السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً بالإخوة الكرام، أهلاً وسهلاً بهم. أرجو أيها الكرام طمأنتي إلى سلامة البث صوتاً وصورةً من بعد إذنكم.
الحمد لله، الحمد لله، جيد جداً الحمد لله. الصوت جيد يا إخوة؟ هل أقرب الصورة قليلاً؟ طيب، الحمد لله. تفاعلوا مع البث لو سمحتم يا إخوة، لا تنسونا ذلك دائماً.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام، كل من ألقى السلام عليكم السلام ورحمة الله وبركاته وكل من حيا حياك الله وبياك، وعمت صباحاً ومساءً. الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
لا أحد يقوم للشمّاخ في الزائية والجيمية، هكذا قال الأصمعي، واختارها أبو زيد القرشي. القصيدة الزائية؛ اختار أبو زيد القرشي هذه القصيدة في المشوبات، في السبع المشوبات التي هي للشعراء المخضرمين الذين شابهم إسلام وكفر، أي اجتمع فيهم إسلام وما قبل الإسلام، وهي واسطة عقد الشماخ بن ضرار.
وقفنا في المرة الماضية، أمس، في المجلس الأول في المقدمات، على صورة تقريبية للحزمة الشعرية لهذه القصيدة. وتعرفنا إلى أن الشاعر الفحل هو الذي يستطيع توظيف كل الروافد الشعرية في قصيدته، وأن هذا مما يتفاوت فيه الفحول، أن يوظفوا الروافد الشعرية في القصيدة.
وأمس تعرفنا إلى بعض هذه الروافد؛ تعرفنا إلى بحرها، وموضوعها، ورويها، وقافيتها المؤسسة بالألف، وكيف التقى ذلك والتحم في شيء واحد مع الموضوع وسائر الروافد الشعرية، أو ما قد نسميه بمقدمات الشعر في القصيدة ليس في الشاعر، وسمعنا صوتها.
وإني حريص في هذه القصيدة خاصة أن تسمعوها في أول كل مجلس سماعاً من الصدر حتى يتأتى حفظها لمن يتابع هذا الشرح؛ لأنني أعلم أنها صعبة التراكيب صعبة المفردات، تقع في ٥٦ بيتاً، فحفظها يحتاج إلى شيء من الجهد. فإذا اهتبلت حضور أو التزام بعضكم بالحضور وأنشدت القصيدة في أول كل مجلس كان ذلك جديراً بأن يحفظها، وكان ذلك داعياً لأن يحصل نصها من أقرب طريق إن شاء الله تعالى، حتى إذا ختم الشرح وختم السماع وأراد أن يحفظها وجد نفسه يراجعها.
عفا بطن قوٍّ من سليمةٍ فعالزِ فذات الغضا فالمشرفات النواشزِ فكل خليلٍ غير هاضم نفسه لوصل خليلٍ صارمٍ أو معارضِ ومرتبةٍ لا يستقال بها الردى تلافى بها حلمي عن الجهل حاجزِ وعوجاء مجذامٍ وأمر صريمةٍ تركت بها الشك الذي هو عاجزِ كأن قتودي فوق جأب مطردٍ من الحقب لاحته الجداد الغوارزِ طوا ظمأها في بيضة القيظ بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعزِ فقلت بيمؤدٍ كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكزِ لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره وهو ضامزِ فلما رأينا الورد منه صريمةً مضينا ولاقاهن خلٌّ مجاوزِ ولما رأى الإظلام بادره بها كما بادر الخصم اللجوج المحافظِ ويممها من بطن ذروة رمةٍ ومن دونها من رحرحان مفاوزِ عليها الدجى مستنشآت كأنها هوادج مشدود عليها الجزاجزِ تفادى إذا استذكى عليها وتتقي كما تتقي الفحل المخاض الجوامزِ ومرت بأعلى ذي الأراك عشيةً فصدت وقد كادت بشرج تجاوزِ وهمت بورد القنتين فصدها حوامل كراع والقنان اللواهزِ وصدت سدوداً عن ذريعة عثلبٍ ولابني غمار في الصدور حزائزِ ولو ثقفاها درجت من دمائها كما جللت نضو القرام الرجائزِ وحلاها عن ذي الأراكة عامرٌ أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواحزِ قليل التلاد غير قوس وأسهمٍ كأن الذي يرمي من الوحش تارزِ مطلاً بزرقٍ ما يداوى رميها وصفراء من نبع عليها الجلائزِ تخيرها القواس من فرع ضالةٍ لها شذب من دونها وحواجزِ نمت في مكان كالنهار واستوت به وما دونها من غيلها متلاحزِ فما زال ينجو كل رطب ويابسٍ وينغل حتى نالها وهو بارزِ فأنحى عليها ذات حد غرابها عدو لأوساط العضاه مشارزِ فلما اطمأنت في يديه رأى غنىً أحاط به وازوار عمن يحاوزِ فمضغها عامين ماء لحائها وينظر منها أيها هو غامزِ أقام الثقاف والطريقة درها كما قوم الضغن الشموس المهاجمِ فوافى بها أهل المواسم فانبرى لها بيع يغلي بها السوم الرائزِ فقال له: هل تشتريها فإنها تباع بما بيع التلاد الحرائزِ؟ فقال: إزار شرعبي وأربع من السيراء أو أواق نواجز ثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر ما ذكى على النار خابز وبردان من خال وتسعون درهماً ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز فظل يناجي نفسه وأميرها: أيأتي الذي يعطى بها أم يجاوز؟ فقالوا له: بايع أخاك ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز فلما شراها فاضت العين عبرةً وفي الصدر حزاز من الوجد حامزِ وذاق فأعطته من اللين جانباً كفى ولها أن يغرق السهم حاجزِ إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ترنم ثكلى أوجعتها الجنائزِ هتوف إذا ما خالط الظبي سهمها وإن ريغ منها أسلمته النواقزِ كأن عليها زعفرانا تميره خوازن عطار يمان كوانزِ إذا سقط الأنداء صينت وأكرمت حبيرا ولم تدرج عليها المعاوزِ فلما رأينا الماء قد حال دونه زعاف لدى جنب الشريعة كارسِ شككنا بأحساء الذناب على هدى كما تابعت سرد العنان الخوارزِ ولما استغاثت والهوادى عيونها من الرهب قبل والنفوس نواشزِ فألقت بأيديها وخابطت صدورها وهن إلى وحشيهن كوارزِ نهلنا بمدان من الماء موهناً على عجل وللفريص هزا هز غدونا له سعر الخدود كما غدت على ماء يمؤد الدلاء النواهزِ يحشرجها طوراً وطوراً كأنما له بالرغامة والخياشيم جارسِ ولما دعاها من أباطح واسط دوائر لم تضرب عليها الجرامزِ حذاها من الصيداء نعلاً انطلاقها.
استهل الشاعر معجزته بهذا البناء، وتلك المناورة، وذلك الاختزال، والطفرة التي عرفتموها أمس؛ فقال: عفا بطن قو من سليمى فعالز فذات الغضى فالمشرفات النواشز
ليس هذا اعتباطًا، فقد عرفنا بناء القصيدة لأننا الآن ندخل إليها من خارج. نحن الآن، رضي الله عنكم، حبيبنا خالد الله يرضى عليك، ندخل إليها من خارج؛ وبالتالي من الضرورة أن نوظف هذه المعرفة التي عرفناها من خارج القصيدة في داخلها.
كان القدماء، كما قلت، يأتون القصيدة من داخل إلى خارج؛ فهي تتلى عليهم، تنشد وتُراز وتُختبر باللسان، فإذا رازت الشفاه العوامل -كما قال المزرد أخو الشماخ في وصف قصائد نفسه في لاميته المفضلية المعروفة- فكانوا يتلون الأبيات فتنبي معهم القصيدة بناءً سليمًا. نحن نحتاج إلى إحكام الجملة الخارجية أولًا، وندخل منها إلى الداخلية، وبعد ذلك -إن شاء الله إذا فتح الله تعالى على بعضكم- فإنه سيبلغ أن يسمع القصيدة وأن يمشي معها من داخل إلى خارج.
أسلوب من خارج إلى داخل هذا هو أسلوب علمي، والذي تحدث عنه محمود شاكر فيما يسمى بالمنهج. والشيء الذي فات الأستاذ محمود شاكر -رحمه الله- أن ينبه إلى أن هذا منهج للدراسة، ومنهج مضطر إليه، وأن الغاية التي وراء ذلك هي أننا نسمع كما كان يسمع النابغة ونبني القصيدة من داخل إلى خارج، وهذا هو الأصل والطبيعي ومقتضى المنطق عند القدماء أو في حق القدماء.
فالآن عرفنا بناء القصيدة، تعالوا نرى ما الذي فعله الشماخ تفصيلًا. استهل قصيدته بأن قال: «عفا بطن قو من سليمة؛ فعالز؛ فذات الغضى؛ فالمشرفات النواشز».
«قو» يا إخوة اسم موضع. و«بطن قو»، أو البطن عمومًا إذا قيل بطن كذا، فهو ما غمض وانخفض من الأرض في هذا الموضع. إذا قيل بطن كذا أسند إليه إما أن يكون اسم مكان أوسع وفيه بطن منخفض، أو يكون هذا المكان الغامض، يعني النازل المنخفض، هو بهذا الاسم؛ فلما نقول بطن قو نضيفه إلى اسمه. فالبطن هو الغامض المنخفض من الأرض، وقو اسم موضع.
هذا الموضع يا إخوة -وإذا رجعتم وركزوا في هذا لأنني سأبني على هذا شيئًا في تفسير البيت وفي بلاغة البيت، وركزوا في بلاغة البيت؛ لأن هذا الكلام لم أجد من نبه إليه وأنا أقوله لأول مرة اليوم، وأجلته كثيرًا حتى أطمئن إليه نوع اطمئنان، فأنا أذكره هنا للتسجيل العلمي وللحق الشعري والبيان، لكن أقول الأمر ما زال تحت النظر ولكم أن تنظروا فيه، وهو تحت التأمل، لكن خشيت ألا أقوله تمامًا فيكون في نفسه صحيحًا ويكون قد ضاع شيء مهم- قو يا إخوة، وأقول ركزوا في هذا كما قلت سيبنى عليه تفسير وبلاغة في هذا الأمر.
«قو» هو اسم موضع، منزل يعني ينزل فيه مكان ينزل فيه المسافرون من البصرة إلى المدينة. «قو»، «بطن قو»، البطن المنسوب إلى «قو» هو منزل للمسافرين من البصرة إلى المدينة؛ هناك واد أو مكان يسمى قو. قالوا في الحديث عن هذا الوادي إنه وادٍ تدخله المياه ولا تخرج منه، وقالوا فوقه جسر، من الجاهلية، فوقه جسر يعني مبني بحجارة وأخشاب وكذا.
من هذه الصفات ومما ذكروه، من الطبيعي جدًا ومن المنطقي أنه مكان يمر به المسافرون؛ لأن المسافر ما المحطات التي يقف عليها عند العرب قديمًا؟ ما المواضع التي ينزل عندها؟ مواضع المياه. والمياه لا تكون دون بني فلان، ولذلك فإن الشاعر زهير بن أبي سلمة يقول: «فإن الشعر ليس له مرد إذا ورد المياه به التجار»، لما كان يهدد؛ لأن المسافرين من التجار يمرون على المياه وكل الناس يمر على المياه، فهو قال له التجار لأنه يقول سأرسل قصيدتي مع التجار.
لكن كل من سافر من العرب يمر على المياه وينزل عندها. فقالوا في «بطن قو» إنه مكان وادٍ تدخله المياه ولا تخرج منه، فالمياه دائمة فيه، وتذهب وتمر به أو يمر به المسافرون. وستلاحظون أن «قو» مذكور عند امرئ القيس: سما لك شوق بعد ما كان أقصر وحلت سليمة بطن قو فعرعرا
احفظوا وركزوا، دعوكم من التعليقات لو سمحتم، ركزوا معي الآن لأن هذا كما قلت سينبني عليه تفسير، وهو عندي من قديم أفكر فيه لكن لم أبلغ إلى أن أقوله، ولكن أقوله اليوم فقط للأمانة العلمية؛ في نوع من المقدمات كنت أتأمله قبل سنوات ولكن أنتظر الاطمئنان إليه. «بطن قو» إذا مكان يمر منه المسافرون، امرؤ القيس يقول: «سما لك شوق بعد ما كان أقصر، وحلت سليمة بطن قو فعرعرا».
إذن بطن قو الآن صار مكاناً يمر منه. قال: «عفا بطن قو من سليمة فعالز». قالوا: «عالز» موضع في ديار بني تغلب. ومعنى الديار في الغالب مكان ينزلون به عند المياه. ومعنى ديار عند أن تقول: عفا بطن قو من سليمة، ثم تقول: فعالز، وهي ديار لبني تغلب. وإذا لم يظهر أن الفتاة تغلبية أو كذا وكذا، فهي تمر بديار بني تغلب. فلماذا المرور من ديار بني تغلب؟
ثم قال: «فذات الغضا». والغضا شجر مقيم، شجر دائم. ولا شك أن الأشجار الدائمة المقيمة تكون عند أودية أو قرب أودية. وشجر الغضا شجر مقيم معمر طويل، لا شك أنه إن لم يكن على مياه فهو من مكان أرضه قريبة من المياه، لا شك في ذلك.
حتى امرؤ القيس في الرائية ماذا يقول؟ لما يقول: «تذكرت أهل الصالحين وقد أتت، على خمل خوص الركاب وأو...» أو يقول: «تقطع أسباب اللبانة والهوى، عشية تجاوزنا حماة وشيزر، بسير يضج العود منه يمنه، أخو الجهد لا يلوي على من تعذر، ولم ينسني ما قد لقيت ظعائنا، ظعائن الفتيات، ولم ينسني ما قد لقيت ظعائنا وخملاً لها، كالقر يوماً مخدرة، كأثل من الأعراض». الأثل شجر كبير، والأعراض الأودية، كأثل من الأعراض من دون بيشة، ودون الغمير عامدات لغضورا. يعني كأثل من الأودية، والغضى كالأثل شجر كبير، أو ربما بينهما قراب. فقال: «فذات الغضى».
وهنا لك أن تتتبع ذكرى المكان الذي فيه الغضى عند الشعراء. تذكر قول مجنون ليلى: «تذكرت ليلى والسنين الخواليا، وأيام لا نخشى على اللهو ناهيا، ويوم كظل الرمح قصرت ظله بليلى، فلهاني وما كنت لاهيا، بثمدين لاحت نار ليلى وصحبتي، بذات الغضى». اقرأوا معنى الثمدين، أو الثمد، أو وارد الثمد.
ابن خالد الشيباني يقول: بطن ذات الغضى في القصيم وبطن قوي كذلك. يقول: «وصحبتي بذات الغضى، تسجي المطايا النواجيا». إذاً ذات الغضى ذكرت هنا، وذكر ذات الغضى عند المجنون، يزجون المطايا من هناك، وهنا يسوقون. وذكر بطن قوي هنا وعند امرئ القيس، وذكر أيضاً عند رحلة والعفاء كما ذكر هنا. وهناك ذات الغضى الذي ذكر هنا عند المجنون الذي ذكر هنا أيضاً. ذات الغضى هنا أيضاً عفت منه وتركته، وهناك ترك. «وصحبتي بذات الغضى تسجي المطايا النواجيا»، فليت ركاب القوم، يا إخوة، لن أقرأ، «فليت ركاب القوم لم تقطع الغضى، وليت الغضى ما شر ركاب لياليا».
فهذا يوحي أيضاً أن الغضى مكان ينزل عنده، لا سيما وقد اجتمع مع بطن قوي الذي صرحوا أنه واد ينزل به المسافرون، يتزودون وفيه جسر. يعني هي ليست مقيمة في ذات الغضى، «فالمشرفات النواشز». المشرفات يعني المرتفعات، وقالوا النواشز يعني المرتفعات كذلك، لكن بما أنها اجتمعت معها هنا، فربما يكون لها معنى آخر وهو الارتفاع مع التطرف، يعني البعد البعيد. كما قال جبيان الأشجعي يقول: «فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت، بعلياء نشز للعيون النواظر». فجمع بين العلياء والنواشز، فربما كان ذكر المشرفات يعني المرتفعات ثم ذكر النواشز يعني أنها العالية جداً مبالغة، وربما ذكر النواشز أنها نشزت أفقياً يعني تطرفت بعدت.
ولكن نسأل هنا، عرفنا أن بطن قو مكان لمرور المسافرين، وأن عالز ديار لبني تغلب، وأن ذات الغضى يذكر الشعراء المرور منها، ثم المشرفات النواشز؛ هل يقال من ذلك أنها مواطن متقاربة عفت وهي تحيط بديار واحدة؟ هذا يبعد جداً، ولهذا أرى الآن بظن بدأ يترجح هو ما أقوله الآن وأراقبه من بعيد من قديم، وهو أن هذا النمط الذي ذكره العفاء من هذه الأماكن، إنما هو مقدمة أو مطلع ظعني وليس مطلعاً طللياً. الشاعر لا يذكر فيه عفاء الديار التي تسكنها، وإنما يذكر فيه انتقالها من الأماكن التي ينزل بها المسافر إشارة إلى أنها بعدت جداً.
فيقول: «عفا بطن قو» يعني خلا بطن قو منها، «فعالز» فخلا عالز وهو موضع ينزل به مياه في بني تغلب، «فذات الغضى» خلت كذلك، وخلت المشرفات النواشز، وأخر المشرفات النواشز بعيداً ليقولوا وهذه بعيدة. فكل محطات كل منازل المسافرين خلت، وهذا نوع من المطالع الظعنية يذكر فيه الشاعر تتبع بالبصر أو البصيرة حبيبته وقد خلت من كل المنازل التي ينزل بها المسافر، فهذه كناية عن استقرارها، إذا استوفت سائر منازل المسافرين في أثناء السفر لم يبق إلا أن تستقر في مستقرها.
فإذا رجعنا مثلاً إلى مطلع شبيه، وهو عينية النابغة الذبياني وجدناه يقول: «عفا ذو حس من فرتنا فالفوارع، فجنب أريك فطلاء الدوافع، فمجتمع الأشراج». تلاع الدوافع تنزل بالمياه، فمجتمع الأشراج، الأشراج الأنهار، لا أدري، لكنه أيضاً قال: «غير رسمها مصايف مرت بعدنا ومرابع»، وهذا لا يمنع لأنه يصف أنها تركت أيضاً هذه الأماكن فتغيرت بعدها.
وهنا نرجع إلى كلمة «عفا بطن قو»، إذا قلنا على هذا التفسير، تفسير الرحيل، يكون استعمال لفظ «عفا» لا يخلو من إشارة مجازية؛ «عفا بطن قو» لأن المقصود هو الرحيل عن المكان، فيكون قد جعل انتقالها عن منازل المسافرين عفاءً لها ووحشاً للمكان. «عفا» منها، طب امرؤ القيس ماذا قال؟ قال: «سما لك شوق بعد ما كان أقصر، وحلت سليمة بطن قو فعرعرا». يعني حلت، فهذا يعني بعدت، إشارة إلى البعد، وهنا كذلك إشارة إلى البعد والاستقرار البعيد.
لأنه يبعد، ركزوا معي يا إخوة لو سمحتم، لأنه يبعد أن تكون هذه الأماكن أماكن تحد بها أو يحد بها مكان واحد هو منازل الحبيبة سلمى أو سليمة. ويبعد والله يا خالد الشيباني أن تكون هذه الأماكن تحد بها ديار حي. ارجعوا إلى لبيد بن ربيعة، ماذا قال لبيد بن ربيعة؟ «بل ما تذكر من نوارة وقد نأت، وتقطعت أسبابها ورمامها، مرية حلت بفيد وجاورت أهل الحجاز فأين منك مرامها؟ بمشارق الجبلين أو بمحجر فتضمنتها فردة فرخامها، فصواعق إن أيمت فمظنة فيها وحاف القهر أو تلخامها». ذكر استقرار لكن...
ذكر أيضاً إشارة إلى البعد. رأيتم؟ هذا هو. فالبيت هنا على نهج النابغة الذبياني. والذي أراه أن هذا المطلع الذي قد نقول إنه مطلع طللي، وظللنا إلى ربما إلى أمس أقول طللي اعتياداً، لكن ظني -والله تعالى أعلم- أنه مطلع ظعن.
ويُراد منه تتبع الحبيبة في سيرها ونزولها بمنازل المسافرين؛ فإذا مرت بأماكن وعفت منها هذه الأماكن، دل ذلك على أو كان ذلك كناية وإشارة إلى بعدها واستقرارها بعيداً عن الصاحب.
«عفا بطن قوٍ من سليمةٍ، فعالز»؛ عفا بطن قوٍ من سليمةٍ فعالز. قال عفا من سليمة، وهذا يمر عليكم مرور الكرام لأنه قال عفا من سليمة، وهذا لا يخلو من المجاز. لماذا؟ لأنه أراد أهل سليمة، ولكن ليس على طريقة حذف المضاف كما يظن البعض.
وللأسف أساء كثيراً أبو زيد القرشي في مقدمته للجمهرة؛ لما قال إن حديث الشاعر إلى الأطلال هو من باب «واسأل القرية»، أي على تقدير محذوف: «واسأل أهل القرية». فإذا سأل الأطلال فهو يسأل أهلها، وإذا يخاطب الأطلال يخاطب أهلها، هذا كلام خطأ؛ لأنه يخاطب الأطلال ويطلب منها الكلام، فيصفها بالعجز عن الكلام وبأنها خرساء وتتكلم كالأعجم، وكل هذا لا علاقة له بالأهل.
ولو كان المضاف محذوفاً، لو كان المضاف مقدراً، لكان يجري عليه من منطق المعنى ما يجري على مخاطبة الطلل من حيث كونه حياً؛ حتى إذا لم يتكلم وصفه بأنه أخرس. وإذا أوحى بأشياء ليست واضحة في النفس أو اختلطت الذكريات -كما عند عنترة وصفه بأنه تكلم كالأصم الأعجمي- أو أوحى إليه بوحي إشاري لم يخرج صوتاً فوصفه بأنه كالأصم الأعجم، فهذا خطأ.
فهنا يقول: «عفا بطن قوٍ من سليمة»، وهل عفا فقط من سليمة؟ الصواب أنه عفا من أهل سليمة، ولكن ليس على طريقة حذف المضاف، بل على كون الأماكن عفت منها وحدها، هكذا. وهناك فرق بين الوجهين: إذا قلت عفا من سليمة وقصدت من أهل سليمة فالمقدر كالموجود، وأنت تقصد الآن أهل سليمة، والمقدر والموجود، وتكون قصاراً كأنك اختصرت الكلام، كما في «واسأل القرية»؛ يعني واسأل أهل القرية، بلاغتها هنا ليست فقط في الحذف، الحذف أفاد اختصاراً، لكن «واسأل القرية» يعني أهل القرية، فالمقدر كالمحذوف وتكون قصاراً.
البلاغة في «قصار البلاغة» في أن يكون قد اختصر، أما هنا لما قال عفا من سليمة فهذا على اعتبار أن سليمة هي كل شيء وأنها التي تعنيه. وهذا كقول مجنون ليلى -وهو هناك أوضح- كقول مجنون ليلى في المؤنسة: «بثمدين لاحت نار ليلى»، فأسند النار إلى ليلى والنار ليست لليلى، هو يقصد نار عشيرة ليلى، نار ديار ليلى، نار أهل ليلى، هي ليلى؟ لا، هو بـ«ثمدين لاحت نار ليلى» أراد نار أهل ليلى، نار ديار ليلى، نار عشيرة ليلى، لكن ليلى التي تهمه. كذلك هنا: «عفا بطن قوٍ من سليمة»، سليمة التي تهمه لا على تقدير الأهل، وإنما على اعتبار توحد المعنى أو قصور المعنى أو انحصار المعنى في المحبوبة، وهو لا شك نوع من المجاز.
وهذا على عكس أسلوب آخر استعمله عمر بن أبي ربيعة ظهر عنده في «آل زينب»؛ عكس أسلوب آخر لما يريد أن يفخم حبيبته يضيف إليها الآل، فيقول: «آل زينب»، «لا مطاع في آل زينب»، كما قال عمر؛ «لا مطاع في آل زينب» يعني في زينب، لكن من طريقة العرب المندثرة أن يضيف «آل» إلى اسم المحبوبة إذا أراد تفخيمها.
«عفا بطن قوٍ من سليمةٍ»، ثم عطف بالفاء على «بطن قوٍ» بعد ذكر سليمة، وأدخل سليمة بين الأماكن، اسمع، أدخل سليمة بين الأماكن، وهذا مقصود لشحذ الجوى فيها في الأماكن. «عفا بطن قوٍ من سليمةٍ فعالز»، يعني أيضاً عفا من سليمة، عفا بطن قوٍ من سليمة فعالز، يا ابتعدت. ليس هذا فقط، «فذات الغضا»، فالمشرفات النواشز، المرتفعات المتطرفات أو المرتفعات جداً.
وهكذا أوصلك إلى أقصى مرحلة تيأس منها، وأوصلك إلى شعور بأنه ينظر إليها بعينه الباصرة أو بعينه البصيرة، ينظر إليها بعينه أو بمخيلته وهي تنتقل من منزل للمسافرين إلى منزل، وكل منزل إذا انتقلت عنه يكون قد عفا منها، وكأنه خرب. «عفا بطن قوٍ» خلاص، خلا منها من سليمة فعالز.
وهنا قلت في الأول إن الأمر يتعلق ببلاغة البيت، لماذا؟ لأن إسناد العفاء إلى هذه الأماكن التي لم تعف في الحقيقة هو بلاغة ومجاز؛ لأنه أنزل الخلو منها منزلة العافي، منزلة ما يقرب من الخرب، منزلة الموحش. هو عفا من سليمة خلاص، لكن معروف أن استعمال العفاء في الديار التي أقوت. وأنبهكم إلى شيء؛ ليس كل ما فيه عفا كذلك، هناك أظن للشمّاخ نفسه: «عفت ذروة من أهلها»، أظن عنده رائية فيها مطلع هكذا: «عفت ذروة من أهلها فجفيرها»، فهذا عفا من أهله، يعني ليس كل عفا كذلك.
إنما أتكلم عن هيئة معينة تذكر فيها أماكن، أو نمط معين، أحوال معينة تذكر فيها أماكن معروف نزول المسافرين بها وفيها مياه، مثل «عالج» و«بطن قوٍ» و«ذات الغضا»، أماكن مياه. «عفا بطن قوٍ»، والآن صور لك هناك بعد وهو يتلبسه الشجو والجوى والحرقة بكثرة الأماكن. «عفا بطن قوٍ من سليمةٍ، فعالز»، معروف أن العطف يفيد الاشتراك ويختصر به؛ فعالز يعني عفا كذلك. «فذات الغضا» بعدت ماذا تفعل؟ يعني هي انتقلت من مكان إلى مكان، وكيف لم تراعِ وهي تنتقل وتزيد في البعد؟
فجأة قلب القضية، كان يشجو لأجل البعد وزيادته شيئاً فشيئاً بالفاء وتتبع المراحل، فيقول فجأة قلب، يعني انقلبت عليها هي، ذهبت ورضيت بالبعد على هذه المراحل، لم تهضم نفسها: «فكل خليلٍ غير هاضمٍ نفسه لوصل خليلٍ صارمٍ أو معارضِ». هاضم نفسه يعني باذل نفسه، متحمل، متنازل، باذل من نفسه، مضحي، لا بد من تضحية. «فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم»، صارم يعني قاطع، أو معارض، معارض يعني منقبض متجنب، ربما لا يقطع لكنه يكون متجنباً منقبضاً.
لا يريد، لم يقطع، لم يصرم، لم يهجر لكن منقبض، متجنب؛ فأقول هو هذا أو ذاك، فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارض.
ولا يسعنا إلا أن ننبه لما قلنا أمس، من أن هذه المناورة هي من فنية البيت المقصودة؛ لما ذكر لك الأماكن، وكانت العادة أن يستطرد فيها الشاعر، ربما أتى لك بالفاء التي يعطف بها ليستمر في الكلام. خلاص لما يقول مثلا: «عفا ذو حسم من فرتنى فالفوارع فجنب أريك فالتلاع الدوافع فمجتمع الأشراج» في البيت التالي.
ماذا يقول لبيد؟ «عفت الديار محلها فمقامها بمن تأبد غولها فرجامها فمدافع الريان». وبالمناسبة، يتداخل النوعان ربما كما عند لبيد. لا أريد أن أحقق المسألة الآن، أنا عندي فيها واردات وأفكار دونت بعضها، لكن ليست قضيتنا الآن، ولم أنوِ ذلك، لكن من باب الأمانة قلت لن أفسر على أنها مقدمة طللية وعفت الديار وكذا، سأقول ما عندي فيها.
لكن عدم ذكر المدافع والأشراج، وبطن قو، كلها منازل مياه يمر بها الناس، وتأتي توارداً، وكلها يصعب أو أغلبها يصعب أن يكون مكاناً لديار واحدة. «عفت الديار محلها فمقامها بمن تأبد غولها فرجامها فمدافع الريان»، حتى مدافع الريان ربما مرت منه وخلا كذلك، سافرت ومرت، ابتعدت عن الديار وعفا منها مدافع الريان. فحتى مطلع لبيد بن ربيعة فيه شاهد لما أقول، لكن كما قلت يحتاج إلى تحرير.
وانتبهوا حتى لا تتسرعوا، هذا الكلام لا يقضي فيه إلا متفرغ، أنبهكم، وها أنا متفرغ على هذا ومع ذلك لم أستطع القضاء فيه إلى الآن، فلا تتسرعوا. أنا أرى أن الواحد يكون قاعداً، أنا شغلت له اليوم، شغال وقاعد في الـ IT أو شغال في سكرتارية، وبعدين يقول لك: أنا أرى أنه... أنت تحتاج إلى التفرغ على هذا. وأنا متفرغ عليه ليل نهار ولم أستطع القضاء فيه حتى تتضح بتأمل أكثر في قصائد نعرفها ونقرأها من قديم، لكن تحتاج إلى تأمل ورقابة وأن نشيمها على هذه المسألة.
ها أنت ترى بهذه الفاء: «عفا ذو حسم من فرتنى فالفوارع فجنب أريك فالتلاع الدوافع فمجتمع الأشراج»، ولبيد: «عفت الديار محلها فمقامها بمن تأبد غولها فرجامها فمدافع الريان». أما هنا: «عفا بطن قوم من سليمة فعالز فذات الغضى فالمشرفات النواشز، فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارض».
فأوهمك بالفاء التي يجري اطرادها في الأماكن، ولكنه فاجأك وبادرك بأنه عطف بها ضرباً على القضية وانقلاباً عليها. وهذا الحذف الذي تراه حصل في البيت الأول، هذا الاقتضاب وهذا الاختزال الشديد الذي رأيته في البيت الأول لا يحصل إلا عند البيت الثاني. تستغرب تقول ما هذا؟ نريد أن نفهم.
هو هذا من مواضع الشواهد على اختلاف بناء القصيدة عن تجاوز الأبيات من حيث كونها أبياتاً لا من حيث كونها قصيدة، ومن هنا عابوا التثنيج، وهو ألا تترابط الأبيات فتتهلهل القصيدة ولا تتماسك، أما هنا فهذا من التماسك.
والسؤال الألمعي هنا، الذي لا يسأله إلا متفلسف غارق -متفلسف بالمعنى الحميد- غارق في علم الشعر: هذا الحذف الذي وقع في البيت، وتلك المناورة، وهذه الصدمة الأسلوبية، هي من دلالة البيت الأول أم من دلالة البيت الثاني؟ هي من فقه البيت الثاني؛ لأن الدلالة حصلت عندها، لا الأول وهم، الأول تم بالأول، هي من فقه الثاني بالاستعانة بالأول، لأن هذه المناورة في الأولى الذي استفاد منها وثمرها الثاني، هو استغل البيت الأول، البيت الأول خلاص معناه ابتسر، ابتسر اختزل أقصد على المعنى الحميد الفني، خلاص ابتسر، من الذي استفاد من الابتصار؟ الثاني.
فكأنه يقول لك: دعك مما فات، «كل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارض». هكذا يدرس الشعر يا إخوة، ليس تمسك بكل بيت معناه كذا ويقول إن الخليل إذا كذا، وإنما موقع البيت؛ فكل خليل جاء في موقع استطراد معروف أو في موضع إتمام لحديث الأماكن التي عفت، وهذا عرف الشعر. هذا ما ننتظره، أما اختزال هكذا، صدمة من بكاء وشجن وحنين: «وعفا بطن قوم من سليمة فعالز فذات الغضى فالمشرفات النواشز»، فجأة: «فكل خليل غير هاضم نفسه»، إيه ده؟ هو ثمر الأول، فهو حصل بالأول في الثاني.
لما أوقع الشاعر الماكر هذا -مكر الشعراء كما يسمونه- أوقع بمجرد إيقاع البيت في غير هذا الموقع صدمة أسلوبية، صدمة عرفية، صدمة للمعهود، صدمة للمألوف: «فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارض». وتراه هنا نكر الخليل في الأول: «فكل خليل»، ليتمكن من نعته، لم يقل لك فالخليل، لا، كل خليل ما به؟ غير هاضم نفسه لوصل خليل.
وهذا التنكير أقوى في هذا المقام من التعريف، من التعريف على معنى الجنس؛ لو قال والخليل، أو كل الخليل، أو الخليل، هذا أضعف. لو قال الخليل الذي لا يهضم نفسه لوصل خليله، هذا أضعف، لماذا؟ لأنه قال: «فكل خليل»، لأنه أراد أن يعم كل من دخل في وصف الخلة، أما الجنس فيحتمل أن يستثنى منه أنماط.
تذكرون لما شرحت لكم في البحتري: «ضيف لهم يقرى الضيوف» لما أتى بالنكرة. ما قلته هنا مصحوب هنا، وراجعوا هذا في سلسلة التنويهات بالأبيات الجياد أو أبيات الروائع، هناك سلسلة التنويهات التي أشرح فيها أو أكشف أو أجلي فيها روائع الأبيات. البحتري يقول: «ضيف لهم يقرى الضيوف ونازل متكفل عنهم ببر النزل»، يعني أي ضيف لهم يقرى الضيوف، لو قال ضيفهم يقرى الضيوف ضعف المعنى؛ لأنه احتمل أن يكون في الجملة ضيفه أو ضيفهم، إنما لما قلت ضيف لهم أي ضيف على التنكير هكذا، هذا معنى آخر، معنى فني آخر.
فهنا يقول: «فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل»، أيضاً ليس اعتباطاً نكر الخليل في الشطر الثاني، قال: «لوصل خليل»، لأنه لو قال...
لوصل خليل أو لوصل خليله، لم يفد هذا الاستيفاء لكل خليل مهما كانت خلته. لو قال مثلا: «الخليل الذي لا يهضم نفسه لوصل الخليل»، صارم أو معارض، لربما فُهم من هذا عدم قصد كل خليل، أو أنهم أرادوا الخليل الحق، الخليل الكامل.
هو يتشدد في أمر الخلة بالتنكير وبهذه الصيغة، ينجز المعنى كله ويقفز منه بعد ذلك لمرتبة لا يستقال بها الردى. بعد أن جمعها لك وانتهى قال: حتى لو لم يكن على درجته ودرجة خليله في الخلة، فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل -يعني أي خليل- مهما كانت الخلة، صارم أو معارض. أصل مادة الخلة تقتضي هضم النفس لوصل الخليل.
أعجبت منه في هذا البيت أنه جعل العلة في الخليل -أو الشأن المقصود من الخليل- صفةً على الصيغة الاسمية لتفيد الاستقرار والثبوت، أتى بها نعتًا؛ قال: «خليلٌ غير هاضمٍ نفسه»، أو «خليلٌ هاضمٌ نفسه». لم يقل: «فكل خليلٍ لا يهضم نفسه». ركزوا يا إخوة، ركزوا لو سمحتم، كان يمكن للشاعر أن يقول: «فكل خليلٍ لا يهضم نفسه لوصل خليلٍ صارمٍ أو معارضٍ»، ولكن هذا فيه أنه سيقوم ويعزم ويهضم، فجعل صفة الخليل هضم النفس صفة ملازمة، فاستعمل فيها النعت والصيغة الاسمية.
وكأن الخليل إذا دخل في مرتبة الخلة يجب أن تكون صفته هضم النفس. ركزوا على الفرق بين «فكل خليلٍ لا يهضم نفسه» وبين «فكل خليلٍ غير هاضمٍ نفسه»؛ فالهضم هنا صفة له ونعت. وهنا تشدد جدا في مسألة الخلة، ولعله أشد بيت وقفت عليه في هذا؛ أن أي خليل تجاه أي خليل لا يتصف بأنه هاضم نفسه، صارم أو معارض، وهذا هيأه للانتقال الحاد: «ومرتبة لا يستقال بها الردى، تلافى بها حلمي، عن الجهل حاجز».
«تلافى» يا إخوة تعني تدارك، تدارك وتجنب واتقى، وفي هذا السياق تدارك وأراد أنه حماه ومنعه وحجزه. والحاجز هنا هو المانع من النفس. والمرتبة هي المقام الشديد والحالة العسيرة، مرتبة نازلة شديدة. و«مرتبة» من الألفاظ الفصيحة غير المستعملة الآن؛ فتقول: حلت بي مرتبة، أو ارتقيت في مرتبة، أو تجاوزت مرتبة وأنت تريد مصيبة من نوازل الدهر، عافاكم الله: «ومرتبة لا يستقال بها الردى».
قلت لكم الشاعر بدأ هنا بالفخر، وتجاوز وقفز وطفر: «ومرتبة لا يستقال بها الردى». ولكن أيضًا هذه الواو التي هي واو «رب» هي في الحقيقة واو الابتداء كما قال المحققون من النحاة؛ سميت بواو «رب» تنبيهًا إلى أن ما وقع بعدها من الخفض هو واقع بـ«رب» المحذوفة، وليس لأن هذه الواو عاطفة فتبحث عن مخفوض قبلها. لو قال: «ورب مرتبة» لما كان هناك إشكال، فالواو والابتداء و«رب» هي الخافض لمرتبة. لكنه قال: «ومرتبة»، فربما تظنها واو العطف فتبحث عن الخافض قبلها، فيقولون لك: هذه واو «رب»، أي أن الخفض وقع بـ«رب» المحذوفة، وهذا الكسر علامة الخفض بها، لكن واو «رب» أصلها واو ابتداء.
والواو في العربية كلها فيها معنى العطف، حتى واو الابتداء أو واو الاستئناف، فإنها تعطف كلامًا على كلام. فلما يقول: «ومرتبة لا يستقال بها الردى»، أنا أتخيل أنه ضرب على ما سبق وعطف عليه بكلام جديد، فلا يمكنك أن تفصل واو العطف عما شرحته لك في بناء القصيدة، من أنه ضرب على ما فات وعطف عليه بهذه الحدة.
لقد اختزل في الأول: «فكل خليلٍ...»، وكأنك تقول: ما هذا؟ هل انتهى الموضوع هكذا؟ ثم فاجأك مرة أخرى: «ومرتبة لا يستقال بها الردى». هذه الواو عطفت على معانٍ حصلت في نفسك. «فكل خليلٍ غير هاضمٍ نفسه لوصل خليلٍ صارمٍ أو معارضٍ»، كأنك تقول لنفسك: هكذا انتهى؟ «ومرتبة لا يستقال بها الردى، والشعر لمحٌ تكفي إشارته، وليس بالهذر طوّلت خطبه».
أنتم تتخيلون أن المستشرقين والعجم يفهمون هذا الكلام فيقولون القصيدة متماسكة ومبني بعضها على بعض! العقاد يقول: المستشرقون لا يفهمون آدابهم هم، ليسوا أدباء ولا نقادًا في آدابهم. ونحن عندنا جاؤوا للأسف الأكاديميين وقلدوا المستشرقين، ولم ينطلقوا من آدابهم، بل انبهروا بهم ودرسوا علومنا في جامعاتهم.
وبالمناسبة كان هناك نوع من التعاون مع جامعة أجنبية في القصيدة الجاهلية، ورفضت التعاون لأنهم وضعوا أنفسهم نِدًّا لي، كأنني باحث وهم باحثون ونحن زملاء، فأنا رفضت هذا التعاون وكنت صريحًا في مذهبي: إما أن تتعلموا مني تعلم العجمي من العربي، وإما لا. تتكرمون بعد ذلك وتستفيدون بأن تترجموا ما أكتبه لتستفيدوا منه، أما أنا فلا أهرع إليكم زميلًا باحثًا في ورشة.
تظنونهم يفهمون هذا البناء؟ تظنونهم يفهمون ما عطفت واو الابتداء على معانٍ في النفس متحصلة من الكلام السابق؟ «بناء عفى بطن قو من سليمة... فذات الغضى فالمشرفات النواشز... فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو معارض ومرتبة... ومرتبة لا يستقال بها الردى». هل يفهمون العطف الذي في واو الابتداء على معانٍ في النفس؟ ليس الأمر حين يفهم شعره هو.
عشان يفهم الشعر الضعيف عند العرب، ثم المتوسط، ثم العالي، ثم عالي العالي. بنهزر، ده الشماخ بن ضرار: ومرتبة لا يستقال بها الردى.
ورب مرتبة. وهنا وقفت على كلمة مرتبة، لم يقل حالة، لم يقل نازلة، وإنما قال مرتبة، وأراد المقام الشديد. وهذا الاختلاف بين المترادفات ليس اعتباطيًا، لأنه لا ترادف من كل وجه. أراد أنها نازلة شديدة، وحالة عسيرة، ولكنها مرتبة؛ من تسنمها كان في رتبة.
كأنه يشد إلي قولي قول زهير بن أبي سلمى: فأصبحتما منها على خير موطن ... بعيدين فيها من عقوق ومأثم
ولهذا قال هنا: «مرتبة»، ولم يقل «فيها»، لو قال مصيبة ونازلة أو حالة لقال «فيها». أرهفوا سمعكم لو سمحتم، وركزوا أنتم في شعر الشماخ، أنتم في قدس الشعر، هذا النمط الأعلى. يقول: «ومرتبة لا يستقال بها»، لم يقل «فيها» المفرغة في الظرفية، مع أن بها ظرفية.
تخيلوا معي لو قال: «وحالة» أو «نازلة»، ربما صح فيها لأنها تحيط بالإنسان فتكون ظرفًا له، لكن لما قال «مرتبة»، كأنه ذكر مرتفعًا من المرتفعات، كأنه ذكر صعيدًا أو علياء؛ ففي لفظ المرتبة الابتلاء والشدة والحالة العسيرة، وفي لفظ المرتبة كذلك اعتلاء الصاحب لصاحب الحال. مرتبة لا يستقال بها الردى.
وقفت عند لفظة «يستقال»، وهي في هذا الموضع مجاز، وهو هنا عجب من العجب؛ لأن الاستقالة هي طلب الإقالة، كما في إقالة المشتري بعد تمام البيع، كما قال النبي ﷺ: «من أقال مسلمًا بيعته، أقال الله عثرته يوم القيامة». أقال يعني أعطاه الإذن لأن يردها، فكأنه فك إساره من العقد، ورفع عنه البيع، وهو على التعبير الفقهي فسخ.
أنت اشتريت شيئًا، ثم وجدت أنك لا تحتاج إليه، أو أن سعره كان عاليًا عليك، أو أن هذا الشيء لا يناسب حالتك التي أنت فيها الآن، فذهبت تحاول أن ترجع. فالنبي ﷺ يقول: «من أقال مسلمًا بيعته أقال الله عثرته يوم القيامة». تعرفون ما معنى أن تستقيل؟ أن تطلب الإقالة، وأن يعبر الشاعر عن محاولة النجاة من الردى بطلب الإقالة، ليس بالاستعلاء عليها؛ فالردى حاصل ولازم، وتطلب إقالته وتستقيله ولا تقال.
توقفوا عن الكتابة يا إخوة وركزوا في الكلام هذا. «ومرتبة لا يستقال بها الردى»، الردى هو الهلاك أو الموت. رأيتم البراعة في اختيار لفظ الاستقالة وهو لفظ مجازي، وأنه بناه لما لم يسمِّ فاعله؛ «مرتبة لا يستقال بها الردى»، يعني لا يملك أحد أن ينجو من الردى بأن يستقيل منه أو يطلب الإقالة، وفي ذلك إشارة إلى خضوع المبتلى لأحوال هذه المرتبة.
لأن لفظ الاستقالة فيه شيء من اللطف والتوجه من الأدنى إلى الأعلى وطلب الإقالة، فيها طلب وفيها نوع من الخضوع. هذه المرتبة التي لا يستقال بها الردى: تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز.
تدارك ومنع وحرص. هنا غريب: «تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز». اقتضاب، أو إبهام؛ ذكر الحاجز وأبهمه ونكره. ما هذا الحاجز؟ هذا سنلقاه مرة أخرى في القصيدة حينما يقول: «وذاق فأعطته من اللين جانبًا كفى».
نكر وقال «حاجز»، وذلك للإغماض من الشأن؛ يغمض شأنه ويحرك النفس نحوه بعد أن ذكر أثره. لأن هذا الحاجز هو الذي تلافى أو أدرك حلمه وتلافاه عن الجهل في مرتبة لا يستقال بها الردى. اربط الكلام الآن: «ومرتبة لا يستقال بها الردى، تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز». ما الحاجز؟ ما الشمائل التي تلافت حلمك عن الجهل في مرتبة لا يستقال بها الردى؟
تراه في الشطر الثاني أخر الفاعل إلى آخر الجملة: «حاجز». لأن «تلافى» فعل، و«حلمي» مفعول مقدم، و«حاجز» فاعل مؤخر. عيار الكلام: «تلافى حاجز بها حلمي عن الجهل»، ولكن قدم حلمه؛ فكأن الشاعر إنما يمدح نفسه ببقاء حلمه في مرتبة تطيش فيها الأحلام.
لو نظرتم إلى الشطر الأول، قلت لكم: عنده تجن فيها النفوس، مرتبة لا يستقال بها الردى، نازلة ومصيبة، مرتبة لا يطلب فيها إقالة الردى، الهلاك واقع حتى لو أنك خضعت وطالبت إقالة الردى لا يستجاب لك.
لماذا قدم «حلمي»؟ لأنه يحصل معه الطباق فيما يوحيه الشطر الأول، فكان يشبه أن يكون نوعًا من الطباق الخفي البعيد، ليس على القانون الفني، بل يشبه ابن عم للطباق الخفي البعيد. مرتبة لا يستقال بها الردى تطيش بها الأحلام، وفي نفس الوقت تلافى بها حلمي.
استفاد من تقديم الحلم وتأخير الحاجز؛ لأن في الحاجز ما قلناه، واستفاد من تقديم الحلم الذي أصله التأخير لأنه مفعول لـ «تلافى»، واستفاد من تأخير الحاجز.
وهو الفاعل، فأصله التقديم وأن يلي الفعل. وبذلك يكون قد مدح نفسه شديدًا بالرزانة والثبات، وأغراه حول شمائله ومرتبة لا يستقال بها الردى، تلافيًا بها حلمي عن الجهل حاجز، وعوجاء مجذام وأمر صريمة تركت بها الشك الذي هو عاجز.
ليس اعتباطًا أتى هنا بواو رب، وكان يمكنه أن ينقلك أو أن ينتقل كالانتقالات المعهودة. فعزيت نفسي حين بانوا بجسرة. صح ولا لا؟ فعزيت نفسي حين بانوا بجسرة أمون كبنيان اليهودي خيفقي. وإني لأمضي الهم عند احتضاره... وإني لأمضي الهم عند احتضاره كذا كذا طرفة بن العبد هذا. خلاص؟
فعزيت نفسي حين بانوا بجسرة أمون كبنيان اليهودي خيفقي، فدعذا وسلّ الهم عنك بجسرة، فعدي عما ترى إذ لا ارتجاع له. لكن واو رب بعد مرتبة. وفي ذلك ما شرحته أمس في التقديم أو في الحديث عن بنائها، وهو أنه ليس اعتباطًا أن أتى بواو رب بين بيتين، أو في بيتين متواليين هما فصلان في الحقيقة.
وبذلك يكون قد أتى بها لا للتكثير فقط، بل لدلالة أخرى أدق وأخفى، وهي مناظرة مطلع هذا البيت بمطلع البيت السابق؛ ليجعل المعنيين في البيتين شملة واحدة، وصفة واحدة، فكأن الذي يرحل إليه على تلك العوجاء في هذا البيت، وكأن أمر الصريمة، وكأن تركه الشك الذي هو عاجز، كل ذلك هو من المرتبة، أو من جنس المرتبة التي ذكرها بقوله: «ومرتبة لا يستقال بها الردى».
اسمع الآن إلى صوت الأبيات: عفا بطن قو من سليما فاعالز... فذات الغضى فالمشرفات النواشز فكل خليل غير هاضم نفسه لوصل خليل صارم أو مراتب لا يستقال بها الردى تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز وعوجاء مجذام.
وكأن هذه العوجاء المجذام تحمله إلى هذه المرتبة، أو إلى شيء من جنس هذه المرتبة التي لا يستقال بها الردى. والعوجاء أيها الإخوة هي الناقة العوجاء التي إذا عجفت اعوج ظهرها، يعني صارت كالقوس هكذا، وهذا موجود عند النابغة وغيره. نعم، هنا يقول معن بن أوس: «تشج بي العوجاء كل تنوفة... كأن لها بواً بنهى تغاوله». يقول: تشج بي العوجاء كل تنوفة.
والمجذام صيغة مبالغة من الإسراع، من الإجذام؛ الإجذام هو الإسراع في السير يا إخوان. قال: «وأمر صريمة». الصريمة العزيمة وإحكام الأمر، إن كنتم في القرآن العظيم: ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، يعني عازمين قد أحكمتم أمركم، فالصريمة الإحكام للأمر، وأمر صريم أمر معتزم. وقوله «وأمر صريمة» أي وأمر نازلة أو وأمر عزيمة مقطوعة.
وهنا تعجب؛ لأن الشاعر مدح نفسه وذكر شيئًا من طباعه ومن حياته فقط في الناقة التي وصفها بالعوجاء المجذام، لما قال «وعوجاء مجذام»، لأننا قلنا الناقة العوجاء التي عجفت فاعوج جسدها، يعني صار بطنها منحنيًا في قبة ظهرها هكذا، بعض النوق ترونها من الضمور الشديد هكذا، صارت كالقوس أمامك كالقفة هكذا ومفرغة من البطن أيضًا، هذه يقال فيها العوجاء، والمجذام المسرعة. وقال مجذام مفعال، مفعال على صيغة المبالغة. هذا هو الإجذام.
خلاص، فهي مجذام، عوجاء مجذام. فالرجل مدح نفسه، وهذا ربما لا تنتبهون إليه؛ مدح نفسه بكثرة السفر والإسراع والحماسة فيه من صفة ناقته فقط، والشعر لمح تكفي إشارته وليس بالهذر طولت خطبه. ولهذا قال «تركت بها»، وهنا هذه الواو، واو رب كذلك، فيقول: «وعوجاء مجذام وأمر صريمة تركت بها الشك الذي هو عاجز»، أي ورب عوجاء مجذام. يعني هو كثير، انظر إلى «تركت بها الشك»، هذا متكرر كثيرًا. وهذه العوجاء المجذام فيها الصفة التي كانت عن الكثرة، كثرة الأسفار والإسراع والحماسة فيها.
وعوجاء مجذام وأمر صريمة، كلمة «وأمر صريمة» بعد «العوجاء المجذام»، ثم قلت «تركت بها»، وهنا قد يعود على الصريمة وقد يعود على العوجاء، ولكن الظاهر أنه يعود على العوجاء، على شريطة أن يفسر بذلك أمر الصريمة أنه كذلك، يكون قد ترك بها الشك الذي هو عاجز.
«وعوجاء مجذام وأمر صريمة»، أي ورب عوجاء مجذام وأمر عزيمة، والأمر الصريم المعتزم. تذكرون هذا موجود عند لبيد بن ربيعة هذا المعنى، تذكرون ما قال لبيد بن ربيعة؟ له أبيات في هذه القضية عيناً، فبتلك إذ رقص اللوامع في الضحى... واجتاب أردية السراب بإكامها... أقضي اللبانة لا أفرط ريبة. يعني أنهم يقضون على الشك، «تركت بها الشك الذي هو عاجز». كما قلت هذا البيت شائع عند شعراء البادية، أو الشعراء الذين يذكرون الضرب في البادية، هم جل الجاهلين تقريبًا، فهذا ليس من البداوة الشماخية كما قد يظن البعض، يقول لك الشماخ بدوي بدوي وكذا، لا، هذا أصلا عند لبيد بن ربيعة أيضًا ومن البادية.
أما الشطر الثاني يا إخوة، أولاً العلاقة في الشطر الأول بين العوجاء المجذام والأمر الصريمة: العوجاء المجذام هي الوسيلة، المطية، وأمر الصريمة هو الذي يحرك العوجاء المجذام، كأنه يقول عندي مطيتي وعندي عزيمتي. فالعطف ليس عطفًا هكذا ترتيبًا أو إلحاقًا محضًا، لو قال «وأمر صريمة وعوجاء مجذام» اختلف المعنى، سيظهر أنه اتخذ قراره أولًا ثم يقول وعندي آلته. لكن لما قال «وعوجاء مجذام» ثم قال «وأمر صريمة»، بنى الكلام وجعل مولج البيت على العوجاء، وبنى الكلام عليه لأنه بعد ذلك سيصف العوجاء إلى آخر القصيدة.
فعنايته بالعوجاء عنايته سيديرها على هذا القطب، على العوجاء، الناقة العوجاء المجذام التي ستصور لنا كل عزيمته وأمر الصريمة. وهناك في الجأب، فلما رأينا الورد منه صريمة، يعني عزيمة أيضًا. والجأب الذي اتصف بالصريمة هناك، قلت لكم القصيدة مشدودة إلى بعضها، الجأب الذي هو الحمار الوحشي الذي اتصف بالصريمة هناك، ليس المنزع فقط، لا، هذه أصل القصيدة، المتصف بالصريمة هناك هو المشبه به الذي شبهت به الناقة التي هنا حملها على أمر الصريمة، وعوجاء مجذام يحركها أمر صريمة.
شعرتم بهذا المعنى؟ «وعوجاء مجذام وأمر صريمة»، يعني رب عوجاء مجذام، ومعها أمر صريمة يحركها، لكن قدم العوجاء المجذام وأخر الصريمة لأن العوجاء هي قطب حديثه، وأمر الصريمة هو الذي يحركها، ولو قال «وأمر صريمة وعوجاء مجذام» عكس القضية، وجعل أمر الصريمة هو الأصل والقطب، وجعل الناقة في الرتبة الثانية ليست قضية الكلام. فهمتم؟ بعد ذلك ترونه في الشطر الثاني، الشطر الثاني شغل بشيء غريب. وأنا حينما أقول شغل أو شغل البيت أو شغل الشطر أو العبارة بشيء...
أريد عادةً أن يجري هذا في كلامي، لما أقول ترونه شغل الشطر بكلام، أريد عادةً أن العبارة قد طالت عما يمكن التعبير عنه مباشرةً. العبارة طالت وزادت فيها أشياء لا بد من الانتباه إلى النكتة من زيادتها.
فهو هنا ماذا قال؟ الكلام طال، تركت بها الشك الذي هو عاجز. هذا هو المسلك الذي سلكه الشاعر في وصف الشك؛ لأنه كان له أن يقول: «تركت بها الشك العاجز»، صح ولا لأ؟ أنتظر جوابكم. «تركت بها الشك العاجز»، صح؟ مشكلتنا أننا صرنا لا نفهم، أهدرنا اللغة في العامية، وهذه العبارات لا تختلف عندنا، عند العرب لها دلالات.
كان له أن يقول: الشك العاجز، أو كان له أن يقول: عجز الشك، أو تركت بها الشك العاجزة، أو تركت بها عجز الشك، لكنه قال: «وعوجاء مجذام وأمر صريمة»، تركت بها الشك الذي هو عاجز. الشاعر هنا شغل البيت بالمسلك الذي يتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل. هو أراد أن يصف العجز بجملة: «هو عاجز»، فتوصل إلى ذكر ذلك الوصف بالاسم الموصول؛ لأن الذي -كما يعلم الدارسون- يتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل.
وهنا يتعين السؤال: لماذا اختار أن يصف العجز بالجملة أصلاً؟ هذه هي القضية عندنا، ولماذا يصف العجز بالجملة؟ وهي طبعاً في كلامنا هذه لا تفرق عندنا، لكن عند العرب هذه دلالات. لماذا لم يقل: تركت بها الشك العاجز، أو تركت بها عجز الشك، بل قال: تركت بها الشك الذي هو عاجز؟ فتوسل بالاسم الموصول لوصف المعارف بالجمل؛ لأن المعارف إذا جاءت الجملة بعدها تكون حالاً، بخلاف مجيء الجمل بعد النكرات، فالجمل بعد النكرات تكون نعوتاً.
فكيف نصف المعرفة بالجملة إذا كانت الجمل بعد المعارف تكون أحوالاً؟ كيف نصف المعرفة بالجملة عن طريق «الذي»؟ حتى تحول العبارة من كونها حالاً للمعرفة إلى كونها جملة، فتأتي بـ «الذي». لأن الجمل كما قلنا بعد المعارف لا تصلح للنعت أو للوصف، بل تصلح للحالية. ولكن السؤال الذي يتعين هنا: لماذا اختار أصلاً أن يصف العجز بالجملة «الذي هو عاجز»؟ قولنا «هو عاجز» كلام قائم بنفسه، مبناه على الضمير الذي وقع مبتدأً.
معذرةً انقطع الصوت لأني محتاج أعود للمحاضرة. معذرةً يا إخوان، المشكلة كانت من الشركة وتواصلت معهم وحلت والحمد لله. إلى أين وصلتم؟ نعود إلى الشماخ بن ضرار.
أقول هنا معنى الشيء الذي نجده في الشطر الثاني، وهو أن الشاعر سلك هنا مسلك «الذي» في وصف الشك. «وعوجاء مجذام» طبعاً لمن لا يعرف ولم يكن حاضراً في البث المباشر، انقطعنا نصف ساعة تقريباً وأصلحنا واتصلنا بالشركة، فذلك نستعيد الرابطة الذهنية مرة أخرى.
أقول في الشطر الثاني: أرى أن الشاعر شغله بكلامٍ أطول مما ربما كان يمكن أن تقوله لولا معرفة النكتة وراء ذلك. كان يمكنه أن يقول: تركت بها الشك العاجز، أو تركت بها عجز الشك، ولكنه قال: «تركت بها الشك الذي هو عاجز». فسلك الشاعر مسلكًا غريبًا على المعهود في وصف الشك، سلك مسلك «الذي» في التوصل إلى وصف المعارف بالجمل؛ لأن الجمل نكرات، والأصل أن المعارف لا توصف بالجمل لأنها تأتي أحوالاً. فكيف نتوسل إلى وصف المعارف بالجمل؟ عن طريق «الذي».
فسلك الشاعر هنا: «تركت بها الشك الذي هو عاجز»، أراد أن يصف العجز بالجملة «هو عاجز»، فتوصل إلى ذلك بالاسم الموصول. وهنا يتعين السؤال الذي ينبغي أن يسأله دارس الشعر: لماذا اختار الشاعر أن يصف الشك بالجملة «هو عاجز»؟ لأن جملة «هو عاجز» جملة قائمة برأسها، لأن الجملة مبناها على الضمير الذي وقع مبتدأً و«عاجز» وقعت خبراً. فلماذا أراد أن يصف المعرفة التي هي الشك بالجملة «هو عاجز»؟ فوصل بينهما بالاسم الموصول الذي تأتي بعده جملة الصلة التي تصف بها المعرفة.
أول شيء اعلم أنك إذا قلت «الذي» فأنت تذكر شيئاً للسامع علم به، تذكر شيئاً يكون للسامع علم سابق به. فمثلاً تقول لأحدهم: «جاء صاحبك»، فيقول: «الذي جاءنا أمس؟»، فجاءنا أمس أنت تريد أن تصف بها الصاحب الذي عرف بالإضافة إلى الضمير، فتتوسل إلى ذلك بـ «الذي»، ولكن في نفس الوقت أنت ذكرت أو وصفت المعرفة بشيء يعلمه السامع.
ولكن الجديد هنا هو وصف المعرفة به، فلفظ «الذي» يشير إلى أن عجزاً كان معلومًا في النفوس. ويبدو مما دخل في الفترة التي انقطع فيها البث، أنني طلبت من أهلي أن يحضروا لي كتاب «الدلائل» لأقرأ لكم حديث عبد القاهر عن «الذي» لتعلم لماذا استعمل الشماخ بن ضرار هذا الوجه من العبارة. هذا في كتاب «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر، في فصل في «الذي» خصوصاً، يقول والقول البين في ذلك: إنه إنما اجتلب لفظ «الذي» حتى إذا كان قد عُرف رجل بقصة وأمر جرى له...
فتخصص بتلك القصة وبذلك الأمر عند السامع. ثم أريد القصد إليه ذكر الذي. تفسير هذا أنك لا تصل "الذي" إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم بها، وأمر قد عرفه له. لا تصل "الذي" إلا بجملة من الكلام قد سبق من السامع علم بها وأمر قد عرفه له.
نحو أن ترى رجلًا، أن ترى عنده رجلًا ينشده شعرًا فتقول له: ما فعل الرجل الذي كان عندك بالأمس ينشدك الشعر؟ هذا حكم الجملة بعد "الذي". إذا أنت وصفت به بحرف "الذي"، يعني بلفظ "الذي" شيئًا، اسمع هذا هو المقصود. فكان معنى قولهم: إنه جيء به ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل، أنه جيء به ليفصل بين أن يراد ذكرها؛ هذا ما فعله الشماخ.
ليفصل بين أو هذا ما وظفه الشماخ؛ أنه جيء به "بالذي" ليفصل بين أن يراد ذكر الشيء بجملة قد عرفها السامع له وبين ألا يكون الأمر كذلك. فلما قال الشماخ بن ضرار: «تركت بها الشك الذي هو عاجز»، أوقع في نفسك أن هناك شيئًا هو عاجز، وأنه ينبغي ألا يكون إلا الشك، فلا عجز إلا الشك.
«تركت بها الشك الذي هو عاجز»، كأنه يقول لك: هناك عجز واقع في النفوس أنا وأنت وسائر الناس يعلمه. فهذا الشك هو الذي، أو الشك الذي هو عاجز، فكأننا علمنا بمادة للشك، أو بمادة للعجز وسبب للعجز. فاستعمل هذا الوجه في "الذي" ليقول لك: هل علمت بشيء عاجز؟ الشك الذي هو عاجز، أو الذي علمت أنت أنه عاجز. جاء الشك الذي هو: «تركت بها الشك الذي هو عاجز».
فما الجديد؟ الترك. أنا تركت الشك الذي هو عاجز الذي ثبت عندك وعندي أنه العاجز. والعجيب هنا وصفه العجز في الشك باسم الفاعل، هذا أيضًا من براعته؛ جعل الشك نفسه، وهو سبب للعجز، عاجزًا. أنت ينبغي أن تتذوق كل هذا وأنت تقرأ البيت، وأن تقابل ذلك بـ: «وعوجاء مجذام وأمر الصريمة.. تركت بها الشك الذي هو عاجز».
أخونا يقول: الشك بضاعة العاجز. الشك هنا هو العاجز، يعني الشك من شدة إياله إلى العجز وتأديته إلى العجز وأنه يؤول إلى العجز، صار هو العاجز. الشك الذي هو عاجز، كقولك: الجوع كافر؛ الجوع يعني يريدون أن الجوع يؤول بالإنسان إلى الكفر، فصار الجوع كافرًا لأنه يسبب الكفر، يعني نوع من المبالغة. فكذلك هنا: «وعوجاء مجذام وأمر صريمة.. تركت بها الشك الذي هو عاجز».
والشك هنا يا إخوة كلمة من جوامع الكلم، كل الشك ما هو؟ كل ما يظن فيه الضيم. نفس المعنى الذي ذكره لبيد بن ربيعة: أقضي اللبانة لا أفرط ريبة ... عفا بطن قوم من سليمة فالعاز فذات الغضى فالمشرفات النواشز ... فكل خليل غير هاضم نفسه هذا شديد في صفة الخلة جدا، فكل خليل غير هاضم نفسه، لوصل خليل صارم أو معارض، ومرتبة لا يستقال بها الردى، تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز. وعوجاء مجذام وأمر صريمة ... تركت بها الشك الذي هو عاجز.
ونقف عند هذا الحد أيها الإخوة، تجاوزنا الساعتين بقدر محترم، ونلتقي الخميس القادم إن شاء الله تعالى بدءًا من البيت الخامس، لندخل في التشبيه الذي امتد من الخامس إلى السادس، بعد الـ 50 إلى آخر القصيدة، امتد في 52 بيتًا: «كأن قطودي فوق جأب مطرد».
كل ما قلناه يا إخوة من هذا هو دلالات لغوية، هي لغة الكلام. فإياك أن ترى عبارة تشبه عبارة عندك فتقول يا لا هي عاميتك، هي التي أهدرت الدلالات. افهم هذا، عاميتك هي التي أهدرت الدلالات، وأنت عليك أن تأخذ الدلالات وأن تتذوقها وأن توظفها بحسب موقعها في العربية. وشكرًا لكم، وجزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد