دخولتسجيل الدخول

الدرس 3 - الأبيات (٥، ٦، ٧، ٨)

أبو قيس محمد رشيدالأستاذ أبو قيس محمد رشيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالكرام.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد النبيين والمرسلين، وبعد:

أيها الإخوة، موعدنا الأسبوعي كما تعلمون موعدنا في ليل الخميس والجمعة من كل أسبوع، مع الشرح المطول المفصل على زائية الشماخ بن ضرار الذبياني، التي هي عين من عيون شعرنا العربي الأصيل.

«عَفَتْ بَطْنُ قَوْمٍ مِنْ سُلَيْمٍ فَعَالِزُ ... فَذَاتُ الْغَضَا فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ» «فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ ... لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِزِ» «وَمَرْكَبَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى ... تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الْجَهْلِ حَاجِزُ» «وَعَوْجَاءَ مِجْذَا وَأَمْرٍ صَرِيمَةٍ ... تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ» «كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَابٍ مُطَرِّدٍ ... مِنَ الْحُقُبِ لَاحَتْهُ الْجِدَادُ الْغَوَارِزُ» «طَوَى ظَمْأَهَا فِي بَيْضَةِ الْقَيْظِ بَعْدَمَا ... جَرَتْ فِي عِنَانِ الشِّعْرِيِّينَ الْإِمَاعِزُ» «فَظَلَّتْ بِمَيْؤُودٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا ... إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُكَيَّ نَوَاكِزُ» «لَهُنَّ صَلِيلٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ ... بِضَاحِي عِذَاتٍ أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِ» «فَلَمَّا رَأَيْنَا الْوِرْدَ مِنْهُ صَرِيمَةً ... مَضَاقَهُنَّ خَلَّ مِجَاوِزُ» «وَلَمَّا رَأَى الْأَظْلَامَ بَادَرَهَا بِهَا ... كَمَا بَادَرَ الْخَصْمَ اللَّجُوجَ الْمُحَافِزُ» «وَيَمَّمَهَا مِنْ بَطْنِ ذَرْوَةِ رَمَّةٍ ... وَمِنْ دُونِهَا مِنْ رَحْرَحَانٍ مَفَاوِزُ» «عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِتَاتٌ كَأَنَّهَا ... هَوَادِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الْجَزَاجُ جَزْ» «تَفَادَى إِذَا اسْتَذْكَى عَلَيْهَا وَتَتَّقِي ... كَمَا تَتَّقِي الْفَحْلَ الْمَخَاضَ الْجَوَامِزُ» «وَمَرَّتْ بِأَعْلَى ذِي الْأَرَاكِ عَشِيَّةً ... فَصَدَّتْ وَقَدْ كَادَتْ بِشَرْجٍ تَجَاوَزُ» «وَهَمَّتْ بِوِرْدِ الْقَنَّتَيْنِ فَصَدَّهَا ... حَوَامُ الْكُرَاعِ وَالْقِنَانُ اللَّوَاهِزُ» «وَصَدَّتْ صُدُودًا عَنْ ذَرِيعَةِ عُثْبَةٍ ... وَلَابَنِي غِمَارٍ فِي الصُّدُورِ حَزَائِزُ» «وَلَوْ ثَقَّفَاهَا دَرَجَتْ مِنْ دِمَائِهَا ... كَمَا جَلَّلَتْ نَضْوَ الْكِرَامِ الرَّجَائِزُ» «وَحَلَّاهَا عَنْ ذِي الْأَرَاكِ عَامِرٌ ... أَخُو الْخُضْرِ يَرْمِي حَيْثُ تُكْوَى النَّوَاحِ» «قَلِيلُ التَّلَادِ غَيْرُ قَوْسٍ وَأَسْهُمٍ ... كَأَنَّ الَّذِي يَرْمِي مِنَ الْوَحْشِ تَارِزُ» «مُطِلًّا بِزُرْقٍ مَا يُدَاوِي وَرَمْيُهَا ... وَصَفْرَاءُ مِنْ نَبْعٍ عَلَيْهَا الْجَلَائِزُ» «تَخَيَّرَهَا الْقَوَّاسُ مِنْ فَرْعِ ضَالَةٍ ... لَهَا شَذَبٌ مِنْ دُونِهَا وَحَوَاجِزُ» «نَمَتْ فِي مَكَانِهَا وَاسْتَوَتْ بِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ غَيْلِهَا مُتَلَاحِظُ» «فَمَا زَالَ يَنْجُو كُلَّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ ... وَيَنْغُلُ حَتَّى نَالَهَا وَهُوَ بَارِزُ» «فَانْحَى عَلَيْهَا ذَاتَ حَدٍّ غَرَابُهَا ... عَدُوًّا لِأَوْسَاطِ الْعِضَاهِ مُشَارِزُ» «فَلَمَّا اطْمَأَنَّتْ فِي يَدَيْهِ رَأَى غِنًى ... أَحَاطَ بِهِ وَازْوَرَّ عَمَّنْ يُحَاوِزُ» «فَمَضَعَهَا عَامِينَ مَاءَ لِحَائِهَا ... وَيَنْظُرُ مِنْهَا أَيُّهَا هُوَ غَامِزُ» «أَقَامَ الثَّقَافُ وَالطَّرِيدَةَ دُرَّهَا ... كَمَا قَوَّمَ الضَّغَّ الشُّمُوسَ الْمَهَامِزُ» «فَوَافَى بِهَا أَهْلُ الْمَوَاسِمِ فَنَبْرَى ... لَهَا بَيْعٌ يُغْلِي بِهَا السَّوْمَ رَائِزُ» «فَقَالَ لَهُ: هَلْ تَشْتَرِيهَا؟ ... فَإِنَّهَا تُبَاعُ بِمَا يُبَاعُ تِلَادُ الْحَرَائِزِ» «فَقَالَ: أُزَارٌ شَرْعَبِيٌّ وَأَرْضٌ أَرْبَعٌ مِنَ السِّيرَاءِ أَوْ أَوَاقٍ نَوَاجِزُ» «ثَمَانٍ مِنَ الْكِيرِي حُمْرٍ كَأَنَّهَا ... مِنَ الْجَمْرِ مَا ذَكَّى عَلَى النَّارِ خَابِزُ» «وَبُرْدَانُ مِنْ خَالٍ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا ... وَمَعَ ذَاكَ مَقْرُوضٌ مِنَ الْجِلْدِ مَاعِزُ» «فَظَلَّ يُنَاجِي نَفْسَهُ وَأَمِيرَهَا ... آيَاتِي الَّذِي يُعْطَى بِهَا أَمْ يُجَاوِزُ؟» «فَقَالُوا لَهُ: بَايِعْ أَخَاكَ وَلَا يَكُنْ ... لَكَ الْيَوْمَ عَنْ رِبْحٍ مِنَ الْبَيْعِ لَاهِزُ» «فَلَمَّا شَرَاهَا فَاضَتِ الْعَيْنُ عَبْرَةً ... وَفِي الصَّدْرِ حَزَازٌ مِنَ الْوَجْدِ حَامِزُ» «وَذَاقَ فَأَعْطَتْهُ مِنَ اللِّينِ جَانِبًا ... كَفَى وَلَهَا أَنْ يُغْرِقَ السَّهْمَ حَاجِزُ» «إِذَا انْبَضَّ الرَّامُونَ عَنْهَا تَرَنَّمَتْ ... تَرَنُّمَ ثَكْلَى أَوْجَعَتْهَا الْجَنَائِزُ» «هَتُوفٌ إِذَا مَا خَالَطَ الظَّبْيَ سَهْمُهَا ... وَإِنْ رِيغَ مِنْهَا أَسْلَمَتْهُ النَّوَاكِزُ» «كَأَنَّ عَلَيْهَا زَعْفَرَانًا تَمِيرُهُ ... خَوَازِنُ عَقَارٍ يَمَانٍ كَوَانِزُ» «إِذَا سَقَطَ الْآنَ صِينَتْ وَأُكْرِمَتْ ... حَبِيرًا وَلَمْ تُدْرَجْ عَلَيْهَا الْمَعَاوِزُ» «فَلَمَّا رَأَيْنَا الْمَاءَ قَدْ حَالَ دُونَه ... زُعَافٌ لَدَى جَنْبِ الشَّرِيعَةِ كَارِزُ» «شَكَكْتُ بِإِحْسَاءِ الذِّنَابِ عَلَى هُدًى ... كَمَا تَابَعَتْ سَرْدَ الْعِنَانِ الْخَوَارِزُ» «وَلَمَّا اسْتَغَاثَتْ وَالْهَوَادِي عُيُونُهَا ... مِنَ الرَّهْبِ قَبْلُ وَالنُّفُوسُ نَوَاشِزُ» «فَالْقَتْ بِأَيْدِيهَا وَخَاضَتْ صُدُورُهَا ... وَهُنَّ إِلَى وَحْشِيَّتِهِنَّ كَوَارِزُ» «نَهَلْنَ بِمَدَّانٍ مِنَ الْمَاءِ مُوهِنًا ... عَلَى عَجَلٍ وَلِلْفَرِيصِ هَزَاهِزُ» «غَدَوْنَ لَهُ سُعْرَ الْخُدُودِ كَمَا غَدَا ... عَلَى مَاءِ مَيْؤُودٍ الدِّلَاءُ النَّوَاهِزُ» «يُحَشْرِجُهَا طَوْرًا وَطَوْرًا كَأَنَّمَا ... لَهُ بِالرِّغَامِ وَالْخَيَاشِيمِ جَارِزُ» «وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ ... دَوَائِرُ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ» «حَذَاهَا مِنَ الصِّيدَاءِ نَعْلًا طِرَاقُهَا ... حَوَامُ الْكُرَاعِ الْمُؤَيَّدَاتُ الْعَشَاوِزُ» «فَأَقْبَلَهَا نِجَادٌ قَوِيٌّ وَانْتَحَتْ بِهَا ... طُرُقٌ كَأَنَّهُنَّ نَحَائِزُ» «حَدَاهَا بِرَجْعٍ مِنْ نَهَاقٍ كَأَنَّهُ ... بِمَا رَدَّ لِحَايَاهُ إِلَى الْجَوْفِ رَاجِزُ» «فَأَوْرَدَهُنَّ الْمُورَ مُورَ حَمَامَةٍ ... عَلَى كُلِّ أَجْرِيَائِهَا هُوَ رَائِزُ» «يُكَلِّفُهَا مَدَاهُ إِذَا الْتَوَى بِهِ ... الْوِرْدُ وَاعْوَجَّتْ عَلَيْهِ الْمَجَاوِزُ» «مُحَامٍ عَلَى عَوْرَاتِهَا لَا يُرَوِّعُهَا ... خَيَالٌ وَلَا رَامُ الْوُحُوشِ الْمَنَاهِزُ» «فَأَصْبَحَ فَوْقَ النَّشْزِ نَشْزٌ حَمَامَةٌ ... لَهُ مَرْكِضٌ فِي مُسْتَوًى الْأَرْضِ بَارِزُ» «وَظَلَّتْ تُفَالَى بِالْيَفَاعِ كَأَنَّهَا ... رِمَاحٌ نَحَاهَا وَجْهُهُ الرِّيحُ رَاكِزُ»

تمت القصيدة أيها الإخوة، أو تم إنشادها لهذه الحلقة في 56 بيتًا.

نعم، شرحنا أول أربعة أبيات من القصيدة، وشرحنا بناء القصيدة، والذي سيستفيد من هذه الشروح حقًا وصدقًا واستفادة تامة هي حق الاستفادة هو من يتابع معنا من الأول، ويرتبط ذهنه ويستحضر، أو يجتهد في أن يستحضر. وفهم بناء القصيدة هو أهم شيء من الأول بالنسبة إليكم وبالنسبة إلى أهل زماننا.

فقال: «عَفَتْ بَطْنُ قَوْمٍ مِنْ سُلَيْمٍ فَعَالِزُ ... فَذَاتُ الْغَضَا فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ» «فَكُلُّ خَلِيلٍ غَيْرُ هَاضِمِ نَفْسِهِ ... لِوَصْلِ خَلِيلٍ صَارِمٍ أَوْ مُعَارِزِ» «وَمَرْكَبَةٍ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدَى ... تَلَافَى بِهَا حِلْمِي عَنِ الْجَهْلِ حَاجِزُ» «وَعَوْجَاءَ مِجْذَا وَأَمْرٍ صَرِيمَةٍ ... تَرَكَتْ بِهَا الشَّكَّ الَّذِي هُوَ عَاجِزُ»

ثم قال وهو بداية شرحنا: «كَأَنَّ قَتُودِي فَوْقَ جَابٍ مُطَرِّدٍ ... مِنَ الْحُقُبِ لَاحَتْهُ الْجِدَادُ الْغَوَارِزُ» «طَوَى ظَمْأَهَا فِي بَيْضَةِ الْقَيْظِ بَعْدَمَا ... جَرَتْ فِي عِنَانِ الشِّعْرِيِّينَ الْإِمَاعِزُ» «فَظَلَّتْ بِمَيْؤُودٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا ... إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رُكَيَّ نَوَاكِزُ» «لَهُنَّ صَلِيلٌ يَنْتَظِرْنَ قَضَاءَهُ ... بِضَاحِي عِذَاتٍ أَمْرُهُ وَهُوَ ضَامِ»

الأبيات نشرحها اليوم إن شاء الله تعالى. يقول: كأن قتودي فوق مطرد من الحقب لاحته الجداد الغوارز.

الجاب يا إخوة هو الحمار، الجاب الغليظ الصلب الشديد، الحمار الذكر الغليظ، هذا هو الجاب، ويستعمل في الشعر القديم كثيرًا، وعندنا أيضًا في بقية بشار بن برد. والقتود جمع قَتَد، وهو خشب الرحل أو أعواد الرحل التي توضع على ظهور الرواحل، على ظهور الإبل. فالجاب هو الحمار الغليظ الصلب الشديد القوي، وهذا مهم. والقتود أعواد الرحل ومفرده قَتَد.

والمطرد هذا مبالغة من الطرد؛ لأنها كما يقول لاحت مطرد، ثم يقول من الحقب لاحته الجداد مطرد، يعني أن الأذن طاردته، أو أن الصيادين طاردوه من أرض إلى أرض، أو أن الإبل طردته أي رفضته، أو الصيادون طاردوه ونجا منهم. فوق جاب مطرد من الحقب. والحُقُب هو جمع الأَحْقُب، والأَحْقُب هو أبيض الإيطلين.

عند بطنه في أسفل بطنه هناك بياض؛ لأن هذا يدل على تمام نموه وشبابه. هذه علامته في الآتان أو في الحمير، وفي الثور، وفي الضباء الوحشية أو في البقر الوحشي؛ أن يكون بالطرتين مولعاً، كما في عينيه.

أما في الحمر، فإن يكون أحقب، يعني أن يكون فيه صهبة في الظهر، أما بطنه ففيه بياض، ويتباين البياض مع الصهبة أو الدكنة التي تكون في الظهر. فالحقب هنا جمع أحقب، وهو الحمار أبيض الحقوين عند الأيطلين، أي عند الجانبين من أسفل آخر البطن، قريب من دواخل الفخذين. تتخيلون هذه المنطقة لونها عادة متغير وفيها الشعر يكون منحلاً من حركة الحيوان.

كل من ألقى السلام وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وأرجو من الإخوة الذين يظلون يرسلون نفس السؤال في سخف شديد، وهو يراني أنشد أو أتكلم، أن هذا منه ما يخالف الأدب ويخالف اللياقة بوضوح؛ أن يظل يسأل ويرسل وأنا أتكلم أو أنشد. وأنا تعجبت يا خالد أنك تأخرت عليه؛ لأنه أزعجني جداً.

كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب، لاحته الجداد الغوارز. أي من الصيادين من الحق، هو من الحقب كما سأشرح الآن. نعت آخر للحمار أنه من الحقب، والحقب كما قلنا جمع أحقب، وهو الحمار أبيض الحقوين.

لاحته الجداد، غيرته لاحته. والجداد جمع جدود، قالوا هي التي يبس لبنها، وقالوا هي الأتان السمينة. لكن لما قال «لاحته الجداد الغوارز»، والغوارز هنا معناها جمع غارز، التي قل لبنها؛ فالمُراد بالجداد التي هي جمع جدود، هي الأتان التي أمسكت عن الإنجاب، ويبس لبنها وجف ضرعها حتى غرزت أو صارت غارزاً، أي قل لبنها وضمر ضرعها. هذه غيرته.

كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب، لاحته الجداد الغوارز. بدأ في وصف ناقته إذ قال قبل هذا في البيت الرابع من القصيدة: «وعوجاء مجذا وأمر صريمة، تركت بها الشك الذي هو عاجز». كان قتودي الذي على الناقة: «كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب، لاحته الجداد الغوارز». بهذا الصف هكذا البيت.

انتبهوا لمن يريد أن يكون نبيهاً وأن يفوز بفهم نص كاملاً، أي من حيث كونه نصاً كاملاً، بأن يربط بين أوله وآخره، وأن يعينه ذلك الربط في فهم تفصيل أجزاء الأبيات؛ لأن هذا البناء وهذا القصد، الذي عدل عنه محمود شاكر عن تسميته «زمن القصيدة» إلى «زمن النفس»، وأنا أقول إن يسمى في مجال العلم «زمن القصيدة».

محمود شاكر كان له أوصاف رومانتيكية قليلاً؛ لأنه يقول: أنا لست أكتب بطريقة علمية، إنما أكتب ما أشعر به بقلم أديب، فإنه لا يخلو من التعبير المجازي والأدبي. وفي مجال العلم الأفضل الصياغة العلمية؛ فلذلك أذهب أنا أعطف إلى ما عدل عنه محمود شاكر وهو «زمن القصيدة»؛ أقول لأن زمن القصيدة هو الذي يتحكم في هيئة الأغراض الداخلية، أو في هيئة التراكيب التي تحقق الأغراض.

فانتبهوا معنا، هذا البيت من هذا البيت إلى آخر القصيدة يقع في موقع الحال: «كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب، وعوجاء مجذا وأمر صريمة، تركت بها الشك الذي هو عاجز». ركزوا إن فاتكم هذا، فقد وقعت منكم هذه الوصلة. انتبهوا لو سمحتوا، أسأل الله تعالى أن أخلص لكم في هذا الشرح. لا أدري إذا كنت غالباً لن أشرح شرحاً مفصلاً مرة أخرى هكذا، يعني هذا استثناء ليس الأصل، يأخذ وقتاً وجهداً طويلاً، أنا أوفره للدروس الخاصة.

يقول: «وعوجاء مجذا وأمر صريمة، تركت بها الشك الذي هو عاجز». كان قتودي فوق جاب، يعني تركت بها الشك الذي هو عاجز؛ حال كون قتودي كان فوق جاب مطرد إلى آخر القصيدة، لأن البيت الذي يليه استمرار في حديث الجاب. اقرأ البيتين على مبدأ الجملة النحوية مرة أخرى، ركزوا وأنت على أي أساس تفسر البيت. أتظنون مثلاً أن أبا قيس يفسر البيت هكذا بعيداً عن موقعه النحوي أو الإشاري، سواء كان استئنافاً أو كان وصلة نحوية من الأبيات الأخرى أو مما قبله؟ مستحيل، هذا ليس عملاً اختصاصياً؛ الذي يفسر بيت بيت هكذا ويفرح.

«وعوجاء مجذا وأمر صريمة، تركت بها بالناقة بالعوجاء تركت بها الشك الذي هو عاجز، كان قتودي فوق جاب مطرد». أي تركت بالناقة، فالحال كان: «كان قتودي فوق جاب مطرد». فهمتم لماذا قلت هذا البيت إلى آخر القصيدة في موقع الحالية مما سبق؟ يعني تركت أنا الشك الذي هو عاجز، كان قتودي فوق جاب مطرد. وهذا من صور سائر القصيدة؛ هذا البيت من أوله إلى آخر القصيدة، كل القصيدة مشدود إلى هذا البيت: «وعوجاء مجذا».

لا تنسى هذا، «وعوجاء مجذا وأمر صريمة، تركت بها بالعوجاء»، اكتب العوجاء، الشك الذي أنا أظهرت لك الضمير حتى تفهم الربط؛ لأن قوله «كان قتودي» يعني قتود العوجاء. تركت بالعوجاء الشك الذي هو عاجز، حال كون قتودي التي تكون فوق العوجاء فوق جاب. إذن هذا البيت في موقع الحال من الضمير في «تركت بها»، أي ترك تركت بها العوجاء الشك الذي هو عاجز، والحال كان قتودي التي تكون فوق العوجاء فوق جاب مطرد.

فهذا البيت إلى آخر القصيدة في موقع الحال: «تركت بها الشك الذي هو عاجز»، حال كون قتودي ليست فوقها العوجاء، حال كون قتودي كأنها فوق جاب مطرد. ومن هنا سائر القصيدة مشدود إلى هذا الوضع، يشد سائر القصيدة إلى البيت «وعوجاء مجذا». لا تنسى هذا البيت الرابع المفصلي، بينما قبله: «هو ومرتبه لا يستقال بها الرد، تركت بها وتلافى بها حلمي عن الجهل حاجز».

«كان وعوجاء مجذا وأمر صريمة، تركت بها الشك الذي هو عاجز، كان قتودي فوق مطرد». فمن أول «كان قتودي» إلى آخر القصيدة مشدود إلى «وعوجاء مجذا». فلا تنسى أنه على ناقته، وأن كل ما يذكره من البيت الخامس إلى البيت الأخير في القصيدة (السادس بعد الخمسين، يعني 51 بيتاً) يعود إلى الناقة في «عوجاء مجذا» ويعود إلى صاحبها، هل بالتفصيل يعني وجوه الهيئة؟ لا، وإنما الحال مجمل، الحالة الحاصلة.

«كان قتودي فوق جاب مطرد». وكلمة «مطرد» هنا ركزوا ستقوم عليها القصيدة من أول هذا البيت؛ لأن «مطرد» هي أول صفة لشقاء هذا الحمار، ولمواجهة الحياة، ولخضرمته في مواجهة المخاطر.

كلمة مطرد يعني أنه طُرد إما من الأتن أو طُرد من الصيادين، وهذا قد أرجحه. كلمة مطرد ستقوم عليها القصيدة من هذا البيت إلى آخرها؛ لأن كل ما سيأتي سيكون كالتابع لها وكالمفسر.

يقول: وحلاها عن ذي الأراكة عامرٌ ... ويممها من بطن ذروة رمه ومرت بأعلى ذي الأراك عشيةً ... وهمت بورد القنتين فصدها وصدت سدوداً عن ذريعة عثب ... وحلاها عن ذي الأراكة إلى أن وصلت إلى الإمام.

فكلمة مطرد هنا لها خطر؛ يقول: «كان قتودي فوق جاب مطرد». لماذا لم يقل: «كان رحلي فوق مطرد»؟ بل قال: «قتودي». وكذلك ترونه يقول: «كان قتودي»، ولم يقل «قتودها» ولا «كان القدود». وهذا مسلك من مسالك قوة التشبيه، كان يمكنه أن يقول: «كأني...» أو «كانت ناقتي...»؛ «جاب مطرد» صح، «كانت ناقتي جاب مطرد من الحقب لاحته الجداد الغوارز». لكن لم يقل هذا، وإنما سلك مسلكاً يمكنك أن تسميه الترشيح، يعني التقوية حتى لو في التشبيه.

قال: «كان قتودي»، ليست على ناقة، وإنما فوق جاب مطرد، ليست فوق ناقة وإنما فوق جاب مطرد، كأنها فوق جاب مطرد. وعلى ذلك، أنا لا أقول: «كانت ناقتي جاب مطرد»، لا؛ «كان قتودي»، كان يقيم الدليل، «كان قتودي على جاب مطرد». وترونه قال: «قتودي»، وإذا قال: «قتودها» صح، لأنها تُنسب إليها أيضاً من وجه، وإذا قال: «كان القتود» صح أيضاً لأنها القتود، وإذا قال: «الرحل» صح؛ كما إذا ترك القتود والرحل كله صح أيضاً. ولكن لما قال: «كان قتودي»، أضاف خاصة لنفسه وأضمر معنى، وهو قوله في نفسه: كأني قد نصبت قتودي أنا، مختص بهذا، هذا يخصني أنا، كأني قد نصبت قتودي فوق جاب مطرد، قتودي أنا لا قتود غيره.

«كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب لاحته الجداد الغوارز». هكذا أنت تعيش القصيدة والبيت، افهموا هذا وركزوا فيه لو سمحتم، افهموا هذا، وأقولها ولست والله أقصد إلا أن أحرضكم وأحثكم على الانتباه. غالباً لن أشرح شرحاً تفصيلياً هكذا، ولو أفعل فإنا أجعله للخاصة أكثر، وهذه كانت مقررة أن تكون كذلك. لكن تعلمون السبب الذي لأجله شرحت هذه، فركزوا فيها جيداً. وإن شاء الله إذا ربطتم هذا فزتم فوزاً عظيماً. إذا استطعتم فهم القصيدة بالكامل والربط والصبر عليها تكون قد تدربتم، وهذه قصيدة عظيمة.

قال: «كان قتودي» وليس «كان رحلي»، لماذا؟ لأن القتود فوق الرحل، وفيها إشارة -ليس جملة الرحل بل القتود- وهو أعواد الرحل، يعني كأني نصبت أعوادي وأعددتها وشددتها وهيأتها إلى آخر ذلك. وقال: «قتودي أنا» ليخص نفسه، بعد أن قال القتود ليخص نفسه قال: «كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب»، وهذا نعت آخر. والحرف من هنا في العبارة، في قوله: «من الحقب»، للتبعيض، والعبارة في موضع النعت للجاب، ركزوا يا إخوة لو سمحتم لا تتكلموا كثيراً، العبارة أو شبه الجملة في موضع النعت للجاب: «فوق جاب مطرد من الحقب»، خلاص، فهي نعت ثانٍ.

أما العبارة: «لاحته الجداد الغوارز»، فهي حتى وإن كانت نعتاً له، ففيها إشارة أو تعريج. في محصلتها، إن كانت نعتاً له ففيها بعد ذلك تعريج عليه هو في الصفة التي يكون عليها فاعل التغيير. فقال: «من الحقب لاحته الجداد الغوارز»، انظر إلى الإشارة وإضمار الكلام في بعضه. من الذي لاحه غيره؟ من التي لاحته الجداد الغوارز؟ التي انقطعت عن الإنجاب وانغرزت وضمرت وارتفعت أفداؤها أو ضروعها، وهي الأتن.

فيقول: «لاحته»، يعني غيرته، وأراد بذلك أنه ضاربها وضاربته، وعضته وعضها، وحاولها وحاولته، حتى تركت به بجسمه وبأفخاذه وبأجنابه علامات غيرت من هيئته، غيرت من هيئته. «لاحته الجداد الغوارز»، فهو هنا -ركزوا في عبارة اكتبوها أمامكم- وصف الفاعل لـ «لاحته»، ترى فيه أن هذا الجاب الشديد الغليظ ليس حماراً شاباً في صدر شبابه، بل هو حمار قد غيرت من بشرته معالجة الأتن الجداد الغوارز، قد غيرت من بشرته ومن جلده.

تعرفون عندما ترون أحياناً كلباً عجوزاً أو مسناً أو كبيراً، وقد تظهر عليه علامات الصراعات الكثيرة والمعارك في وجهه وفي أنفه وفي أذنه وفي جسمه، أماكن علامات قديمة، في كل مكان ترى هكذا الكلب الكبير الذي دخل معارك كثيرة، والقطط المسنة، وفي بعض الأسود فيها هذه العلامات، ندوب وعلامات قديمة في الجسم. فهو يقول لك: «لاحته الجداد الغوارز»، يعني لاحته الأتن التي كثر ثرها لاقاها وهي لا تريد الجماع ولا تريد كذا لكنها تصحبه. فهو يقول لك هنا ينعت الجاب بـ «لاحته الجداد الغوارز»، فأخذك في رحلة فنية؛ لأن في قوله «لاحته» بهذا الفعل المسند إلى الأتن الجداد الغوارز ما يحكي عن معانٍ لم تباشر بالنعت المباشر، لأنه لما وصفه بأنه لاحته، أي غيرته، ووصف التي غيرته بالجداد الغوارز، هذا دلك على أنه كما قلت حمار كبير في مرحلة من السن وليس صغيراً غراً في صدر شبابه ما زال جلده يلمع، لا، بل هو حمار قد غيرته مضاربه الجداد الغوارز.

وهذا يهيئك به، اسمع هذا التدرج الذي أخذك به، يهيئك -لا تنسى- لوصف ناقته التي تعود في الأخير على صاحبها، على الشماخ نفسه. قال: «كان قتودي»، وقوى التشبيه «كان قتودي فوق جاب»، «مطرد» يعني طُرد كثيراً، شوف «مطرد» على صيغة المبالغة، طُرد كثيراً ولم يُصَد ربما أصيب لكن لم يُصَد. ثم قال لك: «من الحقب»، يعني ممن تم سنه وانفصل بياض بطنه عن صهبة ظهره، مطرد جاب حمار شديد، من الحقب لاحته الجداد الغوارز، غيرته. وبهذا تعلم أنه بدأ الوصف الممتد للجاب الذي يشبه به ناقته التي ترك بها الشك، الذي هو عاجزه بأن جعل الحمار الوحشية حماراً مسناً، ليس صغيراً، حماراً مسناً قوياً شديداً مخضرماً في الفرار من مطاردة الصيادين، تقأ كتب له أن يعيش وأن ينجو من الصيادين إلى أن صار من الحقب، لهذا قال لك: «مطرد من الحقب».

والفكرة ليست في الوزن ولا في القافية «مطرد من الحقب»، لأن المعنى أنه طُرد حتى صار من الحقب، وأنت تنشد القصيدة وتتذوقها تراعي ترتيب الصفات؛ لأن شرط البيان العالي أن الصفات لا ترتب على أي وجه كان، وإنما ترتب على نوع من التوخي والتأمل والنكتة البيانية كما يقول عبد...

«كان قتودي فوق جاب مطرد، من الحقب لاحته الجداد الغوارز، طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز».

كما يقول كل من يفهم نظرية البلاغة والنظم، كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب لاحته الجداد الغوارز. لقد عالت الأتان في البادية كثيرا حتى غيرت منها تلك الأذن الشديدة التي صحبته في البوادي. ولا تنسى أن هذا، بمعناه ووحيه، راجع في الأخير إلى ناقته العوجاء، فاربط ذلك وحاول، حاول من أول الكلام حتى يمرن عقلك على هذا الاستيعاب وحتى يطول نفسك الذهني، وأنا إن شاء الله تعالى سأساعدك في هذا، وأحاول أن أعينك على هذه الدربة، فاعن نفسك بالاجتهاد.

فنحن الآن في تاريخنا نخرج من عنق الزجاجة إلى سبيل إحياء شعرنا الأصيل وعودته إلى نفوسنا، أو عودتنا نحن إليه. «وعوجاء مجذا وأمر صريمة تركت بها الشك الذي هو عاجز». ركز الآن واستحضر: «كان قتودي فوق جاب مطرد، من الحقب لاحته الجداد الغوارز، طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز».

وهناك تفسير آخر في البيت السابق هو عندي، ولم أره في الشروح كلها؛ كلهم قالوا «لاحته» يعني غيرته، ولكن هناك نزوع خفي إلى معنى آخر في «لاحته»، وأنا أضعه تحت النظر، ولا أتعجل عادة، وهو أن «لاحته» من اللوم، كلاحاه، كما يقولون: «إننا وجدنا طوال الدهر للحب شافيا». فمعنى «لاحته» يقرب من أن تكون: لعنته، دعت عليه، لامتْه شديدًا.

ماذا يقول أوس بن حجر في «لاحته»؟ «وهبت تلوم وليست ساعة اللاحي، فكنت في فساد بعد إصلاح». فمعنى «لاحته» يعني لامتْه، وهذا متفق مع قوله: «الجداد الغوارز»، ومعناه التي قل لبنها وغرز ضرعها. كما في قول: «ودع لميس وداع الصارم اللاحي، إذ فنكت في فساد بعد إصلاح». وهي من محفوظ القديم، من أوائل ما حفظته قبل عقد من الزمن.

يقول في الدارجة الجزائرية: «غرزت البقرة»، سبحان الله، صحيح. فهو يقول: «الجداد الغوارز» يعني من شدة الظمأ، ولهذا قال بعدها: «طوى ظمأها»، وكأنه يفسر لك على أي شيء «لاحته»، على أي شيء «لاحته». وعندي نزوع في نفسي شديد، ما شرحته لكم هو شرح العلماء، أما نفسي فتنزع إلى أن «اللاحي» هو الذي في قول أوس بن حجر: «ودع لميس وداع الصارم اللاحي».

وأجلت لكم قولي أولًا لأوفِي ما قالوه حقه، وثانيًا لأشدكم إلى علته في البيت التالي؛ لأن قوله «طوى ظمأها» هو لقولي في تفسير «لاحته» كالتعليل مرة أخرى. «وعوجاء مجذا وأمر صريمة تركت بها الشك الذي هو عاجز، كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب لاحته الجداد الغوارز، لماذا طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز؟».

ويؤيد هذا أنك ترى سائر القصيدة سلطان الجاب هذا على الأتان وتوجيهه لها وعنفه عليها، تفاديًا إذا استذكت عليها وتتقي كما تتقي الفحل المخاض الجوامز. وهو الذي يحركها، كما في الآخر: «يحشرجها طورًا وطورًا كأنما له بالرغام والخيام راجز». ولما دعاها من أباطح واسطة، فهو رائد يكلفها طورًا مداه، إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز محام على عوراتها، يعني هو المتحكم فيها.

وهنا «لاحته» التي في البيت الخامس ستلتقي مع الصورة في البيت السابع: «لهن صليل ينتظرن قضاءه»، وتتفق مع الصورة هنا: «طواظمها في بيضة القيض بعدما فظلت بيمؤود»؛ هذا الذي قلت قبل قليل، لكن قبله: «فظلت بيمؤود، كان عيونها إلى الشمس هل تدنو؟»، فهي بعدها: «لهن صليل ينتظرن قضاءه». فـ«لاحته» أميل إلى أنها: لامتْه شديدًا وشتْمه إليه شديدًا.

أستاذ، أنا الذي سألته بداية البث، أعتذر منك. عذرك مقبول، لكن لا تفعله مرة أخرى، هذا لا ينبغي رضي الله عنك؛ كيف أنا تعجبت كيف تسأل وتكرر وتضع السؤال وأنا أنشد وأتكلم؟ «كان قتودي فوق جاب مطرد، من الحقب لاحته الجداد الغوارز، لماذا طواظمها؟». هو دخل من حساب آخر يا مولانا؛ «طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز». سأظل أذكرك الآن بشخصية الحمار الجاب، التي هي شخصية ناقته التي جاوزت به الريب والشك الذي هو عاجز. هكذا شخصية ناقته، وشخصية صاحبها في تجاوز ما يريب النفس وفي تجاوز الشك الذي هو عاجز.

قال: «طوى ظمأها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز». نبدأ أولًا بالحديث في لغة البيت؛ الظمأ هو مدة العطش وانقطاع المياه، فلذلك يطلق على المعاطش وهي فترات العطش، ويطلق على مدة الرعي دون شرب، كما في بيت زهير بن أبي سلمى: «رعوا ما رعوا من ضمئهم، ثم أوردوا غمارًا تسيل بالرماح وبالدم».

الماء عند العرب في أرضهم في صحرائهم وفي راعيهم ليس متوفرًا كما الآن، أو كما في مصر أو كذا، وإنما ترعى الحيوانات مدة ثم تذهب لتشرب وترجع إلى الرعي؛ فهذا وقت وهذا وقت، فهمتم؟ فيسمى ذلك الضمأ، يعني الفترة التي يحصل فيها انقطاع الماء، أو تكون مدة الرعي، وتسمى المعاطش، يعني وقت العطش. فالضمأ هو مدة العطش وانقطاع المياه، فيطلق على المعاطش وهي الفترات التي تكون بغير شرب، ويطلق على مدة الرعي كذلك، أو فترة الرعي دون شرب.

طوى ضمئها، ثم أورضوا، جاؤوا إلى الورد غمارًا تسيل بالرماح وبالد، وقوله طوى ضمها، يعني مده وضاعفه، هذا معنى طواه، كمن يطوي البلاد، يعني يقطعها بلدًا بلدًا، فمد مد أسفاره. طوى البلاد يعني طوى انتقاله إليها، يعني مد، فهو يطوي الضم بعد الظم، يعني يصل الضم بالظم، وهي تنتظر بعد الضم أن ترد، وهو لا، لأنه يعلم.

لا تنسوا الناقة: «طواظمها»، في كلمة فقط: طواظمها. طوى ضمها، مد ضمها، ضاعف الظم، جاء بالضمء بعد الظم، وصل الضم بالضم، والضم الثاني بالثالث، والضم الثالث بالرابع، وهكذا: طوى ظمأها.

في بيضة القيض؛ البيضة يا إخوة، البيضة في كل شيء أثمنه وأشده وأصله وأساسه، يستاصلون بيضتنا، يعني يقضون على أساسنا، يأتون علينا من الأساس. خلاص، البيضة بيضة كل شيء أثمنه وأشده وأصله، حتى امرؤ القيس لما قال: «بيضة الخدر»، أراد أشد ما يحرس من ذوات الخدور، يعني بيضة خدر، يعني علقها بقومها، أنها محط حراسة قومها، هذه ابنة فلان، كبير القوم، ولهذا لو فهمت معنى كلمة «بيضة الخدر»، فهمت الحقيقة التي أرادها امرؤ القيس من الأبيات، وأنها أبيات تنكيل بأهلها وليست أبيات لهو كما يظن البعض، أنها لهو؛ وقت لا، هي تنكيل، ويؤكد ذلك قوله بعد أن وصف بيضة خدر، وصفها وصف مخضوضة ربه فقال: «لا يرام خباؤها»، يعني لا يطلب خباؤها، خباؤها يعني بيتها، بيتها بيت أهلها، ومعنى قوله لا يرام يعني لا يطلب حتى للزواج، يعني لا يطمع بالزواج منها.

فقال: «وبيضة خدر»، يعني بيضة قوم، لكن هي بيضة خدر، بيضة قوم من ذوات الخدور، «لا يرام خباؤها»، لا من قومها ولا من خارجها يجرؤ على أن يتزوجها، انظر إلى المفارقة: «تمتعت»، يعني انتفعت انتفاعًا ممتدًا مستقرًا، «تمتعت من لهو بها ونكر»، لهو غير معجل، مش مستعجل، كان ينكل بقومها، ولهذا قال بعدها: «تجاوزت أحراسا إليها، ومعشرًا علي حراس صالوا يشرون مقتلي»، لو يذيعون مقتلي يعني يقتلونني علنًا، خلاص لما أفعل بهم.

فهو كل هذا مبداه عند البيضة، البيضة من كل شيء أشد ذروته، لبه، عموده، أساسه، وأصله وسره وأثمنه. والقيض، لما أقول في بيضة القيض، القيض هو صميم الصيف وحاق الصيف، وهذا حددوه أنه يكون من طلوع الثريا إلى طلوع سهيل، والجمع أقيض وقيوظ.

ومعنى قوله: «جرى في عنان الشعريين الإماعز»، انتبهوا بكلمة «عنان» ليست مستعملة الآن عندنا للأسف، معنى جرى في عنان الشعريين أي جرى في عراضهما، يعني في ظهورهما، تعرف لما يقول عن الشيء يعني ظهر، وأراد أنه جرى السراب على الإماعز في وقت اعتراض الشعريين.

«جرت في عنان الشعريين الإماعز»، الإماعز جمع الإمعز والمعزاء يا إخوة، وهي الأرض الحزن الشديدة الغليظة ذات الحجارة، ومعنى جري الإماعز هو جري السراب أو الآل عليها كالماء من شدة الحرارة، ومعنى في عنان الشعريين يعني في طلوعهما، في عنانهما، لما يقول عنان الشيء ظهر، فمعنى في عنان الشعريين يعني في أول ما عنّ كل نجم منها، في أول ما عنّ نجم، يعني الصيف بدأ مبكرًا جدًا، وأول ما ظهر الشعريان، أول ما عنّ الشعريان، في عنان الشعريين جرت الإماعز. قلنا الإماعز جمع الإمعز والمعزاء، وهي الأرض الشديدة ذات الحجارة المتقدة، وجري الإماعز كما قلنا هو جري السراب أو الآل عليها كالماء من شدة الحرارة.

والشعريان، قالوا فيهما إنهما نجمان، الأول هو العبور، والثاني هو الغميصاء، وفي سبب تسميتهما بهذين الاسمين، بالعبور والغميصاء، كلام يمكنك أن تراجعه في كتاب الأنماط لابن قتيبة، وتراه أيضًا في لسان العرب. والشعريان هما من نجوم القيض كما قالوا.

فيقول: «طواظمها في بيضة القيض»، أو «طوى ظمأها طواظمها»، عرفتم لماذا لاحت له؟ طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز. فهمتم الآن البيتين يا إخوة؟ أو فهمتم البيت ومعنى «جرى في عنان الشعريين الإماعز»؟ يهمني الأول أن تفهم المعنى المجمل للبيت، أن تفهم تركيبه، لأن هناك من الأبيات ما لا يفهم أصل معناها بسبب أعجمية المعاصرين عن تراكيب العرب الفصحاء، وبسبب غرابة بعض المفردات بالنسبة إلينا، وأنا أظن الشماخ بن ضرار كان مغربًا، أو مغربًا أيضًا بال على بعض المتقدمين أيضًا.

«طوى ظمأها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز»، طبعًا فاعل جرت هو الإماعز، يعني بعدما جرت الإماعز في أول طلوع، أول ما عنّ الشعريان، أول ما اعترض الشعريان، ومعنى عنان يعني اعتراض الشعريان، يعني اعترض، «فعن لنا سرب» يعني اعترض لنا سرب من حيث لم نحتسب.

«طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز»، هذا بيت مركب بالفنون تركيبًا شديدًا، مبني على استعارات وكنايات، أنت تراه أولًا يقول: «طوى ضمئها»، ويقول: «في بيضة القيض»، ويقول: «بعدما جرت الإماعز»، والمقصود أو الذي يسند إليه الجري هو صورة السراب أو صورة الآل، وليست الإماعز هي التي جرت، كما تقول: «جرت الجبال»، يعني جرت المياه على الجبال.

وبالمناسبة، هذا النوع من التحويل الإسنادي أو القلب يستعمل استعمالًا خطيرًا بارزًا لما يريدون المبالغة في الفعل، أحيانًا يسندون الشيء إلى المكان، يعني مثلًا عندك امرؤ القيس يقول: «كميت يزل اللبد عن حال متنه، كما زلت الصفواء بالمتنزلين»، الصفواء الحجارة الملساء، المتنزل المطر النازل، النازل شديدًا، يعني كما زل المطر الشديد عن الحجارة الملساء، هل الحجارة تبقي من الماء شيئًا؟ الحجارة الملساء تبقي من الماء الشديد شيئًا؟ هل يعلق بها الماء الشديد أم ينزلق؟ ينزلق.

من الذي زل الماء أم الحجارة؟ الماء. وهو في قوله: «كما زلت الصفواء بالمتنزل»، جعلها هي التي زلت بالمتنزل، وجاء بالباء الزائدة، الأصل أن يزل الماء، ولكنه لما قال «كميت»، والكميت عند العرب الفرس القوي يكون زيتيا، أي أن جسمه زيتيا، كأنه جلد دون شعر، هو المنجرد، يصفونه بالزيتية. بالمناسبة، هناك في شعر القدماء الجاهليين يصفون الخيل بالزيتية.

لما أرى في الأفلام الأجنبية أو في البرامج ترى الحصان الأجنبي غير العربي مليئاً بالشعر، أنا أشماز من هذا. الحصان العربي زيتي هكذا منجرد، هذا الحصان فيه -طبعاً غيره ليس كذلك في العربي أيضاً لكن الجيد منه هكذا- فهو يقول: «كميت».

نعم، شعر صغير وأملس وزيتي، فهو يقول «كميت». يزل اللبد؛ واللبد هو تلك الفرشة التي توضع أو التي تطوى تحت السرج، التي تحمي ظهر الحصان من الأجزاء القاسية من السرج، فيضعون اللبد ويشدون عليه السرج، فهو يقول لك: «كميت». الحمرة الضاربة للسواد، الحمرة الداكنة الضاربة للسواد.

فيقول: «حتى إن اللبد من نعومته وزيتيته وهو كميت يزل عن حال متنه»، يعني يزل عن مكان لا يزل عنه اللبد، لكن لشدة ملاسته وزيتيته، ثم يبالغ في التشبيه يقول: «ولا يتعلق به ولا يحتك بحيث يقاوم الذلة من فوقه، وإنما كما زلت الصفواء بالمتنزل».

وقال هنا «الصفواء»، لأن الصفواء في هذا التشبيه المركب تقابل ماذا في المشبه؟ تقابل جسم الحصان، فكأنه يقول لك جسمه هو الذي زلّها؛ كما زلت الصفواء بالمتنزل، فكما أن الحجارة هي التي طردت الماء في هذا القلب، فكذلك جسم الحصان هو الذي طرد اللبد.

اسمع الآن: «كميت يزل اللبد عن حال متنه، كما زلت الصفواء بالمتنزل»؛ أي كما دفعت الصفواء المتنزل زل الماء النازل. فهذا القلب كثير عند العرب، هذا المجاز كثير. قال: «جرت في عنان الشعريين الإماعز»، هل الإماعز هي التي جرت؟ أسألكم، هل الإماعز هي التي جرت؟ طبعاً لم نكشف عن بلاغة البيت بعد، أنا فقط أكشف عن بعض الوجوه.

ليست الإماعز هي التي جرت، وإنما جرى عليها الماء، ولكن من شدة جريان السراب عليها الذي كالماء كان الإماعز تجري؛ نقل الفعل إليها: «جرت الإماعز». كما تقول: «جرت الوديان»، «جرت السهول»، السهول لم تجرِ بل جرى عليها الماء، والوديان لم تجرِ بل جرى عليها ماء.

كما تقول: «سالت الجبال بالبشر»، هي الجبال لم تسل، هي ممكن أسالت البشر، لكن تقول سالت الوديان، والوديان لم تسل، وهكذا؛ مثل «سال دمع العين»، سال دمع العين لكن لما تنقل جاز إليها، فهذه مبالغة وكأنها هي التي تسير.

«في عنان الشعريين»، وانظر إلى تقديمي «في عنان الشعريين»، تعالى كما قلت هذا البيت مركب من فنون من الاستعارات والكنايات، وهناك كناية لأن قوله: «جرت في عنان الشعريين الإماعز» يرمي به إلى معنى آخر، وهو شدة الحرارة، وشدة الهجير، وشدة الاحتراق، حتى صارت الإماعز تجري بصور السراب.

ومحصل هذا البيت هو أن هذا الجاب منع الأتَن من الرحيل، وامتنع من أن يرحل بها نحو الماء لأنه يعلم بوجود الصيادين؛ هي لاحته، هو لاحته، هو لا يعنيه، «طوى ظمأها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز».

إذن لماذا؟ فمحصل هذا البيت هو منع الأتَن من الرحيل وامتناعه، يعني انحباسه هو عن أن يرحل بها مع أنه في بيضة القيض معها، ولكن «طوى ظمأها»، وصل الظم بالظم، والظم بالظم، يعني صبر.

لا تنسى: «وعوجاء مجذا وأمر صريمة، تركت بها الشك الذي هو علي، كان قتودي فوق جاب مطرد، من الحق لاحته الجداد الغوارز، طوى ظمأها في بيضة القيض».

فهو يعلم بوجود الخطر وظل منحبساً قبل أن يقرر الحركة بهن في البيت التاسع، وعجيب ما سيأتي: «فلما رأينا الورد منه صريمة»، وبعدها ذكر فعله في البيت التالي: «ولما رأى الإظلام بادره بها»، هي رأت منه صريمة مضينة، وهو «ولما رأى الإظلام بادره بها» هو أبطأ في الحركة، متريث حتى يكاد يتأخر عن حركتهن.

كل هذا من الكلام من اللغة، وقصده الشماخ، هل قصد الشماخ؟ وكل هذا طبعاً يتكلم هكذا: «طوى ظمأها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الإماعز». فهذا البيت والبيتان بعده في معاناة الأتَن بحبس الجاب لهن عن الورود إلى مواضع المياه وموارد المياه.

وهذا البيت يمكنك أن تعده استئنافاً، يعني أن تقول: لماذا؟ كأنك تسأل: لماذا لاحته الجداد الغوارز؟ فتجيب: «طوى ظمأها»، فيقع في موقع التفسير والاستئناف. ولو فسرت «لاحته» على تفسير الموجود الذي قلته أنا في الأول وأفضت فيه، وهو لاحته يعني غيرته، ثم قلت «طوى ظمأها»، فسيكون في موضع النعت للجاب كذلك.

وهكذا ينتظم على هذا الثاني حديث الجاب مع الأتَن إلى آخر القصيدة، فالقتود فوق جاء صفته كذا وكذا وكذا إلى آخر القصيدة. «طوى ظمأها»، لا يصح «لاحته عطشته الجداد الغوارز»، أنا قرأت كلامك وليس صحيحاً فلم أرد أن أشوش به، يعني أنها عطشته الجداد الغوارز لا يصح.

وإنما هي إما من باب، كما قال الشراح، «لاحته» بمعنى غيرته، وإما «لاحته» بمعنى أي بالمعنى الذي فيه «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»؛ اللاحي يعني الذي يلاحي ويلوم ويبكت ويفند، وهذا أراه منسجماً مع الكلام.

يقول: «طوى ظمأها في بيضة القيض»، لم يذكر الشاعر ضم الحمار، لم يقل هو حتى جواب لأختنا لم يقل ضمه وضمئها أو طوى ضمئهم، وإنما قال: «طوى ظمأها»، فلم يعمل الشاعر حساباً لضم الحمار الجاب، إنما قال «طوى ظمأها»؛ لأن الشاعر كان يماهي، يذهب بالجاب في تحمله أو في تحميله رعاية غيره، لا تنسى الناقة.

وهذا هو المعنى الذي يرمي به الشاعر في ناقته التي جعلها منشغلة بالحفاظ على صاحبها من الريب. تذكرون لما قلت لكم هناك تشبيه تقابل فيه الأجزاء، وهناك تشبيه تأخذ فيه جملة الحال وجملة المعنى الحاصل في النفس، هذا هو الآن كما قلت لكم يكون شخصية الجاب الحمار.

فتخيل أن قوله «طوى ظمأها» سيعود على الناقة، لماذا؟ هو أيضاً ظامٍ وهو يتحرك أكثر منها بالمناسبة في البحث وكذا والنظر ويفكر، فهو ظامٍ ربما أشد منها، لكنه جاب صبور مطرد خبير، نجا كثيراً وناقته نجت كثيراً.

«طوى ظمأها»، فشخصية الجاب هنا تلاحظ أنها شخصية المحافظ، حامي الذمار الذي ينظر إلى من يعولهم لا ينظر إلى نفسه، ليست شخصية الناجي، افهم هذا لأنه في الشعر لا يأتي اعتباطاً، هو بالضبط أم عيال، كما في أي تائية لأبي توبة أو قصيدة الشنفري التائية في المفضلات.

«طوى ظمأها في بيضة القيض»، وهنا إذا تأملت قوله «طوى في بيضة القيض» بجعل بيضة القيض ظرفاً للطي، تبين لك عمل هذا المجاز في تشديد المعنى: «طوى ظمأها في قلب بيضة القيض». يعني لماذا ليست القضية فيما تراه من جسم الكلام وجسم المعنى، بل فيما ينتهي إليه من تداعي المعنى، فيما تؤول وتنتهي الإشارة إليه في الكلام. ما معنى أن يشبه...

اسمع، قلت لك إن فهمك للسياق سينبني عليه تفسيرك للبيت. ما معنى أن يشبه ناقته بحمار جاب معه أتنًا وطوى ظمأها في بيضه القيض؟ والمفترض أنه يهرع بها الآن إلى الماء، لكن ماذا لو كان هذا الماء عليه شك؟

عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجزاجز. هنا الأحسن والصواب والأحكم: تركت بها الشك الذي هو عاجز. «طوى ضمأها في بيضه القيض» بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز. وترى جريان الأماعز هنا -كما قلت في الأول- كناية عن التهاب السماء. في كل هذا هو طواظمها؛ حكيم، يصبر، ويعلم متى يتحرك، وهو ما سيأتيك بعد ذلك في قوله: «وهو ضامٌّ لهن صليلٌ ينتظرن قضاءه».

«طوى ضمأها في بيضه القيض»، طوى كما قلنا يعني مدّ ووصل الضم بالضم، وليس الأصل، الأصل أنه بعد الظمأ الواحد ورود؛ «رعوا ما رعوا من ضمئهم ثم أوردوا غماراً تسيل بالرماح وبالدم». خلاص، فهو طوى الظمّ، وصل الضم بالظمّ، ركزوا يا إخوة، ماذا يريد هذا الحمار؟ حتى حمار الجاهلية أحسن من حمار! يا نهار أبيض، حتى الحمار في الجاهلية مش حمار.

يعني هناك لخبطة في الكلام، يقول لك الحمار الحكيم ماذا؟ عبد الملك بن مروان لما كان يسمع شعر الشماخ ويشد ويرى شدة وصفه للأذن يقول: حسبت أن أحد أبويه كان حماراً! من أين علم كل هذا الذي يقع بين الحمر من شدة؟ ليست هذه القصيدة فقط، هناك قصائد أخرى فيها أيضاً وصف الحمير وما تفعل وكذا بالتفصيل، وبحديثها النفسي فيقول: «حسبت أن أحد أبويه كان حماراً». حمار وحشي، يعني من أين علم هذا؟ لازم أحد أبويه كان كذلك يعني عشان يعرف التفاصيل. هذا قالها عبد الملك بن مروان عن الشماخ بن ضرار.

تخيل واحداً اسمه -مثلاً بطريقة أهل زماننا، احذف الألف واللام واحذف ابن- اسمه شماخ ضرار، اسم يدخل في الحائط! شماخ ضرار، من ذبيان غطفان. لله دره، رضي الله عنه، اسمه مرعب، صح؟ شماخ ضرار.

يقول انظر: «طوى»، ما معنى طوى؟ وصل ومد، كطوى البلاد مدّ، وضع فوصل الظم بالظم. «طوى ضمأها في بيضه القيض»، إذاً هناك شيء، وأيضاً بعدما جرت -يعني في أشد الهجير وأطال جداً في أشد الصيف- بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز، فظلت بيمؤود، كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز؟

«يمؤود» اسم موضع وسيذكر مرة أخرى في القصيدة، وذكر في أول القصيدة الرابعة له كذلك. والركي الآبار الصغيرة، الركي جمع الرقية، الآبار الصغيرة. والنواكز الغوائر، يعني التي ذهب ماؤها وانخفض فهو غائر، فهي غوائر، والنواكز فماؤها فهي ناكزه، وهي نواكز يعني انخفض ماؤها موجود لكن تحت. والركي كما قلت الآبار الصغيرة، كأنك ترى آباراً صغيرة هكذا من بعيد، ويمؤود اسم موضع.

يقول: «طوى ضمأها في بيضه القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز فظلت بيمؤود، كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز؟». هذا البيت أيها الإخوة من أبرع ما وقفت عليه في استعمال ما يعرف بالاعتراض. وجه الاعتراض فيه من حشد البيان ودقة الإشارة وكثافتها ما تعلم به أنه من نادر الشعر، بل من نادر نادرة، وقدرة الشاعر فيه عجيبة. تراني بلغت، اعلم تراني بلغت، فاسمع كيف انتهى الشاعر إلى أن يرفع اعتراضه إلى السماء، إلى سماء البيان.

أنا أنظر الآن إلى البيت وأترجم معانيه؛ لأن هذه الألفاظ هي ظل للمعاني التي في الصدور، إن الكلام لفي الفؤاد، وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلاً كما يقول الأخطل. وهذه نظرية النظم أصلاً؛ إن عبد القاهر أقام كتاب الدلائل كله على إثبات أن العبرة في الفصاحة بمعاني الألفاظ لا بالألفاظ.

فأنا أنظر الآن إلى البيت، وأرجع إلى البيت بقوله: «فظلت»، واحدة واحدة، الآن اترك أي تعليق وأي مشوشات من حولك وركز في عقل الشماخ. قال: «فظلت»، فقط هذا اللفظ «فظلت»، فاحضر البقاء وطول المكث بيمؤود. ثم جاء بجملة حالية قال: «فظلت بيمؤود»، ثم جاء بجملة حالية هي جملة التشبيه: «كأن عيونها إلى الشمس». وهذه بحاليتها تلتقي مع «فظلت» التي هي أساس البيت كله وظرف لكل معانيه.

«ظلت بيمؤود كأن عيونها إلى الشمس»، جملة حالية في الضمير الفاعل في «ظلت»، فإذا بك الآن ترى اليوم يمتد على تلك الأتن تحت لعاب الشمس، لا ينقطع نظرها إلى السماء. أنا لا آتي بكلام من عندي، نحن الآن نحاول أن نخرجك من الاستعمال الجهجهوني، من استعمال الألفاظ كما نستعملها نحن بزراميط هكذا، إلى الاستعمال البياني المحسوب، إلى اللسان العربي القويم غير ذي العوج.

«فظلت بيمؤود كأن عيونها إلى الشمس»، أنا لم أنسَ الاعتراض، أنا أصل بك إلى الاعتراض لتعرف معنى الكلام ومن أين جاءت براعة الاعتراض ورفعها إلى السماء. تبدأ من قوله «فظلت»، تستغرب أننا نشرح البيت في أربعين دقيقة أو نصف ساعة أو ساعة، عادي. «فظلت بيمؤود»، ركزوا معي عشان أنت الذي تكتشف الكلام. «فظلت» مده طويلة، أه زمن، زمن يتعلق بالزمن، «فظلت» امتدت.

«طوى ضمأها فظلت بيمؤود»، «فظلت» جملة «كأن» ماذا؟ هي حال من الفاعل في «ظلت»، يعني حال ملازمة، كما ظل بيمؤود ظلت حالها معها كذلك. ولما جاء الشاعر إلى هذه المرحلة، هو يعلم ما الذي في ذهنك؛ «فظلت بيمؤود»، «كأن عيونها إلى الشمس»، هو يعلم أنك تراها على طول يومها، وقد ظلت تلك الأتن تحت لعاب الشمس لا ينقطع نظرها إلى السماء، فهي تردد النظر إلى الشمس بين الفينة والفينة وتديم النظر، فانت تراها الآن وكأنها تنبعث نحو السؤال، تسأل نفسها وتسأل بعضها.

وكأن هذه الصورة قطعت حبل التشبيه فجاء بالاعتراض: «هل تدنو؟»، ثم أتم عبارة التشبيه: «ركي نواكز». وهذه ليست من عظم التشبيه، بل هو قطع بها التشبيه. «فظلت بيمؤود كأن عيونها إلى الشمس تتساءل هل تدنو؟»، فالشاعر يعلم أنك إذا وصلت إلى هذه الصورة فأنت ترى معنى في عينيها أنها ظلت بيمؤود تحت الشمس، كأن عيونها إلى الشمس، يعلم أنك معلق بظله فقال لك: «هل تدنو؟» تسأل «هل تدنو؟»، ثم رجع وأتى بخبرك أن «ركي نواكز»، والركي الآبار التي غارت مياهها، فصار جزء كبير مظلم ولمعانها في الداخل.

فأراد أن يصف أعينها؛ غارت في عظام الأعين، المحاجر، وصارت كالأبار التي غار ماؤها، فسطح الماء اللامع أسفل، فكذلك مقل العيون غارت في عظام الجمجمة من العطش، وهي النواكز الغوارز؛ فظلت بيمؤود.

«كانت عيونها إلى الشمس». وهذا ليس من عظم التشبيه، والظاهر الذي قام عليه البيت، ولكن الشاعر خلقه بمكره في نفسك. هناك ما يعرف بمكر الشعراء، الشاعر ماكر، والبيت الذي لا يظهر فيه مكر الشاعر ليس ببيت. أقول: خلقه بمكره في نفسك، ويعلم بوجوده في نفسك بوجود هذا التساؤل، المعنى في نفسك، فأتى لك بهذه الجملة المعترضة وكأنه يجيب عن سؤال في نفسك هو هياكل لتسأله، هيا لك لهذا السؤال بالزمان: فظلت، والفعال عيونها إلى الشمس.

فظلت كأن عيونها إلى الشمس، فكان الشاعر يقول لك قبل تمام جملة التشبيه: نعم كما تراها وترددها إلى الشمس، تردد عينها إلى الشمس هي تسأل: هل تدنو هذه الشمس؟ ومن براعة الشماخ هنا أنه لم يقل "متى تدنو" وهذا هو الأصل، وإنما قال "هل تدنو"، فصار السؤال عن إمكان تحقق الدنو أصلاً، وهو معلوم أنه يحصل. فصارت الشمس من طول مكثها في كبد السماء يشكك في تحقق أنها ستدنو أصلاً، فهذه إشارة إلى طول ما أمسكت الشمس دون مساس بالتصريح، والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر؛ طولت خطبة، هذه إشارة إلى طول ما أمسكت الشمس في كبد السماء دون مساس بالتصريح، وهذا هو الفن، وهذا هو الفرق بين الصورة الشعرية والمعنى الغفل، هذا هو الفرق بين الصورة الشعرية والمعنى الغفلي.

ومن براعة الشاعر أيضاً في هذا البيت أنه حذف متعلق الجار والمجرور "إلى الشمس" ليجعل العين إلى الشمس، وليجعلك تأتي بأقرب شيء يلصقها بالشمس، فقال: «كانت عيونها إلى الشمس»، يعني مثلاً منصوبة إلى الشمس، أو ناظرة إلى الشمس، أو منصوبة إلى الشمس، يعني كان عيونها منصوبة إلى الشمس، ناظرة إلى الشمس، يعني أشعر بشيء ذاهب إلى الشمس، هناك معنى مقدر وهو تركه لك.

وأرجع وأقول: والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر؛ طولت خطبة. قلت لكم غرض الرئيس من شرح هذا الشعر، هذه القصيدة، هذا الشرح التفصيلي، أن نحترم أنفسنا. روح انظر إلى الذين يطيرون بهم شعراء وودكاست وقصة وعنتريات، روح اسمع القيد، لا يعرف يعني إيه لمح ولا إشارة ولا كثافة تعبير ولا إجمال ولا تقدير كلام، ولا تعبير كلام مكتوم ولا شيء.

ونفس جملة الجار والمجرور "إلى الشمس" في موضع الحال، يعني كان عيونها حال كونها إلى الشمس تتساءل: «هل تدنو ركي النواكز؟». انظر الشاعر لماذا أتى بين المشبه -وهو اسم كان- والمشبه به -وهو خبر كان- ركي النواكز؟ أصل الكلام: كان عيونها ركي نواكز حال كونها إلى الشمس تسأل هل تدنو. شفت الكلام؟ هذا أصل الكلام، لا، ده أتى لك بعبارة حالية. شوف ماذا فعل الشماخ بن ضرار، الشاعر بمكره، مكر الشعراء، ماذا فعل؟ بماذا أتى بين اسم كان وخبر كان، بين المشبه والمشبه به؟ أتى لك بعبارة حالية، وحذف لك المتعلق. ليس المتعلق، المتعلق هو الجر والمجرور، حذف لك المتعلق، قال: «إلى الشمس»، فهذه عبارة حالية حذف منها المتعلق. ما الذي إلى الشمس؟ هو حذفها لك لأن حذفها أجود؛ لأنه لو لم يحذفها قيدك، فلما حذفها أطلق العنان لذهنك بدلالة السياق، أن يأخذ أقرب شيء، لدرجة أنك تشعر بأنه لا مقدر، تشعر بأنه لا مقدر، «كانت عيونها إلى الشمس»، ما هو لازم في تقدير، لابد في تقدير، يعني "إلى الشمس" ما هذا؟ حرف واسم، أين المتعلق؟ علق "كانت عيونها" إلى الشمس.

ثم ماذا فعل أيضاً بين الاسم والخبر؟ أتى لك بجملة اعتراضية: «كانت عيونها، حال كونها إلى الشمس، هل تدنو ركي النواكز؟». ولذلك المبتدئون في الشعر مستحيل يفهموا هذا البيت من أول قراءة؛ لأن عيونها اسم كان، وركي خبر كان، وإلى الشمس حال محذوف المتعلق، جملة حالية محذوفة المتعلق، "هل تدنو" جملة اعتراضية يقدر فيها السؤال.

فظلت الآن نقرأ البيت: «فظلت بيمؤود، كانت عيونها إلى الشمس، هل تدنو ركي النواكز؟». لأن الحمر، إذا نظرت الحمر والبغال والخيل، أعينها في الجنب، وجبهتها هذه تسمى بمنطقة العمى عند أهل الخيل، يعرفونها يسمونها منطقة العمى، ولذلك الحصان إذا لم توجهه وانفعل وجرى ممكن يدخل في سور أو في سيارة، ولهذا يظل الحصان وهو يجري يتلفت، لماذا؟ لأن الحصان لابد أن يتبصر طريقه. فهو يصف هذه الحمر، يقول: «كانت عيونها إلى الشمس»، تعرفون بماذا تستحد إلى الشمس هنا؟ أنها تكلف أن تعمل رؤوسها كذا، فهي إلى الشمس متوجهة، ذاهبة إلى الشمس. الإنسان صعب أن يقال فيه «كانت عيونه إلى الشمس»، صعب لأنه لم يفعل فعلاً كثيراً ليتجه إلى الشمس ليرى، لكن الفعل الذي فعلته الإبل أعطى المساحة للشاعر بأن يعبر بنظرها إلى الشمس وأن يقول: «كانت عيونها إلى الشمس، هل تدنو؟».

لما وصفها تعمل هكذا وتنظر، فقال: «إلى الشمس»، تتساءل، لماذا وصل إلى هذه المرحلة؟ اعترض بجملة اعتراضية: «هل تدنو؟»، ثم كأنه تذكر أنه في جملة تشبيه: «ركي النواكز». ولما فعل هكذا والأعين في جوانب صفحة الوجه في الجنب، رأى محاجر أعينها وقد غارت فيها المقل، فقال: كأنها آبار صغيرة، نواكز يعني غائرة الماء، فأنت ترى ظلاً أسود كثيراً فراغاً وترى الماء في أسفل، وكذلك عيونها، ترى فراغاً كبيراً هو عظم العين، المحاجر، وترى مقلتها في أسفل كما ترى الماء في أسفل النواكز وهي الأبار الصغيرة.

هل يوجد حرف بل شكله في البيت لم يوظف شعرياً؟ أسألكم: هل توجد كلمة في البيت لم توظف شعرياً؟ لا شيء، ولا شيء، ولا شيء، وهذا يدلكم يا إخوة على أن الشاعر لا يعالج الوزن، الوزن عنده يأتي في نغم الكلام يوظف. ولهذا بمناسبة حتى كلمة فلان مروض القوافي، هؤلاء بتاع الغلابة، بتاع المتأخرين، يحتاج إلى أن يروض القوافي، لما المتنبي يفخر أنه تروّض القوافي وكذا.

ما أنت واخذ بالك من القوافي أنها تتعبك؟ هؤلاء ما عندهم هذا الكلام، نحن الذين تعبنا في تفسير الكلام.

بعد كل البراعة التي شرحتها لكم في البيت، وجملة الشعر وهو البيت؛ البيت موزون على بحر الطويل: فعول مفاعيل فعول مفاعلن فعول مفاعلن، فعول مفاعلن فعول مفاعلن، فعول مفاعلن. البيت موزون، وبعد كل هذا الشاعر يقول على الوزن. الشاعر يتغنى بما يريد على الوزن؛ لأن ثراءه اللغوي وقريحته الشعرية واسعة. نحن في زماننا أكثرنا، بل كلنا تقريبًا، نفكر في الوزن ونراعي الوزن، لكن هذا يأتي مع الكلام من شدة الملكة، يأتي الوزن من شدة الملكة وليس آخر همه، ليس له هم أصلاً. هو عنده تراكيب كثيرة على نغمة الطويل؛ فكما أنت الآن ممكن على نغمة واحدة تغني عدة أغاني، هو لا يفعل هذا، هو يفعل مثلك، يتغنى عنده تراكيب كثيرة جداً على بحر الطويل، بحر الطويل عنده نغم يلتقي مع كثير من التراكيب.

فظلت بيمؤود، طوى ظمأها في بيضة القيض بعدما، جرت في عنان الشعريين الإماعز. فظلت بيمؤود، كان عيونها إلى الشمس هل تدنو، ركي نواكز. لهن صليل، ينتظرن قضاءه، بضاحي عذات امره، وهو ضامز.

الصليل يا إخوة هو الصوت، صلصلة الجرس، تعرفون في صفة الوحي "صلصلة الجرس"؛ كان وصفاً مما ذكروه في مجيء صفة الوحي للنبي ﷺ أنه كان يأتي كصلصلة الجرس. والمقصود هنا هو صوت شديد في الأمعاء اليابسة من شدة العطش. «لهن صليل»، لها صليل، صوت في أمعائهن. و«ضامز» يعني ساكت، ساكن لا يبدي شيئاً، ساكت لا يبدي شيئاً.

وال«عذات» هي الأرض المسجرة البعيدة عن مصادر المياه وعن الناس، و«الضاحي» هو البارز المرتفع. رأيت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى، يعني يبرز، وأما بالعشي فيخسر. فـ«ضاحي عذات» هنا يعني بارز في أرض مسجرة؛ العذات هي الأرض المسجرة البعيدة عن مصادر المياه وعن الناس، أرض بعيدة لا حياة فيها. والضاحي يعني البارز، وضاحي العذات يعني البارز الحارق للشمس، لا ظل فيه، أرض مكشوفة ضاحية للشمس وهي مسجرة بعيدة عن المياه كل البعد.

هذا البيت في موضع الحال الثاني من الضمير الفاعل في «ظلت». الربط النحوي: «لهن صليل»، ما إعرابها؟ هل هي استئناف؟ لا طبعاً، لا حاجة إلى استئناف الكلام لأنها مشدودة إلى ماذا؟ مشدودة إلى «فظلت بيمؤود كان عيونها»، هذه حال ثم حال أخرى «لهن صليل». فالبيت هنا مطلعة مولجة، فبالتالي البيت كله في موضع الحال الثاني من الضمير الفاعل في «ظلت»، أي: فظلت بيمؤود كان عيونها، وظلت بيمؤود لهن صليل، والحال والموقع واحد، وليس خبراً جديداً وليس كلاماً جديداً. «لهن صليل» بيمؤود لما ظلت بيمؤود، فهي حال من الضمير في «ظلت»، كأنه يقول ولهن الصليل، فظلت بيمؤود، والحال كان عيونها هكذا، والحال كان لهن، والحال لهن صليل، فالبيت مولج في الحال الأولى.

تعال الآن إلى دقائق الشعر، وبها يمتاز إنقاد الذواقة حقاً عن غيره من القراء. الإنسان حزين، واحد أدى صورة للذكاء الاصطناعي، عمل له بيتاً أهبلاً، قعدوا ينشرونه على الفيسبوك، جايب لك رجل عامله هكذا، وفارس عامله هكذا، وفي واحد يمشي هكذا يهبل، وفين الفرس الأغر هنا؟ أنت جايب الحصان وشه أسود أو قاتم، ورجله قاتمة هي كمان، وتنسبوا البشار! يقول لك من يقنعنا أن الشاعر أعمى؟ لا، أنت الذي أعمى. قال أحدهم ما هو الذكاء الاصطناعي؟ الغباء الاصطناعي؛ أعطاهم شيئاً هم عاملون يفسرون فيه، لكن الحمد لله وجدت الناس بدأت تستهجن الأمر وكشفته.

لكن دعوني قبل أن ندخل في هذه المسألة الدقيقة الجليلة في نفس الوقت، نشرح البيت. طبعاً قوله: «ينتظرن قضاءه»، يعني عزمه، وصليل من العطش «ينتظرن قضاءه». وقوله «بضاحي عذات» ظرف للكلام مقدم، جار ومجرور هو ظرف الانتظار، وهو «ضامز» جملة حالية لاحقة، أي أنهن لهن صليل من العطش وهي تنتظر قضاء أمره. «أمره» منصوب على المفعولية لـ«قضاءه» الذي يعمل عمل الفعل، كأنه قال: ينتظرن أن يقضي أمره بضاحي عذات. بعض الأمور كنت أظنها واضحة لكن أراها تستشكل عند البعض: ينتظرن قضاءه أمره، قضاءه يعمل عمل الفعل فينصب «أمره» على المفعولية، ينتظرن أن يقضي أمره بضاحي عذات.

طيب تعالوا الآن، ما رأيكم لو قلنا في قوله «ينتظرن قضاءه» جملة حالية ثالثة لجملة التشبيه في البيت السابق ولجملة مولج البيت؟ جملة «لهن صليل» مولجة البيت، فتأتي الجملة الثالثة «ينتظرن قضاءه». فتقول: فظلت بيمؤود، كان عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز، لهن صليل، ينتظرن قضاءه. فتكون حالاً من الضمير في «ظلت» أيضاً، فتكون: فظلت بيمؤود كان عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز، لهن صليل، ينتظرن قضاءه. وبهذا يكون قد شد هذا الموضع إلى أول البيت السابق، هذا رائع، صحيح؟ رائع.

خذوا الوجه الثاني، وهو الأروع الذي تتحقق به حقيقة الشعر، ويقوم به عظم الشعر ومخه.

وتتصل في ذهنك صورة شعرية يندر أن يتصل مثلها، وهو أن تقول إن قوله: «ينتظرن قضاءه» حال من الضمير في «لهن» في نفس البيت.

«لهن صليل ينتظرن قضاءه». وبهذا يشد انتظارهن بصوت الصليل، ويجعلك ترى هذا الانتظار إلى الجاب تنتظره وأنت تسمع صليلها. «لهن صليل ينتظرن قضاءه». ولو ربطتها بالضمير في «فظلت» لقلت: «لهن صليل»، ثم تمت جملة الحال «ينتظرن قضاءه» جملة ثانية. ولو قلت إنها من الضمير في «لهن» شددت هذه الصورة؛ شددت انتظارهن الذي تراه بالعين بصوت الصليل الذي تسمعه بالأذن، وصرت ترى هذه الأذن تنظر إلى الجاب وهي تنتظره وأنت تسمع صليل بطنها، فهي تنتظر منه أن يرفع هذه الحالة عنها ويشفي غليل أمعائها المتصلصلة.

«لهن صليل ينتظرن قضاءه». «لهن صليل» حال، «ينتظرن قضاءه» الذي يرفع هذه الصلصلة. «لهن صليل ينتظرن قضاءه»؛ والله ينتظرن قضاءه. قلت لكم متحكم فيهن، متحكم فيهن؛ «لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره». وهذه الصلصلة، هذا الصليل في الأمعاء لا قضاء لها، هو القائد.

هذه ناقة الشماخ: وعوجاء مجذّب وأمر صريمة ... تركت بها الشك الذي هو عاجز كنت قتودي فوق جاب مطرد ... لاحته الجداد الغوارز طوازمها في بيضة القيض بعدما جرت ... في عنان الشعريين الأماعز فظلت بيمؤود كأن عيونها ... إلى الشمس هل تدنو ركي النواكز

«لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره وهو ضامز». وقوله: «بضاحي عذات أمره» قدم المفعول، والمتبادر من التقديم أن يقول: ينتظرن قضاءه أمره بضاحي عذات. لكن الشاعر في حشده الشديد للصليل والانتظار ضم المكان الذي فيه هذا الصليل والانتظار المتصلين بالحالية؛ لأنه قال: «لهن صليل»، وهن ينتظرن في هذا الصليل قضاءه بضاحي عذات، فشد الصليل إلى ضاحي العذا المصهورة التي أكلتها الشمس والتي صارت كالتنور.

يختتم هذا الاحتفال القائم على عبارات الحال، والذي تنتظر منه أن يستثير الحمار الجاب القوي، فإذا به يصدمك بجملة حالية تصد فات وتكسر التوقعات، «وهو ضامز». ولكنه هنا وصل بواو الحال ولم يفصل، ليشد هذا الضمز أو الضماز أو الضموز، الذي هو من الجاب إلى حال الأتان؛ «وهو ضامز».

تنسى الواو، لا تفارق العطف، أو معنى العطف لا يفارق الواو ولو كانت جملة حالية؛ ما وجدت الواو في جملتها إلا العطف. لو قلت واو استئناف، عطفت كلامًا على كلام، ولو قلت واو عطف، عطفت بالاشتراك لفظًا على لفظ والاشتراك في الإعراب، ولو قلت واو تفسيرية. كل الواو فيها معنى العطف، ولذلك هنا وصل.

يقولون في البلاغة على مستوى الجملة: باب الوصل والفصل، وهنا وصل كأنه يقول. وهناك في كل جملة حالية مرت لا يوجد واو؛ لأنه يدمج لك الأحوال في بعضها، ويخرج الحال من رحم الحال. فالجملة الأولى «كأن عيونها» جاء بجملة حالية أو بعبارة حالية «إلى الشمس»، ثم معترضة وهنا «لهن صليل» وهي حال من «فظلت»، وأخرج من رحمها حالًا «ينتظرن قضاءه». أدمج كل الأحوال في بعضها، ولما جاء ليرد على كل هذا جاء بجملة حالية بالواو، وكأنه يقول: وهذا معنى جديد فوق كل هذا، «وهو ضامز»، يعني ساكن، وكسر توقعاتك وأحدث مفارقة ثانية.

طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز، فظلت بيمؤود كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي النواكز، «لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره وهو ضامز». كل هذا الرد عليه: «وهو ضامز»، يعني والحال أنه ضامز. ينتظرن قضاءه وهو ضامز، ساكن، صامت، لا يتحرك.

لترى الجميع في حالة متصلة وبرؤية واحدة: الأتان لها صليل تنتظر القضاء، تنظر إلى الشمس تتساءل هل تدنو، في أرض مرتفعة بارزة للشمس مصهورة، والحمار ضامز. إنه الذي ظل طاوياً ضمها، هو الذي تراه الآن ضامز؛ لماذا؟ لأنه يعلم ما لا تعلم، ولأنه مجرب حكيم.

مطرد فوق جاب مطرد وهو ضامز. وعند هذه الصورة نقف إلى الغد إن شاء الله، ونرى ماذا سيحصل بعد ضموز الحمار الجاب الذي يعلم ما لا تعلم الأتان، ونلتقي في الغد إن شاء الله، وشكرًا لكم وجزاكم الله خيرًا. طبعًا تستغربون أربعة أبيات في ساعتين وربع؟ آه، بس خلاص، ما في تفصيل.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في أمان الله.