دخولتسجيل الدخول

شرح شمائل النبي ﷺ | المجلس الأول

بدر آل مرعيبدر آل مرعي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي اطلع النور بعد طول الظلمة، وجعل الفجر موعداً لمدارسة الكتاب والحكمة، ووفقنا لاستجلاء سير علم الهدى، وإبراء قلوبنا بالعزلة من طينة الصدأ. وصلى الله وسلم على الموصوف بأعلى نعوت الكرامة، المبعوث رحمة في الدنيا وفي مواقف يوم القيامة، وعلى آله وصحبه وأتباعه وأحبابه، ومن حضر مجلسنا وسمعه في حياتنا وبعد مماتنا، اللهم آمين.

أما بعد، فاسعد الله صباحكم، وطيب الله أوقاتكم، وحماكم ووفقكم وأسعدكم. كان علماء السلف يشعرون طلابهم ومجالسيهم بالتوقير والامتنان، فهذا مطرف بن عبد الله يقول: لأنتم أحب إلي من مجالسة أهلي. وكان سفيان الثوري يقول: لو لم يأتوني -يقصد طلابه- لاتيتهم في بيوتهم. فحياكم الله وشكر لكم عناء الاستيقاظ في هذا الوقت الصعب، لكن حسبي أننا في حضرة الكريم سبحانه، وأن هذا المجلس مشهود مبارك.

وهنا تطرأ مسألة؛ ثبت في مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فهل تشمل مجالسنا الافتراضية هذا الفضل العظيم مع أنها كما تلاحظون ليست في بيت من بيوت الله كما نصت عليه الرواية؟

نقول جواباً عن هذا: نعم بإذن الله وفضله ومنته وكرمه، ففي رواية عند مسلم أيضاً بإسناده قال عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله عز وجل إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله عز وجل فيمن عنده». فهنيئا لنا أجمعين بهذا الفضل ولو كنا في بيوتنا بل لو كنا في خاصة أماكن نومنا وراحتنا.

سيكون الدرس بإذن الله سبحانه وتعالى كما هو معلن لكم حول شرح كتاب الشمائل؛ شمائل النبي صلى الله عليه وسلم للإمام الترمذي. وعلم الشمائل إذا اردنا أن نعرفه وأن ندخل إليه علينا أن ننظر إلى مسألتين؛ المسألة الأولى المعنى اللغوي للكلمة، ثم ننظر إلى المعنى بعد أن أصبحت علماً مركباً كيف يمكن أن يكون قد اختلفت هذه الدلالة.

من المعاني؛ معاني الشمائل أولاً: هناك ثلاثة معاني لغوية. المعنى الأول: بمعنى الإحاطة من الشمول، ومنه الشملة التي تلف الجسد كالإزار. الثاني: الطبع والسجية، هذا المعنى الثاني من الشمال وجمعها شمائل كما قد نص الزبيدي في التاج؛ في تاج العروس. الثالث: المعنى الذي يكون للجهة المقابلة لليمين، يعني هناك يمين وهناك شمال. والمعنى الأول والثاني هما المتصلان بهذه الدروس والمتصلة بهذا العلم؛ مسألة الإحاطة ومسألة الطبع والسجية، ومنها نعرف بأن هذه الطباع والسجايا التي تكون في الإنسان تلتف عليه كالإزار كالشمله فتصبح من شمائله.

أما تعريفها العلمي فنقول: علم يحرر أوصاف النبي صلى الله عليه واله وسلم وأحواله. أما الأوصاف فتضم النعوت الخلقية والخُلُقية، والأحوال تندرج تحتها المقامات النفسية والاجتماعية والتعبدية للحبيب صلى الله عليه واله وسلم. يقول الشيخ أبو زيد الفاسي له منظومة لطيفة في اسمها الأقنوم في مبادئ العلوم، فيها قسم هكذا للشمائل قال فيها في تعريف الشمائل: علم بحال المصطفى وما شمل من خلق أو خُلق به فضل. كان النبي ربعه في القد وسهل خد وطويل الزند. وجاء أنه عظيم الهامة، وأنه معتدل في القامة، وأهدب الأشفار، شعره رجل لشحمه الأذن انتهى متى يطل.

فانظروا هنا هو عرف الشمائل بأنها علم، يعني بوصفها علماً عرفها بأنه علم؛ علم بحال المصطفى وما شمل من خلق أو خُلق به فضل.

أما مقاصدنا من هذا الدرس ولماذا أعلنا عنه فيتحقق في عدة مقاصد. المقصد الأول: حصول التعرف، ذلك أن معرفته صلى الله عليه واله وسلم واجبة وجوباً عينياً على كل فرد منا، وهذا لا يتحقق على الوجه المستقيم إلا بمعرفة شمائله وجميل خلاله، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾، والامر هنا في كلمة واعلموا؛ الأمر للوجوب.

المقصد الثاني: حصول التشرف، وذلك بالانضمام لسلك المتحدثين عنه صلى الله عليه واله وسلم، وهذا شرف ندخره ليوم القيامة. فإذا كان المصلي على النبي صلى الله عليه وسلم صلاة واحدة يحوز من الفضائل ما يحوز، فكيف بمن يحدث الناس عنه، ويفصل في أحواله، ويملي روايات كماله؟ نسأل الله عز وجل من فضله.

المقصد الثالث: تثبيت اليقين، فطيب الشمائل أصدق الدلائل، ونحن أيها الأحبه في زمن اهتزاز العقائد واضطراب المفاهيم، ومعرفة شمائل النبي صلى الله عليه واله وسلم شاطئ يقين، كما أن الجهل به وبسيرته مدخل للشك، يقول تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾. انظروا هنا ربط الإنكار بعدم معرفتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعليه معرفة النبي صلى الله عليه وسلم ستدفع إلى عدم الإنكار وإلى تثبيت اليقين.

وكما قال من رآه بعينه وهو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، قال: لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبئك بالخبر. وكما قال عبد الله بن سلام وكان إذ ذاك على اليهودية لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة: جئته لأنظر إليه، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب.

المقصد الرابع: التماس بريد الاقتباس، ونحن نحتاج حاجة شديدة إلى إحياء المثل المحمدي في نفوسنا، فحاجاتنا النفسية والتربوية للقدوات المؤثرة في زماننا لا تخفى، ولا أكمل ولا أزكى ولا أهنى من الائتساء بسيد القدوات صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.

ولقائل أن يقول: لما عبر بالائتساء هنا ولم يعبر بالاقتداء؟ مع أن اللفظتين لما تراجع المعجم -مختلف المعاجم- بطرائقها تجد أنها معبرة عن الاتباع، وبعضهم يجعلها من قبيل المترادف. نقول: ورد التاسي في حق نبيين من أنبياء الله؛ إبراهيم عليه السلام ونبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم. ولما قلبت النظر لغة واستعمالا وجدت حكمتين؛ الحكمة الأولى: أن الاقتداء يكون مقيقاً، فيقال: فبهداه اقتده، ولم يقال: فبه اقتده، وإنما قال: فبهداه اقتده، وأيضاً من التقييد: ﴿وَأَنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، وليس وأنا بهم لمقتدون أو بهم مقتدون. أما الائتساء فتأتي مطلقة.

الحكمة الثانية: أن الائتساء فيه معنى الاتباع مع إصلاح النفس بهذا الاتباع، يعني ليس مجرد الاتباع وإنما فيه إصلاح للنفس مع هذا الاتباع. قال ابن فارس في معجم المقاييس -معجم مقاييس اللغة- يقول: الهمزة والسين والواو أصل واحد يدل على المداواة الإصلاح، والأسى مصدر الأسوة وهي من المواساة. وعليه فالتاسي فيه معنى تشافي النفس ومواساتها. والأسى الطبيب، والتاسي لما يقع لنا من أحزان تكون بأن نتأسى بأحزانه صلى الله عليه وسلم، وأننا حين نؤذى نتأسى بأحواله حين أوذي صلى الله عليه وسلم.

المقصد الخامس: الاتصال بالسلف منهجا وتعلما، فقد كانوا يتدارسون الشمائل، ويقرؤون كتبها، ويحررون رواياتها، ويعقدون لها المجالس، ويفتحون بها المدارس. وهذا ظاهر في عدد النسخ الخطية لكتاب الشمائل والشفاء وغيرها؛ تراها بالمئات دون مبالغة في كثير من خزائن الكتب الخطية، وتراه أيضاً في عدد المختصرات والشروح والأنظام بل والترجمات والحواشي على هذه الكتب، ولا زالت المجالس عامرة بقراءة هذا المتن الشريف قراءة رواية ودراية ورعاية.

المقصد السابع: بعث الأشواق وترقيق القلب في زمن القسوة المعطله عن الإيمان والمعطلة عن العمل الإيماني أيضا. قال بعضهم: يا وارداً من أهيل الحي يخبرني عن جيرتي شنف الأسماع بالخبر. ناشدتك الله يا راوي حديثهم حدث فقد ناب سمع اليوم عن بصري.

ومحمد بن محمد الجزري يقول في ختم الشمائل -هناك طريقة عند بعض العلماء عندما يختمون متناً في إقرائه يجعلون هناك مجلس للختم يكون فيه عبارات جامعة للفن الذي درسوه، يكون هناك مثلاً كتب الختوم؛ ختم البخاري، ختم الشمائل، ختم الشفاء، وهكذا، وغالباً يحضره علية القوم وجمع بين الطلاب، يكون هناك حالة من حالات الحفاوه بالختم- يقول ابن الجزري لما ختم الشمائل يقول: أخلاي أنشط الحبيب وربعه، وعز تلاقيه وناءت منازله. وفاتكم أن تنظروه بعينكم، فما فاتكم بالسمع هذه شمائله.

قال بعضهم في نفس المعنى قال: يا عين إن بعد الحبيب وداره، وناأت مرابعه وشط مزاره. فلقد ظفرت من الحبيب بطائل، إن لم تريه فهذه آثاره. وقد قال شيخ شيخ شيوخنا الشيخ عبد الله السالم الحسني الشنقيطي رحمه الله قال في منظومة هذه من أبياتها التي كانت في البدايه قال: هذا ولما فاتنا مر النبي، وكان أسنى مطلب ومرغبي، وكان في نعوته البهية مزية أعظم بها مزية. قد دون الحفاظ منها جملا جليلة تكسو الدراري خجلاً.

المقصد الثامن: إقامة خلق الوفاء وشكر النعمة. فرسول الله صلى الله عليه واله وسلم يستحق منا الوفاء، قال البدر العيني -بدر الدين العيني رحمه الله- عن أمه الوفاء عنكم أنتم، قال: فان قيل لما خص إبراهيم عليه السلام من بين سائر الانبياء عليهم السلام بذكرنا إياه في الصلاة -يقصد في الصلاة الإبراهيمية- قلت هذا البدر العيني يقول: قلت لأن النبي عليه السلام رأى ليلة المعراج جميع الأنبياء والمرسلين وسلم على كل نبي، ولم يسلم أحد منهم على أمته غير إبراهيم عليه السلام، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نصلي عليه في آخر كل صلاة إلى يوم القيامة مجازاة له على إحسانه انتهى كلام البدر العيني. إذا كان هذا في حق إبراهيم عليه السلام ولانه سلم علينا مرة، فكيف بمن أنقذنا الله به من الضلالة، وعرفنا على يديه معنى الحياة؟! اللهم صل وسلم عليه.

أما النعمه بمبعثه فتجدها في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. انظروا كيف بدئت بـ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ثم عدد بعض النعم؛ من تحبيب الإيمان وتزيينه في القلب وتكريه الكفر والفسوق والعصيان إلى النفوس ثم قال: ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾، وجعل أول النعم وجود النبي صلى الله عليه وسلم.

تاسعاً: التودد واستمطار البركة والهدايه، فالدخول للعلم من بوابته الشريفة اختصار للطريق، وتصويب للوجهة، واستنزال لبركة السير إلى الله. وثم مسألة لطيفة يذكرها العلماء في حد الصحابي والتابعي؛ بعضهم يرجح بأن مجرد لقاء الصحابي بالنبي صلى الله عليه وسلم يكسبه شرف الصحبة، أما التتابعي فيشترطون لثبوت الوصف له طول الملازمه لا مجرد التلاقي. انظر لهذا التعليق المحلق في كتاب هدايه الراغب لابن قائد الحنبلي يقول هنا في التفريق لما جعل الصحبه ثابتة بمجرد الرؤية والتابعية لا تثبت للتابعي إلا أن يطيل صحبته للصحابي، قال: والفرق أن الاجتماع به صلى الله عليه وسلم ولو لحظة يؤثر من النور القلبي أضعاف ما يؤثره الاجتماع بالصحابي. ولهذا كان الأعرابي الجلف بمجرد اجتماعه به صلى الله عليه وسلم ينطق بالحكمة لوقته ببركه طلعته الشريفة صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك كانت تربيته صلى الله عليه وسلم للصحابه فكانوا يستغنون برؤيه طلعته الشريفة عن كل رياضة ومجاهده، وينتفعون بأنوار طلعته السعيدة أكثر مما ينتفعون بالأذكار في مدة مديدة، ولهذا كانت درجة الصحبة لا تضاها انتهى كلامه رحمه الله. وهذا الكلام اصله مروي عن الخطيب البغدادي لكن ابن قائد أعجبني أسلوبه وبسط عبارته وإن كان المعنى قد سبق إليه.

المقصد العاشر: تصحيح معنى علم في زمن الفوضى المنهجية. فالصحابه أعلم الناس في الأمة، لو سالتكم قلت لكم: ما أعظم جيل مر على هذه الأمة من جهة العلم؟ سيكون الجواب دون تردد: جيل الصحابة. فيأتي السؤال التالي: ما كانت مادة علمهم؟ فيجيب أحدهم مثلاً فيقول: متون الأحاديث والآيات. فأقول: هذا جواب صحيح قاصر، لأننا لو قلنا متون الأحاديث ولو قيام ورؤيته والسماع منه وعنه. نحن الآن نعود إلى الأصل والمنبع والمشكاة، فالاستماع إلى الهدى إلى الأحاديث والآيات هذا أصل الهداية. ومما يحزنني أننا نتعامل مع فكرة الاستماع على أنها بديل منخفض الطبقة عن القراءة؛ تجد أحدنا لما يحث على السماع يقول: في وقت الازدحام، لما ما تستطيع أن تقرا، في وقت قيادتك إلى السيارة، في وقت الأعمال المنزلية. فننظر دائما إلى الاستماع على أنه مجرد بديل في حال تعذر القراءة، وهذا ليس بصحيح.

ولا يخفى عليكم أن الكتابة والأذن بها للصحابة قد تأخر لحكمة؛ أن الأصل في الهداية هي الاستماع، وأن المفترض لو كنا ندرك قضايا الوحي على وجهها وتكون مفاهيمنا سليمة لكانت هذه النوادي القرائية كانت في أصلها نوادي سماعية. وهذا ليس تزهيداً في القراءة، لكن أقول: إن الأصل هو الاستماع ثم تاتي القراءة.

ومادة العلم إذا صوبت وإذا صححت وأخذنا الكتاب والسنة نحن نسد باباً من أبواب البؤس؛ من يجد كثيراً من الأسئلة التي تقول: ما رايك هل أبدأ بالعلم العلم الفلاني أم العلم الفلاني، الكتاب الفلاني؟ تعدد الخيارات مع سهولة الوصول هذا جحيم الإنسان المعاصر، إذا اجتمع ركنان؛ تعدد الخيارات وسهوله الوصول، ستعرف لاحقاً أن الوضوح والقله والكفاية هي أركان السكينة والنعيم. فانظر معي بعيني قلبك إلى سورة التكاثر، الله سبحانه وتعالى بدأها بذم التكاثر وختمها بالسؤال عن النعيم، فالنعيم لا يكون بالتكاثر أبداً.

المقصد الحادي عشر: الإسهام في تصويب المفاهيم. فعوضاً عن النقد لبعض المظاهر التي لا تنتهي من البدع والأغلاط باسم محبة النبي صلى الله عليه وسلم، نعرض البديل الصحيح لمفهوم المحبة وحدها ومظاهرها، فنسلم من الجفاء ونضبط كبوات الميل عن الطريق باسم المحبة. فكثير من البدع إنما دخلت على المسلمين من باب المحبة وباب الأدب، إذا ضبط هذان البابان؛ باب المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم والصالحين، وضرب باب الأدب، هذان البابان إذا ضبطا بشكل حسن فإن الإنسان سيكون في مأمن من كثير من

البداء وهنا مسألة مهمة لتصويب المنزع العلمي وضبط السلوك القلبي، وهي أن الغلو في محبة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو غلو ميل لا غلو زيادة، فلا توجد زيادة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، بل إننا لو عشنا حياتنا كلها ندبج له المدائح صلى الله عليه وسلم ونتبعه في كل حركة وسكنة ونحرك قلوبنا لتطير في الأشواق إليه، ما بلغنا المحبة الواجبة له ولا بلغنا استحقاقه صلى الله عليه وسلم من المحبة.

إنما يكون الغلو المذموم في باب محبته صلى الله عليه وسلم في الميل عن طريقه المستقيم، أما أن نعتقد بأن الغلو في محبة النبي صلى الله عليه وسلم هو من باب الزيادة فهذا غلط يحترز منه، فنحن لا نبلغ حد المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم ولا نبلغ ربعها ولا معشارها، إنما يكون النكير على من حاد عن طريق محبة النبي صلى الله عليه وسلم لأنه مال وانحرف لا لأنه زاد واغترف.

ونحن لا نزال منذ نشأتنا وبدايتنا وبواكير تكليفنا نتقي المقامات الشريفة في محبة النبي صلى الله عليه واله وسلم ولا نكاد نبلغ، وإنما يجبرها عند الله سبحانه وتعالى أننا نريد لهذه المحبة أن تكتمل وأن نبلغ هذه المقامات.

المقصد الذي يليه: حاجتنا للتنوير الحقيقي، ومن لا يرى في هذا الكون الظلمة والظلام وكيف أننا قد امتلئنا بالقهر والظلم والبلاء، من لا يرى هذا فهو أعمى البصيرة.

وقد لاحظت أن الآيات التي فيها قسم بمعنى جزئي من معاني النور يأتي بعدها مباشرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ﴿وَٱلضُّحَىٰ ۝ وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ ۝ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ﴾ [الضحى: 1-3]، هذا النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً ﴿وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: 1]، والنجم مضيء والنجم إذا هوى ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ﴾ [النجم: 2]، فهذا أيضاً فيه قسم بالنجم بجزء من أجزاء النور ثم أتى سيد الأنوار صلى الله عليه وسلم.

وأيضاً على قول بعض المفسرين بأن معنى نون والقلم وما يسطرون بعضهم يقول يعني على هذا القول يقول بأن نون هو قسم بالنور فعال هذا القول، ويكون أيضاً ما بعدها ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]، ما يكون فيه قسم بشيء من أجزاء النور يأتي بعدها سيد الأنوار صلى الله عليه وسلم.

المقصد الذي يليه: الاستعانة على الاستهداء الشامل، في مسند الإام أحمد عن عائشة رضي الله عنها تقول واصفة النبي صلى الله عليه وسلم: كان خلقه القرآن. فقلت: يكون يوم الجمعة ندرس فيه خلقه، ويوم السبت يكون القرآن؛ كان خلقه هذه تكون الجمعة في الشمائل والقران تكون باستهداء القرآن يوم السبت، فنجمع الاستهداء الشامل.

المقصد الرابع عشر: شيء يمكن تسميته بالهروب الجميل والملاذ الآمن من أشغال الحياة وتكاليف المسؤوليات وما فيها من هموم تكون عادة ملازمة لأحوالنا المعيشية، وما يكون عند الانسان من انشغالات طوال أيام الأسبوع، فياتي نهاية الأسبوع لأن ندخل إلى هذا الشاطئ الهدئ ناخذ منه نصيبنا في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وما يعتمر في صدورنا وقتها من الأنوار الشريفة ومن المعاني اللطيفة.

المقصد الأخير: كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وتجديد محبته في ذلك اليوم، اللهم صلي عليه صلاة تكون في دروبنا نوراً وفي قلوبنا أنساً وسروراً، واجعل صلاتنا ودرسنا جسر محبة للنبي الأكرم صلى الله عليه واله وسلم، واجعلنا موصولين بهذه المباحث الشريفة والمقامات المنيفة، وارض اللهم عن صحابتك الذين بينوا العلم تبياناً، هاجروا ونصروا وبذلوا يبتغون فضلاً من الله ورضواناً.

أما أسباب اختيارنا لهذا الكتاب فلا يخفى عليكم بسبب شرف موضوعه، فهو يتحدث عن خاتم الرسل وخير الخلق صلى الله عليه وسلم، وأيضاً من أسباب اختيار الكتاب أنه حسن الترتيب والتناسب وهو متوسط بين الطول والقصر، وأيضاً يبدأ بالأحاديث المجملة ثم يفصل في ذلك، وأيضاً أبوابه تتناسب في ترتيبها مع ما قبلها وما بعدها.

وأنت تلحظ أن الإمام الترمذي بدأ بما يرى من بصر -أقصد بها أوصاف الخلقة الظاهرة- ثم ما يرى بالبصيرة -أقصد بها ما يكون من أخلاق- ثم ما يرى في عالم الأرواح من رؤى، وهذا الباب الأخير الذي أقيم الكتاب من أجله باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وهذا من حسن التهدى من الظاهر إلى الخفي إلى الأخفى، وفيه ترقي من الشريف إلى الأشرف.

أما ترتيب الكتاب فهذا الكتاب -أقصد الترتيب الزمني- فهذا الكتاب من أوائل المصنفات في الباب، فهو الكتاب الرابع تقريبا متعلق بأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته وأحواله وشمائله الشريفة، ونجد أن ترتيبه قد أتى كالتالي.

استهل المصنف رحمه الله كتابه بسياق عدد من الأحاديث الواردة في صفة خلقة النبي صلى الله عليه وسلم وبديع صفته وكمال صورته الشريفة، ثم أتبع ذلك بجمله من الروايات التي تتعلق بالمظهر العام كوصف خاتم النبوة وشعره وترجله وشيبه وخضابه وكحله وحليته ولباسه وعيشه وخفه ونعله وخاتمه وصفه سيفه ودرعه ومغفره وعمامته وازاره.

ثم انتقل إلى وصف الأمور التي تتصل بحياته اليومية كميشيا وتقنعه وجلسته وفرشه ووسادته وما جاء في اتكائه وصفه أكله وخبزه وادامه -وهذا هو أطول الابواب في الكتاب- ووضوئه وما يقول قبل الطعام وبعده وقدحه وفاكه وشرابه وصفه شربه ونحوه.

ثم انتقل المصنف رحمه الله للحديث عن أموره صلى الله عليه وسلم الخاصة واحواله الاجتماعية فوصف تعطره وتطيبه وكيف كان كلامه وانشاده للشعر ومسامرته وقصصه وضحكه وتبسمه ومزاحه وحسن عشرته لأزواجه أمهات المؤمنين ونحو ذلك.

ثم ساق المصنف بعد ذلك جملة من الأحوال المتعلقة بأحواله الشخصية والتعبدية كنومه وعبادته وتطوعه في بيته وصومه وتلاوته للقران وبكائه وخشوعه وفراشه وتواضعه وخلقه وحيائه وحجامته.

ثم انتقل لسياق أبواب تتعلق بروايات تتعلق بأساميه صلى الله عليه وسلم وسنه ووفاته وميراثه ورؤيته في المنام صلى الله عليه وسلم، ثم ختم الكتاب بحديث مقطوع عن الإمام التابعي محمد بن سيرين، وسنذكر عله إيراده لهذا وبعض الحكم مما وجدته عند الشراح ومما فتح الله به مما لم أجده عندهم.

وأحب الإشارة إلى أمر لطيف في صنيع الإمام الترمذي رحمه الله وترتيبه للابواب، وهو هذا الأمر اللطيف أن الإمام الترمذي رحمه الله ورضي عنه إنما عقد هذه الأبواب -نحو 56 باباً- في صفته الشريفة صلى الله عليه وسلم تمهيداً للباب الأخير، فالباب الأخير في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فهو يريد أن تعرف صفته قائماً وقاعداً وصفاته النفسية وحليته الشريفة وصفه ملبسه ومشربه وصفه شعره وكيفية ترجله إلى غير ذلك من الشمائل المحمودة، حتى إذا رايته في المنام تعرف أن من رايته هو النبي صلى الله عليه وسلم وتوقن أنه ليس شخصاً آخر، وسيأتي تفصيل هذه المسائل والمباحث في موطنها إن شاء الله.

قبل أن أبدأ في أبواب الترمذي وشرح هذا الكتاب أحب أن أذكر باباً جمعته تكون أشبه بالمقدمة لهذا الشرح، ليس استدراكاً على المصنف حاشا لله، وإنما هو باب يعني أحب أن أقدم بين يدي الكتاب به، أقول فيه باب ما جاء في حسن النبي صلى الله عليه واله وسلم.

في الصحيحين عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف وهو يقول: «لم تراعوا لم تراعوا».

وفي الصحيحين من حديث البراء قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مربوعاً بعيد ما بين المنكبين عظيم الجمه إلى شحمة أذنيه عليه حله حمراء، ما رأيت شيئاً قط أحسن منه صلى الله عليه وسلم.

وفي الصحيحين أيضاً عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً، ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير، هذا وصف البراء، أما وصف أنس فكما قال في البخاري: حسن الوجه لم أرى بعده مثله، ووصفه ابن عمه وزوج ابنتة علي رضي الله عنه ثم ختمه بقوله: لم أرى قبله ولا بعده مثله كما سياتي.

أما وصف أبي هريرة فقال: ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الشمس تجري في وجهه كما عند الترمذي، وعن أبي عبيدة بن عمار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوذ بن عفراء: صفي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: يا بني لو رأيته رأيت الشمس طالعة.

أما جابر بن سمرة فقال: رايت النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة أحيان وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو أحسن في عيني من القمر رواه الترمذي والنسائي.

وأما أبو الطفيل فوصفه صلى الله عليه وسلم ووصف حسنه بقوله: كان أبيض مليح مقصداً، والمقصد المعتدل الهيئة.

أما زوجة أمنا عائشة فقد راته ليلة في بردة سوداء كما في صحيح ابن حبان فقالت: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبس بردة سوداء، فقالت عائشة: ما أحسنها عليك يا رسول الله يشوب بياضك سوادها ويشوب سوادها بياضك.

وقد شبه وجهه الشريف بالقمر كما في حديث البراء، وبقطعة القمر كما وصفه كعب بن مالك، وبورقة المصحف كما في وصف انس، وبالمذهبة كما عند جرير بن عبد الله وهي الفضة المطلية بالذهب.

نبدأ في الحديث الأول باب ما جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولجميع المسلمين، باسانيدكم حفظكم الله تعالى إلى محمد بن عيسى بن ثورة الترمذي قال: باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: حدثنا أبو رجاء قتيبه بن سعيد عن مالك بن انس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سمعه يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، ولا بالابيض الأمحق ولا بالآدم، ولا بالجعد القطط ولا بالسبط، بعثه الله تعالى على رأس 40 سنة، فأقام بمكة 10 سنين وبالمدينة 10 سنين، وتوفاه الله على رأس 60 سنة وليس في راسه ولحيته 20 شعرة بيضاء.

أحسن الله إليكم، في البداية هذا الباب قال: باب ما جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا ما أغلب ما عليه النسخ المتقدمة القديمة العتيقة للشمائل عدا نسخة واحدة لازلت بحاجة إلى التأكد منها وإن كنت رايتها يعني أنها باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم والنسخ المتأخرة تكون باب ما جاء في خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما الذي أميل إليه أن الصواب أنها باب ما جاء في صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان الأمر واسعاً لأن الخلق بمعنى الصفة.

هذا الحديث لما تروا في اسناده قال: حدثنا أبو رجاء قتيبه بن سعيد، قتيبه بن سعيد هو قتيبه بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفي، له ترجمة مطولة حسنة عند الحافظ للذهبي في السيار قال فيها: وقد كنت عملت له ترجمة معها نحو من 80 حديثاً من العوالي وحدثت بذلك، هو توفي عام 40 و200.

ومن اللطائف أن أبا العباس السراج جمع كتاباً فيه عوالي أحاديث قتيبه بن سعيد هذا وسماه البيتوته، وسمي بهذا الاسم هذا الجزء سمي بالبيتوته لسبب غريب جاء على ظهر المخطوط مكتوب فيه: سمي هذا الجزء باحاديث البيتوته لأن السراج ما كان يقرئها إلا لمن ينام على بيت داره ليله واحدة، وهي من العوالي كان يقصد بذلك اعزاز الحديث.

قال الإام أبو القاسم عبد الرحمن بن منده: كم مرحله قصدت في طلب هذا الجزء حفاة بخرساء؟ هذه الأحاديث أعلى ما كان عن قتيبه بن سعيد والله أعلم.

الفائدة الثانية: لو سألنا أنفسنا سؤالاً متعلقاً بما بدئ بالصفة الخلقية قبل الخلقية؟ يمكن القول بضعة أجابات منها: لأن هذه هذا السبب الأول؛ لأن هذه الفطرة في التعلم، الطفل يتعلم المرئي المحسوس قبل غيره، والصفات الظاهرة هي أول ما يدرك من صفات الكمال.

الثاني من الأسباب: أنها كالدليل على الصفات الباطنة، ولذا قيل: الظاهر عنوان الباطن، والمحاسن الظاهرة آيات على المحاسن الباطنة والأخلاق الزكية.

ومن الإجابات السبب الثالث في الابتداء: أن الترتيب الوجودي يقتضي تقدم الظاهرة على الباطنة، تقدم الصفات الظاهرة على الباطنة، إذ الظاهر مقدم في الوجود على الباطن، الإنسان خلق أولاً بظاهره ثم اكتسب الكمالات والأخلاق يعني في عمر لاحق.

ومنها: أن رعاية الترقي تحصل بانتقاله من الشريف إلى الأشرف.

ومنها سبب خامس: لأن هذا مقصود الكتاب الأظهر كما تقدم، يعني رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته الخلقية هي مقصود الكتاب الأعظم.

الفائدة الثالثة: في غريب الحديث، نقول: الطويل البائن هو الطويل طولاً مفرطاً، الأبيض الأمحق البياض الشديد جداً، الآدم الأسمر بما يزيد عن التوسط، القطط شديد التلافيف، السبط الناعم نعومة سائلة.

الفائدة الثالثة: في مشكل الحديث في قوله بعثه الله تعالى على راس 40 سنة فأقام بمكة 10 سنين وبالمدينة 10 سنين وتوفاه الله على راس 60، هذه مسألة وقع فيها الخلاف، المتفق عليه فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث بالمدينة 10 سنين هذا أمر مجمع عليه، لكن الخلاف وقع في أمرين: في سن مبعثه، وفي مدة مكثه بمكة، وبناء على الاختلاف في هذين الامرين وقع الخلاف في سن وفاته صلى الله عليه وسلم على أقوال، فمن العلماء وأهل السير من قال إنه بعث على رأس

الأربعين ومكث بمكة عشراً وبالمدينة عشراً، وعلى هذا قول من قال إنه صلى الله عليه وسلم توفي على رأس الستين. وهذا ما تدل عليه رواية الشمائل هذه. ومنهم من قال هذا قول آخر إنه بعث على رأس الأربعين، وهو قول سعيد بن المسيب كما في تاريخ الطبري، وروي عن ابن عباس نحوه. ومنهم من قال إنه توفي صلى الله عليه وسلم على رأس الخامسة من العمر، وروي هذا عن ابن عباس عند أحمد في مسنده ولا يصح.

ومنهم من قال إن عادة العرب إلغاء الكسر في عدد السنين والاقتصار على العقود، فقولهم الستين والسبعين لا يقصدون بها حقيقتها، هذا مفهوم قول ابن حجر المكي في أشرف الوسائل، وهذا عندي مستبعد لما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم بأنهم كانوا يدققون في عدد الأيام والشهور، خاصة ما كان منها متصلاً بالنبي صلى الله عليه وسلم وأحواله كما كانوا يدققون في شيبه صلى الله عليه وسلم وعدد شعاراته وأين كانت، فلا يتوقع منهم التدقيق في هذه وإهمال الأيام والشهور، بل بعضهم يقول إهمال الأعوام هذا يعني يكون بعيداً جداً.

ومنهم من قال بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث على رأس الأربعين وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة ومكث بالمدينة عشراً وتوفي وهو ابن ثلاث وستين، وهذا القول الاخير هو القول الصحيح الذي رجحه الإام البخاري في صحيحه وحرر رواياته أتم تحرير الإمام ابن عبد البر في التمهيد، وهو الصحيح عن ابن عباس كما عند الطبراني في الكبير من طريق عبيد الله بن عمر عن كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولى ابن عباس، وهذا القول قول الأكثر، ويقويه أن هذا القول يجمع بين قول من يقول إن مبعثه صلى الله عليه وسلم كان على رأس الأربعين وقول من قال إنه مكث بمكة، فهذا قول يجمع بينها.

الفائدة الرابعة أن أجمل الشمائل أكمل الدلائل، وبهذا نفهم ما روي عن علي رضي الله عنه من طريق عبد الله بن بحير في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ قال علي رضي الله عنه: ما بعث الله نبياً قط إلا صبيح الوجه كريم الحسب حسن الصوت، وإن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان صبيح الوجه كريم الحسب حسن الصوت.

الفائدة الخامسة من هذا الحديث كمال أدب الصحابة رضي الله عنه، فهم يذكرون قيوداً احترازية عند وصف النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا يفهم منه ولو طائف إساءة من وجه وإن كان بعيداً. فلو قال ليس بالطويل وسكت فقد يفهم منه القصر أو أي إساءة أخرى وإهام، فأردف ذلك بقوله ليس بالطويل البائن. وهكذا تراه في الجعد القطط والبيض الأمهق، تجد أن هناك قيوداً احترازية، والكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم قائم على الاحتراز في اللفظ لئلا يشاب بشائبة نقص يصان عنها نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم.

وهذا مسلك الفقهاء والصحابة من قبلهم في غض جنابهم الشريف صلى الله عليه وسلم عن الألفاظ المحتملة والأوصاف الموهمة، ولا يجعلونه محلاً لاختلاف الفهوم. ونظير هذا قول جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفرغ على رأسه ثلاثاً، قال شعبة أظنه في الغسل من الجنابة، فقال رجل من بني هاشم إن شعري كثير، فقال جابر: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر شعرا منك، ولم يسكت قال أكثر شعرا منك وأطيب، رواه أحمد.

وعن أبي رضي الله عنه أن رجلاً سأله عن الغسل من الجنابة فقال ثلاثاً، فقال الرجل إن شعري كثير، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر شعرا منك وأطيب، رواه ابن ماجه. فانظروا هنا لم يقتصروا على وصف الشعر بالكثرة والكثافة حتى وصفوه بالطيب لئلا يتوهم أبداً ولو من طائف بعيد بأن الأمر فيه استقباح للشعر بسبب كثرته.

الفائدة السادسة مديح التوسط وأنه كمال العقلاء، فالعظمة عندهم لا تقتصر على الخوارق، ويستقر في وجداننا أن فهم هذا الحديث مهم في ضبط بوصلة التوحيد ويقي من الخرافات والبدع، فمن دوافع الابتداع أننا نشكل محبوباتنا لتغذينا بشعور نفتقده، فمن الطبيعي أن نؤمن بالكرامات والمعجزات لكن التوسع في هذا الباب ليصل إلى حد الخرافات منشاه النفسي أننا نفترض صورة معينة للعظمه ثم نلبس قدواتنا هذا الثوب.

وتأتي هذه الأحاديث لتريك عظيماً بل سيد العظماء صلى الله عليه وسلم، لتريك عظيماً يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، جميل باعتدال أوصافه، أما المبالغات فتجتذب صنفا ممن وهن عقله وبعود نضجه.

هذا ما كان في درس اليوم، شكر الله لكم هذا الاستماع، والتقيكم بإذن الله سبحانه وتعالى في الدرس المقبل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾.