة، «ومن دونها من رحرحان مفاوز»، من دونها من سهل رحرحان. يعني ممكن «من» هنا ابتدائية، يعني من أول رحرحان مفاوز. ماذا تقول يا شاعر؟ أقول لك: سلك الأبعد والأصعب، ومن دونها أقرب، يعني منها مفاوز. فما شأن هذا الحمار؟ شأنه تفادى إذا استذكى عليها كما سيأتي في البيت التالي.
وإذا جئت إلى الصورة الشعرية التي خيّل بها هذا الشاعر الفحل بيته فتعالَ. يا إخواني اللي يزهق يمشي براحته، أنا أخلص لتخصصي، وهكذا نتذوق الكلام، وهكذا ستدافعون عن القرآن. ليس بالكلام والخطابة يا إخوان، ليس بالكلام والخطابة تدافع عن القرآن. للأسف أجد دفاعات عن القرآن سطحية جداً، تقدم حججاً على الناقد للقرآن، ينبغي أن تقسم ظهر الطاعن فيه بهذا النمط من البيان ومن النقد والمستوى حتى ينخرس. فهمت؟ يا أخي كلنا أعجبنا بهذا الجانب، لو رشح نفسه أنا معه، بهذا تدافعون عن القرآن بإذن الله.
تعالَ إلى الصورة الشعرية التي خيّل بها الشاعر بيته، ابتدأ بقوله: «ويممها»، والضمير عائد على الأتن، وهذا ينظر إلى قوله: «بادره»، أي بادره ويممها، ولما رأى الإظلام بادره بها كما بادر الخصم اللجوج، «بادره بها ويممها». شوف ضميرها يظهر معه كثيراً، لاسيما في المفعولية. وكانت الأتن من قبل ذلك ينتظرن قضاء أمره بضاحي أذات، لا تغفل عن هذا الخيط الرابط الذي يشد الأبيات كلها، وهو رئاسة هذا الجأب ورعايته.
ثم قدّم وأخّر؛ «من بطن ذروة رمة»، لأن الأصل أن يقول: «ويممها رمة من بطن ذروة»، لكن أراد أن يبدأ من هنا، «ويممها من بطن ذروة رمة» ليبدأ من هذا الموضع. لو قال لك: «ويممها رمة من بطن ذروة» لم تشعر بالبعد عند رمة، ويممها رمة وأنت لا تعلم من أين، لن تشعر عند رمة بالبعد. لكن لما قال: «ويممها من بطن ذروة رمة» شعرت بالبعد عند كل حرف.
وعبد القاهر يقول: «المجيدون المحسنون من أهل البيان يجنبون تأجيل ما يفهم بحيث لا يفهم في موضعه وتفهمه بالعقل بعد ذلك». يتجنبون في الكلام ما قد يشكل أو لا يظهر له معنى. فلو قال: «ويممها رمة من بطن ذروة» لم تفهم البعد عند رمة لما ذكرت في الأول، لكن لما قدّم وأخّر، وأخّر المفعول فقال: «ويممها من بطن ذروة رمة»، لما قلت: «من بطن ذروة» تعلق ذهنك، والتعليق معنى تام في ذاته، «رمة» عرفت البعد، خلاص؟
نكمل، انظر، أنا أنظر إلى البيت أمامي وتدور الصورة حول البيت هكذا؛ ثم الجمع بين ذلك، «ويممها من بطن ذروة رمة»، وبين المعنى في الشطر الثاني بواو الحال، أي أنه شد بها من هذه الأرض إلى هذه الأرض، والحال أنها قريبة من هذه المفاوز، وفيها الإشارة التي ذكرت لكم الآن.
وإذا أردت العجب الذي لا يكاد ينتبه إليه إلا من يدرك ويؤمن بأن الشاعر الفحل لا يأتي بحرف انفلاتاً منه أو عادة، إذا أردت العجب انظر في قوله: «من دونها»، بإسناد الضمير إليها هي، إلى دون، إسناد الضمير الذي هو لها إلى دون. «ومن دونها»، ما المشكلة من دون؟ طب ما هي من دونه أيضاً، لو قال: «ويممها من بطن ذروة رمة، ومن دونه» أو «من دونهم»، هل سيكون المعنى خطأ؟
أحسنت يا محمد، محمد الهاشمي له تعبيرات حلوة على فكرة، يقول لك المشكلة عندها. وهذا يشبه قوله في الرائية لامرئ القيس: «بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه»، وليس «دوننا»، ليس «دوننا» دونه هو، مع أنه في الواقع دونهما، هو لا يعني هذا، «الدرب دونه هو».
«ومن دونها من رحرحان مفاوز»، كان المظنون أن يقول: «ومن دونه» لأنه هو الذي يتحرك، هو الذي يتخذ القرار والعزم، هو الذي يحركها، هو الرائد فيها وقائدها، لكن لا، «ومن دونها». فكلمة «من دونها» على تعبير محمود شاكر، له تعبير جميل في بعض مقالاته، فكلمة «من دونها» فكت في كلمة «من دونها» إغراؤها وشغلها، هي لما أسند الدون إلى ضميرها هي العائد عليها، قال: «من دونها».
«بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه»، يعني صاحبه هو المتأثر ليس أنا، أنا لا أتأثر، صاحبه هو الملتفت، وأنا لا ألتفت؛ فالشعر لمحة تكفي إشارته، وليس بالهذر طولت خطبه.
«ويممها من بطن ذروة رمة»، انظر إلى حشد الفن في البيت؛ تقديم وتأخير. «ويممها من بطن ذروة رمة»، واو الحال، ومن دونها إسناد "دون" إلى الهاء، أو إضافتها إلى الهاء العائد عليها؛ "من دونها"، كلمة "من دونها" وحدها تصوّر لك فيها أنها تُغرى وتُلتفت.
ولذلك ليس اعتباطًا قال في البيت التالي: «تفادى إذا استذكى عليها يتقد عليها غاضبًا»، ارحل من هنا، انطلق من هنا، ارحل من هنا. «ويممها من بطن ذروة رمة»، ومن دونها، والحال من دونها، من رحرحان مفاوز عليها الدجى.
أقصد البيت الذي بعده: «مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ»، هذا البيت نعت للمفاوز؛ والمفاوز يعني جمع مفاز، وهي الصحاري المفتوحة الجرداء. «عليها الدجى مستنشآت»، هذه الطريق، المفاوز، يغريها من دونها. لك أن تقول من دونها في الحمر، أو من دون رمة، وعندي وجه آخر في "من دونها": الأتن.
معذرة لم أنبهكم إلى أن هذين وجهان، أنا أخطأت في الأول حين قلت: "من دون رمة"، الآن أنا أقصد أنها في الوجه الثاني: "من دون الأتن"، كما في قول امرئ القيس: «لما رأى الدرب دونه».
هذه المفاوز «عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ». الدجى يا إخوة جمع دجية، وطبعًا القصيدة فيها كثير من الغريب. في مرة كنت أسمع القصيدة لأم قيس، وهي تمسك الورقة وأنا ألقيها عليها لأراجع، فجئنا عند البيت: «كأن عليها زعفرانًا تميره»، لا، «إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت حبيرًا ولم تدرج عليها المعاوز».
فأنا جئت عند "المعاوز" ونسيتها، إلى أن سألتها ما الكلمة؟ قالت: "المعاوز"، قلت لها: "هذه اللفظة غريبة"، فنظرت لي وقالت: "هذه اللفظة غريبة؟ كل القصيدة غريبة أصلًا!".
«عليها الدجى مستنشآت كأنها...»، الدجى يا إخوة جمع دجية، وهي القترة التي هي بيت الصائد؛ ينصب بيتًا ويقيم فيه ويتصيد ويترقب الصيد منه. و«مستنشآت» يعني مرفوعات عاليات، ومن تفسير البعض لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الرحمن: 24]، أي المرتفعات في البحر كالأعلام، قالوا هي الجبال.
والجذاجذ يا إخوة مفردها جزجزة، وهي خصل العهن أي الصوف التي تُشد على هوادج النساء يوم الظعن، تزين بها وتشد عليها من فوق إلى أسفل، خصل من الصوف الأحمر (العهن) تُشد عليها.
«عليها الدجى» جملة نعت للمفاوز، صفة لها؛ أي هذه المفاوز لاصقة بها صفة، ما هي هذه الصفة؟ «عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ». ما التشبيه الذي يريده من هذا؟ تشبيه بيوت الصيادين بالهوادج التي شد عليها الجذاجذ. يذهب هنا إلى أن هذه المفاوز التي جنبها إياها، عليها بيوت الصيادين مرفوعة مستنشآت، أي أنها منصوبة على مرتفعات هذه المفاوز يراقبون منها ورود الحيوان الوحش من الأتن والظباء وغير ذلك، ويستشرفون منها، فهي أرض خطر وموت.
وهذه هي النكتة في مجيئه بقوله «مستنشآت» على الحالية، ثم أتى بجملة ثانية بحال ثانية هي جملة التشبيه: «كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ». يريد أن الصيادين مكثوا في هذه الأماكن، ورفعوا الدجى على متونها، وكثر صيدهم حتى أقاموا في هذا المكان، ومن كثرة الصيد صاروا يقددون اللحم بجعله شرائح طويلة، يشدونها أو يعلقونها على هذه الدجى، على بيوتهم.
فصارت بيوتهم وعليها جزل اللحم الأحمر الذي يُقدد من كثرة الصيد، والتقديد يكون عند كثرة الصيد حتى لا يفسد اللحم. صار كأنه الهوادج مشدود عليها الجذاجذ. تأمل المعنى الكثير الذي كتمه الشاعر في هذا التشبيه؛ معنى يقددون اللحم، تعرف معنى يقددون اللحم؟ يقدد اللحم يعني يجففه ليحافظ عليه، وهذا يكون إذا كثر اللحم، فقد قتلوا كثيرًا من مثل هذه الأتن.
صاروا يقددون اللحم ويجعلونه جِزلاً، شرائح ينشرونها على الدجى على بيوتهم، فصارت الدجى وعليها جزل اللحم الأحمر كالهوادج التي شد عليها خصل العهن الأحمر؛ فهي قطرات الموت، وهذه المفاوز هي مفاوز الموت. وتأمل قوله: «عليها الدجى»، هي بمقام قوله: "عليها موتها وهلاكها" موزعًا كثيرًا في هذه المواضع.
«ومن دونها»، لا يمكنك أن تفصل عبارة «عليها الدجى» وهي نعت للمفاوز عن قوله بواو الحال: «ومن دونها من رحرحان مفاوز عليها الدجى»، لأن هذا ما يجعله يستذكي عليها. أرجو أن تربط الأبيات؛ يقول لك إن القصيدة الجاهلية مفككة، بل دماغك هي المفككة! أنا أقول لك اربط الأبيات: «ويممها من بطن ذروة رمة»، و«من دونها من رحرحان مفاوز عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ».
بسبب كثرة اللحم ولهذا يمم رمة وترك المفاوز؛ عليها موتها وهلاكها موزعًا في هذه المواضع، وعليها اللحم من كثرة ما صادوا يقدد، فهذا لو وعيت يدخل في الكناية، فيه نفس الكناية ومعنى الكناية.
يعملونها في الصخور وعليها ويغطونها، صح؟ لكن لا أدري كانت ستظهر في العرض أو لا. نحاول. لكن انتبه، مولانا قال مستنشآت يعني عالية، فبناها من حجارة أو من أخشاب. هكذا يا إخوة، يبنون الصيادون بيوتًا وينزلون فيها أو كذا، لكن المهم هو قال ماذا؟ قال مستنشآت يعني مرتفعات، في أماكن مرتفعة. نحاول أرى لك صورة. ها، هذه قريبة في الهيئة لكن على شرط الارتفاع. نعم، جزاكم الله خيرًا مولانا، جميل.
عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ، ومن دونها مفاوز عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ. ولذلك يستذكي عليها فهي تفادى إذا استذكى عليها وتتقي كما تتقي الفحل المخاض الجوامز.
تفادى يا إخوة، يعني تتفادى، يعني تتحاجز منه ويدخل بعضها في بعض ويلوذ بعضها ببعض. تفادى، تتفادى، يعني تتحاجز منه ويدخل بعضها في بعض، تتحاجز، تهرب منه بأن يدخل بعضها في بعض ويلوذ بعضها ببعض، يعني لا تكون على السطح.
وهو يستذكي، معنى استذكى عليها يعني اشتد غضبًا وتوقد. اشتد غضبًا وتوقد، وهذا من المجاز بالمناسبة الذي ذكره الزمخشري في أساس البلاغة؛ استذكى بمعنى اشتد غضبًا وتوقد غضبه وكذا، هذا من المجاز الذي نص عليه الزمخشري في أساس البلاغة. والمخاض يعني الحوامل، الحوامل ترفض النكاح، خلاص؟ ترفض الضِرار. فالمخاض الحوامل، والجوامز المسرعات. الجمزة عدو سريع، نوع من العدو السريع، يقال جمز وجامز. ربما سميت بها المواضع أو سمي بها الجري في قول امرئ القيس: «كأنَّ الصَّوارِ إذْ تجاهدُ عَدْوَهُ على جَمَزٍ». خيل تجول بأجلال على جمز، فممكن يكون هنا جمز هو العدو أو المكان سمي به، خيل تجول بأجلال.
تفادى إذا استذكى، يعني اتقد عليها وغضب، لماذا؟ لماذا غضب عليها؟ هي كأنها ترمي، تريد أن تعطف نحو المفاوز التي عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ، فهو يستذكي عليها. تركت بها الشك الذي هو عاجز، وعوجاء مجذام وأمر صريمة، تركت بها الشك الذي هو عاجز. تفادى تتفادى إذا استذكى عليها وتتقي كما تتقي الفحل المخاض الحوامل يعني الجوامز المسرعات.
هذا البيت يا إخوة في معنى حكاية قول أبي ذؤيب الهذلي: فكأنها بالجذع بين نوبايع ... وأولات ذي العرجاء نهب مجمع وكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع وكأنما هو مدوس متقلب ... بالكف إلا أنه هو أضلع
والحمار يستذكي عليها حتى يصدها عن الروغ وعن الميل إلى هذه المفاوز التي عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ. يا أخي غريب كالبيوت التي رأيناها الآن، عليها خصل اللحم كالزينة كهوادج من ارتفاعها، طبعًا ترتفع عن هذه الصورة، ترتفع وعليها هكذا لحم كثير يصاد. والشماخ ترك هذه القدورات وترك هذه الدجى وما جلس في دجية منها وذهب إلى الأتن يحكي حديثها وكيف كأنه... عجيب.
كأنه يفسر قوله تعالى: ﴿أَمْ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ أَتَانٍ تَنْفُرُ مِنْ صَوْعٍ﴾ [المدثر: 50]. الأتان تريد الروغ إلى ملذات الدنيا المهلكة وهو يستذكي عليها. والله أمم أمثالكم، سبحان الحمار له عقل ويفكر وكذا، لأنها مفاوز الموت. فبلغ من جمعه لها واستذكائه واتقاد غضبه عليها في هذا واشتعاله أنها ليس فقط صدت عن هذه المفاوز وانصرفت عنها، وإنما صارت تتداخل، يدخل بعضها في بعض تتفاداه، يعضها ويرفصها ويضربها شديدًا، حتى أنها تفادى بحذف التاء تخفيفًا، تتفادى، يعني تتفاداه. يدخل بعضها في بعض. وتراه هنا أطلق وحذف المفعول، تتفادى ماذا؟ ركز على فعلها فقط، هي صارت تتفادى وخلاص. تفادى إذا استذكى عليها، وكأن التفادي صار فعلًا لها به أو من غيره من شدة فعله، فعلها له.
وصارت كأنها تتتقيه كأنها نوق حوامل ترفض الفحل، وهي مع ذلك تجري في قطيعها تجمز من السرعة. يصور بذلك شدة خشيته عليها. هو الذي يممها من بطن ذروة رمة ومن دونها مفاوز عليها الدجى، تفادى إذا استذكى عليها. هو راعيها، ولم يقل يستذكي عليها فتتفاداه، بل ذكر أثر فعله أولًا. أنت توقعت بعد "عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجذاجذ" أن تقول يستذكي عليها، لا، تفادى إذا استذكى عليها. صارت تتفادى كلما استذكى، إذا هنا بمعنى كلما، كلما استذكى عليها صار فعله متكررًا. تفادى إذا استذكى، يعني تتفادى كلما استذكى. رأيت؟ قدم فعلها، أثر أثر فعله.
ثم في ذكر الاتقاء بعد التفادي تنويع لكل حركتها، انظر: تفادى إذا استذكى عليها وتتقي، شوف تنويع. بسبب غضبه، يعني هناك حركة كثيرة بسبب غضبه وحماسته عليها. كما أن الترتيب هنا بديع، ترتيب الاتقاء بعد التفادي. لماذا؟ ماذا لو قال تتقي كما تتقي الفحل وتتفادى أو وتفادى؟ الترتيب هنا بديع، انظر، تفادى إذا استذكى عليها. لأن التي تتقي هي التي لم تتمكن من التفادي، فصارت تنعطف بماذا؟ بمقدمها وبوجهها، كما في قول أبي ذؤيب: "ينهسنه ويذودهن ويتقي". يعني يرجع بظهره يتقي ويواجه، صح؟ ينهسنه ويذودهن ويتقي. فالتي تتقي هي التي لم تستطع أن تتفاداه، يعني أن تتحاجز عنه بأن تدخل في بعضها، قطعًا هناك ما هو يواجهه يباشره، فهذه تتقيه. فصارت جماعة الأتن تدخل في بعضها، والذي في الحواف من ضربه لها تدور حول نفسها تواجهه ثم تدور وتواجهه ثم تسير ثم تدور تواجه تتقيه وهكذا. فصار كلما استذكى عليها ضربًا وعضًا وكذا يدخل بعضها في بعض وبعضهن يدور حوله يتقيه حول نفسه يتقيه.
فهذا الشطر الأول، تفادى إذا استذكى عليها وتتقي، أيضًا تتقي دون تتقيه، نفس الكلام في تفادى صارت هي تفادى وتتقي بقطع النظر عنه من كثرة الفعل منها. الشطر الأول صارت فيه وجوه الروغ منه حتى لا يؤذيها بغضبه الذي سببه هو رغبته في صدها عن المفاوز التي تغرى بسلكها وقد نصب الموت عليها. وقد نصب الموت عليها، فهذا كله تصوير حسن جدًا لإدراك الحمار لواجب رعيته واشتداده في ذلك، وهو يؤول في الأخير بمعناه إلى الناقة، لا تنسى هذا.
وهنا مظهر تراه ذكر التفادي وذكر الاتقاء، خلاص؟ تراه أقام الشطر الثاني كله في تشبيه الاتقاء: "وتتقي كما تتقي الفحل المخاض الجوامز". ولم يفعل هذا التفصيل في التفادي، لماذا؟ العلة في هذا يا إخوة هو أن صيغة التفادي دلت على كثرة الفعل بصيغتها؛ تفادى إذا استذكى عليها. أما الاتقاء فليس عملًا مشتركًا كالتفادي، يعني تتفادى يتحاجز، وإنما هو يقع من فاعل واحد وهو الأتان التي تتقي الجأب في غضبه، فصور بذلك شدة هذا الفعل منها بأنه اتقاء كاتقاء المخاض المسرعة للفحل.
الناقة التي تكون مسرعة وفي نفس الوقت يجري وراءها الفحل يريد ضرابها وهي حامل، وتسرع منه وتتقيه. وهذا يقول: كما ترفض هذه المخاض الجامزة الهاربة منه ترفض هذا الضرار، أو قبول الضرار الذي يريده الفحل وتعده أذى. كذلك هذه الخشية على الأذن، وهذا الحث، وهذه الحفحفة، وهذا العض، وهذا الضرب لها؛ هي ترفضه كذلك وتأباه كما تأبى المخاض الفحل فتجمز عنه وتتقيه، وتتقي كما تتقي الفحل المخاض الجوامز.
وترى في تقديم المفعول "الفحل" على الفاعل "المخاض" زيادة عناية بتصوير الحمار في غضبه وشدة توقده عليها؛ لأنه يقول: ﴿كما تتقي الفحل المخاض الجوامز﴾. إذاً هو أحضر صورة الفحل التي هي صورة الحمار، فهو إذاً أيضاً يحضره. لو قال: وتتقي كما تتقي المخاض الجوامز الفحل، أخر الفحل وقلل شأنه، لكن أراد أن يبين لك صنيع الفحل، فقال: وتتقي كما تتقي الفحل، يعني بفعاله وكذا المخاض الجوامز الحوامل المسرعات.
رأيت كأن قتودي فوق جأب مطرد، من الحقب لاحته الجداد الغوارز، تواظمأها في بيضة القيظ بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز، فظلت بيمؤد كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي النواكز، لهن صليل، لهن صليل ينتظمن قضاءه، بضاحي عذات أمره وهو ضامز.
فلما رأين الورد منه صريمة مضين ولاقاهن خل مجاوز، ولما رأى الإظلام بادره بها كما بادر الخصم اللجوج المحافظ، ويممها من بطن ذروة رمة ومن دونها مرحرحة مفاوز، عليها الدجى مستنشآت كأنها باللحم العائد عليه كأنها هوادج مشدود عليها الجزاجز، تفادى إذا استذكى عليها وتتقي كما تتقي الفحل المخاض الجوامز.
من شدة صنيعه قدم أثر صنيعه: «تفادى إذا استذكى»، ولم يذكر فعله، قفز لك على الأثر، الضوضاء التي فعلها والجلبة التي فعلها من تفادٍ واتقاء، كما تتقي الفحل المخاض الجوامز.
وشكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، ونلتقي الخميس القادم إن شاء الله، والجمعة القادمة إن شاء الله، وشكراً لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعمتم صباحاً ومساءً.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد