السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أهلاً وسهلاً ومرحباً بالإخوة الكرام، يا مرحباً بكل من ألقى السلام، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وكل من حيا حياك الله وبياك وعمت صباحاً ومساءً.
أرجو أيها الإخوة طمأنتكم إلى سلامة البث صوتاً وصورة من بعد إذنكم، وأرجو التفاعل مع البث؛ فهذه السلسلة مهمة جداً، أرجو التفاعل مع البث ليظهر لإخوانكم.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، لك الحمد ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، نحمدك ربنا لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
أما بعد أيها الإخوة، فهذا إنجاز وعدت به في شهر رمضان الماضي، وقلت يكون هذا بعد رمضان إن شاء الله، ولكنه طال لمشاغل وطوارئ تراتبت، ولكنني وطنت نفسي على الوفاء بهذا الوعد، ألا وهو أن أشرح قصيدة فحلة من النمط العالي الجاهلي شرحاً مفصلاً، شرحاً يستنطق وجوه البيان في هذا النمط العالي.
وصرحت لكم بأن غرضي من هذا الشرح هو أن أطلع الناس على حقيقة الشعر؛ صناعة وفهماً وتفسيراً، فليس كل شاعر ما يعده الناس شاعراً في وسائط التواصل، وليس كل الشعر ما يعده الناس شعراً في مواقع التواصل، وليس كل النقد وفهم الشعر ما يعده الناس نقداً وفهماً للشعر في مواقع التواصل.
وقلت إنني في هذه القصيدة كنت مقرراً أن أشرحها لخاصة طلابي في «رواد القصيد»، لأنهم يدرسون الكتب والمسائل أكثر، وهذا أيضاً لضيق الوقت وكثافة الأعمال علينا وعليهم، لكننا نحتاج إلى الشروح النقدية التطبيقية؛ وهناك كتب تطبيقية ككتاب الآمدي، لكن كنا نحتاج إلى نموذج، إلى مثال نموذج صح، وإلى مثال من نقد قصيدة كاملة ندخل إليها بحزمتها الشعرية الكاملة.
كان هذا الشرح مقرراً خاصاً بطلابي في «رواد القصيد» والمجموعة المصرية، هناك مجموعة مصرية هي مناظرة لـ«رواد القصيد» لكنها مقتصرة على النقد وعلى دراسة النقد وليس على الشعراء. فقلت هذا الشرح إذا أخرجته وألقيته في الناس مرة، وهو في غالبه أول من نوعه، ربما يطلع الناس على حقيقة الشعر فتحترم الشعر وتحترم نفسها. لا نمنع طبقات الشعر الأخرى، ولكن نقول علينا أن نحترم الشعر، وأن نحترم أنفسنا، وأن نحترم النقد وفهم الشعر؛ فالشعر طبقات كالناس، والشعر طبقة ملوكية من البيان، هذه حقيقة توافق ذلك مع طبع البعض أو لم يتوافق.
فهذا الشرح الذي وعدت به أيها الإخوة، وقلت إنني إن شاء الله تعالى سأشرح فيه قصيدة بما أوتيت من قدرة، مع العلم أن الضعف البشري وارد، والفوت وارد، وعدم الكمال هو الأصل، قلت سأشرح شرحاً بيانياً تفصيلياً لقصيدة ملوكية من النمط العالي القديم.
وأول شيء تعلمونه في هذا المجلس أيها الإخوة، وربما قل تنبيهي إلى هذا لانشغالنا بما ينبه إليه من باب الأولى، أقول: الشعر الجاهلي طبقات، أي أيها الإخوة، الشعر الجاهلي طبقات وليس طبقة واحدة. أكثر الناس ينسبون الشعر الجاهلي إلى طبقة واحدة، يقول: هذا شعر جاهلي، خذوا هذا وخذوه بقوة، والشعر الجاهلي أيضاً طبقات وليس طبقة واحدة، ويعرف ذلك جيداً مشتغل بالشعر، غارق فيه، حياته ملأت صدره وسكن مخ عظامه.
الشعر الجاهلي أيها الإخوة هو كذلك طبقات؛ فهذه القصيدة طبقة، قصيدة الشماخ التي معنا اليوم طبقة، ومثل عينيه المثقب العبدي: «أفاطمةً قبلَ مَتْعَينيكِ ومَنْعُكِ .. ما سألتكِ أن تُبيني» «فلا تُعِدِّي مَواعِدَ كاذباتٍ .. تَمُرُّ بها رياحُ الصيفِ دوني» «فإني لو تخالفني شمالي .. خلافَكِ ما وصلت بها يميني إذا لقطعتها» «قُلْتُ: بَيِّنِي، كَذلِكَ اجْتَوَيْتُ .. مَنْ يَجْتَويني».. طبقة.
كما أن نونية ذي الإصبع العدواني طبقة: «يا مَنْ لِقَلْبٍ طَويلِ البَثِّ مَحْزونِ .. أَمْسَى تَذَكُّرُها مِنْ بَعْدِ مَا شَحُطَتْ» «والدَّهْرُ ذُو غِلْظَةٍ وَذُو لِينِ».. طبقة أيضاً.
والذي يدرج قصيدة ذي الإصبع العدواني -وهذا أول مرة أتحدث فيه، كنت سأتحدث فيه مع طلابي في «رواد القصيد» لكن قلت أجعل هذه استثناء، هذه القصيدة وما أقوله فيها استثناء في الناس- نعم، أقول: من يجعل هذه القصيدة أو هاتين القصيدتين، عينيه المثقب العبدي ونونية ذي الإصبع العدواني، في طبقة واحدة مع زائية الشماخ أو تيجان امرئ القيس والنابغة وزهير، اعلم أنه ليس مغرقاً في الشعر وإنما يمسه من خارج، أقصد الشعر الجاهلي، وإنما يمسه من خارج والشعر الجاهلي ليس شغله.
فالشعر أيها الإخوة طبقات، والشعر الجاهلي طبقات، والشعراء الجاهليون طبقات؛ فمثل الشماخ، ومثل أبي ذؤيب الهذلي، ومثل المزرد بن ضرار، ومثل حسان بن ثابت، ومثل أبي قيس أو قيس بن الخطيم، أو زمرة الفحول المعدودة في المختارات، مثل هؤلاء طبقة.
ومثل الصعاليك وغيرهم ممن قال الشعر ولم يحترفه، أي لم يقصد إلى الاستفحال فيه ولم يزد على أن خدم به أحوال نفسه، طبقة كذلك. وأقصد بالاحتراف هنا ليس الأصل اللغوي في الاشتقاق، أي أن يتخذه حرفة للتكسب، أقصد من الاحتراف القصد إلى الفحول، أن يكون فحلاً؛ هذا طبقة أيها الإخوة.
والذي يقول أو اسمعوا يقول: «شعراء الصعاليك الفحول»، ويضعهم بجوار طبقات الشعراء كالشماخ بحكم أنه أيضاً من البادية أو تبدى في شعره وجاء شعره معدوداً في الشعر البدوي، أو يضعه مع أبي ذؤيب الهذلي ويقول هذا شعر بدوي كذلك، أو يضعه مع المزرد لما فيه من خشونة وبداوة وشدة، أعرف -بل أعلم- أنه لا يشتغل بالشعر شغلاً تاماً بحيث يدرك أن الشعراء طبقات، وأن الشعر الجاهلي كذلك طبقات.
وإذا ولجنا إلى استكناه حقيقة الفحولة، جئنا إلى السهل الصعب؛ السهل الذي يمكن تصوره إجمالاً، ولكنه الصعب في تفصيله؛ لأن الفحولة تظهر في قصيدة الشاعر من كل طبقة فيها، يمكن أن تسميها طبقة شعرية، من كل رافد شعري جَلَّ ذلك أو دق، فأصول الدلالات التي تخرج بالبلاغة عن البلاغة الصريحة، أو تخرج بالكلام عن الدلالة المباشرة إلى البلاغة البارزة الصريحة كالاستعارات والكنايات.
هذه رافد شعري، ما يسميه البعض، أو ما قد يسمى في الدارجة في الكتب المترجمة وكتب النقد الغربية بالعناصر الأدبية أو عناصر الشعرية؛ يسمونها عناصر الشعرية وعناصر الأدبية، ولا بأس من ذلك. أحب أن أسميها روافد الشعر، أي المعينات والمؤثرات فيه، كل العوامل الروافد.
وهذه الروافد هي طبقات؛ أنت ربما تأتي بالوزن كطبقة، لا شك إذا وظف طبقة. والتراكيب البليغة طبقة، ولكن هذه طبقات ظاهرة. بعد ذلك، هناك من الشعراء من يستطيع أن يصنع دلالات يقف عليها الناقد الحصيف؛ لأنه لا يقف على المعاني فقط من الدلالات الجرمية للتراكيب، وإنما بإيحاءات هذه التراكيب بأصواتها، ما يسمونه أحياناً عند الدكتور إبراهيم أنيس بالنغم الداخلي للكلام، وبإيحاءات أنغام التراكيب إذا التقت -ليس اعتباطاً أيضاً- إذا التقت مع دلالات التراكيب.
وهذه طبقات صعبة ومرتقى صعب، لأنك ربما لا تتخيل ماذا يحتاج الشاعر إليه حتى يصنع قصيدة متفقة في بحرها المختار، وتراكيبها النحوية، واشتقاقاتها الصرفية، ومواضع الوقوف، ومتى يتعامل مع الزحافات والعلل، وحرف الروي المختار أو وحدة القافية؛ لأن فيها الردف وفيها التأسيس، قافية مؤسسة، وفيها حركة الحرف أو نوع الحرف وحركته.
إذا اختار الشاعر لقصيدته بحراً وحرف الفاء، إذا كان ذلك الشاعر شاعراً فحلم بحق على الطبقة التي أتكلم فيها الآن، فاعلم أنه ما اختار البحر هباءً، وما اختار مثلاً قافية الفاء هباءً، سترى علاقة في معجم العرب بإيحاءات هذا الحرف، أو علاقة بين إيحاءات هذا الحرف وبين موضوع القصيدة ومشاعر الشاعر فيها.
لماذا تستغرب؟ ألا ترى إلى الجناس كيف تأتي كلمتان أجنبيتان عن بعضهما وفيها من الحروف ما يوحي بالأخرى؟ حتى لو نزلت طبقة في الدلالة، حتى لو رجعت إلى أصل الجذر الذي لا ينظر فيه حتى إلى التركيب أو إلى ترتيب الحروف. وهذا الموضوع الذي استهل به ابن جني كتابه الخصائص؛ لما قال لك: «اللقل والقل حلو»، وأخذ يقلب لك، يقول هذه سترجع إلى معنى أصلي هو عائلة كبيرة بقطع النظر عن ترتيب الحروف. وقال إن الواو والقاف واللام رُتبت ونُظمت في كلام العرب على أصول مختلفة لتؤول إلى القوة وشدة الحركة والرمي، ومنه جاء القول، وجاءت اللقوى: العقاب، وهذا قول وهذه لقوة. فكذلك يستعمل الجناس للدلالة الصوتية إشارة إلى العائلة القديمة للمعنى.
فلماذا تستغرب أن يأتي الشاعر بحرف الروي الذي يوحي فيه صوت الحرف فقط بما يلتئم مع عائلة المعنى، أو مع باب القصيدة ومشاعر الشاعر وإن تعددت موضوعاته؟ خذ هذه أيضاً، وإن تعددت موضوعاته، عجيب ربما تسأل نفسك الآن: حرف الروي حرف من الكلمة الأخيرة، والمعنى لا يتم إلا بالكلمة، ولكن ما علاقة حرف في آخر الكلمة فكيف يدل؟ أنت في الروي تراعي الحرف فقط والكلمات معناها مختلف.
أقول: وهذا هو الشعر، والشعر أوسع مما تظن؛ لأنه يشير لك بصوت القصيدة وإطارها الإيقاعي، فيلتقي في نفسك بإطار القصيدة الإيقاعي مع موضوعها. ولماذا تستغرب وقد اختار إيقاعاً موسيقياً أو إيقاعاً عروضياً هو في ذاته إذا فُصل لا علاقة له بالمعنى، فكيف بحرف الروي الذي يدخل في كلمات توحي بالمعنى؟
على أن الشاعر سيختار حرفاً يكون بارزاً في الكلمات التي تنتسب مباشرة إلى باب معناه، ليس شرطاً أن يأتي بنفس الكلمات، لكن سيختار حرفاً حين تسمعه تقول: هذا الحرف يكثر في كذا، يكثر في كذا، يكثر في كذا، ويكون ذلك إيحاءً موسيقياً وكأن الشاعر نطق بالكلمة ومعناها، وعبر بصوت في الكلمة عن شيء التقى مع باب القصيدة.
والقصائد دلالتها الشعرية، أو الحزمة الشعرية، أوسع من الدلالة اللغوية؛ ولذلك يراعى في الشعر ما سماه محمود شاكر التشعيث، وهو تشعيث الأداء وتقطيع الأداء. لا يمكنك أن تقول هكذا: «حمال لويه شهاد نديه قوال محكمه جواب افاقي»، وإنما تقول: «حمال، حمال لويه، شهاد نديه، محكمه، جواب بافاق». هذا نغم ظهر في البيت، وحين قال أبو فراس الحمداني بيته يحتفى به، وحق أن يحتفى به، ولا أدري كيف هو ضائع في الناس ككثير من القيم والمقدرات الضائعة في الناس، لما قال: ومضطغنٍ لم يحمل السر قلبه *** تلفت ثم اغتابني وهو هائبُ
لا يمكنك أن تقول هكذا: «ومضطغن يحمل لم يحمل السر قلبه تلفت ثم اغتابني وهو هائب»، لأن كل فعل فيها له من التمام المعنوي الذي يقتضيك التأمل الشعري، ما يقصرك على الوقوف، ما يكرهك على الوقوف، تطلب نفسك عنده الوقوف: «ومضطغنٍ لم يحمل السر قلبه، تلفت ثم اغتابني وهو هائب». هذا نوع آخر من النغم، ولكل شاعر نغم يضطرد عنده باضطراد أساليبه وتراكيبه.
إن الفحول تظهر في شعر الشاعر بحسب توظيفه لهذه العناصر الشعرية، كما أسميها الآن الروافد الشعرية. يعني ماذا؟ يعني يا أبا قيس، ممكن أن تنظر في قصيدة فترى ضعف شاعرها بأنه أصاب في التراكيب وأصاب في المعاني، ولكنه مثلاً لم يحسن توظيف سائر العناصر أو الروافد الشعرية كحرف الروي، وهذا هو الأكثر الآن أصلاً.
وإلا ما معنى أن أشرح لك قصيدة أقول لك: اختار صاحبها حرف الروي واستدفأ به في القصيدة؟ وما الفرق بين شعراء كبار فحول وشعراء جيدين استطاعوا أن ينشئوا قصيدة جيدة؟ وهؤلاء صنعوا قصائد فحول. نعم، أنا ربما أقول لإنسان: قصيدتك سليمة، لكن هل أستطيع نقده على مستوى اختيار الروي؟ أو أنني أقول له: لقد عشت معك في القصيدة من أولها إلى آخرها، شعرت بأنني في هذا المأتم الذي أنت فيه.
ليسوا جميعاً كذلك، هناك شاعر إذا دخلت إلى قصيدته أحاطت بك القصيدة بنغمها وإيقاعها وإطارها الصوتي، لم تستطع أن تخرج منها، وكان الشاعر وضع لها إطاراً وسياجاً يجعلك في داخلها بعناصر دلالية أو عناصر نغمية إيقاعية دخلت في العناصر الدلالية لأنها صارت دلالة كذلك. تخيلوا إنساناً يقول قصيدة عذرية على حرف الزاي، أو على حرف الطاء؛ قصيدة على حرف الطاء عذرية يتوله ويشتكي بعد الحبيبة والنائي ويبكي ديارها على حرف الطاء، لا يتأتى.
ولذلك، وهذا تحليل وتعليل، وهذا انتبهوا لم يذكر في الكتب فدونوه عندكم: لماذا فشل المتنبي في الغزل؟ لماذا فشل المتنبي في الغزل يا إخوة؟ هل لأنه لا يعرف معاني الغزل؟ المتنبي شاعر المعاني، الذي تهمته الأولى سرقة المعاني، هو يعرف معاني الغزل ويعرفها ويخترعها؛ بل لأن المتنبي -وإن أصاب في الدلالات- لا يقدر على مشاكلة الألفاظ للمعاني.
لا يقدر على اختيار التراكيب التي تليق بقضية الغزل وإن صح المعنى. انظروا إلى كثرة عزة حين قال: خليلي ذاك ربع عزة هذا ربع عزة ... فعقلا قلصيكما ثم ابكيا حيث حلتي ومس ترابا كان قد مس جلدها ... وبيتا وظلا حيث باتت وظلت ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوبا إذا صليتما حيث صليتِ
وتأملوا قول مجنون ليلى: أراني إذا صليت يممت نحوها ... بوجهي وإن كان المصلى ورائيا وما بي إشراك ولكن حبها ... وعظم الجوى أعيا الطبيب المداويا خليلي إن ظنوا بليلى فقربا ... لي النعش والأكفان واستغفر لي على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كنتم الليل على اليأس طاويه
انظروا إلى التراكيب، لا مشتقات صرفية غليظة ولا حروف وكلمات تملأ الفم غليظة، بخلاف مثلا بشار بن برد حين قال: إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو أمطر الدما
أوتظن أن بشاراً بنى هذا البيت هكذا بالربرب؟ هذا فكر الرومانتيكية الكليل العليل المخنث. بشار يعلم ما يختار من اللفظ، ويعلم مادة الغيب والضاد والباء ومادة "مضرية"، ويعلم كيف بنى من ذلك شرطاً وجواب شرط. "إذا ما" لأنه في الشعر يجزم، فـ "إذا" جائز في الشعر الجزم بـ "إذا ما".
إذًا ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس. هناك روايتان: "أو أمطر الدما" على "إذا" بالجزم، أو "أمطِر الدم" رواية أخرى. بشار علم ما يقول وأحدث تركيباً يشاكل المقام.
لما أراد المتنبي أن يتغزل، أنظر كيف الشاعر يستعمل الحزمة الشعرية. إن الشعراء يتفاوتون في هذا، وإن شعراء زماننا فاقدون لجزء كبير، حوالي 40% أو 50% من الحزمة الشعرية، هذا تقديري. لما أراد المتنبي أن يتغزل ماذا قال؟ وكانت طبيعته ليست طبيعة غزل في الحقيقة، لا، ما اعتاد هذا من التراكيب وما وافق طبيعته، لا يتفق مع الغزل، ولكنه أتى بالمعنى فقال: أتراها من كثرة العشاق تحسب ... الدمع خلقاً في المآقي
أنت لم تتعاطف معه، أنت تقيم عليها الحجة. "أتراها" في ماذا يا مولانا؟ أتراها من كثرة العشاق تحسب الدمع خلقاً في المآقي؟ أنت بتتحداها، أنا أتخيلها يكلمها هكذا، أتراها من أين جئت بهذا؟ أتراها بالضبط يحاسبها ويقيم الحجة عليها أمام الناس، أنا لم أتعاطف معك، ما صعبت عليّ، لم أشفق عليك، أنت لست حقيقياً هنا. "أتراها" يعني متعجب، أتراها من كثرة العشاق تحسب الدمع خلقاً في المآقي.
وانظروا إلى أبي فراس لما وافق ذلك طبيعته في معنى هو نفس المعنى تقريباً في جذره وأصله، لما قال: تسائلني من أنت وهي عليمة ... وهل بفتى مثلي على حاله نكر فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى ... قتلك قالت أيُّهم فَهُمْ كُثُرُ
هكذا أصاب من أين يا أبا فراس؟ من ألواف الروافد الشعرية. طبيعة التراكيب أيضاً عوائل، فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى قتلك قالت أيُّهم فَهُمْ كُثُرُ، هذه عائلة. وإذا ما غضبنا غضبة مضرية هتكنا حجاب الشمس أو أمطر الدما، هذه عائلة، ولا يمكن أن تركب النسيب على "إذا ما غضبنا غضبة مضرية" بنفس الأصوات والعناصر الإيقاعية الصوتية والاشتقاقية والتركيبية النحوية، لا يمكن. ولذلك لما ركبها المتنبي وقال: أتراها من كثرة العشاق تحسب الدمع خلقاً في المآقي، والله لو ركبه على دم، أتراه مثلاً من كثرة القتلى، من كثرة قتلاه، يحسب الدم خلقاً في أعناق أعدائه، لكان أشعر الناس.
فهمتم؟ الفحولة أيها الإخوة تظهر في قصيدة الشاعر من كل ذرة منها، وهذا تتفاوت فيه الشعراء وبه تكون الفحولة، فليس من لا شيء، وليس اعتباطاً. انجرت ولجت نفس هذا الفنان الذبياني، الشماخ بن ضرار، إلى بحر الطويل وروي الزاي، الذي هو روي نادر قليل مما يعرف بالقوافي النافرة، وهي الزاي والصاد والضاد والطاء والهاء الأصلية والواو، كما عدها الدكتور عبد الله الطيب. فهي حروف وحشية في الشعر تسمى بالقوافي النافرة.
هذه قوافي النفر، طبعاً هذا مستوى آخر من الدراسة، دراسة الشعر وإيقاع القصيدة وإيقاع الدلالة والتئام المعاني مع أصوات القصيدة لتوظيف العناصر الشعرية، لأن الشعر لا ينفك عن النغم. وبالمناسبة، حتى أكثر الناس تخلفاً في الشعر وهم الحداثيون الذين عندهم خلل عقلي في الشعر، حتى هؤلاء لا ينفون عنصر النغم نظرياً، يقولون لابد منه. حتى من خرجوا عن حد المكلفين في الشعر عندهم اعتراف بالنغم من حيث كونه فكرة، ليس من فراغ.
هذا اللزز، هذا الصوت الذي أجده مره حجز، عاجز، نواشز، معارز، ليس من فراغ. هذا الزاي في القصيدة وليس من فراغ، أن استشرف الشاعر هذا الحرف بألف التأسيس، وهي ألف تأتي قبل حرف الروي بحرف، وسميت تأسيسًا لأنها تؤسس القافية، إذا جاءت قبل حرف الروي بحرف، يعني الألف وبعدها حرفان، الثاني هو حرف الروي، هذا يسمى بألف التأسيس. وهذا إذا ورد فهو لازم، لا يمكن تركه إذا كان في كلمة واحدة، إذا ورد في القصيدة فهو لازم من أولها إلى آخرها إذا وقع في كلمة واحدة.
فهذا ليس من فراغ، أن قال: نواشز، معارز، عاجز، غوارز، أماعز، نواكز، ضامزوا، مجاوزوا، محافزوا، ليس من فراغ. سمعتم الصوت وتخيلتم المعاني، وبهذا الحرف فقط تخيلتم عائلة كبيرة، لا أقول حتى بالحروف الثلاثة على كلام ابن جني في استهلاله "الخصائص"، بل بالزاي وحرف التأسيس. بنى لي معنى شاعر خبيث لئيم، لعنه الله عليه، بحرف والله ليس سهلاً، وأعرف كأني أراه كيف جلس وتخيل الصوت وهو يدل على المعنى، لأن معجميات هذه الحروف والقوافي أو هذه الألفاظ القوافي معجمها مختلف، إنما هو يعلم بالبناء الصرفي، بحرف التأسيس مع الزاي سيضعك في الذي يريده، لئيم خبيث.
وضعك في... كان يا إخوة أنا أتكلم على مستوى معين وأسهل وأشرح جداً، من لم يفهم لا يتهم نفسه عادي، لكن أنا أسهل جداً إن شاء الله. وكما قلت هذا كان سيكون لطلابي الخاص، لكن نعمله استثناء على الشرط الذي ذكرته لكم. الشاعر هنا فكر في ماذا؟ وهذه مساحة شعرية ليست موجودة عند أحد من المعاصرين ولا المتأخرين، وهو أنه فكر، اعتلج في نفسه ماذا؟ اعتلج في نفسه ليس أن يدلك وأن يشدك بـ...
بكلمات متقاربة في الدلالة المعجمية، وإنما بشيء مجمع من شيئين؛ ألف التأسيس التي ستجعلك في دائرة صرفية بنائية معينة، ستجعلك في دائرة بنائية معينة. وهذه دراسة بمناسبة متخصصة لا أعرف أحداً تخصص فيها في زماننا كالدكتور محمد جمال صقر، وهو تلميذ شاكر العلمي رحمه الله ورضي عنه وأطال الله تعالى عمر الأستاذ الكبير دكتور محمد جمال صقر، هو اهتم بهذه الدراسة في رسالته للماجستير في حياة شاكر.
ماذا فعل الشاعر هنا؟ جرك إليه عن طريق شيئين جمعهما في شيء واحد. الشيء الأول هو ألف التأسيس التي صنع بها عائلة صرفية أو باباً صرفياً معيناً. الشيء الثاني هو حرف الزاي الذي اجتمع مع البناء الصرفي، أنا أراه صنع عائلة جديدة. انظروا إلى أول قوافي القصيدة، أول روي في القصيدة:
نواشز، بعيدة مرتفعة. معارز، متجنب منقبض عنك، حاجز، عاجز. غوارز. أما عِز الحجارة أماعز. نواكز، منخفضة. ضامز، منقبض ساكن. مجاوز، محافز.
لما أتى بألف التأسيس وجلب الميزان أو موازين قريبة من بعضها، معدودة من الصرف، وأتى بالزاي، صنع لك عائلة، صنع لك سوراً في القصيدة علاوة على صوت الزاي. فالرجل فصل، صل، وشرح ووصف وحكى، وشبه وركب التشبيه، ولم يكُ يسعه بحر كبحر الطويل فيما أراد، فتوحش وتبدى في البادية. توحش وبدا وتبدى في البادية، فمد صوته بالألف، ونواه، وأردف بحرفين ثانيهما لاز، ففيه صوت جنح الزاي. قصيدة كلها فلا وحمر، تخلو في الفلا. أتى لك بحرف التأسيس الألف، وأردفه، أتبعه بحرفين ثانيهما لاز، ففيه صوت جنح الزاي.
وزنه ذبابها الذي يطوف على رؤوس وحشها ومناخره، فلا تسمع غيره في لوح الهجيرز: عفى بطن قو من سليما فعالزوا. فذات الغضا فالمشرفات نواشز. فكل خليل غير هاضم نفسه، لوصل خليل صارم أو معارز، ومرتبة لا يستقال بها الردى، تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز، وعوجاء مجذا، وأمر صريمه، تركت بها الشك الذي هو عاجز. كان قتودي فوق جاب مطرد من الحقب، لاحته الجداد الغوارز. طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين الأماعز.
فظلت بيمؤود، كان عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي نواكز. لهن صليل ينتظرن قضاءه بضاحي عذات أمره وهو ضامز. فلما رأينا الورد منه صريمه، مضقاهن خل مجاوز. ولما رأى الإظلام بادره بها، كما بادر الخصم اللجوج المحافز. ويممها من بطن ذروة رمة، ومن دونها من رحرحان مفاوز، عليها الدجا مستنشات، كأنها هوادج مشدود عليها الجزاجز. تفادى إذا استذكى عليها وتتقي، كما تتقي الفحل المخاض الجواز.
ومرت بأعلى ذي الأراك عشية، فصدت وقد كادت بشرج تجاوزه، وهمت بورد القنتين فصدها حوام الكراع والقنان اللواهز. وصدت صدوداً عن ذريعة عثب، ولابني غمار في الصدور حزائز. ولو ثقفاها ضرجت من دمائها، كما جللت نضو القرام الرجائز. وحلاها عن ذي الأراك عامر، أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح، قليل التلاد غير قوس وأسهم. كان الذي يرمي من الوحش تارز، مطلاً بزرق ما يداوى ريها، وصفراء من نبع عليها الجلائز.
تخيرها القواص من نبع ضالة، لها شذب من دونها وحواجز، نمت في مكانها واستوت به، فما دونها من غيلها متلاحظ. فما زال ينجو كل رطب ويابس وينغل حتى نالها وهو بارز، فانحى عليها ذات حد غرابها، عدو لأوساط العضاه مشارز. فلما اطمأنت في يديه، رأى غنى أحاط به، وازور عمن يحاوز. فمضعها عامين ماء لحائها، وينظر منها أيها هو غامز. أقام الثقاف والطريدة درها، كما قومت ضغن الشموس المهامز.
فوافى بها أهل المواسم، فنبرى لها بيع يغلي بها السوم رائز. فقال له: هل تشتريها؟ فإنها تباع بما بيع التلاد الحرائز. فقال: أزار شرعبي، وأربع من السيا أواق نواجز، ثمان من الكيري حمر كأنها من الجمر ما ذكي على النار خابز، وبردان من خال وسؤ درهما، ومع ذاك مقروض من الجلد ماعز. فظل يناجي نفسه وأميرها، أياتي الذي يعطى بها أم يجاوزوا؟ فقالوا له: بايع أخاك، ولا يكن لك اليوم عن ربح من البيع لاهز.
فلما شراها فاضت العين عبرة، وفي الصدر حزاز من الوجد حامز. وذاق فاعطته من اللين جانباً كفى، ولها أن يغرق السهم حاجز. إذا انبض الرامون عنها ترنمت، ترنم ثكلاً أوجعتها الجنائز هتوف. إذا ما خالط الظبي سهمها وأرغ منها أسلمته النواقز هتوف. كان عليها زعفرانا تميره، خوازن عطار يمان كوانز. إذا سقط أنداؤه صينت، وأكرمت حبيراً ولم تدرج عليها المعاوز.
فلما رأينا الماء قد حال دونه، زعاف لدى جنب الشريعة كارز. شكك بإحساء الذناب على هدى، كما تابعت سرد العنان الخوارز. ولما استغاثت والـ...
استغاثت والهوادي عيونها من الرهب قبل، والنفوس نواشز. فالقت بأيديها وخابت صدورها، وهن إلى وحشيهن كوار؛ أرزوا، نهلن بمدان من الماء موهناً، على عجل، وللفريص هزاهز.
غدون له سعر الخدود، كما غدت على ماء يمؤود الدلاء النواهز. يحشرجها طوراً وطوراً، كأنما له بالرغام والخياشيم جارزه. فلما دعاها من أواسط أباطح واسط، دوائر لم تضرب عليها الجرامز، حذاها من الصيداء نعلاً طراقها، حوام الكراع المؤيدات العشاوز.
فأقبلها نجاد قوين، وانتحت بها طرق كأنهن نحائز، حداها برجع من نهاق كأنه بما رد لحياه إلى الجوف راجز. فأوردهن المور مور حمامة، على كل أجريائها هو رائز، يكلفها طوراً مداه إذا التوى به الورد واعوجت عليه المجاوز.
محام على عوراتها لا يروعها خيال، ولا رام الوحوش المناهز. فأصبح فوق النشز نشز حمامة، له مركض في مستوي الأرض بارز. وظلت تفالى باليفاع كأنها رماح نحاها وجهه الريح راكز.
هل عشتم صوت القصيدة؟ هل سمعتم الصوت الذي جعلكم في الفلاة ولم يخرجكم منها؟ سمعتم هذا الصوت، ورأيتم هذا الالتحام القائم بين العناصر الشعرية كما يقولون، وأسميها روافد الشعر. ومن صوت القصيدة، ومن استشراف بحرها ورويها وصوتها، وجملة المعاني في أبياتها من أولها إلى آخرها.
نلج إلى مقدمة جديدة عن القصيدة، ولك أن تعتبرها رافداً أو ثمرة لهذا الرافد أو هذه الروافد. نلج إلى حديث بنائها العجيب النادر؛ هذه القصيدة عجيبة في بنائها، تبدو لغير العربي شوهاء، وأقصد هنا بغير العربي غير المغرق في الشعر الجاهلي، فهي تبدو للمستشرقين العجم، وتبدو لأتباعهم من جمهوره دارسينا للأسف، شوهاء وغريبة.
اعتدنا في القصائد أن نرى مطلعاً طللياً فيه شيء من الطول، أو مطلعاً نسيبياً أو غزلِيّاً فيه شيء من الطول، ثم نرى فصل الناقة يتساوى أو يقصر غالباً. هذه القصيدة غريبة؛ لأن بعض فصولها جاء بيتاً واحداً، فقضية الطلل والنسيب جاءت في بيتين، وفخره جاء في بيت، وفصل الرحلة جاء في سائر القصيدة في أربعة أو في ثلاثة وخمسين بيتاً.
أنا هنا لست الآن في الشرح، أنا أريد أن آتي لك من خارج إلى داخل، وأن أشرح لك بناء القصيدة من خارج إلى داخل. وكان الأصل عند القدماء أنهم يسمعون القصيدة وتتراكم أو تتوالى أبياتها ويتم بناؤها شيئاً فشيئاً، لقوة الحافظة في صدورهم، وأنهم يستطيعون إبقاء خط الذهن متصلاً مع القصيدة وإن طالت، ويبنون الكلام. لكن نحن الآن في المنهج العلمي نضطر إلى العكس؛ أن تأتي من خارج حتى تستطيع الحفاظ على لحمة القصيدة لأنك تتذكرها، لأنك جئت إليها من خارج. وهذان منهجان، والثاني هو المقرر عند المعاصرين: أن تأتي هذه القصيدة من خارج حتى لا تذهب عنك في داخلها.
إذا نظرنا إلى هذه القصيدة، وجدنا أنها تبدو للدارس المبتدئ شوهاء؛ لأن الشاعر قال: عَفَى بَطْنُ قَوٍّ مِنْ سُلَيْمَةَ فَالْعَزْ فَذَاتُ الْغَضَا فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ
وهذه على طريقة النابغة الذبياني: عَفَا ذُو حُسْنٍ مِنْ فَرَتْنٍ فَالْفَوَارِعُ فَجَنْبُ أَرِيكَ فَاتِّلَاعُ الدَّوَافِعِ
لكن النابغة ماذا فعل؟ مُجْتَمِعُ الأَشْراجِ غَيْرُ رُسُومِها ... مَصَايِفُ مَرَّتْ بَعْدَنَا وَمَرَابِعُ تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا ... لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا الْعَامُ سَابِعُ رَمَادٌ كَكُحْلِ الْعَيْنِ لَايَا أَبَيْنَهُ ... وَنَوْءٌ كَجَزْمِ الْحَوْضِ أَسْلَمُ أَخْشَعُ فَكَفْكَفْتُ مِنِّي عَبْرَةً كَانَ مَجْرُهَا ... رَوَامِسُ ذَيْلٍ عَلَيْهِ حَصِيرٌ نُمِقْتُهُ
فـ فكفكفت مني عبرة فرددتها على النحر، منها مستهل ودامع. عاتبت المشيب على الصبا وقلت: ألم أصح؟ والشيب وازع وبدا ينتقد.
أما هنا: عَفَا ذُو حُسْنٍ مِنْ فَرَتْنَا فَالْفَوَارِعُ فَجَنْبُ أَرِيكَ فَاتِّلَاعُ الدَّوَافِعِ
أما هنا: عَفَى بَطْنُ قَوٍّ مِنْ سُلَيْمَةَ فَالْعَزْ فَذَاتُ الْغَضَا فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ
فكل خليل غير هاضم نفسه ... لوصل خليل صارم أو معارز ومرتبة لا يستقال بها الردى ... تلافي بها حلمي عن الجهل حاجزه
فالنسب يعتبر في الحقيقة في بيت واحد، وانتقل في الثاني، ولك أن تقول إنه نسب وأنهى القضية في بيتين، وكلا البيتين ناوَرَكَ فيهما وسابَكَ. هذا تفصيل إن شاء الله؛ لأنه حينما قال: «عفى بطن قو من سليم فعالز فذات الغضا فالمشرفات النواشز»، على أية طريقة شعر شائعة، أوهم أنه سيستطرق في هذا كما استطرد النابغة وغير النابغة.
أنت عندك لبيد بن ربيعة في معلقته: عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا ... بِمَنْ تَعَذَّبَ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا فَمَدَافِعُ الرَّيَّانِ عَرِيٌّ رَسْمُهَا ... خَلَقاً كَمَا ضَمِنَ الْوَحِيَّ سَلَامُهَا دِمَنٌ تَجَرَّمَ بَعْدَ عَهْدِ أَنِيسِهَا ... حُجُجٌ خَلَوْنَ حَلَالُهَا وَحَرَامُهَا رُزِقَتْ مَرَابِيعَ النُّجُومِ وَصَابَهَا ... وَدِقُّ الرَّوَاعِدِ غَوْلُهَا فَرِجَامُهَا
العين ساكنة على أطلائها، عوذا تأجل بالفضاء بهامها، وجل السيول عن الطول. وبعد ذلك: «شاقتك ضعن الحي حين تحملوا وتكنسوا قطنا تصر خيامها»، إلى آخره، ثم: «فاقطع لبانه من تعرض» بعد تسعة عشر بيتاً. وهذا أقرب إلى «عفا ذو حسن» للنابغة الذبياني.
فماذا فعل؟ وهذا لا يعرفه إلا من يعرف عادة الشعراء وما يسمى بتاريخ الشعر، حتى يعلم أن الشاعر استعمل هذه المناورة؛ لأن الشاعر في الشعر يستعمل موروثاً، أنت لا تحسب أن الشاعر ينص على أشياء، الشاعر يستعمل موروثاً. فلم يعنِ عمر بن أبي ربيعة حين قال: «فيا لك من ليل تقاصر طوله وما كان ليلي قبل ذلك يقصر»، لا يمكنك أن تفسره خارج التناص الذي فعله مع امرئ القيس. والتضمين الذي فعله يسمى -ويحبون تسميته- التناص، وهو باب واسع، التناص في الدراسة الحديثة، لكن هذا بعينه تضمين وهو نوع من التناص في الاصطلاح الحديث.
فهو ماذا فعل؟ أوهمك. ولذلك الذي يفهم الشعر إذا قرأ: عَفَى بَطْنُ قَوٍّ مِنْ سُلَيْمَةَ فَالْعَزْ فَذَاتُ الْغَضَا فَالْمُشْرِفَاتُ النَّوَاشِزُ يعلم المخاتلة والمخادعة التي فعلها الشاعر حين قال: «فكل خليل غير هاضم نفسه»، أحسنت، كأنه التفات؛ «فكل خليل غير هاضم نفسه» يعني باذل من نفسه لوصل خليل صارم أو معارز. وهنا مخاتلة ثانية ومخادعة ثانية، تعرف لماذا؟ لأن هذا المعنى الثاني إذا أتى به الشاعر أيضاً هو يوحي لك بماذا؟ يوحي لك بأنه سيطيل.
«أكرم بها خلّةً، لو أنها صدقت موعودها، أو لو أن النصح مقبول، لكنها خلّةٌ قد سِيّط من دمنها فجع، وولع، وإخلاف، وتبديل، فما تدوم على حال تكون بها، كما تلون في أثوابها الغول، ولا تمسك بالوعد الذي وعدت إلا كما يمسك الماء الغرابيل. كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً، وما مواعيدها إلا الأباطيل، أرجو وأمل أن تدنو مودتها، وما أخال لدينا منك تنويل».
سبعة أبيات في إرساء قانون الخيانة من المرأة؛ أنها لو كانت محبة بحق لفعلت وفعلت، وإنها لا تصدق، إلى آخره. وهذا كثير عند الشعراء أيضاً القدماء. ماذا فعل في البيت الثاني؟
انظر، نحن نكتشف سر بناء القصيدة، وكل قصيدة مهما درست بناءها؛ لابد أن لكل قصيدة برنامجاً خاصاً، لها شفرة خاصة، لها رمز خاص في بنائها؛ لأن بنائها يؤدي إليه تركيبها، وتركيبها خاص بها، تركيب أبياتها ونحوها وصرفها هو الذي يؤدي إلى البناء الكلي. وإذا كان بناؤها الخاص بها أو بناؤها النحوي خاصاً بها، فتركيبها أيضاً خاص بها.
يقول: «فكل خليلٍ غير هاضم نفسه لوصل خليلٍ صارمٍ أو معارضٍ، ومرتبةٍ لا يستقال بها الردى».
«فكل خليلٍ غير هاضم نفسه لوصل خليلٍ صارمٍ أو معارضٍ»؛ صارم يعني قاطع، أو معارض يعني مجانب منقبض، أي لم يهجرك، لم يصرمك، لكنه منقبض عنك، مش عايز يكلمك، يخاصمك، لا يريدك.
«ومرتبةٍ لا يستقال بها الردى»؛ هل سيطيل خدعك مرة أخرى ومرتبة؟ مرتبة يعني حالة نازلة من النوازل يسمونها مرتبة لما فيها من الأهوال، ومرتبة لا يستقال بها الردى. فعل لك هاتين المخاتلتين، لما ارتكب معك هاتين المخاتلتين بدأ يوحي لك بمرماه من القصيدة.
الشاعر وقف على الديار؛ بيت واحد وقال: «عفى بطن قوّ من سليم فعالز، فذات الغضا فالمشرفات النواشز»، ثم كأنه قال لن أكمل. «فكل خليلٍ غير هاضم نفسه لوصل خليلٍ صارمٍ أو معارضٍ، ومرتبةٍ لا يستقال بها الردى». كأنه بهذين البيتين يقول لك: انظر، تركت فصلين يطال فيهما، اختزلتهما لك في بيتين، وخاتلتك بهما لأني أحملك إلى غاية أخرى.
الآن عليكم أن تشعروا بالكلام، ما زلنا في البناء؛ التفصيل يأتي غداً إن شاء الله، كل هذا مدخل بناء. بدأ طفرة واختزالاً شديداً وإشارة بالمخاتلة في البيتين؛ قال لك استشرف غرضي من القصيدة، وبدأ في بيت الحماسة؛ إذاً القصيدة نسيب، ثم حماسة، ثم رحلة؛ نسيب في بيتين، حماسة في بيت، ورحلة في سائر القصيدة تقريباً.
سأقف الآن على سر دلالي؛ هؤلاء الذين لا يغوصون سنوات في الشعر يخلصون له ويقولون نريد الحداثة، والله لو مشوا هكذا على الشعر ما أدركوه، وما عرفوا كيف هياك الشاعر لموضوعه كاملاً، وأنه لم يبادرك أنت الذي لم تنتبه.
تعال معي الآن، نبدأ من الأول: «عفى بطن قوّ من سليم فعالز، فذات الغضا فالمشرفات النواشز». دعك من الطلل الذي اختزلته لك، ومن الخليل الذي انتهت قضيته، الموضوع بيده ولا يعنيني، فاقطع لبانه من تعرض وصله، لكن على منهج آخر؛ نحن لا علاقة لنا بـ «صارم أو معارض»، هو حر لا شأن لنا به، قضيتنا أخرى.
«ومرتبةٍ لا يستقال بها الردى»؛ يعني حالة نازلة لا تقال فيها من الهلاك، لا تطلب الإقالة من الهلاك. تعرف الإقالة في البيع التي حث عليها النبي ﷺ رافة بصاحب المال إذا شعر بالغبن أو الخسارة، والإقالة في شأن المسلم كله: «يقيل الله عثرتك».
يقول: «ومرتبةٍ لا يستقال بها الردى، تلافى بها حلمي عن الجهل حاجزُ». يعني حجز حاجز حلمي عن الجهل وتلافاه، ومنعه لكي لا أجهل فيها، كنت رازيناً حكيماً، وهي مرتبة موت وهلاك.
تعال انظر إلى دلالة خفية لا يكاد أهل عصرنا يقفون عليها، وهي الدلالة باتفاق المواضع والوزن، وإن اختلف المعنى، الوزن النحوي التركيبي. قال: «ومرتبةٍ» بكسر التاء، والمرتبة مخفوضة، أتظن أنه اعتباطاً وبغير قصد؟
قال الشاعر: «ومرتبةٍ لا يستقال بها الردى، تلافى بها حلمي عن الجهل حاجزُ، وعوجاء جذامٍ وأمرٍ صريمةٍ، تركت بها الشك الذي هو عاجزُ».
تقول الشاعر فاجأك بالتفخيم في شأن الناقة ووصفها، لا، بل أوحى إليك، ولا تنسى شيئاً، فالشعر لمح وتكفي إشارته. وليس بالهذر؛ طولت خطبة! أنت ستشرح، اكتب كما نذر الرافعي لما وجد نفسه محتاجاً بطبيعته الشخصية إلى الشرح والتفصيل، ترك الشعر إلى النثر؛ هو اعترف بهذا مرات في موضعين على الأقل قرأتهما له.
«ومرتبةٍ»، لما قال «ومرتبةٍ» ثم قال «وبعدها» مباشرة البيت الذي يليها: «وعوجاء جذام»، أوحى لك بخطر أمر هذه العوجاء، وأنها مطية ووسيلة إلى شيء عظيم يساوي المرتبة التي لا يستقال بها الردى.
وهو نفس المتكلم بنفس الوزن، بالتتالي بين الأسلوبين المتفقين بأن جنس الأول، وإن "عوجاء مجذام" محمول على أمر عظيم، ومن هنا أعطاك -دون أن تشعر، شعرت أو لم تشعر- بطاقة الجواز للإطالة في هذه الناقة من أول البيت الرابع إلى آخر القصيدة.
«ومرتبة لا يستقال بها الردى، تلافيًا بها حلمي عن الجهل حاجز، وعوجاء مجذام».
عرفتم لماذا نقول إن البيت إذا خرج من القصيدة من سياقه، حتى لو كان مستقلاً في بنائه ومعناه، فقد شطر من معناه؟ لأن قوله «وعوجاء مجذام» مقصود فيه المشابهة بينه وبين «ومرتبة لا يستقال بها الردى». فهمتم؟ أنت عمال تقول أبيات، تجريها في صدرك على أنها أبعار شاة أو أبعار ثور، فتخرج حتتًا لا. البيت ربما ضمن إشارة من سابقه، إذا شابه.
وهذا واضح: «أيا أم الأسير سقاق غيث، أو على أن ليس عدلاً من كليب»، «إذا طرد اليتيم عن الجز، ليس عدلاً من كليب»، «إذا رجف العضاض من الدبور، على أن ليس عدلاً من كليب»، «إذا ما ضيم جيران المج، على أن ليس عدلاً من كليب». كغيرها كالتي تسبقها، كل واحدة فيها شحنة من التي قبلها. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، في كل واحدة منها تحميل من سابقاتها. هذا يكون في الألفاظ المتطابقة وفي الأساليب، لا سيما إذا اتفقت في نفس الاتجاه كهذا الموضع.
فهيا، أنت لم تشعر، ليس الشاعر مسؤولاً أمام محكمة الشعر عن ضعف المتلقي. الشاعر ليس مسؤولاً أمام محكمة الشعر عن ضعف المتلقي؛ فالجاهلي الفحل يحاكم على حسب المتلقي الفحل أيضاً، فالفحول في المتلقين كذلك. اسمع: «عفى بطن قو من سليم فعالز، فذات الغضا فالمشرفات النواشز». فكل خليل غير هاضم، أنا شعرت أنه أوهمك بالفاء، «فكل خليل فايه»، فكذا «فكل خليل غير»، كأنه أوهمك بالفاء في تتابع الأماكن، «فكل خليل غيرها غير هاضم»، نفسه بوصل خليل، نعم ختلنا، أنا أحسنت بوصل خليل، صارم أو معارز.
«ومرتبة لا يستقال بها الردى، تلافيًا بها حلمي عن الجهل حاجز، وعوجاء مجذام». وهياك لأطول فصل، الذي هو كل القصيدة تقريباً: «وعوجاء مجذام، وأمر صريمة تركت بها الشك الذي هو عاجز، كان قتودي فوق جاب مطرد، من الحقب لاحته الجداد الغوارز».
الآن لو معكم القصيدة مفتوحة، أظهر لكم شيئاً هو الأقرب والأسهل، أو أتكلم عن ظواهر. أول ظاهرة: ظاهرة التشبيه المركب الطويل. من البيت الرابع، كم بيت في القصيدة يا إخوة؟ ها هي عندكم، في كم بيت؟ عندي في ٥٦ بيتاً. يعني من البيت الرابع إلى البيت السادس بعد الخمسين، يعني اثنان وخمسون بيتاً تشبيه.
أنت ناسي: «وعوجاء مجذام، العوجاء الناقة يا إخوة، الناقة وعوجاء مجذام، وأمر صريمة تركت بها الشك كالذي هو عاجز، كان قتودي فوق جاب مطرد، من الحقب لاحته الجداد الغوارز، طواظمها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشعريين، الأماعز فظلت بيمؤود، كأن عيونها إلى الشمس هل تدنو ركي». تشبيه دخل تشبيه، وخذوا هذا العجب العجاب الذي سأبينه تفصيلاً إن شاء الله في الشرح. طبعاً لن يتحمل معنى هذا الشرح إلا أصحاب الفحول، فحول الجهد وفحول الصبر.
ذكر لك أن الحمر في هذا التشبيه الطويل، الذي يملأ بالتشبيهات والأوصاف، هو تشبيه واحد مركب، لعله أطول تشبيه في الشعر، لعله لا أستحضر تماماً الآن، يعني لكن هو على الأقل من أطول التشبيهات. ترونه ذكر خمسة، لو أمامكم القصيدة لو سمحتم، اطبعوا. من سيتابع الشرح معنا؟ لا يكتفي بالهاتف ولا اللاب توب، يطبع القصيدة يا أخ، يطبعها في ورقة. إن لم تكن عنده طابعة، معلش، يأخذها على فلاشة أو شيء، أو يرسلها، الراجل قديم بتاع فلاش، يرسلها إلى مكتب أو شيء يطبعها ورقة، أي في الأبيض. هذا يعني كهذا، أنا أرسلتها لكم طبعاً، موضوع كهذا، هذه القصيدة هي مطبوعة عندي كما هي عندكم، نعم كما أرسلتها لكم "بي دي إف"، لابد أن تطبعها.
انظر إلى قوله من أول قوله: «ويممها من بطن ذروة رمة، ومن دونها من رحرحان مفاوز، عليها الدجا مستنشات عالية، وله الجوار المنشات في البحر كالأعلام». منشات يعني أو مستنشات يعني مرتفعة، والدجا بيوت الصيادين. ويقول: «كان وعليها الدجا مستنشات كأنها هوادج مشدود عليها الجزاجز»، كأنها هوادج عليها عناقيد الصوف أو خيوط الصوف أو ضفائر جدائل الصوف الأحمر لأنها بيوت الصيادين، عليها جدائل اللحم، شرائح لحم الحمر الأخرى تتقدد تجفف على بيوت الصيادين.
فيقول: «ويممها من بطن ذروة رمة»، مكاناً بعيداً، «ومن دونها من رحرحان مفاوز». تجد القصيدة في منتدى الديوان، وفي صفحات في الفيسبوك، وفي منتدى القناة، ونشرتها في التليجرام، كل مكان. «مفاوز عليها الدجا مستنشات كأنها هوادج مشدود عليها الجزاجز». ثم قال: «تفادى إذا استذكى عليها، وتتقي كما تتقي الفحل المخاض».
هذا أول نجاة، انظر الترتيب. النجاة الثانية: إذا أول مرة هي لم تفعل، هو الذي استذكى عليها، صح؟ هو الذي يمّمها، انظر: يمّمها، وجهها، حركها، جعلها قصد بها، يمّمها قصد بها، فتيمموا صعيداً طيباً، اقصدوا التيمم، القصد، يمّمها، توجه بها، خلاص توجه بها. الثانية هي: «ومرت بأعلى ذي الاراك عشية»، الأولى هو يمّمها، والثانية هي مرت، لم تقصد أن تذهب، مرت بأعلى ذي الاراك عشية، وذو الاراك عليه صيادون، فصدت، انحرفت، «وقد كادت بشرج تجاوزه»، كادت أن تمر بمكان اسمه شرج، يعني نهر، لأنهم يتربصون لها عند المياه لأنها تأتي للشرب وهم يشربون من المياه.
«فصدت وقد كادت بشرج تجاوزه»، إذا أول مرة لم تفعل هي شيئاً، هو الذي استذكى عليها يمّمها، واستذكى عليها. الصورة الثانية في النجاة هي: «مرت لم تقصد»، مرت فصدت وقد كادت بشرج تجاوزه، كانت ستقع مصيبة إذا مرت بشرج. الثالثة: «وهمت بورد القنتين»، قصدت هذه المرة، وهمت بورد القنتين، «فصدها حوام الكراع»، إذا في البيت السابق هي التي صدت، في هذا البيت صدها حوام الكراع، صدها حوامل كراع، صدها هو لأنها هي همت، يبقى هو يمّمها ومرت وهمت.
«وصدت هذه المرة صدوداً عن ذريعة عثلم، هي هربت هروباً، انحرفت انحرافاً عن ذريعة عثلم ولابني غمار، الصيادين في الصدور حزائز، ولو ثقفاها ضرجت من دمائها كما جللت نضو الكرام الرجائز». طبعاً فيها الكرام، هذه روايات أنا أرجح مواضع مختلفة عدة مواضع مختلفة لما معكم.
في الورقة سأوضح كل شيء إن شاء الله في الشرح التفصيلي، فلا تقفوا على اختلاف الألفاظ الآن.
وصدت صدودا عن ذريعة عثلبه ؛ ماذا نقص؟ إن يمنعها الصياد وحلاها عن ذي الاراكة عامر. وفي كل هذه الخمسة مواضع في النجاة، أو الخمس أحوال في موضوع المياه، فتشير لك إلى ماذا؟ إلى أنها بكل الأحوال كان المقدر لها النجاة.
أذكرك، هو يتكلم عن ناقته ليس عن الحمر، أنت نسيت؛ كان قتودي فوق جاب مطرد وعوجاء مجذام. هذا الجاب لاحته الجداد الغوارز، طوى ضمأها في بيضة القيض بعدما جرت في عنان الشن، ومر ويممها من بطن ذروة، ومرت بأعلى ذي الاراك.
فصدت وقد كادت بشرج تجاوز، وهمت بورد القنتين فصدها حوامي الكراعي، وصدت صدودا عن ذريعة عثلبه، ولابني غمار في الصدور حزائز، وحلاها عن ذي الاراكة عامر. يممتها ومرت دون أن تقصد وهمت قاصدة وصدت سدودا، وحلاها الصياد هذه المرة، الذي أبعدها كأنه هو الذي أبعدها من شدة ظهوره ووضوحه، فنجت في الجميع.
ناقتي يممتها ومرت وصدت وهمت، وصدتها الأقدار ونجت. وصدت صدودا عن عثلبه، ومنعني وإياها ما رأينا من الضرر الظاهر. هكذا ناقته التي حملتني في الأخير إلى حيث النجاة، إلى حيث آخر بيت في القصيدة: وظلت تفالى في اليفاع كأنها رماح، نحاها وجه الريح راكز.
فالترتيب مقصود، وهذه إشارة في التشبيه المركب تحتاج إلى عقل متلق فحل حتى تفهم، وتظل مستحضراً هذا في الناقة. الشماخ يتوقع أنك مستحضر ناقته مع الحمر، لأن التشبيه لا يذهب فيه المشبه كالاستعارة. هو قال: «كان قتودي فوق جاب مطرد وعوجاء مجذام»، فالفصل يبدأ من أين؟ هل من «كان قتودي فوق جاب» أم من «وعوجاء مجذام»؟ الفصل يبدأ من «وعوجاء مجذام»، فهو فصل رحلة وفصل ناقة.
الشماخ يعلم أنك تستحضر هذا في ناقته. وانظر بعد ذلك، بعد أن أطال كثيرا في حلاها، وذكر لك قصة القوس الموروثة، ليقول لك في الأخير: ماذا يريد أن يقول؟ الأتان نجت من هذا الصائد، أخو الخضر عامر، الذي معه قوس موروثة أطعمت أجيالاً لأنها تليد، قليل التلاد غير قوس وأسهم.
ركزوا معي الآن: قليل التلاد غير قوس وأسهم، كأن الذي يرمي من الوحش تارزه، مطلاً بزرق ما يداوى رمياً، وصفراء من نبع القوس عليها الجلائز تخيرها القواس، لأنه قال تليد. فرجع إلى زمان صناعة القوس؛ والقوس هذه قد أغنت صانعها ثم صارت تغني من يملكها.
إذا انبض ضرامون عنها ترنمت هتوف، إذا ما خالت الضبي سهمها وأرغ منها أسلمته النواقذ. النواقذ لها صوت كأنها تنادي على الصيد، سواء دخل سهمها في الصيد فخالطه، أو راغ منها الصيد أسلمته النواقذ. سأشرح إعراب هذا بالتفصيل في وقته إن شاء الله، عندما نأتي على البيت، فيه شغل كبير في النحو وفي وجوه إعرابه.
كذلك، إذا سقط الآن، هو قال تليد، يعني يقول لك الأتان ماذا؟ نجت من سلاح أغنى صاحبه لما صنع، وأغنى من اشتراه، وأغنى من ورثه إلى أخ الخضر، فنجت أخيراً من أخ الخضر هذا الذي أطعمت أجيالاً؛ هذه القوس التي أطعمت أجيالاً جاءت عند الأتان وأخفقت.
الأتان المشبه به لناقته، فناقته نجت من أقدار قديمة، نجت من حتوف ما نجا منها غيرها، نجت من حتوف تليدة كالقوس التليدة. عليك أن تتذكر هذا وأنت في القصيدة، وأنت في القوس، وأنت مع أخ الخضر وحلاها عن ذي الاراكة عامر.
أخو الخضر يرمي حيث تكوى النواح، حظ قليل التلاد تخيرها القواس. هي أصلاً سبب رزق لأسر وأجيال، قوس جاءت عند الأتان التي هي ناقته في التشبيه وسقطت، فقد نجا من أقدار قديمة ومن حتوف قدرت على أجيال قبل، نجا منها بناقته: «كان قتودي فوق جاب مطرد وعوجاء مجذام».
الشعر العربي شعر مباشر جداً وشعر ساذج في دلالته، ونحن نريد رموزاً. فك رمز بيت الشماخ، وأنت تتشمخ، يجيبك من الشمخ الذي جواك. تذكرون في فصل أخ الخضر، انظروا إلى البيت الثاني عشر، شيخ خالد هو الذي نجا، ليس توقعاً مني، هذا جزم في القصيدة لأن هذا تشبيه.
دعونا نرجع للسياق، ونقول في البيت الخامس عشر: «وَهَمَّتْ بِوَرْدِ الْقَنْتَيْنِ فَصَدَّهَا ... حُوَّامُ الْكُرْعِ وَالْقَنَانُ اللَّوَاهِزُ».
لو معكم القصيدة يا إخوة، لو سمحتم، البيت الثامن بعد الأربعين أو التاسع بعد الأربعين: «حَذَاهَا مِنَ الصَّيْدَاءِ نَعْلَ طِرَاقِهَا ... حُوَّامُ الْكُرْعِ الْمُؤَيِّدَاتُ الْعَشَاوِزُ».
كانت صدتها في البيت الخامس عشر: «فَصَدَّهَا حُوَّامُ الْكُرْعِ وَالْقَنَانُ اللَّوَاهِزُ»، وهنا في البيت الثامن بعد الأربعين: «حَذَاهَا مِنَ الصَّيْدَاءِ نَعْلَ طِرَاقِهَا حُوَّامُ الْكُرْعِ الْمُؤَيِّدَاتُ الْعَشَاوِزُ». راجعوا البيت الذي قبله، الثامن بعد الأربعين، وهو قوله: «وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ ... دَوَائِرَ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ».
هذا مشدود إلى البيت الثاني عشر، وانظروا، هو قصده أن هناك تناصًا بين البيتين؛ تناصًا. قال: «عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِتَاتٌ كَأَنَّهَا ... هَوَادِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الْجَزَاجِزُ».
في البيت الثامن بعد الأربعين، بعد ستة وثلاثين بيتًا، يقول: «وَلَمَّا دَعَاهَا مِنْ أَبَاطِحِ وَاسِطٍ دَوَائِرَ لَمْ تُضْرَبْ عَلَيْهَا الْجَرَامِزُ». البيت الصغير هنا، بمعنى أن هذه المرة هي دوائر ماء لم تضرب عليها كما ضُربت على المفاوز من قبل، فلما قال لك: «دَوَائِرَ لَمْ تُضْرَبْ»، يشدك إلى قوله: «عَلَيْهَا الدُّجَى مُسْتَنْشِتَاتٌ كَأَنَّهَا هَوَادِجُ مَشْدُودٌ عَلَيْهَا الْجَزَاجِزُ».
تفادى إذا استذكى عليها، يعني هو يستذكي عليها، أما هنا فهو دعاها، وهذه المرة من أباطح واسط دوائر لم تضرب عليها الجرامز، طبعًا؛ لأنه كما في البيت الرابع عشر: «مُحَامٍ عَلَى عَوْرَاتِهَا»، هو يراعيها. هذا الجاب كان كأنه ناقته، كان قتودي فوق جاب حاله كذا وكذا، فالجاب بما فعل من هذا والنجاة والمسؤولية، سنق بالتفصيل إن شاء الله، يشبه به ناقته.
والشاعر الجاهلي، كما قلت، غير مسؤول أمام محكمة الشعر عن العقل المعاصر وعجزه عن متابعة أسرار الكلام وعمق القصيدة الدقيق المتصل من أولها إلى آخرها. والحقيقة أن الذي نستجليه غدًا إن شاء الله تعالى من الكشف عن معاقل هذا البيان المعجز واستجلاء بيانه بيتًا بيتًا، بل حصنًا حصنًا، كفيل بأن يزيد الفوهة التي بين العقل المعاصر وبين إدراك الوحدة الفنية لهذا النمط من الشعر.
ذلك أنه يا إخوة، وإن كانت القصيدة تتصل بهذا العرق الممتد في أسرها في بنائها وجسمها، يظل كل بيت فيها، وكل جملة وكل لفظة، يُبنى على ميزان ثقيل يجعل من البيت الواحد عملاً فنياً يؤسس على نوع من التكامل والاكتمال والإشباع النفسي. البيت وحده وحدة قوية وإن اتصل، وربما ثمر هذا الاتصال بالبيت الذي قبله كما رأينا في قوله: «وَعَوْجَاءُ مِجْذَامٌ لَا يُسْتَقَالُ بِهَا الرَّدُّ».
البيت يثمر البيت الذي قبله في نفسه، ومع ذلك يظل البيت الواحد وحدة مستقلة يحصل بها الإشباع النفسي الفني، فالبيت في هذا النمط من الشعر وحدة ثقيلة، فنية، ومعتد بها. دعوكم إذن من قضية "بيت القصيد"، وما "بيت القصيد" على ما يستعملونها الآن؛ هذه الفكرة، كل بيت هو بيت القصيد. كل بيت في هذا النمط من الشعر العالي هو بيت القصيد، وليس على طريقة السرد الحكائي للشعر قريب الغور.
أنت لا يمكنك في شعر عمر بن أبي ربيعة أن تقف على البيت وحده تشبعك. ركزوا معي في هذا الكلام، أنت لا تستطيع -ولو فعلت ما فعلت- في شعر عمر بن أبي ربيعة أن تقف على البيت تأخذ زمنك في تذوق البيت وفي أدائه ليُشبعك نوعًا من الإشباع، لن تشبع. عمر بالقصيدة: «أَلَا كُلُّ هِنْدٍ أَرْجِزِي وَتَأَثُّمِي ... وَلَا تَقْتُلِينِي لَا يَحِلُّ لَكِ دَمِي».
جملة رشيقة جميلة، لا يمكنك أن تقف عندها، لا يمكنك أن تعاملها معاملة... «فَظَلَّتْ بِمَيْؤُودٍ كَأَنَّ عُيُونَهَا ... إِلَى الشَّمْسِ هَلْ تَدْنُو رَكِيَّ نَوَاكِزِ».
لا تستطيع. «أَلَا كُلُّ هِنْدٍ أَرْجِزِي وَتَأَثُّمِي ... وَلَا تَقْتُلِينِي لَا يَحِلُّ لَكِ دَمِي».
وبعدين، ما فيش... «وَحُلِّي حِبَالَ السِّحْرِ عَنْ قَلْبِ عَاشِقٍ ... حَزِينٍ وَلَا تَسْتَحْقِبِي قَتْلَ مُسْلِمِ ... فَإِنِّي وَبَيْتٌ لِي هُمُومٌ وَمُنْيَةٌ ... وَكُلُّ مَنَانَا مِنْ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِ ... وَوَاللهِ مَا أَحْبَبْتُ حُبَّكِ أَيّمًا ... وَلَا ذَاتَ بَعْلٍ يَا هُنَيْدَةُ فَاعْلَمِي ... فَقَالَتْ وَصَدَّتْ مَا تَزَالُ مُتَيَّمًا ... صَبُوبًا مِنْ أَجْدِ ذَا هَوًى مُتَقَسِّمِ».
حتى تشعر بنوع إشباع نفسي فني، لابد أن تشرب عدة قصائد. هذه القصائد، البيت يحصل به نوع إشباع فني، البيت الواحد يحصل به نوع إشباع فني، لذلك هذا الشعر هو على طريقة المزرد أخو الشماخ؛ طريقة المزرد أخو الشماخ: «تَكَرُّ فَلَا تَزْدَادُ إِلَّا اسْتِنَارَةً ... إِذَا رَازَتِ الشِّعْرَ الشِّفَاءُ الْعَوَامِلُ».
وهذا يردك إلى ما قلناه في أول الكلام، الشعر العالي طبقات، والشعراء الفحول أو المجيدون أيضًا طبقات. فهذا النمط، البيت الواحد فيه وإن ارتبط بغيره من الأبيات هو وحده ثقيل ومعتد به، وليس على طريقة الشعر السردي الحكائي قريب الغور. ثم اعلم كذلك أن هناك نقطة مهمة، أنه لا يوجد في الشعر السردي -الذي هو شعر حقيقي- مادة تتمحض في الحكاية كما يظن البعض، أو في الحكائية كما يظن البعض من حيث كونه غرضًا للكلام. سمعت مرة شخصًا معاصرًا يتكلم.
في الشعر يقول: والشعر السردي أو الشعر القصصي لابد وأن تجد فيه سرداً يتوصل به إلى غيره ضرورة الحكاية. فأنا علقت قلت له هذا غلط؛ السرد أو المعنى أو الحكمة كلها في الأخير تخضع لقانون الشعر الواحد. وما تسميه سرداً هو سرد من حيث أصله ومعناه وموضوعه، لكن ينبغي أن يكون شعراً في كل لفظ فيه.
وإذا وجدت بيتاً فيما يسمى الشعر السردي، إذا وجدت بيتاً أو جملة أو كلاماً لم يؤتَ به إلا لأجل الوصلة والحكاية في غيره، فهذا خالف قانون الشعر وسقط من الاعتبار الشعري، خلاص لا يوجد. ولأجل هذا كان الشعر مادة ثقيلة معتبرة عند العرب، وكانت القصيدة تبدأ من سبعة أبيات؛ سبعة أبيات تسمى قصيدة، وتحتها قطعة ومقطوعة ومقطعة.
من سبعة أبيات إلى تسعة أبيات قصيدة قصيرة، ومن عشرة أبيات إلى تسعة عشر بيتاً قصيدة متوسطة، ومن عشرين بيتاً قصيدة طويلة؛ تخيل عشرين بيتاً قصيدة طويلة! رأيت؟ لأن الشعر يا أخوة ليس خطبة، والشعر لمحة تكفي إشارته وليس بالهذر.
بقي أن أنبه إلى شيء أختم به الكلام، ما سيأتي في الغد إن شاء الله تعالى يا أخوة من الشرح المفصل. في الحقيقة، هذه التدقيقات التي نقف عليها والتعليلات والتحليلات في الكشف عن براعة أو براعات البيان في هذه القصيدة لن يستفيد منها إلا من هو مهيأ لإدراكها من الأول، بحيث يكون إذا نُبّه انتبه، كما يقول عبد القاهر: «إذا نُبّه انتبه»، وإذا قرأ شعراً أن هناك أسباباً لهذه العلة.
أما الذي هو غير مستعد بطبيعته القريحية أو العلمية، غير مستعد أو غير مهيأ للشعور بوجود علل في الألفاظ وينظر إلى المعنى جملة، فهذا لا يستفيد من شيء من هذا. ولا أحسب واحداً من الموجودين الآن، أو ممن أراهم يتفاعلون عموماً، هو من هذا النمط، وإنما جميعكم يستفيد منها إن شاء الله.
والعذر على الإطالة، كان لابد من إنهاء هذه المقدمة الضرورية ونبدأ من الغد إن شاء الله تعالى الشرح التفصيلي. الآن، عليكم أن تسمعوا قبل موعدنا في الغد هذه المحاضرة مرة أخرى، لا سيما قضية استحضار بناء القصيدة؛ وأنها مبنية على ثلاثة فصول: الفصل الأول النسيب، بدايته ونهايته في بيتين. الفصل الثاني الحماسة في بيت، وهو البيت الثالث. الفصل الثالث والأخير وهو فصل الرحلة ووصف الراحلة من البيت الرابع إلى البيت السادس، وهو آخر القصيدة.
ومن البيت الخامس إلى آخرها تشبيه للناقة العوجاء؛ في البيت الرابع: «كانت قتودي فوق جاب»، يعني ليس فوق ناقة بل فوق جاب، هذا الجاب حاله كذا كذا إلى آخر لفظ في القصيدة. فالقصيدة مبنية على التفصيل في المشبه به، وما في داخل هذا الفصل من المشبه به المركب، وما في داخله من فصول وانشدادات بين أواصر الأبيات والموضوعات وموجات المعاني فيها، فهذا عليكم أن تستحضروه جيداً.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينني على الإخلاص لكم في هذه المادة إن شاء الله تعالى، وأن أشرحها الشرح الذي يقرب من أن يكون تستحقه هذه القصيدة. شكراً لكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وتصبحون على خير.
الأستاذ أبو قيس محمد رشيد